← Акыда

Акыда · id 35760

فتح العلي الحميد في شرح كتاب مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد

مدحت آل فراج

Полный текст (547 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الأهواء ولا تجادلوهم، فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون. قال أيوب- وكان والله من الفقهاء ذوي الألباب. أخبرنا أسد بن موسى قال: أخبرنا زيد، عن محمد بن طلحة قال: قال إبراهيم: لا تجالسوا أصحاب البدع ولا تكلموهم فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. أخبرنا أسد بالإسناد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل) (١). أخبرنا أسد، أخبرنا مؤمل بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن أيوب قال: دخل على محمد بن سيرين يومًا رجل فقال: يا أبا بكر أقرأ عليك آية من كتاب الله لا أزيد على أن أقرأها ثم أخرج، فوضع أصبعيه في أذنيه ثم قال: أُحَرِّجُ عليك إن كنت مسلمًا لما خرجت من بيتي. قال فقام بإزاره يشده عليه، وتهيأ للقيام، فأقبلنا على الرجل فقلنا: قد حَرَّج عليك إلا خرجت، أفيحل لك أن تخرج رجلاً من بيته؟ قال فخرج. فقلنا يا أبا بكر ما عليك لو قرأ آية ثم خرج.

стр. 492

قال إني والله لو ظننت أن قلبي يثبت على ما هو عليه ما باليت أن يقرأ، ولكنني خفت أن يلقي في قلبي شيئًا، أجهد أن أخرجه من قلبي فلا أستطيع. أخبرنا أسد قال: أخبرنا ضمرة، عن سودة قال سمعت عبد الله بن القاسم وهو يقول: ما كان عبد على هوى فتركه إلا آل إلى ما هو شر منه قال: فذكرت هذا الحديث لبعض أصحابنا فقال: تصديقه في حديث عن النبي ﷺ : (يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ثم لا يرجعون حتى يرجع السهم إلى فوقه) (١). أخبرنا أسد قال أخبرنا موسى بن إسماعيل، عن حماد بن زيد، عن زيد، عن أيوب قال كان رجل يرى رأيًا فرجع عنه، فأتيت محمدًا فرحًا بذلك أخبره، فقلت: أشعرت أن فلانًا ترك رأيه الذي كان يَرى. فقال: انظروا إلى ما يتحوَّل، إن آخر الحديث أشدُّ عليهم (٢) من أوله (يمرقون من الإسلام ثم لا يعودون إليه) (٣) ثم روى بإسناده عن حذيفة أنه أخذ حصاة بيضاء فوضعها في كفِّه، ثم قال: إن هذا الدين قد استضاء استضاءة هذه الحصاة، ثم أخذ كفًا من تراب فجعل يذره على الحصاة حتى واراها، ثم قال والذي نفسي بيده ليجيئن أقوام يدفنون الِّدين كما دفنت هذه الحصاة.

стр. 493

أخبرنا محمد بن سعيد بإسناد، عن أبي الدرداء قال: لو خرج رسول الله ﷺ اليوم إليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة. قال الأوزاعي: فكيف لو كان اليوم. قال عيسى: يعني الراوي عن الأوزاعي - فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان. أخبرنا محمد بن سليمان بإسناده، عن علي أنه قال: تعلموا العلم تعرفوا به واعملوا به تكونوا من أهله، فإنه سيأتي بعدكم زمان يُنكر الحق فيه تسعة أعشارهم. أخبرنا يحيى بن يحيى بإسناده، عن أبي سهل بن مالك، عن أبيه أنه قال: ما أعرف منكم شيئًا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة. حدثني إبراهيم بن محمد بإسناده، عن أنس قال: ما أعرف منكم شيئًا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة. حدثني إبراهيم بن محمد بإسناده، عن أنس قال ما أعرف منكم شيئًا كنت أعهده على عهد رسول الله ﷺ ليس قولكم لا إله إلا الله. أخبرنا محمد بن سعيد قال: نا أسد بإسناده، عن الحسن قال: لو أن رجلاً أدرك السلف الأول، ثم بُعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئًا قال: ووضع يده على خدِّه، ثم قال: إلا هذه الصلاة؛ ثم قال: أما والله لمن عاش في هذه النكرا -ولم يدرك هذا السلف الصالح- فرأى مبتدعًا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى

стр. 494

دنياه فعصمه الله عن ذلك، وجعل قلبه يحنُّ إلى ذكر هذا السلف الصالح، يسأل عن سبيلهم ويقتصُّ آثارهم، ويتبع سبيلهم ليعوَّض أجرًا عظيمًا، فكذلك فكونوا إن شاء الله تعالى. حدثني عبد الله بن محمد بإسناده، عن ميمون بن مهران قال: لو أن رجلاً نُشر فيكم من السلف ما عرف فيكم غير هذه القبلة. أخبرنا محمد بن قدامة الهاشمي بإسناده، عن أم الدرداء قالت دخل عليَّ أبو الدرداء مغضبا، فقلت له: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم من أمر محمد ﷺ شيئًا إلا أنهم يصلون جميعًا. وفي لفظ: لو أن رجلاً تعلم الإسلام وأهمه ثم تفقده ما عرف منه شيئًا. حدثني إبراهيم بإسناده، عن عبد الله بن عمرو قال: لو رجلان من أوائل هذه الأمة خليا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية لأتيا الناس اليوم، ولا يعرفان شيئًا مما كانا عليه. قال مالك: وبلغني أن أبا هريرة ﵁ تلا ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١، ٢]. فقال: والذي نفسي بيده إن الناس ليخرجون اليوم من دينهم أفواجًا كما دخلوا فيه أفواجًا. قف تأمل رحمك الله: إذا كان هذا في زمن التابعين بحضرة أواخر الصحابة، فكيف يغتر المسلم بالكثرة، أو تشكل عليه، أو يستدل بها على الباطل.

стр. 495

ثم روى ابن وضاح (١) بإسناده عن أبي أمية قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت: يا أبا ثعلبة، كيف تصنع في هذه الآية فقال: أية آية؟ قال قول الله تعالى: ﴿لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]. قال: أما والله قد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شُحًا مطاعًا وهوى مُتبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك ودع عنك أمر العوام. فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله، قيل يا رسول الله أجر خمسين منهم، قال أجر خمسين منكم» (٢) ثم روى بإسناده عن عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي ﷺ قال: طوبى للغرباء ثلاثًا، قالوا: يا رسول الله ومن الغرباء؟ قال: ناس صالحون قليل في أناس سوء كثير، من يبغضهم أكثر ممن يحبهم (٣).

стр. 496

أخبرنا محمد بن سعيد بإسناده عن المعافري قال: قال رسول الله ﷺ «طوبى للغرباء الذين يتمسكون بكتاب الله حين ينكر، ويعملون بالسُّنَّة حين تُطفأ» (١). أخبرنا محمد بن يحيى، أخبرنا أسد بإسناده عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن رسول الله ﷺ قال: (بدأ الإسلام غريبًا، ولا تقوم الساعة حتى يكون غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء حين يفسد الناس ثم طوبى للغرباء حين يفسد الناس) (٢)، نا محمد بن يحيى، نا أسد بإسناده عن عبد الرحمن، أنه سمع رسول الله يقول: (إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ فطوبى للغرباء قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس) (٣) هذا آخر ما نقلته من كتاب البدع والحوادث للإمام الحافظ محمد بن وضاح ﵀ (٤١/ش). ــ (٤١/ش) هذا سبيل أهل السُّنَّة والجماعة في معاملة أهل البدع والشقاق، حتى يظل المنهج القويم الذي تركه لنا رسولنا الأمين ﷺ ظاهرًا واضحًا نقيًا من شوائب البدع والمحدثات. وحتى يظل الطريق مسدودًا أمام أهل الزندقة

стр. 497

................................................................ ــ والإلحاد، الذين يريدون نشر البدع والضلالات لتوهين شوكة الأمة، ولفتح باب الشرك والكفر على مصراعيه، لأن البدع تجر أصحابها جرًا إلى الردة والخروج من الملة. وعليه فينبغي أن يُعامل أهل البدع اليوم، لا سيما الرافضة المارقين من الملة بما هم أهله، حتى يظل التوحيد صافيًا من دَخن الشرك، وتدوم السُّنَّة خالصة من غبار البدعة. «سئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف، أقامه الله مناضلاً عن الدين الحنيف: رجلان تنازعا في السلام على الرافضة والمبتدعين، ومن ضاهاهم من المشركين، وفي مواكلتهم ومجالستهم، فقال أحدهما: هو جائز، لقول عالمي: إن أخذت فقد أخذ الصالحون، وإن رددت فقد رد الصالحون، ووفد على عمر بن عبد العزيز: كثير عزَّة، وهو متَّهم بالتشيُّع، ورسول عمر وفد على جبلة الغساني بعد ردته. وقال الآخر: لا يجوز لدليل آيات الموالاة، ولقوله تعالى: ﴿وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ [طه: ٤٧] والسلام على عباد الله الصالحين، وأن ترك السلام على الفاسق وأهل المعاصي سُنَّة، وهؤلاء أشرُّ حالاً وعقيدة منهم. فأجاب: الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، كالمبتدعة والمشركين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وإمام المتقين، وقائد الغرِّ المحجَّلين، محمد وآله وصحبه والتابعين.

стр. 498

................................................................ ــ أما بعد: فقد سألني من لا تسعني مخالفته، عن هذا السؤال المذكور أعلاه، بما عليه أهل التحقيق من أئمة الإسلام، والهداة الأعلام، وما نعتقده في ذلك وندين الله به؟ فنقول: اعلم وفقنا الله وإياك لما يحب ويرضى، أنه لا يستقيم للعبد إسلام ولا دين، إلا بمعاداة أعداء الله ورسوله، وموالاة أولياء الله ورسوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ [التوبة: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٩]، وقال تعالى: ﴿لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: ١١٣]. قال ابن عباس ﵄: لا تميلوا إليهم في المودة ولين الكلام، وقال أبو العالية: لا ترضوا بأعمالهم، وقال بعض العلماء: من مشى غليهم ولم ينكر عليهم، عُدَّ من الراكنين إليهم. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]، وقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤].

стр. 499

................................................................. ــ فالواجب على من أحب نجاة نفسه، وسلامة دينه، أن يعادي من أمره الله ورسوله بعداوته، ولو كان أقرب قريب، فإن الإيمان لا يستقيم إلا بذلك والقيام به، لكنه من أهم المهمات، وآكد الواجبات. إذا عرفت هذا: فمواكلة الرافضي، والانبساط معه، وتقديمه في المجالس، والسلام عليه، لا يجوز لأنه موالاة وموادة، والله تعالى قد قطع الموالاة بين المسلمين والمشركين، بقوله: ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ٢٨] وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٠]. والسلام تحية أهل الإسلام بينهم، فإذا سلَّم على الرافضة، وأهل البدع، والمجاهرين بالمعاصي، وتلقَّاهم بالإكرام والبشاشة، وألان لهم الكلام، كان ذلك موالاة منه لهم، فإذا وادّهم وانبسط لهم مع ما تقدَّم جمع الشر كله، ويزول ما في قلبه من العداوة والبغضاء، لأن إفشاء السلام سبب لجلب المحبة، كما ورد في الحديث: (ألا أدلكم على ما تحابون به)؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (أفشوا السلام بينكم) (١)، فإذا سلَّم على الرافضة والمبتدعين وفسَّاق المسلمين، خلصت مودته ومحبته في حق أعداء الله وأعداء رسوله.

стр. 500

«تحذير السلف من موادة أهل البدع والمعاصي» . وعن قتادة عن الحسن: ليس بينك وبين الفاسق حُرمة، وقال الحسن: لا تُجالس صاحب بدعة فإنه يمرض قلبك، وقال النخعي: لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلِّموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم. فانظر -رحمك الله- إلى كلام السلف الصالح، وتحذيرهم عن مُجالسة أهل البدع والإصغاء لهم، وتشديدهم في ذلك، ومنعهم من السلام عليهم. فكيف بالرافضة: الذين أخرجهم أهل السُّنَّة والجماعة من الثنتين والسبعين فرقة؟ مع ما هم عليه من الشرك البواح، من دعوة غير الله في الشدة والرخاء، كما هو معلوم من حالهم، ومواكلتهم والسلام عليهم - والحالة هذه - من أعظم المنكرات، وأقبح السيئات، فيجب هجرهم والبعد عنهم، والهجر مشروع لإقامة الدين، وقمع المبطلين، وإظهار شرائع المرسلين، وردع لمن خالف طريقتهم من المعتدين. قال البخاري - رحمه الله تعالى - في صحيحه: «باب من لم يسلِّم على من ارتكب ذنبًا، ولم يرد سلامه، حتى تتبيَّن توبته، وإلى متى تتبين توبة العاصي» (١). قال ابن حجر في الفتح (٢): وابتداء الكفار بالسلام، أجازه طائفة من العلماء

стр. 501

.................................................................. ــ ومنعه طائفة، قال: والحق مع المانعين، إلا أن يترتب عليه مصلحة دينية، وكذلك أهل البدع والمعاصي المجاهرين بها، يمنع من ابتدائهم بالسلام والرد عليهم، قال المهلَّب: ترك السلام على أهل المعاصي والبدع، سُّنة ماضية، وبه قال كثير من أهل العلم. وقال النووي: وأما المبتدع، ومن اقترف ذنبًا عظيمًا ولم يتب منه، لا يسلَّم عليهم، ولا يرد ﵈، كما قاله جماعة من أهل العلم، واحتج البخاري بقصة كعب، انتهى. فانظر: يا طالب الحق إلى ما قاله البخاري، واستدل به، وإلى قول صاحب الفتح: والحق مع من منع، وإلى قول المهلب والنووي، ووازن بين أقوالهم، وبين قول من أجازه وأباحه وجادل عليه، تعرف أنه لا بصيرة له، ولا معرفة له بأصول الشرع وأقوال العلماء، وأما قول صاحب الفتح: إلا أن يترتب عليه مصلحة دينية، فالمصلحة هي أن يُرجى بها إسلام غيره، أو تأليفه، أو غير ذلك، وأما المصالح الدنيوية فلا تترتب عليها الأمور الشرعية، ولا تناط بها أحكامها، ولا تُجعل سلَّمًا وذريعة إلى الجمع بين ما فرَّق الله ورسوله بينهما. وقال البغوي ﵀ في كتاب السُّنَّة: وأما هجر أهل المعاصي وأهل الريب والبدع في الدين، فيشرع إلى أن تزول الريبة عن حالهم، وتظهر علامات توبتهم وأماراتها.

стр. 502

................................................................. ــ وقال ابن القيم (١) - رحمه الله تعالى - في الهدي النبوي: وفي نهي النبي ﷺ عن السلام على هؤلاء الثلاثة، يعني كعبًا وصاحبيه، من بين من تخلَّف عنه، دليل عل صدقهم، وكذب المنافقين، فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب - إلى أن قال - وفيه دليل أيضًا: على هجران الإمام، والعالم، والمطاع، لمن فعل ما يستوجب العتب، ويكون هجرانه دواء له - إلى أن قال -: وفي إشارة الناس للنبطي الذي يقول: من يدل على كعب ابن مالك؟ دون نطقهم له، تحقيق لمقصود الهجر، وإلا لو قالوا له صريحًا كعب بن مالك، لم يكن ذلك سلامًا، ولا يكونون به مخالفين للنهي، لكن لفرط تحريهم وتمسكهم بالأمر، إذ لم يذكروه بصريح اسمه. وقد يقال: إن في الحديث عنه بحضرته وهو يسمع، نوع مكالمة، لا سيما إذا جعل ذلك ذريعة إلى المقصود بالسلام، وهي ذريعة قريبة، فالمنع من ذلك من باب منع الحيل وسد الذرائع، وهذا أحسن وأفقه، انتهى كلامه رحمه الله تعالى -. فانظر إلى قوله: وقد يقال: إن في الحديث عنه بحضرته، وهو يسمع، نوع مكالمة ... إلخ، فإذا كان في ذكره باسمه نوع مكالمة، فكيف بمن ابتدأ المشرك والعاصي والمبتدع بالسلام، وأظهر له الإكرام، وأكثر عنه الجدال، والخصام!

стр. 503

................................................................. ــ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١) ﵀، وقد سئل عن الهجر المشروع، ومن يجب هجره أو يجوز هجره، قال في أثناء كلامه: ولهذا كان النبي ﷺ يتألف أقوامًا ويهجر آخرين، وقد يكون المؤلفة قلوبهم أشر حالا من المهجورين، كما أن الثلاثة الذين خُلِّفوا كانوا خيرًا من المؤلفة قلوبهم، لكن أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم، وكانت المصلحة الدينية في تأليفهم، وهؤلاء كانوا مؤمنين، وفي هجرهم عزّ الدين، وتطهير لهم من ذنوبهم. انتهى كلامه ﵀. فانظر: أيها المنصف بعين الإنصاف، واحذر التعصب والاعتساف إلى ما قاله شيخ الإسلام، من أن في هجرهم عزا للدين، هذا إذا كانوا مسلمين لكنهم أصحاب معاص واقتراف لبعض الأوزار، فيجب هجرهم واعتزالهم حتى يقلعوا، وأما المشرك والمبتدع: فلا نزاع في هجرهما ولا خلاف فيه إلا عند من قلَّ حظه ونصيبه، من العلم الموروث عن صفوة الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم ... - ثم اتخذ في سرد الأدلة على وجوب الإنكار على أهل البدع والمعاصي حتى قال - فتأمل رحمك الله ما ذكره هذا الإمام - أي الإمام البخاري -: من الأحاديث والآثار الدالة على وجوب هجر أهل المعاصي، وأن ذلك هو هديه وسنَّته، فمن أعرض عنهما، ونبذهما وراء ظهره، فقد خاب سعيه وضل عمله، فلا نجاة للخلق ولا سعادة ولا كفاية ولا هداية، إلا باتباع محمد ﷺ واتباع ما

стр. 504

................................................................. ــ جاء به، ورفض ما خالفه، وهجر من نكب عن سنَّته، وإن كان الحبيب المواتيا ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر: ١٢] ... فمن أكرم من تلك نحلته، وتلك طريقته، كان دليلاً على عدم فقهه، وبصيرته في دين الإسلام، وعدم فرقه بين عابدي الرحمن وعابدي الأوثان، والضدان عنده يجتمعان، فلضعف بصيرته، نهج هذا المنهج، وأعرض عن الحق بعدما اتضح وأبلولج، فيخشى عليه أن يحشر يوم القيامة معهم، ويكون من جملتهم، كما كان في الدين من أصدقائهم ومعاشريهم، عياذًا بك اللَّهم من تلك الأحوال والأعمال، التي تؤول بصاحبها إلى الخزي والوبال، وسوء المنقلب في الحال والمآل. وأكثر الخلق إنما يحمله على الوقوع في تلك الورطات، الحرص على تحصيل الدنيا، والتقرب عند أهلها، وتسليك حاله معهم، ولو فسد عليه دينه وانهدم إيمانه، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللَّهُمَّ يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلوبنا على دينك. - وأخذ الشيخ يسرد الأدلة الدالة على حرمة موالاة المشركين حتى قال - وأما حكم الرافضة - فيما تقدَّم - فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «الصارم المسلول» (١): ومن سبَّ الصحابة، أو أحدًا منهم، واقترن بسبه أن جبرائيل غلط في الرسالة، فلا شك في كفره، بل لا شك في كفر من توقف في

стр. 505

............................................................... ــ كفره؛ ومن قذف عائشة فيما برأها الله منه، كفر بلا خلاف - إلى أن قال -: وأما من لعن أو قبَّح - يعني الصحابة (١) ﵃ ففيه الخلاف، هل يفسق أو يكفر، وتوقف أحمد في تكفيره وقال: يعاقب ويجلد ويحبس، حتى يموت أو يتوب. قال ﵀ وأما من زعم أن الصحابة ارتدوا بعد موت النبي ﷺ إلا نفرًا قليلاً لا يبلغون بضعة عشر، أو أنهم فسقوا، فلا ريب أيضًا في كفر قائل ذلك، بل لا ريب في كفر من لم يكفره، انتهى كلامه ﵀. فهذا حكم الرافضة في الأصل، وأما الآن، فحالهم أقبح وأشنع، لأنهم أضافوا إلى ذلك الغلو في الأولياء والصالحين، من أهل البيت وغيرهم، واعتقدوا فيهم النفع والضر في الشدة والرخاء، ويرون أن ذلك قربة تقربهم إلى الله، ودين يدينون به، فمن توقف في كفرهم والحالة هذه، وارتاب فيه، فهو جاهل بحقيقة ما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، فليراجع دينه قبل حلول رمسه (٢) ... وأما مجرد السلام على الرافضة، ومصاحبتهم ومعاشرتهم، مع اعتقاد كفرهم وضلالهم، فخطر عظيم، وذنب وخيم، يخاف على مرتكبه من موت قلبه

стр. 506

.................................................................. ــ وانتكاسه، وفي الأثر: إن من الذنوب ذنوبًا عقوبتها موت القلوب، وزوال الإيمان. فلا يجادل في جوازه إلا مغرور بنفسه، مستعبد لفلسه، فمثل هذا يقابل بالهجر، وعدم الخوض معه في هذه المباحث، التي لا يدريها إلا من تربَّى بين يدي أهل هذه الدعوة الإسلامية والطريقة المحمدية، وتلقى عنهم أصول دينه، لأن ضدهم لا يؤمن أن يلقي عليك شيئًا من الشبه الفاسدة، التي لا تشكك في الدين وتوجب لك الحيرة، وما أحسن ما قيل: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم. وأما قول المنازع: إن أخذت فقد أخذ الصالحون، وإن رددت فقد رد الصالحون، فهذا معاكسة وتصحيف، ليس الشأن في أخذ الهدية أو ردها، إنما الشأن والنزاع في ابتداء الكفار والمبتدعين والعصاة بالسلام، وعدم النفرة منهم، ولا يستدل بهذا على جواز السلام والمواكلة إلا من هو جاهل بالأحكام الشرعية، والسيرة النبوية، وسيرته ﷺ وسيرة خلفائه وأصحابه من بعده ومن سلك منهاجهم من الصفوة، يخالف ما استدل به. وقبول الهدية نوع، والسلام نوع آخر، أما الهدية فقد قبلها ﷺ ، وقبلها أصحابه، والسلف الصالح من بعدهم، ولا ينكر على من قبل، ولا على من رد، ولو كانت الهدية من مشرك، وأما ترك السلام والهجر فالرسول ﷺ هجر مرتكب الذنب ولم يرد عليه، وكذلك في مكاتباته للمشركين، لا يبدؤهم بالسلام، كما

стр. 507

.............................................................. ــ يعرف ذلك من له خبرة بسيرته وهديه، كما مرَّ في الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا تحتمل التأويل. وأما الوفود والرسل، فكانوا يفدون عليه ﷺ ويعطيهم الجوائز ويخاطبهم باللين، ويدعوهم بدعاية الإسلام، وهم على كفرهم، فلا يستدل بذلك على: جواز السلام على المشركين والمبتدعين، ومن يتولاهم من فسَّاق المسلمين، إلا من هو من أجهل الخلق بأصول الشريعة. وأما شيخه الذي يدعي أنه على طريقته، فالمعروف عندنا من أخلاقه وسيرته: الغيرة والغلظة والشدة على أعداء الله وأعداء رسوله، والتحذير منهم ومن موالاتهم. وأما أنت أيها المنازع، فالواجب عليك تقوى الله تعالى، وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه، والاقتداء بالسلف الصالح، والاهتداء بهديه من، وعدم الانبساط مع من هبَّ ودبَّ، لأن الواجب على المنتسب للطلب، والمتزيي بزي أهل العلم، أعظم مما يجب على غيره، فليكن لك بصيرة ونُهمة بمعرفة أصل الأصول، وزبدة دعوة الرسل، والبحث عما يضاد هذا الأصل وينقضه، أو ينقص كماله الواجب، والوقوف عند أوامر الرب ونواهيه، والبعد عن الرذائل والقبائح .. فالحق مرحمة، والجدال والخصام ملحمة، فهذا آخر ما تيسر إيراده، وفيه الكفاية لمن أراد الله هدايته» (١).

стр. 508

فتأمل رحمك الله أحاديث الغربة وبعضها في الصحيح مع كثرتها وشهرتها، وتأمل إجماع العلماء كلهم أن هذا قد وقع من زمن طويل حتى قال ابن القيم ﵀ الإسلام في زماننا أغرب منه في أول ظهوره، فتأمل هذا تأملاً جيدًَا لعلك أن تسلم من هذه الهُوَّة الكبيرة، التي هلك فيها أكثر الناس، وهي الاقتداء بالكثرة والسواد الأكبر، والنفرة من الأقل، فما أقل من سلم منها، ما أقله ما أقله (٤٢/ش)!!!. ــ (٤٢/ش) ألا ما أشد غربة أهل التوحيد والسُّنَّة اليوم. فالمؤمنون الموحدون الذين استقاموا على السنة غرباء ما أشد غربتهم، غرباء في ديارهم، غرباء في عشائرهم، غرباء بين أبنائهم وآبائهم وإخوانهم ... وكلما ازدادت الفتن والبلايا، وكلما كثر تلبيس علماء السوء ازدادت غربتهم، وعظمت محنتهم. شردوا من أوطانهم، وحيل بينهم وبين أهليهم ومساكنهم، وتربص بهم أعداء الله في كل مكان حلّوا فيه، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، إلا أن قلوبهم قد اتسعت بقدر ما حلّ فيها من الإيمان بالله، والجهاد في سبيله. في كل لحظة من أعمارهم يدفعون ثمن غربتهم باهظًا، رماهم المخالفون بأقبح الألفاظ، وكانوا لهم أشنع التهم، واستحلوا دماءهم وأعراضهم وأموالهم ... وما نقموا منهم إلا أنهم ثبتوا على الدين الصحيح، ولم يبدلوا ولم يميعوا ولم يداهنوا، بل وداروا مع القرآن حيث دار، في وقت يدور الناس فيه مع السلطان والطواغيت وفتن الدنيا وحظوظ النفس ... حيث دارت.

стр. 509

.................................................................. ــ أبو إلا الانطلاق: من إفراد الله بالتوحيد والطاعة مع البراءة من الشرك وأهله، وعليه عقدوا ولاءهم وبراءهم. وقد علموا أن الثمن المبذول سيكون رهيبًا، بيد أنهم متيقنون من ربح بيعهم، وثقل ثفقتهم، وعلو كعبهم على كل من عاداهم. قبضوا على دينهم في وقت غربته فاشتعل في أيديهم كالجمر، وكلما ازداد حرارة ولهيبًا ازدادوا تمسكًا واستقامة. لم يبحثوا عن الأمن في الدنيا، بل جل همهم مصروف للبحث عن الأمن في الآخرة. وهذه الغربة لا وحشة على أصحابها لأنهم بما يتنعمون، ويستعذبون كل ما يلاقون جزاء التمسك بدينهم، والعض بالنواجذ على هدي نبيهم ﷺ . اللهم هون على المؤمنين بك غربتهم، وثبتهم على الحق الخالص حتى الممات. قال الإمام ابن قيم الجوزية في وصف الغربة، وحال أصحابها: «فأهل الإسلام في الناس غرباء، والمؤمنون في أهل الإسلام غرباء، وأهل العلم في المؤمنين غرباء، وأهل السنة الذين يميزونها من الأهواء والبدع فيهم غرباء، والداعون إليها الصابرون على أذى المخالفين هم أشد هؤلاء غربة. ولكن هؤلاء هم أهل الله حقًا فلا غربة عليهم، وإنما غربتهم بين الأكثرين الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦]

стр. 510

.................................................................. ــ فأولئك هم الغرباء من الله ورسوله ودينه، وغربتهم هي الغربة الموحشة، وإن كانوا هم المعروفين المشار إليهم كما قيل: فليس غريبًا من تناءت دياره ... ولكن من تنأين عنه غريب ... وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم، ولكن أهل هذه الغربة هم أهل الله حقًّا، فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسول، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم، فيقال لهم: ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس ونحن أحوج إليهم منا اليوم وإنا ننتظر ربنا الذي كنا نعبده. فهذه الغربة لا وحشة على صاحبها، بل هو آنس ما يكون إذا استوحش الناس، وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه. ومن صفات هؤلاء الغرباء الذي غبطهم النبي ﷺ : التمسك بالسنة إذا رغب عنها الناس وترك ما أحدثوه، وإن كان هو المعروف عندهم، وتجريد التوحيد وإن أنكر ذلك أكثر الناس، وترك الانتساب إلى أحد غير الله ورسوله، لا شيخ ولا طريقة ولا مذهب ولا طائفة، بل هؤلاء الغرباء منتسبون إلى الله

стр. 511

............................................................... ــ بالعبودية له وحده، وإلى رسوله بالاتباع لما جاء به وحده، وهؤلاء هم القابضون على الجمر حقًا، وأكثر الناس بل كلهم لائم لهم، فلغربتهم بين الخلق يعدونهم أهل شذوذ وبدعة ومفارقة للسواد الأعظم. ومعنى قول النبي ﷺ هم «النزَّاع من القبائل» (١): أن الله سبحانه بعث رسوله، وأهل الأرض على أديان مختلفة، فهم بين عباد أوثان ونيران وعباد صور وصلبان ويهود وصابئة وفلاسفة، وكان الإسلام في أول ظهوره غريبًا، وكان من أسلم منهم، واستجاب لله ولرسوله غريبًا في حيه وقبيلته وأهله وعشيرته. فكان المستجيبون لدعوة الإسلام نزاعًا من القبائل، بل آحادًا منهم، تغربوا عن قبائلهم وعشائرهم، ودخلوا في الإسلام فكانوا هم الغرباء حقًا حتى ظهر الإسلام، وانتشرت دعوته، ودخل الناس فيه أفواجًا. فزالت تلك الغربة عنهم، ثم أخذ في الاغتراب والترحل، حتى عاد غريبًا كما بدأ، بل الإسلام الحق الذي كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ هو اليوم أشد غربة منه في أول ظهوره، وإن كانت أعلامه ورسومه الظاهرة مشهورة معروفة.

стр. 512

ولنختم ذلك بالحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في «صحيحه» عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسُّنته ويقتدون بأمره - وفي رواية - يهتدون بهديه ويستنون بسنته، ثم إنها تخلُف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (١) انتهى ما نقلته والحمد لله رب العالمين (٤٣/ش). ــ فالإسلام الحقيقي غريب جدًا، وأهله غرباء أشد الغربة بين الناس» (٢). (٤٣/ش) قد تطابقت الأمة جيلاً بعد جيل، وقرنًا بعد قرن على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن وجوبه ثابت بالكتاب والسُّنَّة والإجماع. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر به قوام الدين، وحفظ الملة، وتحقيق هوية الأمة، وكذا الأخذ على يد الظالم، وإلا عمّ العقاب الصالح والطالح قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وهو غير

стр. 513

محصور بأصحاب الولايات فقط، بل جائز فعله لآحاد المسلمين، بشرط أن لا يجلب ضررًا أشد من ضرر وجود المنكر، وعلى هذا كان تاريخ المسلمين. وعلى قدر حفظ الأمة وفروع هذا الباب يكون الثبات والنصر والعلو على الأعداء، وعلى قدر التضييع يكون الانسلاخ من الملة وكسر الشوكة، وتسلط الأعداء. قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى -: «والحديث دال: على أن مراتب إنكار المنكر ثلاث. فينبغي لطالب الآخرة والساعي في تحصيل رضا الله أن يعتني بهذا الباب فإن نفعه عظيم، لا سيما وقد ذهب معظمه، ويخلص نيته ولا يهابنَّ من ينكر عليه لارتفاع مرتبته، فإن الله تعالى قال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، وقال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ٢، ٣] واعلم أن الأجر على قدر النصب» (١).

стр. 514

............................................................... ــ وقال الإمام ابن حزم -رحمه الله تعالى-: «والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على كل مسلم إن قدر بيده فبيده، وإن لم يقدر بيده فبلسانه وإن لم يقدر بلسانه فبقلبه ولابد، وذلك أضعف الإيمان، فإن لم يفعل فلا إيمان له». ومن خاف القتل أو الضرب أو ذهاب المال، فهو عذر يبيح له أن يغير بقلبه فقط، ويسكت عن الأمر بالمعروف وعن النهي عن المنكر فقط. ولا يبيح له ذلك: العون بلسان، أو بيد على تصويب المنكر أصلاً، لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: ٩]. وقال : ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] (١)». قلت: ومن هذا نتيقن أن مراتب إنكار المنكر ثلاث، أولها باليد فإن لم يستطع العبد كان الإنكار باللسان، فإن لم يستطع كان الإنكار بالقلب ولا بد، لأنه فرض لازم لا يسقط عن أي أحد ألبتة، وإلا فعدم بغض المعصية المجمع على حرمتها بالقلب مؤذن بذهاب الإيمان بالكلية، إذ لا إيمان لمن لم ينكر

стр. 515

................................................................. ــ المنكر بقلبه. وهذا مقتضى قوله ﷺ : (وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (١). قال الإمام النووي - رحمه الله تعالى - في وجوب الأمر بالمعروف وأهميته: «وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي الدين ... قال العلماء: ولا يختص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائز لآحاد المسلمين. قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماع المسلمين. فإن غير الولاة في الصدر الأول، والعصر الذي يليه كانوا يأمرون الولاة بالمعروف وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إياهم، وترك توبيخهم على التشاغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية والله أعلم. ثم إنه إنما يأمرون وينهى من كان عالمًا بما يأمر به وينهى عنه ... واعلم أن هذا الباب، أعني باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قد ضيع أكثره من أزمان متطاولة، ولم يبق منه في هذه الأزمان إلا رسوم قليلة جدًا، وهو باب عظيم به قوام الأمر وملاكه. وإذا كثر الخبث عم العقاب الصالح والطالح، وإذا لم يأخذوا على يد الظالم

стр. 516

................................................................. ــ أوشك أن يعمهم الله تعالى بعقابه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] (١)». وقال الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى في بيان أن من لم ينكر المنكر بقلبه فقد مرق من الدين بالكلية: «ومن الإيمان بما أمر: فعل ما أمر، وترك ما حظر، ومحبة الحسنات، وبغض السيئات، ولزوم هذا الفرق إلى الممات. فمن لم يستحسن الحسن المأمور به، ولم يستقبح السَّيئ المنهي عنه، لم يكن معه من الإيمان شيء. كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: (من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان) (٢)، وكما قال في الحديث الصحيح عند عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل) (٣) رواه مسلم.

стр. 517

................................................................. ــ فأضعف الإيمان الإنكار بالقلب، فمن لم يكن في قلبه بغض المنكر، الذي يبغضه الله ورسوله لم يكن معه من الإيمان شيء» (١). وقال الإمام ابن رجب الحنبلي ﵀: «وأما إنكاره بالقلب فلابد منه. فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قلبه، وقد روي عن أبي جحيفة قال: قال علي ﵁: إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد الجهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم. فمن لم يعرف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر نكس، فجعل أعلاه أسفله. وسمع ابن مسعود ﵁ رجلاً يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر. فقال ابن مسعود ﵁: هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر، يشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض، لا يسقط عن أحد؛ فمن لم يعرفه هلك. وأما الإنكار باللسان واليد فإنما يجب بحسب الطاقة. وقال ابن مسعود يوشك من عاش منكم أن يرى منكرًا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره» (٢).

стр. 518

وقد رأيت للشيخ تقي الدين رسالة كتبها وهو في السجن إلى بعض إخوانه، لما أرسلوا إليه يشيرون عليه بالرفق بخصومه ليتخلص من السجن، أحببت أن أنقل أولها لعظم منفعتها، قال - رحمه الله تعالى - (١): الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد فقد وصلت الورقة التي فيها. رسالة الشيخين الناسكين القدوتين، أيدهما الله وسائر الإخوان بروح منه، وكتب في قلوبهم الإيمان، وأدخلهم مدخل صدق، وأخرجهم مخرج صدق، وجعلهم ممن ينصر به السلطان، سلطان العلم والحجة بالبيان والبرهان، وسلطان القدر والنصرة باللسان والأعوان، وجعلهم من أوليائه المتقين، وحزبه الغالبين لمن ناوأهم من الأقران، ومن الأئمة المتقين الذين جمعوا بين الصبر والإيقان، والله محقق ذلك، ومنجز وعده في السر والإعلان، ومنتقم من حزب الشيطان لعباد الرحمن، لكن بما اقتضته حكمته ومضت به سنته، من الابتلاء والامتحان، الذي يميز الله به أهل الصدق والإيمان من أهل النفاق والبهتان، إذ قد دل

стр. 519

كتابه على أنه لا بد من الفتنة لكل من ادعى الإيمان، والعقوبة لذوي السيئات والطغيان فقال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٤]. فأنكر سبحانه على من ظن أن أهل السيئات يفوتون الطالب الغالب، وأن مدعي الإيمان يتركون بلا فتنة تميز بين الصادق والكاذب، وأخبر في كتابه أن الصدق في الإيمان لا يكون إلا بالجهاد في سبيله (٤٤/ش). ــ (٤٤/ش) هذا مفرق طريق دومًا بين المؤمنين والمنافقين، وبين الصادقين والكاذبين، وبين المستقيمين والناكثين على أعقابهم. فزكاة الإيمان الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس، لأن الله كتب وقضى بأن دينه لن يقوم إلا بالجهاد في سبيله؛ والصراع قائم ومستمر إلى قيام الساعة بين أهل الحق والعدل وأهل الباطل والظلم قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة: ٢١٧] وقال ﷺ : (الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم) (١). وكل من شكك في هذه الحقيقة فاتهموه في دينه كائنًا من كان. فقضاة

стр. 520

................................................................ ــ النفاق اليوم يريدون تمييع حقيقة الصراع الضروس بين المسلمين والكفار من جانب المسلمين فقط، وفي الجانب الآخر يظل على أشده من أعداء الله، فهيهات هيهات أيها المجرمون. فوالذي أنفس المؤمنين بيده نحن في نحوركم قبل أن نكون في نحو أسيادكم من الكفار على اختلاف مذاهبهم وتباين مللهم. قال علامة الأمة الإمام ابن تيمية مبينًا أهمية الجهاد، وأن الدين لا يقوم إلا به: «اعلم: أن الله تعالى بعث محمدًا ﷺ بالهدى، ودين الحق ليظهره على الدين كله، وأكمل لأمته الدين، وأتم عليهم النعمة وجعله على شريعة من الأمر، وأمره أن يتبعها، ولا يتبع سبيل الذين لا يعلمون، وجعل كتابه مهيمنًا على ما بين يديه من الكتب، ومصدقًا لها، وجعل له شرعةً ومنهاجًا وشرع لأمته سُنن الهدى. ولن يقوم الدين إلا بالكتاب والميزان والحديد كتاب يهدي به، وحديد ينصره كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥]. «فالكتاب» به يقوم العلم والدين، و «الميزان» به تقوم الحقوق في العقود المالية والقبوض. «والحديد» به تقوم الحدود على الكافرين والمنافقين. ولهذا كان في الأزمان المتأخرة «الكتاب» للعلماء والعباد. و «الميزان» للوزراء والكتَّاب وأهل الديوان «الحديد» للأمراء والأجناد.

стр. 521

.............................................................. ــ والكتاب له الصلاة، والحديد له الجهاد، ولهذا كان أكثر الآيات والأحاديث النبوية في الصلاة والجهاد، وكان النبي ﷺ يقول في عيادة المريض: (اللهم اشف عبدك يشهد لك صلاة وينكأ لك عدوًّا) (١)، وقال ﵊: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله)» (٢) (٣). فالدين لا يقوم إلا بالجهاد، ولهذا فقد شرع مع كل بر وفاجر. ولولا الجهاد لظهر الكفَّار بالفساد في الأرض، وعملوا على تعطيل أحكام الإسلام وسعوا بالبغي والظلم بين العباد. ولهذا ولغيره الكثير سيظل فرض الجهاد باقيًا إلى قيام الساعة - على رغم أنف المنافقين والذين في قلوبهم مرض - ليدفع الله بأهل الحق والعدل أهل الباطل والظلم. قال الإمام العلامة عبد الرحمن بن حسن في معرض الرد على من زعم

стр. 522

................................................................. ــ أن الجهاد لا يصح إلا بإمام: «ومعلوم: أن الدين لا يقوم إلا بالجهاد، ولهذا أمر النبي ﷺ بالجهاد مع كل بر وفاجر، تفويتًا لأدني المصلحتين لتحصيل أعلاهما، وارتكابًا لأخف الضررين لدفع أعلاهما، فإن ما يدفع بالجهاد من فساد الدين، أعظم من فجور الفاجر، لأن بالجهاد يظهر الدين ويقوى العمل به وبأحكامه، ويندفع الشرك وأهله حتى تكون الغلبة للمسلمين، والظهور لهم على الكافرين، وتندفع سورة أهل الباطل، فإنهم لو ظهروا لأفسدوا في الأرض بالشرك والظلم والفساد، وتعطيل الشرائع والبغي في الأرض. ويحصل بالجهاد مع الفاجر من مصالح الدين ما لا يحصى، كما قال ﷺ : «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم» (١). ولو ترك الجهاد معه لفجوره لضعف الجهاد، وحصلت الفرقة والتخاذل، فيقوى بذلك أهل الشرك والباطل، الذين غرضهم الفساد وذهاب الدين، فإذا ابتلي الناس بمن لا بصيرة له ولا علم ولا حلم، ونزل المشركون وأهل الفساد من قلبه منزلة أهل الإسلام لطمع يرجوه منهم، أو من أعوانهم، وأعانهم على ظلمهم، وصدقهم في كذبهم، فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا. ويقال أيضًا: كل من أقام بإزاء العدو وعاداه، واجتهد في دفعه، فقد جاهد ولا بد، وكل طائفة تصادم عدو الله، فلا بد أن يكون لها أئمة ترجع إلى

стр. 523

............................................................... ــ أقوالها وتدبيرهم، وأحق الناس بالإمامة منه أقام الدين الأمثل فالأمثل، كما هو الواقع، فإن تابعه الناس أدّوا الواجب، وحصل التعاون على البر والتقوى، وقوي أمر الجهاد، وإن لم يتابعون أثموا إثمًا كبيرًا بخذلانهم الإسلام. وأما القائم به: فكلما قلت أعوانه وأنصاره، صار أعظم لأجره، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، كما قال تعالى: ﴿وجاهدوا في الله حق جهاده﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿والذين جاهدوا فينا﴾ الآية [العنكبوت: ٦٩]. وقال: ﴿أذن للذين يقاتلون﴾ الآية [الحج: ٣٩]، وقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم﴾ الآية [المائدة: ٥٤]، وقال: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ الآية [التوبة: ٥]، وقال: ﴿كم من فئة﴾ الآية [البقرة: ٢٤٩]، وقال: ﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين﴾ الآية [الأنفال: ٦٥]، وقال: ﴿كتب عليكم القتال﴾ الآية [البقرة: ٢١٦]. ولا ريب: أن فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة ، والمخاطب به المؤمنون؛ فإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها منعة، وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه، لا يسقط عنها فرضه بحال، ولا عن جميع الطوائف، لما ذكرت من الآيات، وقد تقدم الحديث (لا تزال طائفة) الحديث. فليس في الكتاب والسنة: ما يدل على أن الجهاد يسقط في حال دون حال، ولا يجب على أحد دون أحد، إلا ما استثنى في سورة براءة (١)، وتأمل

стр. 524

................................................................. ــ قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: ٤٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا﴾ الآية [المائدة: ٥٦]، وكل يفيد العموم بلا تخصيص، فأين تذهب عقولكم عن هذا القرآن؟» (١).

стр. 525

فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٤، ١٥] وأخبر بخسران المنقلب على وجه عند الفتنة الذي يعبد الله فيها على حرف، وهو الجانب والطرف الذي لا يستقر من هو عليه، بل لا يثبت على الإيمان إلا عند وجود ما يهواه من خير الدنيا فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١]. وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١]. وأخبر سبحانه أنه عند وجود المرتدين فلا بد من وجود المحبين المحبوبين المجاهدين فقال تعالى: ﴿يَا أَيْهَا الّذِيْنَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤]. وهؤلاء هم الشاكرون لنعمة الإيمان، الصابرون على الامتحان؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ

стр. 526

............................................................... ــ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٨]. فإذا أنعم الله على الإنسان بالصبر والشكر كان جميع ما يقضي له من القضاء خيرًا له، كما قال النبي ﷺ : (لا يقضي الله للمؤمنين من قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له» (١). والصبّار الشكور هو المؤمن، الذي ذكر الله في غير موضع من كتابه، ومن لم ينعم الله عليه بالصبر والشكر فهو بشر حال، وكل واحد من السراء والضراء في حقه يقضي به إلى قبيح المآل، فكيف إذا كان ذلك في الأمور العظيمة، التي هي محن الأنبياء والصديقين، وفيها تثبيت أصول الدين، وحفظ الإيمان والقرآن من كيد أهل النفاق والإلحاد والبهتان، فالحمد لله حمدًا كثيرا طيبًا مباركًا، كما يحبُ ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، والله المسؤول: أن يثبتكم وسائر المؤمنين بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ويتم نعمه عليكم الظاهرة والباطنة، وينصر دينه وكتابه ورسوله وعباده المؤمنين على الكافرين والمنافقين، الذين أمرنا بجهادهم، والإغلاظ عليهم في كتابه المبين، انتهى ما نقلته من كلام أبي العباس ﵀ في الرسالة المذكورة وهي طويلة. ومن جواب له ﵀ لما سئل عن الحشيشة ما يجب من يدعي أن

стр. 527

أكلها جائز؟ فقال: أكل هذه الحشيشة حرام، وهي من أخبث الخبائث المحرمة، سواء أكل منها كثيرًا أو قليلاً، لكن الكثير المسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحلَّ ذلك فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا مرتدًا لا يُغسَّل، ولا يُصلَّي عليه، ولا يُدفن بين المسلمين. وحكم المرتد أشرّ من حكم اليهودي والنصراني، وسواء اعتقد أن ذلك يحل للعامة، أو للخاصة الذين يزعمون: أنها لقمة الذكر والفكر، وأنها تحرك العزم الساكن وتنفع في الطريق، وقد كان بعض السلف ظن أن الخمر يباح للخاصة، متأولاً قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ [المائدة: ٩٣]. فاتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة ﵃ على أنهم إن أقروا بالتحريم جُلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا، انتهى ما نقلته من كلام الشيخ - رحمه الله تعالى - (١). فتأمل كلام هذا الذي ينسب إليه عدم تكفير المعيَّن؛ إذا جاهر بسب دين الأنبياء، وصار مع أهل الشرك، ويزعم أنهم على الحق، ويأمر بالمصير معهم، وينكر على من لا يسب التوحيد ويدخل مع المشركين لأجل انتسابه إلى الإسلام، انظر كيف كفر المعين،

стр. 528

ولو كان عابدًا باستحلال الحشيشة، ولو زعم حلَّها للخاصة الذين تعينهم على الفكرة، واستدل بإجماع الصحابة على تكفير قُدامة وأصحابه إن لم يتوبوا (١)، وكلامه في المعين، وكلام الصحابة في المعين، فكيف نحن فيه، مما لا يساوي استحلال الحشيشة جزءًا من ألف جزء منه. والله أعلم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ــ اللهم ربنا لك الحمد على ما أنعمت به وتفضلت، من عونك العظيم على شرح وبيان هذه الدرة المسماة بـ «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد للإمام المجدد، الإمام الرباني محمد بن عبد الوهاب ﵀ وطيب ثراه، وجزاه خيرًا على ما قدم من نفع عام للإسلام والمسلمين.

стр. 529

الكتاب في سطور * ردة أهل حريملا كانت سببًا في تأليف رسالة «مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد». * كان قلم الشيخ معايشًا لواقع أمته، قائمًا على ثغورها، مسلولاً على أعدائها. * ردة أهل حريملا كانت بسبب بغضهم لأهل التوحيد ومعاداتهم وقتالهم. * فتح المسلمون حريملا عنوة، وغنموا أموالها، وقسمها الإمام محمد بن عبد الوهاب بنفسه بين الموحدين. * المشركون دومًا على ضلالة، وليسوا على شيء. * أرسل الله سبحانه - رسوله ﷺ بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيء. * التزام طاعة النبي ﷺ شرط في صحة الإسلام وقبوله. * حرمة مشابهة الكفار والظلمة حرمة قطعية، وقد تؤول إلى الانسلاخ التام من الملة، والردة عن أصل الدين. * خياطة لباس الظلمة وبيعه لهم، بمنزلة بيع السلاح وقت الفتنة. * إن من أصل دروس دين الله وشرائعه، وظهور الكفر والمعاصي، التشبه بالكافرين. * استقر الأمر في الشريعة على فرضية الجهاد ضد المشركين، وهو فرض قائم إلى قيام الساعة. * القتال في الإسلام واجب حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله.

стр. 530

* لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين. * الذبح لغير الله، يحرم الذبيحة، ويرتد الذابح به عن الملة. * المشرك الذي اتخذ مع الله إلهًا آخر يُعيّن بالكفر إلا أن يكون مكرهًا. * شروط عصمة دماء المشركين وأموالهم: النطق بالشهادتين، مع العمل بمقتضاهما. * مجرد التلفظ بالشهادتين لا يكفي في الإسلام، بدون العلم بمعناهما، واعتقاده إجماعًا. * الشرك ضد الإسلام ونقيضه، والضدان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وكذا النقيضان. * الإسلام: هو الاستسلام لله وحده بالخضوع لطاعته، مع عدم الشرك به في طاعته أحدًا، ولا في عبادته سواه. * الإسلام: هو توحيد الله، وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله ﷺ ، واتباعه فيما جاء به. فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل. * الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. * عدم تكفير ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب للمعين مقيد ومخصوص بالأمور التي يشترط فيها إقامة الحجة، وليس في نقض التوحيد بالشرك، لأن المرء لا يكون مسلمًا إلا بتحقيق التوحيد مع البراءة من الشرك وأهله.
следующие страницы →