..............................................................
ــ
النبي ﷺ يوم أحد انخزل معه ثلث الناس، قيل كانوا نحو ثلاثمائة، وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن، إذ لم يكن لهم داع إلى النفاق.
فإن ابن أبي كان مظهرًا لطاعة النبي ﷺ ، والإيمان به، وكان كل يوم جمعة يقوم خطيبًا في المسجد يأمر باتباع النبي ﷺ ، ولم يكن ما في قلبه يظهر إلا لقليل من الناس -إن ظهر- وكان معظمًا في قومه كانوا قد عزموا على أن يتوجوه ويجعلوه مثل الملك عليهم، فلما جاءت النبوة بطل ذلك، فحمله الحسد على النفاق، وإلا فلم يكن له قبل ذلك دين يدعوا إليه، وإنما كان هذا في اليهود.
فلما جاء النبي ﷺ بدينه، وقد أظهر الله حسنه ونوره مالت إليه القلوب، لا سيما لما نصره الله يوم بدر، ونصره على يهود بني قينقاع صار معه الدين والدنيا، فكان المقتضى للإيمان في عامة الأنصار قائماََ، وكان كثير منهم يعظم ابن أُبي تعظيمًا كثيرًا ويواليه، ولم يكن ابن أُبي أظهر مخالفة توجب الامتياز، فلما انخزل يوم أحد، وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان أو كما قال، انخزل معه خلق كثير منهم من لم ينافق قبل ذلك.
وفي الجملة ففي الأخبار عمن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره هنا (١)
стр. 457
............................................................
ــ وقال أيضًا - رحمه الله تعالى-: قوله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ فقد كان قبل ذلك فيهم نفاق مغلوب، فلما كان يوم أحد غلب نفاقهم فصاروا إلى الكفر أقرب (١).
...
((حادثة حاطب ﵁، وحكم ما وقع فيه))
لقد حاول كثير من المنهزمين أن يتترسوا بهذه الواقعة، وينفذوا من خلالها إلى أنه لا يوجد ناقض من نواقض الإسلام عنوانه: موالاة الكافرين ونصرتهم على المسلمين. وأرادوا أن يجعلوا هذه الحادثة بفهمهم هم قاعدة كلية ينبغي رد النصوص- التي تفوت الحصر- من الكتاب والسُّنَّة إليها.
ولكن أهل السنة والجماعة تتقرر القواعد الكلية عندهم من نصوص كثيرة من القرآن والسُّنَّة، ثم بعد ذلك ينزلون ويفهمون ما خالف- في الظاهر- مقتضاها على ضوء ما تقرر من معنى القواعد الكلية.
على سبيل المثال: قد تقرر من نصوص الكتاب والسُّنَّة أن الإيمان قول وعمل، وانعقد عليه الإجماع حتى صار معلومًا بالاضطرار من الدين. ثم جاء نص في ظاهره مخالفة ما تقرر من مقتضى هذه القاعدة، وهو قوله ﷺ في حق الجهنميين ((فيقبض- أي أرحم الراحمين قبضة من النار
стр. 458
...............................................................
ــ
فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط (١). الحديث
وهنا نحن أمام منهجين:
أ- منهج أهل السُّنَّة والعدل: فيقولون بمقتضى القاعدة المقررة من نصوص تفوق الحصر، من الكتاب والسُّنَّة بفهم سلف الأمة وأئمتها، وهو أن الإيمان قول وعمل، وأن الأعمال من الإيمان، ثم بعد ذلك يحاولون الجمع بين مقضى القاعدة وهذا النص الجزئي، فإن تعذر ذلك، عملوا بمقتضى القاعدة الكلية وتركوا العمل بمقتضى النص الجزئي، لئلا يتركوا العمل بالنصوص الكثيرة المقررة للقاعدة الكلية.
ب- منهج أهل البدع والظلم: يجعلون معنى النص الجزئي قاعدة كلية، ثم يقومون برد النصوص الكثيرة إليها.
فيقولون هنا: هذا الحديث يقطع بخروج الأعمال من الإيمان، ومن ثم فالإيمان هو الاعتقاد والقول فقط دون الأعمال.
وأهل السُّنَّة يقولون هنا: قوله ﷺ : «لم يعملوا خيرًا قط» يطلق على من عمل أعمالاً من أعمال البر، إلا أنها قليلة تكاد لا تذكر في جانب الأعمال السيئة الأخرى، ولا أدلّ على ذلك من حديث الرجل الذي قتل مائة نفس فعندما اختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، قالت ملائكة العذاب:
стр. 459
...............................................................
ــ
((لم يعمل خيرًا قط)) (١). مع أن الرجل ذهب إلى الراهب ليسأله عن التوبة، ثم ذهب إلى العالم ليسأله عن التوبة بعد ندمه على قتل الراهب، ثم امتثل وعمل كل ما قاله العالم له من شروط التوبة ... وكل ذلك من أعمال البر، لكنها بجانب سيئاته ومعاصيه، فكأنه لم يعمل خيرًا قط.
قال الإمام ابن رجب الحنبلي- رحمه الله تعالى- " والمراد بقوله: (لم يعملوا خيرًا قط) من أعمال الجوارح، وإن كان أصل التوحيد معهم" (٢).
قلت ولا شك أن التوحيد قول وعمل واعتقاد، وهذا دليل على فعل بعض الأعمال الصالحة.
وقد ساغ في لغة العرب أن يؤتى بلفظ الكل ويكون المراد به البعض لا الكل.
قال الإمام الحافظ ابن عبد البر-رحمه الله تعالى- في بيان هذه القاعدة المهمة، في أثناء شرحه لحديث الرجل الذي أمر بذرّ نفسه، والمعروف بحديث القدرة: «روي من حديث أبي رافع، عن أبي هريرة في هذا الحديث أنه قال: قال رجل (لم يعمل خيرًا قط إلا التوحيد) وهذه اللفظة إن صحت رفعت الإشكال في إيمان هذا الرجل، وإن لم تصح من جهة النقل فهي صحيحة من جهة المعنى، والأصول كلها تعضدها، والنظر يوجبها؛ لأنه محال غير جائز أن يُغفر للذين يموتون وهم كفار، لأن الله قد أخبر أنه لا يغفر أن يشرك به لمن
стр. 460
...............................................................
ــ
مات كافرً، وهذا ما لا مدفع له، ولا خلاف فيه بين أهل القبلة.
وفي هذا الأصل ما يدلك على أن قوله في هذا الحديث: لم يعمل حسنة قط، أو لم يعمل خيرًا قط لم يعذبه إلا ما عدا التوحيد من الحسنات والخير.
وهذا سائغ في لسان العرب، جائز في لغتها أن يؤتى بلفظ الكل، والمراد البعض» (١).
نعود لحادثة حاطب ابن أبي بلتعة- فنقول بوجوب فهمهما، وردّ معناها إلى ما تقرر من معنى النصوص المستفيضة في مسألة موالاة الكفار، والحكم بالردة على أصحابها، ولو كانوا ما وقعوا في نصرتهم ومظاهرتهم إلا بسبب عرض من الدنيا زائل بعلة الخوف من غائلة دوائر الدهر، ونحو ذلك.
وقد تقدم بعض من هذه النصوص وما سكتنا عنه فهو مثله أو أكثر.
وإليكم قصة حاطب ﵁، عن عبيد الله بن أبي رافع، وكان كاتبًا لعلي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت عليًّا يقول: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزيير والمقداد، فقال «انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ؛ فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها»، فانطلقنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: هلمي الكتاب، قالت: ما عندي من كتاب، فقلت: لتخرجن
وقال الإمام الحافظ محمد بن وضاح (١): أخبرني غير واحد: أن أسد بن موسى كتب إلى أسد بن الفرات: اعلم يا أخي أن ما حملني على الكتابة إليك ما ذكر أهل بلادك من صالح ما أعطاك الله من إنصافك الناس، وحسن حالك مما أظهرت من السنة، وعيبك لأهل البدع، وكثرة ذكرك لهم وطعنك عليهم، فقمعهم الله بك، وشد بك ظهر أهل السنة، وقواك عليهم بإظهار عيبهم، والطعن عليهم، فأذلهم الله يبدك وصاروا ببدعتهم مستترين، فأبشر يا أخي بثواب ذلك، واعتد به من أفضل حسناتك من الصلاة والصيام والحج والجهاد، وأين تقع هذه الأعمال من إقامة كتاب الله تعالى وإحياء سنة رسول الله ﷺ ؟ وقد قال رسول الله ﷺ : (من أحيا شيئًا من سنتي كنت أنا وهو في الجنة كهاتين) (٢)، وضم بين إصبعيه،
وقال: «أيما داع إلى هدى فاتبع عليه كان له مثل أجر من اتبعه إلى يوم القيامة» (٣) فمتى يدرك أجر هذا بشىء من علمه؟ وذكر أيضًا أن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًا لله، يذب عنها وينطق بعلاماتها، فاغتنم يا أخي هذا الفضل وكن من أهله، فإن النبي ﷺ ، قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن
стр. 472
وأوصاه: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من كذا وكذا) (١)
وأعظم القول فيه، فاغتنم ذلك وادع إلى السنة حتى يكون لك في ذلك ألفه وجماعه، يقومون مقامك إن حدث بك حدث فيكونون أئمة بعدك (٣٨/ش)، فيكون لك ثواب ذلك إلى يوم القيامة؛ كما جاء في الأثر، فاعمل على بصيرة ونية وحسبة، فيرد الله بك المبتدع المفتون الزائغ ــ
(٣٨/ش) ما أعظم وأعذب هذه النصيحة الجليلة، فينبغي أن يضعها الدعاة إلى التوحيد والسنة نصب أعينهم.
فيجب العمل على إعداد وتربية كوادر من صفوة طلبة العلم على منهج التوحيد، وفهم حقيقة الصراع الأبدي الضروس بين الإسلام والكفر، وبين السنة والبدعة، ومن ثم تتجه هذه الصفوة إلى الأمة بمنهج الإسلام الفريد وتقوم بتحصين أبنائه ضد مخططات الطواغيت والعلمانيين، والحداثيين والمنافقين والمرتدين والزنادقة والملحدين ....
وهذا من شأنه أن يعمل على استمرارية بيان الحق، وظهور الفرقان بين التوحيد والشرك، وأيضًا يعمل على شل مخططات علماء السوء الهادفة إلى تركيع الأمة لأعدائها، وكذلك يعمل على ربط الناس بالحق، وأنه قديم ومستمر حتى يفصل الله بين أهله وأعدائه، ولا يربط الناس بأشخاص، فإذا ذهبوا أو غيبوا ذهب معهم ما قالوه وأصلوه.
стр. 473
الحائر، فتكون خلفًا لنبيك ﷺ ، فإنك لن تلقى الله بعمل يشبهه وإياك أن يكون لك من أهل البدع أخ أو جليس أو صاحب، فإنه جاء في الأثر: «من جالس صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه، ومن مشى إلى صاحب بدعة، مشى في هدم الإسلام» وجاء: «ما من إله يعبد من دون الله أبغض إلى الله من صاحب هوى».
وقد وقعت اللعنة من رسول الله ﷺ على أهل البدع، وأن الله لا يقبل منهم صرفًا ولا عدلا ولا فريضة ولا تطوعًا، وكلما ازدادوا اجتهادًا وصومًا وصلادة ازدادوا من الله بعدًا (١) فارفض مجالسهم وأذلهم وأبعدهم، كما أبعدهم الله وأذلهم رسول الله ﷺ وأئمة الهدى بعدده انتهى كلام أسد - رحمه الله تعالى-.
واعلم - رحمك الله - أن كلامه، ما يأتي من كلام أمثاله من السلف في معاداة أهل البدع والضلالة في ضلالة لا تخرج عن الملة، لكنهم شددوا في ذلك وحذروا منه لأمرين: الأول: غلظ البدعة في الدين في نفسها، فهي عندهم أجلُّ من الكبائر ويعاملون أهلها بأغلظ ما يعاملون به أهل الكبائر، كما تجد في قلوب الناس: أن الرافضي عندهم ولو كان عالمًا عابدًا أبغض
стр. 474
وأشد ذنبًا من السني المجاهر بالكبائر (٣٩/ش).
ــ
(٣٩/ش) «الرافضة»: من أخس وأجهل وأكذب الطوائف الداخلة في الإسلام، وأكثرهم قد دخل فيه مستصحبًا للكفر، وبه خرج منه.
«أصل دينهم» من إحداث الزنادقة، وكان مقصودهم به الصد عن سبيل الله، وإبطال ما جاءت به الرسل.
ليس لهم سعي إلا في هدم الإسلام، ونقض عراه، وإفساد قواعده، فأيامهم في الإسلام كلها سود، سود الله وجوههم، ووجوه من تولاهم في الدنيا والآخرة، آمين.
أشبه الناس باليهود، يعادون خيار المؤمنين، من السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، ويوالون المشركين واليهود والنصارى والمنافقين، فهم دائمًا على أعدى أعداء الأمة، والتاريخ قديمًا وحديثًا خير شاهد، ودماء المسلمين التي سفكت على أيديهم في أمس واليوم خير دليل.
منهم دخل على الدين من الفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد، الملاحدة من بابهم ولجوا، والكفار بطريقهم وصلوا الى الاستيلاء على بلاد الإسلام، ولذلك فسيف الموحدين الأطهار عليهم مسلول إلى يوم البعث والنشور.
لا يوجد منافقون ومرتدون في طائفة أكثر مما يوجد فيهم، وديارهم أكثر البلاد منكرًا من الظلم والفواحش والبهتان، ولاؤهم مصروفًا كاملاً لأعداء الإسلام، ومشى بعضهم مع النصارى حاملاً لصليبهم من غير استحياء ساعة نصرهم على أهل الشام، وباعوا لهم بعضًا من المسلمين ببيع العبيد.
стр. 475
..................................................................
ــ
الأمة تشهد على الرافضة بأنها أكذب الطوائف، حتى إن العامة لا تعرف في مقابلة السُّني إلا الرافضي، ولذلك كانوا عند جماهير الأمة نوعًا آخر وجنسًا مختلفًا عن المسلمين، أي ملتهم ملة أخرى منابذة لملة المسلمين.
وإلى الله المشتكى من الذين ينادون بالتقارب بين المسلمين والرافضة، فهذا كحال الذين ينادون بالتقارب بين المسلمين والنصارى، وبين المؤمنين والكافرين، وبين المخلصين والمنافقين.
لا يوثق لهم بتوبة لأن دينهم قائم على التقية، فأبعد الله قومًا يظهرون ما لا يبطنون لجنبهم وخورهم.
قال علامة الأمة ابن تيمية- فاضح الرافضة والملاحدة- في وصف القوم وحكمهم: «فإن الأدلة إما نقلية وإما عقلية، والقوم من أضل الناس في المنقول والمعقول في المذاهب والتقرير، وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١٠].
والقوم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنَّه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلاً بعد جيل، ولا يميزون في نقلة العلم ورواة الأحاديث والأخبار بين المعروف بالكذب أو الغلط أو الجهل بما ينقل، وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم بالآثار.
стр. 476
................................................................
ــ
وعمدتهم في نفس الأمر على التقليد، وإن ظنوا إقامته بالبرهانيات. فتارة يتبعون المعتزلة والقدرية، وتارة يتبعون المجسمة والجبرية، وهم من أجهل هذه الطوائف بالنظريات، ولهذا كانوا عند عامة أهل العلم والدين من أجهل الطوائف الداخلين في الإسلام، ومنهم من أدخل على الدين من الفساد مالا يحصيه إلا رب العباد. فملاحدة الإسماعيلية والنصيرية، وغيرهم من الباطنية المنافقين من بابهم دخلوا، وأعداء المسلمين من المشركين وأهل الكتاب بطريقهم وصلوا، واستولوا بهم على بلاد الإسلام، وسبوا الحريم، وأخذوا الأموال، وسفكوا الدم الحرام، وجري على الأمة بمعاونتهم من فساد الدين والدنيا ما لا يعلمه إلا رب العالمين.
«أصل دينهم من إحداث الزنادقة»
إذا كان أصل المذهب من إحداث الزنادقة المنافقين، الذين عاقبهم في حياته على أمير المؤمنين ﵁، فحرق منهم طائفة بالنار، وطلب قتل بعضهم ففروا من سيفه البتار، وتوعد بالجلد طائفة مفترية فيما عرف عنه من الأخبار.
وذلك أن أول هذه الأمة هم الذين قاموا بالدين تصديقًا وعلمًا وعملا وتبليغًا، فالطعن فيهم طعن في الدين، موجب للإعراض عما بعث الله به النبيين.
وهذا كان مقصود أول من أظهر بدعة التشيع، فإنما كان قصده الصد عن سبيل الله، وإبطال ما جاءت به الرسل عن الله، ولهذا كانوا يظهرون ذلك
стр. 477
...............................................................
ــ
بحسب ضعف الملة، فظهر في الملاحدة حقيقة هذه البدع المضلة، لكن راج كثير منها على من ليس من المنافقين الملحدين لنوع من الشبهة والجهالة، المخلوطة بهوى فقبل معه الضلالة وهذا أصل كل باطل ...
«الرافضة دوما تتبرأ من المسلمين وتتولى الكافرين»
فمن خرج عن الصراط المستقيم كان متبعًا لظنه وما تهواه نفسه، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٥٠]، وهذا حال أهل البدع المخالفة للكتاب والسنة، فإنهم إن يتبعون إلا الظن وما تهوي الأنفس، ففيهم جهل وظلم، لا سيما الرافضة فإنهم أعظم ذوي الأهواء جهلاً وظلمًا، يعادون خيار أولياء الله تعالى من بعد النبيين، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوعهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، ويوالون الكفار والمنافقين من اليهود والنصارى والمشركين، وأصناف الملحدين، كالنصيرية والإسماعيلية، وغيرهم من الضآلين، فتجدهم أو كثيرًا منهم إذا اختصم خصمان في ربهم من المؤمنين والكفار، واختلف الناس فيما جاءت به الأنبياء، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، سواء كان الاختلاف بقول أو عمل، كالحروب التي بين المسلمين وأهل الكتاب والمشركين، تجدهم يعاونون المشركين وأهل الكتاب على المسلمين أهل القرآن ...
стр. 478
..............................................................
ــ
«دخلوا في الإسلام رغبة عنه، ومقتًا لأهله»
روى أبو حفص بن شاهين في كتاب اللطيف السنة، حدثنا محمد بن أبي القاسم بن هارون، حدثنا أحمد بن الوليد الواسطي، حدثني جعفر بن نصير الطوسي الواسطي، عن عبد الرحمن بن مالك بن مغول، عن أبيه قال: قال لي الشعبي: أحذركم هذه الأهواء المضلة، وشرها الرافضة، لم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة، ولكن مقتًا لأهل الإسلام، وبغيًا عليهم. قد حرقهم على ﵁ بالنار، ونفاهم إلى البلدان، منهم عبد الله بن سبأ يهودي من يهود صنعاء، نفاه إلى ساباط، وعبد الله بن ياسر نفاه إلى خازر.
«الرافضة أشبه الناس باليهود»
وآية ذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود، قالت اليهود: لا يصلح الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة: لا تصلح الإمامة إلا في ولد علي. وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المسيح الدجال، وينزل سيف من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج المهدي، وينادي مناد من السماء. واليهود يؤخرون الصلاة إلى اشتباك النجوم، وكذلك الرافضة يؤخرون المغرب إلى اشتباك النجوم ...
وكذلك الرافضة واليهود تبغض جبريل، ويقولون: هو عدونا من الملائكة وكذلك الرافضة يقولون: غلط جبريل بالوحي على محمد ﷺ .
وكذلك الرافضة وافقوا النصارى في خصلة: النصارى ليس لنسائهم
стр. 479
...............................................................
ــ
صداق إنما يتمتعون بهن تمتعًا، وكذلك الرافضة يتزوجون بالمتعة، ويستحلون المتعة.
وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: سئلت اليهود من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى. وسئلت النصارى من خير أهل ملتكم؟ قالوا حواري عيسى. وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد ﷺ .
أمروا بالاستغفار لهم فسبوهم، فالسيف عليهم مسلول إلى يوم القيامة، لا تقوم لهم راية، ولا يثبت لهم قدم، ولا تجتمع لهم كلمة، ولا تجاب لهم دعوة، دعوتهم مدحوضة، وكلمتهم مختلفة، وجمعهم متفرق، كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ....
«لا يوثق بهم في توبة»
وأما الرافضة فأصل بدعتهم عن زندقة وإلحاد، وتعمد الكذب كثير فيهم، وهم يقرون بذلك حيث يقولون: ديننا التقية. وهو أن يقول أحدهم بلسانه خلاف ما في قلبه. وهذا هو الكذب والنفاق، ويدعون مع هذا أنهم هم المؤمنون دون غيرهم من أهل الملة، ويصفون السابقين الأولين بالردة والنفاق فهم في ذلك كما قيل: رمتني بدائها وانسلت.
إذ ليس في المظهرين للإسلام أقرب إلى النفاق والردة منهم، ولا يوجد المرتدون والمنافقون في طائفة أكثر مما يوجد فيهم، واعتبر ذلك بالغالية من
стр. 480
................................................................
ــ
النصيرية وغيرهم، وبالملاحدة الإسماعيلية وأمثالهم.
وتكلم الشيخ ﵀ عن اعتقادهم بعصمة الأئمة حتى قال: -
وناهيك بقول لم يوافقهم عليه إلا الملاحدة المنافقون، الذين شيوخهم الكبار، أكفر من اليهود النصارى والمشركين، وهذا دأب الرافضة دائمًا يتجاوزون عن جماعة المسلمين إلى اليهود والنصارى والمشركين في الأقوال والموالاة والمعاونة والقتال وغير ذلك.
«أخس وأضل قوم في الموالاة والمعاداة»
فهل يوجد أضل من قوم يعادون السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ويوالوان الكفار والمنافقين. وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٤، ١٥]، ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ * اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٨، ١٩]،
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ * كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢٠، ٢١]، ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ
стр. 481
...............................................................
ــ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]
فهذه الآيات نزلت في المنافقين؛ وليس المنافقون في طائفة أكثر منهم في الرافضة، حتى أنه ليس في الروافض إلا من فيه شعبة من شعب النفاق، كما قال النبي ﷺ : (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) (١). أخرجاه في الصحيحين.
﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ * وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨٠، ٨١] وقال تعالى: ﴿* لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: ٧٨، ٨٠].
«ديارهم أظلم الديار، وجنسهم مختلف عن جنس المسلمين»
وهم غالبا لا يتناهون عن منكر فعلوه، بل ديارهم أكثر البلاد منكرًا من الظلم والفواحش وغير ذلك، وهم يتولون الكفار الذين غضب الله عليهم، فليسوا مع المؤمنين ولا مع الكفار، كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا
стр. 482
..................................................................
ــ
غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلاَ مِنْهُمْ﴾، ولهذا هم عند جماهير المسلمين نوع آخر، حتى أن المسلمين لما قاتلوهم بالجبل، الذي كانوا عاصين فيه بساحل الشام، يسفكون دماء المسلمين، ويأخذون أموالهم، ويقطعون الطريق استحلالاً لذلك، وتدينا به، فقاتلهم صنف من التركمان، فصاروا يقولون: نحن مسلمون. فيقولون: لا أنتم جنس آخر.
فهم بسلامة قلوبهم علموا أنهم جنس آخر، خارجون عن المسلمين، لامتيازهم عنهم. وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وهذا حال الرافضة، وكذلك ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ١٦ - ٢٢]، وكثير منهم يواد الكفار من وسط قلبه أكثر من موادته للمسلمين، ولهذا لما خرج الترك والكفار من جهة المشرق فقاتلوا المسلمين وسفكوا دمائهم ببلاد خراسان والعراق والشام والجزيرة وغيرها، كانت الرافضة معاونة لهم على قتل المسلمين، ووزير بغداد المعروف بالعلقمي هو وأمثاله كانوا من أعظم الناس معاونة لهم على المسلمين، وكذلك الذين كانوا بالشام بحلب وغيرها من الرافضة، كانوا من أشد الناس معاونة لهم على قتل المسلمين، وكذلك النصارى الذين قاتلهم المسلمون بالشام كانت الرافضة من أعظم أعوانهم، وكذلك إذا صار لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم، فهم دائمًا يوالون الكفار من
стр. 483
................................................................
ــ
المشركين واليهود والنصارى، ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم ...
«الرافضة أشهر الطوائف بالبدعة والكذب»
وهذا الذي ذكرناه- أي من كذبهم- معروف عند أهل العلم قديمًا وحديثًا كما قد ذكرنا بعض أقوالهم، حتى قال الإمام عبد الله بن المبارك: الدين لأهل الحديث، والكذب للرافضة، والكلام للمعتزلة، والحيل لأهل الرأي، أصحاب فلان، وسوء التدبير لآل أبي فلان. وهو كما قال: فإن الدين هو ما بعث الله به محمدًا ﷺ ، وأعلم الناس به أعلمهم بحديثه وسنته، وأما الكلام فأشهر الطوائف به هم المعتزلة، ولهذا كانوا أشهر الطوائف بالبدع عند الخاصة.
وأما الرافضة فهم المعروفون بالبدعة عند الخاصة والعامة، حتى أن أكثر العامة لا تعرف في مقابلة السني إلا الرافضي، لظهور مناقضهم لما جاء به الرسول ﵇ عند الخاصة والعامة، فهم عين على ما جاء به، حتى الطوائف الذين ليس لهم من الخبرة بدين الرسول ما لغيرهم، إذا قالت لهم الرافضة: نحن مسلمون. يقولون: أنتم جنس آخر.
ولهذا الرافضة يوالون أعداء الدين، الذين يعرف كل أحد معاداتهم، من اليهود والنصارى والمشركين مشركي الترك، ويعادون أولياء الله الذين هم خيار أهل الدين، وسادات المتقين، وهم الذين أقاموه وبلغوه ونصروه.
ولهذا كان الرافضة من أعظم الأسباب في دخول الترك الكفار إلى بلاد
стр. 484
..................................................................
ــ
الإسلام، وأما قصة الوزير ابن العلقمي، وغيره كالنصير الطوسي مع الكفار، وممالأتهم على المسلمين فقد عرفها الخاصة والعامة.
وكذلك من كان منهم بالشام ظاهروا المشركين على المسلمين، وعاونوهم معاونة عرفها الناس.
وكذلك لما أنكسر عسكر المسلمين لما قدم غازان ظاهروا الكفار النصارى، وغيرهم من أعداء المسلمين، وباعوهم أولاد المسلمين، بيع العبيد وأمواله، وحاربوا المسلمين محاربة ظاهرة، وحمل بعضهم راية الصليب!!!
وهم كانوا من أعظم الأسباب في استيلاء النصارى قديمًا على بيت المقدس، حتى استنقذه المسلمون منهم، وقد دخل فيهم أعظم الناس نفاقًا، من النصيرية والإسماعيلية ونحوهم، ممن هو أعظم كفرًا في الباطن ومعاداة لله ورسوله من اليهود والنصارى.
فهذه الأمور وأمثالها مما هي ظاهرة مشهورة، يعرفها الخاصة والعامة، توجب ظهور مباينتهم للمسلمين، ومفارقتهم للدين، ودخولهم في زمرة الكفار والمنافقين، حتى يعدهم من رأي أحوالهم جنسًا آخر غير جنس المسلمين.
فإن المسلمين الذين يقيمون دين الإسلام في الشرق والغرب قديمًا وحديثًا هم الجمهور، والرافضة ليس لهم سعي إلا في هدم الإسلام، ونقض عراه، وإفساد قواعده.
стр. 485
...............................................................
ــ
«أيام الرافضة في الإسلام كلها سوء»
والرافضة من أجهل الناس بدين الإسلام، وليس للإنسان منهم شئ يختص به إلا ما يسر عدو الاسلام، ويسوء وليه، فأيامهم في الإسلام كلها سود، وأعرف الناس بعيوبهم وممادحهم أهل السنة، لا تزال تطلع منهم على أمور غيرها عرفتها كما قال تعالى في اليهود: ﴿وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ١٣] ولو ذكرت بعض ما عرفته منهم بالمباشرة، ونقل الثقات، وما رأيته في كتبهم لاحتاج ذلك إلى كتاب كبير (١).
فهذا بعض يسير من كلام إمام خبير بهذه الطائفة النجسة، ولا يظن ظان أن هذا كان في قوم قد خلوا، ولم يعقبوا وارثا، وإلا فاسألوا المسلمين اليوم في العراق، وأفغانستان، وإيران، وباكستان، ودول الخليج ... يخبرونكم بما لم تسمعوا وتعلموا: من انتقام وحقد وغل وبغض هذه الطائفة- الملعونة- للمسلمين والمؤمنين.
وما يحصل اليوم من جرائم، وسفك لدماء الموحدين، وهتك لأعراض الطاهرات من نسائنا، واستحلال للأموال، ومعاونة ومؤازرة لأهل الكفر قاطبة
стр. 486
..................................................................
ــ
على الاستيلاء على ثغور وبلدان المسلمين ... لخير شاهد وأعظم دليل على صدق وعدل أئمتنا، العلماء الربانيين، الذين حذروا الأمة من شر هذه الطائفة، وأنه لا تكون بلية على الإسلام وأهله إلا وهم من ورائها ومعبر خصب لها، ومن هؤلاء الأئمة النصحة: الشعبي، وعبد الله بن المبارك، ومالك وأحمد، والشافعي، وابن تيمية، وابن القيم وابن كثير ... فرحمهم الله من أئمة صادقين، ورحمهم الله من أئمة أن همهم الأكبر الحفاظ على ثغور الأمة، والحفاظ على عقائد العامة، والعمل على صيانة أعراض ودماء وأموال المسلمين ...
ورحمهم الله من أئمة تجردوا للجهاد عن الإسلام وأهله بألسنتهم وأيديهم وأموالهم وقلوبهم، فلم يضيعوا كما ضيع كثير من المتأخرين حدود ومعالم وقواعد الصراع بين الحق والباطل، بسبب صفقة خاسرة عقدها أئمة الضلال مع رؤوس الطغيان والإلحاد.
وأخيرًا أوجه موعظة نصحًا للأمة وبراءة للذمة: عليكم بالحق العتيق، وهدي نبيكم ﷺ المترجم عمليًا في سيرة العلماء الربانيين، وبه فقط زنوا الناس لتعرفوا علماء الاستقامة من علماء الضلالة.
فنحن أمة ممتدة بحقها إلى آدم ﵇، وإلى الأنبياء بعده من ولده، وعلى رأسهم الخليلان، إبراهيم ومحمد، عليهما الصلاة وأزكى التسليم.
стр. 487
الثاني: أن البدع تجر إلى الردة الصريحة كما وجُد من كثير من أهل البدع.
فمثال البدع التي شددوا فيها: مثل تشديد النبي ﷺ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح، خوفًا مما وقع من الشرك الصريح، الذي يصير به المسلم مرتدًا، فمن فهم، فهم الفرق بين البدع، وبين ما نحن فيه من الكلام في الردة، ومجاهدة أهلها، أو النفاق الأكبر ومجاهدة أهله، وهذا هو الذي أنزلت فيه الآيات المحكمات مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٧٣]، ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] (٤٠/ش).
ــ
فسيرة أهل الحق واضحة وبينة ومحفوظة، وضاربة بعمق في جذر تاريخ البشرية، ومحفوظة، ليحيا من حي عن بينة ... ويهلك من هلك عن بينة.
اللهم بلغت ... اللهم فاشهد ... اللهم فاشهد .... اللهم فاشهد ....
(٤٠/ش) قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ نص قطعي الثبوت والدلالة على أن الكفر والردة عن الإسلام يقع بكلمة، وهذا من أدلة أهل السنة القائلين: بأن الكفر يقع بالقول وبالعمل، وبالاعتقاد.
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في أثناء رده على غلاة
стр. 488
.................................................................
ــ المرجئة من المتأخرين: «قال الله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤].
أما سمعت الله كفرهم بكلمة مع كونهم في زمن رسول الله ﷺ ويجاهدون معه ويصلون ويزكون ويحجون ويوحدون» (١).
стр. 489
وقال ابن وضَّاح «في كتاب البدع والحوادث» (١) بعد حديث ذكره: أنه سيقع في هذه الأمة فتنة الكفر وفتنة الكفر وفتنة الضلالة.
قال ﵀: إن فتنة الكفر هي الردة، يحل فيها السبي والأموال وفتنة الضلالة لا يحل فيها السبي ولا الأموال، وقال ﵀ أيضًا (٢).
أخبرنا أسد، أخبرنا رجل، عن ابن المبارك، قال: قال ابن مسعود ﵁: إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليًّا من أوليائه يذب عنه وينطق بعلامتها، فاغتنموا حضور تلك المواطن، وتوكلوا على الله. قال ابن المبارك: وكفى بالله وكيلاً، ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف (٣)، قال: لأن أرد رجلاً عن رأي سيئ أحب إلى من اعتكاف شهر.
أخبرنا أسد، عن أبي إسحاق الحذاء، عن الأوزاعي قال: كان بعض أهل العلم يقولون: لا يقبل الله من ذي بدعة صلاة ولا صدقة، ولا صيامًا، ولا جهادًا، ولا حجًا، ولا صرفًا ولا عدلاً، وكانت أسلافكم تشتد عليهم ألسنتهم، وتشمئز منهم قلوبهم، ويحذرون الناس بدعتهم. قال: ولو كانوا مستترين ببدعتهم دون الناس ما كان لأحد أن يهتك عنهم سترًا، ولا يظهر منهم عورة، الله أولى بالأخذ بها أو بالتوبة عليها، فأما إذا جاهروا به، فنشر العلم حياة، والبلاغ عن رسول الله ﷺ رحمة، يعتصم بها على مصرٍّ ملحد.
стр. 490
ثم روى بإسناده قال: جاء رجل إلى حذيفة، وأبو موسى الأشعري قاعد فقال: أرأيت رجلاً ضرب بسيفه غضبًا لله حتى قُتل أفي الجنة أم في النار؟
فقال أبو موسى: في الجنة فقال حذيفة: استفهم الرجل وأفهمه ما تقول حتى فعل ذلك ثلاث مرات، فلما كان في الثالثة قال: والله لا أستفهمه، فدعا به حذيفة فقال: رويدك، وما يدريك أن صاحبك لو ضرب بسيفه حتى ينقطع فأصاب الحق حتى يقتل عليه فهو في الجنة، وإن لم يُصب الحق ولم يوفقه الله للحق فهو في النار، ثم قال: والذي نفسي بيده ليدخلن النار في مثل الذي سألت عنه أكثر من كذا وكذا، ثم ذكر بإسناد عن الحسن قال: لا تجالس صاحب بدعة فإنه يُمرض قلبك.
ثم ذكر بإسناده عن سفيان الثوري قال: من جالس صاحب بدعة لم يسلم من إحدى ثلاث:
إما أن يكون فتنة لغيره، وإما أن يقع في قلبه شيء فيزل به، فيدخله الله النار، وإما أن يقول: والله ما أبالي ما تكلموه وإني واثق بنفسي. فمن أمن الله على دينه طرفة عين سلبه إياه، ثم ذكر بإسناده عن بعض السلف قال: من أتى صاحب بدعة ليوقِّره فقد أعان على هدم الإسلام.
أخبرنا أسد قال: حدثنا كثير أبو سعيد قال: من جلس إلى صاحب بدعة نزعت منه العصمة، ووكل إلى نفسه. أخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا حماد بن زيد، عن أيوب قال: قال أبو قلابة: لا تجالسوا أهل
стр. 491
الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون.
قال أيوب- وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب.
أخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا زيد، عن محمد بن طلحة قال: قال إبراهيم: لا تجالسوا أصحاب البدع ولا تكلموهم فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. أخبرنا أسد بالإسناد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) (١).
أخبرنا أسد، أخبرنا مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن أيوب قال: دخل على محمد بن سيرين يومًا رجل فقال: يا أبا بكر أقرأ عليك آية من كتاب الله لا أزيد على أن أقرأها ثم أخرج، فوضع أصبعيه في أذنيه ثم قال: أُحَرِّجُ عليك إن كنت مسلمًا لما خرجت من بيتي. قال فقام بإزاره يشده عليه، وتهيأ للقيام، فأقبلنا على الرجل فقلنا: قد حَرَّج عليك إلا خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلاً من بيته؟ قال فخرج. فقلنا يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية ثم خرج.
стр. 492
قال إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكنني خفت أن يلقي في قلبي شيئًا، أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع.
أخبرنا أسد قال: أخبرنا ضمرة، عن سودة قال سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول: ما كان عبد على هوى فتركه إلا آل إلى ما هو شر منه قال: فذكرت هذا الحديث لبعض أصحابنا فقال: تصديقه في حديث عن النبي ﷺ : (يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ثم لا يرجعون حتى يرجع السهم إلى فوقه) (١).
أخبرنا أسد قال أخبرنا موسى بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن زيد، عن أيوب قال كان رجل يرى رأيًا فرجع عنه، فأتيت محمدًا فرحًا بذلك أخبره، فقلت: أشعرت أن فلانًا ترك رأيه الذي كان يَرى.
فقال: انظروا إلى ما يتحوَّل، إن آخر الحديث أشدُّ عليهم (٢) من أوله (يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه) (٣) ثم روى بإسناده عن حذيفة أنه أخذ حصاة بيضاء فوضعها في كفِّه، ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه الحصاة، ثم أخذ كفًا من تراب فجعل يذره على الحصاة حتى واراها، ثم قال والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون الِّدين كما دفنت هذه الحصاة.
стр. 493
أخبرنا محمد بن سعيد بإسناد، عن أبي الدرداء قال: لو خرج رسول الله ﷺ اليوم إليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة. قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم.
قال عيسى: يعني الراوي عن الأوزاعي - فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان.
أخبرنا محمد بن سليمان بإسناده، عن علي أنه قال: تعلموا العلم تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي بعدكم زمان يُنكر الحق فيه تسعة أعشارهم.
أخبرنا يحيى بن يحيى بإسناده، عن أبي سهل بن مالك، عن أبيه أنه قال: ما أعرف منكم شيئًا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة.
حدثني إبراهيم بن محمد بإسناده، عن أنس قال: ما أعرف منكم شيئًا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة.
حدثني إبراهيم بن محمد بإسناده، عن أنس قال ما أعرف منكم شيئًا كنت أعهده على عهد رسول الله ﷺ ليس قولكم لا إله إلا الله.
أخبرنا محمد بن سعيد قال: نا أسد بإسناده، عن الحسن قال: لو أن رجلاً أدرك السلف الأول، ثم بُعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئًا قال: ووضع يده على خدِّه، ثم قال: إلا هذه الصلاة؛ ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكرا -ولم يدرك هذا السلف الصالح- فرأى مبتدعًا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى
стр. 494
دنياه فعصمه الله عن ذلك، وجعل قلبه يحنُّ إلى ذكر هذا السلف الصالح، يسأل عن سبيلهم ويقتصُّ آثارهم، ويتبع سبيلهم ليعوَّض أجرًا عظيمًا، فكذلك فكونوا إن شاء الله تعالى.
حدثني عبد الله بن محمد بإسناده، عن ميمون بن مهران قال: لو أن رجلاً نُشر فيكم من السلف ما عرف فيكم غير هذه القبلة.
أخبرنا محمد بن قدامة الهاشمي بإسناده، عن أم الدرداء قالت دخل عليَّ أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد ﷺ شيئًا إلا أنهم يصلون جميعًا. وفي لفظ: لو أن رجلاً تعلم الإسلام وأهمه ثم تفقده ما عرف منه شيئًا.
حدثني إبراهيم بإسناده، عن عبد الله بن عمرو قال: لو رجلان من أوائل هذه الأمة خليا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية لأتيا الناس اليوم، ولا يعرفان شيئًا مما كانا عليه.
قال مالك: وبلغني أن أبا هريرة ﵁ تلا ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١، ٢].
فقال: والذي نفسي بيده إن الناس ليخرجون اليوم من دينهم أفواجًا كما دخلوا فيه أفواجًا.
قف تأمل رحمك الله: إذا كان هذا في زمن التابعين بحضرة أواخر الصحابة، فكيف يغتر المسلم بالكثرة، أو تشكل عليه، أو يستدل بها على الباطل.
стр. 495
ثم روى ابن وضاح (١) بإسناده عن أبي أمية قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة، كيف تصنع في هذه الآية فقال: أية آية؟ قال قول الله تعالى: ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥].
قال: أما والله قد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًا مطاعًا وهوى مُتبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام. فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، قيل يا رسول الله أجر خمسين منهم، قال أجر خمسين منكم» (٢) ثم روى بإسناده عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: طوبى للغرباء ثلاثًا، قالوا: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل في أناس سوء كثير، من يبغضهم أكثر ممن يحبهم (٣).