- ﷺ فقال النبي ﷺ : «لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا انه: يحب الله ورسوله» (١)(٢).
وقال الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵏ جميعًا: «فيمن مات على التوحيد، وإقامة قواعد الإسلام الخمس وأصول الإيمان الستة، ولكن كان يدعو وينادي ويتوسل في الدعاء إذا دعا ربه، ويتوجه بنبيه في دعائه معتمدًا على الحديثين الذين ذكرناهما، أو جهلاً منه وغباوة، كيف حكمهم؟
فالجواب: أن يقال: قد قدمنا الكلام على سؤال الميت والاستغاثة به، وبينا الفرق بينه، وبين التوسل به في الدعاء، وأن سؤال الميت والاستغاثة به في قضاء الحاجات، وتفريج الكربات من الشرك الأكبر، الذي حرمه الله تعالى ورسوله، واتفقت الكتب الإلهية، والدعوات النبوية على تحريمه، وتكفير فاعله، والبراءة منه، ومعاداته.
ولكن في أزمنة الفترات، وغلبة الجهل لا يكفر الشخص المعين بذلك حتى تقوم عليه الحجة بالرسالة، ويبين له، ويعرف أن هذا هو الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله، فإذا بلغته الحجة، وتليت عليه الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم أصر على شركه فهو كافر، بخلاف من فعل ذلك جهالة منه ولم ينبه على ذلك.
стр. 352
فالجاهل فعله كفر، ولكن لا يحكم بكفره إلا بعد بلوغ الحجة إليه، فإذا قامت عليه الحجة ثم أصر على شركه فقد كفر، ولو كان يشهد: أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلي، ويزكي، ويؤمن بالأصول الستة.
وأما من مات وهو يفعل الشرك جهلاً لا عنادًا، فهذا نكل أمره إلى الله تعالى، ولا ينبغي الدعاء له، والترحم عليه، والاستغفار له، وذلك لأن كثيرًا من العلماء يقولون: من بلغه القرآن فقد قامت عليه الحجة، كما قال تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، فإذا بلغه القرآن، وأعرض عنه، ولم يبحث عن أوامره ونواهيه فقد استوجب العقاب، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤] وقال تعالى: ﴿وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ﴾ [طه: ٩٩ - ١٠١].
وأما المبحث الرابع: في تقسيم مواريث من مات على ذلك، وما حصل منهم من الإتلافات، وما وقع بينهم من القتل وغيره، ما حكمه؟
فالجواب: أن تقسيم المواريث التي قسمت في حال الشرك والجهل تقر على ما هي عليه، ولا ترد القسمة في الإسلام، ومن أسلم على شيء في يده قد ملكه في الجاهلية لم ينزع من يده في الإسلام، لأن الإسلام يجب ما قبله. وكذلك ما حصل بينهم من القتل والإتلافات، فالذي نفتي به أنه لا يطالب بشيء
من ذلك، وذلك لأن حال الناس قبل هذا الدين، أكثرهم حاله
стр. 353
كحال أهل الجاهلية الأولى، وكل قوم لهم عادة وطريقة استمروا عليها تخالف أحكام الشرع في المواريث والدماء والديات وغير ذلك، ويفعلون ذلك مستحلين له، فإذا أسلموا لم يطالبوا بشيء مما فعلوه في جاهليتهم، وتملكوه من المظالم، ونحوها.
وأما الديون والأمانات فالإسلام لا يسقطها، بل يجب أداؤها إلى أربابها، والله أعلم» (١).
وقال الشيخان حسين وعبد الله ابنا محمد بن عبد الوهاب -رحم الله الجميع- في الجواب على مسألة وردت عليهم، ضمن مسائل عدة:
«المسألة الثالثة عشرة»: فيمن مات قبل الدعوة، ولم يدرك الإسلام، وهذه الأفعال التي يفعلها الناس اليوم يفعلها، ولم تقم عليه الحجة ما الحكم فيه؟ وهل يلعن أو يسب أو يكف عنه؟ وهل يجوز لابنه الدعاء له؟ وما الفرق بين من لم يدرك هذه الدعوة وبين من أدركها ومات معاديًا لهذا الدين وأهله؟
«الجواب: أن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة، فالذي يحكم عليه أنه إذا كان معروفًا بفعل الشرك، ويدين به، ومات على ذلك فهذا ظاهره أنه مات على الكفر، فلا يدعى له، ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه.
وأما حقيقة أمره فإلى الله تعالى، فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته
стр. 354
وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى.
وأما سبه ولعنه فلا يجوز، بل لا يجوز سب الأموات مطلقًا كما في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا» (١)، إلا إن كان أحد من أئمة الكفر، وقد اغتر الناس به فلا بأس بسبه إذا كان فيه مصلحة دينية، والله أعلم» (٢).
«وسئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-: من لم تشمله دائرة إمامتكم، ويتسم بسمة دولتكم هل داره كفر وحرب على العموم؟
فأجابوا: الذي نعتقده وندين الله به: أن من دان بالإسلام، وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما نهى عنه وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولم نكفر أحدًا دان بدين الإسلام لكونه لم يدخل في دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفر الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده، فقد كذب وافترى.
وأما من بلغته دعوتنا إلى توحيد الله، والعمل بفرائض الله، وأبى أن
стр. 355
يدخل في ذلك، وأقام على الشرك بالله، وترك فرائض الإسلام، فهذا نكفره ونقاتله، ونشن عليه الغارة، بل بداره.
وكل من قاتلناه فقد بلغته دعوتنا بل الذي نتحقق ونعتقده: أن أهل اليمن، وتهامة، والحرمين، والشام، والعراق قد بلغتهم دعوتنا، وتحققوا أنا نأمر بإخلاص العبادة لله.
وننكر ما عليه أكثر الناس من الإشراك بالله، من دعاء غير الله، والاستغاثة بهم عند الشدائد، وسؤالهم قضاء الحاجات، وإغاثة اللهفات، وأنا نأمر بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر أمور الإسلام، وننهى عن الفحشاء والمنكرات، وسائر الأمور المبتدعات، ومثل هؤلاء لا تجب دعوتهم قبل القتال، فإن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون (١) وغزا أهل مكة بلا إنذار ولا دعوة.
وأما قوله ﷺ لعلي يوم خيبر، لما أعطاه الراية، وقال: «أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام» (٢)، فهو عند أهل العلم على
الاستحباب.
وأما إذا قدرنا: أن أناسًا لم تبلغهم دعوتنا، ولم يعلموا حقيقة أمرنا، فإن
стр. 356
الواجب دعوتهم أولاً قبل القتال، فيدعون إلى الإسلام، وتكشف شبهتهم إن كان لهم شبهة، فإن أجابوا فإنه يقبل منهم، ثم يكف عنهم، فإن أبوا حلت دماؤهم وأموالهم» (١).
وقال الشيخ عبد العزيز «قاضي الدرعية»، ومن حوله من العلماء، في رسالتهم المسماة: «المسائل الشرعية إلى علماء الدرعية»: «وأما السؤال الثاني: وهو قولكم: من لم تشمله دائرة إمامتكم، ويتسم بسمة دولتكم، هل داره كفر وحرب على العموم إلخ ...
فنقول وبالله التوفيق: «الذي نعتقده وندين الله به: أن من دان بالإسلام وأطاع ربه فيما أمر، وانتهى عما عنه نهى وزجر، فهو المسلم حرام المال والدم، كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
ولم نكفر أحدًا دان بالإسلام لكونه لم يدخل في دائرتنا، ولم يتسم بسمة دولتنا، بل لا نكفر إلا من كفره الله ورسوله، ومن زعم أنا نكفر الناس بالعموم، أو نوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه ببلده فقد كذب وافترى.
وأما من بلغته دعوتنا إلى توحيد الله والعمل بفرائض الله، وأبى أن يدخل في ذلك، وأقام على الشرك بالله، وترك فرائض الإسلام فهذا نكفره، ونقاتله، ونشن عليه الغارة.
стр. 357
وكل من قاتلناه فقد بلغته دعوتنا، بل الذي نتحققه ونعتقده: أن أهل اليمن، وتهامة، والحرمين، والشام، والعراق قد بلغتهم دعوتنا، وتحققوا: أنا نأمر بإخلاص الدين والعبادة لله، وننكر ما عليه أكثر الناس من الإشراك بالله، من دعاء غير الله، والاستغاثة بهم عند الشدائد، وسؤالهم قضاء الحاجات، وإغاثة اللهفان.
وإنا نأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر أمور الإسلام، وننهى عن الفحشاء والمنكرات، وسائر الأمور المبتدعات.
ومثل هؤلاء لا يجب دعوتهم قبل القتال، فإن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون (١)، وغزا أهل مكة بلا إنذار ولا دعوة (٢).
وأما قوله ﷺ لعلي ﵁ يوم خيبر -لما أعطاه الراية- وقال: «أنفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام» (٣)، فهو عند أهل العلم على الاستحباب.
وأما إذا قدرنا أن أناسًا لم تبلغهم دعوتنا، ولم يعلموا حقيقة أمرنا أن الواجب دعوتهم أولاً قبل القتال، فيدعون إلى الإسلام، وتكشف شبهتهم إن كان لهم شبهة، فإن أجابوا فإنه يقبل منهم ثم يكف عنهم، فإن أبوا حلت
стр. 358
دماؤهم وأموالهم.
وأما قولكم: من أجاب الدعوة وحقق التوحيد وتبرأ من الشرك هل تلزمه الهجرة وإن لم يكن له قدرة؟
فنقول: الهجرة تجب على كل مسلم لا يقدر على إظهار دينه ببلده إن كان قادرًا على الهجرة، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧].
وأما من لم يقدر على الهجرة فقد استثناهم الله تعالى بقوله: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾
[النساء: ٩٨].
وأما السؤال الثالث وهو قولكم: قد ورد: «الإسلام يهدم ما قبله» (١)، وفي رواية: «يجب ما قبله» (٢)، وفي حديث حجة الوداع: «ألا إن دم الجاهلية كله موضوع» (٣) إلخ ...
وظهر لنا من جوابكم أن المؤمن بالله ورسوله إذا قال أو فعل ما يكون كفرًا جهلاً منه بذلك، فلا تكفرونه حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، فهل لو قتل من هذا حاله قبل ظهور هذه الدعوة موضوع أو لا؟
стр. 359
فنقول: إذا كان يعمل بالكفر والشرك لجهله وعدم من ينبهه، لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة، ولكن نحكم بأنه مسلم (١)، بل نقول: عمله هذا كفر يبيح المال والدم.
وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص لعدم قيام الحجة عليه، لا يقال: إن لم يكن كافرًا فهو مسلم بل نقول: عمله عمل الكفار، وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه متوقف على بلوغ الحجة الرسالية إليه.
وقد ذكر أهل العلم أن أصحاب الفترات يمتحنون يوم القيامة في العرصات، ولم يجعلوا حكمهم حكم الكفار، ولا حكم الأبرار.
وأما حكم هذا الشخص إذا قتل، ثم أسلم قاتله فإنا لا نحكم بديته على قاتله إذا أسلم، بل نقول: الإسلام يجب ما قبله، لأن القاتل قتله في حال كفره، والله أعلم ...
وأما قولكم وهل ينفع هذا المؤمن المذكور ما يصدر منه من أعمال البر، وأفعال الخير قبل تحقيق التوحيد جاهلاً؟
فيقال: لا يطلق على الرجل المذكور اسم الإسلام فضلاً عن الإيمان، بل يقال: الرجل الذي يفعل الكفر، أو يعتقده في حال جهله وعدم من ينبهه، إذا
стр. 360
فعل شيئًا من أفعال البر، وأفعال الخير أثابه الله على ذلك إذا صحح إسلامه وحقق توحيده، كما يدل عليه حديث حكيم بن حزام: «أسلمت على ما أسلفت من خير» (١).
وأما الحج الذي فعله في تلك الحالة فلا نحكم ببراءة ذمته به، بل نأمره بإعادة الحج، لأنا لا نحكم بإسلامه في تلك الحالة، والحج من شرط صحته: الإسلام، فكيف يحكم بصحة حجه، وهو يفعل الكفر أو يعتقده؟
ولكنا لا نكفره لعدم قيام الحجة عليه، فإذا قامت عليه الحجة، وسلك سبيل المحجة، أمرناه بإعادة الحج ليسقط الفرض عنه بيقين» (٢).
قلت: خلاصة زبدة النقول السابقة نعرضها من خلال كلام الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن، الذي نقلها بدوره عن الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن، فقال: «ومسألتنا هذه وهي: عبادة الله وحده لا شريك له، والبراءة من عبادة ما سواه، وأن من عبد مع الله غيره فقد أشرك الشرك الأكبر الذي ينقل عن الملة، هي: أصل الأصول، وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب، وقامت على الناس الحجة بالرسول وبالقرآن، وهكذا تجد الجواب من أئمة الدين في
ذلك الأصل عند تكفير من أشرك بالله فإنه يستتاب فإن تاب وإلا
стр. 361
قتل، لا يذكرون التعريف في مسائل الأصول، إنما يذكرون التعريف في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض المسلمين، كمسائل نازع بها بعض أهل البدع كالقدرية والمرجئة، أو في مسألة خفية كالصرف والعطف.
وكيف يعرفون عباد القبور وهم ليسوا بمسلمين، ولا يدخلون في مسمى الإسلام وهل يبقى مع الشرك عمل؟!
والله تعالى يقول: ﴿وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١] ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، «ومن يشرك بالله فقد حبط عمله» (١) إلى غير ذلك من الآيات.
ولكن هذا المعتقد يلزم منه معتقد قبيح، وهو أن الحجة لم تقم على هذه الأمة بالرسول ﷺ والقرآن، نعوذ بالله من سوء الفهم الذي أوجب لهم نسيان الكتاب والرسول؛ بل أهل الفترة الذين لم تبلغهم الرسالة والقرآن، وماتوا على الجاهلية، لا يسمون مسلمين بالإجماع ولا يستغفر لهم، وإنما اختلف أهل العلم في تعذيبهم في الآخرة ...
стр. 362
-إلى أن قال نقلاً عن أخيه العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن قوله- مع أن العلامة ابن القيم ﵀ جزم بكفر المقلدين لمشايخهم في المسائل المكفرة إذا تمكنوا من طلب الحق، ومعرفته، وتأهلوا لذلك وأعرضوا، ولم يلتفتوا.
ومن لم يتمكن، ولم يتأهل لمعرفة ما جاءت به الرسل فهو عنده من جنس أهل الفترة، ممن لم تبلغه دعوة لرسول من الرسل، وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم، ولا يدخلون في مسمى المسلمين حتى عند من لم يكفر بعضهم، وسيأتيك كلامه وأما الشرك فهو يصدق عليهم، واسمه يتناولهم، وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله، وقاعدته الكبرى شهادة أن لا إله إلا الله ...
-إلى أن قال في ص١٦٠ - وتفطن أيضًا فيما قال الشيخ عبد اللطيف فيما نقله عن ابن القيم: أن أقل أحوالهم «أي من فعلوا الشرك جاهلين» أن يكونوا مثل أهل الفترة الذين هلكوا قبل البعثة، ومن لم تبلغه دعوة نبي من الأنبياء إلى أن قال: وكلا النوعين لا يحكم بإسلامهم، ولا يدخلون في مسمى المسلمين حتى عند من لم يكفر بعضهم، وأما الشرك فهو يصدق عليهم، واسمه يتناولهم، وأي إسلام يبقى مع مناقضة أصله، وقاعدته الكبرى شهادة أن لا إله إلا الله؟
«ثم قال في ص ١٦٣ بعد أن سرد كلام العلامة ابن القيم في أهل الفترات
стр. 363
من كتابه: طريق الهجرتين السابق نقله».
فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع فإنه ﵀ لم يستثن إلا من عجز عن إدراك الحق، مع شدة طلبه، وإرادته له.
فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ الإسلام، وابن القيم، وأمثالهما من المحققين. وأما العراقي (١) وإخوانه المبطلون فشبهوا بأن الشيخ لا يكفر الجاهل، وأنه يقول هو معذور، وأجملوا القول ولم يفصلوا، وجعلوا هذه الشبهة ترسًا يدفعون به الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، وصاحوا على عباد الله الموحدين، كما جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين.
وإلى الله المصير، وهو الحاكم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون» (٢).
стр. 364
فمن أحسن ما يزيل الإشكال فيها، ويزيد المؤمن يقينًا، ما جرى من
النبي ﷺ وأصحابه ﵃، والعلماء بعدهم ﵏ فيمن انتسب إلى الإسلام، كما ذكر أنه ﷺ بعث البراء ﵁، ومعه الراية إلى رجل تزوج امرأة أبيه ليقتله ويأخذ ماله (١)، ومثله همه بغزو بني المصطلق، لما قيل: إنهم منعوا الزكاة (٣٢/ش).
(٣٢/ش) قال الله تعالى في شأن هذه القصة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيرها: «وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق، وقد روي ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده، من رواية ملك بني المصطلق، وهو الحارث بن ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂.
قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن سابق، حدثنا عيسى بن دينار، حدثني أبي، أنه سمع الحارث بن ضرار الخزاعي ﵁ يقول: «قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام، فدخلت فيه، وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت يا رسول الله: أرجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء
стр. 365
الزكاة، فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إلي يا رسول الله رسولاً إبان كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة.
فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبان الذي أراد
رسول الله ﷺ أن يبعث إليه، احتبس عليه الرسول لم يأته، وظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة من الله تعالى ورسوله، فدعا بسروات (١) قومه، فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وقت لي وقتًا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة فانطلقوا بنا نأتي رسول الله ﷺ .
وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق -أي: خاف-، فرجع حتى أتى رسول الله ﷺ ، فقال يا رسول الله: إن الحارث قد منعني الزكاة، وأراد قتلي، فغضب رسول الله ﷺ ، وبعث البعث إلى الحارث ﵁، وأتى الحارث بأصحابه حتى إذا استقبل البعث، وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك. قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال ﵁: لا والذي بعث محمدًا بالحق ما رأيته بتة، ولا أتاني. فلما دخل الحارث على
стр. 366
رسول الله ﷺ : قال: «منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟»، قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته، ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول رسول الله ﷺ خشيت أن يكون كانت سخطة الله تعالى ورسوله. قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ [الحجرات: ٦ - ٨]- إلى قوله- ﴿حَكِيمٌ﴾ (١)(٢).
стр. 367
ومثل قتال الصديق وأصحابه ﵃ لمانعي الزكاة، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، وتسميتهم مرتدين، ومثل إجماع الصحابة في زمن عمر ﵁ على تكفير قدامة بن مظعون وأصحابه إن لم يتوبوا، لما فهموا من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُم اتَّقُواْ وَآمَنُواْ﴾ [المائدة: ٩٣].
حل الخمر لبعض الخواص (١)، ومثل إجماع الصحابة في زمن عثمان ﵁ على تكفير أهل المسجد الذين ذكروا كلمة في نبوة مسيلمة مع أنهم لم يتبعوه، وإنما اختلف الصحابة في قبول توبتهم (٢).
ومثل تحريق علي ﵁ أصحابه لما غلوا فيه، ومثل إجماع التابعين مع بقية الصحابة على كفر المختار بن أبي عبيد ومن اتبعه، مع أنه يدعي أنه يطالب بدم الحسين وأهل البيت (٣٣/ش).
(٣٣/ش) المختار بن أبي عبيد الثقفي كان من أئمة الضلال، ورؤوس الإلحاد، وكان على رأي عبد الله بن سبأ، وادعى النبوة، وأنه يوحى إليه، قتله مصعب بن الزبير فأراح المسلمين من شره.
стр. 368
قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله تعالى- في ذكر المدعين للنبوة: «ثم كان أول من خرج منهم المختار بن أبي عبيد الثقفي غلب على الكوفة في أول خلافة ابن الزبير، فأظهر محبة أهل البيت، ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين، فتبعهم فقتل كثيرًا ممن باشر ذلك، أو أعان عليه. فأحبه الناس، ثم إنه زين له الشيطان أن ادعى النبوة، وزعم أن جبريل يأتيه.
فروى أبو داود الطيالسي بإسناد صحيح عن رفاعة بن شداد قال: «كنت
(١)
стр. 369
أبطن شيء بالمختار فدخلت عليه يومًا، فقال: دخلت وقد قام جبريل قبل من هذا الكرسي».
وروى يعقوب بن سفيان بإسناد حسن، عن الشعبي، أن الأحنف بن قيس أراه كتاب المختار إليه يذكر أنه نبي؛ وروى أبو داود في السنن من طريق إبراهيم النخعي قال: قلت: لعبيدة بن عمرو أترى المختار منهم قال: أما إنه من الرؤوس. وقتل المختار سنة بضع وستين» (١).
وقال أيضًا ﵀، بعد أن ذكر عبد الله بن سبأ الملعون: «وكان المختار بن أبي عبيد على رأيه، ولما غلب على الكوفة، وتتبع قتلة الحسن فقتلهم أحبته الشيعة، ثم فارقه أكثرهم لما ظهر منه من الأكاذيب» (٢).
وقال ابن تيمية في شأنه: «وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «سيكون في ثقيف كذاب ومبير» (٣).
فكان الكذاب هو المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان يظهر موالاة أهل البيت، والانتصار لهم، قتل عبيد الله بن زياد أمير العراق، الذي جهز السرية التي قتلت الحسين بن علي ﵄، ثم إنه أظهر الكذب، وادعى النبوة، وأن جبريل ﵇ ينزل عليه، حتى قالوا لابن عمر وابن
стр. 370
عباس ﵃ قالا: لأحدهما: إن المختار بن أبي عبيد يزعم أنه ينزل عليه.
فقال: صدق. قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢]، وقالوا للآخر: إن المختار يزعم أنه يوحى إليه فقال: صدق ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]» (١).
وقال أيضًا في حقه: «والمختار كان كذابًا يدعي النبوة، وإتيان جبريل إليه، وهذا الذنب أعظم من قتل النفوس فإن هذا كفر، وإن كان لم يتب منه كان مرتدًا، والفتنة أعظم من القتل» (٢).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب في أثناء سرده للأدلة على كفر من عبد غير الله: «الدليل الرابع: ما وقع في زمن الصحابة، وهي قصة المختار بن أبي عبيد، وهو رجل من التابعين، مصاهر لعبد الله بن عمر، ومظهر للصلاح، فظهر في العراق، يطلب بدم الحسين وأهل بيته، فقتل ابن زياد ومال إليه من مال لطلبه دم أهل البيت ممن ظلمهم، فاستولى على العراق، وأظهر شرائع الإسلام، ونصب القضاة، والأئمة من أصحاب ابن مسعود، وكان هو الذي يصلي بالناس الجماعة والجمعة، لكن في آخر أمره، زعم أنه يوحى إليه.
فسير عليه عبد الله بن الزبير جيشًا، فهزم جيشه، وقتلوه، وأمير الجيش
стр. 371
مصعب بن الزبير، وتحته امرأة أبوها أحد الصحابة، فدعاها مصعب إلى تكفيره فأبت، فكتب إلى أخيه عبد الله يستفتيه فيها، فكتب إليه إن لم تبرأ منه فاقتلها، فامتنعت فقتلها مصعب.
وأجمع العلماء كلهم: على كفر المختار، مع إقامته شعائر الإسلام، لما جنى على النبوة؛ فإذا كان الصحابة قتلوا المرأة، التي هي من بنات الصحابة لما امتنعت من تكفيره، فكيف بمن لم يكفر البدو، مع إقراره بحالهم؟ فكيف بمن زعم أنهم هم أهل الإسلام، ومن دعاهم إلى الإسلام أنه هو الكافر؟! يا ربنا نسألك العفو والعافية» (١).
(٣٤/ش) الجعد بن درهم كان رأسًا من رؤوس الضلالة، زعم أن كلام الله مخلوق، وأول صفات الله على مقتضى هواه وعقله الفاسد حتى قتله خالد بن عبد الله القسري على زندقته.
قال الحافظ ابن حجر نقلاً عن الحافظ الذهبي -رحمهما الله تعالى-: «الجعد بن درهم عداده في التابعين، مبتدع ضال، زعم: أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يكلم موسى، فقتل على ذلك بالعراق يوم النحر والقصة مشهورة. انتهى.
стр. 372
وللجعد أخبار كثيرة في الزندقة منها:
أنه جعل في قارورة ترابًا وماء فاستحال دودًا، وهوام فقال: أنا خلقت هذا لأني كنت سبب كونه.
فبلغ ذلك جعفر بن محمد فقال: ليقل: كم هو، وكم الذكران منه والإناث إن كان خلقه، وليأمر الذي يسعى إلى هذا أن يرجع إلى غيره، فبلغه ذلك فرجع» (١).
وقال الإمام اللالكائي: أخبرنا محمد بن عمر بن محمد بن حميد، قال: ثنا إبراهيم بن عبد الصمد، قال: ثنا محمد بن الوليد، قال: نا القاسم بن أبي سفيان، قال: ثنا عبد الصمد بن محمد بن حبيب بن أبي حبيب، عن أبيه، عن جده قال: شهدت خالد بن عبد الله القسري يخطب يوم النحر، فقال: من كان منكم يريد أن يضحي فلينطلق فليضحي فبارك الله في أضحيته، فإني مضح بالجعد بن درهم، زعم: أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، سبحانه عما يقول الجعد علوًا كبيرًا، ثم نزل فذبحه» (٢).
وقال ابن تيمية مبينًا أن موت الجعد والجهم وغيلان كان على الزندقة: «فهذا الذي أثنى على الحلاج ووافقه على اعتقاده ضال من وجوه:
стр. 373
وكذلك لم يستشكل أحد تكفير قدامة وأصحابه لو لم يتوبوا، وهلم جرا إلى زمن بني عبيد القداح، الذين ملكوا المغرب ومصر والشام وغيرها، ومع تظاهرهم بالإسلام، وصلاة الجمعة، والجماعة، ونصب القضاة، والمفتين، لما أظهروا الأقوال والأفعال ما أظهروا، لم يستشكل أحد من أهل العلم والدين قتالهم، ولم يتوقفوا فيه، وهم في زمن ابن الجوزي، والموفق، وصنف ابن الجوزي كتابًا لما أخذت مصر منهم سماه: النصر على مصر (٣٥/ش).
أحدها: أنه لا يعرف فيمن قتل بسيف الشرع على الزندقة أنه قتل ظلمًا، وكان وليًا لله.
فقد قتل الجهم بن صفوان، والجعد بن درهم، وغيلان القدري، ومحمد بن سعيد المصلوب، وبشار بن برد الأعمى، والسهروردي، وأمثال هؤلاء كثير، ولم يقل أهل العلم والدين في هؤلاء: إنهم قتلوا ظلمًا، وإنهم كانوا من أولياء الله، فما بال الحلاج تفرد عن هؤلاء» (١).
(٣٥/ش) العبيديون، من أشر أهل الأرض على مدار تاريخ البشرية، كانوا يدعون العصمة في أئمتهم، وأنهم أصحاب العلم الباطن، الذي يراد
стр. 374
منه: إبطال علم النبوات وكافة الرسالات.
وكانوا يظهرون الإسلام، والتزام شرائعه، إلا أن علماء الأمة، وأئمتها، وعامتها قد شهدوا بأنهم كانوا كفارًا منافقين زنادقة، حتى أن قبورهم كانت تتميز عن قبور المسلمين.
دخلوا على المسلمين من باب التشيع، وهو الباب الخبيث الذي يمر منه كل شر وبلية على الإسلام وأهله، على مر العصور والدهور.
أطفأوا نور الإسلام في بلاد مصر لمدة مائتي عام، حتى صارت دار كفر وردة أعظم من دار مسيلمة الكذاب.
أظهروا الرفض والكفر البواح في دورهم، ودلوا الكفار على عورات المسلمين، وهذا دومًا دأبهم مع أتباع الملة الحنيفية.
وبالجملة فمن حكم بإيمانهم بعد معرفة حالهم فهو كافر مرتد مثلهم.
سئل علم الأئمة، وعلامة الأمة، الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-:
«مسألة: عن المعز معد بن تميم الذي بنى القاهرة والقصرين هل كان شريفًا فاطميًّا؟ وهل كان هو وأولاده معصومين؟ وأنهم أصحاب العلم الباطن؟ وإن كانوا ليسوا أشرافًا: فما الحجة على القول بذلك؟ وإن كانوا على خلاف الشريعة: فهل هم بغاة أم لا؟ وما حكم من نقل ذلك عنهم من العلماء المعتمدين الذين يحتج بقولهم؟ ولتبسطوا القول في ذلك.
стр. 375
الجواب: الحمد لله أما القول بأنه هو، أو أحد من أولاده، أو نحوهم كانوا معصومين من الذنوب والخطأ، كما يدعيه الرافضة في الاثنى عشرة فهذا القول شر من قول الرافضة بكثير.
ومن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من شهد لهم بالإيمان والتقوى، أو بصحة النسب فقد شهد لهم بما لا يعلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وقال عن إخوة يوسف ﵇ ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا﴾
[يوسف: ٨١].
وليس أحد من الناس يعلم صحة نسبهم، ولا ثبوت إيمانهم، وتقواهم فإن غاية ما يزعمه أنهم كانوا يظهرون الإسلام والتزام شرائعه، وليس كل من أظهر الإسلام يكون مؤمنًا في الباطن. إذ قد عرف في المظهرين للإسلام المؤمن والمنافق قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].
وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماء الأمة وأئمتها وجماهيرها، أنهم كانوا منافقين زنادقة، يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر.
стр. 376
فإذا قدر أن بعض الناس خالفهم في ذلك صار في إيمانهم نزاع مشهور، فالشاهد لهم بالإيمان، شاهد لهم بما لا يعلمه، إذ ليس معه شيء يدل على إيمانهم، مثل ما مع منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم.
وكذلك النسب قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم، ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود، هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف من: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وأهل الحديث، وأهل الكلام، وعلماء النسب والعامة، وغيرهم.
وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس، وأيامهم، حتى بعض من قد يتوقف في أمرهم، كابن الأثير الموصلي في تاريخه ونحوه، فإنه ذكر ما كتبه علماء المسلمين بخطوطهم في القدح في نسبهم.
وأما جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين، حتى القاضي ابن خلكان في تاريخه فإنهم ذكروا بطلان نسبهم، وكذلك ابن الجوزي، وأبو شامة وغيرهم من أهل العلم بذلك، حتى صنف العلماء في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، كما صنف القاضي أبو بكر الباقلاني كتابه المشهور في كشف أسرارهم وهتك أستارهم، وذكر أنهم من ذرية المجوس، وذكر من مذاهبهم ما بين فيه أن مذاهبهم شر من مذاهب اليهود والنصارى، بل ومن مذاهب الغالية الذين يدعون إلهية علي أو نبوته، فهم أكفر من هؤلاء. وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المعتمد فصلاً طويلاً في شرح زندقتهم
стр. 377
وكفرهم، وكذلك ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه الذي سماه فضائل المستظهرية وفضائح الباطنية، قال: ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض، وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد وأمثاله من المعتزلة المتشيعة، الذين لا يفضلون على علي غيره، بل يفسقون من قاتله ولم يتب من قتاله، يجعلون هؤلاء من أكابر المنافقين الزنادقة. فهذه مقالة المعتزلة في حقهم، فكيف تكون مقالة أهل السنة والجماعة؟!!
والرافضة الإمامية -مع أنهم من أجهل الخلق، وأنهم ليس لهم عقل ولا نقل ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة نعم- يعلمون أن مقالة هؤلاء مقالة الزنادقة المنافقين، ويعلمون أن مقالة هؤلاء الباطنية شر من مقالة الغالية، الذين يعتقدون إلهية علي ﵁.
وأما القدح في نسبهم فهو مأثور عن جماهير علماء الأمة من علماء الطوائف ...
وأما سؤال القائل إنهم أصحاب العلم الباطن، فدعواهم التي ادعوها من العلم الباطن هو أعظم حجة ودليل على أنهم زنادقة منافقون، لا يؤمنون بالله ولا برسوله ولا باليوم الآخر، فإن هذا العلم الباطن الذي ادعوه هو كفر باتفاق المسلمين واليهود والنصارى، بل أكثر المشركين على أنه كفر أيضًا، فإن مضمونه أن للكتب الإلهية بواطن تخالف المعلوم عند المؤمنين في الأوامر والنواهي والأخبار ...
стр. 378
وبالجملة فعلم الباطن الذي يدعون، مضمونه: الكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، بل هو جامع لكل كفر، لكنهم فيه على درجات. فليسوا مستوين في الكفر إذ هو عندهم سبع طبقات، كل طبقة يخاطبون بها طائفة من الناس بحسب بعدهم من الدين وقربهم منه ...
ومن وصاياهم في الناموس الأكبر والبلاغ الأعظم: أنهم يدخلون على المسلمين من باب التشيع، وذلك لعلمهم بأن الشيعة من أجهل الطوائف وأضعفها عقلاً وعلمًا، وأبعدها عن دين الإسلام علمًا وعملاً.
ولهذا دخلت الزنادقة على الإسلام من باب المتشيعة قديمًا وحديثًا، كما دخل الكفار المحاربون مدائن الإسلام بغداد بمعاونة الشيعة، كما جرى لهم في دولة الترك الكفار ببغداد وحلب وغيرهما، بل كما جرى بتغير المسلمين مع النصارى وغيرهم.
فهم يظهرون التشيع لمن يدعونه، وإذا استجاب لهم نقلوه إلى الرفض والقدح في الصحابة، فإن رأوه قابلاً نقلوه إلى الطعن في علي وغيره، ثم نقلوه إلى القدح في نبينا وسائر الأنبياء.
وفي دولة المستنصر كانت فتنة البساسري في المائة الخامسة سنة خمسين وأربعمائة، لما جاهد البساسري خارجًا عن طاعة الخليفة القائم بأمر الله العباسي، واتفق مع المستنصر العبيدي، وذهب يحشر إلى العراق، وأظهروا في بلاد الشام والعراق: شعار الرافضة؛ كما كانوا قد أظهروها بأرض مصر.
стр. 379
وقتلوا طوائف من علماء المسلمين وشيوخهم، كما كان سلفهم قتلوا قبل ذلك بالمغرب طوائف وأذنوا على المنار: حي على خير العمل، حتى جاء الترك السلاجقة، الذين كانوا ملوك المسلمين فهزموهم وطردوهم إلى مصر، وكان من أواخرهم الشهيد نور الدين محمود، الذي فتح أكثر الشام واستنقذه من أيدي النصارى، ثم بعث عسكره إلى مصر لما استنجدوه على الإفرنج، وتكرر دخول العسكر إليها مع صلاح الدين، الذي فتح مصر فأزال عنها دعوة العبيديين من القرامطة الباطنية، وأظهر فيها شرائع الإسلام، حتى سكنها من حينئذ من أظهر بها دين الإسلام.
وكان في أثناء دولتهم يخاف الساكن بمصر أن يروي حديثًا عن رسول الله ﷺ فيقتل. كما حكى ذلك إبراهيم بن سعد الحبال، صاحب عبد الغني بن سعيد، وامتنع من رواية الحديث خوفًا أن يقتلوه.
وكانوا ينادون بين القصرين: من لعن وسب فله دينار وإردب، وكان بالجامع الأزهر عدة مقاصير يلعن فيها الصحابة، بل يتكلم فيها بالكفر الصريح.
والمعز بن تميم بن معد أول من دخل القاهرة منهم في ذلك، فصنف كلامًا معروفًا عند أتباعه، وليس هذا المعز بن باديس فإن ذاك كان مسلمًا من أهل السنة، وكان رجلاً من ملوك المغرب، وهذا بعد ذاك بمدة.
ولأجل ما كانوا عليه من الزندقة والبدعة، بقيت البلاد المصرية مدة
стр. 380
دولتهم نحو مائتي سنة قد انطفأ نور الإسلام والإيمان، حتى قالت فيها العلماء: إنها كانت دار ردة ونفاق كدار مسيلمة الكذاب.
والقرامطة الخارجين بأرض العراق، الذين كانوا سلفًا لهؤلاء القرامطة ذهبوا من العراق إلى المغرب، ثم جاؤوا من المغرب إلى مصر.
فإن كفر هؤلاء وردتهم من أعظم الكفر والردة، وهم أعظم كفرًا وردة من كفر أتباع مسيلمة الكذاب، ونحوه من الكذابين. فإن أولئك لم يقولوا في الإلهية والربوبية والشرائع ما قاله أئمة هؤلاء.
ولهذا يميز بين قبورهم وقبور المسلمين، كما يميز بين قبور المسلمين والكفار فإن قبورهم موجهة إلى غير القبلة.
ومن علم حوادث الإسلام، وما جرى فيه بين أوليائه وأعدائه الكفار والمنافقين، علم أن عداوة هؤلاء المعتدين للإسلام الذي بعث الله به رسوله أعظم من عداوة التتار، وأن علم الباطن الذي كانوا يدعون حقيقته هو إبطال الرسالة التي بعث الله بها محمدًا، بل إبطال جميع المرسلين، وأنهم لا يقرون بما جاء به الرسول عن الله ولا من خبره ولا من أمره، وأن لهم قصدًا مؤكدًا في إبطال دعوته، وإفساد ملته، وقتل خاصته، وأتباع عترته.
وأنهم في معاداة الإسلام بل وسائر الملل: أعظم من اليهود والنصارى، فإن اليهود والنصارى يقرون بأصل الجمل التي جاءت بها الرسل، كإثبات الصانع والرسل والشرائع واليوم الآخر، ولكن يكذبون بعض الكتب والرسل،
стр. 381
كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١].
«حكم من انضم إليهم جاهلاً بحالهم»
وهذا الذي ذكرته حال أئمتهم وقادتهم العالمين بحقيقة قولهم، ولا ريب أنه قد انضم إليهم من الشيعة والرافضة من لا يكون في الباطن عالمًا بحقيقة باطنهم، ولا موافقًا لهم على ذلك، فيكون من أتباع الزنادقة المرتدين، الموالي لهم الناصر لهم، بمنزلة أتباع الاتحادية الذين يوالونهم ويعظمونهم وينصرونهم، ولا يعرفون حقيقة قولهم في وحدة الوجود، وأن الخالق هو المخلوق.
فمن كان مسلمًا في الباطن, وهو جاهل معظم لقول ابن عربي وابن سبعين وابن الفارض وأمثالهم من أهل الاتحاد فهو منهم.
وكذا من كان معظمًا للقائلين بمذهب الحلول والاتحاد. فإن نسبة هؤلاء إلى الجهمية، كنسبة أولئك إلى الرافضة والجهمية، ولكن القرامطة أكفر من الاتحادية بكثير. ولهذا كان أحسن حال عوامهم أن يكونوا رافضة جهمية، وأما الاتحادية ففي عوامهم من ليس برافضي ولا جهمي صريح، ولكن لا يفهم كلامهم، ويعتقد أن كلامهم كلام الأولياء المحققين.
وبسط هذا الجواب له مواضع غير هذا والله أعلم» (١).
стр. 382
وعندما كتب الإمام السيوطي -رحمه الله تعالى- كتابه «تاريخ الخلفاء» لم يذكر منهم العبيديين، اعتذر عن ذلك بذكر أسباب:
منها: «أنهم غير قريشيين، وإنما سمتهم بالفاطميين جهلة العوام، وإلا فجدهم مجوسي.
قال القاضي عبد الجبار البصري: اسم جد الخلفاء المصريين سعيد، وكان أبوه يهوديًا حدادًا نشابة. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني:
القداح جد عبيد الله الذي يسمي علماء النسب، وسماهم جهلة الناس الفاطميين. قال ابن خلكان: أكثر أهل العلم لا يصححون نسب المهدي عبيد الله جد خلفاء مصر، حتى إن العزيز بالله ابن المعز في أول ولايته صعد المنبر يوم الجمعة، فوجد هناك ورقة فيها هذه الأبيات:
إنما سمعنا نسبًا منكرا ... يتلى على المنبر في الجامع
إن كنت فيما تدعي صادقًا ... فاذكر أبًا بعد الأب السابع
إن ترد تحقيق ما قلته ... فانسب لنا نفسك كالطائع
أو دع الأنساب مستورة ... وادخل بنا في نفسك الواسع
فإن أنساب بني هاشم ... يقصر عنها طمع الطامع
وكتب العزيز إلى الأموي صاحب الأندلس كتابًا سبه فيه وهجاه، فكتب إليه الأموي: «أما بعد فإنك عرفتنا فهجوتنا، ولو عرفناك لأجبناك» فاشتد ذلك
стр. 383
على العزيز فأفحمه عن الجواب - يعني أنه دعي لا تعرف قبيلته.
قال الذهبي: المحققون متفقون على أن عبيد الله المهدي ليس بعلوي، وما أحسن ما قال حفيده المعز صاحب القاهرة، وقد سأله ابن طباطبا العلوي عن نسبهم، فجذب سيفه من الغمد وقال: هذا نسبي، ونثر على الأمراء والحاضرين الذهب، وقال: هذا حسبي.
ومنها: أن أكثرهم زنادقة خارجون عن الإسلام، ومنهم من أظهر سب الأنبياء، ومنهم من أباح الخمر، ومنهم من أمر بالسجود له، والخير منهم رافضي خبيث لئيم يأمر بسب الصحابة ﵃، ومثل هؤلاء لا تنعقد لهم بيعة ولا تصح لهم إمامة.
قال القاضي أبو بكر الباقلاني: كان المهدي عبيد الله باطنيًا خبيثًا، حريصًا على إزالة ملة الإسلام، أعدم العلماء والفقهاء ليتمكن من إغواء الخلق، وجاء أولاده على أسلوبه، أباحوا الخمر والفرج وأشاعوا الرفض.
وقال الذهبي: كان القائم بن المهدي شرًا من أبيه زنديقًا ملعونًا، أظهر سب الأنبياء، وقال: وكان العبيديون على ملة الإسلام شرًا من التتر.
وقال أبو الحسن القابسي: إن الذين قتلهم عبيد الله وبنوه من العلماء والعباد أربعة آلاف رجل. ليردوهم عن الترضي عن الصحابة، فاختاروا الموت، فيا حبذا لو كان رافضيًا فقط، ولكنه زنديق.
стр. 384
وقال القاضي عياض: سئل أبو محمد القيرواني الكيزاني من علماء المالكية عمن أكرهه بنو عبيد -يعني خلفاء مصر- على الدخول في دعوتهم أو يقتل؟
قال: يختار القتل، ولا يعذر أحد في هذا الأمر. كان أول دخولهم قبل أن يعرف أمرهم، وأما بعد فقد وجب الفرار، فلا يعذر أحد بالخوف بعد إقامته.
لأن المقام في موضع يطلب من أهله تعطيل الشرائع لا يجوز؛ وإنما أقام من أقام من الفقهاء على المباينة لهم، لئلا تخلو للمسلمين حدودهم فيفتنوهم عن دينهم.
وقال يوسف الرعيني: أجمع العلماء بالقيروان على أن حال بني عبيد حال المرتدين والزنادقة، لما أظهروا من خلاف الشريعة.
وقال ابن خلكان: وقد كانوا يدعون على المغيبات، أخبارهم في ذلك مشهورة، حتى إن العزيز صعد يومًا المنبر فرأى ورقة فيها مكتوب:
بالظلم والجور قد رضينا ... وليس بالكفر والحماقة
إن كنت أعطيت علم غيب ... بين لنا كاتب البطاقة
وكتبت إليه امرأة قصة فيها: بالذي أعز اليهود بميشا، والنصارى بابن نسطور، وأذل المسلمين بك إلا نظرت في أمري، وكان ميشا اليهودي عاملاً بالشام، وابن نسطور النصراني بمصر.
стр. 385
ومنها: أن مبايعتهم صدرت، والإمام العباسي قائم موجود سابق البيعة، فلا تصح إذ لا تصح البيعة لإمامين في وقت واحد، والصحيح المتقدم.
ومنها: أن الحديث ورد بأن هذا الأمر إذا وصل إلى بني العباس لا يخرج عنهم حتى يسلموه إلى عيسى بن مريم، أو المهدي، فعلم أن من تسمى بالخلافة، مع قيامهم خارج باغ.
فلهذه الأمور لم أذكر أحدًا من العبيديين، ولا غيرهم من الخوارج وإنما ذكرت الخليفة المتفق على صحة إمامته، وعقد بيعته» (١).
стр. 386
ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين: أن أحدًا أنكر شيئًا من ذلك، أو استشكله لأجل ادعائهم الملة، أو لأجل قوة لا إله إلا الله، أو لأجل شيء من أركان الإسلام إلا ما سمعناه من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم أن هذا هو الشرك، ولكن من فعله، أو حسنه، أو كان مع أهله، أو ذم التوحيد، أو حارب أهله لأجله، أو أبغضهم لأجله أنه لا يكفر لأنه يقول: لا إله إلا الله، أو لأنه يؤدي أركان الإسلام، هذا ويستدلون بأن النبي ﷺ سماها الإسلام، هذا لم يسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظالمين، فإن ظفروا بحرف واحد عن أهل العلم، أو أحد منهم يستدلون به على قولهم الفاحش الأحمق فليذكروه، ولكن الأمر كما قال اليمني (١) في قصيدته.
أقاويل لا تعزى إلى عالم فلا ... تساوي فلسًا إن رجعت إلى النقد
ولنختم الكلام في هذا النوع بما ذكره البخاري في صحيحه حيث قال:
باب تغير الزمان حتى تعبد الأوثان
ثم ذكر بإسناده: قوله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة» (٢) وذو الخلصة صنم لدوس يعبدونه فقال ﷺ
لجرير بن عبد الله: «ألا تريحني من ذي الخلصة؟»، فركب إليه
بمن معه فأحرقه وهدمه ثم أتى النبي ﷺ فأخبره قال: «فبرك
стр. 387
على خيل أحمس ورجالها خمسًا» (١).
وعادة البخاري ﵀ إذا لم يكن الحديث على شرطه ذكره في الترجمة، ثم أتى بما يدل على معناه مما هو على شرطه، ولفظ الترجمة وهو قوله: «يتغير الزمان حتى تعبد الأوثان»، لفظ حديث (٢) أخرجه غيره من الأئمة، والله أعلم (٣٦/ش).
(٣٦/ش) من المهم والمهم جدًا أن يتعلم المؤمن كيف تغير الزمان، وتبدل الدين، وطرأ الشرك على عباد الله الموحدين.
فأوائل هذه الأمة لما قاموا بالتوحيد الصافي -من دخن الشرك- قولاً وعملاً واعتقادًا خرجوا وأخرجوا الناس من ظلمات الضلالة إلى نور الهداية.
ثم بدأ العلم في الذهاب بقبض العلماء، وأخذ الجهل في الانتشار، وقل الناصحون، وتعاون شياطين الإنس والجن على إفساد الناس، فعملوا على فتح باب الشرك على مصراعيه، عن طريق فتح الباب لذرائعه وأسبابه ووسائله مثل: بناء المشاهد على القبور، والصلاة في المساجد المبنية عليها،
والتوجه إلى الله بالأموات، وكثرة الحلف بغير الله، واتخذت التولة
والتمائم، وغلب على الناس الشرك في الألفاظ والمقاصد والنيات، وقل الأمر
стр. 388
بالمعروف والنهي عن المنكر، وكثر ثم غلب التشبه بالمشركين، والتسني بسنة أهل الكتاب في كثير من المعتقدات والأعمال والعادات، وموافقتهم في الأعياد، وعادت ثم سادت البدع والمحدثات، ومعلوم أن البدع بريد الكفر والمروق من الملة.
فتغير بذلك الزمان وعادت عبادة الأوثان والأنداد، وغلب على العامة عبادة الأموات، والتحاكم إلى الطواغيت، حتى صارت فتنة أعمت القلوب عن مواقع رشدها، وحيرت العقول عن طرق قصدها، نشأ فيه الصغير، وهرم عليها الكبير حتى ظنوها سنة، فإذا جاء من يريد تغييرها قالوا: أراد تغيير السنة!!!
إلا أن الله قد قيض لدينه من يحفظه، وينصره، ويحافظ على شعائره، ويقوم على ثغوره، ويجاهد أعداءه بماله ونفسه وقلبه وبنانه ..
قال ﷺ : «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» (١).
وقال ﷺ : «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ولا تزال عصابة من
стр. 389
المسلمين يقاتلون على الحق، ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة» (١).
وقال ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، ظاهرين إلى يوم القيامة» (٢).
قال الإمام الرباني ابن قيم الجوزية في العبر المستفادة من هدم وثن ذي الخلصة: «ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يومًا واحدًا؛ فإنها شعائر الكفر والشرك وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة.
وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانًا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، أو أعظم شركًا عندها وبها والله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق وترزق وتميت وتحيي، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها، ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم. فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، وغلب الشرك على أكثر
стр. 390
النفوس لظهور الجهل وخفاء العلم، فصار المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله سبحانه الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين» (١).