Полный текст (286 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الشعر"، وكتاب "العروض".
قال
خلف الأحمر: أخذت على المفضل الضبي، وقد أنشد لامرئ القيس:
نمس بأعراف الجياد أكفنا ... إذ نحن قمنا عن شواء مضهب
فقلت: إنما هو "نمش"؛ لأن المش مسح اليد بالشيء الخشن، ومنه سمي منديل الغمر مشوشاً.
ويحكى أن سليمان بن علي الهاشمي بالبصرة، جمع بين المفضل الضبي والأصمعي، فأنشد المفضل قول أوس بن حجر:
وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جذعا
ففطن الأصمعي لخطئه - وكان أحدث سنّاً منه - فقال: إنما هو "تولبا
стр. 37
جذعا! " وأراد تقريره على الخطأ، فلم يفطن المفضل لمراده، فقال: كذلك أنشدته. فقال الأصمعي حينئذ: أخطأت، إنما هو "تولبا جذعا"، فقال: المفضل: "جذعاً جذعاً"! ورفع صوته، فقال سليمان بن علي: من تحبان أن يحكم بينكما؟ فاتفقا على غلام من بني أسد، حافظ للشعر، فأحضر فعرضا عليه ما اختلفا فيه، فقال بقول الأصمعي، وصوب قوله، فقال المفضل: وما الجدع؟ فقال: السيئ الغذاء؛ وهكذا هو في كلامهم، ومنه قولهم: أجدعته أمه؛ إذا أساءت غذاءه.
خلف الأحمر
وأما أبو محرز خلف بن حيان المعروف بخلف الأحمر؛ فإنه كان مولى أبي بردة بن أبي موسى، أعتق أبويه - وكانا فرغانيين - وكان يقول الشعر فيجيد؛ وربما نحله الشعراء المتقدمين، فلا يتميز من شعرهم لمشاكلة كلامه كلامهم.
وقال أبو عبيدة: خلف الأحمر معلم الأصمعي، ومعلم أهل البصرة.
وقال ابن سلاّم: أجمع أصحابنا أنه كان أفرس الناس بيت شعر وأصدق لسانا؛ وكنا لا نبالي إذا أخذنا عنه خبراً، وأنشدنا أن نسمعه من صاحبه.
وحكى شمر قال: كان خلف الأحمر أول من أحدث السماع بالبصرة؛ وذلك أنه جاء إلى حماد الراوية، فسمع منه - قال وكان ضنيناً بأدبه. وقال الحسن بن هانئ يرثي خلفاً:
بت أعزي الفؤاد عن خلف ... وما لدمعي إلاّ يفض يكف
أنسى الرزايا ميت فجعت به ... أضحى رهين الثواء في جذف
стр. 38
الجدف: القبر، وأصله "جدث" بالثاء؛ إلاّ أنه أبدل من الثاء فاء، وهم يفعلون ذلك.
سيبويه
وأما سيبويه؛ فهو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر؛ ويقال: كنيته أبو الحسن، وأبو بشر أشهر. وكان مولى بني الحارث بن كعب.
وقال المرزباني: كان مولى آل الربيع بن زياد الحارثي، وسيبويه لقب له، ومعناه بالفارسية "رائحة التفاح". ويقال: إن أمه كانت ترقصه وهو صغير [بذلك] .
وكان من أهل فارس، من البيضاء؛ ومنشؤه بالبصرة، وكان يطلب الآثار والفقه.
قال نصر بن علي: كان سيبويه يستملي على حماد بن سلمة، فقال حماد يوماً: قال ﷺ : "ليس أحدٌ من أصحابي إلاّ وقد أخذت عليه، ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: "ليس أبو الدرداء"، فقال له [حماد] : لحنت، "ليس أبا الدرداء"، فقال سيبويه: لا جرم! لأطلبن علماً لا تلحنني فيه أبداً، وطلب النحو.
وأخذ عن الخليل بن أحمد، وعن
стр. 39
يونس بن حبيب، وعيسى بن عمر وغيرهم. وبرع في النحو، وصنف كتابه الذي لم يسبقه أحدٌ على مثله، ولا لحقه أحدٌ من بعده.
وقال أبو العباس المبرد: ذكر سيبويه عند يونس بن حبيب البصري، فقال: أظن هذا الغلام يكذب على الخليل! فقيل له: وقد روى عنك أشياء فانظر فيها؛ فنظر فيها، وقال: صدق في جميع ما قال، هو قولي.
قال نصر بن علي: وبرز من أصحاب الخليل أربعة: عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر المعروف بسيبويه، والنضر بن شميل، وعلي بن نصر [الجهضمي] ، ومؤرج السدوسي، وكان أبرعهم في النحو سيبويه، وغلب على النضر بن شميل اللغة، وعلى مؤرج الشعر واللغة، وعلى علي بن نصر الجهضمي الحديث.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: كان سيبويه وحماد بن سلمة أكبر في النحو من النضر بن شميل والأخفش، وكان النضر بن شميل أعلم الأربعة بالحديث.
وقال ابن سلاّم: كان سيبويه النحوي غاية في الخلق، وكتابه في النحو هو الإمام فيه.
وقال الجاحظ: أردت الخروج إلى محمد بن عبد الملك ففكرت في شيء أهديه إليه، فلم أجد [شيئاً] أشرف من كتاب سيبويه، فقلت له: أردت أن أهدي لك شيئاً، ففكرت فإذا كل شيء عندك، فلم أر شيئاً أشرف من هذا الكتاب [وهذا كتاب اشتريته من ميراث الفراء] ، فقال: والله ما أهديت إلي شيئاً أحب لي منه.
وكان يقال بالبصرة "قرأ فلان الكتاب" فيعلم أنه كتاب سيبويه، و"قرأ نصف الكتاب"، فلا يشك أنه كتاب سيبويه.
وكان أبو العباس المبرد إذا أراد مريد أن يقرأ عليه كتاب سيبويه، يقول له: هل ركبت البحر! تعظيماً لكتاب سيبويه واستصعاباً لما فيه.
стр. 40
وكان أبو عثمان المازني يقول: من أراد أن يعمل كتاباً كبيراً في النحو بعد كتاب سيبويه فليستح.
قال ابن عائشة: كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد، وكان شاباً جميلاً نظيفاً، قد تعلق من كل علم بسبب، وضرب في كل أدب بسهم، مع حداثة سنة وبراعته في النحو؛ فبينا نحن ذات يوم إذ هبت ريح فأطارت الورق، فقال لبعض أهل الحلقة: انظر أي ريح هي؟ وكان على منارة المسجد تمثال فرس، فنظر ثم عاد فقال: ما ثبتت على شيء، فقال سيبويه: العرب تقول في مثل هذا: "قد تذاءبت الريح" وتداءبت الريح، أي فعلت فعل الذئب؛ وذلك أنه يجيء من هاهنا وههنا، ليخيل، فيتوهم الناظر أنه عدة ذئاب.
قال أبو عمر الزاهد محمد بن عبد الواحد: قال ابن كيسان: سهرت ليلة أدرس فنمت، فرأيت جماعة من الجن يتذاكرون الفقه والحديث والحساب النحو والشعر، [قال] : فقلت لهم: أفيكم علماء؟ قالوا: نعم، فقلت من همي [في] النحو: إلى من تميلون من النحويين؟ قالوا: إلى سيبويه. قال أبو عمر: فحدثت بها أبا موسى - وكان يغبطه لحسدٍ كان بينهما - فقال لي أبو موسى: إنما مالوا إليه؛ لأن سيبويه من الجن.
وقال محمد بن سلاّم: كان سيبويه جالساً في حلقة بالبصرة، فتذاكرنا شيئاً من حديث قتادة، فذكر حديثاً غريباً، وقال: لم يرو هذا الحديث إلاّ سعيد بن أبي العروبة، فقال له بعض ولد جعفر: ما هاتان الزيادتان يا أبا بشر؟ فقال:
стр. 41
هكذا يقال؛ لأن العروبة يوم الجمعة، فمن قال: "عروبة" فقد أخطأ. قال ابن سلاّم: فذكرت ذلك ليونس، فقال: أصاب لله دره! وأخذ عنه أبو الحسن سعيد بن مسعدة الأخفش، وأبو علي بن المستنير المعروف بقطرب؛ وكان أبو الحسن الأخفش أكبر سنّاً من سيبويه.
ويروى أنه جاءه الأخفش يوماً يناظره بعد أن برع، فقال له الأخفش: إنما ناظرتك لأستفيد منك، فقال له سيبويه: أتراني أشك في ذلك! وورد سيبويه إلى بغداد، وناظر بها الكسائي وأصحابه، والمناظرة مشهورة.
قال أبو بكر العبدي النحوي: لما قدم سيبويه إلى بغداد - وناظر الكسائي وأصحابه فلم يظهر عليه - سأل عمن يبذل من الملوك ويرغب في النحو، فقيل له طلحة بن طاهر، فشخص إليه إلى خراسان فلما انتهى إلى ساوة مرض مرضه الذي مات فيه، فتمثل عند الموت:
يؤمب دنيا ليبقى بها ... فمات المؤمل قبل الأمل
حثيثاً يروي أصول النخي ... ل فعاش الفسيل ومات الرجل
وقال أبو عمرو بن يزيد: احتضر سيبويه النحوي، فوضع رأسه في حجر أخيه، فأغمي عليه، قال: فدمعت عين أخيه، فأفاق فرآه يبكي، فقال:
أخيين كنا فرق الدهر بيننا ... إلى الغاية القصوى فمن يأمن الدهرا
стр. 42
ومات في أيام الرشيد.
وقال ابن قانع: مات سيبويه النحوي بالبصرة سنة إحدى وستين ومائة.
وقال المرزباني: أخبرنا أبو بكر بن دريد أن سيبويه مات بشيراز، وقبره بها، وقيل: إنه مات سنة ثمان وثمانين ومائة.
وقرئ على ظهر كتاب لأحمد بن سعيد الدمشقي: مات سيبويه سنة أربع وتسعين ومائة؛ والأول أشبه، لأنه مات قبل الكسائي، والكسائي مات سنة ثلاث وثمانين ومائة، على ما سنذكره في موضعه.
قال أبو بكر بن الخطيب: ويقال: إن سيبويه عاش اثنتين وثلاثين سنة، ويقال: مات سيبويه وقد نيف على الأربعين سنة.
أبو الحسن الكسائي
وأما الكسائي؛ فهو أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي. وقال أبو بكر الصولي: علي بن حمزة الكسائي، هو علي بن حمزة بن عبد الله بن عثمان، وقيل: بهمن بن فيروز، مولى بني أسد.
أخذ عن أبي جعفر الرؤاسي، ومعاذ الهراء، وكان أحد أئمة القراء السبعة؛ وكان قد قرأ على حمزة الزيات وأقرأ بقراءته ببغداد، ثم اختار لنفسه قراءة
стр. 43
فأقرأ بها الناس.
وكان قد سمع من سليمان بن أرقم وأبي بكر بن عياش، وسفيان بن عيينة، وأخذ عنه أبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء وأبو عبيدة القاسم بن سلاّم وجماعة.
وقال أبو زكرياء يحيى بن زياد الفراء: إنما تعلم الكسائي النحو على الكبر، وكان سبب تعلمه أنه جاء يوماً وقد مشى حتى أعيا، فجلس إلى قومٍ فيهم فضل، وكان يجالسهم كثيراً، فقال: قد عييت، فقالوا له: تجالسنا وأنت تلحن! فقال: كيف لحنت؟ فقالوا: إن كنت أردت من التعب، فقل: "أعييت"، [وإن كنت أردت من انقطاع الحيلة والتحير في الأمر فقل: "عييت" مخففة] ، فأنف من هذه الكلمة وقام من فوره [ذلك] فسأل عمن يعلم النحو، فأرشدوه إلى معاذ الهراء، فلزمه حتى أنفذ ما عنده، ثم خرج إلى البصرة فلقي الخليل بن أحمد، وجلس في حلقته، فقال رجل من الأعراب: تركت أسداً وتميماً وعندهما الفصاحة، وجئت إلى البصرة! وقال للخليل بن أحمد: من أين علمُك؟ فقال: من بوادي الحجاز ونجد وتهامة، فخرج الكسائي، وأنفذ خمس عشرة قنينة حبراً في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ. ولم يكن له هم غير البصرة والخليل، فوجد الخليل قد مات وجلس في موضعه يونس بن حبيب البصري النحوي، فجرت بينهما مسائل أقرّ له يونس فيها، وصدره موضعه.
وقال عبد الرحيم بن موسى: قلت للكسائي: لم سميت الكسائي؟ قال: لأني
стр. 44
أحرمت في كساء.
وقال خلف بن هشام: دخل الكسائي الكوفة، فجاء إلى مسجد السبيع - وكان حمزة بن حبيب يُقرئ فيه - فتقدم الكسائي مع أذان الفجر؛ وهو ملتف بكساء، فلما صلى حمزة، قال: من تقدم في الوقت؟ قيل له: الكسائي - يعنون به صاحب الكساء - فرمقه القوم بأبصارهم، فقالوا: إن كان حائكاً فسيقرأ سورة يوسف، وإن كان ملاحاً فسيقرأ سورة طه؛ فسمعهم، فابتدأ بسورة يوسف، فلم بلغ إلى قصة الذي قرأ:] فأكله الذئب [بغير همز، فقال له حمزة:] الذئب [بالهمز، فقال له الكسائي: وكذلك أهمز "الحوت"؟ وقرأ] فالتقمه الحوت [فقال: لا، فقال: فلم همزت "الذئب" ولم تهمز "الحوت"، وهذا] فأكله الذئب [وهذا] فالتقمه الحوت [! فرجع حمزة بصره إلى خلاد الأحول - وكان أكمل أصحابه - فتقدم إليه في جماعة أهل المجلس، فناظروا فلم يصنعوا شيئاً، وقالوا: أفدنا يرحمك الله! فقال لهم الكسائي: تفهموا عن الحائك، تقول إذا نسبت الرجل إلى الذئب: قد استذأب، ولو قلت: قد استذاب بغير همز، لكنت إنما نسبته إلى "الذوب" فتقول: قد استذاب الرجل، إذا ذاب شحمه بغير همز، وإذا نسبته إلى الحوت، تقول: قد استحات الرجل، إذا كثر أكله للحوت؛ لأن الحوت يأكل كثيراً، فلا يجوز فيه الهمز؛ فلتلك العلة همز "الذئب" ولم يهمز "الحوت". وفيه معنى آخر: لا تسقط الهمزة من مفرده ولا من جمعه، وأنشدهم:
أيها الذئب وابنه وأبوه ... أنت عندي من أذؤب ضاريات
قال: فسمي الكسائي من ذلك اليوم.
وله كتب كثيرة منها كتاب "معاني القرآن"، وكتاب "مختصر في
стр. 45
النحو"، وكتاب "القراءات" وكتاب "العدد" وكتاب "اختلاف العدد"، وكتاب "مقطوع القرآن وموصوله"، وكتاب "النوادر الكبير" وكتاب "النوادر الصغير"، وكتاب "الهجاء"، وكتاب "المصادر"، إلى غير ذلك.
وكان الكسائي معلم الرشيد والأمين من بعده؛ قال سلمة: كان عند المهدي مؤدب يؤدب الرشيد، فدعاه يوماً المهدي وهو يستاك، فقال له: كيف تأمر من السواك؟ فقال: استك يا أمير المؤمنين، فقال المهدي: إنا لله وإنا إليه راجعون! ثم قال: التمسوا لنا من هو أفهم من هذا الرجل، فقالوا: رجل يقال له علي بن حمزة الكسائي من أهل الكوفة، قدم من البادية قريباً. فكتب بإزعاجه من الكوفة، فساعة دخل عليه، قال: يا علي بن حمزة! قال: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: تأمر من السوال؟ فقال: "سك يا أمير المؤمنين"، فقال: أحسنت وأصبت! وأمر له بعشرة آلاف درهم.
قال حرملة بن يحيى التجيبي: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: من أراد أن يتبحر في النحو فهو عيال على الكسائي.
قال الكسائي: صليت بالرشيد فأعجبته قراءتي، فغلطت في كلمة ما غلط فيها صبي قط، أردت أن أقرأ:] لعلهم يرجعون [، فقرأت: "لعلهم يرجعين" قال: فوالله ما اجترأ الرشيد أن يرد علي؛ ولكني لما سلمت، قال لي: يا كسائي، أي لغة هذه؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، قد يعثر الجواد! فقال: أما هذا فنعم.
قال ابن الدورقي: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد، فحضرت صلاة الجهر فقدموا الكسائي، فصلى بهم، فأرتج عليه في قراءة:] قل يا أيها
стр. 46
الكافرون [فلما سلم، قال اليزيدي: قارئ أهل الكوفة يرتج عليه في] قل يا أيها الكافرون [! فحضرت صلاة الجهر، فتقدم اليزيدي فصلى فأرتج عليه في سورة الحمد، فلما سلم قال:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق.
وعن أبي محمد بن حمدان, قال: كان رجل يغتاب الكسائي, ويتكلم فيه, فكتبت فيه أنهاه, فما كان ينزجر, فجاءني بعد أيام, فقال لي: رأيت الكسائي في النوم أبيض الوجه, فقلت له: ما فعل الله تعالى بك يا أبا الحسن! قال: غفر لي بالقرآن, إلا أني رأيت النبي ﷺ , فقال لي: أنت الكسائي! قلت: نعم يا رسول الله, قال: اقرأ, قلت: فما أقرأ يا رسول الله؟ قال:] والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد [, وضرب بيده كتفي, وقال: لأباهين بك الملائكة غدا.
وحكى الدوري قال: كان أبو يوسف يقع في الكسائي, ويقول: أي شىء يحسن! إنما يحسن شيئا من كلام العرب, فبلغ ذلك الكسائي فالتقيا عند الرشيد - وكان الرشيد يعظم الكسائي لتأديبه إياه - فقال: لأبي يوسف: [يا يعقوب] ، أيش تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق طالق طالق؟ قال: واحدة، قال: فإن قال لها: أنت طالق أو طالق أو طالق؟ قال: واحدة، [قال] : فإن قال لها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق؟ قال: واحدة، قال: فإن
стр. 47
قال لها: أنت طالق وطالق وطالق؟ قال: واحدة؛ قال الكسائي: يا أمير المؤمنين، أخطأ يعقوب في اثنين؛ وأصاب في اثنين، أما قوله: "أنت طالق طالق طالق" فواحدة؛ لأن الثنتين الباقيتين تأكيد، كما تقول: أنت قائم قائم قائم، وأنت كريم كريم كريم. وأما قوله: "أنت طالق أو طالق أو طالق" فهذا شك، فوقعت الأولى التي تتيقن؛ وأما قوله: "أنت طالق ثم طالق ثم طالق"؛ فثلاث لأنه نسق؛ وكذلك قوله: أنت طالق وطالق وطالق.
ويحكى عن الفراء أنه قال: دخلت على الكسائي يوماً، وكان يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: هذا الملك يحيى بن خالد، يوجه إلى ليحضرني فيسألني عن شيء، فإن أبطأت في الجواب لحقني منه عيب، وإن بادرت لم آمن من الزلل، قال: فقلت: يا أبا الحسن، من يعترض عليك؟ قل ما شئت، فأنت الكسائي، فأخذ لسانه، وقال قطعه الله إذن إذا قلت ما لا أعلم.
ومات الكسائي ومحمد بن الحسن في سنة ثلاث وثمانين ومائة.
وقال ابن الأنباري: مات الكسائي ومحمد بن الحسن سنة ثنتين وثمانين ومائة.
وقال أحمد بن كامل القاضي: مات الكسائي بالري سنة تسع وثمانين ومائة، وكان عظيم القدر في أدبه وفضله، ودفنهما الرشيد بقرية يقال لها: رنبويه، وقال: اليوم دفنت الفقه
стр. 48
واللغة.
قال محمد بن يحيى: سمعت عبد الوهاب بن حريش يقول: رأيت الكسائي في النوم، فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بالقرآن.
يعقوب بن الربيع
وأما يعقوب بن الربيع أخو الفضل بن الربيع؛ فإنه كان أحد الأدباء الشعراء، وكان حسن الافتنان في العلوم، وكان حاجباً لأبي جعفر المنصور، وكان ماجناً خليعاً، وكان له جارية ظل يطلبها سبع سنين، وبذل فيها ماله وجاهه حتى ملكها، وأعطى فيها مائة ألف دينار فلم بيعها، ولم تمكث عنده إلا ستة أشهر حتى ماتت، فرثاها بمرات كثيرة، وأحسن شعره الذي قاله فيها مراثيها؛ ولم يكن مقصراً فيما سوى ذلك.
أنشد علي بن سليمان الأخفش ليعقوب بن الربيع:
أضحوا يصيدون الظباء وإنني ... لأرى تصيدها علي حراما
أشبهن منك سوالفاً ومدامعاً ... فأرى بذاك لها علي ذماما
أعزز علي بأن أروع شبهها ... أو أن تذوق على يدي حماما
وأنشد له الأخفش أيضاً عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب:
стр. 49
لئن كان قربك لي نافعاً ... لبعدك أصبح لي أنفعا
لأني أمنت رزايا الدهور ... وإن حل خطب فلن أجزعا
أبو نواس
وأما أبو علي الحسن بن هانئ المعروف بأبي نواس الشاعر؛ فإنه ولد بالأهواز، ونشأ بالبصرة؛ وقيل: كان مولى للجراح بن عبد الله الحكمي والي خراسان.
واختلف إلى أبي زيد الأنصاري وكتب عنه الغريب، وحفظ عن أبي عبيدة معمر بن المثنى أيام العرب، ونظر في نحو سيبويه.
قال عمرو بن بحر الجاحظ: ما رأيت رجلاً أعلم باللغة من أبي نواس، ولا أفصح لهجةً؛ مع حلاوة ومجانبة للاستكره. وقال الشعر، وكان يستشهد بشعره.
وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان أبو نواس للمحدثين؛ كامرئ القيس للمتقدمين.
وقال إسحاق بن إسماعيل: قال أبو نواس: ما قلت الشعر حتى رويت لستين امرأة من العرب، منهم الخنساء وليلى؛ فما ظنك بالرجال! وقال ميمون: سألت أبا يوسف يعقوب بن السكيت عما يختار لي روايته من الشعر، فقال: إذا رويت من أشعار الجاهليين فلامرئ القيس والأعشى، ومن الإسلاميين فلجرير والفرزدق، ومن المحدثين فلأبي نواس، فحسبك.
وقال أبو العباس المبرد عن الجاحظ، قال: سمعت إبراهيم النظام يقول وقد أنشد شعر أبي نواس في
стр. 50
الخمر: هذا الذي جمع له الكلام فاختار أحسنه.
وقال في حقه سفيان بن عيينة: هذا أشعر الناس - يعني أبا نواس.
وقال الجاحظ: لا أعرف من كلام الشعراء أرفع من قول أبي نواس:
أية نار قدح القادح ... وأي جد بلغ المازح
وأنشد الأبيات.
قال الإمام محمد بن إدريس الشافعي ﵀: دخلت على أبي نواس؛ وهو يجود بنفسه، فقلت: ما أعددت لهذا اليوم؟ فقال:
تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما
وقال محمد بن زكرياء: دخلت على أبي نواس وهو يكيد بنفسه، فقال لي: أتكتب؟ فقلت: نعم، فأنشأ يقول:
دب في الفناء سفلاً وعلوا ... وأراني أموت عضواً فعضوا
ذهبت شرتي بحدة نفسي ... وتذكرت طاعة الله نضوا
ليس من ساعة مضت بي إلا ... نقصتني بمرها بي جزوا
لهف نفسى على ليال وايا ... م تمليتهن لعبا ولهوا
стр. 51
وأسأنا كل الإساءة يا ر ... ب فصفحاً عنا إلهي وعفوا
وحكى أبو جعفر الصائغ، قال: لما احتضر أبو نواس قال: اكتبوا هذه الأبيات على قبري:
وعظتك أجداثٌ صمت ... ونعتك أزمنةٌ عفت
وتكلمت عن أوجه ... تبكي وعن صورٍ سبت
وأرتك قبرك في القبو_ر وأنت حي لم تمت ورثى على قبره مكتوب:
يا كبير الذنب عفو الل ... هـ عن ذنبك أكبر
قال ابن أبي سعيد: مات أبو نواس سنة ثمان وتسعين ومائة.
وقال محمد بن الحسين الأنصاري سلف أبي نواس وجماعة آخر: ولد أبو نواس سنة خمس وأربعين ومائة، ومات ببغداد سنة ست وتسعين ومائة، في خلافة محمد الأمين
стр. 52
بن الرشيد.
وقيل: ولد سنة ست وثلاثين ومائة ومات سنة خمس وتسعين ومائة، وكان عمره تسعاً وخمسين سنة، ودفن في مقابر الشونيزي.
وقال أحمد بن يحيى، عن محمد بن رافع، قال: كان أبو نواس لي صديقاً، فوقعت بيني وبينه هجرة في آخر عمره، ثم بلغتني وفاته؛ فتضاعف علي الحزن؛ فبينا أنا بين النائم واليقظان؛ إذا أنا به، فقلت: أبو نواس! فقال: لات حين كنية! قلت: الحسن بن هانئ؟ قال: نعم، قلت: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بأبيات قلتها، هي تحت ثني الوسادة؛ فأتيت أهله؛ فلما أحسوا بي أجهشوا بالبكاء، فقلت: هل قال أخي شعراً قبل موته؟ قالوا: لا نعلم؛ إلا أنه دعا بدواة وقرطاس، وكتب شيئاً، لا ندري ما هو؟ فقلت: أتأذنون لي أن أدخل؟ فدخلت إلى مرقده، فإذا ثيابه لم تحرك بعد؛ فرفعت وسادة فلم أر شيئاً، ثم رفعت أخرى؛ فإذا أنا برقعة فيها مكتوب:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فبمن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوك رب، كما أمرت، تضرعاً ... فإذا رددت يدي، فمن ذا يرحم
стр. 53
ما لي إليك وسيلةٌ إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم أني مسلم
أبو محمد اليزيدي
وأما اليزيدي؛ فهو أبو محمد يحيى بن المبارك بن المغيرة المقرئ، صاحب أبي عمر بن العلاء البصري؛ وهو مولى لبني عدي بن عبد مناة؛ وإنما قيل له اليزيدي؛ لأنه صحب يزيد بن منصور - خال المهدي - يؤدب ولده فنسب إليه؛ ثم اتصل بالرشيد، فجعله مؤدب المأمون. وكان الكسائي مؤدب أخيه عبد الله الأمين.
وكان عالماً باللغة والنحو وأخبار الناس، ولم يكن في النحو في طبقة الخليل وسيبويه والأخفش؛ وكان قد أخذ علم العربية من أبي عمرو بن العلاء، وعبد الله ابن أبي إسحاق الحضرمي، والخليل بن أحمد، وأخذ عنه أبو عبيد القاسم بن سلاّم، وإسحاق بن إبراهيم الموصلي وغيرهما.
وقال أبو حمدون الطيب بن إسماعيل: شهدت ابن أبي العتاهية، وقد كتب عن أبي محمد اليزيدي قريباً من ألف جلد، عن أبي عمرو بن العلاء خاصة، يكون ذلك نحو عشرة آلاف ورقة؛ لأن تقدير الجلد عشر ورقات.
وأخذ عن الخليل من اللغة أمراً عظيماً، وأخذ عنه العروض؛ إلا أن اعتماده كان على أبي عمرو بن العلاء؛ لسعة علم أبي عمرو باللغة.
وكان اليزيدي يعلم بحذاء دار أبي عمرو، وكان أبو عمرو يميل إليه ويدنيه لذكائه. وكان اليزيدي صحيح الرواية، ثقة صدوقاً.
وألف من الكتب كتاب "النوادر" في اللغة على مثال "نوادر الأصمعي" الذي
стр. 54
عمله لجعفر بن يحيى، وألف كتاب "المقصور والممدود"، ومختصراً في النحو، وكتاب "النقط والشكل"؛ وغير ذلك.
وكان أيام الرشيد مع الكسائي ببغداد في مسجد واحد يقرئان الناس.
قال الأثرم: دخل اليزيدي يوماً على الخليل، وعنده جماعة، وهو جالس على وسادة، فأوسع له، فجلس معه اليزيدي على وسادته، فقال له اليزيدي: أحسبني قد ضيّقت عليك! فقال الخليل: ما ضاق مكان على اثنين متحابين؛ والدنيا لا تسع اثنين متباغضين.
ويحكى أنه تكلم اليزيدي مع الكسائي بين يدي الرشيد، فظهر كلامه على الكسائي، فرمى بقلنسوته فرحاً بالغلبة، فقال الرشيد: لأدب الكسائي مع انقطاعه أحب إلينا من غلبك مع سوء أدبك.
ويروى أن المأمون سأل اليزيدي عن شيء، فقال: لا وجعلني الله فداءك يا أمير المؤمنين! فقال: لله درك! ما وضعت واوٌ موضعاً قط [في لفظ] أحسن منها في لفظ مثل هذا، ووصله بعطية سنية.
وكان اليزيدي أحد الشعراء، وله جامع شعر وأدب، وفيه قصيدته التي يمدح بها نحويي البصرة، ويهجو نحويي الكوفة؛ التي أولها:
يا طالب لعلم ألا فابكه ... بعد أبي عمرو وحماد
وقد قدمنا منها ذكر من مدحه من أهل البصرة، ثم ذكر فيها بعد ذلك عجز أهل الكوفة، فقال:
أفسده قوم وأزروا به ... ما بين أعبام وأوغاد
стр. 55
ذوى مراء وذوى لكنة ... لئام آباء وأجداد
لهم قياس أحدثوه لهم ... قياس سوء غير منقاد
فهم من النحو ... ولو عمروا
أعمار عاد
في أبي جاد
فقوله: "أفسده قوم" أراد به أهل الكوفة.
وله أيضاً في ذمهم:
كنا نقيس النحو فيما مضى ... على لسان العرب الأول
فجاء أقوام يقيسونه ... على لغى أشياخ قطربل
فكلهم يعمل في نقض ما ... به يصاب الحق لا يأتلي
إن الكسائي وأصحابه ... يرقون في النحو إلى أسفل
وله أيضاً قصيدة يرثي بها الكسائي ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وكانا قد خرجا مع الرشيد إلى خراسان، فماتا في الطريق، فمنها:
стр. 56
تصرمت الدنيا فليس خلود ... وما قد ترى من بهجة سيبيد
سيغنيك ما أغنى القرون التي خلت ... فكن مستعداً فالفناء عتيد
أسيت على قاضي القضاة محمد=فأذريت دمعي والفؤاد عميد
وقلت إذا ما الخطب أشكل: من لنا ... بإيضاحه يوماً وأنت فقيد
وأقلقني موت الكسائي بعده ... وكادت بي الأرض الفضاء تميد
وأذهلني عن كل عيش ولذة ... وأرق عيني والعيون هجود
هما عالمان أوديا وتخرما ... وما لهما في العالمين مزيد
فحزني إن تخطر على القلب خطرة ... بذكرهما حتى الممات جديد
وكان اليزيدي الغاية في قراءة أبي عمرو بن العلاء، وبروايته يقرأ أصحابه. والمعتزلة يزعمون أنه كان من أهل العدل معتزلياً، والله أعلم بصحة ذلك.
وتوفي أبو محمد اليزيدي في سنة اثنتين ومائتين في خلافة المأمون بن الرشيد.
стр. 57
النضر بن شميل
وأما النضر بن شميل فأخذ عن الخليل بن أحمد، وعن فصحاء العرب، كأبي خيرة الأعرابي وأبي الدقيش.
ويحكى عن النضر بن شميل أنه قال: أقمت بالبادية أربعين سنة.
وأخذ عنه أبو عبيدة القاسم بن سلاّم.
وصنف كتباً، منها كتاب "غريب الحديث"، وكتاب "المعاني"، وكتاب "الأنواء"، وكتاب "المدخل إلى كتاب العين".
وحكى محمد بن ناصح الأهوازي، قال: حدثني النضر بن شميل المازني، قال: كنت أدخل على المأمون في سمره، فدخلت [عليه] ذات ليلة، وعلي قميص مرقوع، فقال: يا نضر، ما هذا القشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان! قلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ ضعيف، وحر مرو شديد، فأتبرد بهذه الخلقان، فقال: ولكنك قشف. ثم أجرينا الحديث فأجرى هو ذكر النساء، فقال: حدثنا هشيم، عن مجالد، عن الشعبي، عن ابن عباس، قال: قال
стр. 58
رسول الله ﷺ : "إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز"، فأورده بفتح السين، قال: قلت: صدق يا أمير المؤمنين هشيم؛ حدثنا عوف بن أبي جميلة، عن الحسن، عن علي بن أبي طالب ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا تزوج الرجل المرأة لدينه وجمالها كان فيها سِداد من عوز"، قال: وكان المأمون متكئاً فاستوى جالساً، وقال: يا نضر، كيف قلت: سداد؟ قلت: نعم، لأن السداد هاهنا لحن، قال: أو تلحنني! قلت: إنما لحن هشيم - وكان لحاناً - فتبع أمير المؤمنين لفظه. قال: فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد بالفتح: القصد في الدين والسبيل، والسداد بالكسر: البلغة، وكل ما سددت به شيئاً فهو سداد، قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم، هذا العرجي يقول:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر
فقال له المأمون: قبح الله تعالى من لا أدب له! وأطرق ملياً ثم قال: ما مالك يا نضر؟ قلت: أريضة لي بمرو أتصابها وأتمزرها؛ أي أشرب صبابتها، قال: أفلا أفيدك مالا [معها] ؟ قلت: إني إلى ذلك لمحتاج، ثم قال: فأخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب، ثم قال: كيف تقول إذا أمرت من "يترب"؟ قال: أتربه. قال: فهو ماذا؟ قلت: فهو مترب، قال: فمن الطين؟ قلت: طنه، قال: فهو ماذا؟ قلت: مطين، قال: هذا أحسن من الأولى؛ ثم قال: يا غلام أتربه وطنه، ثم صلى بنا العشاء، وقال لخادمه: تبلغ معه إلى الفضل بن
стр. 59
سهل؛ قال: فلما قرأ الفضل بن سهل الكتاب، قال: يا نضر، أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم، فما كان السبب فيه؟ فأخبرته ولم أكثر به، فقال: لحنت أمير المؤمنين! قلت: كلا؛ إنما لحن هشيم - وكان لحانة - فتبع أمير المؤمنين لفظه، وقد تتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار. ثم أمر لي الفضل من خاصته بثلاثين ألف درهم، فأخذت ألف درهم بحرف استفيد مني.
ويحكى أن النضر مرض، فدخل عليه قوم يعودونه، فقال له رجل يكنى أبا صالح: مسح الله تعالى ما بك، فقال: لا تقل "مسح" بالسين، ولكن قل: "مصح" بالصاد، أي أذهبه الله تعالى وفرقه، أما سمعت قول الشاعر:
وإذا ما الخمر فيها أزبدت ... أفل الإزباد فيها ومصح
فقال له الرجل: إن السين قد تبدل من الصاد، كما يقال: الصراط والسراط وصقر وسقر، فقال له: فإذا أنت "أبو صالح"! وتوفي النضر سنة ثلاث - أو أربع - ومائتين، في خلافة المأمون.
هشام الكلبي
وأما هشام بن محمد بن السائب الكلبي، فإنه كان عالماً بالنسب، وهو أحد
стр. 60
علوم الأدب؛ فلهذا ذكرناه في جملة الأدباء، فإن علوم الأدب ثمانية: النحو، واللغة، والتصريف، والعروض، والقوافي، وصنعة الشعر، وأخبار العرب وأنسابهم؛ وألحقنا بالعلوم الثمانية علمين وضعناهما؛ وهما علم الجدل في النحو، وعلم أصول النحو، فيعرف به الناس وتركيبه وأقسامه من قياس العلة، وقياس الشبه، وقياس الطراد إلى غير ذلك؛ على حد أصول الفقه، فإن بينهما من المناسبة ما لا يخفى؛ لأن النحو معقول من منقول؛ كما أن الفقه معقول من منقول، ويعلم حقيقة خذا أرباب المعرفة بهما.
أخذ هشام عن أبيه وغيره، وروى عنه ابنه العباس وغيره؛ وكان من أهل الكوفة، وكان من أحفظ الناس.
قال محمد بن السري: قال لي هشام بن الكلبي: حفظت ما لم يحفظ أحد، ونسيت ما لم ينسه أحد، كان لي عم يعاقبني على حفظ القرآن؛ فدخلت بيته وحلفت أني لا أخرج حتى أحفظ القرآن؛ فحفظته في ثلاثة أيام؛ ونظرت يوماً في المرآة فقبضت على لحيتي لآخذ ما دون القبضة؛ فأخذت ما فوق القبضة.
وتوفي هشام بن محمد بن السائي في سنة أربع ومائتين - وقيل في سنة ست ومائتين - في خلافة المأمون.
قطرب
وأما أبو علي محمد بن المستنير البصري المعروف بقطرب؛ فإنه كان أحد العلماء
стр. 61
باللغة والنحو؛ أخذ النحو عن سيبويه وعن جماعة من علماء البصرة؛ وسمي قطرباً لأن سيبويه كان يخرج فيراه بالأسحار على بابه. فيقول: إنما أنت قطرب ليل، والقطرب دويبة تدب ولا تفتر.
وروى عنه محمد بن الجهم، وكان يذهب إلى مذهب المعتزلة، ولما صنف كتابه في التفسير أراد أن يقرأه في الجامع، فخاف من العامة وإنكارهم عليه؛ لأنه ذكر فيه مذهب المعتزلة، فاستعان بجماعة من أصحاب السلطان ليتمكن من قراءته بالجامع.
وله من التصانيف كتاب "معاني القرآن"، وكتاب "غريب الحديث"، وكتابه "الصفات"، وكتاب "الأصوات"، وكتاب "الاشتقاق"، وكتاب "النوادر"، وكتاب "القوافي"، وكتاب "الأزمنة"، وكتاب "المثلث"، وكتاب "العلل في النحو"، إلى غير ذلك.
وتوفي سنة ست ومائتين، في خلافة المأمون.
أبو عمرو الشيباني
وأما أبو عمرو إسحاق بن مرار الشيباني؛ فإنه كان عالماً باللغة، حافظاً لها، جامعاً
стр. 62
لأشعار العرب.
وقيل: إنه لم يكن شيبانيّاً؛ وإنما كان مؤدباً لأولاد أناس من شيبان.
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب: دخل أبو عمرو إسحاق بن مرار البادية، ومعه دستيجتان من حبر، فما خرج حتى أفناهما بكتب سماعه عن العرب.
وكان أبو عمرو عالماً بأيام العرب، جامعاً لأشعارها، ويروى عن عمرو بن أبي عمرو قال: لما جمع أبي أشعار العرب كانت نيفاً وثمانين قبيلة، وكان كلما عمل منها قبيلةً وأخرجها إلى الناس كتب مصحفاً، وجعله في مسجد الكوفة؛ حتى كتب نيفاً وثمانين بخطه.
ويحكى أنه أخذ عن المفضل الضبي دواوين العرب، وسمعها منه أبو حسان وابنه عمرو بن أبي عمرو.
حكى أبو العباس، قال: كان مع أبي عمرو الشيباني من العلم والسماع أضعاف ما كان مع أبي عبيدة، ولم يكن من أهل البصرة مثل أبي عبيدة في السماع والعلم.
وروى عن سلمة بن عاصم، قال: كنا في مجلس سعيد بن سلم، وفيه الأصمعي وأبو عمرو، فأنشد الأصمعي بيت الحارث بن حلزة:
عننا باطلاً وظلما كما تع ... نز عن حجرة الربيض الظباء
стр. 63
فقال أبو عمر للأصمعي: ما "تعنز"؟ فقال: معناه تنحى، ومنه قيل: العنزة - ويروي أي يضرب بالعنزة؛ وهي العصا - فقال أبو عمرو: الصواب "تعتر عن حجرة الربيض الظباء". أي تنحر؛ فصاح عليه الأصمعي، فقال له أبو عمرو: والله لا ترويها بعد هذا اليوم إلاّ "تعتر" كما قلت لك، فقيل لأبي عمرو: ظفرت به فاحترز منه، فقال له الأصمعي: ما تقول في قول الشاعر:
وضرب كآذان الفراء فضوله ... وطعن كإبزاغ المخاض تبورها
ما أراد بالفراء؟ فقال له أبو عمرو: ما نحن عليه - وكانا جالسين على فرو - فقال له: أخطأت؛ إنما الفراء جمع فرأ، وهو حمار الوحش.
ويحكى عن يونس بن حبيب، قال: دخلت على أبي عمرو الشيباني؛ وبين يديه قطمر فيه أمناء من الكتب يسيرة، فقلت له: أيها الشيخ؛ هذا جميع علمك! فتبسم إلي وقال: هذا من صندوق كبير.
وحكى التوزي، قال: قلت لأبي زيد الأنصاري: إن أبا عمرو الشيباني ينشد:
بساباط حتى مات وهو محرزق
وأنتم تقولون: "محرزق" فقال: هذه لغة نبطية وأم أبي عمرو نبطية؛ فهو أعلم بها منا.
стр. 64
وعمر أبو عمرو طويلاً حتى أناف على التسعين.
وذكر حنبل بن إسحاق في كتابه عن الإمام أحمد بن حنبل أن أبا عمرو الشيباني أتى عليه تسع عشرة ومائة سنة. وكان الإمام أحمد بن حنبل يحضر مجلس أبي عمرو، وكتب عنه حديثاً كثيراً.
وكان أبو عمرو مشهوراً معروفاً؛ وإنما قصر به عند العامة من أهل العلم أنه كان مشتهراً بشرب النبيذ.
وتوفي سنة ست ومائتين من خلافة المأمون -وقيل سنة عشر ومائتين- يوم السعانين.
علي بن المبارك
وأما علي بن المبارك الأحمر صاحب الكسائي، فإنه أول من دون عن الكسائي، قال الفراء: أتيت الكسائي فإذا الأحمر عنده، وقد بقل وجهه ثم برز حتى كان الفراء يأخذ عنه. وكان يؤدب الأمين. وكان مشهوراً بالنحو واتساع الحفظ.
وكان أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، يقول: كان علي الأحمر مؤدب الأمين يحفظ أربعين ألف شاهد في النحو، سوى ما كان يحفظ من القصائد وأبيات الغريب، وكان متقدماً على الفراء في حياة الكسائي، لجودة قريحته وتقدمه في علل النحو ومقاييس التصريف.
ومات قبل الفراء في سنة ست -أو سبع- ومائتين. ولما مات الأحمر قال الفراء: ذهب من كان يخالفني في النحو.
стр. 65
أبو زكريا الفراء
وأما أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء؛ فإنه كان مولى لبني أسد، من أهل الكوفة، وأخذ عن أبي الحسن علي بن حمزة الكسائي، وأخذ عنه سلمة بن عاصم، ومحمد بن عاصم السمري وغيرهما.
وكان إماماً ثقة.
ويحكى عن أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب، أنه قال: لولا الفراء لما كانت اللغة؛ لأنه خلصها وضبطها، ولولا الفراء لسقطت العربية؛ لأنها كانت تنازع ويدعيها كل من أراد، ويتكلم الناس على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب.
وقال أبو بريد الوضاحي: أمر أمير المؤمنين المأمون الفراء أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو، وما سمع من العرب، فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدور؛ ووكل به جواري وخدماً للقيام بما يحتاج إليه؛ حتى لا يتعلق قلبه، ولا تتشوق نفسه إلى شيء؛ حتى إنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلوات. وصير له الوراقين، وألزمه الأمناء والمنفقين؛ فكان الوراقون يكتبون؛ حتى صنف "الحدود" وأمر المأمون بكتبه في الخزائن؛ فبعد أن فرغ من ذلك خرج إلى الناس، وابتدأ يملي كتاب "المعاني". وكان وراقيه سلمة وأبو نصر، قال: فأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب "المعاني" فلم نضبط؛ فلما فرغ من إملائه خزنه الوراقون عن الناس ليكتسبوا به، وقالوا:
стр. 66
لا تخرجه إلى أحدٍ إلاّ لمن أراد أن ننسخه له على أن كل خمسة أوراق بدرهم؛ فشكا الناس إلى الفراء، فدعا الوراقين، فقال لهم في ذلك، فقالوا: نحن إنما صحبناك لننتفع بك، وكل ما صنعته فليس للناس إليه من الحاجة ما بهم إلى هذا الكتاب؛ فدعنا نعش به. فقال: قاربوهم تنفعوا وتنتفعوا، فأبوا عليه، فقال: سأريكم، وقال للناس: إني أريد أن أملي كتاب المعاني أتم شرحاً وأبسط قولاً من الذي أمللت، فجلس يملي، وأملى في الحمد مائة ورقة، فجاء الوراقون إليه، فقالوا: نحن نبلغ الناس ما يحبون، فننسخ كل عشرة أوراق بدرهم.
قال: وكان المأمون قد وكل الفراء ليلقن ابنيه النحو، فلما كان يوماً أراد الفراء أن ينهض إلى بعض حوائجه، فابتدرا إلى نعل الفراء ليقدماها له؛ فتنازعا، أيهما يقدمها [له] ؟ ثم اصطلحا على أن يقدم كل واحد منهما واحدة، فقدماها؛ وكان للمأمون وكيل على كل شيء خاص، فرفع ذلك إليه في الخبر، فوجه إلى الفراء واستدعاه، فلما دخل عليه قال له: من أعز الناس؟ فقال: لا أعرف [أحداً] أعز من أمير المؤمنين، فقال: بلى، من إذا نهض تقاتل على تقديم نعله وليا عهد المسلمين؛ حتى يرضى كل واحد منهما أن يقدم [له] واحدة، فقال: يا أمير المؤمنين لقد أردت منعهما، ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها، وأكسر نفوسهما عن شريفة حرصا عليها؛ وقد روي عن ابن عباس أنه أمسك للحسن والحسين ركابيهما حين خرجا من عنده، فقال له بعض من حضر: أتمسك لهذين الحدثين ركابيهما وأنت أسن منهما؟ فقال له: اسكت يا جاهل، لا يعرف الفصل لأهل الفضل إلاّ ذوو الفضل؛ فقال له المأمون: لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوماً وعتباً، وألزمتك ذنباً؛ وما
стр. 67
وضع ما فعلا من شرفهما؛ بل رفع من قدرهما، وبين عن جوهرهما؛ ولقد تبينت مخيلة الفراسة بفعلهما؛ وليس يكبر الرجل وإن كان كبيراً عن ثلاث: عن تواضعه لسلطانه، ولوالديه، ولمعلمه، ثم قال: قد عوضتهما مما فعلا عشرين ألف دينار، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما.
وحكى أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن نجدة، قال: لما تصدى أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء للاتصال بالمأمون، كان يتردد إلى الباب، فلما أن كان ذات يوم جاء ثمامة، قال: فرأيت [له] أبهة أدب، فجلست إليه ففاتشته عن اللغة، فوجدته بحراً، وفاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده، وعن الفقه فوجدت فقيهاً عارفاً باختلاف القوم، وبالنجوم ماهراً، وبالطب خبيراً، وبأيام العرب وأشعارها حاذقاً، فقلت [له] : من تكون؟ وما أظنك إلاّ الفراء! فقال: أنا هو. فدخلت على أمير المؤمنين فأعلمته، فأمر بإحضاره لوقته فكان سبب اتصاله به.
وقال أبو بكر بن الأنباري: لو لم يكن لأهل بغداد والكوفة من علماء العربية إلاّ الكسائي والفراء لكان لهم بهما الافتخار على جميع الناس؛ إذ انتهت العلوم إليهما.
وكان يقال: الفراء أمير المؤمنين في النحو.
ويروى عن بشر المريسي أنه قال للفراء: يا أبا زكريا، أريد أن أسألك مسالة في الفقه: فقال: سل، فقال: ما تقول في رجل سها في سجدتي السهو؟ قال: لا شيء عليه، قال: من أين قلت ذلك؟ قال: قسته على مذاهبنا في العربية، وذلك أن المصغر لا يضغر، وكذلك لا يلتفت إلى السهو في السهو،
стр. 68
فسكت.
ويروى نحو هذا عن محمد بن الحسن، أنه سأله عن ذلك، فأجاب بهذا الجواب، فقال: ما ظننت آدمياً يلد مثلك.
وقال سلمة: أملى الفراء كتبه كلها حفظاً، لم يأخذ بيده نسخة إلاّ في كتابين. ومقدار كتب الفراء ثلاثة آلاف ورقة، وكان مقدار الكتابين خمسين ورقة.
وقال سعدون: قلت للكسائي: الفراء أعلم أم الأحمر؟ فقال: الأحمر أكثر حفظاً، والفراء أحسن عقلاً؛ وأبعد فكراً، وأعلم بما يخرج من رأسه.
قال سلمة: خرجت من منزلي فرأيت أبا عمر الجرمي واقفاً على بابي، فقال لي: يا أبا محمد، امض لي إلى فرائكم هذا، فقلت له: امض، فانتهينا إلى الفراء، وهو جالس على بابه يخاطب قوماً من أصحابه في النحو؛ فلما عزم على النهوض، قلت: يا أبا زكريا، هذا أبو عمر صاحب البصريين، تحب أن تكلمه في شيء؟ فقال: نعم، ما يقول أصحابك في كذا وكذا؟ قال: كذا وكذا، فقال: يلزمهم كذا وكذا، ويفسد هذا من جهة كذا وكذا، قال: فألقى عليه مسائل، وعرفه الإلزامات فيها، فنهض وهو يقول: يا أبا محمد، ما هذا إلاّ شيطان، يكرر ذلك [ثلاثاً] .
وتوفي الفراء سنة سبع ومائتين في طريق مكة، وقد بلغ ثلاثاً وستين سنة، وكذلك حكى عن أحمد بن يحيى ثعلب. قال: توفي الأخفش بعد الفراء، وتوفي الفراء سنة سبع ومائتين في خلافة المأمون، بعد دخول المأمون العراق بثلاث سنين.
أبو عبيدة معمر بن المثنى
وأما أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي، فإنه منسوب إلى تيم قريش، لا تيم الرباب -وكان مولى لهم- ويقال: كان مولى لبني عبد الله بن معرم التيمي.
стр. 69
وذكر أبو بكر بن الخطيب أنه ولد سنة عشر ومائة، في الليلة التي مات فيها الحسن البصري.
قال عمرو بن بحر الجاحظ: لم يكن في الأرض خارجيّ ولا إجماعيّ أعلم بجميع العلوم من أبي عبيدة.
وعن الكديمي -أو أبي العيناء- قال: قال رجل لأبي عبيدة: يا أبا عبيدة، قد ذكرت الناس وطعنت في أنسابهم، فبالله تعالى إلاّ ما عرفتني من أبوك، وما أصله؟ فقال: حدثني أبي أن أباه كان يهودياً.
وكان أبو عبيدة من أعلم الناس باللغة وأخبار العرب وأنسابها، وله في ذلك مصنفات كمقاتل الفرسان وغيره.
وقال أبو العباس المبرد: كان أبو عبيدة عالماً بالشعر والغريب والأخبار والنسب، وكان الأصمعي أعلم منه بالنحو.
وقال المبرد: قال التوزي: سألت أبا عبيدة عن قول الشاعر:
وأضحت رسوم الدار قفراً كأنها ... كتاب محاه الباهلي بن أصمعا
فقال: هذا يقوله في جد الأصمعي. قال التوزي: فسألت الأصمعي عن ذلك فتغير وجهه، وقال: هذا
стр. 70
كتاب عثمان ورد على عبد الله بن عامر، فلم يجد من يقرؤه إلاّ جدي.
وقال المبرد: قال أبو عبيدة: لما حملت أنا والأصمعي إلى الرشيد تغدينا عند الفضل بن يحيى، فجاءوا بأطعمة ما سمعت بها قط، وإذا بين يدي الأصمعي سمك كنعد وكامخ، فقال: كل من هذا يا أبا عبيدة، فإنه كامخ طيب، فقلت: والله ما فررت من البصرة إلاّ من الكامخ والكنعد.
ولما قدم بغداد قرئ عليه أشياء من كتبه.
روى عنه علي بن المغيرة الأثرم، وأبو عبيدة القاسم بن سلام، وأبو عثمان المازني، وأبو حاتم السجستاني، وغيرهم.
وقال محمد بن يحيى الصولي: إسحاق بن إبراهيم الموصلي، هو الذي أقدم أبا عبيدة من البصرة، سأله الفضل بن الربيع أن يقدمه، فورد أبو عبيدة سنة ثمان وثمانين ومائة بغداد، فأخذ عنه وعن الأصمعي علماً كثيراً.
وعن التوزي، عن أبي عبيدة، قال: أرسل إلى الفضل بن الربيع إلى البصرة في الخروج إليه، فلما استأذنت عليه، أذن لي وهو في مجلس له طويل عريض، فيه بساط واحد قد ملأه، وفي صدره فرش عاليةٌ لا يرتقى إليها إلاّ على كرسي وهو جالس عليها، فسلمت عليه بالوزارة، فرد وضحك إلي، واستدناني حتى جلست معه على فره، ثم سألني وألطفني وباسطني، وقال: أنشدني فأنشدته، فطرب وضحك وزاد نشاطه، ثم دخل رجل في زي الكتاب، له هيئة، فأجلسه إلى جانبي، وقال له: أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا أبو عبيدة، علامة أهل البصرة، أقدمناه لنستفيد من علمه، فدعا له الرجل وقرظه لفعله هذا، وقال لي: إني كنت إليك مشتاقاً، وقد سئلت عن مسألة، أفتأذن لي أن أعرفك إياها؟ فقلت: هات، قال: قال الله :] طلعها كأنه رؤوس الشياطين [،
стр. 71
وإنما يقع الوعد والإيعاد بما قد عرف مثله، وهذا لم يعرف؛ فقلت: إنما كلم الله تعالى العرب على قدر كلامهم، أما سمعت قول امرئ القيس:
أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وهم لم يروا الغول قط، ولكنهم لما كان أمر الغول يهولهم أوعدوا به؛ فاستحسن الفضل ذلك، واستحسنه السائل، واعتقدت من ذلك اليوم أن أضع كتاباً في القرآن في مثل هذا وأشباهه وما يحتاج إليه من علمه؛ فلما رجعت إلى البصرة عملت كتابي الذي سميته المجاز، وسألت عن الرجل، فقيل لي: هو من كتاب الوزير وجلسائه، [وهو] إبراهيم بن إسماعيل الكاتب.
قال سلمة: سمعت الفراء يقول لرجل: لو حمل إلي أبو عبيدة لضربته عشرين في [كتاب] المجاز.
وقال التوزي: بلغ أبا عبيدة أن الأصمعي يعيب عليه تأليف كتاب المجاز في القرآن، وأنه قال: يفسر ذلك برأيه، قال: فسأل عن مجلس الأصمعي في أي يوم هو، فركب حماره في ذلك اليوم، ومر بحلقة الأصمعي، فنزل عن حماره، وسلم عليه وجلس عنده؛ وحادثه ثم قال له: يا أبا سعيد، ما تقول في الخبز؟ قال: هو الذي نخبزه ونأكله، فقال له أبو عبيدة: فسرت كتاب الله برأيك، قال الله تعالى:] إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً [فقال له الأصمعي: هذا شيء بان لي فقلته، لم أفسره برأيي، فقال له أبو
стр. 72
عبيدة: وهذا الذي تعيبه علينا، كله شيء بان لنا فقلناه ولم نفسره برأينا؛ ثم قام فركب حماره وانصرف.
وقال أبو عثمان المازني: سمعت أبا عبيدة يقول: دخلت على الرشيد، فقال لي: يا معمر، بلغني أن عندك كتاباً حسناً في صفة الخيل، أحب أن أسمعه منك، فقال الأصمعي: وما تصنع بالكتاب؟ يحضر فرس، ونضع أيدينا على عضو عضو، ونسميه، ونذكر ما فيه، فقال الرشيد: يا غلام، أحضر فرسي، فقام الأصمعي فوضع يده على عضو عضو، ويقول: هذا كذا، قال الشاعر فيه كذا، حتى انقضى قوله. فقال الرشيد: ما تقول فيما قال؟ قال: قلت: قد أصاب في بعض وأخطأ في بعض، والذي أصاب فيه شيء نعلمه، والذي أخطأ فيه لا أدري من أين أتى به! وقال عبد الله بن عمرو بن لقيط: لما خبر أبو نواس بأن الخليفة يجمع بين الأصمعي وأبي عبيدة، قال: أما أبو عبيدة فعالم؛ ما يزال مع أسفاره يقرؤها، والأصمعي بمنزلة بلبل في قفص، يسمع من نغمه لحوناً، ويرى كل وقت من ملحه فنوناً.
وزعم الباهلي صاحب المعاني أن طلبة العلم كانوا إذا أتوا مجلس الأصمعي اشتروا البعر في سوق الدر، وإذا أتوا أبا عبيدة اشتروا الدر في سوق البعر -يعني أن الأصمعي كان صاحب عبارة حسنة، وأن أبا عبيدة كان صاحب عبارة سيئة.
قال أبو العباس المبرد: كان أبو زيد أعلم من الأصمعي وأبي عبيدة بالنحو، وكانا بعد يتقاربان، وكان أبو عبيدة أكمل القوم.
стр. 73
وذكر علي بن عبد المديني أبا عبيدة فأحسن ذكره، وصحح روايته وقال: كان الأصمعي لا يحكي عن العرب إلاّ الشيء الصحيح.
وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي، قال: حضرت أبا عبيدة في بعض الأيام فأخطأ في موضعين، قال: "شِلت الحجر"، وإنما هو "شُلت" بضم الشين، ثم أنشد:
شلت بدا فارية فرتها
فضم الشين وإنما هو فتحها.
وكان أبو عبيدة ينشد قول حاجب بن زرارة يوم جبلة:
شتان هذا العناق والنوم ... والمشرب البارد في ظل الدوم
وكان الأصمعي ينكر عليه، ويقول: ما ابن الصباغ وهذا! وأنى لأهل نجد دوم، والدوم شجر المقل، وهو يكون بالحجاز، وحاجب نجدي، فأنى له دوم! وكان الأصمعي ينشده "في الظل الدوم"، أي الدائم، كما يقال: رجل زور، أي زائر.
وقال أبو موسى محمد بن المثنى: توفي أبو عبيدة النحوي سنة ثمان ومائتين.
وقال الخليل بن أسد النوشجاني: أطعم محمد بن القاسم بن سهل النوشجاني أبا عبيدة موزاً، فكان سبب موته، ثم أتاه أبو العتاهية فقدم إليه موزاً، فقال: ما هذا يا أبا جعفر!
стр. 74
قتلت أبا عبيدة بالموز وتريد أن تقتلني! لقد استحللت قتل العلماء.
قال الصولي: توفي أبو عبيدة سنة سبع ومائتين.
وقال المظفر بن يحيى: توفي أبو عبيدة سنة تسع ومائتين؛ وهو ابن ثلاث وتسعين سنة.
وقيل: توفي بالبصرة سنة ثلاث عشرة ومائتين، وله ثمان وتسعون سنة في خلافة المأمون.
أبو سعيد الأصمعي
وأما الأصمعي فهو عبد الملك بن قريب، واسم قريب عاصم - ويكنى أبا بكر - بن عبد بن أصمع. وكان صاحب النحو واللغة والغريب والأخبار والملح.
وقال عمر بن شبة: سمعت الأصمعي يقول: أحفظ ست عشرة آلاف أرجوزة. ويقال: كان الرشيد يسميه شيطان الشعر.
وقال الأخفش: ما رأينا أحداً أعلم بالشعر من الأصمعي وخلف، فقلت: أيهما كان أ'لم؟ فقال:
стр. 75
الأصمعي؛ لأنه كان نحوياً.
وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد: كان أبو زيد صاحب لغة وغريب ونحو، وكان أكثر من الأصمعي في النحو، وكان أبو عبيدة أ'لم من أبي زيد والأصمعي بالأنساب والأيام والأخبار، وكان للأصمعي يد غراء في اللغة لا يعرف فيها مثله، وفي كثرة الرواية، وكان دون أبي زيد في النحو.
وحكى محمد بن هبيرة، قال: قال الأصمعي للكسائي وهما عند الرشيد: ما معنى قول الشاعر:
قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً ... ودعا فلم أرَ مصله مقتولا
قال الكسائي: كان محرماً بالحج، قال: الأصمعي فقوله:
قتلوا كسرى بليل محرماً ... فتولى لم يمتع بكفن
فهل كان محرماً بالحج؟ فقال هارون للكسائي: يا علي؛ إذا جاء الشعر فإياك والأصمعي.
قال الأصمعي: قوله: محرما"، أي في حرمة الإسلام؛ ومن ثم قيل: مسلم محرم؛ أي لم يحل من نفسه شيئاً يوجب القتل. وقوله: "محرماً" في كسرى، يعني حرمة العهد الذي كان له في عنق أصحابه.
قال المصنف: ويحتمل أن يكون قوله: "محرماً" في حق عثمان، أي دخل في الأشهر الحرم؛ يقال: أحرم الرجل، إذ دخل في الأشهر الحرم، وقد كان قتل في ثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين. وذو الحجة من الأشهر الحرم.
следующие страницы →