← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 3580

أسرار التكرار في القرآن = البرهان في توجيه متشابه القرآن

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (196 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه ثقتي قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة تَاج الْقُرَّاء أَبُو الْقَاسِم مَحْمُود بن حَمْزَة ابْن نصر الْكرْمَانِي ﵁ ورحمه الْحَمد لله الَّذِي أنزل الْفرْقَان على مُحَمَّد ليَكُون للْعَالمين نذيرا معجزا للإنس وَالْجِنّ وَلَو كَانَ بَعضهم لبَعض ظهيرا نحمده على تفضله علينا بكتابه فضلا كَبِيرا وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتى خيرا كثيرا وَنُصَلِّي ونسلم على الْمَبْعُوث بشيرا وَنَذِيرا وداعيا إِلَى الله بِإِذْنِهِ وسراجا منيرا صَلَاة دائمة تتصل وَلَا تَنْقَطِع بكرَة وهجيرا وَبعد فَإِن هَذَا كتاب أذكر فِيهِ الْآيَات المتشابهات الَّتِي تَكَرَّرت فِي الْقُرْآن وألفاظها متفقة وَلَكِن وَقع فِي بَعْضهَا زِيَادَة أَو نُقْصَان أَو تَقْدِيم أَو تَأْخِير أَو إِبْدَال حرف مَكَان حرف أَو غير ذَلِك مِمَّا يُوجب اخْتِلَافا بَين الْآيَتَيْنِ أَو الْآيَات الَّتِي تَكَرَّرت من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان وَأبين مَا

стр. 2

السَّبَب فِي تكرارها والفائدة فِي إِعَادَتهَا وَمَا الْمُوجب للزِّيَادَة وَالنُّقْصَان والتقديم وَالتَّأْخِير والإبدال وَمَا الْحِكْمَة فِي تَخْصِيص الْآيَة بذلك دون الْآيَة الْأُخْرَى وَهل كَانَ يصلح مَا فِي هَذِه السُّورَة مَكَان مَا فِي السُّورَة الَّتِي تشاكلها أم لَا ليجري ذَلِك مجْرى عَلَامَات تزيل إشكالها وتمتاز بهَا عَن أشكالها من غير أَن أشتغل بتفسيرها وتأويلها فَإِنِّي بِحَمْد الله قد بيّنت ذَلِك كُله بشرائطه فِي كتاب لباب التَّفْسِير وعجائب التَّأْوِيل مُشْتَمِلًا على أَكثر مَا نَحن بصدده وَلَكِنِّي أفردت هَذَا الْكتاب لبَيَان الْمُتَشَابه فَإِن الْأَئِمَّة رَحِمهم الله تَعَالَى قد شرعوا فِي تصنيفه واقتصروا على ذكر الْآيَة ونظيرتها وَلم يشتغلوا بِذكر وجوهها وعللها وَالْفرق بَين الْآيَة وَمثلهَا وَهُوَ الْمُشكل الَّذِي لَا يقوم بأعبائه إِلَّا من وَفقه الله لأدائه وَقد قَالَ أَبُو مُسلم فِي تَفْسِيره عَن أبي عبد الله الْخَطِيب فِي تَفْسِيره كَلِمَات معدودات مِنْهَا وَأَنا أحكي لَك كَلَامه فِيهَا إِذا بلغت إِلَيْهَا مستعينا بِاللَّه ومتوكلا عَلَيْهِ وَسميت هَذَا الْكتاب الْبُرْهَان فِي متشابه الْقُرْآن لما فِيهِ من الْحجَّة وَالْبَيَان وَبِاللَّهِ وَعَلِيهِ التكلان

стр. 3

سُورَة الْفَاتِحَة ١ - أول المتشابهات قَوْله ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم مَالك﴾ فِيمَن جعل ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ آيَة من الْفَاتِحَة وَفِي تكراره قَولَانِ قَالَ عَليّ بن عِيسَى إِنَّمَا كرر للتوكيد وَأنْشد قَول الشَّاعِر ... هلا سَأَلت جموع كِنْدَة يَوْم ولوا أَيْن أَيّنَا ... وَقَالَ قَاسم بن حبيب إِنَّمَا كرر لِأَن الْمَعْنى وَجب الْحَمد لله لِأَنَّهُ الرَّحْمَن الرَّحِيم قلت إِنَّمَا كرر لِأَن الرَّحْمَة هِيَ الإنعام على الْمُحْتَاج وَذكر فِي الْآيَة الأولى الْمُنعم وَلم يذكر الْمُنعم عَلَيْهِم فَأَعَادَهَا مَعَ ذكرهم وَقَالَ ﴿رب الْعَالمين الرَّحْمَن﴾ لَهُم جَمِيعًا ينعم عَلَيْهِم ويرزقهم ﴿الرَّحِيم﴾ بِالْمُؤْمِنِينَ خَاصَّة يَوْم الدّين ينعم عَلَيْهِم وَيغْفر لَهُم ٢ - قَوْله تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ كرر ﴿إياك﴾ وَقدمه وَلم يقْتَصر على ذكره مرّة كَمَا اقْتصر على ذكر أحد المفعولين فِي آيَات كَثِيرَة مِنْهَا ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ أَي مَا قلاك وَكَذَلِكَ الْآيَات الَّتِي بعْدهَا مَعْنَاهَا فآواك فهداك فأغناك لِأَن فِي التَّقْدِيم فَائِدَة وَهِي قطع الِاشْتِرَاك وَلَو حذف لم يدل على

стр. 4

التَّقْدِيم لِأَنَّك لَو قلت إياك نعْبد ونستعين لم يظْهر أَن التَّقْدِير إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين أم إياك نعْبد ونستعينك فكرر ٣ - قَوْله تَعَالَى ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾ كرر ﴿الصِّرَاط﴾ لعِلَّة تقرب مِمَّا ذكرت فِي ﴿الرَّحْمَن الرَّحِيم﴾ وَذَلِكَ أَن الصِّرَاط هُوَ الْمَكَان المهيأ للسلوك فَذكر فِي الأول الْمَكَان وَلم يذكر السالكين فَأَعَادَهُ مَعَ ذكرهم فَقَالَ ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾ أَي الَّذِي يسلكه النَّبِيُّونَ والمؤمنون وَلِهَذَا كرر أَيْضا فِي قَوْله ﴿إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ ﴿صِرَاط الله﴾ لِأَنَّهُ ذكر الْمَكَان المهيأ وَلم يذكر المهيئ فَأَعَادَهُ مَعَ ذكره فَقَالَ ﴿صِرَاط الله﴾ أَي الَّذِي هيأه للسالكين ٤ - قَوْله ﴿عَلَيْهِم﴾ لَيْسَ بتكرار لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا مُتَّصِل بِفعل غير الآخر وَهُوَ الإنعام وَالْغَضَب وكل وَاحِد مِنْهُمَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ وَمَا كَانَ هَذَا سَبيله فَلَيْسَ بتكرار وَلَا من الْمُتَشَابه سُورَة الْبَقَرَة ٥ - قَوْله تَعَالَى ﴿الم﴾ هَذِه الْآيَة تَتَكَرَّر فِي أَوَائِل سِتّ سور فَهِيَ من الْمُتَشَابه لفظا وَذهب جمَاعَة من الْمُفَسّرين إِلَى أَن قَوْله ﴿وَأخر متشابهات﴾ هِيَ هَذِه الْحُرُوف الْوَاقِعَة فِي أَوَائِل السُّور فَهِيَ أَيْضا من الْمُتَشَابه لفظا وَمعنى والموجب لذكره أول الْبَقَرَة من

стр. 5

الْقسم وَغَيره هُوَ بِعَيْنِه الْمُوجب لذكره فِي أَوَائِل سَائِر السُّور المبدوءة بِهِ وَزَاد فِي الْأَعْرَاف صادا لما جَاءَ بعده ﴿فَلَا يكن فِي صدرك حرج مِنْهُ﴾ وَلِهَذَا قَالَ بعض الْمُفَسّرين معنى ﴿المص﴾ ألم نشرح لَك صدرك وَقيل مَعْنَاهُ المصور وَزَاد فِي الرَّعْد رَاء لقَوْله بعده ﴿الله الَّذِي رفع السَّمَاوَات﴾ ٦ - قَوْله ﴿سَوَاء عَلَيْهِم﴾ وَفِي يس ﴿وَسَوَاء﴾ بِزِيَادَة وَاو لِأَن مَا فِي الْبَقَرَة جملَة هِيَ خبر عَن اسْم إِن وَمَا فِي يس جملَة عطفت بِالْوَاو على جملَة ٧ - قَوْله ﴿آمنا بِاللَّه وباليوم الآخر﴾ لَيْسَ فِي الْقُرْآن غَيره تكْرَار الْعَامِل مَعَ حرف الْعَطف لَا يكون إِلَّا للتَّأْكِيد وَهَذِه حِكَايَة كَلَام الْمُنَافِقين وهم أكدوا كَلَامهم نفيا للريبة وإبعادا للتُّهمَةِ فَكَانُوا فِي ذَلِك كَمَا قيل يكَاد الْمُرِيب يَقُول خذوني فنفى الله الْإِيمَان عَنْهُم بأوكد الْأَلْفَاظ فَقَالَ ﴿وَمَا هم بمؤمنين﴾ وَيكثر ذَلِك مَعَ النَّفْي وَقد جَاءَ فِي الْقُرْآن فِي موضِعين فِي النِّسَاء ﴿وَلَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر﴾ وَفِي التَّوْبَة ﴿قَاتلُوا الَّذين لَا يُؤمنُونَ بِاللَّه وَلَا بِالْيَوْمِ الآخر﴾ ٨ - قَوْله ﴿يَا أَيهَا النَّاس اعبدوا ربكُم﴾ لَيْسَ فِي الْقُرْآن غَيره لَيْسَ لِأَن الْعِبَادَة فِي الْآيَة التَّوْحِيد

стр. 6

والتوحيد أول مَا يلْزم العَبْد من المعارف فَكَانَ هَذَا أول خطاب خَاطب الله بِهِ النَّاس فِي الْقُرْآن فخاطبهم بِمَا ألزمهم أَولا ثمَّ ذكر سَائِر المعارف وَبنى عَلَيْهَا الْعِبَادَات فِيمَا بعْدهَا من السُّور والآيات فَإِن قيل سُورَة الْبَقَرَة لَيست من أول الْقُرْآن نزولا فَلَا يحسن فِيهَا مَا ذكرت قلت أول الْقُرْآن سُورَة الْفَاتِحَة ثمَّ الْبَقَرَة ثمَّ آل عمرَان على هَذَا التَّرْتِيب إِلَى سُورَة النَّاس وَهَكَذَا هُوَ عِنْد الله فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ وَهُوَ على هَذَا التَّرْتِيب كَانَ يعرضه ﵊ على جِبْرِيل ﵇ كل سنة أَي مَا كَانَ يجْتَمع عِنْده مِنْهُ وَعرضه ﵊ فِي السّنة الَّتِي توفى فِيهَا مرَّتَيْنِ وَكَانَ آخر الْآيَات نزولا ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا ترجعون فِيهِ إِلَى الله﴾ فَأمره جِبْرِيل أَن يَضَعهَا بَين آيتي الرِّبَا وَالدّين وَذهب جمَاعَة من الْمُفَسّرين إِلَى أَن قَوْله فِي هود ﴿فَأتوا بِعشر سور مثله﴾ مَعْنَاهُ مثل الْبَقَرَة إِلَى هود وَهِي الْعَاشِرَة وَمَعْلُوم أَن سُورَة هود مَكِّيَّة وَأَن الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَالنِّسَاء والمائدة والأنفال وَالتَّوْبَة مدنيات نَزَلْنَ بعْدهَا

стр. 7

وَفسّر بَعضهم قَوْله ﴿ورتل الْقُرْآن ترتيلا﴾ : ٤ أَي اقرأه على هَذَا التَّرْتِيب من غير تَقْدِيم وَتَأْخِير وَجَاء النكير على من قَرَأَهُ معكوسا وَلَو حلف إِنْسَان أَن يقْرَأ الْقُرْآن على التَّرْتِيب لم يلْزمه إِلَّا على هَذَا التَّرْتِيب وَلَو نزل جملَة كَمَا اقترحوا عَلَيْهِ بقَوْلهمْ ﴿لَوْلَا نزل عَلَيْهِ الْقُرْآن جملَة وَاحِدَة﴾ : ٣٢ لنزل على هَذَا التَّرْتِيب وَإِنَّمَا تَفَرَّقت سوره وآياته نزولا لحَاجَة النَّاس حَالَة بعد حَالَة وَلِأَن فِيهِ النَّاسِخ والمنسوخ وَلم يَكُونَا ليجتمعا نزولا وأبلغ الحكم فِي تفرقه مَا قَالَه سُبْحَانَهُ ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على النَّاس على مكث﴾ وَهَذَا أصل تنبني عَلَيْهِ مسَائِل وَالله أعلم ٩ - قَوْله تَعَالَى ﴿فَأتوا بِسُورَة من مثله﴾ بِزِيَادَة ﴿من﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي غَيرهَا ﴿بِسُورَة مثله﴾ لِأَن ﴿من﴾ تدل على التَّبْعِيض وَلما كَانَت هَذِه السُّورَة سَنَام الْقُرْآن وأوله بعد الْفَاتِحَة حسن دُخُول ﴿من﴾ فِيهَا ليعلم أَن التحدي وَاقع على جَمِيع سور الْقُرْآن من أَوله إِلَى آخِره وَغَيرهَا من السُّور لَو دَخلهَا من لَكَانَ التحدي وَاقعا على بعض السُّور دون بعض وَلم يكن ذَلِك بالسهل وَالْهَاء فِي قَوْله ﴿من مثله﴾ تعود إِلَى ﴿مَا﴾ وَهُوَ الْقُرْآن وَذهب بَعضهم إِلَى أَنه يعود على مُحَمَّد ﵇ أَي

стр. 8

فَأتوا بِسُورَة من إِنْسَان مثله وَقيل يعود إِلَى الأنداد وَهُوَ ضَعِيف لِأَن الأنداد جمَاعَة وَالْهَاء للفرد وَقيل مثله التَّوْرَاة وَالْهَاء تعود إِلَى الْقُرْآن وَالْمعْنَى فأتو بِسُورَة من التَّوْرَاة الَّتِي هِيَ مثل الْقُرْآن ليعلموا وفاقهما ﴿وَهُوَ﴾ خطاب للْيَهُود ١٠ - قَوْله ﴿فسجدوا إِلَّا إِبْلِيس أَبى واستكبر﴾ ذكر هَذِه الْخلال فِي هَذِه السُّورَة جملَة ثمَّ ذكرهَا فِي سَائِر السُّور مفصلا فَقَالَ فِي الْأَعْرَاف ﴿إِلَّا إِبْلِيس لم يكن من الساجدين﴾ وَفِي الْحجر ﴿إِلَّا إِبْلِيس أَبى أَن يكون مَعَ الساجدين﴾ وَفِي سُبْحَانَ ﴿إِلَّا إِبْلِيس قَالَ أأسجد لمن خلقت طينا﴾ وَفِي الْكَهْف ﴿إِلَّا إِبْلِيس كَانَ من الْجِنّ﴾ وَفِي طه ﴿إِلَّا إِبْلِيس أَبى﴾ وَفِي ص ﴿إِلَّا إِبْلِيس استكبر وَكَانَ من الْكَافرين﴾ ١١ - قَوْله ﴿اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة وكلا﴾ بِالْوَاو وَفِي الْأَعْرَاف ﴿فكلا﴾ بِالْفَاءِ ﴿اسكن﴾ فِي الْآيَتَيْنِ لَيْسَ بِأَمْر بِالسُّكُونِ الَّذِي هُوَ ضد الْحَرَكَة وَإِنَّمَا الَّذِي فِي الْبَقَرَة من السّكُون الَّذِي مَعْنَاهُ الْإِقَامَة وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي زَمَانا ممتدا فَلم يصلح إِلَّا بِالْوَاو لِأَن الْمَعْنى اجْمَعْ بَين الْإِقَامَة فِيهَا وَالْأكل من ثمارها وَلَو كَانَ الْفَاء مَكَان الْوَاو لوَجَبَ تَأْخِير الْأكل إِلَى الْفَرَاغ من الْإِقَامَة لِأَن الْفَاء للتعقيب وَالتَّرْتِيب وَالَّذِي فِي الْأَعْرَاف من السُّكْنَى الَّذِي مَعْنَاهَا اتِّخَاذ الْموضع مسكنا لِأَن الله تَعَالَى أخرج إِبْلِيس من الْجنَّة بقوله ﴿

стр. 9

اخْرُج مِنْهَا مذؤوما﴾ وخاطب آدم فَقَالَ ﴿يَا آدم اسكن أَنْت وزوجك الْجنَّة﴾ أَي اتخذاها لأنفسكما مسكنا ﴿فكلا من حَيْثُ شئتما﴾ فَكَانَت الْفَاء أولى لِأَن اتِّخَاذ الْمسكن لَا يَسْتَدْعِي زَمَانا ممتدا وَلَا يُمكن الْجمع بَين الاتخاذ وَالْأكل فِيهِ بل يَقع الْأكل عَقِيبه وَزَاد فِي الْبَقَرَة ﴿رغدا﴾ لما زَاد فِي الْخَبَر تَعْظِيمًا بقوله ﴿وَقُلْنَا﴾ بِخِلَاف سُورَة الْأَعْرَاف فَإِن فِيهَا (قَالَ) والخطيب ذهب إِلَى أَن مَا فِي الْأَعْرَاف ١٢ - قَوْله ﴿اهبطوا مِنْهَا﴾ كرر الْأَمر بالهبوط لِأَن الأول من الْجنَّة وَالثَّانِي من السَّمَاء ١٣ - قَوْله ﴿فَمن تبع﴾ وَفِي طه ﴿فَمن اتبع﴾ تبع وَاتبع بِمَعْنى وَإِنَّمَا اخْتَار فِي طه ﴿اتبع﴾ مُوَافقَة لقَوْله تَعَالَى ﴿يتبعُون الدَّاعِي﴾ ١٤ - قَوْله ﴿وَلَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة وَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا عدل﴾ قدم الشَّفَاعَة فِي هَذِه الْآيَة وَأخر الْعدْل وَقدم الْعدْل فِي الْآيَة الْأُخْرَى من هَذِه السُّورَة وَأخر الشَّفَاعَة وَإِنَّمَا قدم الشَّفَاعَة قطعا

стр. 10

لطمع من زعم أَن آبَاءَهُم تشفع لَهُم وَأَن الْأَصْنَام شفعاؤهم عِنْد الله وأخرها فِي الْآيَة الْأُخْرَى لِأَن التَّقْدِير فِي الْآيَتَيْنِ مَعًا لَا يقبل مِنْهَا شَفَاعَة فتنفعها تِلْكَ الشَّفَاعَة لِأَن النَّفْع بعد الْقبُول وَقدم الْعدْل فِي الْآيَة الْأُخْرَى ليَكُون لفظ الْقبُول مقدما فِيهَا ١٥ - قَوْله ﴿يذبحون﴾ بِغَيْر وَاو هُنَا على الْبَدَل من ﴿يسومونكم﴾ وَفِي الْأَعْرَاف ﴿يقتلُون﴾ وَفِي إِبْرَاهِيم ﴿ويذبحون﴾ بِالْوَاو لِأَن مَا فِي هَذِه السُّورَة والأعراف من كَلَام الله تَعَالَى فَلم يرد تعداد المحن عَلَيْهِم وَالَّذِي فِي إِبْرَاهِيم من كَلَام مُوسَى فعدد المحن عَلَيْهِم وَكَانَ مَأْمُورا بذلك فِي قَوْله ﴿وَذكرهمْ بأيام الله﴾ ١٦ - قَوْله ﴿وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ هَهُنَا وَفِي الْأَعْرَاف ١٦٠ وَقَالَ فِي آل عمرَان ﴿وَلَكِن أنفسهم يظْلمُونَ﴾ لِأَن مَا فِي السورتين إِخْبَار عَن قوم مَاتُوا وانقرضوا وَمَا فِي آل عمرَان مثل ١٧ - قَوْله ﴿وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة فَكُلُوا﴾ بِالْفَاءِ وَفِي الْأَعْرَاف ١٦١ بِالْوَاو لِأَن الدُّخُول سريع الِانْقِضَاء فيتبعه الْأكل وَفِي الْأَعْرَاف ﴿وَإِذ قيل لَهُم اسكنوا﴾

стр. 11

الْمَعْنى أقِيمُوا فِيهَا وَذَلِكَ ممتد فَذكر بِالْوَاو أَي اجْمَعُوا بَين الْأكل والسكون وَزَاد فِي الْبَقَرَة ﴿رغدا﴾ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ أسْندهُ إِلَى ذَاته بِلَفْظ التَّعْظِيم وَهُوَ قَوْله ﴿وَإِذ قُلْنَا﴾ خلاف مَا فِي الْأَعْرَاف فَإِن فِيهِ ﴿وَإِذ قيل﴾ وَقدم ﴿وادخلوا الْبَاب سجدا﴾ على قَوْله ﴿وَقُولُوا حطة﴾ فِي هَذِه السُّورَة وأخرها فِي الْأَعْرَاف لِأَن السَّابِق فِي هَذِه السُّورَة ﴿ادخُلُوا﴾ فَبين كَيْفيَّة الدُّخُول وَفِي هَذِه السُّورَة ﴿خطاياكم﴾ بِالْإِجْمَاع وَفِي الْأَعْرَاف ﴿خطيئاتكم﴾ مُخْتَلف لِأَن خَطَايَا صِيغَة الْجمع الْكثير ومغفرتها أليق فِي الْآيَة بِإِسْنَاد الْفِعْل إِلَى نَفسه سُبْحَانَهُ وَفِي هَذِه السُّورَة ﴿وسنزيد﴾ وَفِي الْأَعْرَاف ﴿سنزيد﴾ بِغَيْر وَاو لِأَن اتصالها فِي هَذِه السُّورَة أَشد لِاتِّفَاق اللَّفْظَيْنِ وَاخْتلفَا فِي الْإِعْرَاب لِأَن اللَّائِق ﴿سنزيد﴾ مَحْذُوف الْوَاو ليَكُون استئنافا لكَلَام

стр. 12

وَفِي هَذِه السُّورَة ﴿فبدل الَّذين ظلمُوا قولا﴾ وَفِي الْأَعْرَاف ٦٢ ﴿ظلمُوا مِنْهُم﴾ لِأَن فِي الْأَعْرَاف ﴿وَمن قوم مُوسَى﴾ وَلقَوْله ﴿مِنْهُم الصالحون وَمِنْهُم دون ذَلِك﴾ وَفِي هَذِه السُّورَة ﴿فأنزلنا على الَّذين ظلمُوا﴾ وَفِي الْأَعْرَاف ﴿فَأَرْسَلنَا﴾ لِأَن لفظ الرَّسُول والرسالة كثرت فِي الْأَعْرَاف فجَاء ذَلِك وفقا لما قبله وَلَيْسَ كَذَلِك فِي سُورَة الْبَقَرَة ١٨ - قَوْله ﴿فانفجرت﴾ وَفِي الْأَعْرَاف ﴿فانبجست﴾ لِأَن الانفجار انصباب المَاء بِكَثْرَة والانبجاس ظُهُور المَاء وَكَانَ فِي هَذِه السُّورَة ﴿كلوا وَاشْرَبُوا﴾ فَذكر بِلَفْظ بليغ وَفِي الْأَعْرَاف ﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم﴾ وَلَيْسَ فِيهِ وَاشْرَبُوا فَلم يُبَالغ فِيهِ ١٩ - قَوْله ﴿وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر الْحق﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي آل عمرَان ﴿وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر حق﴾ وفيهَا وَفِي النِّسَاء ﴿وقتلهم الْأَنْبِيَاء بِغَيْر حق﴾ لِأَن مَا فِي الْبَقَرَة إِشَارَة إِلَى الْحق الَّذِي أذن الله أَن تقتل النَّفس بِهِ وَهُوَ قَوْله ﴿وَلَا تقتلُوا النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فَكَانَ الأولى أَن يذكر

стр. 13

مُعَرفا لِأَنَّهُ من الله تَعَالَى وَمَا فِي آل عمرَان وَالنِّسَاء نكرَة أَي بِغَيْر حق فِي معتقدهم وَدينهمْ فَكَانَ هَذَا بالتنكير أولى وَجمع النَّبِيين جمع السَّلامَة فِي الْبَقَرَة لموافقة مَا بعده من جمعى السَّلامَة وَهُوَ ﴿النَّبِيين﴾ ﴿الصابئين﴾ وَكَذَلِكَ فِي آل عمرَان ﴿إِن الَّذين﴾ وناصرين ومعرضون بِخِلَاف الْأَنْبِيَاء فِي السورتين ٢٠ - قَوْله ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ وَقَالَ فِي الْحَج ﴿وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى﴾ وَقَالَ فِي الْمَائِدَة ﴿والصابئون وَالنَّصَارَى﴾ لِأَن النَّصَارَى مقدمون على الصابئين فِي الرُّتْبَة لأَنهم أهل كتاب فَقَدمهُمْ فِي الْبَقَرَة والصابئون مقدمون على النَّصَارَى فِي الزَّمَان لأَنهم كَانُوا قبلهم فَقَدمهُمْ فِي الْحَج وداعى فِي الْمَائِدَة بَين المعنين وَقَدَّمَهُمْ فِي اللَّفْظ وأخرهم فِي التَّقْدِير لِأَن تَقْدِيره والصابئون فِي كَذَلِك قَالَ الشَّاعِر فَإِن يَك أَمْسَى بِالْمَدِينَةِ رَحْله ... فَإِنِّي وقيار بهَا لغريب

стр. 14

أَرَادَ إِنِّي لغريب وقيار كَذَلِك فَتَأمل فِيهَا وَفِي أَمْثَالهَا يظْهر لَك إعجاز الْقُرْآن ٢١ - قَوْله ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ وَفِي آل عمرَان ﴿أَيَّامًا معدودات﴾ لِأَن الأَصْل فِي الْجمع إِذا كَانَ واحده مذكرا أَن يقْتَصر فِي الْوَصْف على التَّأْنِيث نَحْو قَوْله ﴿سرر مَرْفُوعَة وأكواب مَوْضُوعَة ونمارق مصفوفة وزرابي مبثوثة﴾ : ١٣ ١٦ وَقد يَأْتِي سرر مرفوعات على تَقْدِير ثَلَاث سرر مَرْفُوعَة وتسع سرر مرفوعات إِلَّا أَنه لَيْسَ بِالْأَصْلِ فجَاء فِي الْبَقَرَة على الأَصْل وَفِي آل عمرَان على الْفَرْع وَقَوله ﴿فِي أَيَّام معدودات﴾ أَي فِي سَاعَات أَيَّام معدودات وَكَذَلِكَ ﴿فِي أَيَّام مَعْلُومَات﴾ ٢٢ - قَوْله ﴿فتمنوا الْمَوْت إِن كُنْتُم صَادِقين﴾ ﴿وَلنْ يَتَمَنَّوْهُ﴾ وَفِي الْجُمُعَة ﴿وَلَا يتمنونه﴾ لِأَن دَعوَاهُم فِي هَذِه السُّورَة بَالِغَة قَاطِعَة وَهِي كَون الْجنَّة ﴿لَهُم﴾ بِصفة الخلوص فَبَالغ فِي الرَّد عَلَيْهِم بلن وَهُوَ أبلغ أَلْفَاظ النَّفْي ودعواهم فِي الْجُمُعَة قَاصِرَة مترددة وَهِي زعمهم أَنهم أَوْلِيَاء الله فاقتصر على ﴿لَا﴾ ٢٣ - قَوْله ﴿بل أَكْثَرهم لَا يُؤمنُونَ﴾ وَفِي غَيرهَا ﴿لَا يعْقلُونَ﴾ ﴿لَا يعلمُونَ﴾ لأَنهم بَين نَاقض عهد وجاحد حق إِلَّا الْقَلِيل مِنْهُم عبد الله بن سَلام وَأَصْحَابه وَلم يَأْتِ هَذَانِ المعنيان مَعًا فِي غير هَذِه السُّورَة

стр. 15

٢٤ - قَوْله ﴿وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم﴾ وفيهَا أَيْضا ﴿من بعد مَا جَاءَك من الْعلم﴾ فَجعل مَكَان قَول ﴿الَّذِي﴾ ﴿مَا﴾ وَزَاد فِي أَوله ﴿من﴾ لِأَن الْعلم فِي الْآيَة الأولى علم بالكمال وَلَيْسَ وَرَاءه علم لِأَن مَعْنَاهُ بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم بِاللَّه وَصِفَاته وَبِأَن الْهدى هدى الله وَمَعْنَاهُ بِأَن دين الله الْإِسْلَام وَأَن الْقُرْآن كَلَام الله فَكَانَ لفظ ﴿الَّذِي﴾ أليق بِهِ من لفظ ﴿مَا﴾ لِأَنَّهُ فِي التَّعْرِيف أبلغ وَفِي الْوَصْف أقعد لِأَن ﴿الَّذِي﴾ تعرفه صلته فَلَا يتنكر قطّ وتتقدمه أَسمَاء الْإِشَارَة نَحْو قَوْله ﴿أم من هَذَا الَّذِي هُوَ جند لكم﴾ ﴿أم من هَذَا الَّذِي يرزقكم﴾ فيكتنف ﴿الَّذِي﴾ بيانان هما الْإِشَارَة قبلهَا والصلة بعْدهَا وَيلْزمهُ الْألف وَاللَّام ويثنى وَيجمع وَلَيْسَ لما شَيْء من ذَلِك لِأَنَّهُ يتنكر مرّة ويتعرف أُخْرَى وَلَا يَقع وَصفا لأسماء الْإِشَارَة وَلَا تدخله الْألف وَاللَّام وَلَا يثنى وَلَا يجمع وَخص الثَّانِي ﴿بِمَا﴾ لِأَن الْمَعْنى من بعد مَا جَاءَك من الْعلم بِأَن قبْلَة الله هِيَ الْكَعْبَة وَذَلِكَ قَلِيل من كثير من الْعلم وزيدت مَعَه ﴿من﴾ الَّتِي لابتداء الْغَايَة لِأَن تَقْدِيره من الْوَقْت الَّذِي جَاءَك فِيهِ الْعلم بالقبلة لِأَن الْقبْلَة الأولى نسخت بِهَذِهِ الْآيَة وَلَيْسَت الأولى مُؤَقَّتَة بِوَقْت وَقَالَ فِي سُورَة الرَّعْد ﴿بعد مَا جَاءَك﴾ فَعبر بِلَفْظ ﴿مَا﴾ وَلم يزدْ ﴿من﴾ لِأَن الْعلم هُنَا هُوَ الحكم الْعَرَبِيّ أَي

стр. 16

الْقُرْآن فَكَانَ بَعْضًا من الأول وَلم يزدْ فِيهِ ﴿من﴾ لِأَنَّهُ غير مُؤَقّت وَقَرِيب من معنى الْقبْلَة مَا فِي آل عمرَان ﴿من بعد مَا جَاءَك من الْعلم﴾ فَهَذَا جَاءَ بِلَفْظ ﴿مَا﴾ وزيدت فِيهِ ﴿من﴾ ٢٥ - قَوْله ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا﴾ هَذِه الْآيَة وَالَّتِي قبلهَا متكررتان وَإِنَّمَا كررت لِأَن كل وَاحِدَة مِنْهُمَا صادفت مَعْصِيّة تَقْتَضِي تَنْبِيها ووعظا لِأَن كل وَاحِدَة وَقعت فِي غير وَقت الْأُخْرَى وَالْمَعْصِيَة الأول ﴿أتأمرون النَّاس بِالْبرِّ وتنسون أَنفسكُم﴾ وَالثَّانيَِة ﴿وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم﴾ ٢٦ - قَوْله ﴿رب اجْعَل هَذَا بَلَدا آمنا﴾ وَفِي إِبْرَاهِيم ﴿هَذَا الْبَلَد آمنا﴾ لِأَن ﴿هَذَا﴾ هُنَا إِشَارَة إِلَى الْمَذْكُور فِي قَوْله ﴿بواد غير ذِي زرع﴾ قبل بِنَاء الْكَعْبَة وَفِي إِبْرَاهِيم إِشَارَة إِلَى الْبَلَد بعد الْكَعْبَة فَيكون ﴿بَلَدا﴾ فِي هَذِه السُّورَة الْمَفْعُول الثَّانِي و ﴿آمنا﴾ صفته ﴿وَهَذَا الْبَلَد﴾ فِي إِبْرَاهِيم الْمَفْعُول الأول و ﴿آمنا﴾ الْمَفْعُول الثَّانِي

стр. 17

وَقيل لِأَن النكرَة إِذا تَكَرَّرت صَارَت معرفَة وَقيل تَقْدِيره فِي الْبَقَرَة البلدا بَلَدا آمنا فَحذف اكْتِفَاء بِالْإِشَارَةِ فَتكون الْآيَتَانِ سَوَاء ٢٧ - قَوْله ﴿وَمَا أنزل إِلَيْنَا﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي آل عمرَان ﴿علينا﴾ لِأَن ﴿إِلَى﴾ للانتهاء إِلَى الشَّيْء من أَي جِهَة كَانَت والكتب منتهية إِلَى الْأَنْبِيَاء وَإِلَى أممهم جَمِيعًا وَالْخطاب فِي هَذِه السُّورَة لهَذِهِ الْأمة لقَوْله تَعَالَى ﴿قُولُوا﴾ فَلم يَصح إِلَى ﴿إِلَى﴾ و ﴿على﴾ مُخْتَصّ بِجَانِب الفوق وَهُوَ مُخْتَصّ بالأنبياء لِأَن الْكتب منزلَة عَلَيْهِم لَا شركَة للْأمة فِيهَا وَفِي آل عمرَان ﴿قل﴾ وَهُوَ مُخْتَصّ بِالنَّبِيِّ ﷺ دون أمته فَكَانَ الَّذِي يَلِيق بِهِ ﴿على﴾ وَزَاد فِي هَذِه السُّورَة ﴿وَمَا أُوتِيَ﴾ وَحذف من آل عمرَان لِأَن فِي آل عمرَان قد تقدم ذكر الْأَنْبِيَاء حَيْثُ قَالَ ﴿وَإِذ أَخذ الله مِيثَاق النَّبِيين لما آتيتكم من كتاب وَحِكْمَة﴾ ٢٨ - قَوْله ﴿وَمن حَيْثُ خرجت﴾ هَذِه الْآيَة مكررة ثَلَاث مَرَّات قيل إِن الأولى لنسخ الْقبْلَة وَالثَّانيَِة للسبب وَهُوَ قَوْله ﴿وَإنَّهُ للحق من رَبك﴾ وَالثَّالِثَة لِلْعِلَّةِ وَهُوَ قَوْله ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس عَلَيْكُم حجَّة﴾ وَقيل الأولى فِي مَسْجِد الْمَدِينَة وَالثَّانيَِة خَارج الْمَسْجِد وَالثَّالِثَة خَارج الْبَلَد

стр. 18

وَقيل فِي الْآيَات خروجان خُرُوج إِلَى مَكَان ترى فِيهِ الْقبْلَة وَخُرُوج إِلَى مَكَان لَا ترى أَي الحالتان فِيهِ سَوَاء قلت إِنَّمَا كرر لِأَن المُرَاد بذلك الْحَال وَالْمَكَان وَالزَّمَان وَقلت فِي الْآيَة الأولى ﴿وَمن حَيْثُ خرجت﴾ وَلَيْسَ فِيهَا ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم﴾ فَجمع فِي الْآيَة الثَّالِثَة بَين قَوْله ﴿حَيْثُ خرجت﴾ ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُم﴾ ليعلم أَن للنَّبِي وَالْمُؤمنِينَ فِي ذَلِك سَوَاء ٢٩ - قَوْله ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا وَأَصْلحُوا وبينوا﴾ لَيْسَ فِي هَذِه ﴿من بعد ذَلِك﴾ وَفِي غَيرهَا ﴿من بعد ذَلِك﴾ لِأَن قبله هُنَا ﴿من بعد مَا بَيناهُ﴾ فَلَو أعَاد الْتبس ٣٠ - قَوْله ﴿لآيَات لقوم يعْقلُونَ﴾ خص الْعقل بِالذكر لِأَن بِهِ يتَوَصَّل إِلَى معرفَة الْآيَات وَمثله فِي الرَّعْد ٤ والنحل ١٢ والنور ٦١ وَالروم ٢٤ ٣١ - قَوْله ﴿مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي الْمَائِدَة ٤ ٧ ولقمان ٢١ ﴿مَا وجدنَا﴾ لِأَن ألفيت يتَعَدَّى إِلَى مفعولين تَقول ألفيت زيدا قَائِما وألفيت عمرا على كَذَا وَوجدت يتَعَدَّى مرّة إِلَى مفعول وَاحِد تَقول وجدت الضَّالة وَمرَّة إِلَى مفعولين تَقول وجدت زيدا جَالِسا فَهُوَ مُشْتَرك فَكَانَ الْموضع الأول بِاللَّفْظِ الْأَخَص أولى لِأَن غَيره إِذا وَقع موقعه فِي الثَّانِي وَالثَّالِث علم أَنه بِمَعْنَاهُ

стр. 19

٣٢ - قَوْله ﴿أَو لَو كَانَ آباؤهم لَا يعلمُونَ شَيْئا﴾ وَفِي الْمَائِدَة ﴿لَا يعلمُونَ﴾ لِأَن الْعلم أبلغ دَرَجَة من الْعقل وَلِهَذَا جَازَ وصف الله بِهِ وَلم يجز وَصفه بِالْعقلِ فَكَانَت دَعوَاهُم فِي الْمَائِدَة أبلغ لقَولهم ﴿حَسبنَا مَا وجدنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ فَادعوا النِّهَايَة بِلَفْظ ﴿حَسبنَا﴾ فنفى ذَلِك بِالْعلمِ وَهُوَ النِّهَايَة وَقَالَ فِي الْبَقَرَة ﴿بل نتبع مَا ألفينا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ وَلم تكن النِّهَايَة فنفى بِمَا هُوَ دون الْعلم لتَكون كل دَعْوَى منفية بِمَا يلائمها وَالله أعلم ٣٣ - قَوْله ﴿وَمَا أهل بِهِ لغير الله﴾ قدم ﴿بِهِ﴾ فِي هَذِه السُّورَة وأخرها فِي الْمَائِدَة ٣ والأنعام ١٤٥ والنحل ١١٥ لِأَن تَقْدِيم الْبَاء الأَصْل فَإِنَّهَا تجْرِي مجْرى الْهمزَة وَالتَّشْدِيد فِي التَّعَدِّي فَكَانَت كحرف من الْفِعْل فَكَانَ الْموضع الأول أولى بِمَا هُوَ الأَصْل ليعلم مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظ ثمَّ قدم فِيمَا سواهَا مَا هُوَ المستنكر وَهُوَ الذّبْح لغير الله وَتَقْدِيم مَا هُوَ الْغَرَض أولى وَلِهَذَا جَازَ تَقْدِيم الْمَفْعُول على الْفَاعِل وَالْحَال على ذِي الْحَال والظرف على الْعَامِل فِيهِ إِذا كَانَ ذَلِك أَكثر للغرض فِي الْإِخْبَار ٣٤ - قَوْله فِي هَذِه السُّورَة ﴿فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ وَفِي السُّور الثَّلَاث بحذفها لِأَنَّهُ لما قَالَ فِي الْموضع الأول ﴿فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ صَرِيحًا كَانَ نفي الْإِثْم فِي غَيره تضمينا لِأَن قَوْله ﴿

стр. 20

غَفُور رَحِيم﴾ يدل على أَنه لَا إِثْم عَلَيْهِ ٣٥ - قَوْله ﴿إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ فِي هَذِه السُّورَة خلاف سُورَة الْأَنْعَام فَإِن فِيهَا ﴿فَإِن رَبك غَفُور رَحِيم﴾ لِأَن لفظ الرب تكَرر فِي الْأَنْعَام مَرَّات وَلِأَن فِي الْأَنْعَام قَوْله ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات﴾ الْآيَة وفيهَا ذكر الْحُبُوب وَالثِّمَار وأتبعها بِذكر الْحَيَوَان من الضَّأْن والمعز وَالْإِبِل وَبهَا تربية الْأَجْسَام فَكَانَ ذكر الرب فِيهَا أليق ٣٦ - قَوْله ﴿إِن الَّذين يكتمون مَا أنزل الله من الْكتاب ويشترون بِهِ ثمنا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُون فِي بطونهم إِلَّا النَّار وَلَا يكلمهم الله يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ الْآيَة فِي السُّورَة على هَذَا النسق وَفِي آل عمرَان ﴿أُولَئِكَ لَا خلاق لَهُم فِي الْآخِرَة وَلَا يكلمهم الله وَلَا ينظر إِلَيْهِم يَوْم الْقِيَامَة وَلَا يزكيهم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ لِأَن الْمُنكر فِي هَذِه السُّورَة أَكثر فالمتوعد فِيهَا أَكثر وَإِن شِئْت قلت زَاد فِي آل عمرَان ﴿وَلَا ينظر إِلَيْهِم﴾

стр. 21

فِي مُقَابلَة ﴿مَا يَأْكُلُون فِي بطونهم إِلَّا النَّار﴾ ٣٧ - قَوْله فِي آيَة الْوَصِيَّة ﴿إِن الله سميع عليم﴾ خص السّمع بِالذكر لما فِي الْآيَة من قَوْله ﴿فَمن بدله بعد مَا سَمعه﴾ ليَكُون مطابقا وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى بعْدهَا ﴿إِن الله غَفُور رَحِيم﴾ لقَوْله قبله ﴿فَلَا إِثْم عَلَيْهِ﴾ فَهُوَ مُطَابق معنى لَهُ ٣٨ - قَوْله ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو على سفر﴾ قيد بقوله ﴿مِنْكُم﴾ وَكَذَلِكَ ﴿فَمن كَانَ مِنْكُم مَرِيضا أَو بِهِ أَذَى من رَأسه﴾ وَلم يُقيد فِي قَوْله ﴿وَمن كَانَ مَرِيضا أَو على سفر﴾ اكْتِفَاء بقوله ﴿فَمن شهد مِنْكُم الشَّهْر فليصمه﴾ لاتصاله بِهِ ٣٩ - قَوْله ﴿تِلْكَ حُدُود الله فَلَا تقربوها﴾ وَقَالَ بعده ﴿تِلْكَ حُدُود الله فَلَا تعتدوها﴾ لِأَن الْحَد الأول نهى وَهُوَ قَوْله ﴿وَلَا تباشروهن وَأَنْتُم عاكفون فِي الْمَسَاجِد﴾ وَمَا كَانَ من الْحُدُود نهيا أَمر بترك المقاربة وَالْحَد الثَّانِي أَمر وَهُوَ بَيَان عدد الطَّلَاق بِخِلَاف مَا كَانَ عَلَيْهِ الْعَرَب من الْمُرَاجَعَة بعد الطَّلَاق من غير عدد وَمَا كَانَ أمرا أَمر بترك الْمُجَاوزَة وَهُوَ الاعتداء ٤٠ - قَوْله ﴿يَسْأَلُونَك عَن الْأَهِلّة﴾ جَمِيع مَا جَاءَ

стр. 22

فِي الْقُرْآن من السُّؤَال وَقع عقبه الْجَواب بِغَيْر الْفَاء إِلَّا فِي قَوْله ﴿ويسألونك عَن الْجبَال فَقل ينسفها رَبِّي﴾ فَإِنَّهُ أُجِيب بِالْفَاءِ لِأَن الْأَجْوِبَة فِي الْجَمِيع كَانَت بعد السُّؤَال وَفِي طه قبل وُقُوع السُّؤَال فَكَأَنَّهُ قيل إِن سُئِلت عَن الْجبَال فَقل ينسفها رَبِّي ٤١ - قَوْله ﴿وَيكون الدّين لله﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي الْأَنْفَال ﴿وَيكون الدّين كُله لله﴾ لِأَن الْقِتَال فِي هَذِه السُّورَة مَعَ أهل مَكَّة وَفِي الْأَنْفَال مَعَ جَمِيع الْكفَّار فقيده بقوله ﴿كُله﴾ ٤٢ - قَوْله ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يأتكم مثل الَّذين خلوا من قبلكُمْ﴾ وَقَالَ فِي آل عمرَان ﴿أم حسبتم أَن تدْخلُوا الْجنَّة وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم وَيعلم الصابرين﴾ وَقَالَ فِي التَّوْبَة ﴿أم حسبتم أَن تتركوا وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم﴾ الْآيَة الْخَطِيب أطنب فِي هَذِه الْآيَات ومحصول كَلَامه أَن الأول للنَّبِي وَالْمُؤمنِينَ وَالثَّانِي للْمُؤْمِنين وَالثَّالِث للمخاطبين جَمِيعًا ٤٣ - قَوْله ﴿لَعَلَّكُمْ تتفكرون فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ وَفِي آخر السُّورَة ﴿لَعَلَّكُمْ تتفكرون﴾ وَمثله فِي الْأَنْعَام لِأَنَّهُ لما بَين فِي الأول مفعول التفكر وَهُوَ قَوْله ﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة﴾ حذفه مِمَّا بعده للْعلم بِهِ وَقيل فِي مُتَعَلقَة بقوله ﴿يبين الله لكم الْآيَات لَعَلَّكُمْ تتفكرون﴾ ٤٤ -

стр. 23

قَوْله ﴿وَلَا تنْكِحُوا المشركات﴾ بِفَتْح التَّاء وَالثَّانِي بضَمهَا لِأَن الأول من نكحت وَالثَّانِي من أنكحت وَهُوَ يتَعَدَّى إِلَى مفعولين وَالْمَفْعُول الأول فِي الْآيَة الْمُشْركين وَالثَّانِي مَحْذُوف وَهُوَ الْمُؤْمِنَات أَي لَا تنْكِحُوا الْمُشْركين النِّسَاء الْمُؤْمِنَات حَتَّى يُؤمنُوا ٤٥ - قَوْله ﴿وَلَا تمسكوهن﴾ أَجمعُوا على تخفيفه إِلَّا شاذا وَمَا فِي عير هَذِه السُّورَة قرئَ بِالْوَجْهَيْنِ لِأَن قبله ﴿فأمسكوهن﴾ وَقبل ذَلِك ﴿فإمساك﴾ فَاقْتضى ذَلِك التَّخْفِيف ٤٦ - قَوْله ﴿ذَلِك يوعظ بِهِ من كَانَ مِنْكُم﴾ وَفِي الطَّلَاق ﴿ذَلِكُم يوعظ بِهِ من كَانَ يُؤمن﴾ الْكَاف فِي ذَلِك لمُجَرّد الْخطاب لَا مَحل لَهُ من الْإِعْرَاب فَجَاز الِاخْتِصَار على التَّوْحِيد وَجَاز إجراؤه على عدد المخاطبين وَمثله ﴿عَفَوْنَا عَنْكُم من بعد ذَلِك﴾ وَقيل حَيْثُ جَاءَ موحدا فالخطاب للنَّبِي ﷺ وَخص بِالتَّوْحِيدِ فِي هَذِه السُّورَة لقَوْله ﴿من كَانَ مِنْكُم﴾ وَجمع فِي الطَّلَاق لما لم يكن بعده ﴿مِنْكُم﴾ ٤٧ - قَوْله ﴿فَلَا جنَاح عَلَيْكُم فِيمَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ

стр. 24

بِالْمَعْرُوفِ﴾ وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى من مَعْرُوف ٢٤٠ لِأَن تَقْدِير الأول فِيمَا فعلن بِأَمْر الله وَهُوَ الْمَعْرُوف وَالثَّانِي فِيمَا فعلن فِي أَنْفسهنَّ فعلا من أفعالهن مَعْرُوفا أَي جَازَ فعله شرعا قَالَ أَبُو مُسلم حاكيا عَن الْخَطِيب إِنَّمَا جَاءَ الْمَعْرُوف الأول معرف اللَّفْظ لِأَن الْمَعْنى بِالْوَجْهِ الْمَعْرُوف من الشَّرْع لَهُنَّ وَهُوَ الْوَجْه الَّذِي دلّ الله عَلَيْهِ وأبانه وَالثَّانِي كَانَ وَجها من الْوُجُوه الَّتِي لَهُنَّ أَن يأتينه فَأخْرج مخرج النكرَة لذَلِك قلت النكرَة إِذا تَكَرَّرت صَارَت معرفَة فَإِن قيل كَيفَ يَصح مَا قلت وَالْأول معرفَة وَالثَّانِي نكرَة وَمَا ذهبت إِلَيْهِ يَقْتَضِي ضد هَذَا بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿كَمَا أرسلنَا إِلَى فِرْعَوْن رَسُولا﴾ ﴿فعصى فِرْعَوْن الرَّسُول﴾ فَالْجَوَاب أَن هَذِه الْآيَة بِإِجْمَاع من الْمُفَسّرين مُقَدّمَة على تِلْكَ الْآيَة فِي النُّزُول وَإِن وَقعت مُتَأَخِّرَة فِي التِّلَاوَة وَلِهَذَا نَظِير فِي الْقُرْآن فِي مَوضِع آخر أَو موضِعين وَقد سبق بَيَانه وَأَجْمعُوا أَيْضا على أَن هَذِه الْآيَة مَنْسُوخَة بِتِلْكَ الْآيَة والمنسوخ سَابق على النَّاسِخ ضَرُورَة فصح مَا ذكرت أَن قَوْله

стр. 25

بِالْمَعْرُوفِ هُوَ مَا ذكر فِي قَوْله من مَعْرُوف فَتَأمل فِيهِ فَإِن هَذَا دَلِيل على إعجاز الْقُرْآن ٤٨ - قَوْله ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا﴾ كرر هُنَا تَأْكِيدًا وَقيل لَيْسَ بتكرار لِأَن الأول للْجَمَاعَة وَالثَّانِي للْمُؤْمِنين وَقيل كرر تَكْذِيبًا لمن زعم أَن ذَلِك لم يكن بِمَشِيئَة الله تَعَالَى ٤٩ - قَوْله ﴿وَيكفر عَنْكُم من سَيِّئَاتكُمْ﴾ فِي هَذِه السُّورَة بِزِيَادَة ﴿من﴾ مُوَافقَة لما بعْدهَا لِأَن بعْدهَا ثَلَاث آيَات فِيهَا ﴿من﴾ على التوالي وَهِي قَوْله ﴿وَمَا تنفقوا من خير﴾ ثَلَاث مَرَّات ٥٠ - قَوْله ﴿فَيغْفر لمن يَشَاء ويعذب من يَشَاء﴾ ﴿يغْفر﴾ مقدم فِي هَذِه السُّورَة وَغَيرهَا إِلَّا فِي الْمَائِدَة فَإِن فِيهَا ﴿يعذب من يَشَاء وَيغْفر﴾ لِأَنَّهَا نزلت بعْدهَا فِي حق السَّارِق والسارقة وعذابهما يَقع فِي الدُّنْيَا فَقدم لفظ الْعَذَاب وَفِي غَيرهَا

стр. 26

قدم لفظ الْمَغْفِرَة رَحْمَة مِنْهُ تَعَالَى وترغيبا للعباد فِي المسارعة إِلَى مُوجبَات الْمَغْفِرَة جعلنَا الله تَعَالَى مِنْهُم يمنه وَكَرمه سُورَة آل عمرَان ٥١ - قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّك جَامع النَّاس ليَوْم لَا ريب فِيهِ إِن الله لَا يخلف الميعاد﴾ أَو السُّورَة وَفِي آخرهَا ﴿إِنَّك لَا تخلف الميعاد﴾ فَعدل من الْخطاب إِلَى لفظ الْغَيْبَة فِي أول السُّورَة وَاسْتمرّ على الْخطاب فِي آخرهَا لِأَن مَا فِي أول السُّورَة لَا يتَّصل بالْكلَام الأول كاتصال مَا فِي آخرهَا فَإِن اتِّصَال قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الله لَا يخلف الميعاد﴾ بقوله ﴿إِنَّك جَامع النَّاس ليَوْم لَا ريب فِيهِ﴾ معنوي واتصال قَوْله ﴿إِنَّك لَا تخلف الميعاد﴾ بقوله ﴿رَبنَا وآتنا مَا وعدتنا﴾ لَفْظِي ومعنوي جَمِيعًا لتقدم لفظ الْوَعْد وَيجوز أَن يكون الأول استئنافا وَالْآخر من تَمام الْكَلَام ٥٢ - قَوْله ﴿كدأب آل فِرْعَوْن وَالَّذين من قبلهم كذبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخذهُم الله﴾ كَانَ الْقيَاس فأخذناهم لَكِن لما عدل فِي الْآيَة الأولى إِلَى قَوْله ﴿إِن الله لَا يخلف الميعاد﴾ عدل فِي هَذِه الْآيَة أَيْضا لتَكون الْآيَات على مَنْهَج وَاحِد ٥٣ - قَوْله ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ ثمَّ كرر فِي هَذِه الْآيَة فَقَالَ ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ لِأَن الأول جرى مجْرى الشَّهَادَة وَأَعَادَهُ ليجري الثَّانِي مجْرى الحكم بِصِحَّة مَا شهد بِهِ الشُّهُود

стр. 27

٥٤ - قَوْله ﴿ويحذركم الله نَفسه﴾ كَرَّرَه مرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ وَعِيد عطف عَلَيْهِ وَعِيد آخر فِي الْآيَة الأولى فَإِن قَوْله ﴿وَإِلَى الله الْمصير﴾ مَعْنَاهُ مصيركم إِلَى الله وَالْعَذَاب معد لَدَيْهِ فاستدركه فِي الْآيَة الثَّانِيَة بوعد وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالله رؤوف بالعباد﴾ والرأفة أَشد من الرَّحْمَة وَقيل من رأفته تحذيره ٥٥ - قَوْله ﴿قَالَ رب أَنى يكون لي غُلَام وَقد بَلغنِي الْكبر وامرأتي عَاقِر﴾ قدم فِي هَذِه السُّورَة ذكر الْكبر وَأخر ذكر الْمَرْأَة وَقَالَ فِي سُورَة مَرْيَم ﴿وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا وَقد بلغت من الْكبر عتيا﴾ فَقدم ذكر الْمَرْأَة لِأَن فِي مَرْيَم قد تقدم ذكر الْكبر فِي قَوْله ﴿وَهن الْعظم مني﴾ وَتَأَخر ذكر الْمَرْأَة فِي قَوْله ﴿وَإِنِّي خفت الموَالِي من ورائي وَكَانَت امْرَأَتي عاقرا﴾ ثمَّ أعَاد ذكرهَا فَأخر ذكر الْكبر ليُوَافق ﴿عتيا﴾ مَا بعده من الْآيَات وَهِي ﴿سويا﴾ و ﴿عشيا﴾ و ﴿صَبيا﴾ ٥٦ - قَوْله ﴿قَالَت رب أَنى يكون لي ولد﴾ وَفِي مَرْيَم ﴿قَالَ رب أَنى يكون لي غُلَام﴾ لِأَن فِي هَذِه السُّورَة تقدم ذكر الْمَسِيح وَهُوَ وَلَدهَا وَفِي مَرْيَم تقدم ذكر الْغُلَام حَيْثُ قَالَ ﴿لأهب لَك غُلَاما زكيا﴾ ٥٧ - قَوْله ﴿فأنفخ فِيهِ﴾ وَفِي الْمَائِدَة ﴿فتنفخ فِيهَا﴾ قيل الضَّمِير فِي هَذِه السُّورَة يعود إِلَى الطير وَقيل

стр. 28

إِلَى الطين وَقيل إِلَى المهيأ وَقيل إِلَى الْكَاف فَإِنَّهُ فِي معنى مثل وَفِي الْمَائِدَة يعود إِلَى الْهَيْئَة وَهَذَا جَوَاب التَّذْكِير والتأنيث لَا جَوَاب التَّخْصِيص وَإِنَّمَا الْكَلَام وَقع فِي التَّخْصِيص وَهل يجوز أَن يكون كل وَاحِد مِنْهُمَا مَكَان الآخر أم لَا فَالْجَوَاب أَن يُقَال فِي هَذِه السُّورَة إِخْبَار قبل الْفِعْل فوحده وَفِي الْمَائِدَة خطاب من الله تَعَالَى لَهُ يَوْم الْقِيَامَة وَقد تقدم من عِيسَى ﵇ الْفِعْل مَرَّات وَالطير صَالح للْوَاحِد وَصَالح للْجَمِيع ٥٨ - قَوْله ﴿بِإِذن الله﴾ ذكر فِي هَذِه الْآيَة مرَّتَيْنِ وَقَالَ فِي الْمَائِدَة ﴿بإذني﴾ أَربع مَرَّات لِأَن مَا فِي هَذِه السُّورَة كَلَام عِيسَى فَمَا يتَصَوَّر أَن يكون من فعل الْبشر أَضَافَهُ إِلَى نَفسه وَهُوَ الْخلق الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِير والنفخ الَّذِي هُوَ إِخْرَاج الرّيح من الْفَم وَمَا يتَصَوَّر إِضَافَته إِلَى الله تَعَالَى أَضَافَهُ إِلَيْهِ وَهُوَ قَوْله ﴿فَيكون طيرا بِإِذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص﴾ بِمَا يكون فِي طوق الْبشر فَإِن الأكمة عِنْد بعض الْمُفَسّرين الْأَعْمَش وَعند بَعضهم الْأَعْشَى وَعند بَعضهم الَّذِي يُولد أعمى وإحياء الْمَوْتَى من فعل الله فأضافه إِلَيْهِ وَمَا فِي الْمَائِدَة من كَلَام الله فأضاف جَمِيع ذَلِك إِلَى صنعه إِظْهَارًا لعجز الْبشر وَلِأَن فعل العَبْد مَخْلُوق لله تَعَالَى وَقيل ﴿بِإِذن الله﴾ يعود إِلَى الْأَفْعَال الثَّلَاثَة وَكَذَلِكَ

стр. 29

الثَّانِي يعود إِلَى الثَّلَاثَة الْأُخْرَى ٥٩ - قَوْله ﴿إِن الله رَبِّي وربكم﴾ وَكَذَلِكَ فِي مَرْيَم ﴿رَبِّي وربكم﴾ وَفِي الزخرف فِي هَذِه الْقِصَّة ﴿إِن الله هُوَ رَبِّي وربكم﴾ بِزِيَادَة هُوَ قَالَ الشَّيْخ إِذا قلت زيد هُوَ قَائِم فَيحْتَمل أَن يكون تَقْدِيره وَعمر قَائِم فَإِذا قلت زيد هُوَ الْقَائِم خصصت الْقيام بِهِ فَهُوَ كَذَلِك فِي الْآيَة وَهَذَا مِثَاله لِأَن هُوَ يذكر فِي مثل هَذِه الْمَوَاضِع إعلاما أَن الْمُبْتَدَأ مَقْصُور على هَذَا الْخَبَر وَهَذَا الْخَبَر مَقْصُور عَلَيْهِ دون غَيره وَالَّذِي فِي آل عمرَان وَقع بعد عشر آيَات من قصَّتهَا وَلَيْسَ كَذَلِك مَا فِي الزخرف فَإِنَّهُ ابْتِدَاء كَلَام مِنْهُ فَحسن التَّأْكِيد بقوله هُوَ ليصير الْمُبْتَدَأ مَقْصُورا على الْخَبَر الْمَذْكُور فِي الْآيَة وَهُوَ إِثْبَات الربوبية وَنفى الْأُبُوَّة تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا ٦٠ - قَوْله ﴿بِأَنا مُسلمُونَ﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي الْمَائِدَة ﴿بأننا﴾ لِأَن مَا فِي الْمَائِدَة أول كَلَام الحواريين فجَاء على الأَصْل وَمَا فِي هَذِه السُّورَة تكْرَار لكلامهم فَجَاز فِيهِ التَّخْفِيف لِأَن التَّخْفِيف فرع والتكرار فرع وَالْفرع بالفرع أولى ٦١ - قَوْله ﴿الْحق من رَبك فَلَا تكن﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي الْبَقَرَة ﴿فَلَا تكونن﴾ لِأَن مَا فِي هَذِه السُّورَة جَاءَ على الأَصْل وَلم يكن فِيهَا مَا أوجب إِدْخَال نون التوكيد فِي الْكَلِمَة بِخِلَاف سُورَة الْبَقَرَة فَإِن فِيهَا فِي أول الْقِصَّة ﴿فلنولينك قبْلَة ترضاها﴾ بنُون التوكيد فَأوجب الازدواج إِدْخَال النُّون فِي الْكَلِمَة فَيصير

стр. 30

التَّقْدِير فلنولينك قبْلَة ترضاها فَلَا تكونن من الممترين وَالْخطاب فِي الْآيَتَيْنِ للنَّبِي ﷺ وَالْمرَاد بِهِ غَيره ٦٢ - قَوْله ﴿قل إِن الْهدى هدى الله﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي الْبَقَرَة ﴿قل إِن هدى الله هُوَ الْهدى﴾ لِأَن الْهدى فِي هَذِه السُّورَة هُوَ الدّين وَقد تقدم فِي قَوْله ﴿لمن تبع دينكُمْ﴾ وَهدى الله الْإِسْلَام فَكَأَنَّهُ قَالَ بعد قَوْلهم ﴿وَلَا تؤمنوا إِلَّا لمن تبع دينكُمْ﴾ قل إِن الدّين عِنْد الله الْإِسْلَام كَمَا سبق فِي أول السُّورَة وَالَّذِي فِي الْبَقَرَة مَعْنَاهُ الْقبْلَة لِأَن الْآيَة نزلت فِي تَحْويل الْقبْلَة وَتَقْدِيره قل إِن قبْلَة الله هِيَ الْكَعْبَة ٦٣ - قَوْله ﴿من آمن تَبْغُونَهَا عوجا﴾ لَيْسَ هَهُنَا بِهِ وَلَا وَاو الْعَطف وَفِي الْأَعْرَاف ﴿من آمن بِهِ وتبغونها﴾ بِزِيَادَة بِهِ وواو الْعَطف لِأَن الْقيَاس آمن بِهِ كَمَا فِي الْأَعْرَاف لَكِنَّهَا حذفت فِي هَذِه السُّورَة مُوَافقَة لقَوْله ﴿وَمن كفر﴾ فَإِن الْقيَاس فِيهِ أَيْضا كفر بِهِ وَقَوله ﴿تَبْغُونَهَا عوجا﴾ هَهُنَا حَال وَالْوَاو لَا تزداد مَعَ الْفِعْل إِذا وَقع حَالا نَحْو قَوْله ﴿وَلَا تمنن تستكثر﴾ و ﴿دَابَّة الأَرْض تَأْكُل منسأته﴾ وَغير ذَلِك وَفِي الْأَعْرَاف عطف على الْحَال وَالْحَال قَوْله ﴿توعدون﴾ و ﴿تصدُّونَ﴾ عطف عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ ﴿تَبْغُونَهَا عوجا﴾ ٦٤ - قَوْله ﴿وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى لكم ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ هَهُنَا بِإِثْبَات ﴿لكم﴾ وَتَأْخِير ﴿بِهِ﴾ وَحذف ﴿إِن الله﴾ وَفِي الْأَنْفَال ١٠ بِحَذْف لكم وَتَقْدِيم بِهِ وَإِثْبَات إِن الله لِأَن الْبُشْرَى هُنَا للمخاطبين فَبين وَقَالَ لكم وَفِي الْأَنْفَال قد تقدم

стр. 31

لكم فِي قَوْله ﴿فَاسْتَجَاب لكم﴾ فَاكْتفى بذلك وَقدم ﴿قُلُوبكُمْ﴾ هُنَا وَأخر ﴿بِهِ﴾ ازدواجا بَين المخاطبين فَقَالَ ﴿وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى لكم ولتطمئن قُلُوبكُمْ بِهِ﴾ وَقدم ﴿بِهِ﴾ فِي الْأَنْفَال ازدواجا بَين الغائبين فَقَالَ ﴿وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى ولتطمئن بِهِ قُلُوبكُمْ﴾ وَحذف ﴿إِن الله﴾ هَهُنَا لِأَن مَا فِي الْأَنْفَال قصَّة بدر وَهِي سَابِقَة على مَا فِي هَذِه السُّورَة فَإِنَّهَا فِي قصَّة أحد وَأخْبر هُنَاكَ بِأَن الله عَزِيز حَكِيم وَجعله فِي هَذِه السُّورَة صفة لِأَن الْخَبَر قد سبق ٦٥ - قَوْله ﴿وَنعم أجر العاملين﴾ بِزِيَادَة الْوَاو لِأَن الِاتِّصَال بِمَا قبلهَا أَكثر من غَيرهَا وَتَقْدِيره وَنعم أجر العاملين الْمَغْفِرَة والجنات وَالْخُلُود ٦٦ - قَوْله ﴿رَسُولا من أنفسهم﴾ بِزِيَادَة الْأَنْفس وَفِي غَيرهَا ﴿رَسُولا مِنْكُم﴾ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ من على الْمُؤمنِينَ

стр. 32

بِهِ فَجعله من أنفسهم ليَكُون مُوجب الْمِنَّة أظهر وَكَذَلِكَ قَوْله ﴿لقد جَاءَكُم رَسُول من أَنفسكُم﴾ لما وَصفه بقوله ﴿عَزِيز عَلَيْهِ مَا عنتم حَرِيص عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رؤوف رَحِيم﴾ جعله من أنفسهم ليَكُون مُوجب الْإِجَابَة وَالْإِيمَان أظهر وَأبين ٦٧ - قَوْله ﴿جاؤوا بِالْبَيِّنَاتِ والزبر وَالْكتاب الْمُنِير﴾ هَهُنَا بباء وَاحِدَة إِلَّا فِي قِرَاءَة ابْن عَامر وَفِي فاطر ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وبالزبر وبالكتاب﴾ بِثَلَاثَة باءات لِأَنَّهُ فِي هَذِه السُّورَة وَقع فِي كَلَام مَبْنِيّ على الِاخْتِصَار وَهُوَ إِقَامَة لفظ الْمَاضِي فِي الشَّرْط مقَام لفظ الْمُسْتَقْبل وَلَفظ الْمَاضِي أخف وَبني الْفِعْل للْمَجْهُول فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر الْفَاعِل وَهُوَ قَوْله ﴿فَإِن كَذبُوك فقد كذب رسل من قبلك﴾ لذَلِك حذفت الباءات ليُوَافق الأول فِي الِاخْتِصَار بِخِلَاف مَا فِي فاطر فَإِن الشَّرْط فِيهِ بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل وَالْفَاعِل مَذْكُور مَعَ الْفِعْل وَهُوَ قَوْله ﴿وَإِن يُكذِّبُوك فقد كذب الَّذين من قبلهم﴾ ثمَّ ذكر بعْدهَا الباءات ليَكُون كُله على نسق وَاحِد ٦٨ - قَوْله ﴿ثمَّ مأواهم جَهَنَّم﴾ هَهُنَا وَفِي غَيرهَا ﴿ومأواهم جَهَنَّم﴾ و٦٦ ٩ لِأَن مَا قبلهَا فِي هَذِه السُّورَة ﴿لَا يغرنك تقلب الَّذين كفرُوا فِي الْبِلَاد﴾ ﴿مَتَاع قَلِيل﴾ أَي ذَلِك مَتَاع فِي الدُّنْيَا قَلِيل والقليل يدل على تراخ وَإِن صغر وَقل وَثمّ للتراخي فَكَانَ طبقًا لَهُ وَالله تَعَالَى أعلم

стр. 33

سُورَة النِّسَاء ٦٩ - قَوْله فِي هَذِه السُّورَة ﴿وَالله عليم حَلِيم﴾ لَيْسَ غَيره أَي عليم بالمضارة حَلِيم عَن المضادة ٧٠ - قَوْله ﴿خَالِدين فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ بِالْوَاو وَفِي بَرَاءَة ﴿ذَلِك﴾ بِغَيْر وَاو لِأَن الْجُمْلَة إِذا وَقعت بعد جملَة أَجْنَبِيَّة لَا تحسن إِلَّا بِحرف الْعَطف وَإِن كَانَ فِي الْجُمْلَة الثَّانِيَة مَا يعود إِلَى الأولى حسن إِثْبَات حرف الْعَطف وَحسن الْحَذف اكْتِفَاء بالعائد وَلَفظ ﴿ذَلِك﴾ فِي الْآيَتَيْنِ يعود إِلَى مَا قبل الْجُمْلَة فَحسن الْحَذف وَالْإِثْبَات فيهمَا ولتخصيص هَذِه السُّورَة بِالْوَاو وَجْهَان لم يَكُونَا فِي بَرَاءَة أَحدهمَا مُوَافقَة لما قبلهَا وَهِي جملَة مبدوءة بِالْوَاو وَذَلِكَ قَوْله ﴿وَمن يطع الله﴾ وَالثَّانِي مُوَافقَة لما بعْدهَا وَهُوَ قَوْله ﴿وَله﴾ بعد قَوْله ﴿خَالِدا فِيهَا﴾ وَفِي بَرَاءَة ﴿أعد الله﴾ بِغَيْر وَاو وَلذَلِك قَالَ ﴿ذَلِك﴾ بِغَيْر وَاو ٧١ - قَوْله ﴿محصنين غير مسافحين﴾ فِي أول

стр. 34

السُّورَة وَبعدهَا ﴿محصنات غير مسافحات وَلَا متخذات أخدان﴾ وَفِي الْمَائِدَة ﴿محصنين غير مسافحين وَلَا متخذي أخدان﴾ لِأَن فِي هَذِه السُّورَة وَقع فِي حق الْأَحْرَار الْمُسلمين فاقتصر على لفظ ﴿غير مسافحين﴾ وَالثَّانيَِة فِي الْجَوَارِي وَمَا فِي الْمَائِدَة فِي الكتابيات فَقَالَ ﴿وَلَا متخذي أخدان﴾ حُرْمَة للحرائر المسلمات لِأَنَّهُنَّ إِلَى الصيانة أقرب وَمن الْخِيَانَة أبعد ولأنهن لَا يتعاطين مَا يتعاطاه الْإِمَاء والكتابيات من اتِّخَاذ الأخذان ٧٢ - قَوْله ﴿فامسحوا بوجوهكم وَأَيْدِيكُمْ﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَزَاد فِي الْمَائِدَة ﴿مِنْهُ﴾ لِأَن الْمَذْكُور فِي هَذِه بعض أَحْكَام الْوضُوء وَالتَّيَمُّم فَحسن الْحَذف وَالْمَذْكُور فِي الْمَائِدَة جَمِيع أحكامهما فَحسن الْإِثْبَات وَالْبَيَان ٧٣ - قَوْله ﴿إِن الله لَا يغْفر أَن يُشْرك بِهِ﴾ ختم الْآيَة مرّة بقوله ﴿فقد افترى﴾ وَمرَّة بقوله ﴿فقد ضل﴾ لِأَن الأول نزل فِي الْيَهُود وهم الَّذين افتروا على الله مَا لَيْسَ فِي كِتَابهمْ وَالثَّانِي نزل فِي الْكفَّار وَلم يكن لَهُم كتاب فَكَانَ ضلالهم أَشد ٧٤ - قَوْله ﴿يَا أَيهَا الَّذين أُوتُوا الْكتاب﴾ وَفِي غَيرهَا ﴿يَا أهل الْكتاب﴾ و٥ ١٩ ٥٩ الخ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ استخف بهم فِي هَذِه الْآيَة وَبَالغ ثمَّ ختم بالطمس ورد

стр. 35

الْوُجُوه على الأدبار واللعن وبأنها كلهَا وَاقعَة بهم ٧٥ - قَوْله ﴿دَرَجَة﴾ ثمَّ فِي الْآيَات الْأُخْرَى ﴿دَرَجَات﴾ و٣ ١٦٣ و٤ ٩٦ و٦ ٨٣ ١٣٢ لِأَن الأولى فِي الدُّنْيَا وَالثَّانِي فِي الْجنَّة وَقيل الأولى الْمنزلَة وَالثَّانيَِة الْمنزل وَهُوَ دَرَجَات وَقيل الأولى على القاعدين بِعُذْر وَالثَّانيَِة على القاعدين بِغَيْر عذر ٧٦ - قَوْله ﴿وَمن يُشَاقق الرَّسُول﴾ بالإظهار فِي هَذِه السُّورَة وَكَذَلِكَ فِي الْأَنْفَال ١٣ وَفِي الْحَشْر بِالْإِدْغَامِ ٤ لِأَن الثَّانِي من المثلين إِذا تحرّك بحركة لَازِمَة وَجب إدغام الأول فِي الثَّانِي أَلا ترى أَنَّك تَقول ارْدُدْ لَهُ بالإظهار وَلَا يجوز ارددا أَو ارددوا أَو ارددي لِأَنَّهَا تحركت بحركة لَازِمَة الْألف وَاللَّام فِي الله لازمتان فَصَارَت حَرَكَة الْقَاف لَازِمَة وَلَيْسَ الْألف وَاللَّام فِي الرَّسُول كَذَلِك وَأما فِي الْأَنْفَال فلانضمام الرَّسُول إِلَيْهِ فِي الْعَطف وَلم يدغم فِيهَا لِأَن التَّقْدِير فِي القافات قد اتَّصل بهما فَإِن الْوَاو توجب ذَلِك

стр. 36

٧٧ - قَوْله ﴿كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله﴾ وَفِي الْمَائِدَة ﴿قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ﴾ لِأَن لله فِي هَذِه السُّورَة مُتَّصِل ومتعلق بِالشَّهَادَةِ بِدَلِيل قَوْله ﴿وَلَو على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين﴾ أَي وَلَو تَشْهَدُون عَلَيْهِم وَفِي الْمَائِدَة مُنْفَصِل ومتعلق بقوامين وَالْخطاب للولاة بِدَلِيل قَوْله ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم﴾ الْآيَة ٧٨ - قَوْله ﴿إِن تبدوا خيرا أَو تُخْفُوهُ﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي الْأَحْزَاب ﴿إِن تبدوا شَيْئا﴾ لِأَن فِي هَذِه السُّورَة وَقع الْخَبَر فِي مُقَابلَة السوء فِي قَوْله ﴿لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء﴾ والمقابلة اقْتَضَت أَن يكون بِإِزَاءِ السوء الْخَيْر وَفِي الْأَحْزَاب وَقع بعْدهَا ﴿لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض﴾ فَاقْتضى الْعُمُوم وأعم الْأَسْمَاء شَيْء ثمَّ ختم الْآيَة بقوله ﴿فَإِن الله كَانَ بِكُل شَيْء عليما﴾ ٧٩ - قَوْله ﴿وَإِن تكفرُوا فَإِن لله مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾

стр. 37

وَسَائِر مَا فِي هَذِه السُّورَة ﴿مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ لِأَن الله سُبْحَانَهُ ذكر أهل الأَرْض فِي هَذِه الْآيَة تبعا لأهل السَّمَوَات وَلم يفردهم بِالذكر لانضمام المخاطبين إِلَيْهِم ودخولهم فِي زمرتهم وهم كفار عَبدة أوثان وَلَيْسوا بمؤمنين وَلَا من أهل الْكتب لقَوْله ﴿وَإِن تكفرُوا﴾ وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسا مطردا بل عَلامَة ٨٠ - قَوْله ﴿يستفتونك﴾ بِغَيْر وَاو لِأَن الأول لما اتَّصل بِمَا بعده وَهُوَ قَوْله ﴿فِي النِّسَاء﴾ وَصله بِمَا قبله بواو الْعَطف والعائد جَمِيعًا وَالثَّانِي لما انْفَصل عَمَّا بعده اقْتصر من الِاتِّصَال على الْعَائِد وَهُوَ ضمير المستفتين وَفِي الْآيَة مُتَّصِل بقوله ﴿يفتيكم﴾ وَلَيْسَ بِمُتَّصِل بقوله ﴿يستفتونك﴾ لِأَن ذَلِك يَسْتَدْعِي ﴿قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ وَالَّذِي يتَّصل يستفتونك مَحْذُوف يحْتَمل أَن يكون فِي الْكَلَالَة وَيحْتَمل أَن يكون فِيمَا بدا لَهُم من الوقائع سُورَة الْمَائِدَة ٨١ - قَوْله ﴿واخشون الْيَوْم﴾ بِحَذْف الْيَاء وَكَذَلِكَ ﴿واخشون وَلَا تشتروا﴾ وَفِي الْبَقَرَة وَغَيرهَا ﴿واخشوني﴾ بالإثبات لِأَن الْإِثْبَات هُوَ الأَصْل

стр. 38

وحذفت الْيَاء من ﴿واخشون الْيَوْم﴾ من الْخط لما حذفت من اللَّفْظ وحذفت من ﴿واخشون وَلَا تشتروا﴾ مُوَافقَة لما قبلهَا ٨٢ - قَوْله ﴿وَاتَّقوا الله إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور﴾ ثمَّ أعَاد فَقَالَ ﴿وَاتَّقوا الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لِأَن الأول وَقع على النِّيَّة وَهِي بِذَات الصُّدُور وَالثَّانِي على الْعَمَل وَعَن ابْن كثير أَن الأولى نزلت فِي الْيَهُود وَلَيْسَ بتكرار ٨٣ - قَوْله ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم مغْفرَة وَأجر عَظِيم﴾ وَقَالَ فِي الْفَتْح ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما﴾ رفع مَا فِي هَذِه السُّورَة مُوَافقَة لفواصل الْآي وَنصب مَا فِي فتح مُوَافقَة للفواصل أَيْضا وَلِأَنَّهُ فِي الْفَتْح مفعول وعد وَفِي مفعول وعد فِي هَذِه السُّورَة أَقْوَال أَحدهَا مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ وعد خلاف مَا دلّ عَلَيْهِ أَو أوعد أَي خيرا وَقَوله ﴿لَهُم مغْفرَة﴾ يفسره وَقيل ﴿لَهُم مغْفرَة﴾ جملَة وَقعت موقع الْمُفْرد ومحلها نصب كَمَا قَالَ الشَّاعِر ... وجدنَا الصَّالِحين لَهُم جَزَاء ... وجنات وعينا سلسبيلا ... فعطف جنَّات على مَحل لَهُم جَزَاء وَقيل رفع على الْحِكَايَة لِأَن الْوَعْد قَول وَتَقْدِيره قَالَ الله لَهُم مغْفرَة وَقيل تَقْدِيره إِن لَهُم مغْفرَة فَحذف إِن فارتفع مَا بعده

стр. 39

٨٤ - قَوْله ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ وَبعده ﴿يحرفُونَ الْكَلم من بعد موَاضعه﴾ لِأَن الأولى فِي أَوَائِل الْيَهُود وَالثَّانيَِة فِيمَن كَانُوا فِي زمن النَّبِي ﷺ أَي حرفوها بعد أَن وَضعهَا الله موَاضعهَا وعرفوها وَعمِلُوا بهَا زَمَانا ٨٥ - قَوْله ﴿ونسوا حظا مِمَّا ذكرُوا بِهِ﴾ كرر لِأَن الأولى فِي الْيَهُود وَالثَّانيَِة فِي حق النَّصَارَى وَالْمعْنَى لم ينالو مِنْهُ نَصِيبا وَقيل مَعْنَاهُ ونسوا نَصِيبا وَقيل مَعْنَاهُ تركُوا بعض مَا أمروا بِهِ ٨٦ - قَوْله ﴿يَا أهل الْكتاب قد جَاءَكُم رَسُولنَا يبين لكم﴾ ثمَّ كررها فَقَالَ ﴿يَا أهل الْكتاب﴾ لِأَن الأولى نزلت فِي الْيَهُود حِين كتموا صفة مُحَمَّد ﷺ وَآيَة الرَّجْم من التَّوْرَاة وَالنَّصَارَى حِين كتموا بِشَارَة عِيسَى بِمُحَمد ﷺ فِي الْإِنْجِيل وَهُوَ قَوْله ﴿يبين لكم كثيرا مِمَّا كُنْتُم تخفون من الْكتاب﴾ ثمَّ كرر فَقَالَ ﴿وَقَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾ فكرر ﴿يَا أهل الْكتاب قد جَاءَكُم رَسُولنَا يبين لكم﴾

стр. 40

أَي شرائعكم فَإِنَّكُم على ضلال لَا يرضاه الله على ﴿فَتْرَة من الرُّسُل﴾ على انْقِطَاع مِنْهُم ودروس مِمَّا جَاءُوا بِهِ وَالله أعلم ٨٧ - قَوْله ﴿وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا يخلق مَا يَشَاء﴾ ثمَّ كرر فَقَالَ ﴿وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَإِلَيْهِ الْمصير﴾ كرر لِأَن الأولى نزلت فِي النَّصَارَى حِين قَالُوا ﴿إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ فَقَالَ ﴿وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ لَيْسَ فيهمَا مَعَه شريك وَلَو كَانَ عِيسَى إِلَهًا لاقتضى أَن يكون مَعَه شَرِيكا ثمَّ من يذب عَن الْمَسِيح وَأمه وَعَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا إِن أَرَادَ إهلاكهم فَإِنَّهُم كلهم مخلوقون لَهُ وَإِن قدرته شَامِلَة عَلَيْهِم وعَلى كل مَا يُرِيد بهم وَالثَّانيَِة نزلت فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى حِين قَالُوا ﴿نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾ فَقَالَ ﴿وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ وَالْأَب لَا يملك ابْنه وَلَا يهلكه وَلَا يعذبه وَأَنْتُم مصيركم إِلَيْهِ فيعذب من يَشَاء مِنْكُم وَيغْفر لمن يَشَاء
следующие страницы →