← Тараджим

Тараджим · id 3583

نزهة الألباء في طبقات الأدباء

أبو البركات الأنباري

Полный текст (286 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله خالق الإنسان، الذي علمه البيان والصلاة والدائمة على سيدنا محمد نبيه وصفوته من الأكوان، وعلى آله وأصحابه ما أبنّ أبان، وأعرب لسان وأبان. وبعد، فقد ذكرت في هذا الكتاب الموسوم بنزهة الألباء في طبقات الأدباء، معارف أهل هذه الصناعة الأعيان، ومن قاربهم في المعرفة والإتقان، وبينت أحوالهم وأزمانهم على غاية من الكشف والبيان، فالله ينفع به، إنه الكريم المنان. أول من وضع علم العربية اعلم أيدك الله تعالى بالتوفيق، وأرشدك إلى سواء الطريق، أن أول من وضع علم العربية، وأسس قواعده، وحد حدوده، أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وأخذ عنه أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي، وهو منسوب إلى الدئل بن بكر بن كنانة. والدئل، على "فُعِل" اسم دُوَيبة، تسمى الرجل بها، قال سيبويه: وليس في كلام العرب اسم على وزن "فُعِل" غيره، وأنشد:

стр. 2

جاءوا بجيش لو قيس معرسه ... ما كان إلا كمعرس الدئل وحكى غيره: رُئِم، اسم للسبة، ووعل [لغة] في الوعل. والديل في عبد القيس، والدول في حنيفة. وسبب وضع علي ﵁ لهذا العلم، ما روى أبو الأسود، قال: دخلت على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فوجدت في يده رقعة، فقت: ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني تأملت كلام الناس فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء -يعني الأعاجم- فأردت أن أضع لهم شيئاً يرجعون إليه، ويعتمدون عليه؛ ثم ألقى إليّ الرقعة، وفيها مكتوب: "الكلام كله اسم، وفعل، وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى، والفعل ما أنبئ به، والحرف ما جاء لمعنى"، وقال لي: "انحُ هذا النحو، وأضف إليه ما وقع إليك، واعلم يا أبو الأسود أن الأسماء ثلاثة: ظاهر، ومضمر، واسمٌ لا ظاهر ولا مضمر؛ وإنما يتفاضل الناس يا أبا الأسود فيما ليس بظاهرٍ ولا مضمر" وأراد بذلك الاسم المبهم. قال أبو الأسود: فكان ما وقع إليّ: "إن" وأخواتها ما خلا "لكن". فلما عرضتها على علي ﵁،

стр. 3

قال لي: وأين لكنّ؟ فقال: ما حسبتها منها؛ فقال: هي منها فألحقها، ثم قال: ما أحسن هذا النحو الذي نحوت! فلذلك سمي النحو نحواً. أبو الأسود الدؤلي وكان أبو الأسود فيمن صحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ وكان من المشهورين بصحبته ومحبته ومحبة أهل بيته، وفي ذلك يقول: يقول الأرذلون بنو قُشيْرٍ ... طوال الدهر لا تنسى عليا! فقلت لهم: فكيف يكون تركي ... من الأعمال ما يحصى عليا أحب محمدا حُبّاً شديداً ... وعباسا وحمزة والوصيَّا فإن يك حبهم رشداً أصبه ... وفيهم أسوة إن كان غيّا فكم رشداً أصبت وحزت مجداً ... تقاصر دونه هام الثريا وكان ينزل البصرة في بني قشير، وكانوا يرجمونه بالليل لمحبته عليّاً ﵁ وأهل بيته؛ فإذا ذكر رجمهم له، قالوا: إن الله يرجمك؛ فيقول لهم: تكذبون، ولو رجمني الله أصابني، ولكنكم ترجمون فلا تصيبون. وروى أن سبب وضع علي ﵁ لهذا العلم أنه سمع أعرابياً يقرأ: "لا يأكُلُه إلا الخاطئين" فوضع النحو. ويروى أيضاً أنه قدم أعرابي في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فقال: من يقرئني شيئاً مما أنزل الله على محمد ﷺ فأقرأه رجل سورة براءة، فقال:] أن الله بريءٌ من المشركين ورسولِه [بالجر، فقال الأعرابي: أو قد برئ الله من رسوله! إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه! فبلغ عمر ﵁ مقالة الأعرابي، فدعاه فقال: يا أعرابي، أتبرأ من رسول الله! فقال: يا أمير المؤمنين، إني قدمت المدينة، ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فأقرأني هذا

стр. 4

سورة براءة، فقال:] أن الله بريءٌ من المشركين ورسولِه [، فقلت: أو قد برئ الله تعالى من رسوله! إن يكن برئ من رسوله، فأنا أبرأ منه. فقال له عمر ﵁: ليس هكذا يا أعرابي، فقال: كيف هي يا أمير المؤمنين؟ فقال:] أن الله بريءٌ من المشركين ورسولُهُ [فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ ممن برئ الله ورسوله منه. فأمر عمر ﵁ ألا يقرئ القرآن إلا عالمٌ باللغة، وأمر أبا الأسود أن يضع النحو. وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره: أخذ أبو الأسود النحو عن علي بن أبي طالب ﵁. وروى أيضاً أن زياد بن أبيه بعث إلى أبي الأسود، وقال له: يا أبا الأسود، إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب، فلو وضعت شيئاً يصلح به الناس كلامهم، ويعرب كتاب الله تعالى! فأبى أبا الأسود، وكره إجابة زياد إلى ما سأل، فوجه زياد رجلاً وقال له: اقعد على طريق أبي الأسود؛ فإذا مر بك فاقرأ شيئاً من القرآن، وتعمّد اللحن فيه. فقعد الرجل على طريق أبي الأسود، فلما مر به رفع صوته فقرأ:] أن الله بريء من المشركين ورسوله [بالجر، فاستعظم أبو الأسود ذلك، وقال: عز وجه الله أن يبرأ من رسوله! ورجع من حاله، إلى زياد، وقال: يا هذا، قد أجبتك إلى ما سألت، ورأيت أن أبدأ بإعراب القرآن، فابعث إليَّ ثلاثين رجلاً؛ فأحضرهم زياد، فاختار منهم أبو الأسود عشرة، ثم لم يزل يختارهم حتى اختار منهم رجلاً من عبد القيس، فقال: خذ المصحف وصبغاً يخالف لون المداد، فإذا فتحت شفتيَّ فانقط واحدة فوق الحرف، وإذا ضممتهما فاجعل النقطة إلى جانب الخرف، وإذا كسرتهما فاجعل النقطة في أسفله، فإن أتبعت شيئاً من هذه الحركات غنَّةً فانقط نقطتين. فابتدأ بالمصحف حتى أتى على آخره، ثم وضع المختصر المنسوب إليه بعد ذلك.

стр. 5

وروى عاصم قال: جاء أبو الأسود الدؤلي إلى زياد وهو أمير بالبصرة؛ فقال: إني أرى العرب قد خالطت هذه الأعاجم، وفسدت ألسنتها، أفتأذن لي أن أضع للعرب ما يعرفون به كلامهم؟ فقال له زياد: لا تفعل، قال: فجاء رجل إلى زياد، فقال: أصلح الله الأمير! "تُوفِّي أبانا وترك بنوناً"، فقال له زياد: "تُوُفِّيَ أبانا وترك بنونا! "، ادع لي أبا الأسود؛ فلما جاءه قال له: ضع للناس ما كنت نهيتك عنه؛ ففعل. ويروى أيضاً، أن أبا الأسود الدؤلي قالت له ابنته: ما أحسنُ السماءِ! فقال لها: نجومها، فقالت: إني لم أرد هذا، وإنما تعجبت من حسنها؛ فقال لها: إذن فقولي: ما أحسنَ السماءَ! فحينئذ وضع النحو؛ وأول ما رسم منه باب التعجب. وحكى أبو حاتم السجستاني، قال: ولد أبو الأسود في الجاهلية، وأخذ النحو عن علي بن أبي طالب ﵁. وروى أبو سلمة موسى بن إسماعيل، عن أبيه، قال: كان أبو الأسود أول من وضع النحو بالبصرة. وزعم قوم أن أول من وضع النحو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج. وزعم آخرون أو أول من وضع النحو نصر بن عاصم. فأما زعم من زعم أن أول من وضع النحو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ونصر بن عاصم فليس بصحيح؛ لأن عبد الرحمن بن هرمز، أخذ النحو عن أبي الأسود، وكذلك أيضاً نصر بن عاصم أخذه عن أبي الأسود، ويقال عن ميمون الأقرن. والصحيح أن أول من وضع النحو علي بن أبي طالب ﵁؛ لأن الروايات كلها تسند إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسند إلى علي بن أبي طالب ﵁؛ فإن رويَ

стр. 6

عن أبي الأسود أنه سئل فقيل له: من أين لك هذا النحو؟ فقال: لفقت حدوده من علي بن أبي طالب ﵁. ويحكى عن يحيى بن معين ﵁ أنه قال: مات أبو الأسود الدؤلي ﵁ في الطاعون الجارف سنة تسع وستين. قال يحيى: ويقال: إنه مات قبل الطاعون؛ وذلك في خلافة أبي خبيب عبد الله بن الزبير. وأخذ عن أبي الأسود الدؤلي عنبسة الفيل ، وميمون الأقرن، ونصر بن عاصم، وعبد الرحمن بن هرمز، ويحية بن يعمر. عنبسة الفيل فأما عنبسة الفيل، فهو عنبسة بن معدان، وكان معدان رجلاً من أهل ميسان، قدم وأقام بها، وكان يقال له: معدان الفيل. وسبب ذلك أن عبد الله بن عامر كان له فيل بالبصرة، وقد استكثر النفقة عليه، فأتاه معدان، فتقبل بنفقته، وفضل في كل

стр. 7

شهر، فكان يدعى معدان الفيل، فنشأ له عنبسة، فتعلم النحو على أبي الأسود، وروى الشعر، وانتسب إلى مهرة ابن حيدان، وروى لجرير شعراً، فبلغ ذلك الفرزدق، فقال يهجوه: لقد كان في معدان والفيل زاجرٌ ... لعنبسة الراوي علي القصائدا ويروى أن بعض عمال البصرة سأل عنبسة عن هذا البيت وعن الفيل، فقال عنبسة: لم يقل: "الفيل"، وإنما قال: "اللؤم"، فقال لعنبسة: إن أمراً تفر منه إلى "اللؤم" لأمر عظيم!. ويروى عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أنه قال: اختلف الناس إلى أبي الأسود الدؤلي يتعلمون منه العربية، فكان أبرع أصحابه عنبسة بن معدان المهري، واختلف الناس إلى عنبسة، فكان أبرع أصحابه ميمون الأقرع. وروي أيضاً عن أبي عبيدة أنه قال: أول من وضع النحو أبو الأسود الدؤلي، ثم ميمون الأقرن، ثم عنبسة الفيل، ثم عبد الله بن أبي إسحاق، ثم عيسى بن عمر. ففي هذه الرواية ميمون الأقرن قبل عنبسة، وفي تلك الرواية عنبسة قبل ميمون. نصر الليثي وأما نصر بن عاصم الليثي، فإنه كان فقيهاً عالماً بالعربية، فصيحاً، قال عمرو بن دينار: اجتمعت أنا والزهري، ونصر بن عاصم، فتكلم نصر، فقال

стр. 8

الزهري: إنه ليفلق العربية تفليقاً. قال المدائني: وكان يرى الخوارج؛ ثم تركهم ورجع عنه، وقال في ذلك: فارقت نجدة والذين تزرقوا ... وابن الزبير وشيعة الكذاب وهوى النجارين قد فارقته ... وعطية المتجبر المرتاب وقرأن القرآن أيضاً على أبي الأسود، وقرأ أبو الأسود على علي ﵁، فكان أستاذه في القراءة والنحو. مات سنة تسع وثمانين في أيام الوليد بن عبد الملك. ويقال: إنه مات بالبصرة لسنة تسعين في أيام الوليد أيضاً. أبو داود الأعرج وأما الأعرج؛ فهو أبو داود عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، وكان مولى لمحمد بن ربيعة بن الحارث بن المطلب. وكان أحد القراء، عالماً بالعربية، وأعلم الناس بأنساب العرب، وخرج إلى الإسكندرية، وأقام بها إلى أن مات سنة سبع عشرة ومائة في أيام هشام بن عبد الملك. يحيى بن يعمر وأما يحيى بن يعمر العدواني؛ فيكنى أبا سليمان، وهو رجل من عدوان بن

стр. 9

قيس بن غيلان بن مضر، وكان عالماً بالعربية والحديث، ولقي عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهما من الصحابة. وروى عنه قتادة، وكان من الفصحاء، وكان قد ولاه يزيد بن المهلب القضاء بخراسان، فقال له يوماً: هل تشرب النبيذ؟ فقال: ما أدعه في صباحي ومسائي، فقال له: أنت ونبيذك؛ وعزله عن القضاء. ويروى أن الحجاج بن يوسف قال له: أتجدني ألحن؟ فقال: الأمير أفصح من ذلك، فقال: عزمت عليك لتخبرني! فقال: يحيى: نعم! فقال له: في أي شيء؟ فقال: في كتاب الله تعالى؛ فقال: ذلك أشنع؛ ففي أي شيء من كتاب الله تعالى؟ قال: قرأت] قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم [فرفعت "أحبُّ" وهو منصوب، فقال له الحجاج: طول لحيتك أوقعك - وكان طويل اللحية - فقال له رجل ممن حضر: أيها الأمير، حدثني كعب الأحبار أنه مكتوب في بعض الكتب أن اللحية مخرجها من الدماغ، فمن تفرط لحيته في طولها يخف دماغه، ومن خف دماغه قل عقله، ومن قل عقله كان أحمق، والأحمق لا يسمع عنه؛ فقال الحجاج [ليحيى] : لا تساكني ببلد أنا فيه؛ ونفاه إلى خراسان وبها يزيد بن المهلب؛ فكان عنده. قال محمد بن سلام: أخبرني أبي أن يزيد بن المهلب، كتب إلى الحجاج: إنا لقينا العدو، ففعلنا وفعلنا، واضطررناه إلى عرعرة الجبل؛ فقال الحجاج: ما لابن

стр. 10

المهلب وهذا الكلام! فقيل له: إن يحيى بن يعمر عنده، فقال: ذاك إذن! وكان يستعمل الغريب من كلامه، فمن ذلك أنه قال لرجل خاصمته امرأته: أأن سألتك ثمن شكرها وسرك، أنشأت تمطلها وتضهلها!. الشكر والسر: النكاح. ويروى: "وشبرك" والشبر: العطاء. وخاصم رجل رجلاً في غلام، فقال: باعني غلاماً أبّاقاً، فقال له يحيى: ألا قلت: أبوقاً! ومات يحيى بن يعمر بخراسان سنة تسع وعشرين ومائة، في أيام مروان بن محمد. ابن أبي إسحاق الحضرمي وأما ابن أبي إسحاق، فهو أبو بحر عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي. وكان قيماً بالعربية والقراءة، إماماً فيهما؛ وكان شديد التجريد للقياس. ويقال: إنه كان أشد تجريداً للقياس من أبي عمرو بن العلاء، وكان أبو عمرو بن العلاء أوسع علماً بكلام العرب ولغاتها وغريبها. ويروى أن بلال بن أبي بردة جمع بينهما، قال يونس: قال أبو عمرو: فغلبني ابن أبي إسحاق يومئذ بالهمز،

стр. 11

فنظرت فيه بعد ذلك. ويقال إنه أول من علل النحو. وقال محمد بن سلام: سمعت رجلاً يسأل يونس عن عبد الله بن أبي إسحاق وعلمه، فقال: هو والبحر سواء، أي هو الغاية. وقال يونس: كان أبو عمرو أشد الناس تسليماً للعرب، وكان عبد الله بن أبي إسحاق وعيسى بن عمر يطعنان على العرب، وكان موالي ابن أبي إسحاق الحضرمي موالياً، وهم بني عبد شمس بن عبد مناف، وكان يردّ كثيراً على الفرزدق ويتكلم في شعره، فقال فيه الفرزدق: فلو كان عبد الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى موالياً فقال له ابن أبي إسحاق: ولقد لحنت أيضاً في قولك: "مولى مواليا" وكان ينبغي أن تقول: "مولى موال" والحليف عند العرب مولى، ومنه قول الأخطل: أتشتم قوماً أثبتوكم بنهشل ... ولولاهم كنتم لعكلٍ مواليا وروى أبو عمرو أن ابن أبي إسحاق سمع الفرزدق ينشد: وعض زمان يا بن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحتا أو مجلفُ

стр. 12

فقال له ابن أبي إسحاق: على أي شيء ترفع "أو مجلف"؟ فقال: على ما يسوءك وينوءك؛ قال أبو عمرو: فقلت للفرزدق: أصبت! وهو جائز على المعنى، أي لم يبق سواه. وقرأ عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي على يحيى بن يعمر؛ وقرأ أيضاً هو و أبو عمرو بن العلاء على نصر بن عاصم، وكانا رفيقين. وكان هو وأبو عمرو وعيسى بن عمر في وقت واحد، وتوفيَ قبلهما بالبصرة سنة سبع عشرة ومائة في أيام هشام بن عبد الملك. عيسى بن عمر الثقفي وأما عيسى بن عمر الثقفي، فكنيته أبو سليمان - ويقال: أبو عمر - وكان ثقة عالماً بالعربية والنحو والقراءة، وقراءته مشهورة. وكان فصيحاً يتقعر في كلامه، ويعدل عن سهل الألفاظ إلى الوحشي والغريب؛ فمن ذلك أنه لما ضربه يوسف بن عمر بن هبيرة في سبب ثياب استودعها؛ قال: إن كانت إلا أثياباً في أسيفاط، قبضها عشاروك. وذلك أن بعض أصحاب خالد بن عبد الله القسري أودعه وديعة، فلما نزع خالد بن عبد الله عن إمارته بالعراق، وتقلد مكانه يوسف بن عمر، كتب إلى واليه بالبصرة أن يحمل إليه عيسى بن عمر مقيداً، فدعا به وبالحداد، وأمره بتقييده، وقال: لا بأس عليك، إنما أراد

стр. 13

الأمير أن يؤدب ولده، قال: فما بال القيد إذن! فبقيت مثلاً بالبصرة، فلما أتى به يوسف بن عمر، سأله عن الوديعة فأنكرها، فأمر به فضرب بالسياط، فلما أخذه السوط جذع، فقال: أيها الأمير، والله إنما كانت أثياباً في أسيفاط، قبضها عشاروك؛ فرفع السوط عنه، وكل به حتى أخذ الوديعة منه. وقال علي بن محمد بن سليمان: رأيت عيسى بن عمر طول دهره يحمل في كمه خرقة يحمل فيها سكر العشر والأجاص اليابس، وريما رأيته واقفاً عندي أو سائراً، أو عند ولاة أهل البصرة، فتصيبه نهكة على فؤاده، فيخفق عليه حتى يكاد يغلب، فيستغيث بإجاصة وسكرة يلقيهما في فمه، ثم يمتصهما فإذا ازدرد من ذلك شيئاً سكن عليه؛ فسألته عن ذلك، فقال: أصابني هذا من الضرب الذي ضربني يوسف بن عمر، فعالجته بكل شيء، فلم أجد له أصلح من هذا. وصنف كتابين في النحو، يسمى أحدهما الجامع، والآخر الإكمال. وفيهما يقول الخليل بن أحمد - وكان الخليل قد أخذ عنه: ذهب النحو جميعاً كله ... غير ما أحدث عيسى بن عمر

стр. 14

ذاك إكمال وهذا جامعٌ ... فهما للناس شمس وقمر وهذان الكتابان لم نرهما ولم نرَ أحداً رآهما. وقال يحيى بن المبارك اليزيدي: يا طالب النحو ألا فابكه ... بعد أبي عمرو وحماد وابن أبي إسحاق في علمه ... والزبن في المشهد والنادي عيسى وأشباهٌ لعيسى وهل ... يأتي لهم دهر بأنداد ويونس النحوي لا تنسه ... ولا خليلا حية الوادي وتوفي سنة تسع وأربعين ومائة. ويشهد لهذا ما روي عن الأصمعي أنه قال: توفي عيسى بن عمر قبل أبي عمرو بهمس سنين، وكان ذلك في خلافة أبي جعفر المنصور، وكان أبو عمرو قد توفي سنة أربع وخمسين ومائة، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى. أبو عمرو بن العلاء وأما أبو عمرو بن العلاء، فهو العلم المشهور في علم القراءة واللغة والعربية،

стр. 15

وكان من الشأن بمكان. واسمه زبان؛ ويروى أن الفرزدق جاء معتذراً إليه من أجل هجو بلغه عنه، فقال له أبو عمرو: هجوت زبان ثم جئت معتذراً ... من هجو زبان، لم تهجو ولم تدعْ فهذا يدل على أن اسمه زبان؛ واختلفوا في اسمه اختلافاً كثيراً، ومنهم من قال: اسمه كنيته.

стр. 16

أخذ النحو عن نصر بن عاصم الليثي، وأخذ عنه يونس بن حبيب البصري، والخليل بن أحمد، وأبو محمد يحيى بن المبارك اليزيدي وكان يونس بن حبيب يقول: لو كان أحد ينبغي أو يؤخذ بقوله كله في شيء، كان ينبغي أن يؤخذ بقول أبي عمرو بن العلاء كله في العربية، ولكن ليس من أحد إلا وأنت آخذ من قوله وتارك. وروى الأصمعي عن الخليل بن أحمد، عن أبي عمرو بن العلاء، أنه قال: أكثر من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربية. وحكى الأصمعي قال: غدوت ذات يوم إلى زيارة صديق لي، فلقيني أبو عمرو بن العلاء، فقال: إلى أين يا أصمعي؟ قلت: إلى صديق لي، فقال: إن كان لفائدة، أو لمائدة، أو لعائدة، وإلا فلا. وروي أنه سئل عن قوله تعالى:] فعززنا بثالث [، فقال: المعنى شددنا، وأنشد: أجد إذا ضمرت تعزز لحمها ... وإذا تشد بنعسها لا تنبس تعزز، أي اشتد، ولا تنبس؛ أي لا تصوت. ويروى عن أبي عمرو، قال: كنت هارباً من الحجاج بن يوسف، وكان يشتبه

стр. 17

على "فرجة" هل هي بالفتح أو بالضم؟ فسمعت قائلاً يقول: ربما تجزع النفوس من الأمر ... له فَرجة كحل العقال بفتح الفاء من "فَرجة"، ثم قال: ألا إنه قد مات الحجاج؛ قال: فما كنت أدري بأيهما كنت أشد فرحاً، بقوله: "َرجة"، أو بقوله مات الحجاج! ويروى أن أبا عمرو سأل أبا خيرة عن قولهم: "استأصل الله عرقاتهم"، فنصب أبو خيرة التاء من "عرقاتهم" فقال له أبو عمرو: هيهات يا أبا خيرة! لأن جلدك! وذلك أن أبا عمرو استضعف النصب، لأنه كان قد سمعها [منه] بالجر، وكان أبو عمرو بعد ذلك يرويها بالنصب والجر. وكان أبو عمرو يقول: إنما نحن بالإضافة إلى من كان قبلنا كبقل في أصول رقل، أي نخل طوال؛ وهذا يدل على كماله في فضله، قال الشاعر: وما عبر الإنسان عن فضل نفسه ... بمثل اعتقاد الفضل في كل فاضل وإن أخس النقص أن يرمي الفتى ... قذى العين عنه بانتقاص الأفاضل

стр. 18

وحكى يونس بن حبيب البصري، عن أبي عمرو أنه قال: ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافراً لجاءكم علم وشعر كثير. وقال إبراهيم الحربي: كان أهل العربية كلهم أصحاب أهواء؛ إلا أربعة فإنهم أصحاب سنة: أبو عمرو بن العلاء، والخليل بن أحمد، ويونس بن حبيب البصري، والأصمعي. ومما روي عن أبي عمرو لشيخ من نجد: فاستقدرِ الله خيراً وارضين به ... فبينما العسر إذ دارت مياسر وبينما المرء في الأحياء مغتبطٌ ... إذ صار في الرمس تعفوه الأعاصير يبكي غريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحيِّ مسرور حتى كأن لم يكن إلا تذكره ... والدهر أيتما حال دهارير وهذه الأبيات لعثمان بن لبيد العذري. روى هشام بن الكلبي، قال: عاش عبيد بن شرية الجرهمي ثلثمائة

стр. 19

سنة، وأدرك الإسلام فأسلم، ودخل على معاوية بالشام وهو خليفة، فقال له: حدثني بأعجب ما رأيت، فقال: مررت ذات يوم بقوم يدفنون ميتاً لهم، فلما انتهيت إليهم اغرورقت عيناي بالدموع، فتمثلت بقول الشاعر: يا قلب إنك من أسماء مغرور ... فاذكر وهل ينفعنك اليوم تذكير قد بحت بالحب ما تخفيه من أحدٍ ... حتى جرت لك أطلاقاً محاضير فلست تدري وما تدري أعاجلها ... أدنى لرشدك أم ما فيه تأخير فاستقدر الله خيراً به وارضينَّ به ... فبينما العسر إذ دارت مياسير الأبيات إلى قوله: يبكي غريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور قال: فقال لي رجل: أتعرف من قال هذا الشعر؟ قلت: لا، قال: إن قائله هذا الذي دفناه الساعة، وأنت الغريب الذي يبكي عليه ولست تعرفه، وهذا الذي خرج من قبره أمس الناس رحماً به، وأسرهم بموته. فقال له معاوية: لقد رأيت عجباً، فمن الميت؟ فقال: عثمان بن لبيد العذري. وحكى الأصمعي قال: أنشدنا أبو عمرو: فما جبنوا أنا نشد عليهم ... ولكن رأوا ناراً تحش وتسفعُ قال: فذكرت ذلك لشعبة، فقال: ويلك! إنما هو "تحسَّ وتسفع" أي تحرق وتسوَّد. قال الأصمعي: وقد أصاب أبو عمرو، لأن معنى "تحشُّ" توقد، وقد أصاب شعبة أيضاً، ولم أرَ أعلم بالشعر من شعبة. وروى الأصمعي، عن أبي عمرو بن العلاء، قال: سمعت أعرابياً يقول: فلان لغوب، جاءته كتابي فاختصرها، قال: فقلت له [أتقول] : جاءته كتابي! فقال: أليس بصحيفة! فحمله على المعنى. وقد جاء ذلك كثيراً في كلامهم. واللغوب: الأحمق، وله أسماء كثيرة ذكرناها مستوفاة في كتابنا الموسوم في أسماء المائق. وتوفي أبو عمرو بن العلاء سنة أربع وخمسين ومائة في خلافة المنصور. أبو معاوية النحوي وأما أبو معاوية شيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي؛ فإنه كان مولى لبني تميم، وكان يعلم أولاد داود بن علي بن عبد الله بن عباس، وكان قارئاً محدثاً نحويّاً، من مقدمي النحويين. سكن الكوفة زماناً، وانتقل عنها إلى بغداد. حدث عن الحسن البصري، ويحيى بن أبي كثير، وحدث عنه عبد الرحمن بن مهدي وغيره. وقال [أبو أحمد بن الحسن بن] عبد الله بن سعيد العسكري: إن شيبان

стр. 20

النحوي نسبة إلى بطن يقال لهم نحو بن شمس - بضم الشين - من بطن من الأزد. وذكر أبو الحسين بن المنادي أن المنسوب إلى القبيلة هو يزيد النحوي، لا شيبان. قال أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث: يزيد النحوي، هو يزيد ابن أبي سعيد، وهو من بطن من الأزد، يقال لهم بنو نحو؛ ليسوا من نحو العربية، ولم يرو أحدٌ منهم الحديث إلا رجلان؛ أحدهما يزيد هذا، وسائر من يقال له النحوي، فمن نحو العربية؛ شيبان بن عبد الرحمن النحوي، و هارون بن موسى النحوي، وأبو زيد النحوي. وسئل الإمام أحمد بن حنبل عن شيبان النحوي وعن هشام الدستوائي وعن حرب بن شداد، فقال: شيبان أرفع عندي، شيبان صاحب كتاب صحيح، قد روى شيبان عن الناس، فحديثه صحيح.

стр. 21

وسئل يحيى بن معين عن شيبان: ما حاله والأعمش؟ فقال: ثقةٌ في كل شيء، وكان يحيى بن معين يوثقه، ويزعم أنه بصري انتقل إلى الكوفة. وقال ابن عمار: أبو معاوية النحوي؛ هو بصري ثقة. وتوفي ببغداد سنة أربع وستين ومائة في خلافة المهدي، ودفن في مقبرة الخيزران. وقال محمد بن سعد: دفن في مقابر قريش. وقيل: توفي سنة سبعين ومائة في خلافة الهادي. هارون بن موسى وأما أبو عبد الله هارون بن موسى - وقيل أبو موسى- القارئ النحوي الأعور؛ - فإنه كان من أهل البصرة، وكان عالماً بالنحو، وسمع الحديث عن طاوس اليماني، وثابت البناني، وحميد الطويل؛ وروى عنه علي بن الجعد وغيره.

стр. 22

وقال عبد الله بن سليمان الأشعث: سمعت أبي يقول: كان هارون الأعور يهودياً فأسلم، وحسن إسلامه، وحفظ القرآن وضبطه، وضبط النحو. وناظره إنسان يوماً في مسألة، فغلبه هارون، فلم يدرِ المغلوب ما يقول، فقال له: أنت كنت يهودياً فأسلمت، فقال له هارون: فبئس ما صنعت! قال: فغلبه في هذا أيضاً. قال أبو حاتم السجستاني: سألت الأصمعي عن هارون بن موسى النحوي، فقال: كان ثقة مأموناً. الشرقي بن القطامي وأما الشرقي بن القطاني، فكان وافر الأدب، عالماً بالنسب. أقدمه أبو جعفر المنصور بغداد ليعلم ولده المهدي الأدب، والشرقي لقب له؛ واسمه الوليد، والقطامي لقب لوالده، واسمه الحصين. ويحكى عن الشرقي بن القطامي أنه قال: دخلت على المنصور، فقال: يا شرقي، علام يؤتى المرء؟ فقلت: أصلح الله تعالى الخليفة! على معروف قد سلف، أو مثله مؤتنف، أو قديم شرف، أو علم مطرف. قال إبراهيم الحربي: الشرقي بن القطامي كوفي قد تكلم فيه، وكان صاحب سحر.

стр. 23

وقال زكرياء بن يحيى الساجي: الشرقي بن القطامي ضعيف، حدث عنه شعبة حديثاً واحداً، وليس بقائم. قال يزيد بن هارون: حدثنا شعبة عن الشرقي ابن القطامي حديث عمر بن الخطاب أنه كان يبيت من وراء العقبة. فقال شعبة: حماري وردائي صدقة، إن لم يكن الشرقي كذب على عمر. قال: فقلت له: لم تروي عنه!. حمَّاد الراوية وأما حماد الراوية، فإنه كان من أهل الكوفة، مشهوراً برواية الأشعار والأخبار، وهو الذي جمع السبع الطوال، هكذا ذكره أبو جعفر أحمد بن محمد النحاس، ولم يثبت ما ذكره الناس من أنها كانت معلقة على الكعبة. ويحكى أن حماداً الراوية قال: كنت منقطعاً إلى يزيد بن عبد الملك، وكان أخوه هشام يجفوني [لذلك دون سائر أهله من بني أمية، في أيام يزيد] ، فلما مات يزيد، وأفضت الخلافة إلى هشام خفته، فمكثت في بيتي سنة لا أخرج إلا إلى من أثق به من إخواني سراً. فلما لم أسمع أحداً يذكرني أمنتُ فخرجت، وصليت الجمعة في الرصافة، ثم جلست عند باب الفيل، فإذا شرطيان قد وقفا علي، فقالا: يا حماد، أجب الأمير يوسف بن عمر، فقلت في نفسي: هذا الذي قد كنت أخافه؛ ثم قلت للشرطيين: هل لكما أن تدعاني حتى آتِيَ أهلي، فأودعهم وداع من لا يرجع إليهم أبداً، ثم أصير معكما! فقالا: ما إلى هذا سبيلٍ؛ فاستسلمت في أيديهم،

стр. 24

وصرت إلى يوسف بن عمر، فسلمت عليه، فرد علي السلام، ورمى إلي كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر؛ أما بعد؛ فإذا قرأت كتابي هذا فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به، وادفع إليه خمسمائة دينار وجملاً مهريّاً يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق. فأخذت الدنانير، ونظرت فإذا حمل مرحول، فجعلت رجلي في الغرز، وسرت اثنتي عشرة ليلة، حتى وافيت دمشق، ونزلت على باب هشام، فاستأذنت فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء، مفروشة بالرخام، وبين كل رخامتين قضيب ذهب، وهشام جالس على طنفسة حمراء، وعليه ثياب حمر من الخز، وقد تضمخ بالمسك والعنبر، فسلمت عليه، فرد علي السلام، واستدناني فدنوت منه حتى قبلت رجله؛ فإذا جاريتان لم أرَ مثلهما قط، في أذنيْ كل واحدة منهما حلقتان فيهما لؤلؤتان تتوقدان، فقال لي: كيف أنت يا حماد؟ وكيف حالك؟ فقلتُ: بخير يا أمير المؤمنين، قال: أتدري فيم بعثت إليك؟ قلت: لا، قال: بعثت إليك لبيت خطر ببالي، لم أدر من قائله؟ قلت: ما هو؟ قال: ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينةٌ في يمينها إبريق فقلت: يقوله عدي بن زيد، في قصيدة له، قال: أنشدينها، فأنشدته:

стр. 25

بكر العاذلون في وضح الصبح ... يقولون لي أما تستفيق! ويلومون فيك يا ابنة عبد الله ... والقلب عندكم موثوق لست أدري إذ أكثروا العذل فيها ... أعدُوٌّ يلومني أم صديق قال: فانتهيت إلى قوله: ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينة في يمينها إبريق قدمته على عقار كعين الد ... يك صفي سلافها الراووق مرة قبل مزجها، فإذا ما ... مزجت لذ طعمها من يذوق وطفا فوقها فقاقيع كاليا ... قوت يزينها التصفيق ثم كان المزاج ماء سحاب ... لا صرًى آجنٌ ولا مطروق قال: فطرب، وقال لي: أحسنت والله يا حماد؛ يا جارية اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي. فقال: أعده فأعدته، فاستخفه الطرب حتى نزل عن فرشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه، فسقتني [شربة] فذهب ثلث آخر من عقلي، [فقلت: إن سقتني الثالث افتضحت] ، ثم قال: سل حاجتك، فقلت: كائنةً ما كانت! قال: نعم، قلت: إحدى هاتين الجاريتين، قال: هما جميعاً لك بما عليهما وما لهما. ثم قال للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سقطت منها فلم أعقلْ حتى أصبحت والجاريتان عند رأسي، وإذا عشرة من الخدم مع كل واحد منهم بدرة، فقال أحدهم: إن أمير

стр. 26

المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: خذ هذه فانتفع بها في سفرك، فأخذتها والجاريتين، وعاودت أهلي. والله أعلم. حماد بن سلمة وأما حماد بن سلمة، فإنه كان من متقدمي النحويين، وأخذ عنه يونس بن حبيب البصري. ويروي أن [ابن] سلاّم، قال: قلت ليونس بن حبيب: أيما أسن؟ أنت أو حماد؟ قال: هو أسن مني، ومنه تعلمت العربية. وعن علي بن الزراع قال: سمعت حماد بن سلمة يقول: "من لحن في حديثي، فقد كذب عليّ". وروى نصر بن علي بن سيبويه كان يستملي على حماد، فقال حماد يوماً: قال رسول الله ﷺ : "ليس أحد من أصحابي إلا من لو شئت لأخذت عنه ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: "ليس أبو الدرداء"، فقال له حماد: لحنت [يا سيبويه] ، "ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: لا جرم! لأطلبن علماً لا يلحنني معه أحد، فطلب النحو، ولزم الخليل.

стр. 27

وقال أبو عمر الجرمي: ما رأيت فقيهاً أفصح من عبد الوارث، وكان حماد بن سلمة أفصح منه. وحكى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن محمد بن سلاّم، في ترتيب النحويين من البصريين: وحماد - يعني حماد بن سلمة - كان يونس بن حبيب يفضله. وحكى أبو الحسن الأخفش عن يونس بن حبيب، أن حدثه أن حماداً ناسا من العرب يقولون في النسب إلى شيَة "شِيوَيّ"، والوجه فيه غير ذلك؛ وهؤلاء كأنهم قلبوا موضع الفاء، فوضعوه في موضع اللام، وسيبويه يذهب إلى أن النسب إلى شية "شيَويّ"، وأبو الحسن الأخفش يذهب إلى أن النسب إلى شية "وشييّ". وإليه أشار اليزيدي في قوله: يا طالب النحو ألا فابكه ... بعد أبي عمرو وحماد ولا يريد حماداً الراوية؛ لأنه لا يعرف لحماد شيء في النحو؛ إنما كان مشهوراً برواية الأشعار والأخبار، وكان من أهل الكوفة، واليزيدي إنما قصد تفضيل نحويي البصرة على نحويي الكوفة. وذكر حنبل بن إسحاق في كتابه

стр. 28

عن الإمام أحمد بن حنبل، أن حماد بن سلمة مات في ذي الحجة سنة سبع وستين ومائة، وتوفي في خلافة المهدي ابن المنصور. أبو الخطاب الأخفش وأما أبو الخطاب الأخفش؛ فكان من أكابر علماء العربية ومتقدميها؛ وأخذ عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى. قال أبو عبيدة: سألت أبا الخطاب الأخفش: هل تجمع اليد الجارحة على "أيادي"؟ فقال: نعم، ثم سألت أبا عمرو بن العلاء، فأنكر ذلك، فقلت لأبي الخطاب: إن أبا عمرو قد أنكر ما أثبتَّه، فقال: أو ما سمع قول عدي: سادها ما تأملت في أيادي ... نا وإشناقها إلى الأعناق ثم قال: هي في علم الشيخ؛ لكنه قد أنسيه. وهو كما قال أبو الخطاب، قال الشاعر: فمن ليد تطاولها الأيادي وإن الأغلب أن يراد بها النعمة.

стр. 29

الخليل بن أحمد وأما الخليل بن أحمد، فهو أبو عبد الرحمن بن أحمد البصري الفرهودي الأزدي، سيد أهل الأدب قاطبة في علمه وزهده، والغاية في تصحيح القياس واستخراج مسائل النحو وتعليله. وكان من تلاميذ أبي عمرو بن العلاء. وأخذ عنه سيبويه؛ وعامة الحكاية في كتاب سيبويه عن الخليل؛ فكلما قال سيبويه: سألته، أو قال: [قال] من غير أن يذكر قائله؛ فهو الخليل بن أحمد. وأخذ عنه أيضاً النضر بن شميل وأبو فيد مؤرج السدوسي وعلي بن نصر الجهضمي وغيرهم. وهو أول من استخرج علم العروض، وضبط اللغة، وأملى كتاب العين على الليث بن المظفر. وكان أول من حصر أشعار العرب. وكان يقول البيتين والثلاثة ونحوها في الآداب؛ مثل ما روى عنه أنه كان يقطّع العروض، فدخل عليه ولده في تلك الحالة، فخرج إلى الناس وقال: إن أبي قد جُنَّ، فدخل الناس عليه فرأوه يقطّع العروض، فأخبروه بما قال ابنه، فقال له: لو كنت تعلم ما أقول عذرتني ... أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا

стр. 30

لكن جهلت مقالتي فعذلتني ... وعلمت أنك جاهل فعذرتكا وكما روى عنه أيضاً: وقبلك داوى الطبي المريض ... فعاش المريض ومات الطبيب فكن مستعداً لدار الفناء ... فإن الذي هو آتٍ قريب وكان رحمه الله تعالى من الزهاد في الدنيا المعرضين عنها. ويروى أنه وجه إليه سليمان بن علي من الأهواز لتأديب ولده، فأخرج الخليل إلى رسول سليمان خبزاً يابساً، وقال: كلْ فما عندي غيره، وما دمت أجده فلا حاجة لي إلى سليمان، فقال له الرسول: فما أبلغه [عنك] ؟ فأنشأ يقول: أبلغ سليمان أني عنه في سعةٍ ... وفي غنى غير أني لست ذا مال سخي بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هزلاً ولا يبقى على حال والفقر في النفس لا في المال تعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

стр. 31

فارزق عن قدر لا العجز ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول محتال ويحكى عنه أنه قال: إن لم تكن هذه الطائفة - يعني أهل العلم - أولياء الله تعالى فليس لله تعالى وَلِيّ. ويروى عن سفيان أنه كان يقول: من أحب أن ينظر إلى رجل خلق من الذهب والمسك؛ فلينظر إلى الخليل بن أحمد. ويروى عن النضر بن شميل أنه قال: كنا نمثل بين ابن عون والخليل بن أحمد، أيهما نقدم في الزهد والعبادة؟ فلا ندري أيهما نقدم! وكان النضر يقول: ما رأيت رجلاً أعلم بالسنة بعد ابن عون من الخليل بن أحمد. وكان يقول: أكلت الدنيا بعلم الخليل بن أحمد وكتبه؛ وهو في خص لا يشعر به [أحد] . وما يحكى عنه من العلم والزهد أشهر من أن ينشر، وأظهر من أن يذكر. توفي سنة ستين ومائة رحمة الله عليه ورضوانه. يونس بن حبيب وأما يونس بن حبيب البصري، فمن أكابر النحويين؛ أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وسمع من العرب كما سمع من قبله، وأخذ عنه سيبويه، وحكى عنه في كتابه، وأخذ عنه أيضاً أبو الحسن بن حمزة الكسائي، وأبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء. وكان له مذاهب وأقيسة تفرد بها، وكانت حلقته بالبصرة، وكان

стр. 32

يقصده طلبة العربية وفصحاء الأعراب والبادية. وحكة محمد بن الجهم، قال: حدثنا الفراء، قال: أنشدني يونس النحوي: رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم وعن الفراء قال: قال يونس: الآل: من غدوة إلى ارتفاع النهار، ثم هو سراب سائر النهار؛ وإذا زالت الشمس فهو فيء، وفي غدوة ظل، وأنشد لأبي ذؤيب: لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل وكان كذا وكذا الليلة، يقول ذلك إلى ارتفاع [النهار من] الضحى، فإذا جاوز ذلك قالوا: البارحة. وروى الأصمعي عن يونس، قال: قال لي رؤبة بن العجاج: حتام تسألني عن هذه الخزعبلات وأزخرفها! أما ترى الشيب قد بلغ في لحيتك! وعن محمد بن سلام، قال: [قال يونس] : كنا على باب ابن عمير، فمرت بنا امرأة يدفع بعضها بعضاً، فما لبثنا أن أقبل فتى من قريش، فلما رآنا ارتدع، فقلنا: هاهنا طلبتك، فتبعها وقال:

стр. 33

إذا سلكت قصد السبيل قصدته ... وإن عاجت عجت حيث تعوج وحكى الفراء، عن يونس، قال: كان عبد الملك بن عبد الله ينشد: إذ أنت لم تنفع فضر فإنما ... يراد الفتى كيما يضر وينفعا وعن خلاد بن يزيد، قال: قال يونس: ثلاثة والله أشتهي أن أمكن من مناظرتهم يوم القيامة: آدم ﵇، فأقول له: مكنك الله تعالى من الجنة، وحرم عليك الشجرة، فقصدتها حتى طرحتنا في هذا المكروه؛ ويوسف ﵇ فأقول له: كنت بمصر وأبوك يعقوب بكنعان، وبينك وبينه عشر مراحل، يبكي عليك حتى ابيضت عيناه من الحزن، ولم ترسل إليه أني في عافية وتريحه مما كان فيه، وطلحة والزبير ﵄ فأقول لهما: إن علي بن أبي طالب ﵁ بايعتماه بالمدينة وخلعتماه بالعراق، فأي شيء أحدث!. وحكى أبو عمر الجرمي، قال: رأيت يونس النحوي، مر بحلقة المسجد، فقام إليه رجل يسأله عن قوله تعالى:] وأنى لهم التناوش من مكان بعيد [، فقال بيده: التناوش التناول، وأنشد لغيلان بن حريث الربعي: فهي تنوش الحوض نوشاً من علا ... نوشاً به تقطع أجواز الفلا

стр. 34

قال ثعلب: جاوز يونس المائة؛ وقيل: عاش ثمانية وثمانين سنة. وتوفي يونس بن حبيب البصري سنة ثلاث وثمانين سنة، في خلافة هارون الرشيد. معاذ الهراء وأما معاذ الهراء؛ فهو أبو مسلم معاذ الهراء، وقيل: يكنى أبا علي، من موالي محمد بن كعب القرظي، وهو عم أبي جعفر الرؤاسي؛ ولد في أيام يزيد بن عبد الملك، وعاش إلى أيام البرامكة، وولد له أولاد أولاد؛ فماتوا كلهم وهو باق. ولا مصنف له يعرف. وأخذ عنه أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي، وتوفي في السنة التي نكب فيها البرامكة، وهي سنة سبع وثمانين ومائة، في خلافة الرشيد. أبو جعفر الرؤاسي وأما الرؤاسي، فهو أبو جعفر محمد بن أبي سارة، ابن أخي معاذ الهراء، وإنما سمي الرؤاسي لعظم رأسه. قال أبو محمد بن درستويه: زعم أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب أن أول من وضع من الكوفيين كتاباً في النحو الرؤاسي. ويحكى عنه أيضاً أنه قال: كان الرؤاسي أستاذ الكسائي والفراء. وقال الفراء: لما خرج

стр. 35

الكسائي إلى بغداد، قال لي الرؤاسي: قد خرج الكسائي إلى بغداد، وأنت أسن منه، فجئت إلى بغداد، فرأيت الكسائي فسألته عن مسائل من مسائل الرؤاسي، فأجابني بخلاف ما عندي، فغمزت قوماً من علماء الكوفيين كانوا معي، فقال: مالك قد أنكرت! لعلك من أهل الكوفة؛ فقلت: نعم، فقال: الرؤاسي يقول كذا وكذا، وليس صواباً، وسمعت العرب تقول كذا وكذا؛ حتى أتى على مسائلي، فلزمته. وكان الرؤاسي رجلاً صالحاً؛ ويحكى عنه، أنه قال: أرسل إليّ الخليل بن أحمد يطلب كتابي، فبعثته إليه، فقرأه ووضع كتابه. وصنف الرؤاسي [تصانيف كثيرة] منها "كتاب معاني القرآن"، وكتاب "الوقف والابتداء" الكبير والصغير، وكتاب "التصغير"؛ إلى غير ذلك. المفضل الضبي وأما المفضل بن محمد الضبي؛ فكنيته أبو عبد الرحمن، وكان ثقة من أكابر الكوفيين؛ وأخذ عنه أبو زيد الأنصاري من البصريين لثقته؛ وللمهدي جمع الأشعار المختارة المسماة "المفضليات" وتزيد وتنقص؛ وأصحها التي رواها عنه أبو عبد الله بن الأعرابي. وله من الكتب كتاب "الأمثال"، وكتاب "معاني

стр. 36

الشعر"، وكتاب "العروض". قال خلف الأحمر: أخذت على المفضل الضبي، وقد أنشد لامرئ القيس: نمس بأعراف الجياد أكفنا ... إذ نحن قمنا عن شواء مضهب فقلت: إنما هو "نمش"؛ لأن المش مسح اليد بالشيء الخشن، ومنه سمي منديل الغمر مشوشاً. ويحكى أن سليمان بن علي الهاشمي بالبصرة، جمع بين المفضل الضبي والأصمعي، فأنشد المفضل قول أوس بن حجر: وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جذعا ففطن الأصمعي لخطئه - وكان أحدث سنّاً منه - فقال: إنما هو "تولبا

стр. 37

جذعا! " وأراد تقريره على الخطأ، فلم يفطن المفضل لمراده، فقال: كذلك أنشدته. فقال الأصمعي حينئذ: أخطأت، إنما هو "تولبا جذعا"، فقال: المفضل: "جذعاً جذعاً"! ورفع صوته، فقال سليمان بن علي: من تحبان أن يحكم بينكما؟ فاتفقا على غلام من بني أسد، حافظ للشعر، فأحضر فعرضا عليه ما اختلفا فيه، فقال بقول الأصمعي، وصوب قوله، فقال المفضل: وما الجدع؟ فقال: السيئ الغذاء؛ وهكذا هو في كلامهم، ومنه قولهم: أجدعته أمه؛ إذا أساءت غذاءه. خلف الأحمر وأما أبو محرز خلف بن حيان المعروف بخلف الأحمر؛ فإنه كان مولى أبي بردة بن أبي موسى، أعتق أبويه - وكانا فرغانيين - وكان يقول الشعر فيجيد؛ وربما نحله الشعراء المتقدمين، فلا يتميز من شعرهم لمشاكلة كلامه كلامهم. وقال أبو عبيدة: خلف الأحمر معلم الأصمعي، ومعلم أهل البصرة. وقال ابن سلاّم: أجمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس بيت شعر وأصدق لسانا؛ وكنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبراً، وأنشدنا أن نسمعه من صاحبه. وحكى شمر قال: كان خلف الأحمر أول من أحدث السماع بالبصرة؛ وذلك أنه جاء إلى حماد الراوية، فسمع منه - قال وكان ضنيناً بأدبه. وقال الحسن بن هانئ يرثي خلفاً: بت أعزي الفؤاد عن خلف ... وما لدمعي إلاّ يفض يكف أنسى الرزايا ميت فجعت به ... أضحى رهين الثواء في جذف

стр. 38

الجدف: القبر، وأصله "جدث" بالثاء؛ إلاّ أنه أبدل من الثاء فاء، وهم يفعلون ذلك. سيبويه وأما سيبويه؛ فهو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر؛ ويقال: كنيته أبو الحسن، وأبو بشر أشهر. وكان مولى بني الحارث بن كعب. وقال المرزباني: كان مولى آل الربيع بن زياد الحارثي، وسيبويه لقب له، ومعناه بالفارسية "رائحة التفاح". ويقال: إن أمه كانت ترقصه وهو صغير [بذلك] . وكان من أهل فارس، من البيضاء؛ ومنشؤه بالبصرة، وكان يطلب الآثار والفقه. قال نصر بن علي: كان سيبويه يستملي على حماد بن سلمة، فقال حماد يوماً: قال ﷺ : "ليس أحدٌ من أصحابي إلاّ وقد أخذت عليه، ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: "ليس أبو الدرداء"، فقال له [حماد] : لحنت، "ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: لا جرم! لأطلبن علماً لا تلحنني فيه أبداً، وطلب النحو. وأخذ عن الخليل بن أحمد، وعن

стр. 39

يونس بن حبيب، وعيسى بن عمر وغيرهم. وبرع في النحو، وصنف كتابه الذي لم يسبقه أحدٌ على مثله، ولا لحقه أحدٌ من بعده. وقال أبو العباس المبرد: ذكر سيبويه عند يونس بن حبيب البصري، فقال: أظن هذا الغلام يكذب على الخليل! فقيل له: وقد روى عنك أشياء فانظر فيها؛ فنظر فيها، وقال: صدق في جميع ما قال، هو قولي. قال نصر بن علي: وبرز من أصحاب الخليل أربعة: عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر المعروف بسيبويه، والنضر بن شميل، وعلي بن نصر [الجهضمي] ، ومؤرج السدوسي، وكان أبرعهم في النحو سيبويه، وغلب على النضر بن شميل اللغة، وعلى مؤرج الشعر واللغة، وعلى علي بن نصر الجهضمي الحديث. وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: كان سيبويه وحماد بن سلمة أكبر في النحو من النضر بن شميل والأخفش، وكان النضر بن شميل أعلم الأربعة بالحديث. وقال ابن سلاّم: كان سيبويه النحوي غاية في الخلق، وكتابه في النحو هو الإمام فيه. وقال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك ففكرت في شيء أهديه إليه، فلم أجد [شيئاً] أشرف من كتاب سيبويه، فقلت له: أردت أن أهدي لك شيئاً، ففكرت فإذا كل شيء عندك، فلم أر شيئاً أشرف من هذا الكتاب [وهذا كتاب اشتريته من ميراث الفراء] ، فقال: والله ما أهديت إلي شيئاً أحب لي منه. وكان يقال بالبصرة "قرأ فلان الكتاب" فيعلم أنه كتاب سيبويه، و"قرأ نصف الكتاب"، فلا يشك أنه كتاب سيبويه. وكان أبو العباس المبرد إذا أراد مريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه، يقول له: هل ركبت البحر! تعظيماً لكتاب سيبويه واستصعاباً لما فيه.

стр. 40

وكان أبو عثمان المازني يقول: من أراد أن يعمل كتاباً كبيراً في النحو بعد كتاب سيبويه فليستح. قال ابن عائشة: كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد، وكان شاباً جميلاً نظيفاً، قد تعلق من كل علم بسبب، وضرب في كل أدب بسهم، مع حداثة سنة وبراعته في النحو؛ فبينا نحن ذات يوم إذ هبت ريح فأطارت الورق، فقال لبعض أهل الحلقة: انظر أي ريح هي؟ وكان على منارة المسجد تمثال فرس، فنظر ثم عاد فقال: ما ثبتت على شيء، فقال سيبويه: العرب تقول في مثل هذا: "قد تذاءبت الريح" وتداءبت الريح، أي فعلت فعل الذئب؛ وذلك أنه يجيء من هاهنا وههنا، ليخيل، فيتوهم الناظر أنه عدة ذئاب. قال أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد: قال ابن كيسان: سهرت ليلة أدرس فنمت، فرأيت جماعة من الجن يتذاكرون الفقه والحديث والحساب النحو والشعر، [قال] : فقلت لهم: أفيكم علماء؟ قالوا: نعم، فقلت من همي [في] النحو: إلى من تميلون من النحويين؟ قالوا: إلى سيبويه. قال أبو عمر: فحدثت بها أبا موسى - وكان يغبطه لحسدٍ كان بينهما - فقال لي أبو موسى: إنما مالوا إليه؛ لأن سيبويه من الجن. وقال محمد بن سلاّم: كان سيبويه جالساً في حلقة بالبصرة، فتذاكرنا شيئاً من حديث قتادة، فذكر حديثاً غريباً، وقال: لم يرو هذا الحديث إلاّ سعيد بن أبي العروبة، فقال له بعض ولد جعفر: ما هاتان الزيادتان يا أبا بشر؟ فقال:
следующие страницы →