← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 3580

أسرار التكرار في القرآن = البرهان في توجيه متشابه القرآن

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (196 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

٧٧ - قَوْله ﴿كونُوا قوامين بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لله﴾ وَفِي الْمَائِدَة ﴿قوامين لله شُهَدَاء بِالْقِسْطِ﴾ لِأَن لله فِي هَذِه السُّورَة مُتَّصِل ومتعلق بِالشَّهَادَةِ بِدَلِيل قَوْله ﴿وَلَو على أَنفسكُم أَو الْوَالِدين والأقربين﴾ أَي وَلَو تَشْهَدُون عَلَيْهِم وَفِي الْمَائِدَة مُنْفَصِل ومتعلق بقوامين وَالْخطاب للولاة بِدَلِيل قَوْله ﴿وَلَا يجرمنكم شنآن قوم﴾ الْآيَة ٧٨ - قَوْله ﴿إِن تبدوا خيرا أَو تُخْفُوهُ﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي الْأَحْزَاب ﴿إِن تبدوا شَيْئا﴾ لِأَن فِي هَذِه السُّورَة وَقع الْخَبَر فِي مُقَابلَة السوء فِي قَوْله ﴿لَا يحب الله الْجَهْر بالسوء﴾ والمقابلة اقْتَضَت أَن يكون بِإِزَاءِ السوء الْخَيْر وَفِي الْأَحْزَاب وَقع بعْدهَا ﴿لَئِن لم ينْتَه المُنَافِقُونَ وَالَّذين فِي قُلُوبهم مرض﴾ فَاقْتضى الْعُمُوم وأعم الْأَسْمَاء شَيْء ثمَّ ختم الْآيَة بقوله ﴿فَإِن الله كَانَ بِكُل شَيْء عليما﴾ ٧٩ - قَوْله ﴿وَإِن تكفرُوا فَإِن لله مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾

стр. 37

وَسَائِر مَا فِي هَذِه السُّورَة ﴿مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْض﴾ لِأَن الله سُبْحَانَهُ ذكر أهل الأَرْض فِي هَذِه الْآيَة تبعا لأهل السَّمَوَات وَلم يفردهم بِالذكر لانضمام المخاطبين إِلَيْهِم ودخولهم فِي زمرتهم وهم كفار عَبدة أوثان وَلَيْسوا بمؤمنين وَلَا من أهل الْكتب لقَوْله ﴿وَإِن تكفرُوا﴾ وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسا مطردا بل عَلامَة ٨٠ - قَوْله ﴿يستفتونك﴾ بِغَيْر وَاو لِأَن الأول لما اتَّصل بِمَا بعده وَهُوَ قَوْله ﴿فِي النِّسَاء﴾ وَصله بِمَا قبله بواو الْعَطف والعائد جَمِيعًا وَالثَّانِي لما انْفَصل عَمَّا بعده اقْتصر من الِاتِّصَال على الْعَائِد وَهُوَ ضمير المستفتين وَفِي الْآيَة مُتَّصِل بقوله ﴿يفتيكم﴾ وَلَيْسَ بِمُتَّصِل بقوله ﴿يستفتونك﴾ لِأَن ذَلِك يَسْتَدْعِي ﴿قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ وَالَّذِي يتَّصل يستفتونك مَحْذُوف يحْتَمل أَن يكون فِي الْكَلَالَة وَيحْتَمل أَن يكون فِيمَا بدا لَهُم من الوقائع سُورَة الْمَائِدَة ٨١ - قَوْله ﴿واخشون الْيَوْم﴾ بِحَذْف الْيَاء وَكَذَلِكَ ﴿واخشون وَلَا تشتروا﴾ وَفِي الْبَقَرَة وَغَيرهَا ﴿واخشوني﴾ بالإثبات لِأَن الْإِثْبَات هُوَ الأَصْل

стр. 38

وحذفت الْيَاء من ﴿واخشون الْيَوْم﴾ من الْخط لما حذفت من اللَّفْظ وحذفت من ﴿واخشون وَلَا تشتروا﴾ مُوَافقَة لما قبلهَا ٨٢ - قَوْله ﴿وَاتَّقوا الله إِن الله عليم بِذَات الصُّدُور﴾ ثمَّ أعَاد فَقَالَ ﴿وَاتَّقوا الله إِن الله خَبِير بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لِأَن الأول وَقع على النِّيَّة وَهِي بِذَات الصُّدُور وَالثَّانِي على الْعَمَل وَعَن ابْن كثير أَن الأولى نزلت فِي الْيَهُود وَلَيْسَ بتكرار ٨٣ - قَوْله ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات لَهُم مغْفرَة وَأجر عَظِيم﴾ وَقَالَ فِي الْفَتْح ﴿وعد الله الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات مِنْهُم مغْفرَة وَأَجرا عَظِيما﴾ رفع مَا فِي هَذِه السُّورَة مُوَافقَة لفواصل الْآي وَنصب مَا فِي فتح مُوَافقَة للفواصل أَيْضا وَلِأَنَّهُ فِي الْفَتْح مفعول وعد وَفِي مفعول وعد فِي هَذِه السُّورَة أَقْوَال أَحدهَا مَحْذُوف دلّ عَلَيْهِ وعد خلاف مَا دلّ عَلَيْهِ أَو أوعد أَي خيرا وَقَوله ﴿لَهُم مغْفرَة﴾ يفسره وَقيل ﴿لَهُم مغْفرَة﴾ جملَة وَقعت موقع الْمُفْرد ومحلها نصب كَمَا قَالَ الشَّاعِر ... وجدنَا الصَّالِحين لَهُم جَزَاء ... وجنات وعينا سلسبيلا ... فعطف جنَّات على مَحل لَهُم جَزَاء وَقيل رفع على الْحِكَايَة لِأَن الْوَعْد قَول وَتَقْدِيره قَالَ الله لَهُم مغْفرَة وَقيل تَقْدِيره إِن لَهُم مغْفرَة فَحذف إِن فارتفع مَا بعده

стр. 39

٨٤ - قَوْله ﴿يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه﴾ وَبعده ﴿يحرفُونَ الْكَلم من بعد موَاضعه﴾ لِأَن الأولى فِي أَوَائِل الْيَهُود وَالثَّانيَِة فِيمَن كَانُوا فِي زمن النَّبِي ﷺ أَي حرفوها بعد أَن وَضعهَا الله موَاضعهَا وعرفوها وَعمِلُوا بهَا زَمَانا ٨٥ - قَوْله ﴿ونسوا حظا مِمَّا ذكرُوا بِهِ﴾ كرر لِأَن الأولى فِي الْيَهُود وَالثَّانيَِة فِي حق النَّصَارَى وَالْمعْنَى لم ينالو مِنْهُ نَصِيبا وَقيل مَعْنَاهُ ونسوا نَصِيبا وَقيل مَعْنَاهُ تركُوا بعض مَا أمروا بِهِ ٨٦ - قَوْله ﴿يَا أهل الْكتاب قد جَاءَكُم رَسُولنَا يبين لكم﴾ ثمَّ كررها فَقَالَ ﴿يَا أهل الْكتاب﴾ لِأَن الأولى نزلت فِي الْيَهُود حِين كتموا صفة مُحَمَّد ﷺ وَآيَة الرَّجْم من التَّوْرَاة وَالنَّصَارَى حِين كتموا بِشَارَة عِيسَى بِمُحَمد ﷺ فِي الْإِنْجِيل وَهُوَ قَوْله ﴿يبين لكم كثيرا مِمَّا كُنْتُم تخفون من الْكتاب﴾ ثمَّ كرر فَقَالَ ﴿وَقَالَت الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾ فكرر ﴿يَا أهل الْكتاب قد جَاءَكُم رَسُولنَا يبين لكم﴾

стр. 40

أَي شرائعكم فَإِنَّكُم على ضلال لَا يرضاه الله على ﴿فَتْرَة من الرُّسُل﴾ على انْقِطَاع مِنْهُم ودروس مِمَّا جَاءُوا بِهِ وَالله أعلم ٨٧ - قَوْله ﴿وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا يخلق مَا يَشَاء﴾ ثمَّ كرر فَقَالَ ﴿وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا وَإِلَيْهِ الْمصير﴾ كرر لِأَن الأولى نزلت فِي النَّصَارَى حِين قَالُوا ﴿إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ فَقَالَ ﴿وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ لَيْسَ فيهمَا مَعَه شريك وَلَو كَانَ عِيسَى إِلَهًا لاقتضى أَن يكون مَعَه شَرِيكا ثمَّ من يذب عَن الْمَسِيح وَأمه وَعَمن فِي الأَرْض جَمِيعًا إِن أَرَادَ إهلاكهم فَإِنَّهُم كلهم مخلوقون لَهُ وَإِن قدرته شَامِلَة عَلَيْهِم وعَلى كل مَا يُرِيد بهم وَالثَّانيَِة نزلت فِي الْيَهُود وَالنَّصَارَى حِين قَالُوا ﴿نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾ فَقَالَ ﴿وَللَّه ملك السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ وَالْأَب لَا يملك ابْنه وَلَا يهلكه وَلَا يعذبه وَأَنْتُم مصيركم إِلَيْهِ فيعذب من يَشَاء مِنْكُم وَيغْفر لمن يَشَاء

стр. 41

٨٨ - قَوْله ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قوم اذْكروا﴾ وَقَالَ فِي سُورَة إِبْرَاهِيم ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكروا﴾ لِأَن تَصْرِيح اسْم الْمُخَاطب مَعَ حرف الْخطاب يدل على تَعْظِيم الْمُخَاطب بِهِ وَلما كَانَ مَا فِي هَذِه السُّورَة نعما جِسَامًا مَا عَلَيْهَا من مزِيد وَهُوَ قَوْله ﴿جعل فِيكُم أَنْبيَاء وجعلكم ملوكا وآتاكم مَا لم يُؤْت أحدا من الْعَالمين﴾ صرح فَقَالَ يَا قوم ولموافقته مَا قبله وَمَا بعده من النداء وَهُوَ قَوْله ﴿يَا قوم ادخُلُوا﴾ ﴿يَا مُوسَى إِنَّا﴾ وَلم يكن مَا فِي إِبْرَاهِيم بِهَذِهِ الْمنزلَة فاقتصر على حرف الْخطاب ٨٩ - قَوْله ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله﴾ كَرَّرَه ثَلَاث مَرَّات وَختم الأولى بقوله ﴿فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَالثَّانيَِة بقوله ﴿فَأُولَئِك هم الظَّالِمُونَ﴾ وَالثَّالِثَة بقوله ﴿فَأُولَئِك هم الْفَاسِقُونَ﴾ قيل لِأَن الأولى نزلت فِي حكام الْمُسلمين وَالثَّانيَِة فِي حكام الْيَهُود وَالثَّالِثَة فِي حكام النَّصَارَى وَقيل الْكَافِر وَالْفَاسِق والظالم كلهَا بِمَعْنى وَاحِد وَهُوَ الْكفْر عبر عَنهُ بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة لزِيَادَة الْفَائِدَة وَاجْتنَاب سُورَة التّكْرَار وَقيل وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله إنكارا لَهُ فَهُوَ كَافِر وَمن لم يحكم بِالْحَقِّ مَعَ اعْتِقَاده حَقًا وَحكم بضده فَهُوَ ظَالِم وَمن لم يحكم بِالْحَقِّ جهلا وَحكم بضده فَهُوَ فَاسق وَقيل وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَهُوَ كَافِر بنعمه الله ظَالِم فِي حكمه فَاسق فِي فعله ٩٠ - قَوْله ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ كرر لِأَن النَّصَارَى اخْتلفت أَقْوَالهم

стр. 42

فَقَالَت اليعقوبية إِن الله تَعَالَى رُبمَا تجلى فِي بعض الْأَزْمَان فِي شخص فتجلى يَوْمئِذٍ فِي شخص عِيسَى فظهرت مِنْهُ المعجزات وَقَالَت الملكية إِن الله اسْم يجمع أَبَا وابنا وروح الْقُدس اخْتلفت بالأقانيم والذات وَاحِدَة فَأخْبر الله أَنهم كلهم كفار ٩١ - قَوْله ﴿لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا أبدا رَضِي الله عَنْهُم وَرَضوا عَنهُ ذَلِك الْفَوْز الْعَظِيم﴾ ذكر فِي هَذِه السُّورَة هَذِه الْخلال جملَة ثمَّ فصل لِأَنَّهَا أول مَا ذكرت سُورَة الْأَنْعَام ٩٢ - قَوْله ﴿فقد كذبُوا بِالْحَقِّ لما جَاءَهُم فَسَوف يَأْتِيهم﴾ وَفِي الشُّعَرَاء ﴿فقد كذبُوا فسيأتيهم﴾ لِأَن سُورَة الْأَنْعَام مُتَقَدّمَة فقيد التَّكْذِيب بقوله ﴿بِالْحَقِّ لما جَاءَهُم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿فَسَوف يَأْتِيهم﴾ على التَّمام وَذكر فِي الشُّعَرَاء ﴿فقد كذبُوا﴾ مُطلقًا لِأَن تَقْيِيده فِي هَذِه السُّورَة يدل عَلَيْهِ ثمَّ اقْتصر على السِّين هُنَا بدل سَوف ليتفق اللفظان فِيهِ على الِاخْتِصَار ٩٣ - قَوْله ﴿ألم يرَوا كم أهلكنا﴾ فِي بعض الْمَوَاضِع بِغَيْر وَاو كَمَا فِي هَذِه السُّورَة وَفِي بَعْضهَا بِالْوَاو وَفِي بَعْضهَا بِالْفَاءِ هَذِه الْكَلِمَة تَأتي فِي الْقُرْآن على وَجْهَيْن

стр. 43

أَحدهمَا مُتَّصِل بِمَا كَانَ الِاعْتِبَار فِيهِ بِالْمُشَاهَدَةِ فَذكره بِالْألف وَالْوَاو لتدل الْألف على الِاسْتِفْهَام وَالْوَاو على عطف جملَة على جملَة قبلهَا وَكَذَا الْفَاء لَكِنَّهَا أَشد اتِّصَالًا بِمَا قبلهَا وَالْوَجْه الثَّانِي مُتَّصِل بِمَا الِاعْتِبَار فِيهِ بالاستدلال فاقتصر على الْألف دون الْوَاو وَالْفَاء لتجري مجْرى الِاسْتِئْنَاف وَلَا ينْقض هَذَا الأَصْل قَوْله ﴿أولم يرَوا إِلَى الطير﴾ فِي النَّحْل لاتصالها بقوله ﴿وَالله أخرجكم من بطُون أُمَّهَاتكُم﴾ وسبيله الِاعْتِبَار بالاستدلال فَبنى عَلَيْهِ ﴿أولم يرَوا إِلَى الطير﴾ ٩٤ - قَوْله ﴿قل سِيرُوا فِي الأَرْض ثمَّ انْظُرُوا﴾ فِي هَذِه السُّورَة فَحسب وَفِي غَيرهَا ﴿سِيرُوا فِي الأَرْض فانظروا﴾ و١٦ ٣٦ و٢٧ ٦٩ و٣٠ ٤٢ لِأَن ثمَّ للتراخي وَالْفَاء للتعقيب وَفِي هَذِه السُّورَة تقدم ذكر الْقُرُون فِي قَوْله ﴿كم أهلكنا من قبلهم من قرن﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وأنشأنا من بعدهمْ قرنا آخَرين﴾ فَأمروا باستقراء الديار وَتَأمل الْآثَار وفيهَا كَثْرَة فَيَقَع ذَلِك سيرا بعد سير وزمانا بعد زمَان فخصت بثم الدَّالَّة على التَّرَاخِي بَين الْفِعْلَيْنِ ليعلم أَن السّير مَأْمُور بِهِ على حِدة وَالنَّظَر مَأْمُور بِهِ على حِدة وَلم يتَقَدَّم فِي سَائِر السُّور مثله فخصت بِالْفَاءِ الدَّالَّة على التعقيب ٩٥ - قَوْله ﴿الَّذين خسروا أنفسهم فهم لَا يُؤمنُونَ﴾

стр. 44

لَيْسَ بتكرار لِأَن الأول فِي حق الْكفَّار وَالثَّانِي فِي حق أهل الْكتاب ٩٦ - قَوْله ﴿وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله كذبا أَو كذب بآياته إِنَّه لَا يفلح الظَّالِمُونَ﴾ وَقَالَ فِي يُونُس ﴿فَمن أظلم﴾ وَختم الْآيَة بقوله ﴿إِنَّه لَا يفلح المجرمون﴾ لِأَن الْآيَات الَّتِي تقدّمت فِي هَذِه السُّورَة عطف بَعْضهَا على بعض بِالْوَاو وَهُوَ قَوْله ﴿وأوحي إِلَيّ هَذَا الْقُرْآن لأنذركم بِهِ وَمن بلغ﴾ إِلَى ﴿وإنني بَرِيء مِمَّا تشركون﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَمن أظلم﴾ وَختم الْآيَة بقوله ﴿الظَّالِمُونَ﴾ ليَكُون آخر الْآيَة لفقا لأوّل الأولى وَأما فِي سُورَة يُونُس فالآيات الَّتِي تقدّمت عطف بَعْضهَا على بعض بِالْفَاءِ وَهُوَ قَوْله ﴿فقد لَبِثت فِيكُم عمرا من قبله أَفلا تعقلون﴾ ثمَّ قَالَ ﴿فَمن أظلم﴾ بِالْفَاءِ وَختم الْآيَة بقوله ﴿المجرمون﴾ أَيْضا مُوَافقَة لما قبلهَا وَهُوَ ﴿كَذَلِك نجزي الْقَوْم الْمُجْرمين﴾ فوصفهم بِأَنَّهُم مجرمون وَقَالَ بعده ﴿ثمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلائف فِي الأَرْض من بعدهمْ﴾ فختم الْآيَة بقوله ﴿المجرمون﴾ ليعلم أَن سَبِيل هَؤُلَاءِ سَبِيل من تقدمهم ٩٧ - قَوْله ﴿وَمِنْهُم من يستمع إِلَيْك﴾ وَفِي يُونُس ﴿يَسْتَمِعُون﴾ لِأَن مَا فِي هَذِه السُّورَة نزل فِي أبي سُفْيَان وَالنضْر بن الْحَارِث وَعتبَة وَشَيْبَة وَأُميَّة وَأبي بن خلف فَلم يكثروا كَثْرَة من فِي يُونُس لِأَن المُرَاد بهم فِي يُونُس جَمِيع الْكفَّار فَحمل هَهُنَا مرّة على لفظ من فَوحد لقلتهم وَمرَّة على

стр. 45

الْمَعْنى فَجمع لأَنهم وَإِن قلوا كَانُوا جمَاعَة وَجمع مَا فِي يُونُس ليُوَافق اللَّفْظ الْمَعْنى وَأما قَوْله فِي يُونُس ﴿وَمِنْهُم من ينظر إِلَيْك﴾ فَسَيَأْتِي فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله ٩٨ - قَوْله ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على النَّار﴾ ثمَّ أعَاد فَقَالَ ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم﴾ لأَنهم أَنْكَرُوا النَّار فِي الْقِيَامَة وأنكروا جَزَاء الله ونكاله فَقَالَ فِي الأولى ﴿إِذْ وقفُوا على النَّار﴾ وَفِي الثَّانِيَة ﴿وقفُوا على رَبهم﴾ أَي على جَزَاء رَبهم ونكاله فِي النَّار وَختم بقوله ﴿فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُم تكفرون﴾ ٩٩ - قَوْله ﴿إِن هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا وَمَا نَحن بمبعوثين﴾ لَيْسَ غَيره وَفِي غَيرهَا بِزِيَادَة ﴿نموت ونحيا﴾ و٤٥ ٢٤ لِأَن مَا فِي هَذِه السُّورَة عِنْد كثير من الْمُفَسّرين مُتَّصِل بقوله ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ﴾ ﴿وَقَالُوا إِن هِيَ إِلَّا حياتنا الدُّنْيَا وَمَا نَحن بمبعوثين﴾ ٢٩ - وَلم يَقُولُوا ذَلِك أَي ﴿نموت ونحيا﴾ بِخِلَاف مَا فِي سَائِر السُّور فَإِنَّهُم قَالُوا ذَلِك فَحكى الله عَنْهُم ذَلِك ١٠٠ - قَوْله ﴿وَمَا الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا لعب وَلَهو﴾ قدم اللّعب على اللَّهْو فِي هَذِه السُّورَة فِي موضِعين وَكَذَلِكَ فِي سورتي الْقِتَال ٣٦ وَالْحَدِيد ٢٠ وَقدم اللَّهْو على اللّعب فِي الْأَعْرَاف وَالْعَنْكَبُوت وَإِنَّمَا قدم اللّعب فِي الْأَكْثَر لِأَن اللّعب زَمَانه الصِّبَا وَاللَّهْو زَمَانه الشَّبَاب

стр. 46

وزمان الصِّبَا مقدم على زمَان الشَّبَاب يُبينهُ مَا ذكر فِي الْحَدِيد ﴿اعلموا أَنما الْحَيَاة الدُّنْيَا لعب﴾ كلعب الصّبيان وَلَهو كلهو الشبَّان وزينة كزينة النسوان وتفاخر كتفاخر الإخوان وتكاثر كتكاثر السُّلْطَان وَقَرِيب من هَذَا فِي تَقْدِيم لفظ اللّعب على اللَّهْو قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا بَينهمَا لاعبين﴾ ﴿لَو أردنَا أَن نتَّخذ لهوا لاتخذناه من لدنا﴾ وَقدم اللَّهْو فِي الْأَعْرَاف لِأَن ذَلِك فِي الْقِيَامَة فَذكر على تَرْتِيب مَا انْقَضى وَبَدَأَ بِمَا بِهِ الْإِنْسَان انْتهى من الْحَالَتَيْنِ وَأما العنكبوت فَالْمُرَاد بذكرها زمَان الدُّنْيَا وَأَنه سريع الِانْقِضَاء قَلِيل الْبَقَاء ﴿وَإِن الدَّار الْآخِرَة لهي الْحَيَوَان﴾ ٦٤ - أَي الْحَيَاة الَّتِي لَا أمد لَهَا وَلَا نِهَايَة لأبدها بَدَأَ بِذكر اللَّهْو لِأَنَّهُ فِي زمَان الشَّبَاب وَهُوَ أَكثر من زمَان اللّعب وَهُوَ زمَان الصِّبَا ١٠١ - قَوْله ﴿أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله أَو أتتكم السَّاعَة﴾ ثمَّ قَالَ ﴿قل أَرَأَيْتكُم إِن أَتَاكُم عَذَاب الله بَغْتَة﴾ وَلَيْسَ لَهما ثَالِث وَقَالَ فِيمَا بَينهمَا ﴿قل أَرَأَيْتُم﴾ وَكَذَلِكَ فِي غَيرهَا وَلَيْسَ لهَذِهِ الْجُمْلَة فِي الْعَرَبيَّة نَظِير لِأَنَّهُ جمع بَين علامتي خطاب وهما التَّاء وَالْكَاف وَالتَّاء اسْم بِالْإِجْمَاع وَالْكَاف حرف عِنْد الْبَصرِيين يُفِيد الْخطاب فَحسب وَالْجمع بَينهمَا يدل على أَن ذَلِك تَنْبِيه على شَيْء مَا عَلَيْهِ من مزِيد وَهُوَ ذكر الاستئصال بِالْهَلَاكِ

стр. 47

وَلَيْسَ فِيمَا سواهُمَا مَا يدل على ذَلِك فَاكْتفى بخطاب وَاحِد وَالْعلم عِنْد الله ١٠٢ - قَوْله ﴿لَعَلَّهُم يَتَضَرَّعُونَ﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي الْأَعْرَاف ﴿يضرعون﴾ بِالْإِدْغَامِ لِأَن هَهُنَا وَافق مَا بعده وَهُوَ قَوْله ﴿جَاءَهُم بأسنا تضرعوا﴾ ومستقبل تضرعوا يَتَضَرَّعُونَ لَا غير ١٠٣ - قَوْله ﴿انْظُر كَيفَ نصرف الْآيَات﴾ مُكَرر لِأَن التَّقْدِير انْظُر كَيفَ نصرف الْآيَات ثمَّ هم يصدفون عَنْهَا فَلَا تعرض عَنْهُم بل تكررها لَهُم لَعَلَّهُم يفقهُونَ ١٠٤ - قَوْله ﴿قل لَا أَقُول لكم عِنْدِي خَزَائِن الله وَلَا أعلم الْغَيْب وَلَا أَقُول لكم إِنِّي ملك﴾ فكرر لكم وَقَالَ فِي هود ﴿وَلَا أَقُول إِنِّي ملك﴾ فَلم يُكَرر لكم لِأَن فِي هود تقدم ﴿إِنِّي لكم نَذِير﴾ وعقبه ﴿وَمَا نرى لكم﴾

стр. 48

وَبعده ﴿أَن أنصح لكم﴾ فَلَمَّا تكَرر لكم فِي الْقِصَّة أَربع مَرَّات اكْتفى بذلك ١٠٥ - قَوْله ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكرى للْعَالمين﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي سُورَة يُوسُف ﵇ ﴿إِن هُوَ إِلَّا ذكر للْعَالمين﴾ منون لِأَن فِي هَذِه السُّورَة تقدم ﴿بعد الذكرى﴾ ﴿وَلَكِن ذكرى﴾ فَكَانَ الذكرى أليق بهَا ١٠٦ - قَوْله ﴿إِن الله فالق الْحبّ والنوى يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت ومخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي آل عمرَان ﴿وَتخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَتخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ وَكَذَلِكَ فِي الرّوم ١٩ وَيُونُس ٣١ ﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت وَيخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ لِأَن مَا فِي هَذِه السُّورَة وَقعت بَين أَسمَاء الفاعلين وَهُوَ ﴿فالق الْحبّ والنوى﴾ ﴿فالق الإصباح وَجعل اللَّيْل سكنا﴾ وَاسم الْفَاعِل يشبه الِاسْم من وَجه فيدخله الْألف وَاللَّام والتنوين والجر وَغير ذَلِك وَيُشبه الْفِعْل من وَجه فَيعْمل عمل الْفِعْل وَلَا يثنى وَلَا يجمع إِذا عمل وَغير ذَلِك وَلِهَذَا جَازَ الْعَطف عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ نَحْو قَوْله ﴿إِن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا﴾ وَجَاز عطفه على الْفِعْل نَحْو قَوْله ﴿سَوَاء عَلَيْكُم أدعوتموهم أم أَنْتُم صامتون﴾ فَلَمَّا وَقع بَينهمَا ذكر ﴿يخرج الْحَيّ من الْمَيِّت﴾ لفظ الْفِعْل ﴿

стр. 49

ومخرج الْمَيِّت من الْحَيّ﴾ بِلَفْظ الِاسْم عملا بالشبهين وَأخر لفظ الِاسْم لِأَن الْوَاقِع بعده اسمان والمتقدم اسْم وَاحِد بِخِلَاف مَا فِي آل عمرَان لِأَن مَا قبله وَمَا بعده أَفعَال فَتَأمل فِيهِ فَإِنَّهُ من معجزات الْقُرْآن ١٠٧ - قَوْله ﴿قد فصلنا الْآيَات لقوم يعلمُونَ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿قد فصلنا الْآيَات لقوم يفقهُونَ﴾ وَقَالَ بعدهمَا ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات لقوم يُؤمنُونَ﴾ ٩٩ - لِأَن من أحَاط علما بِمَا فِي الْآيَة الأولى صَار عَالما لِأَنَّهُ أشرف الْعُلُوم فختم الْآيَة بقوله ﴿يعلمُونَ﴾ وَالْآيَة الثَّانِيَة مُشْتَمِلَة على مَا يَسْتَدْعِي تأملا وتدبرا وَالْفِقْه علم يحصل بالتدبر والتأمل والتفكر وَلِهَذَا لَا يُوصف بِهِ الله فختم الْآيَة بقوله ﴿يفقهُونَ﴾ وَمن أقرّ بِمَا فِي الْآيَة الثَّالِثَة صَار مُؤمنا حَقًا فختم الْآيَة بقوله ﴿يُؤمنُونَ﴾ حَكَاهُ أَبُو مُسلم عَن الْخَطِيب وَقَوله ﴿إِن فِي ذَلِكُم لآيَات﴾ فِي هَذِه السُّورَة بِحُضُور الْجَمَاعَات وَظُهُور الْآيَات عَم الْخطاب وَجمع الْآيَات ١٠٨ - قَوْله ﴿أنشأكم﴾ وَفِي غَيرهَا ﴿خَلقكُم﴾ و٤ ١ و٦ ٢ و٧ ١٨٩

стр. 50

الخ لموافقة مَا قبلهَا وَهُوَ ﴿وأنشأنا من بعدهمْ﴾ وَمَا بعْدهَا ﴿وَهُوَ الَّذِي أنشأ جنَّات معروشات﴾ ١٠٩ - قَوْله ﴿مشتبها وَغير متشابه﴾ وَفِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿متشابها وَغير متشابه﴾ لِأَن أَكثر مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن من هَاتين الْكَلِمَتَيْنِ جَاءَ بِلَفْظ التشابه نَحْو قَوْله ﴿وَأتوا بِهِ متشابها﴾ ﴿إِن الْبَقر تشابه علينا﴾ ﴿تشابهت قُلُوبهم﴾ ﴿وَأخر متشابهات﴾ فجَاء قَوْله ﴿مشتبها وَغير متشابه﴾ فِي الْآيَة الأولى و ﴿متشابها وَغير متشابه﴾ فِي الْآيَة الْأُخْرَى على تِلْكَ الْقَاعِدَة ثمَّ كَانَ لقَوْله تشابه مَعْنيانِ أَحدهمَا الْتبس وَالثَّانِي تساوى وَمَا فِي الْبَقَرَة مَعْنَاهُ الْتبس فَحسب فَبين بقوله ﴿متشابها﴾ وَمَعْنَاهُ ملتبسا لِأَن مَا بعده من بَاب التَّسَاوِي وَالله أعلم ١١٠ - قَوْله ﴿ذَلِكُم الله ربكُم لَا إِلَه إِلَّا هُوَ خَالق كل شَيْء﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي الْمُؤمن ﴿خَالق كل شَيْء لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ لِأَن فِيهَا قبله ذكر الشُّرَكَاء والبنين وَالْبَنَات فَدفع قَول قَائِله بقوله ﴿لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿خَالق كل شَيْء﴾ وَفِي الْمُؤمن قبله ذكرالخلق وَهُوَ ﴿لخلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض أكبر من خلق النَّاس﴾ فَخرج الْكَلَام على

стр. 51

إِثْبَات خلق النَّاس لَا على نفي الشَّرِيك فَقدم فِي كل سُورَة مَا يَقْتَضِيهِ مَا قبله من الْآيَات ١١١ - قَوْله ﴿وَلَو شَاءَ رَبك مَا فَعَلُوهُ فذرهم وَمَا يفترون﴾ وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى من هَذِه السُّورَة ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ فذرهم وَمَا يفترون﴾ لِأَن قَوْله ﴿وَلَو شَاءَ رَبك﴾ وَقع عقيب آيَات فِيهَا ذكر الرب مَرَّات وَمِنْهَا ﴿جَاءَكُم بصائر من ربكُم﴾ فختم بِذكر الرب ليُوَافق آخرهَا أَولهَا وَقَوله ﴿وَلَو شَاءَ الله مَا فَعَلُوهُ﴾ وَقع بعد قَوْله ﴿وَجعلُوا لله مِمَّا ذَرأ﴾ فختم بِمَا بَدَأَ فِيهِ ١١٢ - قَوْله ﴿إِن رَبك هُوَ أعلم من يضل عَن سَبيله﴾ وَفِي ﴿ن والقلم﴾ ﴿إِن رَبك هُوَ أعلم بِمن ضل عَن سَبيله﴾ بِزِيَادَة الْبَاء وَلَفظ الْمَاضِي لِأَن إِثْبَات الْبَاء هُوَ الأَصْل كَمَا فِي ﴿ن والقلم﴾ وَغَيرهَا من السُّور لِأَن الْمَعْنى لَا يعْمل فِي الْمَفْعُول بِهِ فَنوى الْبَاء وَحَيْثُ حذفت أضمر فعل يعْمل فِيمَا بعده وخصت هَذِه السُّورَة بالحذف مُوَافقَة لقَوْله ﴿الله أعلم حَيْثُ يَجْعَل رسَالَته﴾ وَعدل هُنَا إِلَى لفظ الْمُسْتَقْبل لِأَن الْبَاء لما حذفت الْتبس اللَّفْظ بِالْإِضَافَة تَعَالَى الله عَن ذَلِك فنبه بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل على قطع الْإِضَافَة لِأَن أَكثر مَا يسْتَعْمل لفظ أفعل من يَسْتَعْمِلهُ مَعَ الْمَاضِي نَحْو أعلم من دب ودرج وَأحسن من قَامَ وَقعد وَأفضل من حج وَاعْتمر فَتنبه فَإِنَّهُ من أسرار الْقُرْآن لِأَنَّهُ لَو قَالَ أعلم من ضل بِدُونِ الْيَاء مَعَ الْمَاضِي لَكَانَ الْمَعْنى أعلم الضَّالّين ١١٣ - قَوْله ﴿اعْمَلُوا على مكانتكم إِنِّي عَامل فَسَوف

стр. 52

تعلمُونَ﴾ بِالْفَاءِ حَيْثُ وَقع وَفِي هود ﴿سَوف تعلمُونَ﴾ بِغَيْر فَاء لِأَنَّهُ تقدم فِي هَذِه السُّورَة وَغَيرهَا ﴿قل﴾ فَأَمرهمْ أَمر وَعِيد بقوله ﴿اعْمَلُوا﴾ أَي اعْمَلُوا فستجزون وَلم يكن فِي هود ﴿قل﴾ فَصَارَ استئنافا وَقيل سَوف تعلمُونَ فِي سُورَة هود صفة لعامل أَي إِنِّي عَامل سَوف تعلمُونَ فَحذف الْفَاء ١١٤ - قَوْله ﴿سَيَقُولُ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا أشركنا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من شَيْء﴾ وَقَالَ فِي النَّحْل ﴿وَقَالَ الَّذين أشركوا لَو شَاءَ الله مَا عَبدنَا من دونه من شَيْء نَحن وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حرمنا من دونه من شَيْء﴾ فَزَاد من ﴿دونه﴾ مرَّتَيْنِ وَزَاد ﴿نَحن﴾ لِأَن لفظ الْإِشْرَاك يدل على إِثْبَات شريك لَا يجوز إثْبَاته وَدلّ على تَحْرِيم أَشْيَاء وَتَحْلِيل أَشْيَاء من دون الله فَلم يحْتَج إِلَى لفظ ﴿من دونه﴾ بِخِلَاف لفظ الْعِبَادَة فَإِنَّهَا غير مستنكرة وَإِنَّمَا المستنكر عبَادَة شَيْء مَعَ الله وَلَا يدل على تَحْرِيم شَيْء كَمَا يدل عَلَيْهِ أشرك فَلم يكن لله هُنَا من يعتبره بقوله ﴿من دونه﴾ وَلما حذف ﴿من دونه﴾ مرَّتَيْنِ حذف مَعَه ﴿نَحن﴾ لتطرد الْآيَة فِي حكم التَّخْفِيف ١١٥ - قَوْله ﴿نَحن نرزقكم وإياهم﴾ وَقَالَ فِي سُبْحَانَ ﴿نَحن نرزقهم وَإِيَّاكُم﴾ على الضِّدّ لِأَن التَّقْدِير من إملاق بكم نَحن نرزقكم وإياهم وَفِي سُبْحَانَ خشيَة إملاق يَقع بهم نَحن نرزقهم وَإِيَّاكُم ١١٦ - قَوْله ﴿ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ وَفِي

стр. 53

الثَّانِيَة ﴿لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ وَفِي الثَّالِثَة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ لِأَن الْآيَة الأولى مُشْتَمِلَة على خَمْسَة أَشْيَاء كلهَا عِظَام جسام فَكَانَت الْوَصِيَّة بهَا من أبلغ الْوَصَايَا فختم الْآيَة الأولى بِمَا فِي الْإِنْسَان من أشرف السجايا وَهُوَ الْعقل الَّذِي امتاز بِهِ الْإِنْسَان عَن سَائِر الْحَيَوَان وَالْآيَة الثَّانِيَة مُشْتَمِلَة على خَمْسَة أَشْيَاء يقبح تعَاطِي ضدها وارتكابها وَكَانَت الْوَصِيَّة بهَا تجْرِي مجْرى الزّجر والوعظ فختم الْآيَة بقوله ﴿تذكرُونَ﴾ أَي تتعظون بمواعظ الله وَالْآيَة الثَّالِثَة مُشْتَمِلَة على ذكر الصِّرَاط الْمُسْتَقيم والتحريض على اتِّبَاعه وَاجْتنَاب مناهيه فختم الْآيَة بالتقوى الَّتِي هِيَ ملاك الْعَمَل وَخير الزَّاد ١١٧ - قَوْله ﴿جعلكُمْ خلائف الأَرْض﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي يُونُس وَالْمَلَائِكَة ﴿جعلكُمْ خلائف فِي الأَرْض﴾ لِأَن فِي هَذَا الْعشْر تكَرر ذكر المخاطبين كرات فعرفهم بِالْإِضَافَة وَقد جَاءَ فِي السورتين على الأَصْل وَهُوَ ﴿جَاعل فِي الأَرْض خَليفَة﴾ ﴿جعلكُمْ مستخلفين﴾ ١١٨ - قَوْله ﴿إِن رَبك سريع الْعقَاب وَإنَّهُ لغَفُور رَحِيم﴾ وَقَالَ فِي الْأَعْرَاف ﴿إِن رَبك لسريع الْعقَاب وَإنَّهُ لغَفُور

стр. 54

رَحِيم﴾ لِأَن مَا فِي هَذِه السُّورَة وَقع بعد قَوْله ﴿من جَاءَ بِالْحَسَنَة فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ وَقَوله ﴿وَهُوَ الَّذِي جعلكُمْ خلائف الأَرْض﴾ فقيد قَوْله ﴿غَفُور رَحِيم﴾ بِاللَّامِ تَرْجِيحا للغفران على الْعقَاب وَوَقع مَا فِي الْأَعْرَاف بعد قَوْله ﴿وأخذنا الَّذين ظلمُوا بِعَذَاب بئيس﴾ وَقَوله ﴿كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ فقيد رَحْمَة مِنْهُ للعباد لِئَلَّا يرجح جَانب الْخَوْف على الرَّجَاء وَقدم سريع الْعقَاب فِي الْآيَتَيْنِ مُرَاعَاة لفواصل الْآي سُورَة الْأَعْرَاف ١١٩ - قَوْله ﴿قَالَ مَا مَنعك﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي ص ﴿قَالَ يَا إِبْلِيس مَا مَنعك﴾ وَفِي الْحجر ﴿قَالَ يَا إِبْلِيس مَا لَك﴾ بِزِيَادَة ﴿يَا إِبْلِيس﴾ فِي السورتين لِأَن خطابه قرب من ذكره فِي هَذِه السُّورَة وَهُوَ قَوْله ﴿إِلَّا إِبْلِيس لم يكن من الساجدين﴾ ﴿قَالَ مَا مَنعك﴾ فَحسن حذف حرف النداء والمنادى وَلم يقرب فِي ص قربه مِنْهُ فِي هَذِه السُّورَة لِأَن فِي ص ﴿إِلَّا إِبْلِيس استكبر وَكَانَ من الْكَافرين﴾ بِزِيَادَة ﴿استكبر﴾ فَزَاد حرف النداء والمنادى فَقَالَ ﴿يَا إِبْلِيس﴾ وَكَذَلِكَ فِي الْحجر فَإِن فِيهَا ﴿إِلَّا إِبْلِيس أَبى أَن يكون مَعَ الساجدين﴾ ٣١ - بِزِيَادَة أَبى فَزَاد حرف النداء والمنادى فَقَالَ ﴿يَا إِبْلِيس مَا لَك﴾ ١٢٠ - قَوْله ﴿أَلا تسْجد﴾ وَفِي ص ﴿أَن تسْجد﴾ وَفِي الْحجر ﴿مَا لَك أَلا تكون﴾ فَزَاد فِي

стр. 55

هَذِه السُّورَة ﴿لَا﴾ وللمفسرين فِي ﴿لَا﴾ أَقْوَال قَالَ بَعضهم ﴿لَا﴾ صلَة كَمَا فِي قَوْله ﴿لِئَلَّا يعلم﴾ وَقَالَ بَعضهم الْمَمْنُوع من الشَّيْء مُضْطَر إِلَى مَا منع وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ مَا الَّذِي جعلك فِي مَنْعَة من عَذَابي وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ من قَالَ لَك أَلا تسْجد وَقد ذكرت ذَلِك وأخبرت بِالصَّوَابِ فِي كتابي (لباب التَّفْسِير) وَالَّذِي يَلِيق بِهَذَا الْكتاب أَن نذْكر مَا السَّبَب الَّذِي خص هَذِه السُّورَة بِزِيَادَة ﴿لَا﴾ دون السورتين قلت لما حذف مِنْهَا ﴿يَا إِبْلِيس﴾ وَاقْتصر على الْخطاب جمع بَين لفظ الْمَنْع وَلَفظ ﴿لَا﴾ زِيَادَة فِي النَّفْي وإعلاما أَن الْمُخَاطب بِهِ إِبْلِيس خلافًا للسورتين فَإِنَّهُ صرح فيهمَا باسمه وَإِن شِئْت قلت جمع فِي هَذِه السُّورَة بَين مَا فِي ص وَمَا فِي الْحجر فَقَالَ مَا مَنعك أَن تسْجد مَالك أَلا تسْجد فَحذف ﴿أَن تسْجد﴾ وَحذف ﴿مَالك﴾ لدلَالَة الْحَال وَدلَالَة السورتين عَلَيْهِ فَبَقيَ ﴿مَا مَنعك أَلا تسْجد﴾ وَهَذِه لَطِيفَة فاحفظها ١٢١ - قَوْله ﴿أَنْظرنِي إِلَى يَوْم يبعثون﴾ وَفِي الْحجر وص ﴿رب فأنظرني﴾ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لما اقْتصر فِي السُّؤَال على الْخطاب دون صَرِيح الِاسْم فِي هَذِه السُّورَة اقْتصر فِي الْجَواب أَيْضا على الْخطاب دون ذكر المنادى وَأما زِيَادَة الْفَاء فِي السورتين دون هَذِه السُّورَة فَلِأَن دَاعِيَة الْفَاء مَا تضمنه النداء من أَدْعُو أَو أنادى نَحْو ﴿رَبنَا فَاغْفِر لنا﴾ أَي أَدْعُوك وَكَذَلِكَ دَاعِيَة الْوَاو فِي قَوْله ﴿رَبنَا وآتنا﴾ فَحذف

стр. 56

المنادى فِي هَذِه السُّورَة فَلَمَّا حذفه انحذفت الْفَاء ١٢٢ - قَوْله ﴿إِنَّك من المنظرين﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي السورتين ﴿قَالَ فَإنَّك﴾ لِأَن الْجَواب يبْنى على السُّؤَال وَلما خلا فِي هَذِه السُّورَة عَن الْفَاء خلا الْجَواب عَنهُ وَلما ثبتَتْ الْفَاء فِي السُّؤَال فِي السورتين ثبتَتْ فِي الْجَواب وَالْجَوَاب فِي السُّور الثَّلَاث إِجَابَة وَلَيْسَ باستجابة ١٢٣ - قَوْله ﴿فبمَا أغويتني﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي ص ﴿فبعزتك لأغوينهم﴾ وَفِي الْحجر ﴿رب بِمَا أغويتني﴾ لِأَن مَا فِي هَذِه السُّورَة مُوَافق لما قبله فِي الِاقْتِصَار على الْخطاب دون النداء وَمَا فِي الْحجر مُوَافق لما قبله فِي مُطَابقَة النداء وَزَاد فِي هَذِه السُّورَة الْفَاء الَّتِي هِيَ للْعَطْف ليَكُون الثَّانِي مربوطا بِالْأولِ وَلم تدخل فِي الْحجر فَاكْتفى بمطابقة النداء لِامْتِنَاع النداء مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِالَّذِي يستدعيه النداء فَإِن ذَلِك يَقع مَعَ السُّؤَال والطلب وَهَذَا قسم عِنْد أَكْثَرهم بِدَلِيل مَا فِي ص وَخبر عِنْد بَعضهم وَالَّذِي فِي ص على قِيَاس مَا فِي الْأَعْرَاف دون الْحجر لِأَن موافقتهما أَكثر على مَا سبق فَقَالَ ﴿فبعزتك﴾ وَالله أعلم وَهَذَا الْفَصْل فِي هَذِه السُّورَة برهَان لامع وَسَأَلَ الْخَطِيب نَفسه عَن هَذِه الْمسَائِل فَأجَاب عَنْهَا وَقَالَ إِن اقتصاص مَا مضى إِذا لم يقْصد بِهِ أَدَاء الْأَلْفَاظ بِأَعْيَانِهَا كَانَ اختلافها واتفاقها سَوَاء إِذا أدّى

стр. 57

الْمَعْنى الْمَقْصُود وَهَذَا جَوَاب حسن إِن رضيت بِهِ كفيت مُؤنَة السهر إِلَى السحر ١٢٤ - قَوْله ﴿قَالَ اخْرُج مِنْهَا مذؤوما مَدْحُورًا﴾ لَيْسَ فِي الْقُرْآن غَيره لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ لما بَالغ فِي الْحِكَايَة عَنهُ بقوله ﴿لأقعدن لَهُم﴾ الْآيَة بَالغ فِي ذمه فَقَالَ ﴿اخْرُج مِنْهَا مذؤوما مَدْحُورًا﴾ والذأم أَشد الذَّم ١٢٥ - قَوْله ﴿فكلا﴾ سبق فِي الْبَقَرَة ١٢٦ - قَوْله ﴿وَلكُل أمة أجل فَإِذا جَاءَ أَجلهم﴾ بِالْفَاءِ حَيْثُ وَقع إِلَّا فِي يُونُس فَإِنَّهُ هُنَا جملَة عطفت على جملَة بَينهمَا اتِّصَال وَتعقب فَكَانَ الْموضع مَوضِع الْفَاء وَمَا فِي يُونُس يَأْتِي فِي مَوْضِعه ١٢٧ - قَوْله ﴿وهم بِالآخِرَة كافرون﴾ مَا فِي هَذِه السُّورَة جَاءَ على الْقيَاس وَتَقْدِيره وهم كافرون بِالآخِرَة فَقدم بِالآخِرَة تَصْحِيحا لفواصل الْآي وَفِي هود لما تقدم ﴿هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم﴾ ثمَّ قَالَ ﴿أَلا لعنة الله على الظَّالِمين﴾ وَلم يقل عَلَيْهِم وَالْقِيَاس ذَلِك وَلَو قَالَ لالتبس أَنهم هم أم غَيرهم فكرر وَقَالَ ﴿وهم بِالآخِرَة هم كافرون﴾ ليعلم أَنهم هم المذكورون لَا غَيرهم وَلَيْسَ ﴿هم﴾ هَهُنَا للتوكيد كَمَا زعم بَعضهم لِأَن ذَلِك يُزَاد مَعَ الْألف وَاللَّام ملفوظا أَو مُقَدرا ١٢٨ - قَوْله ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسل الرِّيَاح﴾ فِي هَذِه

стр. 58

السُّورَة وَفِي الرّوم بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل وَفِي الْفرْقَان وفاطر بِلَفْظ الْمَاضِي لِأَن مَا قبلهَا فِي هَذِه السُّورَة ذكر الْخَوْف والطمع وَهُوَ قَوْله ﴿وادعوه خوفًا وَطَمَعًا﴾ وهما يكونَانِ فِي الْمُسْتَقْبل لَا غير فَكَانَ ﴿يُرْسل﴾ بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل أشبه بِمَا قبله وَفِي الرّوم قبله ﴿وَمن آيَاته أَن يُرْسل الرِّيَاح مُبَشِّرَات وليذيقكم من رَحمته ولتجري الْفلك بأَمْره﴾ فجَاء بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل لفقا لما قبله وَأما فِي الْفرْقَان فَإِن قبله ﴿كَيفَ مد الظل﴾ الْآيَة وَبعد الْآيَة ﴿وَهُوَ الَّذِي جعل لكم﴾ و ﴿مرج﴾ و ﴿خلق﴾ فَكَانَ الْمَاضِي أليق بِهِ وَفِي فاطر مَبْنِيّ على أول السُّورَة ﴿الْحَمد لله فاطر السَّمَاوَات وَالْأَرْض جَاعل الْمَلَائِكَة رسلًا أولي أَجْنِحَة﴾ وهما بِمَعْنى الْمَاضِي لَا غير فَبنى على ذَلِك فَقَالَ ﴿أرسل﴾ بِلَفْظ الْمَاضِي ليَكُون الْكل على مُقْتَضى اللَّفْظ الَّذِي خص بِهِ ١٢٩ - قَوْله ﴿لقد أرسلنَا نوحًا﴾ فِي هَذِه السُّورَة بِغَيْر وَاو وَفِي هود ٢٥ وَالْمُؤمنِينَ ٢٣ وَلَقَد بِالْوَاو لِأَنَّهُ لم يتَقَدَّم فِي هَذِه السُّورَة ذكر رَسُول فَيكون هَذَا عطفا عَلَيْهِ بل هُوَ اسْتِئْنَاف كَلَام وَفِي هود تقدم ذكر الرَّسُول مَرَّات وَفِي

стр. 59

الْمُؤمنِينَ تقدم ذكر نوح ضمنا فِي قَوْله ﴿وعَلى الْفلك﴾ لِأَنَّهُ أول من صنع الْفلك فعطف فِي السورتين بِالْوَاو ١٣٠ - قَوْله ﴿أرسلنَا نوحًا إِلَى قومه فَقَالَ﴾ بِالْفَاءِ فِي هَذِه السُّورَة وَكَذَلِكَ فِي الْمُؤمنِينَ فِي قصَّة نوح ﴿فَقَالَ﴾ وَفِي هود فِي قصَّة نوح ﴿إِنِّي لكم﴾ بِغَيْر ﴿قَالَ﴾ وَفِي هَذِه السُّورَة فِي قصَّة عَاد بِغَيْر فَاء لِأَن إِثْبَات الْفَاء هُوَ الأَصْل وَتَقْدِيره أرسلنَا نوحًا فجَاء فَقَالَ فَكَانَ فِي هَذِه السُّورَة وَالْمُؤمنِينَ على مَا يُوجِبهُ اللَّفْظ وَأما فِي هود فالتقدير فَقَالَ إِنِّي فأضمر قَالَ وأضمر مَعَه الْفَاء وَهَذَا كَمَا قُلْنَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَما الَّذين اسودت وُجُوههم أكفرتم﴾ أَي فَيُقَال لَهُم أكفرتم فأضمر الْفَاء وَالْقَوْل مَعًا وَأما قصَّة عَاد فالتقدير وَأَرْسَلْنَا إِلَى عَاد أَخَاهُم هودا فَقَالَ فأضمر ﴿أرسلنَا﴾ وأضمر الْفَاء لِأَن دَاعِي الْفَاء أرسلنَا ١٣١ - قَوْله ﴿قَالَ الْمَلأ﴾ بِغَيْر فَاء فِي قصَّة نوح وَهود فِي هَذِه السُّورَة وَفِي سُورَة هود وَالْمُؤمنِينَ فَقَالَ بِالْفَاءِ لِأَن مَا فِي هَذِه السُّورَة فِي السورتين لَا يَلِيق بِالْجَوَابِ وَهُوَ قَوْلهم لنوح ﴿إِنَّا لنراك فِي ضلال مُبين﴾ وَقَوْلهمْ لهود ﴿إِنَّا لنراك فِي سفاهة وَإِنَّا لنظنك من الْكَاذِبين﴾ بِخِلَاف السورتين فَإِنَّهُم أجابوا فيهمَا بِمَا زَعَمُوا أَنه جَوَاب ١٣٢ - قَوْله ﴿أبلغكم رسالات رَبِّي وأنصح لكم﴾ فِي

стр. 60

قصَّة نوح وَقَالَ فِي قصَّة هود ﴿وَأَنا لكم نَاصح أَمِين﴾ لِأَن مَا فِي هَذِه الْآيَة ﴿أبلغكم﴾ بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل فعطف عَلَيْهِ ﴿أنصح لكم﴾ كَمَا فِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿لقد أبلغتكم رسالات رَبِّي وَنَصَحْت لكم﴾ فعطف الْمَاضِي لَكِن فِي قصَّة هود قَابل باسم الْفَاعِل على قَوْلهم لَهُ ﴿وَإِنَّا لنظنك من الْكَاذِبين﴾ ليقابل الِاسْم بِالِاسْمِ ١٣٣ - قَوْله ﴿أبلغكم﴾ فِي قصَّة نوح وَهود بِلَفْظ الْمُسْتَقْبل وَفِي قصَّة صَالح وَشُعَيْب ﴿أبلغتكم﴾ بِلَفْظ الْمَاضِي لِأَن فِي قصَّة نوح وَهود وَقع فِي ابْتِدَاء الرسَالَة وَفِي قصَّة صَالح وَشُعَيْب وَقع فِي آخر الرسَالَة ودنو الْعَذَاب أَلا تسمع قَوْله ﴿فَتَوَلّى عَنْهُم﴾ فِي الْقصَّتَيْنِ ١٣٤ - قَوْله ﴿رسالات رَبِّي﴾ فِي جَمِيع الْقَصَص إِلَّا فِي قصَّة صَالح فَإِن فِيهَا ﴿رِسَالَة﴾ على الْوَاحِدَة لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حكى عَنْهُم بعد الْإِيمَان بِاللَّه وَالتَّقوى أَشْيَاء أمروا قَومهمْ بهَا إِلَّا فِي قصَّة صَالح فَإِن فِيهَا ذكر النَّاقة فَصَارَ كَأَنَّهَا رِسَالَة وَاحِدَة وَقَوله ﴿برسالاتي وبكلامي﴾ مُخْتَلف فِيهَا ١٣٥ - قَوْله ﴿فَكَذبُوهُ فأنجيناه وَالَّذين مَعَه فِي الْفلك وأغرقنا الَّذين كذبُوا بِآيَاتِنَا﴾ وَفِي يُونُس ﴿فَكَذبُوهُ فنجيناه وَمن مَعَه فِي الْفلك﴾ لِأَن أنجينا ونجينا للتعدي لَكِن التَّشْدِيد يدل على الْكَثْرَة وَالْمُبَالغَة فَكَانَ فِي يُونُس ﴿وَمن مَعَه﴾ وَلَفظ ﴿من﴾ يَقع على كَثْرَة مِمَّا يَقع عَلَيْهِ ﴿الَّذين﴾ لِأَن من يصلح للْوَاحِد والتثنية وَالْجمع والمذكر والمؤنث بِخِلَاف الَّذين فَإِنَّهُ لجمع

стр. 61

الْمُذكر فَحسب فَكَانَ التَّشْدِيد مَعَ من أليق ١٣٦ - قَوْله فِي هَذِه السُّورَة ﴿وَلَا تمسوها بِسوء فيأخذكم عَذَاب أَلِيم﴾ وَفِي هود ﴿وَلَا تمسوها بِسوء فيأخذكم عَذَاب قريب﴾ وَفِي الشُّعَرَاء ﴿وَلَا تمسوها بِسوء فيأخذكم عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ لِأَنَّهُ فِي هَذِه السُّورَة بَالغ فِي الْوَعْظ فَبَالغ فِي الْوَعيد فَقَالَ ﴿عَذَاب أَلِيم﴾ وَفِي هود لما اتَّصل بقوله ﴿تمَتَّعُوا فِي داركم ثَلَاثَة أَيَّام﴾ وَصفه بِالْقربِ فَقَالَ ﴿عَذَاب قريب﴾ وَزَاد فِي الشُّعَرَاء ذكر الْيَوْم لِأَن قبله ﴿لَهَا شرب وَلكم شرب يَوْم مَعْلُوم﴾ فالتقدير لَهَا شرب يَوْم مَعْلُوم فختم الْآيَة بِذكر الْيَوْم فَقَالَ ﴿عَذَاب يَوْم عَظِيم﴾ ١٣٧ - قَوْله ﴿فَأَخَذتهم الرجفة فَأَصْبحُوا فِي دَارهم جاثمين﴾ على الْوحدَة وَقَالَ ﴿وَأخذت الَّذين ظلمُوا الصَّيْحَة فَأَصْبحُوا فِي دِيَارهمْ جاثمين﴾ حَيْثُ ذكر الرجفة وَهِي الزلزلة وحد الدَّار وَحَيْثُ ذكر الصَّيْحَة جمع لِأَن الصَّيْحَة كَانَت من السَّمَاء فبلوغها أَكثر وأبلغ من الزلزلة فاتصل كل وَاحِد بِمَا هُوَ لَائِق بِهِ ١٣٨ - قَوْله ﴿مَا نزل الله بهَا من سُلْطَان﴾ فِي هَذِه السُّورَة ﴿نزل﴾ وَفِي غَيرهَا ﴿أنزل﴾ لِأَن أفعل كَمَا ذكرت آنِفا للتعدي وَفعل للتعدي والتكثير فَذكر فِي الْموضع الأول بِلَفْظ الْمُبَالغَة ليجري مجري ذكر الْجُمْلَة وَالتَّفْصِيل وَذكر الْجِنْس وَالنَّوْع فَيكون الأول كالجنس وَمَا سواهُ كالنوع ١٣٩ - قَوْله ﴿وتنحتون الْجبَال بُيُوتًا﴾ فِي هَذِه

стр. 62

السُّورَة وَفِي غَيرهَا ﴿من الْجبَال﴾ لِأَن فِي هَذِه السُّورَة تقدمه ﴿من سهولها قصورا﴾ فَاكْتفى بذلك ١٤٠ - قَوْله ﴿وأمطرنا عَلَيْهِم مَطَرا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة الْمُجْرمين﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي غَيرهَا ﴿فسَاء مطر الْمُنْذرين﴾ لِأَن فِي هَذِه السُّورَة وَافق مَا بعده وَهُوَ قَوْله ﴿فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ ١٤١ - قَوْله ﴿ولوطا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أتأتون الْفَاحِشَة﴾ بالاستفهام وَهُوَ اسْتِفْهَام تقريع وتوبيخ وإنكار وَقَالَ بعده ﴿إِنَّكُم لتأتون الرِّجَال﴾ فَزَاد مَعَ الِاسْتِفْهَام ﴿إِن﴾ لِأَن التقريع والتوبيخ وَالْإِنْكَار فِي الثَّانِي أَكثر وَمثله فِي النَّمْل ﴿أتأتون﴾ وَبعده ﴿أئنكم لتأتون الرِّجَال﴾ ٢٩ - فَجمع بَين إِن وأئن وَذَلِكَ لموافقة آخر الْقِصَّة فَإِن فِي الآخر ﴿إِنَّا منجوك﴾ ﴿إِنَّا منزلون﴾ فَتَأمل فِيهِ فَإِنَّهُ صَعب الْمُسْتَخْرج ١٤٢ - قَوْله ﴿بل أَنْتُم قوم مسرفون﴾ فِي هَذِه السُّورَة بِلَفْظ الِاسْم وَفِي النَّمْل ﴿قوم تجهلون﴾ بِلَفْظ الْفِعْل لِأَن كل إِسْرَاف جهل وكل جهل إِسْرَاف ثمَّ ختم الْآيَة بِلَفْظ الِاسْم مُوَافقَة لرءوس الْآيَات الَّتِي تقدّمت وَكلهَا أَسمَاء ﴿الْعَالمين﴾ ﴿الناصحين﴾ ﴿جاثمين﴾ ﴿الْمُرْسلين﴾ ﴿كافرون﴾ ﴿مُؤمنُونَ﴾ ﴿مفسدين﴾

стр. 63

وَفِي النَّمْل وَافق مَا قبلهَا من الْآيَات وَكلهَا أَفعَال ﴿يبصرون﴾ ﴿يَتَّقُونَ﴾ ﴿تعلمُونَ﴾ ١٤٣ - قَوْله ﴿وَمَا كَانَ جَوَاب قومه﴾ بِالْوَاو فِي هَذِه السُّورَة وَفِي غَيرهَا ﴿فَمَا﴾ بِالْفَاءِ لِأَن مَا قبله اسْم وَالْفَاء للتعقيب والتعقيب يكون مَعَ الْأَفْعَال فَقَالَ فِي النَّمْل ﴿تجهلون﴾ ﴿فَمَا كَانَ﴾ وَكَذَلِكَ فِي العنكبوت فِي هَذِه الْقِصَّة ﴿وتأتون فِي ناديكم الْمُنكر فَمَا كَانَ﴾ وَفِي هَذِه السُّورَة ﴿مسرفون﴾ ﴿وَمَا كَانَ﴾ وَفِي هَذِه السُّورَة ﴿أخرجوهم﴾ وَفِي النَّمْل ﴿أخرجُوا آل لوط﴾ لِأَن مَا فِي هَذِه السُّورَة كِنَايَة فَسرهَا فِي السُّورَة الَّتِي بعْدهَا وَفِي النَّمْل قَالَ الْخَطِيب سُورَة النَّمْل نزلت قبل هَذِه السُّورَة فَصرحَ فِي الأولى وكنى فِي الثَّانِيَة ١٤٤ - قَوْله ﴿كَانَت من الغابرين﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي النَّمْل ﴿قدرناها من الغابرين﴾ أَي كَانَت فِي علم الله من الغابرين فقدرناها من الغابرين وعَلى وزن قَول الْخَطِيب قدرناها من الغابرين فَصَارَت من الغابرين وَكَانَ بِمَعْنى صَار وَقد فسر ﴿كَانَ من الْجِنّ﴾ بِالْوَجْهَيْنِ ١٤٥ - قَوْله ﴿بِمَا كذبُوا من قبل﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي يُونُس ﴿بِمَا كذبُوا بِهِ﴾ لِأَن أول الْقِصَّة فِي هَذِه السُّورَة ﴿وَلَو أَن أهل الْقرى آمنُوا﴾ وَفِي الْآيَة ﴿وَلَكِن كذبُوا فأخذناهم﴾ وَلَيْسَ بعْدهَا الْبَاء فختم الْقِصَّة بِمثل مَا بَدَأَ بِهِ وَكَذَلِكَ فِي يُونُس وَافق مَا قبله ﴿فَكَذبُوهُ

стр. 64

فنجيناه﴾ ﴿كذبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فختم بِمثل ذَلِك فَقَالَ ﴿بِمَا كذبُوا بِهِ﴾ وَذهب بعض أهل الْعلم إِلَى أَن مَا فِي حق الْعُقَلَاء من التَّكْذِيب فبغير الْبَاء نَحْو قَوْله ﴿فكذبوا رُسُلِي﴾ و ﴿كذبوه﴾ وَغَيره وَمَا فِي حق غَيرهم ب بَاء نَحْو ﴿كذبُوا بِآيَاتِنَا﴾ وَغَيرهَا وَعند الْمُحَقِّقين تَقْدِيره فكذبوا رسلنَا برد آيَاتنَا حَيْثُ وَقع ١٤٦ - قَوْله ﴿كَذَلِك يطبع الله﴾ هَهُنَا وَفِي يُونُس ﴿نطبع﴾ بالنُّون لِأَن فِي هَذِه السُّورَة قدم ذكر الله سُبْحَانَهُ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَة فَجمع بَينهمَا فَقَالَ ﴿ونطبع على قُلُوبهم﴾ بالنُّون وَختم الْآيَة بِالصَّرِيحِ فَقَالَ ﴿كَذَلِك يطبع الله﴾ وَأما فِي يُونُس فمبني على مَا قبله من قَوْله ﴿فنجيناه﴾ وجعلناهم ٧٣ ثمَّ بعثنَا ٧٤ بِلَفْظ الْجمع فختم بِمثلِهِ فَقَالَ ﴿كَذَلِك نطبع على قُلُوب الْمُعْتَدِينَ﴾ ١٤٧ - قَوْله ﴿قَالَ الْمَلأ من قوم فِرْعَوْن إِن هَذَا لساحر عليم﴾ وَفِي الشُّعَرَاء ﴿قَالَ للملإ حوله﴾ لِأَن التَّقْدِير فِي هَذِه الْآيَة قَالَ الْمَلأ من قوم فِرْعَوْن وَفرْعَوْن بعض لبَعض فَحذف فِرْعَوْن لاشتمال الْمَلأ من آل فِرْعَوْن على اسْمه كَمَا قَالَ ﴿وأغرقنا آل فِرْعَوْن﴾ أَي آل فِرْعَوْن وَفرْعَوْن فَحذف فِرْعَوْن لِأَن آل فِرْعَوْن اشْتَمَل على اسْمه فالقائل هُوَ فِرْعَوْن وَحده بِدَلِيل الْجَواب وَهُوَ ﴿قَالُوا أرجه وأخاه﴾ بِلَفْظ التَّوْحِيد وَالْمَلَأ هم الْمَقُول

стр. 65

لَهُم إِذْ لَيْسَ فِي الْآيَة مخاطبون بقوله ﴿يخرجكم من أَرْضكُم﴾ غَيرهم فَتَأمل فِيهِ فَإِنَّهُ برهَان لِلْقُرْآنِ شاف ١٤٨ - قَوْله ﴿يُرِيد أَن يخرجكم من أَرْضكُم فَمَاذَا تأمرون﴾ وَفِي الشُّعَرَاء ﴿من أَرْضكُم بسحره﴾ لِأَن الْآيَة الأولى فِي هَذِه السُّورَة بنيت على الِاقْتِصَار وَكَذَلِكَ الْآيَة الثَّانِيَة وَلِأَن لفظ السَّاحر يدل على السحر ١٤٩ - قَوْله ﴿وَأرْسل﴾ وَفِي الشُّعَرَاء ﴿وَابعث﴾ لِأَن الْإِرْسَال يُفِيد معنى الْبَعْث ويتضمن نوعا من الْعُلُوّ لِأَنَّهُ يكون من فَوق فخصت هَذِه السُّورَة بِهِ لما الْتبس ليعلم أَن الْمُخَاطب بِهِ فِرْعَوْن دون غَيره ١٥٠ - قَوْله ﴿بِكُل سَاحر عليم﴾ وَفِي الشُّعَرَاء ﴿بِكُل سحار﴾ لِأَنَّهُ رَاعى مَا قبله فِي هَذِه السُّورَة وَهُوَ قَوْله ﴿إِن هَذَا لساحر عليم﴾ وراعى فِي الشُّعَرَاء الإِمَام فَإِنَّهُ فِيهِ ﴿بِكُل سحار﴾ بِالْألف وَقُرِئَ فِي هَذِه السُّورَة ﴿سحار﴾ أَيْضا طلبا للْمُبَالَغَة وموافقة لما فِي الشُّعَرَاء ١٥١ - قَوْله ﴿وَجَاء السَّحَرَة فِرْعَوْن قَالُوا﴾ وَفِي الشُّعَرَاء ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَة قَالُوا لفرعون﴾ لِأَن الْقيَاس فِي هَذِه السُّورَة فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَة فِرْعَوْن قَالُوا أَو فَقَالُوا لَا بُد من ذَلِك لَكِن أضمر فِيهِ ﴿فَلَمَّا﴾ فَحسن حذف الْفَاء وَخص هَذِه السُّورَة بإضمار فَلَمَّا لِأَن مَا فِي هَذِه السُّورَة وَقع على الِاخْتِصَار والاقتصار على مَا سبق وَأما تَقْدِيم فِرْعَوْن وتأخيره فِي الشُّعَرَاء فَلِأَن التَّقْدِير فيهمَا فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَة فِرْعَوْن قَالُوا لفرعون فأظهر الأول فِي هَذِه السُّورَة لِأَنَّهَا الأولى وأضمر الثَّانِي فِي الشُّعَرَاء لِأَنَّهَا الثَّانِيَة ١٥٢ - قَوْله ﴿قَالَ نعم وَإِنَّكُمْ لمن المقربين﴾ وَفِي الشُّعَرَاء ﴿إِذا لمن المقربين﴾ لِأَن إِذا فِي هَذِه

стр. 66

السُّورَة مضمرة مقدرَة لِأَن إِذا جَزَاء وَمَعْنَاهُ إِن غلبتم قربتكم وَرفعت منزلتكم وَخص هَذِه السُّورَة بالإضمار اختصارا ١٥٣ - قَوْله ﴿إِمَّا أَن تلقي وَإِمَّا أَن نَكُون نَحن الملقين﴾ وَفِي طه ﴿إِمَّا أَن تلقي وَإِمَّا أَن نَكُون أول من ألْقى﴾ رَاعى فِي السورتين أَو أخر الْآي وَمثله ﴿فألقي السَّحَرَة ساجدين﴾ فِي السورتين وَفِي طه ﴿سجدا﴾ وَفِي السورتين أَيْضا ﴿آمنا بِرَبّ الْعَالمين﴾ وَلَيْسَ فِي طه ﴿رب الْعَالمين﴾ وَفِي السورتين ﴿رب مُوسَى وَهَارُون﴾ وَفِي هَذِه ﴿فَسَوف تعلمُونَ﴾ ﴿لأقطعن﴾ وَفِي الشُّعَرَاء ﴿فلسوف تعلمُونَ﴾ ﴿لأقطعن﴾ وَفِي طه ﴿فلأقطعن﴾ وَفِي السورتين ﴿لأصلبنكم أَجْمَعِينَ﴾ وَفِي طه ﴿ولأصلبنكم فِي جُذُوع النّخل﴾ وَهَذَا كُله مُرَاعَاة لفواصل الْآي لِأَنَّهَا مرعية تنبنى عَلَيْهَا مسَائِل كَثِيرَة ١٥٤ - قَوْله فِي هَذِه السُّورَة ﴿آمنتم بِهِ﴾ وَفِي

стр. 67

السورتين ﴿آمنتم لَهُ﴾ لِأَن الضَّمِير هُنَا يعود إِلَى رب الْعَالمين وَهُوَ الْمُؤمن بِهِ سُبْحَانَهُ وَفِي السورتين يعود إِلَى مُوسَى وَهُوَ الْمُؤمن لَهُ لقَوْله ﴿إِنَّه لكبيركم﴾ وَقيل آمنتم بِهِ وآمنتم لَهُ وَاحِد ١٥٥ - قَوْله ﴿قَالَ فِرْعَوْن﴾ وَفِي السورتين ﴿قَالَ آمنتم﴾ لِأَن هَذِه السُّورَة متعقبة على السورتين فَصرحَ فِي الأولى وكنى فِي الْأُخْرَيَيْنِ وَهُوَ الْقيَاس قَالَ الْخَطِيب لِأَن فِي هَذِه السُّورَة بعد عَن ذكر فِرْعَوْن بآيَات فَصرحَ وَقرب فِي السورتين من ذكره فكنى ١٥٦ - قَوْله ﴿ثمَّ لأصلبنكم﴾ وَفِي السورتين ﴿ولأصلبنكم﴾ لِأَن ثمَّ تدل على أَن الصلب يَقع بعد التقطيع وَإِذا دلّ فِي الأولى علم فِي غَيرهَا وَلِأَن مَوضِع الْوَاو تصلح لَهُ ثمَّ ١٥٧ - قَوْله ﴿إِنَّا إِلَى رَبنَا منقلبون﴾ وَفِي الشُّعَرَاء ﴿لَا ضير إِنَّا إِلَى رَبنَا منقلبون﴾ بِزِيَادَة ﴿لَا ضير﴾ لِأَن هَذِه السُّورَة اختصرت فِيهَا هَذِه الْقِصَّة وأشبعت فِي الشُّعَرَاء وَذكر فِيهَا أول أَحْوَال مُوسَى مَعَ فِرْعَوْن إِلَى آخرهَا فَبَدَأَ بقوله ﴿ألم نربك فِينَا وليدا﴾ وَختم بقوله ﴿ثمَّ أغرقنا الآخرين﴾ فَلهَذَا وَقع فِيهَا زَوَائِد لم تقع فِي الْأَعْرَاف وطه فَتَأمل وتدبر تعرف إعجاز الْقُرْآن ١٥٨ - قَوْله ٦ ﴿يسومونكم سوء الْعَذَاب يقتلُون﴾ بِغَيْر وَاو على الْبَدَل وَقد سبق ١٥٩ - قَوْله ﴿من يهد الله فَهُوَ الْمُهْتَدي﴾ بِإِثْبَات الْيَاء على الأَصْل وَفِي غَيرهَا بِغَيْر يَاء على التَّخْفِيف

стр. 68

١٦٠ - قَوْله ﴿قل لَا أملك لنَفْسي نفعا وَلَا ضرا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ فِي هَذِه السُّورَة وَفِي يُونُس ﴿قل لَا أملك لنَفْسي ضرا وَلَا نفعا إِلَّا مَا شَاءَ الله﴾ لِأَن أَكثر مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن من لَفْظِي الضّر والنفع مَعًا جَاءَ بِتَقْدِيم لفظ الضّر على النَّفْع لِأَن العابد يعبد معبوده خوفًا من عِقَابه أَولا ثمَّ طَمَعا فِي ثَوَابه ثَانِيًا يقويه قَوْله ﴿يدعونَ رَبهم خوفًا وَطَمَعًا﴾ وَحَيْثُ تقدم النَّفْع على الضّر تقدم لسابقة لفظ تضمن نفعا وَذَلِكَ فِي ثَمَانِيَة مَوَاضِع ثَلَاثَة مِنْهَا بِلَفْظ الِاسْم وَهِي هَهُنَا والرعد وسبأ وَخَمْسَة بِلَفْظ الْفِعْل وَهِي فِي الْأَنْعَام ﴿ينفعنا وَلَا يضرنا﴾ وَآخر فِي يُونُس ﴿مَا لَا ينفعك وَلَا يَضرك﴾ وَفِي الْأَنْبِيَاء ﴿مَا لَا ينفعكم شَيْئا وَلَا يضركم﴾ وَالْفرْقَان ﴿مَا لَا يَنْفَعهُمْ وَلَا يضرهم﴾ وَفِي الشُّعَرَاء ﴿ينفعونكم أَو يضرون﴾ أما فِي هَذِه السُّورَة فقد تقدمه ﴿من يهد الله فَهُوَ الْمُهْتَدي وَمن يضلل﴾ فَقدم الْهِدَايَة على الضَّلَالَة وَبعد ذَلِك ﴿لاستكثرت من الْخَيْر وَمَا مسني السوء﴾ فَقدم الْخَيْر على السوء فَلذَلِك قدم النَّفْع على الضّر وَفِي الرَّعْد ﴿طَوْعًا وَكرها﴾ فَقدم الطوع وَفِي سبأ ﴿يبسط الرزق لمن يَشَاء وَيقدر﴾ فَقدم الْبسط وَفِي يُونُس قدم الضّر على الأَصْل ولموافقة مَا قبلهَا ﴿مَا لَا يضرهم وَلَا يَنْفَعهُمْ﴾ وفيهَا ﴿وَإِذا مس الْإِنْسَان الضّر﴾ فَيكون فِي الْآيَة ثَلَاث مَرَّات وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ بِلَفْظ الْفِعْل فلسابقة معنى يتَضَمَّن فعلا

стр. 69

أما سُورَة الْأَنْعَام فَفِيهَا ﴿لَيْسَ لَهَا من دون الله ولي وَلَا شَفِيع وَإِن تعدل كل عدل لَا يُؤْخَذ مِنْهَا﴾ ثمَّ وَصلهَا بقوله ﴿قل أندعو من دون الله مَا لَا ينفعنا وَلَا يضرنا﴾ وَفِي يُونُس تقدمه قَوْله ﴿ثمَّ ننجي رسلنَا وَالَّذين آمنُوا كَذَلِك حَقًا علينا ننج الْمُؤمنِينَ﴾ ثمَّ قَالَ ﴿وَلَا تدع من دون الله مَا لَا ينفعك وَلَا يَضرك﴾ وَفِي الْأَنْبِيَاء تقدم قَول الْكفَّار لإِبْرَاهِيم فِي المجادلة ﴿لقد علمت مَا هَؤُلَاءِ ينطقون﴾ ﴿قَالَ أفتعبدون من دون الله مَا لَا ينفعكم شَيْئا وَلَا يضركم﴾ وَفِي الْفرْقَان تقدمه قَوْله ﴿ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل﴾ وعد نعما جمة فِي الْآيَات ثمَّ قَالَ ﴿ويعبدون من دون الله مَا لَا يَنْفَعهُمْ وَلَا يضرهم﴾ فَتَأمل فَإِنَّهُ برهَان الْقُرْآن ١٦١ - قَوْله ﴿وخيفة﴾ ذكرت فِي الْمُتَشَابه وَلَيْسَت مِنْهُ لِأَنَّهَا من الْخَوْف ﴿وخفية﴾ من قَوْله تَعَالَى ﴿تَدعُونَهُ تضرعا وخفية﴾ من خَفِي الشَّيْء إِذا استتر سُورَة الْأَنْفَال ١٦٢ - قَوْله ﴿وَمَا جعله الله إِلَّا بشرى﴾ وَقَوله ﴿وَمن يُشَاقق الله﴾ وَقَوله ﴿وَيكون الدّين كُله لله﴾ وَقد سبق

стр. 70

١٦٣ - قَوْله ﴿كدأب آل فِرْعَوْن وَالَّذين من قبلهم كفرُوا بآيَات الله﴾ ثمَّ قَالَ بعد آيَة ﴿كدأب آل فِرْعَوْن وَالَّذين من قبلهم كذبُوا بآيَات رَبهم﴾ قَالَ الْخَطِيب قد أجَاب فِيهَا بعض أهل النّظر بِأَن قَالَ ذكر فِي الْآيَة الأولى عُقُوبَته إيَّاهُم عِنْد الْمَوْت كَمَا فعله بآل فِرْعَوْن وَمن قبلهم من الْكفَّار وَذكر فِي الثَّانِيَة مَا يفعل بهم بعد الْمَوْت كَمَا فعله بآل فِرْعَوْن وَمن قبلهم فَلم يكن تَكْرَارا قَالَ الْخَطِيب وَالْجَوَاب عِنْدِي أَن الأول إِخْبَار عَن عَذَاب لم يُمكن الله أحدا من فعله وَهُوَ ضرب الْمَلَائِكَة وُجُوههم وأدبارهم عِنْد نزع أَرْوَاحهم وَالثَّانِي إِخْبَار عَن عَذَاب مكن النَّاس من فعل مثله وَهُوَ الإهلاك والإغراق قلت وَله وَجْهَان آخرَانِ محتملان أَحدهمَا كدأب آل فِرْعَوْن فِيمَا فعلوا وَالثَّانِي كدأب آل فِرْعَوْن فِيمَا فعل بهم فهم فاعلون على الأول ومفعولون فِي الثَّانِي وَالْوَجْه الآخر أَن المُرَاد بِالْأولِ كفرهم بِاللَّه وَبِالثَّانِي تكذيبهم بالأنبياء لِأَن تَقْدِير الْآيَة كذبُوا الرُّسُل بردهمْ آيَات الله وَله وَجه آخر وَهُوَ أَن يَجْعَل الضَّمِير فِي ﴿كفرُوا﴾ لكفار قُرَيْش على تَقْدِير كفرُوا بآيَات الله كدأب آل فِرْعَوْن وَكَذَلِكَ الثَّانِي كذبُوا بآيَات رَبهم كدأب آل فِرْعَوْن ١٦٤ - قَوْله ﴿الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله﴾ فِي هَذِه السُّورَة بِتَقْدِيم ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم﴾ وَفِي بَرَاءَة بِتَقْدِيم ﴿فِي سَبِيل الله﴾ لِأَن فِي هَذِه السُّورَة تقدم ذكر المَال وَالْفِدَاء وَالْغنيمَة فِي قَوْله ﴿تُرِيدُونَ عرض

стр. 71

الدُّنْيَا﴾ ﴿لَوْلَا كتاب من الله سبق لمسكم فِيمَا أَخَذْتُم﴾ أَي من الْفِدَاء ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُم﴾ فَقدم ذكر المَال وَفِي بَرَاءَة تقدم ذكر الْجِهَاد وَهُوَ قَوْله ﴿وَلما يعلم الله الَّذين جاهدوا مِنْكُم﴾ وَقَوله ﴿كمن آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وجاهد فِي سَبِيل الله﴾ فَقدم ذكر الْجِهَاد فِي هَذِه الْآي فِي هَذِه السُّورَة ثَلَاث مَرَّات فأورد فِي الأولى ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله﴾ وَحذف من الثَّانِيَة ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم﴾ اكْتِفَاء بِمَا فِي الأولى وَحذف من الثَّالِثَة ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم﴾ وَزَاد حذف ﴿فِي سَبِيل الله﴾ اكْتِفَاء بِمَا فِي الْآيَتَيْنِ قبلهَا سُورَة التَّوْبَة ١٦٥ - قَوْله ﴿وَاعْلَمُوا أَنكُمْ غير معجزي الله﴾ لَيْسَ بتكرار لِأَن الأول للمكان وَالثَّانِي للزمان وَقد تقدم ذكرهمَا فِي قَوْله ﴿فسيحوا فِي الأَرْض أَرْبَعَة أشهر﴾ ١٦٦ - قَوْله ﴿فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ لَيْسَ بتكرار لِأَن الأول فِي الْكفَّار وَالثَّانِي فِي الْيَهُود فِيمَن حمل قَوْله ﴿اشْتَروا بآيَات الله ثمنا قَلِيلا﴾ على التَّوْرَاة وَقيل هما فِي الْكفَّار وَجَزَاء الأول تخلية سبيلهم وَجَزَاء الثَّانِي إِثْبَات الْأُخوة لَهُم وَالْمعْنَى بِإِثْبَات الله الْقُرْآن ١٦٧ - قَوْله ﴿كَيفَ يكون للْمُشْرِكين عهد عِنْد الله وَعند رَسُوله﴾ ثمَّ ذكر بعده ﴿كَيفَ وَإِن يظهروا عَلَيْكُم لَا يرقبوا فِيكُم إِلَّا وَلَا ذمَّة﴾ وَاقْتصر عَلَيْهِ فَذهب بَعضهم إِلَى أَنه

стр. 72

تكْرَار للتَّأْكِيد وَاكْتفى بِذكر ﴿كَيفَ﴾ عَن الْجُمْلَة بعده لدلَالَة الأولى عَلَيْهِ وَقيل تَقْدِيره كَيفَ لَا تقتلونهم فَلَا يكون من التّكْرَار فِي شَيْء ١٦٨ - قَوْله ﴿لَا يرقبوا فِيكُم إِلَّا وَلَا ذمَّة﴾ وَقَوله ﴿لَا يرقبون فِي مُؤمن إِلَّا وَلَا ذمَّة﴾ الأول للْكفَّار وَالثَّانِي للْيَهُود وَقيل ذكر الأول وَجعل جَزَاء للشّرط ثمَّ أعَاد ذَلِك تقبيحا لَهُم فَقَالَ ﴿سَاءَ مَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ ﴿لَا يرقبون فِي مُؤمن إِلَّا وَلَا ذمَّة﴾ فَلَا يكون تكْرَار مُحصنا ١٦٩ - قَوْله ﴿الَّذين آمنُوا وَهَاجرُوا وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم﴾ إِنَّمَا قدم فِي سَبِيل الله فِي هَذِه السُّورَة لموافقة قَوْله قبله ﴿وَجَاهدُوا فِي سَبِيل الله﴾ وَقد سبق ذكره فِي الْأَنْفَال وَقد جَاءَ بعده فِي موضِعين ﴿بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله﴾ ليعلم أَن الأَصْل ذَلِك وَإِنَّمَا قدم هَهُنَا لموافقة مَا قبله فَحسب ١٧٠ - قَوْله ﴿كفرُوا بِاللَّه وبرسوله وَلَا يأْتونَ﴾ بِزِيَادَة بَاء وَبعده ﴿إِنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وَرَسُوله وماتوا﴾ بِغَيْر بَاء فيهمَا لِأَن الْكَلَام فِي الْآيَة الأولى إِيجَاب بعد نفي وَهُوَ الْغَايَة فِي بَاب التَّأْكِيد وَهُوَ قَوْلهم ﴿وَمَا مَنعهم أَن تقبل مِنْهُم نفقاتهم إِلَّا أَنهم كفرُوا بِاللَّه﴾ فأكد الْمَعْطُوف أَيْضا فالباء ليَكُون الْكل فِي التَّأْكِيد على منهاج وَاحِد وَلَيْسَ كَذَلِك الْآيَتَانِ بعده فَإِنَّهُمَا خلتا من التَّأْكِيد ١٧١ - قَوْله ﴿فَلَا تعجبك أَمْوَالهم﴾ بِالْفَاءِ وَقَالَ فِي

стр. 73

الْآيَة الْأُخْرَى ﴿وَلَا تعجبك أَمْوَالهم﴾ بِالْوَاو لِأَن الْفَاء تَتَضَمَّن معنى الْجَزَاء وَالْفِعْل الَّذِي قبله مُسْتَقْبل يتَضَمَّن معنى الشَّرْط وَهُوَ قَوْله ﴿وَلَا يأْتونَ الصَّلَاة إِلَّا وهم كسَالَى وَلَا يُنْفقُونَ إِلَّا وهم كَارِهُون﴾ أَي إِن يكن مِنْهُم ذَلِك فَمَا ذكر جزاؤهم فَكَانَ الْفَاء هَهُنَا أحسن موقعا من الْوَاو وَالَّتِي بعْدهَا جَاءَ قبلهَا ﴿كفرُوا بِاللَّه وَرَسُوله وماتوا﴾ بِلَفْظ الْمَاضِي وَبِمَعْنَاهُ والماضي لَا يتَضَمَّن معنى الشَّرْط وَلَا يَقع من الْمَيِّت فعل فَكَانَ الْوَاو أحسن ١٧٢ - قَوْله ﴿وَلَا أَوْلَادهم﴾ بِزِيَادَة ﴿لَا﴾ وَقَالَ فِي الْأُخْرَى ﴿وَأَوْلَادهمْ﴾ بِغَيْر لَا لِأَنَّهُ لما أكد الْكَلَام الأول بِالْإِيجَابِ بعد النَّفْي وَهُوَ الْغَايَة وعلق الثَّانِي بِالْأولِ تَعْلِيق الْجَزَاء بِالشّرطِ اقْتضى الْكَلَام الثَّانِي من التوكيد مَا اقْتَضَاهُ الأول فأكد معنى النَّهْي بتكرار ﴿لَا﴾ فِي الْمَعْطُوف ١٧٣ - قَوْله ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليعذبهم﴾ وَقَالَ فِي الْأُخْرَى ﴿أَن يعذبهم﴾ لِأَن ﴿إِن﴾ فِي هَذِه الْآيَة مقدرَة وَهِي الناصبة للْفِعْل فَصَارَ فِي الْكَلَام هَهُنَا زِيَادَة كزيادة الْبَاء وَلَا فِي الْآيَة ١٧٤ - قَوْله ﴿فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ وَفِي الْآيَة الْأُخْرَى ﴿فِي الدُّنْيَا﴾ لِأَن الدُّنْيَا صفة الْحَيَاة فِي الْآيَتَيْنِ فَأثْبت الْمَوْصُوف وَالصّفة فِي الأولى وَحذف بِذكرِهِ فِي الأولى وَلَيْسَ الْآيَتَانِ مكررتين لِأَن الأولى فِي

стр. 74

قوم وَالثَّانيَِة فِي آخَرين وَقيل الأولى فِي الْيَهُود وَالثَّانيَِة فِي الْمُنَافِقين وَجَوَاب آخر وَهُوَ أَن الْمَفْعُول فِي هَذِه الْآيَة مَحْذُوف أَي أَن يزِيد فِي نعمائهم بالأموال وَالْأَوْلَاد ليعذبهم بهَا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَالْآيَة الْأُخْرَى إِخْبَار عَن قوم مَاتُوا على الْكفْر فتعلقت الْإِرَادَة بِنَا هم فِيهِ وَهُوَ الْعَذَاب ١٧٥ - قَوْله ﴿يُرِيدُونَ أَن يطفئوا نور الله﴾ وَفِي الصَّفّ ﴿ليطفئوا﴾ هَذِه الْآيَة تشبه قَوْله ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله أَن يعذبهم﴾ و ﴿ليعذبهم﴾ حذف اللَّام من الْآيَة الأولى لِأَن مُرَادهم إطفاء نور الله بأفواههم وَالْمرَاد الَّذِي هُوَ الْمَفْعُول بِهِ فِي الصَّفّ مُضْمر تَقْدِيره وَمن أظلم مِمَّن افترى على الله الْكَذِب ليطفئوا نور الله وَاللَّام لَام الْعلَّة وَذهب بعض النُّحَاة إِلَى أَن الْفِعْل مَحْمُول على الْمصدر أَي إرادتهم لإطفاء نور الله ١٧٦ - قَوْله ﴿ورضوان من الله أكبر ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ هَذِه الْكَلِمَات تقع على وَجْهَيْن أَحدهمَا ﴿ذَلِك الْفَوْز﴾ بِغَيْر ﴿هُوَ﴾ وَهُوَ فِي الْقُرْآن فِي سِتَّة مَوَاضِع فِي بَرَاءَة موضعان وَفِي يُونُس وَالْمُؤمن وَالدُّخَان وَالْحَدِيد وَمَا فِي بَرَاءَة أَحدهمَا بِزِيَادَة الْوَاو وَهُوَ قَوْله ﴿فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ وَكَذَلِكَ مَا فِي الْمُؤمن بِزِيَادَة الْوَاو

стр. 75

وَالْجُمْلَة إِذا جَاءَت بعد جملَة من غير تراخ بنزول جَاءَت مربوطة بِمَا قبلهَا إِمَّا بواو الْعَطف وَإِمَّا بكناية تعود من الثَّانِيَة إِلَى الأولى وَإِمَّا بِإِشَارَة فِيهَا إِلَيْهَا وَرُبمَا يجمع بَين الْإِثْنَيْنِ مِنْهَا وَالثَّلَاثَة للدلالة على مُبَالغَة فِيهَا فَفِي بَرَاءَة ﴿خَالِدين فِيهَا ذَلِك الْفَوْز﴾ ﴿خَالِدين فِيهَا أبدا ذَلِك الْفَوْز﴾ وفيهَا أَيْضا ﴿ورضوان من الله أكبر ذَلِك هُوَ الْفَوْز﴾ فَجمع بَين اثْنَيْنِ وَبعدهَا ﴿فاستبشروا ببيعكم الَّذِي بايعتم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ فَجمع بَين الثَّلَاثَة تَنْبِيها على أَن الاستبشار من الله تَعَالَى يتَضَمَّن رضوانه والرضوان يتَضَمَّن الخلود فِي الْجنان قلت وَيحْتَمل أَن ذَلِك لما تقدمه من قَوْله ﴿وَعدا عَلَيْهِ حَقًا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن﴾ ١١١ - وَيكون كل وَاحِد مِنْهَا فِي مُقَابلَة وَاحِد وَكَذَلِكَ فِي الْمُؤمن تقدمه ﴿فَاغْفِر﴾ ﴿وقهم﴾ ﴿وأدخلهم﴾ فَوَقَعت فِي مُقَابلَة الثَّلَاثَة ١٧٧ - قَوْله ﴿وطبع على قُلُوبهم﴾ ثمَّ قَالَ بعده ﴿وطبع الله﴾ لِأَن قَوْله ﴿وطبع﴾ مَحْمُول على رَأس الْمِائَة وَهُوَ قَوْله ﴿وَإِذا أنزلت سُورَة﴾ مَبْنِيّ للْمَجْهُول وَالثَّانِي مَحْمُول على مَا تقدم من ذكر الله تَعَالَى مَرَّات فَكَانَ اللَّائِق ﴿وطبع الله﴾ ثمَّ ختم كل آيَة بِمَا يَلِيق بهَا فَقَالَ فِي الأولى ﴿لَا يفقهُونَ﴾ وَفِي الثَّانِيَة ﴿لَا يعلمُونَ﴾ لِأَن الْعلم فَوق الْفِقْه وَالْفِعْل الْمسند إِلَى الله فَوق الْمسند إِلَى الْمَجْهُول ١٧٨ - قَوْله ﴿وسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله ثمَّ تردون﴾ وَقَالَ فِي الْأُخْرَى ﴿فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله
следующие страницы →