ومن أنكر أن يكون أبو بكر صاحب رسول الله ﷺ فقد كفر، لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: ٤٠]، وإن جحد وجوب العبادات الخمس، أو شيئًا منها، ومنها الطهارة؛ أو حل الخبز واللحم والماء، أو أحل الزنا ونحوه، أو ترك الصلاة، أو شيئًا من المحرمات الظاهرة، المجمع على تحريمها كلحم الخنزير، والخمر، وأشباه ذلك أو شك فيه، ومثله لا يجهله -كفر.
وإن استحل قتل المعصومين، وأخذ أموالهم بغير شبهة ولا تأويل كفر، وإن كان بتأويل كالخوارج، لم يحكم بكفرهم، مع استحلالهم دماء المسلمين وأموالهم، متقربين بذلك إلى الله تعالى، وتقدم في المحاربين.
والإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت مع الاستطاعة، وصوم رمضان؛ فمن أنكر ذلك، أو بعضه لم يكن مسلمًا.
ومن ترك شيئًا من العبادات الخمس تهاونًا، فإن عزم على أن لا يفعله أبدًا استتيب -عارفًا- وجوبًا كالمرتد، وإن كان جاهلاً عرف، فإن أصر قتل حدًا ولم يكفر، إلا بالصلاة إذا دعي إليها، وامتنع، أو شرط أو ركن مجمع عليه فيقتل كفرًا، وتقدم في كتاب الصلاة.
ومن شفع عنده في رجل فقال: لو جاء النبي ﷺ يشفع فيه ما قبلت منه. إن تاب بعد القدرة عليه قتل، لا قبلها» (١).
стр. 317
ونختم هذه المسألة بذكر النواقض العشرة ، التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب، وبين في خاتمتها أنها لا مانع من وقوع الكفر على أصحابها إلا الإكراه، والإكراه فقط فقال -رحمه الله تعالى-: «اعلم أن من أعظم نواقض الإسلام عشرة:
الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن، أو القباب.
الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم الشفاعة، كفر إجماعًا.
الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر إجماعًا.
الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه، فهو كافر.
الخامس: من أبغض شيئًا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به، كفر إجماعًا، والدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
[محمد: ٩].
السادس: من استهزأ بشيء من دين الله، أو ثوابه، أو عقابه كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ
стр. 318
إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
السابع: السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾ [البقرة: ١٠٢].
الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
التاسع: من اعتقد أن بعض الناس لا يجب عليه اتباعه ﷺ ، وأنه يسعه الخروج من شريعته، كما وسع الخصر الخروج من شريعة موسى ﵉، فهو كافر.
العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢].
ولا فرق في جميع هذه النواقض، بين الهازل، والجاد، والخائف، إلا المكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، ومن أكثر ما يكون وقوعًا، فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف منها على نفسه، نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه، وصلى الله على محمد» (١).
стр. 319
وتمام الكلام في هذا أن يقال الكلام هنا في مسألتين:
الأولى: أن يقال: هذا الذي يفعله كثير من العوام عند قبور الصالحين, ومع كثير من الأحياء والأموات، والجن، من التوجه إليهم، ودعائهم لكشف الضر، والنذر لهم لأجل ذلك، هل هو الشرك الأكبر، الذي فعله قوم نوح، ومن بعدهم إلى أن انتهى الأمر إلى قوم خاتم الرسل قريش وغيرهم؟ فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب، ينكر عليهم ذلك، ويكفرهم، ويأمر بقتالهم حتى يكون الدين كله لله، أم هذا شرك أصغر، وشرك المتقدمين نوع غير هذا؟
فاعلم أن الكلام في هذه المسألة سهل على من يسره الله عليه بسبب أن علماء المشركين اليوم يقرون أنه الشرك الأكبر، ولا ينكرونه، إلا ما كان من مسيلمة الكذاب وأصحابه، كابن إسماعيل وابن خالد، مع تناقضهم في ذلك واضطرابهم، فأكثر أحوالهم يقرون أنه الشرك الأكبر، ولكن يعتذرون بأن أهله لم تبلغهم الدعوة.
وتارة يقولون: لا يكفر إلا من كان في زمن النبي ﷺ .
وتارة يقولون: إنه شرك أصغر، وينسبونه لابن القيم ﵀ في المدارج كما تقدم.
وتارة لا يذكرون شيئًا من ذلك، بل يعظمون أهله وطريقتهم في الجملة، وأنهم خير أمة أخرجت للناس، وأنهم العلماء الذين يجب
стр. 320
رد الأمر عند التنازع إليهم، وغير ذلك من الأقاويل المضطربة (٢٩/ش).
وجواب هؤلاء كثير من الكتاب والسنة والإجماع، ومن أصرح ما يجاوبون به إقرارهم في غالب الأوقات أن هذا هو الشرك الأكبر، وأيضًا إقرار غيرهم من علماء الأقطار، مع أن أكثرهم قد دخل في الشرك وجاهد أهل التوحيد، لكن لم يجدوا بدًّا من الإقرار به لوضوحه.
(٢٩/ش) هذا الاضطراب والتضارب، والتباين في المواقف والأحكام دليل واضح على البطلان، والإفك والبهتان، لأنه لو كان حقًا لائتلف، واتسق، وشهد بعضه لبعض.
قال الله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
قال الإمام الطبري: «يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ﴾ أفلا يتدبر المبيتون غير الذي تقول لهم يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليه في طاعتك، واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم به من التنزيل من عند ربهم لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضًا بالتصديق، وشهادة بعضه لبعض بالتحقيق.
فإن ذلك لو كان من عند غير الله، لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض» (١).
стр. 321
المسألة الثانية: الإقرار بأن هذا هو الشرك الأكبر ولكن لا يكفر به، إلا من أنكر الإسلام جملة، وكذب الرسول، والقرآن، واتبع يهودية، أو نصرانية، أو غيرها (٣٠/ش).
(٣٠/ش) قال الإمام محمد بن عبد الوهاب في دحض هذه الشبهة وإخمادها في أثناء رسالة بعث بها لأحد المجادلين عن المشركين، يبين له فيها أنه لم يكفر إلا من وقع في الشرك الأكبر، وعاقبة المجادلة بالباطل عمن عبد غير الله فقال -رحمه الله تعالى-: «وإنما كفرنا هؤلاء الطواغيت، أهل الخرج، وغيرهم بالأمور التي يفعلونها هم، منها:
أنهم يجعلون آباءهم وأجدادهم وسائط.
ومنها: أنهم يدعون الناس إلى الكفر.
ومنها: أنهم يبغضون عند الناس دين محمد ﷺ ، ويزعمون أن أهل العارض كفروا لما قالوا: لا يعبد إلا الله، وغير ذلك من أنواع الكفر.
وهذا أمر أوضح من الشمس لا يحتاج إلى تقرير، ولكن أنت رجل جاهل مشرك مبغض لدين الله، وتلبس على الجهال، الذي يكرهون دين الإسلام ويحبون الشرك، ودين آبائهم، وإلا فهؤلاء الجهال لو أن مرادهم اتباع الحق عرفوا أن كلامك من أفسد ما يكون.
وأما المسألة الثالثة: وهي من أكبر تلبيسك، الذي تلبس به على العوام أن أهل العلم، قالوا: لا يجوز تكفير المسلم بالذنب، وهذا حق، ولكن ليس هذا
стр. 322
ما نحن فيه، وذلك أن الخوارج يكفرون من زنى، أو من سرق، أو سفك الدم، بل كل كبيرة إذا فعلها المسلم كفر.
واما أهل السنة فمذهبهم: أن المسلم لا يكفر إلا بالشرك، ونحن ما كفرنا الطواغيت واتباعهم إلا بالشرك، وأنت رجل من أجهل الناس تظن أن من صلى وادعى أنه مسلم لا يكفر.
فإذا كنت تعتقد ذلك فما تقول: في المنافقين الذين يصلون ويصومون ويجاهدون؟ قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥].
وما تقول في الخوارج الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد أينما لقيتموهم فاقتلوهم» أتظنهم ليسوا من أهل القبلة؟
ما تقول: في الذين اعتقدوا في علي بن أبي طالب ﵁ مثل اعتقاد كثير من الناس في عبد القادر وغيره، فأضرم لهم علي بن أبي طالب ﵁ نارًا فأحرقهم بها.
وأجمعت الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس ﵄ أنكر تحريقهم بالنار، وقال: يقتلون بالسيف، أتظن هؤلاء ليسوا من أهل القبلة؟ أم أنت تفهم الشرع وأصحاب رسول الله ﷺ لا يفهمونه؟
أرأيت أصحاب رسول الله ﷺ لما قاتلوا من منع الزكاة، فلما أرادوا التوبة قال أبو بكر لا نقبل توبتكم حتى تشهدوا: أن قتلانا في الجنة، وقتلاكم
стр. 323
في النار، أتظن أن أبا بكر وأصحابه لا يفهمون، وأنت وأبوك الذين تفهمون؟ يا ويلك أيها الجاهل الجهل المركب إذا كنت تعتقد هذا، وأن من أم القبلة لا يكفر.
فما معنى هذه المسائل العظيمة الكثيرة، التي ذكرها العلماء في باب حكم المرتد؟ التي كثير منها في أناس أهل زهد وعبادة عظيمة؟ ومنها طوائف ذكر العلماء أن من شك في كفرهم فهو كافر، ولو كان الأمر على زعمك لبطل كلام العلماء في حكم المرتد إلا مسألة واحدة وهي الذي يصرح بتكذيب الرسول، وينتقل يهوديًا أو نصرانيًا أو مجوسيًا، ونحوهم هذا هو الكفر عندك» (١).
стр. 324
وإلا فالمسألة الأولى، قل الجدال فيها، ولله الحمد، لما وقع إقرار علماء الشرك بها.
فاعلم: أن تصور هذه المسألة تصورًا حسنًا يكفي في إبطالها، من غير دليل خاص لوجهين:
الأول: أن مقتضى قولهم أن الشرك بالله وعبادة الأصنام لا تأثير لها في التكفير، لأن الإنسان إن انتقل عن الملة إلى غيرها، وكذب الرسول والقرآن فهو كافر، وإن لم يعبد الأوثان كاليهود، فإذا كان من انتسب إلى الإسلام لا يكفر إذا أشرك الشرك الأكبر لأنه مسلم يقول: لا إله إلا الله، ويصلي، ويفعل كذا وكذا، لم يكن للشرك وعبادة الأوثان تأثير، بل يكون ذلك كالسواد في الخلقة، أو العمى، أو العرج، فإن كان صاحبها يدعي الإسلام فهو مسلم، وإن ادعى ملة غيرها فهو كافر، وهذه فضيحة عظيمة كافية في رد هذا القول الفظيع.
الوجه الثاني: أن معصية الرسول ﷺ في الشرك وعبادة الأوثان بعد بلوغ العلم كفر صريح بالفطر والعقول والعلوم الضرورية، فلا يتصور أنك تقول لرجل ولو أجهل الناس وأبلدهم: ما تقول فيمن عصى الرسول ﷺ ، ولم ينقد له في ترك عبادة الأوثان والشرك مع أنه يدعي أنه مسلم متبع، إلا ويبادر بالفطرة الضرورية إلى القول أن هذا كافر من غير نظر في الأدلة، أو سؤال أحد من العلماء، ولكن لغلبة الجهل، وغربة العلم، وكثرة من يتكلم بهذه المسألة من
стр. 325
الملحدين اشتبه الأمر فيها على بعض العوام من المسلمين الذين يحبون الحق، فلا تحقرها، وأمعن النظر في الأدلة التفصيلية، لعل الله أن يمن عليك بالإيمان الثابت، ويجعلك أيضًا من الأئمة الذين يهدون بأمره» (٣١/ش).
(٣١/ش) أخي القارئ انظر إلى قول الإمام محمد: «الوجه الثاني: أن معصية الرسول ﷺ في الشرك وعبادة الأوثان بعد بلوغ العلم كفر صريح».
فهذا الكلام ونظائره قد يطير به فرحًا كثير من أهل الإرجاء، ممن لم يفقهوا وجه دلالته ومراده من كلام الأئمة، مثل ابن تيمية، وابن القيم، ومحمد بن عبد الوهاب وأتباعه ﵏ جميعًا- فهؤلاء العلماء لا يكفرون من عبد غير الله إلا بعد إقامة الحجة، والكفر المنفي هنا: هو الكفر المعذب عليه، أي الذي يستحق صاحبه به العذاب في الدنيا والآخرة.
وفي المقابل نص هؤلاء الأئمة: على أن من عبد غير الله فإنه يكون مشركًا، ويعين بذلك، ولو لم تقم عليه حجة البلاغ، ولا يمكن أن يعين بوصف الإسلام، لأن الإسلام «هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله، واتباعه فيما جاء به.
فما لم يأت العبد بذلك فليس بمسلم، ولم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل» (١).
فتعريف هؤلاء الأئمة للإسلام أخرج المشركين، وعباد القبور منه.
стр. 326
(الكفر يستخدم بعدة اعتبارات)
وهؤلاء العلماء يستخدمون لفظ الكفر بعدة اعتبارات، وبحسب ما يتعلق به من الأحكام، وذلك لأن الاسم الواحد قد ينفى ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به. فلا يجب إذا ثبت أو نفي في حكم معين أن يكون كذلك في بقية الأحكام، وهذا أمر مشهور في كلام العرب.
فالكفر قبل قيام الحجة له حد وأحكام، وبعد قيام الحجة له حد وأحكام أخر. وعليه فأحيانًا ينفون وقوع الكفر إلا بعد قيامها، وهم مع ذلك النفي يحكمون على فاعل الشرك الأكبر بالشرك، وخروجه من عداد المسلمين، وبالكفر الغير معذب عليه.
قال الإمام العلامة ابن تيمية في بيان هذا المعنى الهام: «وجماع الأمر أن الاسم الواحد ينفى ويثبت بحسب الأحكام المتعلقة به، فلا يجب إذا ثبت أو نفي في حكم أن يكون كذلك في سائر الأحكام، وهذا في كلام العرب وسائر الأمم، لأن المعنى مفهوم.
مثال ذلك: المنافقون قد يجعلون من المؤمنين في موضع، وفي موضع آخر يقال: ما هم منهم.
قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلاَ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: ١٨] الآية.
فهنالك جعل هؤلاء المنافقين الخائفين من العدو ... الناكلين عن الجهاد،
стр. 327
الناهين لغيرهم، الذامين للمؤمنين -منهم. وقال في آية أخرى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦] وهؤلاء: ذنبهم أخف، فإنهم لم يؤذوا المؤمنين ولا بنهي، ولا سلق بألسنة حداد، ولكن حلفوا بالله أنهم من المؤمنين في الباطن بقلوبهم، وإلا فقد علم المؤمنين أنهم منهم في الظاهر فكذبهم الله، وقال: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ وهناك قال: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾.
فالخطاب: لمن كان في الظاهر مسلمًا مؤمنًا، وليس مؤمنًا بأن منكم من هو بهذه الصفة، وليس مؤمنًا بل أحبط الله عمله فهو منكم في الظاهر لا الباطن.
ولهذا لما استؤذن النبي في قتل بعض المنافقين قال: (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) (١) فإنهم من أصحابه في الظاهر عند من لا يعرف حقائق الأمور، وأصحابه الذين هم أصحابه ليس فيهم نفاق ...
وكذلك: الأنساب مثل كون الإنسان أبًا لآخر أو أخاه، يثبت في بعض الأحكام دون بعض. فإنه قد ثبت في الصحيحين أنه لما اختصم إلى النبي ﷺ سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة بن الأسود في ابن وليدة زمعة، وكان عتبة بن أبي وقاص قد فجر بها في الجاهلية، وولدت منه ولدًا، فقال عتبة لأخيه سعد: إذا قدمت مكة فانظر ابن وليدة زمعة فإنه ابني.
فاختصم فيه هو، وعبد بن زمعة إلى النبي ﷺ فقال سعد: «يا رسول الله
стр. 328
ابن أخي عتبة، عهد إلي أخي عتبة فيه إذا قدمت مكة، انظر إلى ابن وليدة زمعة فإنه ابني، ألا ترى يا رسول الله شبهه بعتبة؟».
فقال عبد: «يا رسول الله أخي، وابن وليدة أبي، ولد على فراش أبي».
فرأى النبي شبهًا بينًا بعتبة، فقال: (هو لك يا عبد بن زمعة. الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة) (١) لما رأى من شبهه البين بعتبة ...
فتبين أن الاسم الواحد ينفي في حكم، ويثبت في حكم، فهو أخ في الميراث وليس بأخ في المحرمية (٢)».
فالكفر الذي ينفيه ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى- عمن وقع في عبادة غير الله، وهو الكفر الذي يستحق صاحبه العقوبة في الدارين، القتل في الدنيا، والخلود في النيران في الآخرة؛ وهذا لا يكون إلا بعد قيام الحجة الرسالية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥].
قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «فإن حال: الكافر لا تخلو من أن يتصور الرسالة أو لا، فإن لم يتصورها فهو في غفلة عنها، وعدم إيمان بها، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وقال: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا
стр. 329
عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦].
لكن الغفلة المحضة لا تكون إلا لمن لم تبلغه الرسالة، والكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة ...
فكل مكذب لما جاءت به الرسل فهو كافر، وليس كل كافر مكذبًا، بل قد يكون مرتابًا إن كان ناظرًا فيه، أو معرضًا عنه بعد أن لم يكن ناظرًا فيه، وقد يكون غافلاً عنه لم يتصوره بحال، لكن عقوبة هذا موقوفة على تبليغ المرسل إليه» (١).
فانظر -رحمني الله وإياك- إلى قول الإمام في أول النقل فإن حال الكافر لا تخول من أن يتصور الرسالة أو لا ثم قال: وأما الكفر المعذب عليه لا يكون إلا بعد بلوغ الرسالة، وقوله: العقوبة متوقفة على تبليغ المرسل إليه فأشار الإمام إلى وجود كفر ثابت قبل بلوغ الرسالة، وإلى وجود كفر آخر لا يثبت إلا بعد بلوغها، وهو الكفر المعذب عليه.
وقال -رحمه الله تعالى- منكرًا على من يقول: أن حسن التوحيد، وقبح الشرك، وإمكان المعاد لا يعلم بالعقل: «وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل: كالمعاد وحسن التوحيد، والعدل، والصدق، وقبح الشرك، والظلم والكذب.
والقرآن يبين: الأدلة العقلية الدالة على ذلك، وينكر على من لم يستدل
стр. 330
بها، ويبين أنه بالعقل يعرف: المعاد، وحسن عبادته وحده، وحسن شكره، وقبح الشرك، وكفر نعمه، كما قد بسطت الكلام على ذلك في مواضع ...
فتارك الواجب وفاعل القبيح، وإن لم يعذب بالآلام كالنار فيسلب من النعم وأسبابها ما يكون جزاءه، وهذا جزاء من لم يشكر النعمة، بل كفرها أن يسلبها فالشكر قيد النعم، وهو موجب للمزيد.
والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب، وقبل ذلك ينقص النعمة ولا يزيد، مع أنه لا بد من إرسال رسول يستحق معه النعيم أو العذاب، فإنه ما ثم دار إلا الجنة أو النار» (١).
انظر إلى قول الشيخ أن العقل يعلم به حسن التوحيد والمعاد وقبح الشرك، ولذلك فالكفر ثابت لمن عبد غير الله قبل قيام الحجة لمخالفة حجية العقل والفطرة وهذا الكفر ينقص النعمة ولا يزيد، والكفر بعد الحجة موجب للعذاب.
ونقل -رحمه الله تعالى- عن الإمام محمد بن نصر المروزي وأقره قال: «قالوا: أي: أهل السنة: ولما كان العلم بالله إيمانًا، والجهل به كفرًا،
وكان العلم بالفرائض إيمانًا، والجهل بها قبل نزولها ليس بكفر؛ لأن أصحاب
رسول الله ﷺ قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله ﷺ إليهم،
стр. 331
ولم يعلموا الفرائض التي افترضت عليهم بعد ذلك -فلم يكن جهلهم بذلك كفرًا، ثم أنزل الله عليهم الفرائض، فكان إقرارهم بها والقيام بها إيمانًا، وإنما يكفر من جحدها لتكذيبه خبر الله، ولو لم يأت خبر من الله ما كان بجهلها كافرًا، وبعد مجيء الخبر، من لم يسمع بالخبر من المسلمين لم يكن بجهلها كافرًا، والجهل بالله في كل حال كفر قبل الخبر وبعد الخبر» (١).
انظر لهذا النقل فالجهل بالله كفر قبل الخبر وبعد الخبر، والمقصود الجهل بتوحيده، والدليل على ذلك: قوله أن أصحاب رسول الله ﷺ قد أقروا بالله أول ما بعث الله رسوله ﷺ إليهم.
ومن المعلوم بيقين أن الإقرار هنا: هو الإقرار بتوحيد الإلهية لا بتوحيد الربوبية فقط، الذي لا يفرق بين الموحدين والمشركين.
إذًا فالجهل بالله كفر قبل الخبر وبعد الخبر، لكن قبل الخبر ينقص النعمة ولا يزيد، ومحرم على أصحابه دخول الجنة، وإن ماتوا على ذلك لا يصلى عليهم، ولا يستغفر لهم، ولا يدفنون في مقابر المسلمين لأنهم مشركون وليسوا بمسلمين، إلا أنهم لا يعذبون في الدارين إلا بعد إقامة الحجة الرسالية، وهذا هو الكفر بعد الخبر، وهو الكفر المعذب عليه، وكما أنهم لا يعذبون فهم أيضًا لا ينعمون.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فلا ينجون من عذاب الله إلا من أخلص
стр. 332
لله دينه وعبادته، ودعاه مخلصًا له الدين، ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره، كفرعون وأمثاله، فهو أسوأ حالاً من المشرك، فلا بد من عبادة الله وحده، هذا واجب على كل أحد، فلا يسقط عن أحد البتة، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينًا غيره.
ولكن لا يعذب الله أحدًا حتى يبعث إليه رسولاً، وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة، ولا يدخلها مشرك، ولا مستكبر عن عبادة ربه.
فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة، ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لا يدخل النار، ولا يعذب الله بالنار أحدًا إلا بعد أن يبعث إليه رسولاً» (١).
فمن هذه النقول للشيخ تبين: أنه لا يحكم بالإسلام للمشرك الجاهل ألبتة، إلا أنه لا يحكم عليه بالعذاب في الدارين إلا بعد إقامة الحجة الرسالية وهم قبلها مشركون، وليسوا بمسلمين.
قال ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «نعم قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها، فتكون مشكلة بالنسبة إليهم لعجز فهمهم عن معانيها، ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل والحس وإلا وفي القرآن
стр. 333
بيان معناه، فإن القرآن جعله الله شفاءً لما في الصدور، وبيانًا للناس فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك، لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة، حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول ﷺ ، إما ألا يعرفوا اللفظ، وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه، فحينئذ يصيرون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة، ومن ههنا يقع الشرك، وتفريق الدين شيعًا، كالفتن التي تحدث السيف.
فالفتن القولية والعملية هي من الجاهلية بسبب خفاء نور النبوة عنهم، كما قال مالك بن أنس: إذا قل العلم ظهر الجفاء، وإذا قلت الآثار ظهرت الأهواء، ولهذا شبهت الفتن بقطع الليل المظلم، قال أحمد في خطبته: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة بقايا من أهل العلم، فالهدى الحاصل لأهل الأرض إنما هو من نور النبوة، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].
فأهل الهدى والفلاح هم: المتبعون للأنبياء وهم المسلمون المؤمنون في كل زمان ومكان.
وأهل العذاب والضلال هم: المكذبون للأنبياء.
يبقى أهل الجاهلية، الذين لم يصل إليهم ما جاءت به الأنبياء، فهؤلاء في: ضلال وجهل وشرك وشر، لكن الله يقول: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ
стр. 334
عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: ٥٩].
فهؤلاء لا يهلكهم الله، ويعذبهم حتى يرسل إليهم رسولاً، وقد رويت آثار متعددة في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا، فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة» (١).
ففي هذا النقل يبرهن فيه شيخ الإسلام على أن أهل الهدى والفلاح هم: المتبعون للأنبياء وهم المسلمون المؤمنون.
وأهل العذاب والضلال هم: المكذبون للأنبياء، وهذا هو الكفر المعذب عليه.
يبقى أهل الجاهلية الذين لم يصل إليهم ما جاءت به الأنبياء، إذًا فهم لم يكذبوا فلم يقعوا في الكفر المعذب عليه، بيد أنهم لم يتبعوهم أيضًا، ووقعوا في الإشراك بالله.
فهؤلاء في ضلال وجهل وشرك وشر، إلا إنهم لا يعذبون إلا بعد قيام الحجة الرسالية. وهذا هو الكفر قبل الحجة وبلوغ الخبر.
ويلاحظ أن هذا النقل في الأمة المحمدية، ولا يجرؤ أحد أن يقول إنهم
стр. 335
مشركون على الإطلاق دون التعيين، لأنه لو كان كذلك لما قال عنهم الشيخ: إنهم يمتحنون في العرصات، لأنهم لو كانوا مسلمين لدخلوا الجنة دون امتحان، فثبوت الامتحان لهم دال على أنهم مشركون على التعيين.
وقال أيضًا ﵀: «وأصل الإيمان والتقوى الإيمان برسل الله وجماع ذلك: الإيمان بخاتم الرسل محمد ﷺ ، فالإيمان به يتضمن: الإيمان بجميع كتب الله ورسله.
وأصل الكفر والنفاق هو: الكفر بالرسل وبما جاءوا به، فإن هذا هو الكفر الذي يستحق صاحبه العذاب في الآخرة فإن الله تعالى أخبر في كتابه أنه لا يعذب أحدًا إلا بعد بلوغ الرسالة» (١).
قلت: فهذا هو الكفر الذي ينفيه ابن تيمية في الكليات والجزئيات والأصول والفروع، وهو الكفر المعذب عليه، لأنه لا تكليف إلا بشرع، والشرع لا يلزم إلا بالبلاغ مع انتفاء المعارض، إلا كفر التنقص والاستهزاء فأهله معذبون عليه بإطلاق، لأنه لا يتصور جهله ولا التعبد به.
سئل الشيخ ابن تيمية ﵀ عن قوم داوموا على الرياضة مرة، فرأوا أنهم قد تجوهروا، فقالوا: لا نبالي الآن ما عملنا، وإنما الأوامر والنواهي رسوم العوام، ولو تجوهروا لسقطت عنهم، وحاصل النبوة يرجع
стр. 336
إلى الحكمة والمصلحة، والمراد منها ضبط العوام، ولسنا نحن من العوام فندخل في حجر التكليف، لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة!!!
فهل هذا القول كفر من قائله؟ أم يبدع من غير تكفير؟ وهل يصير ذلك عمن في قلبه خضوع للنبي ﷺ ؟
فأجاب: «لا ريب عند أهل العلم والإيمان أن هذا القول من أعظم الكفر وأغلظه، وهو شر من قول اليهود والنصارى ...
والمقصود أن المتمسكين بجملة منسوخة فيها تبديل خير من هؤلاء، الذين يزعمون سقوط الأمر والنهي عنهم بالكلية، فإن هؤلاء خارجون في هذه الحال عن جميع الكتب والشرائع والملل، لا يلتزمون لله أمرًا ولا نهيًا بحال، بل هؤلاء شر من المشركين والمستمسكين ببقايا من الملل، كمشركي العرب الذين كانوا مستمسكين ببقايا من دين إبراهيم ﵇.
فمن كان من قوله هو أنه أو طائفة غيره قد خرجت عن كل أمر ونهي، بحيث لا يجب عليها شيء، ولا يحرم عليها شيء، فهؤلاء أكفر أهل الأرض، وهم من جنس فرعون وذويه ...
وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر «وأخذ يدلل على هذا إلى أن قال» فقد تبين: أن هذا
стр. 337
القول كفر، ولكن تكفير قائله لا يحكم به حتى يكون قد بلغه من العلم ما تقوم به عليه الحجة التي يكفر تاركها، ودلائل فساد هذا القول كثيرة في الكتاب والسنة واتفاق سلف الأمة وأئمتها ومشائخها، لا يحتاج إلى بسطها، بل قد علم بالاضطرار من دين الإسلام: أن الأمر والنهي ثابت في حق العباد إلى الموت.
وأما قول القائل: هل يصدر ذلك عمن في قلبه خضوع للنبي ﷺ ؟
فيقال: هذا لا يصدر عمن هو مقر بالنبوات مطلقًا، بل قائل ذلك كافر بجميع الأنبياء والمرسلين، لأنهم جميعًا أتوا بالأمر والنهي للعباد إلى حين الموت، بل لا يصدر هذا القول ممن في قلبه خضوع لله، وإقرار بأنه إله العالم، فإن هذا الإقرار يستلزم أن يكون الإنسان عبدًا لله خاضعًا له، ومن سوغ لإنسان أن يفعل ما يشاء من غير تعبد بعبادة الله، فقد أنكر أن يكون الله إلهه» (١).
انظر -رحمك الله- إلى هذه الفتوى، فإنه قرر في أولها: أنهم أكفر أهل الأرض، وأكفر من اليهود والنصارى، وأنهم أخبث من المشركين، ثم قام بنفي الكفر عنهم بعد ذلك لقلة العلم وغلبة الجهل، وهذا هو الكفر المعذب عليه، ثم أثبت بعد هذا أنهم كفار بجميع الكتب والرسل وكفار بإلهية الله، وهذا هو الكفر قبل الخبر وقيام الحجة.
стр. 338
وقال ابن القيم ﵀: «في الرد على الإمام ابن عبد البر في إنكار: أحاديث الامتحان لأهل الفترات مستشهدًا بقوله: «ولا يخلو من مات في الفترة من أن يكون كافرًا أو غير كافر ..
جوابه من وجوه: أحدها أن يقال: هؤلاء لا يحكم لهم بكفر ولا إيمان فإن الكفر هو: جحود ما جاء به الرسول، فشرط تحققه بلوغ الرسالة؛ والإيمان هو: تصديق الرسول فيما أخبر، وطاعته فيما أمر وهذا أيضًا مشروط ببلوغ الرسالة، ولا يلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر إلا بعد قيام سببه.
فلما لم يكن هؤلاء في الدنيا كفارًا ولا مؤمنين، كان لهم في الآخرة حكم آخر غير حكم الفريقين.
فإن قيل: فأنتم تحكمون لهم بأحكام الكفار في الدنيا، من: التوارث والولاية والمناكحة.
قيل: إنما نحكم لهم بذلك في أحكام الدنيا، لا في الثواب والعقاب كما تقدم بيانه» (١).
فقد نص الإمام ابن القيم في هذا النقل: على انتفاء الكفر المعذب عليه إلا بعد قيام الحجة، وأصحابه كفار في أحكام الدنيا لا في أحكام الثواب والعقاب، هذا مع قوله قبل ذلك أن الشرك ثابت لأصحابه لا يحتاج إلى
стр. 339
رسول، فالحجة عليه العقل والفطرة، وكذا قرر شيخه ابن تيمية.
وقال ﵀ في كتاب طريق الهجرتين: «الطبقة الرابعة عشر» قوم: لا طاعة لهم ولا معصية، ولا كفر ولا إيمان، وهؤلاء أصناف:
منهم من لم تبلغه الدعوة بحال ولا سمع لها بخبر، ومنهم المجنون الذي لا يعقل شيئًا ولا يميز، ومنهم الأصم الذي لا يسمع شيئًا أبدًا، ومنهم أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا شيئًا.
ثم قال في الطبقة «السابعة عشر»: فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، ولهم حكم أوليائهم» (١).
قلت: فعندما نفى ابن القيم الكفر عن أطفال المشركين، نفاه باعتبار ما يترتب عليه من العقوبة في الدارين، وعندما أثبته لنفس الطائفة أثبته باعتبار ما يجري عليهم من أحكام الكفر في الدنيا.
وأما نصوص ابن تيمية، وابن القيم في ثبوت وصف الشرك لمن عبد غير الله، ولو لم تقم عليه حجة البلاغ، وأن الحجة على الشرك هو العقل والفطرة، فإليكم بعضًا منها:
قال ابن تيمية ﵀: «ف اسم المشرك ثبت قبل الرسالة فإنه يشرك بربه، ويعدل به، ويجعل معه آلهة أخرى، ويجعل له أندادًا قبل الرسول» (٢).
стр. 340
وقال أيضًا -رحمه الله تعالى-: «وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣]: وهم آباؤنا المشركون، وتعاقبنا بذنوب غيرنا؟
وذلك لأنه لو قدر أنهم -أي المشركين- لم يكونوا عارفين: بأن الله ربهم، ووجدوا آباءهم مشركين، وهم ذرية من بعدهم، ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذي الرجل حذو أبيه، حتى في الصناعات، والمساكن، والملابس، والمطاعم إذ كان هو الذي رباه، ولهذا كان أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ويشركانه، فإذا كان هذا مقتضى العادة الطبيعية، ولم يكن في فطرهم وعقولهم ما يناقض ذلك، قالوا: نحن معذورون، وآباؤنا هم الذين أشركوا، ونحن كنا ذرية لهم بعدهم اتبعناهم بموجب الطبيعة المعتادة، ولم يكن عندنا ما يبين خطأهم.
فإذا كان في فطرتهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم، كان معهم ما يبين بطلان هذا الشرك، وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم.
فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء، كانت الحجة عليهم: الفطرة الطبيعية العقلية السابقة لهذا العادة الأبوية.
كما قال ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) (١).
стр. 341
فكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها.
وهذا يقتضي أن نفس «العقل» الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليه بدون هذا» (١).
وقال ابن القيم في ذات المعنى: «أن يقولوا -أي المشركون- ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٣] وهم آباؤنا المشركون، أي: أفتعاقبنا بذنوب غيرنا؟
فإنه لو قدر أنهم لم يكونوا عارفين بأن الله ربهم، ووجدوا آباءهم مشركين، وهم ذرية من بعدهم، ومقتضى الطبيعة العادية أن يحتذي الرجل حذو أبيه حتى في الصناعات، والمساكن، والملابس، والمطاعم، إذ كان هو الذي رباه. ولهذا كان أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه.
فإذا كان هذا مقتضى العادة والطبيعة، ولم يكن في فطرهم وعقولهم ما يناقض ذلك، قالوا: نحن معذورون، وآباؤنا هم الذين أشركوا، ونحن كنا ذرية لهم بعدهم، ولم يكن عندنا ما يبين خطأهم، فإذا كان في فطرهم ما شهدوا به من أن الله وحده هو ربهم كان معهم ما يبين بطلان هذا الشرك، وهو التوحيد الذي شهدوا به على أنفسهم.
стр. 342
فإذا احتجوا بالعادة الطبيعية من اتباع الآباء، كانت الحجة عليهم: الفطرة الطبيعية الفعلية السابقة لهذه العادة الطارئة، وكانت الفطرة الموجبة للإسلام سابقة للتربية التي يحتجون بها.
وهذا يقتضي أن نفس «العقل» الذي به يعرفون التوحيد حجة في بطلان الشرك، لا يحتاج ذلك إلى رسول، فإنه جعل ما تقدم حجة عليهم بدون هذا» (١).
قلت: فالمشركون وعبَّاد القبور، وإن كانوا جاهلين ومتأولين، فليسوا بمسلمين عند شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأحفاده، امتدادًا لمدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه الإمام ابن القيم.
ولذلك فعندما يطلقون القول بالعذر فهم يستثنون منه عباد القبور، وأمثالهم من المشركين لعدم دخولهم في عداد المسلمين لديهم.
ولقد كانت أحكام الناس قبل ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، على النحو الآتي:
من كان عاملاً بالإسلام، وتاركًا للشرك فهو مسلم.
ومن كان واقعًا في عبادة غير الله سبحانه، فهذا ظاهره الكفر، ونفوض حكمه في الباطن إلى الله تعالى، لاحتمال كونه لم تقم عليه حجة البلاغ.
стр. 343
فإن مات على ذلك، فلا يتصدق عنه، ولا يضحى له، ولا يستغفر له، ولا يحكم ببراءة ذمته من الطاعات، كالحج مثلاً، إن قام به حال شركه، لأن تحقيق الإسلام شرط من شروط قبول الطاعات، وهو منتف لديه.
ومن مات منهم مجهول الحال فلا يحكمون بإسلامه، لأنه لم يكن أصلاً لديهم للحكم به على أقوامهم، وكذا لا يحكمون بكفره، لأنهم يعتقدون أن الله لم يكلفهم بذلك.
فمن كان منهم مسلمًا أدخله الله الجنة، ومن كان كافرًا في الظاهر والباطن، خلده الله في ناره، ومن لم تبلغه الدعوة منهم، وكان واقعًا في الشرك الأكبر، فحكمه حكم أهل الفترات، وليس بمسلم على أية حال.
وكذلك حكم أئمة الدعوة في أموال أهل زمانهم: بحكم أموال الكفار الأصليين، أي: يستحقون التوارث فيما بينهم، ثم من أسلم منهم على شيء من المال فهو له، ولم يقولوا: بردة أقوامهم، لأن المرتد لا يرث ولا يورث، وطرد ذلك القول: يجعل جميع أموال الناس في زمانهم مستحقة لبيت المال، لأنهم مرتدون، وورثوها عن آبائهم المرتدين، وكذا الأموال التي بأيدي المسلمين، حتى يثبت أحدهم أن أباه لم يكن مرتدًا.
وكذلك سلك أئمة الدعوة مع أقوامهم في الدعوة والقتال: مسلك الكفار الأصليين، الذين لم تقم عليهم حجة البلاغ، فلا يقاتلونهم حتى يبلغوهم إياها، فمن قبلها ودان بالإسلام قاتلوا به من وراءه، ومن أباها قاتلوه قتال
стр. 344
المشركين، ولما تحققوا من ظهور دعوتهم، وبلوغها لمن حولهم من الديار، لم يتوجب عليهم الدعوة قبل القتال.
ولقد وردت أسئلة على أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وحمد بن ناصر ﵏ جميعًا- منها:
«وأما السؤال الثالث، وهو قولكم ورد: «الإسلام يهدم ما قبله» (١)، وفي رواية: «يجب ما قبله» (٢)، وفي حديث حجة الوداع: «ألا إن دم الجاهلية كله موضوع» (٣) إلخ، وظهر لنا من جوابكم: أن المؤمن بالله ورسوله، إذا قال: أو فعل ما يكون كفرًا جهلاً منه بذلك، فلا تكفرونه حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، فهل لو قتل من هذا حاله، قبل ظهور هذه الدعوة، موضوع أو لا؟
فنقول: إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله، أو عدم من ينبهه، لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة، ولكن لا نحكم بأنه مسلم، بل نقول: عمله هذا كفر يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه، لا يقال: إن لم يكن كافرًا فهو مسلم، بل نقول: عمله عمل الكفار،
стр. 345
وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية، وقد ذكر أهل العلم، أن أصحاب الفترات، يمتحنون يوم القيامة في العرصات، ولم يجعلوا حكمهم حكم الكفار، ولا حكم الأبرار.
وأما حكم هذا الشخص إذا قتل، ثم أسلم قاتله، فإنا لا نحكم بديته على قاتله إذا أسلم، بل نقول: الإسلام جب ما قبله، لأن القاتل قتله في حال كفره (١)، والله أعلم.
وأما قولكم: وهل ينفع هذا المؤمن المذكور، ما معه من أعمال البر، وأفعال الخير، قبل تحقيق التوحيد؟
فيقال: لا يطلق على الرجل المذكور اسم الإسلام، فضلاً عن الإيمان، بل يقال: الرجل الذي يفعل الكفر، أو يعتقده في حال جهله، وعدم من ينبهه إذا فعل شيئًا من أفعال البر، وأفعال الخير، أثابه الله على ذلك إذا صحح إسلامه وحقق توحيده، كما يدل عليه حديث حكيم بن حزام: «أسلمت على ما أسلفت من خير» (٢).
وأما الحج الذي فعله في تلك الحالة فلا نحكم ببراءة ذمته، بل نأمره بإعادة الحج، لأنا لا نحكم بإسلامه في تلك الحالة، والحج من شرط
стр. 346
صحته: الإسلام فكيف نحكم بصحة حجه وهو يفعل الكفر، أو يعتقده؟
ولكنا لا نكفره إلا بعد قيام الحجة عليه، فإذا قامت عليه الحجة وسلك سبيل المحجة، أمرناه بإعادة الحج، ليسقط الفرض عنه بيقين» (١).
وسئل الشيخ حمد بن ناصر -رحمه الله تعالى-: عن قول الفقهاء: إن المرتد لا يرث ولا يورث، فكفار أهل زماننا هل هم مرتدون؟ أم حكمهم حكم عبدة الأوثان، وأنهم مشركون؟
فأجاب: «أما من دخل في دين الإسلام ثم ارتد فهؤلاء مرتدون، وأمرهم عندك واضح، وأما من لم يدخل في دين الإسلام، بل أدركته الدعوة الإسلامية، وهو على كفره، كعبدة الأوثان، فحكمه حكم الكافر الأصلي، لأنا لا نقول: الأصل إسلامهم، والكفر طارئ عليهم.
بل نقول: الذين نشؤوا بين الكفار، وأدركوا آباءهم على الشرك بالله، هم كآبائهم، كما دل عليه الحديث الصحيح في قوله: «فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» (٢).
فإن كان دين آبائهم الشرك بالله، فنشأ هؤلاء واستمروا عليه، فلا نقول: الأصل الإسلام، والكفر طارئ، بل نقول: هم الكفار الأصليون، ولا يلزمنا
стр. 347
على هذا تكفير من مات في الجاهلية قبل ظهور الدين، فإنا لا نكفر الناس بالعموم، كما أنا لا نكفر اليوم بالعموم.
بل نقول: من كان من أهل الجاهلية عاملاً بالإسلام، تاركًا للشرك، فهو مسلم.
أما من كان يعبد الأوثان، ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين، فهذا ظاهره الكفر، وإن كان يحتمل أنه لم تقم عليه الحجة الرسالية لجهله وعدم من ينبهه، لأنا نحكم على الظاهر، أما الحكم على الباطن فذلك إلى الله، والله تعالى لا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٥].
«حكم مجهول الحال»
وأما من مات منهم مجهول الحال، فهذا لا نتعرض له، ولا نحكم بكفره ولا بإسلامه، وليس ذلك مما كلفنا به، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤].
فمن كان منهم مسلمًا أدخله الله الجنة.
ومن كان كافرًا أدخله الله النار.
ومن كان منهم لم تبلغه الدعوة، فأمره إلى الله تعالى.
وقد علمت الخلاف في أهل الفترات، ومن لم تبلغهم الحجة الرسالية.
стр. 348
وأيضًا فإنه لا يمكن أن نحكم في كفار زماننا بما حكم به الفقهاء في المرتد: أنه لا يرث ولا يورث، لأن من قال: لا يرث ولا يورث يجعل ماله فيئًا لبيت مال المسلمين، وطرد هذا القول أن يقال: جميع أملاك الكفار اليوم بيت مال، لأنهم ورثوها عن أهليهم، وأهلوهم مرتدون لا يورثون، وكذلك الورثة مرتدون لا يرثون، لأن المرتد لا يرث ولا يورث.
وأما إذا حكمنا فيهم بحكم الكفار الأصليين، لم يلزم شيء من ذلك، بل يتوارثون، فإذا أسلموا فمن أسلم على شيء فهو له، ولا تتعرض لما مضى منهم في جاهليتهم، لا الموارث ولا غيرها.
وقد روى أبو داود، عن ابن عباس ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : «كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام» (١)، وروى سعيد في سننه من طريقين، عن عروة بن أبي مالك، عن النبي ﷺ : «من أسلم علي شيء فهو له» (٢) ونص أحمد على مثل ذلك، كما تقدم عنه في رواية مهنَّا.
واعلم أن القول بأن المرتد لا يرث ولا يورث، أحد الأقوال في المسألة،
стр. 349
وهو المشهور في المذهب، وهو مذهب مالك والشافعي.
والقول الثاني: أنه لورثته المسلمين، وهو رواية عن أحمد، وهو مروي عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وهو قول جماعة من التابعين، وهو قول الأوزاعي، وأهل العراق.
والقول الثالث: أن ماله لأهل دينه الذي اختاره، إن كان منهم من يرثه، وإلا فهو فيء، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب داود بن علي، وصلى الله على محمد» (١).
وقال الشيخ حمد بن ناصر، بعد أن بيَّن أن الله أرسل الرسل لئلا تكون للناس حجة عليه بعد إرسالهم، وأنَّ عبادة الله وحده لا شريك له معلومة بالضرورة من الدين، وأن الحجة عليها مجرد بلوغ القرآن، فقال رحمه الله تعالى: «إذا تقرر هذا، فنقول: إن هؤلاء الذين ماتوا قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية، وظاهر حالهم الشرك، لا نتعرض لهم، ولا نحكم بكفرهم ولا بإسلامهم، بل نقول: من بلغته هذه الدعوة المحمدية، وانقاد لها، ووحد الله، وعبده وحده لا شريك له، والتزم شرائع الإسلام، وعمل بما أمر الله به، وتجنب ما نهاه عنه، فهذا من المسلمين الموعودين بالجنة، في كل زمان وفي كل مكان.
стр. 350
وأما من كانت حاله حال أهل الجاهلية، لا يعرف التوحيد الذي بعث الله رسوله يدعو إليه، ولا الشرك الذي بعث الله رسوله ينهى عنه، ويقاتل عليه، فهذا لا يقال: إنه مسلم لجهله، بل من كان ظاهر عمله الشرك بالله فظاهره الكفر، فلا يستغفر له، ولا يتصدق عنه، ونكل حاله إلى الله الذي يبلو السرائر، ويعلم ما تخفي الصدور.
«تكفير المعين، أي: الكفر المعذب عليه، لا يكون إلا بعد إقامة الحجة»
ولا نقول: فلان مات كافرًا، لأنا نفرق بين المعين وغيره، فلا نحكم على معين بكفر، لأنا لا نعلم حقيقة حاله وباطن أمره، بل نكل ذلك إلى الله، ولا نسب الأموات، بل نقول: أفضوا إلى ما قدموا، وليس هذا من الدين الذي أمرنا الله به، بل الذي أمرنا به أن نعبد الله وحده ولا نشرك به، ونقاتل من أبى عن ذلك، بعدما ندعوه إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ ، فإذا أصر وعاند كفرناه، وقاتلناه.
فينبغي للطالب أن يفهم الفرق بين المعين وغيره، فنكفر من دان بغير الإسلام جملة، ولا نحكم على معين بالنار، ونلعن الظالمين جملة، ولا نخص معينًا بلعنة، كما قد ورد في الأحاديث: من لعن السارق، وشارب الخمر، فنلعن
من لعنه الله ورسول الله ﷺ جملة، ولا نخص شخصًا بلعنة، يبين ذلك:
أن رسول الله ﷺ لعن شارب الخمر جملة، ولما وجد رجلاً
قد شرب، قال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به النبي
стр. 351
- ﷺ فقال النبي ﷺ : «لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا انه: يحب الله ورسوله» (١)(٢).
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا: «فيمن مات على التوحيد، وإقامة قواعد الإسلام الخمس وأصول الإيمان الستة، ولكن كان يدعو وينادي ويتوسل في الدعاء إذا دعا ربه، ويتوجه بنبيه في دعائه معتمدًا على الحديثين الذين ذكرناهما، أو جهلاً منه وغباوة، كيف حكمهم؟
فالجواب: أن يقال: قد قدمنا الكلام على سؤال الميت والاستغاثة به، وبينا الفرق بينه، وبين التوسل به في الدعاء، وأن سؤال الميت والاستغاثة به في قضاء الحاجات، وتفريج الكربات من الشرك الأكبر، الذي حرمه الله تعالى ورسوله، واتفقت الكتب الإلهية، والدعوات النبوية على تحريمه، وتكفير فاعله، والبراءة منه، ومعاداته.
ولكن في أزمنة الفترات، وغلبة الجهل لا يكفر الشخص المعين بذلك حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة، ويبين له، ويعرف أن هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله، فإذا بلغته الحجة، وتليت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم أصر على شركه فهو كافر، بخلاف من فعل ذلك جهالة منه ولم ينبه على ذلك.
стр. 352
فالجاهل فعله كفر، ولكن لا يحكم بكفره إلا بعد بلوغ الحجة إليه، فإذا قامت عليه الحجة ثم أصر على شركه فقد كفر، ولو كان يشهد: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلي، ويزكي، ويؤمن بالأصول الستة.
وأما من مات وهو يفعل الشرك جهلاً لا عنادًا، فهذا نكل أمره إلى الله تعالى، ولا ينبغي الدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وذلك لأن كثيرًا من العلماء يقولون: من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، كما قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، فإذا بلغه القرآن، وأعرض عنه، ولم يبحث عن أوامره ونواهيه فقد استوجب العقاب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١].
وأما المبحث الرابع: في تقسيم مواريث من مات على ذلك، وما حصل منهم من الإتلافات، وما وقع بينهم من القتل وغيره، ما حكمه؟
فالجواب: أن تقسيم المواريث التي قسمت في حال الشرك والجهل تقر على ما هي عليه، ولا ترد القسمة في الإسلام، ومن أسلم على شيء في يده قد ملكه في الجاهلية لم ينزع من يده في الإسلام، لأن الإسلام يجب ما قبله. وكذلك ما حصل بينهم من القتل والإتلافات، فالذي نفتي به أنه لا يطالب بشيء
من ذلك، وذلك لأن حال الناس قبل هذا الدين، أكثرهم حاله
стр. 353
كحال أهل الجاهلية الأولى، وكل قوم لهم عادة وطريقة استمروا عليها تخالف أحكام الشرع في المواريث والدماء والديات وغير ذلك، ويفعلون ذلك مستحلين له، فإذا أسلموا لم يطالبوا بشيء مما فعلوه في جاهليتهم، وتملكوه من المظالم، ونحوها.
وأما الديون والأمانات فالإسلام لا يسقطها، بل يجب أداؤها إلى أربابها، والله أعلم» (١).
وقال الشيخان حسين وعبد الله ابنا محمد بن عبد الوهاب -رحم الله الجميع- في الجواب على مسألة وردت عليهم، ضمن مسائل عدة:
«المسألة الثالثة عشرة»: فيمن مات قبل الدعوة، ولم يدرك الإسلام، وهذه الأفعال التي يفعلها الناس اليوم يفعلها، ولم تقم عليه الحجة ما الحكم فيه؟ وهل يلعن أو يسب أو يكف عنه؟ وهل يجوز لابنه الدعاء له؟ وما الفرق بين من لم يدرك هذه الدعوة وبين من أدركها ومات معاديًا لهذا الدين وأهله؟
«الجواب: أن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة، فالذي يحكم عليه أنه إذا كان معروفًا بفعل الشرك، ويدين به، ومات على ذلك فهذا ظاهره أنه مات على الكفر، فلا يدعى له، ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه.
وأما حقيقة أمره فإلى الله تعالى، فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته
стр. 354
وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى.
وأما سبه ولعنه فلا يجوز، بل لا يجوز سب الأموات مطلقًا كما في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١)، إلا إن كان أحد من أئمة الكفر، وقد اغتر الناس به فلا بأس بسبه إذا كان فيه مصلحة دينية، والله أعلم» (٢).
«وسئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-: من لم تشمله دائرة إمامتكم، ويتسم بسمة دولتكم هل داره كفر وحرب على العموم؟
فأجابوا: الذي نعتقده وندين الله به: أن من دان بالإسلام، وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولم نكفر أحدًا دان بدين الإسلام لكونه لم يدخل في دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفر الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده، فقد كذب وافترى.
وأما من بلغته دعوتنا إلى توحيد الله، والعمل بفرائض الله، وأبى أن
стр. 355
يدخل في ذلك، وأقام على الشرك بالله، وترك فرائض الإسلام، فهذا نكفره ونقاتله، ونشن عليه الغارة، بل بداره.
وكل من قاتلناه فقد بلغته دعوتنا بل الذي نتحقق ونعتقده: أن أهل اليمن، وتهامة، والحرمين، والشام، والعراق قد بلغتهم دعوتنا، وتحققوا أنا نأمر بإخلاص العبادة لله.
وننكر ما عليه أكثر الناس من الإشراك بالله، من دعاء غير الله، والاستغاثة بهم عند الشدائد، وسؤالهم قضاء الحاجات، وإغاثة اللهفات، وأنا نأمر بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر أمور الإسلام، وننهى عن الفحشاء والمنكرات، وسائر الأمور المبتدعات، ومثل هؤلاء لا تجب دعوتهم قبل القتال، فإن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون (١) وغزا أهل مكة بلا إنذار ولا دعوة.
وأما قوله ﷺ لعلي يوم خيبر، لما أعطاه الراية، وقال: «أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام» (٢)، فهو عند أهل العلم على
الاستحباب.
وأما إذا قدرنا: أن أناسًا لم تبلغهم دعوتنا، ولم يعلموا حقيقة أمرنا، فإن