ثم حكى أبو نصر السجزي عنهم في هذا قولين:
أحدها: أنه كفر ينقل عن الملة، قال: وهو قول الأكثرين.
والثاني: أنه كفر لا ينقل. ولذلك قال الخطابي: أن هذا قالوه على سبيل التغليظ.
وكذلك تنازع المتأخرون من أصحابنا في تخليد المكفر من هؤلاء، فأطلق أكثرهم عليه التخليد، كما نقل ذلك عن طائفة من متقدمي علماء الحديث، كأبي حاتم، وأبي زرعة، وغيرهم، وامتنع بعضهم من القول بالتخليد» (١).
وقال الإمام الفقيه ابن قدامة -رحمه الله تعالى-: «ولا تجوز الصلاة على كافر لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾.
ومن حكمنا بكفره من أهل البدع لم نصل عليه. قال أحمد: لا أشهد الجهمي ولا الرافضي ويشهدهما من أحب» (٢).
وقال الإمام ابن أبي العز مؤكدًا على أن المعين من الكفار إذا مات على كفره فإنه يشهد له بالنار: «وعن أبي يوسف ﵀ أنه قال: ناظرت
стр. 282
أبا حنيفة ﵀ مدة حتى اتفق رأيي ورأيه: أن من قال بخلق القرآن فهو كافر.
وأما الشخص المعين إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد، وأنه كافر؟
فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه، بل يخلده في النار فإن هذا حكم الكافر بعد الموت» (١).
فهذه بعض من نصوص السلف في أهل البدع المغلظة.
فمن حكم منهم عليهم بالكفر، حكم للميت على هذه البدعة المكفرة بالخلود في النار، وامتنعوا من الصلاة عليه والدعاء له، ومن دفنه في قبور المسلمين، ومن القيام على قبره، إلى غير ذلك من أحكام الكفر الثابتة من الشرع الحكيم.
وقبل الانتقال من هذه المسألة المهمة، نذكر بأن المحذور فيها هو الشهادة على من مات على الكفر بالنار على وجه القطع واليقين، فهذا لا يكون إلا فيمن أخبر الوحي فيه بذلك.
وأما ما دون ذلك فنحن نشهد له بغلبة الظن لظاهر حاله عند موته، ولأن الأحكام كما قدمنا من قبل منوط إجراؤها بالظواهر وغلبة الظن، دون اليقين والقطع، وإلا تعذر العمل بها. وبالله التوفيق، ومنه وحده العون والسداد.
стр. 283
ومن أعظم ما يحل الإشكال في مسألة التكفير والقتال، عمن قصد اتباع الحق: إجماع الصحابة على قتل مانعي الزكاة، وإدخالهم في أهل الردة، وسبي ذراريهم، وفعلهم فيهم ما صح عنهم، وهو أول قتال وقع في الإسلام على من ادعى أنه من المسلمين.
فهذه أول وقعة وقعت في الإسلام على هذا النوع؛ أعني المدعين للإسلام، وهي أوضح الوقعات، التي وقعت من العلماء عليهم من عصر الصحابة ﵃ إلى وقتنا هذا.
وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: «لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرك إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى انتهى كلامه.
والمراد منه قوله: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع.
وقال أيضًا في كتاب الفنون: لقد عظم الله الحيوان لا سيما ابن آدم، حيث أباحه الشرك عند الإكراه، فمن قدم حرمة نفسك على حرمته حتى أباحك أن تتوقى عن نفسك بذكره بما لا ينبغي له سبحانه، لحقيق أن تعظم شعائره وتوقر أوامره وزواجره، وعصم عرضك
بإيجاب الحد بقذفك، وعصم مالك بقطع يد مسلم في
стр. 284
سرقته، وأسقط شطر الصلاة في السفر لأجل مشقتك، وأقام مسح الخف مقام غسل الرجل إشفاقًا عليك من مشقة الخلع واللبس، وأباحك الميتة سدًا لرمقك وحفظًا لصحتك، وزجرك عن مضارك بحد عاجل ووعيد آجل، خرق العوائد لأجلك، وأنزل الكتب إليك.
أيحسن لك مع هذا الإكرام أن يراك على ما نهاك عنه منهمكًا، ولما أمرك تاركًا؟ وعلى ما زجرك مرتكبًا؟ وعن داعيه معرضًا، ولداعي عدوه فيك مطيعًا؟
يعظمك وهو هو، وتهمل أمره وأنت أنت، هو حط رتبة عباده لأجلك، وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجدها لأبيك.
هل عاديت خادمًا طالت خدمته لك لترك صلاة؟ هل نفيته من دارك للإخلال بفرض أو لارتكاب نهي؟
فإن لم تعترف اعتراف العبد «للمولى» فلا أقل أن تقتضي نفسك إلى الحق سبحانه اقتضاء المساوي المكافي.
ما أفحش ما تلاعب الشيطان بالإنسان!! بينما هو بحضرة الحق سبحانه، وملائكة السماء سجود له، ترامي به الأحوال والجهات إلى أن يوجد ساجدًا لصورة في حجر، أو لشجرة من الشجر، أو لشمس، أو لقمر، أو لصورة ثور خار، أو لطائر صفر.
ما أوحش زوال النعم وتغير الأحوال والحور بعد الكور، لا يليق بهذا الحي الكريم الفاضل على جميع الحيوانات أن يرى إلا عابدًا لله
стр. 285
في دار التكليف، أو مجاورًا لله في دار الجزاء والتشريف، وما بين ذلك فهو واضع نفسه في غير موضعها. انتهى كلامه.
والمراد منه أنه جعل أقبح حال وأفحشها من أحوال الإنسان أن يشرك بالله، ومثله بأنواع:
منها السجود للشمس أو للقمر، ومنها السجود للصورة، كما في الصور التي في القباب على القبور، والسجود قد يكون بالجبهة على الأرض، وقد يكون بالانحناء من غير وصول إلى الأرض كما فسر به قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤].
قال ابن عباس: أي ركعًا (٢٧/ش).
(٢٧/ش) قال الإمام الطبري في تفسير هذه الآية: «حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: ٥٨] أنه أحد أبوب بيت المقدس وهو يدعى باب حطة. وأما قوله: ﴿سُجَّدًا﴾ فإن ابن عباس ﵄ كان يتأوله بمعنى الركع.
حدثني محمد بن بشار قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: ركعًا من باب صغير.
حدثنا الحسن بن الزبرقان النخعي قال: حدثنا أبو أسامة، عن سفيان عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس ﵄ في قوله:
﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: أمروا أن يدخلوا ركعًا.
стр. 286
قال أبو جعفر: وأصل السجود الانحناء لمن سجد له معظمًا بذلك فكل منحن لشيء تعظيمًا له فهو ساجد ...
فذلك تأويل ابن عباس قوله: ﴿سُجَّدًا﴾ ركعًا لأن الراكع منحن وإن كان الساجد أشد انحناء منه (١).
стр. 287
وقال ابن القيم في إغاثة اللهفان في إنكار تعظيم القبور: وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين إلى أن صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابًا سماه: مناسك المشاهد، ولا يخفى أن هذه مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين عباد الأصنام» (١) انتهى.
وهذا الذي ذكره ابن القيم رجل من المصنفين يقال له: ابن المفيد، فقد رأيت ما قال فيه بعينه فكيف ينكر تكفير المعين؟
وأما كلام سائر أتباع الأئمة في التكفير فذكر منه قليلاً من كثير.
أما كلام الحنفية فكلامهم في هذا الباب من أغلظ الكلام، حتى إنهم يكفرون المعين إذا قال: مصيحف أو مسيجد، وصلى صلاة بلا وضوء، ونحو ذلك وقال في: النهر الفائق، واعلم أن الشيخ قاسما قال في شرح درر البحار: إن النذر الذي يقع من أكثر العوام بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا يا سيدي فلان إن رد غائبي، أو عوفي مريضي فلك من الذهب، أو الفضة، أو الشمع، أو الزيت كذا باطل إجماعًا لوجوه -إلى أن قال- ومنها ظن أن الميت يتصرف في الأمر، واعتقاده هذا كفر -إلى أن قال-: وقد ابتلي الناس بذلك لا سيما في مولد الشيخ أحمد البدوي انتهى كلامه.
فانظر إلى تصريحه أن هذا كفر مع قوله إنه يقع من أكثر العوام، وأن أهل العلم قد ابتلوا بما لا قدرة لهم على إزالته.
стр. 288
وقال القرطبي: ﵀ لما ذكر سماع الفقر أو صورته قال: هذا حرام بالإجماع وقد رأيت فتوى شيخ الإسلام جمال الملة أن مستحل هذا كافر، ولما علم أن حرمته بالإجماع لزم أن يكفر مستحله.
فقد رأيت كلام القرطبي، وكلام الشيخ الذي نقل عنه في كفر من استحل السماع والرقص، مع كونه دون ما نحن فيه بالإجماع بكثير.
وقال أبو العباس ﵀: حدثني ابن الخضيري عن والده الشيخ الخضيري إمام الحنفية في زمانه قال: كان فقهاء بخارى يقولون في ابن سينا: كان كافرًا ذكيًا (١).
فهذا إمام الحنفية في زمنه حكى عن فقهاء بخارى جملة: كفر ابن سينا، وهو رجل معين مصنف يتظاهر بالإسلام.
وأما كلام المالكية في هذا فهو أكثر من أن يحصر، وقد اشتهر عن فقهائهم سرعة الفتوى، والقضاء بقتل الرجل عند الكلمة التي لا يفطن لها أكثر الناس، وقد ذكر القاضي عياض في آخر كتاب الشفاء من ذلك طرفًا، ومما ذكر أن من حلف بغير الله على وجه التعظيم كفر، وكل هذا دون ما نحن فيه بما لا نسبة بينه وبينه.
وأما كلام الشافعية فقال صاحب الروضة ﵀: إن المسلم إذا ذبح للنبي ﷺ كفر.
стр. 289
وقال أيضًا: من شك في كفر طائفة ابن عربي فهو كافر، وكل هذا دون ما نحن فيه.
قال ابن حجر في شرح الأربعين على حديث ابن عباس ﵄: «إذا سألت فاسأل الله» ما معناه: أن من دعا غير الله فهو كافر، وصنف في هذا النوع كتابًا مستقلاً سماه: الإعلام بقواطع الإسلام، ذكر فيه أنواعًا كثيرة من الأقوال والأفعال كل واحد منها ذكر أنه يخرج من الإسلام ويكفر به المعين، وغالبه لا يساوي عشير معشار ما نحن فيه» (٢٨/ش).
(٢٨/ش) بعدما قام الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب بعرض نبذ يسيرة، ومختصرة لكل مذهب من المذاهب الأربعة على حدة في مسألة تكفير المعين، رأيت أن نبين مسائل الردة، ونواقض الإسلام، وما يصير به المسلم مرتدًا عن دينه، من كل مذهب من المذاهب الأربعة.
ولا شك أن من أوجب الواجبات أن يعرف العبد: جمل وتفاصيل مسائل الردة والنواقض حتى يعصم دينه من الارتكاس في حمأة الكفر، وحتى يحقق قوله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وحتى يستطيع أن يقوم بأوجب الواجبات بعد التوحيد المتمثل في موالاة المؤمنين، والبراءة من الكافرين والمرتدين.
وسوف نعرض أولاً لكتاب المرتد من المذهب الشافعي والحنفي معًا جمعهما الإمام النووي -رحمه الله تعالى:
فقال: «كتاب الردة، هي أفحش أنواع الكفر، وأغلظها حكمًا، وفيه بابان:
стр. 290
الأول: في حقيقة الردة، ومن تصح منه، وفيه طرفان.
الأول: في حقيقتها، وهي قطع الإسلام، ويحصل ذلك تارة بالقول الذي هو كفر، وتارة بالفعل، والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين صريح، كالسجود للصنم أو للشمس، وإلقاء المصحف في القاذورات، والسحر الذي فيه عبادة الشمس ونحوها، قال الإمام: في بعض التعاليق عن شيخي أن الفعل بمجرده لا يكون كفرًا (١)، قال: وهذا زلل عظيم من المعلق ذكرته للتنبيه على غلطه (١).
стр. 291
وتحصل الردة بالقول الذي هو كفر، سواء صدر على اعتقاد أو عناد أو استهزاء، هذا قول جملي، وأما التفصيل فقال المتولي: من اعتقد قدم العالم، أو حدوث الصانع، أو نفي ما هو ثابت للقديم بالإجماع، ككونه عالمًا قادرًا، أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع، كالألوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرًا، وكذا من جحد جواز بعثة الرسل، أو أنكر نبوة نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، أو كذبه، أو جحد آية من القرآن مجمعًا عليها، أو زاد في القرآن كلمة واعتقد أنها منه، أو سب نبيًا، أو استخف به، أو استحل محرمًا بالإجماع، كالخمر والزنا واللواط، أو حرم حلالاً
стр. 292
بالإجماع، أو نفى وجوب مجمع على وجوبه، كركعة من الصلوات الخمس، أو اعتقد وجوب ما ليس بواجب بالإجماع، كصلاة سادسة وصوم شوال، أو نسب عائشة ﵂ إلى الفاحشة، أو ادعى النبوة بعد نبينا ﷺ ، أو صدق مدعيًا لها، أو عظم صنمًا بالسجود له، أو تقرب إليه بالذبح باسمه، فكل هذا كفر.
قلت: قوله: إن جاحد المجمع عليه يكفر، ليس على إطلاقه، بل الصواب فيه تفصيل سبق بيانه في باب تارك الصلاة عقب كتاب الجنائز، ومختصره أنه إن جحد مجمعًا عليه يعلم من دين الإسلام ضرورة، كفر إن كان فيه نص، وكذا إن لم يكن فيه نص في الأصح، وإن لم يعلم من دين الإسلام ضرورة بحيث لا يعرفه كل المسلمين، لم يكفر، والله أعلم.
قال المتولي: ولو قال للمسلم: يا كافر بلا تأويل كفر، لأنه سمى الإسلام كفرًا، والعزم على الكفر في المستقبل كفر في الحال، وكذا التردد في أنه يكفر أم لا فهو كفر في الحال، وكذا التعليق بأمر مستقبل، كقوله: إن هلك مالي أو ولدي تهودت أو تنصرت.
قال: الرضا بالكفر كفر، حتى لو سأله كافر يريد الإسلام أن يلقنه كلمة التوحيد فلم يفعل، أو أشار عليه بأن لا يسلم، أو على مسلم بأنه يرتد، فهو كافر بخلاف ما لو قال لمسلم: سلبه الله الإيمان، أو لكافر: لا رزقه الله الإيمان فليس بكفر، لأنه ليس رضا بالكفر، لكنه دعا عليه بتشديد الأمر والعقوبة عليه.
стр. 293
قلت: وذكر القاضي حسين في «الفتاوى» وجهًا ضعيفًا، أن من قال لمسلم: سلبه الإيمان كفر. والله أعلم.
ولو أكره مسلمًا على الكفر، صار المكره كافرًا، والإكراه على الإسلام والرضا به، والعزم عليه في المستقبل ليس بإسلام.
ومن دخل دار الحرب: وشرب معهم الخمر، وأكل لحم الخنزير، لا يحكم بكفره، وارتكاب كبائر المحرمات ليس بكفر، ولا ينسلب به اسم الإيمان، والفاسق إذا مات ولم يتب لا يخلد في النار.
فرع
في كتب أصحاب أبي حنيفة ﵀ اعتناء تام بتفصيل الأقوال والأفعال المقتضية للكفر، وأكثرها مما يقتضي إطلاق أصحابنا الموافقة عليه، فنذكر ما يحضرنا مما في كتبهم.
منها: إذا سخر باسم من أسماء الله تعالى، أو بأمره، أو بوعده، كفر، وكذا لو قال: لو أمرني الله تعالى بكذا لم أفعل، أو لو صارت القبلة في هذه الجهة ما صليت إليها، أو لو أعطاني الجنة ما دخلتها.
قلت: مقتضى مذهبنا والجاري على القواعد أنه لا يكفر في قوله: لو أعطاني الجنة ما دخلتها، وهو الصواب والله أعلم.
ولو قال لغيره: لا تترك الصلاة، فإن الله تعالى يؤاخذك، فقال: لو آخذني الله بها، مع ما بي من المرض والشدة، ظلمني أو قال المظلوم:
стр. 294
هذا بتقدير الله تعالى، فقال الظالم: أنا أفعل بغير تقدير الله تعالى كفر، ولو قال: لو شهد عندي الأنبياء والملائكة بكذا ما صدقتهم كفر، ولو قيل له: قلم أظفارك فإنه سنة رسول الله ﷺ فقال: لا أفعل وإن كانت سنة، كفر.
قلت: المختار أنه لا يكفر بهذا إلا أن يقصد استهزاء والله أعلم.
واختلفوا فيما إذا قال الطالب ليمين خصمه، وقد أراد الخصم أن يحلف بالله تعالى: لا أريد الحلف بالله تعالى، إنما أريد الحلف بالطلاق والعتاق، والصحيح أنه لا يكفر، واختلفوا فيمن نادى رجلاً اسمه عبد الله، وأدخل في آخره حرف الكاف الذي يدخل للتصغير بالعجمية، فقيل: يكفر، وقيل: إن تعمد التصغير كفر، وإن كان جاهلاً لا يدري ما يقول، أو لم يكن له قصد، لا يكفر، واختلفوا فيمن قال: رؤيتي إياك كرؤية ملك الموت، وأكثرهم على أنه لا يكفر، قالوا: ولو قرأ القرآن على ضرب الدف أو القضيب، أو قيل له: تعلم الغيب، فقال: نعم، فهو كفر، واختلفوا فيمن خرج لسفر، فصاح العقعق (١) فرجع هل يكفر؟
قلت: الصواب أنه لا يكفر في المسائل الثلاث، والله أعلم.
ولو قال: لو كان فلان نبيًّا آمنت به -كفر، وكذا لو قال: إن كان ما قاله الأنبياء صدقًا نجونا، أو قال: لا أدري أكان النبي ﷺ إنسيًا أم جنيًّا، أو قال: إنه جن، أو صغر عضوًا من أعضائه على طريق الإهانة.
стр. 295
واختلفوا فيما لو قال: كان طويل الظفر، واختلفوا فيمن صلى بغير وضوء متعمدًا، أو مع ثوب نجس، أو إلى غير القبلة.
قلت: مذهبنا ومذهب الجمهور، لا يكفر إن لم يستحله والله أعلم.
ولو تنازع رجلان، فقال أحدهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال الآخر: لا حول لا تغني من جوع، كفر، ولو سمع أذان المؤذن فقال: إنه يكذب، أو قال وهو يتعاطى قدح الخمر، أو يقدم على الزنا: باسم الله تعالى، استخفافًا باسم الله تعالى كفر، ولو قال: لا أخاف القيامة، كفر، واختلفوا فيما لو وضع متاعه في موضع وقال: سلمته إلى الله تعالى، فقال له رجل: سلمته إلى من لا يتبع السارق إذا سرق.
ولو حضر جماعة، وجلس أحدهم على مكان رفيع تشبهًا بالمذكرين، فسألوه المسائل وهم يضحكون، ثم يضربونه بالمخراق، أو تشبه بالمعلمين فأخذ خشبة، وجلس القوم حوله كالصبيان، وضحكوا واستهزؤوا، وقال: قصعة ثريد خير من العلم، كفر.
قلت: الصواب أنه لا يكفر في مسألتي التشبه، والله أعلم.
ولو دام مرضه واشتد فقال: إن شئت توفيتني مسلمًا، وإن شئت توفيتني كافرًا، صار كافرًا، وكذا لو ابتلي بمصائب، فقال: أخذت مالي، وأخذت ولدي، وكذا وكذا، وماذا تفعل أيضًا، أو ماذا بقي ولم تفعله كفر، ولو غضب على ولده أو غلامه، فضربه ضربًا شديدًا، فقال رجل: لست بمسلم،
стр. 296
فقال: لا متعمدًا كفر، ولو قيل له: يا يهودي، يا مجوسي، فقال: لبيك كفر.
قلت: في هذا نظر إذا لم ينو شيئًا (١)، والله أعلم.
ولو أسلم كافر، فأعطاه الناس أموالا، فقال مسلم: ليتني كنت كافرًا فأسلم فأعطى، قال بعض المشايخ: يكفر.
قلت: في هذا نظر، لأنه جازم بالإسلام في الحال والاستقبال، وثبت في الأحاديث الصحيحة في قصة أسامة ﵁ حين قتل من نطق بالشهادة، فقال له النبي ﷺ : «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟» قال: حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل يومئذ» (٢) ويمكن الفرق بينهما، والله أعلم.
ولو تمنى أن لا يحرم الله تعالى الخمر، أو لا يحرم المناكحة بين الأخ والأخت لا يكفر، ولو تمنى أن لا يحرم الله تعالى الظلم أو الزنا، وقتل النفس بغير حق كفر، والضابط أن ما كان حلالاً في زمان فتمنى حله لا يكفر.
ولو شد الزنار على وسطه كفر، واختلفوا فيمن وضع قلنسوة المجوس
стр. 297
على رأسه، والصحيح أنه يكفر، ولو شد على وسطه حبلاً، فسئل عنه، فقال: هذا زنار، فالأكثرون على أنه يكفر، ولو شد على وسطه زنارًا، ودخل دار الحرب للتجارة كفر، وإن دخل لتخليص الأسارى لم يكفر.
قلت: الصواب أنه لا يكفر في مسألة التمنى، وما بعدها إذا لم تكن نية، والله أعلم.
ولو قال معلم الصبيان: اليهود خير من المسلمين بكثير، لأنهم يقضون حقوق معلمي صبيانهم كفر، قالوا: ولو قال: النصرانية خير من المجوسية كفر، ولو قال المجوسية شر من النصرانية، لا يكفر.
قال: الصواب أنه لا يكفر بقوله: النصرانية خير من المجوسية إلا أن يريد أنها دين حق اليوم (١) والله أعلم.
قالوا: ولو عطس السلطان، فقال له رجل: يرحمك الله، فقال آخر: لا تقل للسلطان هذا، كفر الآخر.
قلت: الصواب أنه لا يكفر بمجرد هذا، والله أعلم.
стр. 298
قالوا: ولو سقى فاسق ولده خمرًا، فنثر أقرباؤه الدراهم والسكر، كفروا.
قلت الصواب أنهم لا يكفرون، والله أعلم.
قالوا: ولو قال كافر لمسلم: اعرض علي الإسلام، فقال: حتى أرى، أو اصبر إلى الغد، أو طلب عرض الإسلام من واعظ، فقال: اجلس إلى آخر المجلس كفر، وقد حكينا نظيره عن المتولي قالوا: ولو قال لعدوه: لو كان نبيًا لم أؤمن به، أو قال: لم يكن أبو بكر الصديق ﵁ من الصحابة كفر، قالوا: ولو قيل لرجل: ما الإيمان؟ فقال: لا أدري كفر، أو قال لزوجته: أنت أحب إلي من الله تعالى كفر.
وهذه الصور تتبعوا فيها الألفاظ الواقعة في كلام الناس، وأجابوا فيها اتفاقًا أو اختلافًا بما ذكر، ومذهبنا يقتضي موافقتهم في بعضها، وفي بعضها يشترط وقوع اللفظ في معرض الاستهزاء» (١).
وقال الإمام القاضي عياض -رحمه الله تعالى- في بيان مذهب المالكية في نواقض الإسلام، ومسائل الردة: «فصل، في بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف فيه وما ليس بكفر، اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع ولا مجال للعقل فيه، والفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية أو الوحدانية، أو عبادة أحد غير الله، أو مع الله فهي كفر، كمقالة الدهرية، وسائر فرق أصحاب الاثنين، من الديصانية،
стр. 299
والمانوية، وأشباههم من الصابئين, والنصارى، والمجوس، والذين أشركوا بعبادة الأوثان، أو الملائكة، أو الشياطين، أو الشمس، أو النجوم، أو النار، أو أحد غير الله، من مشركي العرب وأهل الهند والصين والسودان وغيرهم ممن لا يرجع إلى كتاب، وكذلك القرامطة، وأصحاب الحلول، والتناسخ، من الباطنية الطيارة ومن الروافض، وكذلك من اعترف بإلهية الله ووحدانيته، ولكنه اعتقد أنه غير حي، أو غير قديم، وأنه محدث، أو مصور، أو ادعى له ولدًا، أو صاحبة، أو والدًا، أو متولد من شيء، أو كائن عنه، أو أن معه في الأزل شيئًا قديمًا غيره، أو أن ثم صانعًا للعالم سواه، أو مدبرًا غيره فذلك كله كفر بإجماع المسلمين، كقول الإلهيين من الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين، وكذلك من ادعى مجالسة الله، والعروج إليه، ومكالمته، أو حلوله في أحد الأشخاص، كقول بعض المتصوفة، والباطنية، والنصارى والقرامطة.
وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم، أو بقائه، أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة، والدهرية، أو قال بتناسخ الأرواح، وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص، وتعذيبها أو تنعمها فيها بحسب زكائها وخبثها، وكذلك من اعترف بالإلهية والوحدانية، ولكنه جحد النبوة من أصلها عمومًا، أو نبوة
نبينا ﷺ خصوصًا، أو أحد من الأنبياء الذين نص الله عليهم بعد علمه بذلك فهو كافر بلا ريب، كالبراهمة، ومعظم اليهود، والأروسية من النصارى، والغرابية من الروافض، الزاعمين أن عليًا كان المبعوث إليه جبريل،
стр. 300
وكالمعطلة، والقرامطة والإسماعيلية، والعنبرية من الرافضة، وإن كان بعض هؤلاء قد أشركوا في كفر آخر مع من قبلهم.
وكذلك من دان بالوحدانية، وصحة النبوة، ونبوة نبينا ﷺ ، ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا به، ادعى في ذلك المصلحة بزعمه، أو لم يدعها فهو كافر بإجماع، كالمتفلسفين، وبعض الباطنية، والروافض، وغلاة المتصوفة، وأصحاب الإباحة فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرع، وأكثر ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان، ويكون من أمور الآخرة والحشر؛ والقيامة؛ والجنة، والنار ليس منها شيء على مقتضى لفظها، ومفهوم خطابها، وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة لهم، إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم.
فمضمون مقالاتهم إبطال الشرائع، وتعطيل الأوامر والنواهي، وتكذيب الرسل، والارتياب فيما أتوا به، وكذلك من أضاف إلى نبينا ﷺ تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به، أو شك في صدقه أو سبه، أو قال إنه لم يبلغ أو استخف به، أو بأحد من الأنبياء، أو أزرى عليهم، أو آذاهم، أو قتل نبيًا، أو حاربه فهو كافر بإجماع.
وكذلك نكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن في كل جنس من الحيوان نذيرًا ونبيًّا، من القردة والخنازير والدواب والدود وغير ذلك، ويحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] إذ ذلك يؤدي إلى أن يوصف أنبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة، وفيه من الإزراء على
стр. 301
هذا المنصف المنيف ما فيه، مع إجماع المسلمين على خلافه، وتكذيب قائله.
وكذلك نكفر من اعترف من الأصول الصحيحة بما تقدم، ونبوة نبينا ﷺ ولكن قال: كان أسودًا، أو مات قبل أن يلتحي، أو ليس الذي كان بمكة، والحجاز، أو ليس بقرشي، لأن وصفه بغير صفاته المعلومة، نفي له، وتكذيب به.
وكذلك من ادعى نبوة أحد مع نبينا ﷺ ، أو بعده، كالعيسوية من اليهود القائلين بتخصيص رسالته إلى العرب، وكالخرمية القائلين بتواتر الرسل، وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة علي في الرسالة للنبي ﷺ وبعده، فكذلك كل إمام عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوة والحجة، وكالبزيغية، والبيانية منهم القائلين بنبوة بزيغ وبيان، وأشباه هؤلاء، أو من ادعى النبوة لنفسه، أو جوز اكتسابها، والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها، كالفلاسفة، وغلاة المتصوفة، وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه، وإن لم يدع النبوة أو أنه يصعد إلى السماء، ويدخل الجنة، ويأكل من ثمارها، ويعانق الحور العين، فهؤلاء كلهم كفار مكذبون للنبي ﷺ ، لأنه
أخبر ﷺ أنه خاتم النبيين، لا نبي بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين وأنه أرسل كافة للناس، واجتمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن مفهومه المراد به دون تأويل ولا تخصيص، فلا شك في كفر هؤلاء الطوائف كلها قطعًا إجماعًا وسمعًا.
стр. 302
وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب، أو خص حديثًا، مجمعًا على نقله، مقطوعًا به، مجمعًا على حمله على ظاهره، كتكفير الخوارج بإبطال الرجم.
ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك.
وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة، وتكفير جميع الصحابة، كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد
النبي ﷺ إذ لم تقدم عليًا وكفرت عليًا إذ لم يتقدم، ويطلب حقه في التقديم، فهؤلاء قد كفروا من وجوه، لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها، إذ قد انقطع نقلها، ونقل القرآن إذ ناقلوه كفرة على زعمهم، وإلى هذا والله أعلم أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة، ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي ﷺ على مقتضى قولهم، وزعمهم أنه عهد إلى علي ﵁، وهو يعلم أنه يكفر بعده على قولهم، لعنة الله عليهم، وصلى الله على رسوله وآله.
وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان صاحبه مصرحًا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل، كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار، والسعي إلى الكنائس والبيع مع أهلها والتزيي بزيهم،
стр. 303
من شد الزنانير، فحص الرؤوس (١) فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر، وأن هذه الأفعال علامة على الكفر، وإن صرح فاعلها بالإسلام.
وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، أو شرب الخمر، أو الزنا، مما حرم الله بعد علمه بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة، وبعض غلاة المتصوفة.
وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب، وأنكر قاعدة من قواعد الشرع، وما عرف يقينًا بالنقل المتواتر من فعل الرسول ﷺ ، ووقع الإجماع المتصل عليه، كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس، وعدد ركعاتها، وسجداتها، ويقول إنما أوجب الله علينا في كتابة الصلاة على الجملة، وكونها خمسًا، وعلى هذه الصفات والشروط لا أعلمه، إذ لم يرد فيه في القرآن نص جلي، والخبر به عن الرسول ﷺ خبر واحد.
وكذلك أجمع على تكفير من قال من الخوارج: إن الصلاة طرفي النهار، وعلى تكفير الباطنية في قولهم: إن الفرائض أسماء رجال أمروا بولايتهم، والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم، وقول بعض المتصوفة: إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها،
стр. 304
وإباحة كل شيء لهم، ورفع عهد الشرائع عنهم، وكذلك إن أنكر منكر مكة، أو البيت، أو المسجد الحرام، أو صفة الحج، أو قال الحج واجب في القرآن، واستقبال القبلة كذلك، ولكن كونه على هذه الهيئة المتعارفة، وأن تلك البقعة هي مكة، والبيت، والمسجد الحرام لا أدري هل هي تلك أو غيرها؟ ولعل الناقلين أن النبي ﷺ فسرها بهذه التفاسير غلطوا ووهموا، فهذا ومثله لا مرية في تكفيره، إن كان ممن يظن به علم ذلك، وممن خالط المسلمين، وامتدت صحبته لهم، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام، فيقال له سبيلك أن تسأل عن هذا الذي لم تعلمه بعد كافة المسلمين فلا تجد بينهم خلافًا، كافة عن كافة إلى معاصر الرسول ﷺ ، أن هذه الأمور كما قيل لك، وأن تلك البقعة هي مكة، والبيت الذي فيها هو الكعبة، والقبلة التي صلى لها الرسول ﷺ والمسلمون، وإن صفات الصلوات المذكورة، هي التي فعل النبي ﷺ ، وشرح مراد الله بذلك، وأبان حدودها فيقع ذلك العلم كما وقع لهم، ولا ترتاب بذلك بعد، والمرتاب في ذلك والمنكر بعد البحث، وصحبة المسلمين كافر باتفاق، ولا يعذر بقوله لا أدري، لا يصدق فيه، بل ظاهره التستر على التكذيب، إذ لا يمكن أنه لا يدري.
وأيضًا فإنه إذا جوز على جميع الأمة الوهم والغلط فيما نقلوه من ذلك، وأجمعوا أنه قول الرسول وفعله، وتفسير مراد الله به، أدخل الاسترابة في جميع الشريعة إذ هم الناقلون لها، وللقرآن، وانحلت عرى الدين كرة، ومن قال هذا كافر، وكذلك من أنكر القرآن، أو حرفًا منه، أو غير شيئًا منه، أو زاد
стр. 305
فيه، كفعل الباطنية، والإسماعيلية، أو زعم أنه ليس بحجة للنبي ﷺ ، أو ليس فيه حجة، ولا معجزة، كقول هشام الفوطي، ومعمر الصيمري: إنه لا يدل على الله، ولا حجة فيه لرسوله، ولا يدل على ثواب، ولا عقاب، ولا حكم، ولا محالة في كفرهما بذلك القول، وكذلك نكفرهما بإنكارهما أن يكون في سائر معجزات النبي ﷺ حجة له، أو في خلق السماوات والأرض دليل على الله لمخالفتهم الإجماع، والنقل المتواتر عن النبي ﷺ باحتجاجه بهذا كله، وتصريح القرآن به، وكذلك من أنكر شيئًا، مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس، ومصاحف المسلمين، ولم يكن جاهلاً به، ولا قريب عهد بالإٍسلام، واحتج لإنكاره، إما بأنه لم يصح النقل عنده، ولا بلغه العلم به، أو لتجويز الوهم على ناقله، فنكفره بالطريقين المتقدمين، لأنه مكذب للقرآن، مكذب للنبي ﷺ ، لكنه تستر بدعواه.
وكذلك من أنكر الجنة، أو النار، أو البعث، أو الحساب، أو القيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترًا، وكذلك من اعترف بذلك، ولكنه قال: إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب: معنى غير ظاهره، وأنها لذات روحانية، ومعان باطنة، كقول النصارى، والفلاسفة، والباطنية، وبعض المتصوفة، وزعم أن معنى القيامة الموت، أو فناء محض، وانتقاض هيئة الأفلاك، وتحليل العالم، كقول بعض الفلاسفة، وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم: إن الأئمة أفضل من الأنبياء.
стр. 306
فأما من أنكر ما عرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد، التي لا يرجع إلى إبطال شريعة، ولا يفضي إلى إنكار قاعدة من الدين، كإنكار غزوة تبوك، أو مؤتة، أو وجود أبي بكر وعمر، أو قتل عثمان، أو خلافة علي ﵃، مما علم بالنقل ضرورة، وليس في إنكار وجحد شريعة، فلا سبيل إلى تكفيره بجحد ذلك، وإنكار وقوع العلم له، إذ ليس في ذلك أكثر من المباهتة، كإنكار هشام وعباد وقعة الجمل، ومحاربة علي من خالفه.
فأما إن ضعف ذلك من أجل تهمة الناقلين، ووهم المسلمين أجمع، فنكفره بذلك لسريانه إلى إبطال الشريعة.
فأما من أنكر الإجماع المجرد، الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع، فأكثر المتكلمين، ومن الفقهاء، والنظار في هذا الباب قالوا: بتكفير كل من خالف الإجماع الصحيح، الجامع لشروط الإجماع، المتفق عليه عمومًا، وحجتهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥] الآية، وقوله ﷺ : «من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (١) وحكوا الإجماع على تكفير من خالف الإجماع،
стр. 307
وذهب آخرون إلى الوقوف عن القطع بتكفير من خالف الإجماع، الذي يختص بنقل العلماء، وذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع الكائن عن نظر، كتكفير النظام بإنكاره الإجماع، لأنه بقوله هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم به خارق للإجماع.
قال القاضي أبو بكر: القول عندي أن الكفر بالله هو الجهل بوجوده، والإيمان بالله هو العلم بوجوده (١)، وأنه لا يكفر أحد بقول ولا رأي إلا أن يكون هو الجهل بالله، فإن عصى بقول، أو فعل نص الله ورسوله، أو أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافر، أو يقوم دليل على ذلك فقد كفر، ليس لأجل قوله أو فعله، لكن لما يقارنه من الكفر.
فالكفر بالله لا يكون إلا بأحد ثلاثة أمور:
أحدها: الجهل بالله تعالى.
والثاني: أن يأتي فعلاً، أو يقول قولاً يخبر الله ورسوله أو يجمع المسلمون أن ذلك لا يكون إلا من كافر، كالسجود للصنم، والمشي إلى الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم، أو يكون ذلك القول أو الفعل
стр. 308
لا يمكن معه العلم بالله، قال: فهذان الضربان، وإن لم يكونا جهلاً بالله، فهما علم أن فاعلهما كافر منسلخ من الإيمان.
فأما من نفى صفة من صفات الله تعالى الذاتية، أو جحدها مستبصرًا في ذلك، كقوله: ليس بعالم، ولا قادر، ولا مريد، ولا متكلم، وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى، فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها، وأعراه عنها، وعلى هذا حمل قول سحنون: من قال: ليس لله كلام فهو كافر، وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه.
فأما من جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء ههنا، فكفره بعضهم، وحكي ذلك عن أبي جعفر الطبري وغيره، وقال به أبو الحسن الأشعري مرة؛ وذهب طائفة إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان، وإليه رجع الأشعري.
قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادًا يقطع بصوابه، ويراه دينًا وشرعًا، وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق.
واحتج هؤلاء بحديث السوداء، وأن النبي ﷺ إنما طلب منها التوحيد لا غير (١)، وبحديث القائل: «لئن قدر الله علي» وفي رواية فيه: «لعلي
стр. 309
أضل الله ثم قال: فغفر الله له» (١).
قالوا: ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات، وكوشفوا عنها لما وجد من يعلمها إلا الأقل، وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوه منها:
أن قدر بمعنى، قدر، ولا يكون شكه في القدرة على إحيائه، بل في نفس البعث، الذي لا يعلم إلا بشرع، ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه، فيكون الشك فيه حينئذ كفرًا، فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوزات العقول.
أو يكون قدر بمعنى: ضيق، وسيكون ما فعله بنفسه إزراء عليها، وغضبًا لعصيانها.
وقيل: إنما قال: ما قاله وهو غير عاقل لكلامه، ولا ضابط للفظه، مما استولى عليه من الجزع والخشية، التي أذهبت لبه فلم يؤاخذ به.
وقيل: كان هذا في زمن الفترة، وحيث ينفع مجرد التوحيد.
وقيل: بل هذا من مجاز كلام العرب، الذي صورته الشك، ومعناه التحقيق، وهو يسمى تجاهل العارف، وله أمثلة في كلامهم كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤] وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
стр. 310
فأما من أثبت الوصف، ونفى الصفة فقال: أقول عالم ولكن لا علم له، ومتكلم ولكن لا كلام له، وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة، فمن قال: بالمآل لما يؤديه إليه قوله، ويسوقه إليه مذهبه كفره، لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم، إذ لا يوصف بعالم إلا من له بعلم فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قولهم، وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل، من المشبهة، والقدرية،
وغيرهم.
ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم، لم ير إكفارهم، قال: لأنهم إذا وقفوا على هذا، قالوا: لا نقول ليس بعالم، ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر، بل نقول: إن قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه.
فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل، وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك، والصواب ترك إكفارهم، والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران، وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم، ومناكحاتهم، ودياتهم، والصلاة عليهم، ودفنهم في مقابر المسلمين، وسائر معاملاتهم، لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب، وشديد الزجر، والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم، وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم، فقد
كان نشأ على زمن الصحابة، وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال، من القدر ورأي الخوارج، والاعتزال، فما أزاحوا لهم قبرًا،
стр. 311
ولا قطعوا لأحد منهم ميراثًا، لكنهم هجروهم، وأدبوهم بالضرب، والنفي والقتل على قدر أحوالهم، لأنهم فساق ضلال عصاة، أصحاب كبائر عند المحققين، وأهل السنة، ممن لم يقل بكفرهم منهم، خلافًا لمن رأى غير ذلك والله الموفق
للصواب.
قال القاضي أبو بكر: وأما مسائل الوعد، والوعيد، والرؤية، والمخلوق (١)، وخلق الأفعال، وبقاء الأعراض، والتولد، وشبهها من الدقائق، فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح، إذ ليس في الجهل بشيء منها، جهل بالله تعالى، ولا أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئًا منه، وقد قدمنا في الفصل قبله من الكلام، وصورة الخلاف في هذا ما أغنى عن إعادته بحول الله تعالى» (٢).
وقال الإمام الحجاوي المقدسي مبينًا مذهب الحنابلة في نواقض الإسلام، ومسائل الردة: «باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد إسلامه، ولو مميزًا طوعًا، ولو هازلاً.
فمن أشرك بالله، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو اتخذ له صاحبة، أو ولدًا، أو ادعى النبوة، أو صدق من ادعاها، أو جحد نبيًا، أو كتابًا من كتب الله أو شيئًا منه، أو جحد الملائكة، أو البعث، أو
стр. 312
سب الله، أو رسوله، أو استهزأ بالله، أو كتبه، أو رسله.
قال الشيخ (١) أو كان مبغضًا لرسوله، أو لما جاء به اتفاقًا، وقال: أو جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، ويدعوهم، ويسألهم كفر إجماعًا انتهى.
أو سجد لصنم، أو شمس، أو قمر، أو أتى بقول، أو فعل صريح في الاستهزاء بالدين، أو وجد منه امتهان القرآن أو طلب تناقضه، أو دعوى أنه مختلف، أو مختلق، أو مقدور على مثله، أو إسقاط لحرمته، أو أنكر الإسلام، أو الشهادتين، أو أحدهما كفر؛ لا من حكى كفرًا سمعه ولا يعتقده؛ أو نطق بكلمة الكفر ولم يعلم معناها، ولا من جرى على لسانه سبقًا من غير قصد لشدة فرح، أو دهش، أو غير ذلك.
كقول من أراد أن يقول: «اللهم أنت ربي وأنا عبدك، فقال أنت عبدي وأنا ربك» (٢).
ومن أطلق الشارع كفره فهو كفر لا يخرج به عن الإسلام: «كدعواهم لغير أبيهم»، «وكمن أتى عرافًا فصدقه بما يقول» فهو تشديد وكفر، لا يخرج به عن الإسلام» (٣).
стр. 313
وإن أتى بقول يخرجه عن الإسلام، مثل أن يقول: هو يهودي، أو نصراني أو مجوسي، أو بريء من الإسلام، أو القرآن، أو النبي ﵊، أو يعبد الصليب، ونحو ذلك على ما ذكروه في الإيمان، أو قذف النبي ﷺ ، أو أمه، أو اعتقد قدم العالم، أو حدوث الصانع، أو سخر بوعد الله، أو بوعيده، أو لم يكفر من دان بغير الإسلام كالنصارى، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، أو قال قولاً يتوصل به إلى تضليل الأمة، أو تكفير الصحابة
فهو كافر.
وقال الشيخ: من اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يعبد فيها، وأن ما يفعل اليهود والنصارى عبادة لله، وطاعة له ولرسوله، أو أنه يحب ذلك، أو يرضاه، أو أعانهم على فتحها، وإقامة دينهم، وأن ذلك قربة، أو طاعة فهو كافر.
وقال في موضع آخر: من اعتقد أن زيارة أهل الذمة كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد، وإن جهل أن ذلك محرم عرف ذلك، فإن أصر صار مرتدًا.
وقال: قول القائل ما ثم إلا الله: إن أراد ما يقوله أهل الاتحاد: من أن ما ثم موجود إلا الله، ويقولون: أن وجود الخالق هو وجود المخلوق، والخالق هو المخلوق، والمخلوق هو الخالق، والعبد هو الرب، والرب هو العبد، ونحو ذلك من المعاني، وكذلك الذين يقولون: إن الله تعالى بذاته في كل مكان،
ويجعلونه مختلطًا بالمخلوقات، يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال:
من اعتقد أن لأحد طريقًا إلى الله، من غير متابعة محمد ﷺ ، أو لا يجب عليه اتباعه، وأن له أو لغيره خروجًا عن اتباعه وأخذ ما بعث به، أو قال: أنا
стр. 314
محتاج إلى محمد في علم الظاهر دون علم الباطن، أو في علم الشريعة دون علم الحقيقة، أو قال: إن من الأولياء من يسعه الخروج من شريعته، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى، أو أن هدي غير النبي ﷺ أكمل من هديه
فهو كافر.
وقال: من ظن أن قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] بمعنى قدر فإن الله ما قدر شيئًا إلا وقع، وجعل عباد الأصنام ما عبدوا إلا الله فإن هذا من أعظم الناس كفرًا بالكتب كلها.
وقال: من استحل الحشيشة كفر بلا نزاع، وقال: لا يجوز لأحد أن يلعن التوراة، ومن أطلق لعنها يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن كان ممن يعرف أنها منزلة من عند الله، وأنه يجب الإيمان بها فهذا يقتل بشتمه لها، ولا تقبل توبته في أظهر قولي العلماء، وأما من لعن دين اليهود، الذي هم عليه في هذا الزمان فلا بأس عليه في ذلك، وكذلك إن سب التوراة التي عندهم، بما يبين أن قصده ذكر تحريفها، مثل أن يقال: نسخ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيه، ومن عمل اليوم بشرائعها المبدلة، والمنسوخة فهو كافر، فهذا الكلام ونحوه حق لا شيء على قائله.
فصل- وقال: ومن سب الصحابة، أو أحدًا منهم، واقترن بسبه دعوى أن عليًا إله، أو نبي، وأن جبريل غلط، فلا شك في كفر هذا، بل لا شك في كفر من توقف في تكفيره، وكذلك من زعم أن القرآن ينقص منه شيء
стр. 315
وكتم، أو أن له تأويلات باطنة تسقط الأعمال المشروعة، ونحو ذلك، وهذا قول القرامطة، والباطنية، ومنهم التناسخية، ولا خلاف في كفر هؤلاء كلهم، ومن قذف عائشة ﵂، بما برأها الله منه كفر بلا خلاف، ومن سب غيرها من أزواجه ﷺ ففيه قولان:
أحدهما: أنه كسب واحد من الصحابة.
والثاني: وهو الصحيح أنه كقذف عائشة ﵂.
وأما من سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم، ولا بدينهم مثل: من وصف بعضهم ببخل، أو جبن، أو قلة علم، أو عدم زهد، ونحوه فهذا يستحق التأديب والتعزير، ولا يكفر.
وأما من لعن وقبح مطلقًا فهذا محل الخلاف، أعني: هل يكفر أو يفسق، توقف أحمد في كفره، وقتله، وقال: يعاقب، ويجلد، ويحبس حتى يموت، أو يرجع عن ذلك، وهذا المشهور من مذهب مالك، وقيل: يكفر إن استحله؛ والمذهب يعزر، كما تقدم أول باب التعازير.
وفي الفتاوى المصرية: يستحق العقوبة البليغة باتفاق المسلمين، وتنازعوا هل يعاقب بالقتل أو ما دون القتل؟
وقال: أما من جاوز ذلك كمن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﷺ ، إلا نفرًا قليلاً لا يبلغون بضعة عشر، وأنهم فسقوا، فلا ريب أيضًا في كفر قائل ذلك، بل من شك في كفره فهو كافر، انتهى ملخصًا من الصارم المسلول.
стр. 316
ومن أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله ﷺ فقد كفر، لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠]، وإن جحد وجوب العبادات الخمس، أو شيئًا منها، ومنها الطهارة؛ أو حل الخبز واللحم والماء، أو أحل الزنا ونحوه، أو ترك الصلاة، أو شيئًا من المحرمات الظاهرة، المجمع على تحريمها كلحم الخنزير، والخمر، وأشباه ذلك أو شك فيه، ومثله لا يجهله -كفر.
وإن استحل قتل المعصومين، وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر، وإن كان بتأويل كالخوارج، لم يحكم بكفرهم، مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، متقربين بذلك إلى الله تعالى، وتقدم في المحاربين.
والإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت مع الاستطاعة، وصوم رمضان؛ فمن أنكر ذلك، أو بعضه لم يكن مسلمًا.
ومن ترك شيئًا من العبادات الخمس تهاونًا، فإن عزم على أن لا يفعله أبدًا استتيب -عارفًا- وجوبًا كالمرتد، وإن كان جاهلاً عرف، فإن أصر قتل حدًا ولم يكفر، إلا بالصلاة إذا دعي إليها، وامتنع، أو شرط أو ركن مجمع عليه فيقتل كفرًا، وتقدم في كتاب الصلاة.
ومن شفع عنده في رجل فقال: لو جاء النبي ﷺ يشفع فيه ما قبلت منه. إن تاب بعد القدرة عليه قتل، لا قبلها» (١).
стр. 317
ونختم هذه المسألة بذكر النواقض العشرة ، التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب، وبين في خاتمتها أنها لا مانع من وقوع الكفر على أصحابها إلا الإكراه، والإكراه فقط فقال -رحمه الله تعالى-: «اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة:
الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن، أو القباب.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم الشفاعة، كفر إجماعًا.
الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعًا.
الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه، فهو كافر.
الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به، كفر إجماعًا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
[محمد: ٩].
السادس: من استهزأ بشيء من دين الله، أو ثوابه، أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ
стр. 318
إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه ﷺ ، وأنه يسعه الخروج من شريعته، كما وسع الخصر الخروج من شريعة موسى ﵉، فهو كافر.
العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
ولا فرق في جميع هذه النواقض، بين الهازل، والجاد، والخائف، إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، ومن أكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلى الله على محمد» (١).
стр. 319
وتمام الكلام في هذا أن يقال الكلام هنا في مسألتين:
الأولى: أن يقال: هذا الذي يفعله كثير من العوام عند قبور الصالحين, ومع كثير من الأحياء والأموات، والجن، من التوجه إليهم، ودعائهم لكشف الضر، والنذر لهم لأجل ذلك، هل هو الشرك الأكبر، الذي فعله قوم نوح، ومن بعدهم إلى أن انتهى الأمر إلى قوم خاتم الرسل قريش وغيرهم؟ فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب، ينكر عليهم ذلك، ويكفرهم، ويأمر بقتالهم حتى يكون الدين كله لله، أم هذا شرك أصغر، وشرك المتقدمين نوع غير هذا؟
فاعلم أن الكلام في هذه المسألة سهل على من يسره الله عليه بسبب أن علماء المشركين اليوم يقرون أنه الشرك الأكبر، ولا ينكرونه، إلا ما كان من مسيلمة الكذاب وأصحابه، كابن إسماعيل وابن خالد، مع تناقضهم في ذلك واضطرابهم، فأكثر أحوالهم يقرون أنه الشرك الأكبر، ولكن يعتذرون بأن أهله لم تبلغهم الدعوة.
وتارة يقولون: لا يكفر إلا من كان في زمن النبي ﷺ .
وتارة يقولون: إنه شرك أصغر، وينسبونه لابن القيم ﵀ في المدارج كما تقدم.
وتارة لا يذكرون شيئًا من ذلك، بل يعظمون أهله وطريقتهم في الجملة، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم العلماء الذين يجب
стр. 320
رد الأمر عند التنازع إليهم، وغير ذلك من الأقاويل المضطربة (٢٩/ش).
وجواب هؤلاء كثير من الكتاب والسنة والإجماع، ومن أصرح ما يجاوبون به إقرارهم في غالب الأوقات أن هذا هو الشرك الأكبر، وأيضًا إقرار غيرهم من علماء الأقطار، مع أن أكثرهم قد دخل في الشرك وجاهد أهل التوحيد، لكن لم يجدوا بدًّا من الإقرار به لوضوحه.
(٢٩/ش) هذا الاضطراب والتضارب، والتباين في المواقف والأحكام دليل واضح على البطلان، والإفك والبهتان، لأنه لو كان حقًا لائتلف، واتسق، وشهد بعضه لبعض.
قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
قال الإمام الطبري: «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليه في طاعتك، واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق.
فإن ذلك لو كان من عند غير الله، لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض» (١).