Полный текст (211 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يتلهب ويتوقد حرّاً إذ أبصرت جارية سوداء قد خرجت من دار المأمون ومعها جرة فضة مملوءة ماء وهي تردد هذا البيت بحلاوة لفظ وذرابة لسان وتقول:
حر وجد وحر هجر وحر ... أي عيش يكون ذا أمر
قال فقلت يا جارية ما شأنك؟ فقالت إني جارية لأمير المؤمنين المأمون وأنا أحب عبداً له
أسود وقد هجرني ولا أقدر أن أظهر حبي لأحد. قال فمضيت واستأذنت على المأمون وإذا هو نائم فأذن لي وقد كان أمر أن لا أحجب عنه على أي حال كان فدخلت عليه وهو في مرقده، فقال ما جاء بك يا أصمعي في هذا الوقت؟ قلت يا أمير المؤمنين أتهب لي جاريتك فلانة السوداء وعبدك الأسود فلاناً، فقال قد فعلت ذلك وهما لك افعل بهما ما شئت فخرجت من عنده وأحضرتهما وجمعت بينهما بعد أن جمعت من أهل الدار من حضر وأعتقتهما وزوجت الجارية من العبد، ثم عدت إلى المأمون وقلت له يا أمير المؤمنين إني فعلت كيت وكيت وإني اريد الآن ما أجهزهما به فأمر لكل واحد منهما بعشرة آلاف درهم وأمر لي بمثل ذلك وخرجت من عنده وعاد هو إلى نومه.
حكاية: أخبر عمر بن الحبيب القاضي أن رجلاً كان بالبصرة وكانت له امرأة وله منها ابنان فمات وترك لهم شاة، فرأت المرأة في النوم كأن أحد ابنيها يقول يا أماه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة وليس بد من أن أقوم أذبحه فقالت لا تفعل يا بني قال لابد من أن أذبحه فقام وذبحه وسمطه وشواه وأخرجه من التنور وقعد هو وأخوه يأكلان فكلمه أخوه بشيء فأخذ السكين وشق بطنه فانتبهت فزعة وإذا بانها يقول يا أماه أما ترين هذا الجدي قد أفنى علينا لبن هذه الشاة فأريد أقوم فأذبحه، فقالت لا تفعل يا بنيّ وجعلت تتعجب من تصديق الرؤيا فأخذت بيد أخيه فأدخلته بيتاً وأغلقت عليه الباب من داخل، فبينما هي مفكرة ومغتمة إذ غفت فرأت النبي ﷺ في النوم، فقال لها ما شأنك؟ فخبرته الخبر فنادى يا رؤيا فإذا الحائط قد انشق وخرجت منه امرأة جميلة بديعة الجمال، فقال لها ما أردت بهذه المسكينة، فقالت لا والذي بعثك بالحق نبياً ما أتيتها في منامها فنادى يا أضغاث أحلام فخرجت امرأة دونها، فقال لها ما أردت بهذه المسكينة، قالت رأيتهم بخير فحسدتهم وأردت أن أغمهم، فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس عليك بأس
стр. 37
فانتبهت وأكلت مع ابنيها ولم يزالوا بخير.
حكاية: أخبر بعض الأدباء قال حدثنا رجل من جيراننا أن الفضل مرّ في يوم صائف منصرفاً من المدينة يريد منزله فقلت له والله ما في منزلي قليل ولا كثير فعطس الفضل فقلت يرحمك الله وقد كان سمع يميني فأمر بعض غلمانه أن يحملني معه على دابته، فلما صار بي إلى قصره أخرج إليّ خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب فانصرفت بها على
منزلي فقالت لي امرأتي والله لقد خرجت من عندنا وما تملك قليلاً ولا كثيراً فمن أين صرفت هذا؟ قال فأعلمتها الخبر فلم تصدق قولي واستراب الجيران في حالي وتناهى الخبر إلى السلطان فطمع فيّ وحبسني فقلت له إنه كان من أمري كيت وكيت فرفع خبري إلى الفضل فأمر بإحضاري، فلما أحضرت ورآني عرفني وأمر بإطلاقي وأعطاني خمسة آلاف درهم وعشرة أثواب وقال تعهدنا ننفعك فلم يزل ينفعني حتى حدث من أمرهم ما حدث.
حكاية: أخبر بعض الفضلاء أن رجلاً كان ينزل بنهر المهدي وكانت عليه نعمة فزالت ولم يقدر على شيء فمطر الناس ثلاثة أيام متتابعة فبقي في منزله لا يقدر على الخروج فأضرّ به ذلك وأبلغ إليه الجوع وإلى عياله، فلما كان في آخر الليل جاء إلى بقال بقصعة ليرهنها عنده في خبز، فانتهره البقال وقال ما اصنع بها وأبى أن يعطيه عليها شيئاً. قال فعاد إلى منزله مغموماً لا حيلة له فرفع يده إلى السماء وقال: اللهم سق إليّ في هذه الليلة عبداً من عبادك تحبه يفرج عني ما أنا فيه فما شعر إلا والباب يدق فخرج فإذا رجل على حمار قد حفّ به خدم، فقال له كم عيالك؟ قال كذا وكذا فأعطاه كيساً فيه نحو خمسة آلاف درهم، فقال الحمد لله الذي استجاب دعائي وفرج عني كربي، فقال له وما كان دعاؤك فأخبره الخبر بفعل البقال وما دعا الله به فاستحلفه أنه دعا بهذا الدعاء فحلف به فأمر له بمائة ألف درهم، قال فسألت بعض أولئك الخدم عنه لأعلم هل يقدر الرجل على ما أمر لي به أم لا، فقال هو الفضل بن يحيى بن خالد البرمكي فسكتّ لذلك وانصرفت إلى منزلي، فلما أصبحت مضيت إلى قهرمانه فقبضت منه المال قلت إن الفضل حرّي بقول أبي تمام رحمه الله تعالى:
هو البحر من أيّ النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله
جواد إذا ما جئت للجود طالباً ... حباك بما تحوي عليه أنامله
ولو لم يكن في كفه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
стр. 38
حكاية: قيل إن رجلاً من أهل الشام عزم على لقاء المأمون فاستشار بعض أصحابه على أيّ وجه أصلح أن ألقى أمير المؤمنين قال على الفصاحة قال ليس عندي منها شيء وغني لألحن في كلامي كثيراً. قال فعليك بالرفع فإنه أكثر ما يستعمل فدخل على المأمون وقال
السلام علك ورحمة الله وبركاته، فقال يا غلام اصفعه فصفعه، فقال بسم الله، فقال ويلك من دلك على الرفع؟ قال وكيف يا أمير المؤمنين لا أرفع من رفعه الله؟ فضحك وقضى حاجته.
حكاية: قيل اختصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وجعلا يلحنان، فقال الحاجب قوما فقد آذيتما أمير المؤمنين، فقال عمر أنت والله أشد أذىً لي منهما.
حكاية: قيل لما تشاغل عبد الملك بن مروان بقتال مصعب بن الزبير اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم وقالوا قد أمكنتك الفرصة من العرب فقد تشاغل بعضهم ببعض ووقع بأسهم بينهم والرأي أن تغزوهم في بلادهم فإنك تذلهم وتنال حاجتك منهم فنهاهم عن ذلك فأبوا عليه إلا أن يفعل، فلما رأى ذلك دعل بكلبين فأحرش بينهما فاقتتلا قتالاً شديداً شديداً، ثم دعا بذئب فخلاه بينهما، فلما رأى الكلبان الذئب تركا ما كان بينهما وأقبلا على الذئب حتى قتلاه، فقال ملك الروم هكذا العرب يقتتلون بينهم، فإذا رأونا وهم مجتمعون تركوا ذلك وأقبلوا علينا فعرفوا صدق قوله ورجعوا عما كانوا عليه.
حكاية: قيل دخل قوم على المنصور من حاشيته وخدمه فرأى منهم رجلاً عليه سواد خلق، فقال له يا فلان ما لي أرى سوادك متقطعاً أما تقبض رزقك؟ قال بلى يا أمير المؤمنين ولكن أبي توفي وترك عليه ديناً كثيراً فبعت تركته في قضاء دينه فصرفت أكثر رزقي إلى حرمته وولده من بعده، فقال أعد عليّ ما قلت فأعاده فقال ما أحسن ما فعلت اغد عليّ في غد فغدا عليه فوجد الربيع جالساً على الكرسي، فقال قد سأل عنك أمير المؤمنين فادخل فدخل فوجده يصلي فقضى حاجته من الصلاة، وقال ألم آمرك أن تغدو، فقال يا أمير المؤمنين ما قصرت في الغدوّ عند نفسي. قال خذ ما تحت تلك المضربة وإذا السراج يزهر وسرير صغير في ناحية المجلس ينام عليه فرفعت المضربة فإذا دنانير تحتها فجعلت أحثوها في كمي، ثم دعوت له وخرجت ووزنت الدنانير فإذا هي ألف دينار وتسعة وتسعون ديناراً.
حكاية: قيل إن شمر بن أفر يقيس بن أبرهة خرج في خمسمائة ألف مقاتل إلى أرض الصين، فلما
стр. 39
قارب بلادهم بلغ ذلك ملك الصين فجمع وزراءه واستشارهم، فقال رئيسهم أثر فيّ أثراً وخلني فأمر به فجدع أنفه فقام هارباً مستقبلاً لشمر فوافاه على أربعة منازل
بعد خروجه من مغاور الصين فدخل عليه، وقال إني أتيتك مستجيراً. قال شمر ممن؟ قال من ملك الصين لأني كنت رجلاً من خاصة وزرائه وإنه جمعنا لما بلغه مسيرك إليه واستشارنا فأشار القوم جميعاً عليه بمحاربتك وخالفتهم في رأيهم وأشرت عليه أن يعطيك الطاعة ويحمل إليك الخراج، فاتهمني وقال قد ملت إلى ملك العرب وكان منه لي ما ترى ولم آمنه مع ذلك أن يقتلني فخرجت هارباً إليك ففرح به شمر وأنزله معه في مكانه ووعده من نفسه خيراً، فلما أصبح وأراد أن يرحل قال لذلك الرجل كيف علمك بالطريق قال أنا من أعلم الناس به قال فكم بيننا وبين الماء قال مسيرة ثلاثة أيام وأنا موردك اليوم الرابع على الماء فأمر جنوده بالرحيل ونادى فيهم أن لا يحملوا من الماء إلا لثلاثة أيام، ثم سار في جنوده والرجل بين يديه، فلما كان اليوم الرابع انقطع بهم الماء واشتد الحر، فقال لا ماء إنما كان ذلك مكراً مني لأدفعك بنفسي عن ملكي فأمر به فضرب عنقه وعطش القوم، وقد كان المنجمون قالوا لشمر عند مولده إنه يموت بين جبلي حديد فوضع درعه تحت قدمه من شدة الرمضاء ووضع ترساً من حر الرمضاء فذكر ما كان قيل له في ولادته وقال للقوم تفرقوا حيث أحببتم فقد أوردتكم إلى هذه المهالك فهلك جميع من معه.
حكاية: قيل إن شبيب بن يزيد الخارجي مر بغلام مستنقع في ماء الفرات، فقال له يا غلام اخرج إليّ أسألك فعرفه الغلام، فقال إني خائف أفآمن إن خرجت حتى ألبس ثيابي، قال: نعم، فخرج وقال والله لا ألبسها اليوم، فضحك شبيب وقال خدعني ورب الكعبة، ووكل به رجلاً من أصحابه يحفظه أن لا يصيبه أحد من أصحابه بمكروه.
حكاية: ذكر البيهقي في المحاسن والمساوي أن رجلاً من أهل الشام سأل ابن عباس ﵄ من الناكثون؟ قال الذين بايعوا علياً بالمدينة، ثم نكثوا فقاتلهم بالبصرة أصحاب الجمل، والقاسطون معاوية، وأصحابه والمارقون أهل النهروان ومن معهم فقال الشامي يا ابن عباس ملأت صدري نوراً وحكمة وفرجت عني فرج الله عنك أشهد أن علياً مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
حكاية: حدث ابن المكي عن أبيه، قال قال لي محمد الأمين في آخر أيامه يا مكي إني والله أحبّ أن أقعد
стр. 40
يوماً قبل أن يحال بيني وبين ملكي فقلت يا أمير المؤمنين افعل ذلك فقال اغد عليّ في غد، قال فانصرف وغدا عليّ رسوله في السحر فجئت إليه وهو في صحن داره
وعليه جبة وأشياء مذهبة تتألق وعمامة مثلها ما رأيت لأحد قط مثل ذلك وتحته كرسي من ذهب مرصع بالجواهر فدعا لي بكرسي فجلست عليه عن يساره، ثم قال لخادم على رأسه ادع لي فلانة وفلانة حتى عد أربعة جوار ما منهن جارية إلا وأنا أعرف حذقها وجودة غنائها فخرجن وجلسن عن يمينه، ثم قال يا غلام عليّ برطل فأتى برطل وجام بلور مكلل بالجواهر فالتفت إلى التي عن تليه، وقال لها غني فضربت ضرباً حسناً وغنت بشعر الوليد بن عقبة بن أبي معيط:
هم قتلوه كي يكونوا مكانه ... كما قتلت كسرى بليل مراز به
بني هاشم ردوا سلاح أخيكم ... ولا تنهبوه لا تحل مناهبه
قال فرمى بالجام في وسط الدار، ثم قال لعنك الله ما هذا؟ قالت والله يا سيدي ما جاء على لساني غير هذا، ثم التفت إلى الغلام وقال له اسقني فأتاه بجام مثل الأول فقال للثانية غني فغنت ما قيل في كليب بن وائل:
كليب لعمري كان أكثرا ناصراً ... وأيسر ذنباً منك ضرج بالدم
فرمى بالجام من يده في صحن الدار فكسره، ثما قال يا غلام عليّ برطل، وقال للثالثة غني فغنت:
أتقتل عمراً لا أبا لك شاردا ... وتزعم بعد القتل أنك هارب
فلو كنت بالأقطار ما فتّ ضربتي ... وكيف تفوت الحين والدم طالب
قال فرمى بالجام وقال يا غلام عليّ برطل، وقال للرابعة غني فغنت:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والخطوب الزواجر
قال فالتفت إليّ وقال قد سمعت، هذا أمر يريده الله قال فما مضت أيام حتى رأيت رأسه معلقاً على القصر.
حكاية: عن الأوزاعي، قال بعث إليّ المنصور وقال لم أبطأت عنا قلت وما تريد من قال لأستفيد منكم فقلت له مهلاً فإن عروة بن رويم أخبرني أن رسول الله ﷺ قال (من جاءته موعظة من ربه فقبلها شكر الله له ذلك ومن جاءته ولم يقبلها كانت عليه حجة يوم القيامة) مهلاً فإن
стр. 41
مثلك لا ينبغي له أن ينام إنما جعلت الأنبياء رعاة لعلمهم
بالرعية يجبرون الكسير ويسمنون الهزيل ويردون الضالة فكيف بمن يسفك دماء المسلمين ويأخذ أموالهم أعيذك بالله أن تقول إن قرابتك من رسول الله ﷺ تدعوك إلى الجنة إن رسول الله ﷺ كانت في يده جريدة يستاك بها فضرب بها قرن أعرابي فنزل جبريل ﵇، وقال يا محمد إن الله ﵎ لم يبعثك جباراً مؤيساً مقنطاً تكسر قرون أمتك ألق الجريدة من يدك فدعا الأعرابي إلى القصاص من نفسه فكيف بمن يسفك دماء المسلمين إن الله أوحى إلى من هو خير منك داود ﵇ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق - واعلم أن ثوباً من ثياب أهل النار لو علق بين السماء والأرض لمات أهل الأرض من نتن ريحه فكيف بمن يتقمصه ولو أن أن حلقة من سلاسل جهنم وضعت على جبال الدنيا لذابت كما يذوب الرصاص حتى تنتهي إلى الأرض السابعة بمن تقلدها.
حكاية: قال بعض الأدباء دخلت على أبي العشائر يوماً أعدوه من على فقلت ما يجد الأمير فأشار إلى غلام قائم بين يديه كأنه رضوان غفل عنه فأبق من الجنة ثم أنشد:
أسقم هذا الغلام جسمي ... بما بعينيه من سقام
فتور عينيه من دلال ... أهدى فتوراً إلى عظامي
وامتزجت روحه بروحي ... تمازج الماء بالمدام
حكاية: قال بعض الأدباء دعا يحيى بن خالد البرمكي ابنه ابراهيم يوماً، وكان يسمى دينار بني برمك لجماله وحسنه ودعا بمؤدبه وبمن كان ضم إليه من كتابه وأصحابه فقال ما حال ابني هذا فقالوا قد بلغ من الأدب كذا وكذا، قال ليس عن هذا سألت وإنما سألت عن بعد همته قالوا اتخذنا له من الضياع كذا وكذا قال ليس عن هذا سألت وإنما سألت عن بعد همته هل اتخذتم له في أعناق الرجال مننا أو حببتموه إلى الناس قالوا لا قال فبئس الأصحاب أنتم هو والله إلى هذا أحوج منه إلى ما قلتم، ثم أمر بحمل خمسمائة ألف درهم إليه فتفرقت على قوم لا يدري من هم ولله در من قال:
أبت المكارم أن تفارق أهلها ... وأبى الكريم بأن يكون بخيلا
حكاية: قيل إن المأمون تكلم يوماً فأحسن، فقال يحيى بن أكثم يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك إن خضنا في الطب فأنت جالينوس في معرفته أو في النجوم فأنت
стр. 42
هرمس في حسابه
أو في الفقه فأنت علي بن أبي طالب ﵁ في علمه وإن ذكر السخاء كنت حاتماً في جوده أو الصدق فأنت أبو ذر في صدق لهجته أو الكرم فأنت كعب في إيثاره على نفسه أو الوفاء فأنت السموأل بن عادياء في وفائه فاستحسن قوله وتهلل وجهه، وكان المأمون ماهراً في جميع الفنون كاشفاً عن كل سر مكنون.
حكاية: قال أبو عبد الله أحمد بن أبي داود كان المأمون يبطل الرؤيا ويقول ليست بشيء ولو كانت على الحقيقة كنا نراها ولا يسقط منها شيء فلما رأينا أن ما يصح منها الحرف أو الحرفان من الكثير علمنا أنها باطلة وإن أكثرها لا يصح، وكان بعث العباس ابنه إلى بلاد الروم وأبطأ عليه خبره فصلى ذات يوم الصبح ونام قليلاً وانتبه ودعا بدابته وركب، وقال أحدذكم بأعجوبة رأيت الساعة كأن شيخاً أبيض الرأس واللحية عليه فروة وكساء في عنقه ومعه عصا وفي يده كتاب فدنا مني وقد ركبت فقلت من أنت قال رسول العاباس بالسلامة ناولني كتابه قال المعتصم أرجو الله أن يحقق رؤيا أمير المؤمنين ويبشره بالسلامة ثم نهض فوالله ما هو إلا أن خرج فسار قليلاً وإذا بشيخ قد أقبل نحوه في تلك الحال فقال المأمون هذا والله الذي رأيته في منامي وهذه صفته قال فدنا منه الرجل فنحاه خدمه وصاحوا به فقال دعوه فجاء الشيخ فقال من أنت؟ قال رسول العباس وهذا كتابه قال فبهتنا وطال منا تعجبنا فقلت يا أمير المؤمنين أتبطل الرؤيا بعد هذا قال لا.
حكاية: قال يوسف بن سلام الزعفراني حدثني أبي قال: قال خالد بن برمك يوماً وهو بالري وأراد الخروج إلى مجلس له وأخرج دوابه إلى الحضرة ونحن قيام بين يديه فقال من يخرج مع هذه الدواب. قال أبي أنا وليس أحد يجترئ أن يتكلم فقال اخرج معها فخرجت معها وكنت أحسن إليها، فلما رددتها حمد أثرى فيها فقلت أيها الأمير لي حاجة، قال وما حاجتك؟ قلت أمي مملكوة لقوم بالبصرة وحاجتي أن يشتريها الأمير، وقال وكم ثمنها؟ قلت ثمنها ثلاثة آلاف درهم، قال أعطوه ثلاثة آلاف درهم وقال لي اشتر أمك وأعتقها، ثم قال ما تريد؟ قلت الحج وتحج أمي معي، قال أعطوه ثلاثة آلاف درهم، قلت نحتاج إلى خادم يخدمنا، قال أعطوه ثلاثة آلاف لثمن الكسوة قال فلم أزل أقول وأعد شيئاً شيئاً حتى قلت وأحتاج إلى منزل وأحتاج إلى فرس وهو يقول أعطوه ثلاثة آلاف درهم حتى
стр. 43
اخذت ثلاثين ألف درهم، قال البيهقي رحمه الله تعالى، وكان للبرامكة في الكرم ما لم
يكن لأحد من الناس، وكانوا يخرجون بالليل سراً ومعهم الموال فيتصدقون بها وربما دقوا على الناس أبوابهم فيدفعون إليهم الصرة فيها ما بين الثلاثة الآلاف إلى الخمسة الآلاف.
حكاية: قال خالد بن صفوان دخلت يوماً على السفاح وهو خالي المجلس، فقلت يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تأمر بحفظ الستر لألقي إليك شيئاً أنصحك به فأمر بذاك فقلت يا أمير المؤمنين فكرت في هذا الأمر الذي ساقه الله إليك ومن به عليك فرأيتك أبعد الناس من لذاته وأتعب الخلق فيه، قال وكيف ذلك يا خالد قلت باقتصارك من الدنيا على امرأة واحدة وتركك البيض الخرائد الحسان، فقال يا خالد إن هذا أمر ما مر في سمعي فاستأذنه في الانصراف فأذن له وخرجت إليه أم سلمة وهو ينكت بالقلم على دواة بين يديه، فقالت يا أمير المؤمنين أراك مفكراً فما الحال أسمغت خبراً يحزنك؟ قال كلا ولكن كلام ألقاه إليّ خالد بن صفوان فيه نصيحتي وشرح لها ذلك. قالت فما قلت لابن الزانية؟ قال ينصحني وتشمتينه، فقامت عنه وبعثت إلى مائة من مواليها فقالت لهذا اليوم اتخذتكم وأعددتكم امضوا فإذا وجدتم خالد بن صفوان فاهووا إلى أعضائه عضواً عضواً فرضوها فطلبت ومررت بقوم أحدثهم إذ أقبل القوم فدخلت في جملتهم ولجأت إلى دار ووقعت البغلة فرضوها بالأعمدة وبقيت لا تظلني سماء ولا تقلني أرض وإني لجالس ذات يوم إذ هجم عليّ قوم، فقالوا أجب أمير المؤمنين فقمت ولا أملك من نفسي شيئاً حتى دخلت عليه وهو جالس وأنا أسمع حركة من وراء الستر فقلت أم سلمة والله؟ فقال يا خالد من أين ترى قلت كنت في علة لي، ثم قال الكلام الذي كنت ألقيته لي في بعض الأيام أعده عليّ قلت نعم يا أمير المؤمنين إن العرب اشتقت اسم الضرر من الضرتين فإن الضرائر أشد الذخائر والإماء آفة المنازل ولم يجمع رجل بين امرأتين إلا كان بين جمرتين تحرقه واحدة بنارها وتلحقه الأخرى بشرارها قال ليس هو هذا قلت بلى قال ففكر قلت نعم يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الثلاث يتغايرن فلا يصبرن، قال لا والله ما هذا قلت يا أمير المؤمنين وأخبرتك أن الأربع همّ ونصب وضجر وصخب إنما صاحبهن بين حاجة تطلب وبلية تترقب إن خلا بواحدة منهن خاف شر الباقيات وكنا له أعدى من الحيات، قال لا والله ما هو هذا قلت بلى وأخبرتك أن بني مخزوم ريحانة العرب
стр. 44
وعندك ريحانة الرياحين وسيدة نساء العالمين، وحدثتني أنك تهم بالتزويج فقلت لك هيهات تضرب في حديد بارد ليس ذلك
بكائن آخر الزمان المعاين، قال ويلك أتستعمل الكذب؟ فقلت ضرب السيوف لعب، قال فاذهب فإنك أكذب العرب قلت فأيما أصلح أأكذب أم تقتلني أم سلمة، فاستلقى ضاحكاً وقال اخرج قبحك الله تعالى وارتفع الضحك من وراء الستر وانصرفت إلى منزلي فإذا خادم لأم سلمة ومعه خمس بدر وخمس تخوت وقال هذا لك من سيدتي فخذه.
حكاية: قيل إن رجلاً بالعراق أصلح مجلساً للشرب ودعا إليه إخوانه، فلما فرغوا من الأكل وقعدوا للشرب وارتفعت أصوات العيدان والمزامير ودار الشرب فيهم وطرب القوم تأمل رجل منهم عند ذلك ما هم فيه من اللذة والفرح فرأى داراً حسنة وستوراً وفرشاً وأواني ورياحين وفواكه وشموعاً تزهر وقد امتلأ داخل الأبواب من الضياء والروائح والنغم ورأى فتياناً عليهم زي الجمال ومحاسن الكمال فبقي متحيراً متفكراً متعجباً فيما يرى ويسمع ويشم من محاسن المحسوسات وما تلتذ منه الحواس وتفرح به الأرواح وتسر به النفوس حتى نعس وغاص في نومه حتى لم يكن يحس شيئاً مما كان في المجلس من تلك المحسوسات، ثم رأى فيما يرىة النائم كأنه في بلاد الروم في كنيسة من كنائس النصارى، وهي مشعلة بالقناديل منقوشة بالتصاوير مملوءة من الصلبان، وإذا هو بين القسيسين عليهم ثياب المسوح وبأيديهم مجامر يبخرون فيها القسط والكندر وهم يقرؤون كلمات لها شبه بالتسبيح يكررونها حتى حفظها الرجل من تكرارهم إياها ومعناها بالعربية أن الأخيار الذين يسبحون الله تعالى بالليل والنهار فهم أحياء عنده وإن كانوا قد ماتوا، وإن الأشرار والظلمة فهم موتى عند الله وإن كانوا في الدنيا أحياء، ورأى قوماً من الأساقفة بأيديهم أقداح مملوءة خمراً، وفي مناديل لهم أقراص خبز يفرقونها على الناس ويحسونهم بعد ذلك خمراً فتناول ذلك الرجل من تلك الأقراص، وأخذ بحرص ورغبة وتحسى من ذلك الشراب من شدة الجوع والعطش، ثم إنه بعد ساعة لفكّر في حاله كيف حصل في تلك الكنيسة وكيف الرجوع إلى العراق مع طول المسافة ثم تذكر إخوانه ومجلسهم وما تركهم فيه من اللذة والسرور واشتد شوقه إليهم وضجره بمكانه، وما رأى من الأشياء المخالفة لسنة شريعته المغايرة لطبيعته وعادته فضاق صدره واضطرب في منامه من ضجره
стр. 45
فانتبه فإذا هو بالعراق في مجلسه ومكانه بين إخوانه، وتلك الأصوات والروائح التي تأملها قبل نعاسه على ما كانت عليه لم تتغير شيئاً.
حكاية: قيل إن نبياً من أنبياء الله قال في مناجاته مع ربه يا رب لم خلقت الخلق بعد أن لم تكن خلقتهم؟ قال له ربه على سبيل الرمز كنت كنزاً مخفياً من الخيرات والفضائل ولم أكن أعرف فأردت أن أعرف. قال العلامة ابن الجلدي صاحب إخوان الصفا معناه أن لو لم اخلق لحقيق بهذه الفضائل والخيرات التي أفضتها وأظهرتها من عجائب حلقي ومصنوعاتي المحكمات التي كلت الألسن عن البلوغ إلى كنه صفاتها وحارت عقولهم عن كنه معرفتها بحقائقها.
حكاية: قيل إنه كان بين يحيى بن خالد البرمكي، وبين عبد الله بن مالك الخزاعي عداوة وتحاسد، وكان كل واحد منهما ينتظر لصاحبه الدوائر، فلما ولي عبد الله بن مالك أذربيجان وأرمينية ضاق برجل من الدهاقين بالعراق الأمر وتعذرت عليه المطالب فحمل نفسه على أن افتعل كتاباً على لسان يحيى بن خالد البرمكي إلى عبد الله بن مالك بالوصاية به وأكد بمعاونته كل التأكيد ولم يعلم ما بينهما من التباعد فشخص من مدينة السلام إلى أذربيجان وصار إلى باب عبد الله بن مالك بالكتاب فأوصله الحاجب فقال له عبد الله أدخل صاحب هذا الكتاب فأدخله فقال له عبد الله إن كتابك هذا مفتعل ولكنك قد طويت هذه الشقة البعيدة ولسنا نخيبك، فقال الرجل أما كتابي فليس بمفتعل وإن كنت تريد بهذه التهمة أن تردني خائباً فالله حسبي وعليه أتوكل فقال عبد الله أفترى أن تحبس في دار وتزاح علتك وأن أكتب وأستطلع الرأي وأعرف نبأ هذا الكتاب فإن كان مزوراً عاقبتك وإن كان صحيحاً أنعمت عليك قال نعم، فأمر عبد الله بحبسه وإزاحة علته وكتب إلى وكيله بالعراق أن رجلاً يسمى فلان بن فلان أورد إليّ كتاباً من يحيى بن خالد فابحث عن أمر هذا الكتاب واكتب إليّ بالحال فيه فصار الوكيل بكتاب عبد الله إلى يحيى وقرأ عليه فدعا بالدواة والقلم وكتب إليه بخطه فلان من أخص الناس إليّ وأوجبهم حقاً عليّ وقد أخبرني صاحبك بشكك في أمره فأزل الشك جعلت فداك وليكن صرفه إليّ معجلاً بما يليق بك، فلما خرج الوكيل قال يحيى لأصحابه ما تقولون في رجل افتعل عليّ كتاباً إلى عبد الله بن مالك ووصل به من مدينة السلام إلى أذربيجان؟ فقالوا جميعاً نرى أن تفضحه وتهتك ستره وتعلن أمره
стр. 46
ليرتدع به غيره ويصير نكالاً وأحدوثة في العالمين، قال لا والله وهذا رأيكم قالوا نعم، قال قبح الله هذا من رأي فما أقله وأقبحه ويحكم هذا رجل ضاق به الرزق فأمّل فيّ خيراً ووثق
بي وشخص إلى أذربيجان مع بعد مشقتها وصعوبة طريقها أتشيرون عليّ أن أحرمه ما أمله فيّ حتى يسيء ظنه بي، فما انا والله ممن يقبل منكم ذلك، ثم أخبرهم بما كتب به إلى عبد الله فتعجبوا من كرمه واحتماله الكذب وورد الكتاب بخطه إلى عبد الله فدعا بالرجل وقد سقط من عينه الاعتراض وسوء الظن بقلبه، فلما دخل عليه قال هذا كتاب أخي قد ورد إليّ بصحة أمرك وسألني تعجيل صرفك إليه فدعا له بمائتي ألف درهم وما يتبعها من الدواب والبغال والجواري والغلمان ثم أصدره، فلما ورد باب يحيى بن خالد أدخل ذلك أجمع إليه وعرضه عليه فأمر له يحيى بمثل ذلك وأثبته في خاصته:
خرجت من شيءٍ إلى غيره ... حب الذي يقضي به الحال
لا تنكروا حالي فإني امرؤ ... دارت به في السير أحوال
حكاية: حدث محمد بن اسحق عن أبيه، قال دخلت على الرشيد وبين يديه طبق فيه ورد فقال قل في هذا شيئاً فقلت:
كأنه خد محبوب يقبله ... فم الحب وقد أضحى به خجلا
فقالت له جارية كانت على رأسه أخطأت هلا قلت كما أقول:
كأنه لون خدي حين تدفعني ... يد الرشيد لأمر يوجب الغسلا
قال فضحك الرشيد، وقال الخرج يا اسحق فقد حركتني هذه الماجنة، ثم قام وأخذ بيدها وخلا بها.
حكاية: قيل انقطع عبد الملك بن مروان عن أصحابه فانتهى إلى أعرابي، فقال أتعرف عبد الملك بن مروان؟ قال نعم جائر فاجر قال ويحك أنا عبد الملك بن مروان قال لا حياك الله ولا قربك أكلت مال الله وضيعت حرمته قال ويحك أنا أضر وأنفع قال لا رزقني الله نفعك ولا دفع عني ضررك، فلما وصلت خيله إليه قال يا أمير المؤمنين اكتم ما كان بيني وبينك فالمجالس بالأمانة فضحك عبد الملك وأنعم عليه.
حكاية: قيل إن أعرابياً ولي البحرين فجمع اليهود، وقال ما صنعتم بعيسى بن مريم ﵇ قالوا قتلنا. قال والله لا تخرجوا من السجن حتى تؤدوا ديته، فما خرجوا حتى أخذ منهم الدية كاملة.
حكاية: قيل أهدى أبو جعفر محمد بن علي البحتري
стр. 47
الشاعر المعروف نبيذاً مع غلام حسن
الوجه بديع الوصف فلما رآه البحتري ضمه إليه وقبله وكتب معه هذه البيات:
أبا جعفر كان تقبيلنا ... غلامك إحدى الهبات الهنيه
بعثت غلينا بشمس المدام ... تشرق في كف شمس البريه
فليت الهدية كان الرسول ... وليت رسولك كان الهديه
فلما قرأ الأبيات أرسل إليه الغلام.
حكاية: قال بعض الأدباء وصف للمأمون جارية شاعرة فائقة في الجمال والكمال يقال لها فضل، فبعث في شرائها وأتى بها وقت خروجه إلى الروم، فلما همّ ليلبس درعه خطرت بباله فدعا بها فخرجت إليه؟ فلما نظر إليها أعجب بها فقالت ما هذا؟ قال أريد الخروج إلى بلاد الروم فقالت قتلتني والله يا سيدي ثم ذرفت دموعها على خدها، فقال المأمون:
دمعة كاللؤلؤ الرطب ... على الخد الأسيل
هطلت في ساعة البين ... من الطرف الكحيل
ثم قال لها أجيزي، فقالت:
حين هم القمر الطالع عنا بالأفول ... إنما تفتضح العينان في وقت الرحيل
فضمها المأمون إلى صدره، ثم قال لخادمه مسرور أكرمها وأكرم ملحها وأصلح لها كلما تحتاج إليه من المقاصير والخدم والجواري إلى وقت رجوعي.
حكاية: قيل إن رجلاً كانت عنده ابنة جميلة تزوجها رجل من أهل النعم وأحبته، فلم تلبث معه إلا قليلاً حتى مات فحزنت عليه حزناً شديداً وكانت تدخل بستاناً لأبيها تخلو فيه وتبكي وتنشد هذه الأبيات:
إنما ابكي لإلف ... خانه الدهر فمات
قلت للدهر بشجو ... أيها الدهر أسات
لم تركت الم والأب ... وبالإلف بدات
إنه أحسن خلق ... كان لي في الخلوات
ففطن لها أبوها وسمعها تردد البيات فقال لها ما كنت تقولين يا بنية؟ فقالت يا أبتي وجدت الماء قد قلّ ولحق النخل العطش، فلما رأيت ذلك أحزنني فأنشدت:
إنما ابكي لنخل ... خانه الماء فمات
قلت للماء بشجو ... أيها الماء أسات
لم تركت الزرع والكرم ... وبالنخل بدات
إنه أحسن شيء ... كان لي في الثمرات
стр. 48
فقال لها يا بنية هل لك أن أزوجك، قالت لا والله يا أبتي مالي رغبة في زوج، فلم تلبث إلا قليلاً حتى ماتت رحمها الله تعالى.
حكاية: قيل عن أحمد بن اسرائيل كتب إلى الواثق بالله وقد عزله عن الخراج وديوان الخراج وأمر بتقييده لتصحيح حساباته يا أمير المؤمنين بم يستحق الاذلال من أنت بعد الله ورسوله مئل عزه، ولم تزل نفسه راجية لابتداء إحسانك إليه وتتابع نعمك عليه وعينه طامحة إلى تطولك والزيادة في الصنيعة لديه فهب له يا أمير المؤمنين ما يزينك واعف عنه ما يشينك فما له عنك معدل ولا على غيرك معول، فأمر بإطلاق سراحه وأحسن إليه وصار في منزلة رفيعة لديه.
حكاية: قيل إن رجلاً من آل ملهب اشترى غلاماً أسود، فربّاه وتبنّاه، فلما اشتد ساعده وترعرع هوى سيدته فراودها عن نفسها فأجابته إلى ذلك، فدخل مولاه يوماً على غفلة، فإذا هو على صدر سيدته، فعمد إليه وجب ذكره وتركه يتشحط في دمه ثم إنه أدركته عليه رقة وتخوف من فعله، فعالجه حتى أقيل من علته وخرج من مرضه فأقام بعد هذا مدة يدبر على مولاه أمراً يكون فيه شفاء قلبه، وكان لمولاه ابنان أحدهما طفل والآخر بالغ فغاب الرجل عن منزله لبعض أموره فأخذ العبد الصبيين وصعد بهما إلى ذروة سطح عال وجعل يعللهما بالطعام مرة وباللعب مرة أخرى إلى أن دخل مولاه فرفع رأسه، فإذا هو بابنيه في شاهق؟ فقال ويلك الله الله في تربيتي لك قال دع عنك هذا والله ما هي إلا نفس لأرمين بها قال ويلك ما تريد قال جب نفسك كما جببتني أو لأرمين بهما وإني لأسمح بعدهما بنفسي مثل شربة ماء قال فجعل يكرر عليه وهو يأبى وذهب ليروم الصعود إليهم فأهوى بهما ليرميهما من ذروة ذلك الشاهق، فقال أبوهما ويلك فاصبر حتى أخرج المدية وأفعل ما أردت فأخذ المدية ليريه ما يصنع بنفسه فرمى بذكره وهو يراه، فلما علم أنه قد فعل رمى بالصبيين، وقال ذلك بذاك، وهذه زيادة فتقطع الصبيان وأخذ ذلك الأسود وكتب بخبره إلى المعتصم بالله فأمر بقتله وأن يخرج من مملكته كل عبد أسود.
حكاية: قيل كان رجل له غلام فباعه، وقال للمشتري إني أبرأ إليك من كل عيب به إلا عيب وحاداً قال وما هو قال النميمة قال أنت بريء منه فإني لا أقبل قوله فما لبث إلا قليلاً حتى أتى السيد، وقال إن امرأتك تريد أن تقتلك وتتزوج غيرك قال وما يدريك؟ قال قد عرفت ذلك فتناوم
стр. 49
عليها فإنه سيظهر لك ما أقول ثم أتى إلى المرأة وقال إن زوجك يريد أن يخلعك ويتزوج غيرك، فهل لك أن أرقيك فيرجع إليك حبه؟ قالت نعم ولك كذا وكذا قال ائتني بثلاث شعرات من تحت حنكه، فلما دنت منه لتناول الشعر قام إليها بالسيف ولم يشك فيما قاله الغلام فقتلها وجاء إخوة المرأة فقتلوا الزوج، فذهب كلاهما بسوء صنيع عبدهما وقبولهما نميمته فنعوذ بالله من النميمة ونسأله الحماية منها ومن ذويها.
حكاية: قيل إن أبا نواس أتى إلى بلاد الرشيد يوماً، فلما علم به طلب بيضاً وقال للجماعة الذين عنده هذا أبو نواس على الباب، فكل واحد منكم يأخذ بيضة ويجعلها تحته وإذا دخل أظهرت الغضب على الجميع وقلت لكم بيضوا الآن بيضة بيضة وإلا أمرت بضرب رؤوسكم حتى نرى ما يقول ثم طلبه فدخل فبعد ساعة جال بهم الحديث إلى شيء أغضب الخليفة فأظهر لهم الغضب الشديد وقال لهم الواحد مثل الدجاجة ويدخل ويدخل فيما لا يعنيه بيضوا الآن بيضة بيضة لأنها صفتكم وإلا أمرت بضرب رؤوسكم والتفت إلى من على يمينه، وقال أنت الأوّل بض الآن بيضة فعصر نفسه وتنحنح وتغير وجهه ثم أخرج بيضة فدار على الكل مثل هذا حتى وصلت النوبة إلى أبي نواس فضرب بعضديه على جنبيه ثم صرخ، وقال في صراخه قوققوقو قال يا مولانا لا يصلح الدجاج بغير ديك؟ فهؤلاء دجاج وأنا ديكهم، فضحك الخليفة حتى استلقى على قفاه واستحسن ذلك منه.
وحكى أنه غضب عليه يوماً فأمر جماعة أن يخرؤا على فراشه الذي يرقد عليه فأتوه وهو ببيته، فقالوا له أمرنا الخليفة بأن نخرأ على فراشك، فقال أمر الخليفة مطاع فهل أمركم بشيء غير الخراء قالوا لا فأخذ خشبة بيديه. وقال لهم اخرؤا ولكن إن بال أحدكم منكم ضربت رأسه بهذه الخشبة فما أمكنهم ذلك بغير أن يبولوا فرجعوا إلى الخليفة وأعلموه بذلك فضحك وأمر له بصلة.
حكاية: دخل لص دار مالك بن دينار في الليل فطاف بها، فلم يجد فيها شيئاً فلما همّ بالخروج رفع مالك رأسه وقال يا هذا طلبت الدنيا فما وجدتها عندنا فهل لك أن تقبل على
الآخرة، فقال اللص نعم ثم تقدم إلى مالك فتاب على يديه، فلما طلع الفجر أخذه مالك ومضى به إلى المسجد، فلما رآه التلامذة قالوا للشيخ ما هذا الرجل، فقال هذا لص جاء ليصيدنا فصدناه، فصار ذلك اللص ببركة مالك من كبار الأولياء.
حكاية: قال بعض حكماء
стр. 50
الفرس أخذت من كل شيء أحسن ما فيه فقيل له فما أخذت من الكلب؟ قال حيه لأهله وذبه عن صاحبه قيل فما أخذت من الغراب قال شدة حذره قيل فما أخذت من الخنزير قال بكوره في حوائجه قيل فما أخذت من الهرة قال تملقها عند المسئلة.
حكاية: قيل إن رجل أتى سليمان ﵇، فقال له يا نبي الله علمني منطق الطير، فقال أعلمك بشرط أن لا تخبر به أحداً وإن أخبرت به أحداً مت، فقبل ذلك فعلمه فرجع الرجل إلى داره وأمسى وكان له حمار وثور وديك، فكان الحمار يسأل الثور كيف كنت اليوم؟ قال في عناء وشدة قال أتريد أن لا يحمل عليك غداً فتستريح؟ قال نعم قال لا تأكل العلف الليلة، ففعل وكان الرجل يسمع كلامهما، فلما أصبح أمر أن يحمل على الحمار بدل الثور، فلما كان الليل انصرف الحمار إلى معلفه، فسأله الثور كيف كنت اليوم كأنك لم تعمل قال بلى قد عملت وأصابتني الشدة كما أصابتك إلا أني سمعت أنهم يستعدون لذبحك وقالوا هو عليل لا يصلح إلا للذبح قبل أن يموت فإن أردت السلامة، فكل العلف فضحك الرجل لما فهم من كلامهما، فقالت له امرأته مم تضحك قال لا شيء فألحت عليه، فلم يخبرها مخافة ان يمون؟ فقالت إن لم تخبرني قلت إنك مجنون أو أن لك امرأة غيري قال إن أخبرتك مت، فلم تطاوعه ولم يكن له بدّ منها، فقال أمهليني حتى أوصي، ففعلت فلما أصبح كان يوصي وأمسك الحمار والثور عن الأكل والشرب ولم يمسك الديك عن الصراخ والنشاط، فقال له أصحابه صاحبنا يموت فما هذا النشاط قال الموت لهذا خير من الحياة قالوا ولم ذلك؟ قال إن تحت يدي عشرين وأنا أعولهن وهو لا يقدر أن يعول امرأة واحدة ولا يقدر أن يدفعها عن نفسه قالوا فما يعمل معها قال يأخذ السوط ويضربها إلى أن تموت أو تتوب، فقال الرجل صدق الديك وقام وأخذ السوط وضربها حتى سكتت ورجعت عن ذلك.
حكاية: قيل إن الرشيد خرج يوماً إلى الصيد فانفرد عن عسكره والفضل بن الربيع خلفه فإذا هو بشيخ على حمار، فنظر إليه الرشيد فإذا هو رطب العينين، فغمز الفضل عليه؟ فقال له الفضل أين تريد يا شيخ قال حائطاً لي قال هل لك أن أدلك على شيء تداوي به
عينيك فتذهب هذه الرطوبة، فقال ما أحوجني إلى ذلك؟ فقال خذ عيدان الهوى وغبار الماء وورق الكمأة وصيره في قشرة جوزة واكتحل به فإنه يذهب رطوبة عينيك فانكأ الشيخ على قربوس فرسه وضرط ضرطة طويلة
стр. 51
وقال خذ هذه أجرتك لوصفك وإن نفعنا الكحل زدناك يا ابن الفاعلة، فضحك الرشيد حتى كاد أن يسقط عن ظهر دابته.
حكاية: قيل إن بعض الملوك كان مغرماً بحب النساء وكان وزيره ينهاه عن ذلك فرأته بعض قيانه متغير الحال عليهن، فقالت له يا مولاي ما هذا، فقال لها إن وزيري فلاناً قد نهاني عن محبتكن، فقالت الجارية هبني له أيها الملك وسترى ما أصنع به، فوهبها له فلما خلا بها تمنعت منه حتى تمكن حبها من قلبه، فقالت لا تقربني حتى أركبك وتمشي به خطوات، فأجابها إلى ذلك فوضعت عليه سرجاً وجعلت في رأسه لجاماً وركبته، وكانت قد أرسلت إلى الملك بهذا الخبر فهجم عليه الملك وهو على تلك الحالة، فقال ما هذا أيها الوزير كنت تنهاني عن محبتهن وهذه حالتك معهن، فقال أيها الملك من هذا كنت أخاف عليك فاستحسن منه هذا الجواب.
حكاية: قال هشام الكلبي: إن ناساً من بني حنيفة خرجوا يتنزهون إلى جبل لهم فرأى فتى منهم في طريقه جارية فرمقها وقال لأصحابه لا أنصرف والله حتى أرسل إليها وأخبرها بحبي لها فمنعوه فأبى ان يكف وأقبل يراسل الجارية وتمكن من قلبه حبها فانصرف أصحابه وأقام الفتى في ذلك الجبل فمضى إليها متقلداً سيفاً وهي بين أخوين لها نائمة فأيقظها فقالت انصرف لئلا ينتبه أخواي فيقتلانك، فقال الموت والله أهون مما أنا فيه ولكن إن أعطيتني يدك حتى أضعها على قلبي انصرفت فأعطته يدها فوضعها على قلبه وصدره وانصرف، فلما كانت الليلة الثانية أتاها وهي على تلك الحال فأيقظها، فقالت من ذا وأنشدت تقول:
متى تزر قوم من تهوى زيارتها ... لا يتحفوك بغير البيض والأسل
تريد بذلك تخويفه. قال الذي يقول:
والهجر أقتل مما أراقبه ... أنا الغريق فما خوفي من البلل
ثم قال إن مكنتني من شفتيك أرشفهما انصرفت فأمكنته فرشفهما ساعة ثم انصرف فوقع في قلبها من حبه مثل الذي وقع بقلبه منها وفشى خبرهما في الحي فقال أهل الجارية ما
مقام هذا الفاسق في هذا الجبل اخرجوا بنا إليه حتى نخرجه هذه الليلة فبعثت إليه الجارية آخر النهار أن القوم يأتونك الليلة فاحذر، فلما أمسى قعد على مرقب ومعه قوسه وسهمه ووقع في الحيّ أول الليل
стр. 52
مطر فاشتغلوا عنه، فلما كان آخر الليل انقشع السحاب وطلع القمر اشتاقت الجارية فخرجت تريده ومعها صاحبة لها من الحي كانت تثق بها فنظر الفتى إليهما فظن أنهما ممن يطلبه فرمى فلم يخط قلب الجارية فوقعت ميتة فصاحت الأخرى وانحدر الفتى من الجابل فإذا الجارية ميتة والأخرى على رأسها فبكى بكاء الثكلى وقال:
اختلست ريحانتي من يدي ... يا عين أجرى الدمع لا تجمد
كانت هي الأنس إذا ... استوحشت نفسي من الأقرب والأبعد
وروضة كانت بها مرتعي ... ومنهلاً كان به موردي
كانت يدي كانت بها قوتي ... فاختلس الدهر يدي من يدي
وقالت صاحبتها الواقفة على رأسها:
نعب الغراب بما كرهت ولا إزالة للقدر
تبكي وأنت قتلتها فاصبر وإلا فانتحر
ثم ضرب الفتى نفسه بسكين كان معه فمات فجاءت أهل الحي وهما ميتان فدفنوهما في قبر واحد.
حكاية: قيل اصطحب أسد وثعلب وذئب فخرجوا يصيدون فصادوا حماراً وظبياً وأرنباً، فقال الأسد للذئب اقسم بيننا صيدنا فقال الحمار لك والأرنب للثعلب والظبي لي فخلبه الأسد فأخرج عينه، فقال الثعلب قاتله الله ما أجهله بالقسمة، فقال الأسد هات أنت يا أبا معاوية فاقسم، فقال يا أبا الحارث الأمر أوضح من ذلك، الحمار لغدائك، والظبي لعشائك، وتخلل بالأرنب فيما بين ذلك، فقال الأسد قاتلك الله ما أقضاك من أين تعلمت هذا قال من عين الذئب.
حكاية: قيل اجتمع السراج الوراق مع أبي الحسن الجزار وابن الفقيسي فمرت بهم جارية بديعة الجمال فقال السراج:
شمائلها تدل على اللطافة ... وريقتها أرقّ من السلافة
وقال أبو الحسين الجزار:
وفي وجناتها ورد ولكن ... عقارب صدغها منعت خطافه
قال ابن الفقيسي:
فلو أعطوا الخلافة ذو جمال ... لحق لها بأن تعطى الخلافة
стр. 53
حكاية: قيل إن الوزير نظام الملك أبا الحسن علياً خرج يوماً إلى الصلاة فجلس قليلاً ثم التفت إلى الحاضرين وقال لهم هذا بيت شعر أريد له أوّلاً وهو هذا:
فكأنني وكأنه وكأنهم ... أمل ونيل حال دونهما القضا
وكان في الجماعة أبو القاسم مسعود الخجندي الشافعي، فقال مرتجلاً:
ببابي حبيب زارني متنكراً ... فبدا الوشاة له فولى معرضا
حكاية: قيل إن المهدي دخل يوماً وقت الظهر إلى مقصورة جاريته الخيزران على حين غفلة فوجدها تغتسل، فلما رأته تجللت بشعرها حتى لم يبن من جسدها شيء فأعجبه ذلك واستحسنه ثم عاد إلى مجلسه، وقال من بالباب من الشعراء؟ فقيل له أبو نواس وبشار بن برد قال فليحضرا جميعاً فأحضرا وجلسا قال فليقل كل منكما شعراً يوافق ما في نفسي، فأنشأ بشار بن برد يقول:
تتجنبتكم والقلب صاب إليكم ... بنفسي ذاك المنزل المتجنب
إذا ذكروا أعرضت لا عن ملالة ... وذكراكم شيء إلي محبب
وقالوا تجنبنا ولا تقربننا ... فكيف وأنتم حاجتي أتجنب
على أنهم أحلى من المنّ عندنا ... وأطيب من ماء الحياة وأعذب
فقال أحسنت ولكن والله ما أصبت، فقال أبو نواس:
نضت عنها القميص لصب ماء ... فورّد خدها فرط الحياء
وقابلت الهواء وقد تعرت ... بمعتدل أرق من الهواء
ومدت راحة كالماء منها ... إلى ماء معدّ في الإناء
فلما أن قضت وطراً وهمت ... على عجل لتأخذ بالرداء
وقامت تشرئب على حذار ... كشبه الظبي أفرد من ظباء
رأت شخص الرقيب على التداني ... فأسبلت الظلام على الضياء
فغاب الصبح منها تحت ليل ... وظل الماء يجري فوق ماء
فسبحان الإله وقد براها ... كأحسن ما تكون من النساء
قال المهدي: سيفاً ونطعاً. قال ولم يا أمير المؤمنين؟ قال كنت معنا. قال لا والله يا أمير المؤمنين قد قلت شيئاً خطر ببالي فأمر له بأربعة آلاف درهم وصرفه.
حكاية: حدث الربيع قال ما رأيت قط أثبت قلباً ولا أحضر حجة من رجل من أهل
стр. 54
الكوفة أشخصه المنصور لسعاية سعى بها رجل عليه، وقيل له إن عنده أموالاً لبني أمية وودائع، فلما حضر قال له المنصور أخرج ودائع بني أمية وأموالهم التي عندك. قال الرجل يا أمير المؤمنين أوارث أنت لبني أمية؟ قال: لا. قال أفوصيّ لهم؟ قال لا. قال فبأي شيء أدفع إليك ما في يدي من أموالهم وودائعهم؟ قال فأطرق المنصور رأسه مفكراً في الحجة، ثم رفع رأسه وقال إن بني أمية خانوا المسلمين في أموالهم وأنا وكيل المسلمين في حقوقهم يجب عليّ أن أطالب فيما أخذوه منهم على سبيل الخيانة وأردها إلى بيت مال المسلمين. قال الرجل يا أمير المؤمنين بقيت عليك البينة العادلة أن هذا المال الذي قبلي من تلك الخيانات دون غيرها لقد كان للقوم أموال من وجوه شتى. قال فأطرق المنصور ملياً يطلب الحجة عليه فلم يجدها فالتفت إليّ، وقال يا ربيع أطلق الرجل فوالله ما خاطبت رجلاً مثله قط، ثم قال له سل حاجتك إن كان لك حاجة، قال الرجل والله مالي حاجة إلا إرسال كتاب في البريد إلى أهلي بسلامتي فإن قلوبهم متعلقة بي وبخبري فأمر المنصور بذلك، فقال الرجل يا أمير المؤمنين ما قبلي لني أمية مال قط ولا وديعة وإني أحب أن يأمر أمير المؤمنين بالجمع بيني وبين من سعى بي إليه، فقال له المنصور لم لم تنكر؟ قال فإني لما وقفت هذا الموقف رأيت الاحتجاج أقرب إليّ من الجحود فأمر المنصور بإحضار الساعي فأحضر فإذا هو غلام الرجل قد هرب منه. قال يا أمير المؤمنين هذا والله عبدي قد أبق مني وسرق مني ثلاثة آلاف دينار وأتلفها فشدد المنصور على الغلام، فقال صدق والله يا أمير المؤمنين وإنما كذبت عليه لأشغله عن طلبي، فقال المنصور هب جرمه إليّ وإساءته، فقال أشهدك يا أمير المؤمنين أنه حرّ لوجه الله وإن له من مالي ثلاثة آلاف دينار أخرى، فقال المنصور ما أراد هذا كله منك، قال هذا قليل لمن تكلم أمير المؤمنين فيه، فأعجب المنصور كلامه وأمر له بخلعة حسنة وكان يتعجب أبداً من ثبوته على حجته واجتماع عقله وكرم فعله.
حكاية: قيل إن ملكاً من ملوك الفرس كان سميناً مثقلاً حتى أنه لا ينتفع بنفسه فجمع الأطباء على أن يعالجوه من ذلك فصار كلما عالجوه لا يزداد إلا شحماً فجيء إليه ببعض الحذاق من الأطباء، فقال له أنا أعالجك أيها الملك ولكن أمهلني ثلاثة أيام حتى أتأمل وأنظر إلى طالعك وما يوافقك من الأدوية، فلما مضت له ثلاثة
стр. 55
أيام. قال أيها الملك إني نظرت في طالعك فظهر لي أنه ما بقي من عمرك إلا أربعون يوماً فإن لم تصدقني فاحبسني عندك لتقتصّ مني فأمر الملك بحبسه وأخذ الملك في التأهب للموت ورفع جميع الملاهي وركبه الهمّ والغمّ واحتجب من الناس وصار كلما مضى يوم يزداد هماً ويتناقص حاله، فلما مضت الأيام المذكورة طلب الحكيم وكلمه في ذلك، فقال له أيها الملك إنما فعلت ذلك حيلة على ذهاب شحمك وما رأيت لك دواء يفيدك إلا هذا الدواء فخلع عليه الملك خلعة سنية وأمر له بمال جزيل.
حكاية: سأل بعض الملوك وزيره هل الأدب يغلب الطبع أم الطبع يغلب الأدب؟ فقال الطبع يغلب الأدب لأنه أصل والأدب فرع وكل فرع يرجع إلى أصله، ثم إن الملك استدعى الشراب وأحضر سنانير بأيديهم الشماع فوقفت حوله، فقال للوزير انظر خطأك في قولك الطبلع يغلب؟ فقال الوزير أمهلني الليلة. قال قد أمهلتك، فلما كان الليلة الثانية أخذ الوزير في كمه فأرة وربط في رجلها خيط ومضى إلى الملك، فلما أقبلت السنانير بأيديها الشماع أخرج الفأرة من كمه، فلما رأتها السنانير رمت بالشماع وتبعت الفأرة فكاد البيت أن يحترق، فقال الوزير انظر أيها الملك كيف غلب الطبع الأدب ورجع الفرع إلى أصله؟ قال صدقت لله درك.
حكاية: قيل إن ابراهيم بن المهدي اختفى مرة عن المأمون عند عجوز فقالت له سأحتال لك في شيء من الدراهم، فقال لا بأس فأتت المأمون وقالت له إن دللتك على ابراهيم بن المهدي ماذا تجعل لي؟ قال مائة ألف درهم، فقالت وجه معي رسولاً ومره أن يطيعني في جميع ما آمره به وأعطه ألف دينار وأمره بما قالت فجاءت به إلى مسجد فيه صندوق كبير وقالت له ادخل في هذا الصندوق فامتنع، فقالت له ألم يأمرك أمير المؤمنين بطاعتي فكيف تمتنع وإن لم تفعل انصرفت فدخل حسين في الصندوق وأتت بحمال فحمله فجعلت تطوف به في الأسواق والشطوط فمرّة يسمع صوت الحدادين ومرة يسمع صوت الملاحين، فلما
أظلم الليل أدخلته داراً وفتحت عنه فإذا هو بمجلس عظيم وفي صدره ابراهيم بن المهدي يشرب وبين يديه قيان يغنين فأكب على رجلي ابراهيم يقبلهما وتناولت العجوز منه الدنانير فسأله ابراهيم عن المأمون وناوله القدح فشرب ثم قدم له
стр. 56
طعاماً فأكل ثم سقاه شراباً فيه بنج، فلما سكر أدخل في الصندوق وقفل عليه وحمل إلى باب العامة فألقي هناك، فلما اصبح الناس رأوا الصندوق وليس معه أحد فأنهوا خبره إلى المأمون فأحضر وفتح فإذا حسين الخادم ملوث فعولج حتى أفاق، فقال له المأمون رأيت ابراهيم؟ قال أي والله يا أمير المؤمنين. قال أين هو؟ قال لا أدري وحدثه بالقصة، فقال المأمون خدعتنا والله العجوز وذهب المال.
حكاية: قيل إن الحجاج أمر بضرب عنق شخص، فقال لحاجبه أريد أن أكلم الأمير قبل أن يقتلني، فقال له الحجاج قل، فقال أيها الأمير لا أحب أن أكلمك إلا وأنا أمشي معك مكتوفاً بحالي في إيوانك من أوله إلى آخره وما على الأمير في ذلك من بأس ولا يحول بينه وبين ما يريد مني شيء فأخذ يتمشى معه في الإيوان فلما بلغ إلى آخره. قال أيها الأمير إن الكريم يراعي صحبة ساعة وقد صحبت الأمير في هذه المشية وهو أولى من رعى حق الصحبة، فقال الحجاج خلوا سبيله، فقال والله لقد صدق، ثم أمر له بعطية ومشى الرجل لشأنه.
حكاية: قيل إن رجلاً جلس يوماً يأكل هو وزوجته وبين يديهما دجاجة مشوية وإذا بسائل عند الباب فخرج إليه فانتهره فاتفق بعد ذلك أن الرجل افتقر وزالت نعمته وطلق زوجته وتزوجت برجل آخر فجلس في بعض الأيام يأكل معها وبين يديهما دجاجة وإذا بسائل يقرع الباب، فقال لزوجته ادفعي إليه هذه الدجاجة فخرجت إليه فإذا هو زوجها الول فدفعت إليه الدجاجة ثم رجعت وهي باكية فسألها عن بكائها فأخبرته أن السائل كان زوجها وأخبرته بقصة ذلك السائل الذي انتهره زوجها الأول، فقال لها والله أنا ذلك السائل.
حكاية: قيل إن معاوية لما ولى زياد بن سمية العراق، وهم يقطعون السبيل ويفسدون فيها ويسرقون فأول ما قدم عليهم قصد الجامع فرقى المنبر وخطب، ثم قال والله لئن خرج أحد بعد العشاء لآخذن رأسه فليعلم الحاضر الغائب، ثم أمر منادياً نادى في البلاد ثلاثة أيام، فلما كانت الليلة الرابعة خرج زياد، وقد مضى من الليل ثلثه وجعل يطوف بخلال البلاد
فرأى رجلاً راعياً ومعه غنم، فقال له زياد ما تصنع ههنا قال أتيت البلاد ولم أجد موضعاً أستقر فيه فنزلت مكاني إلى الصبح لأبيع غنمي غداً إن شاء الله تعالى، فقال له زياد والله إني أعلم أنك صادق، ولكنني إن تركتك خفت أن يشيع الخبر عني، فيقال إن زياداً
стр. 57
يقول ولا يفعل فتفسد سياستي وتنكسر هيبتي والجنة خير لك وضرب عنقه حتى أتى في الليلة على خمسة آلاف وخمسمائة نفس وجعل رؤوسهم على باب داره فهابه الناس وفزعوا لما رأوا من أفعاله، فلما كان في الليلة التي بعدها خرج أيضاً فلقي ثلثمائة رجل فأخذ رؤوسهم فلم يقدر أحد بعد ذلك أن بخرج من بيته بعد العشاء، فلما كان يوم الجمعة رقى المنبر، وقال لا يغلق أحد باب دكانه ليلاً ومهما سرق شيء فهو عليّ فلم يقدر أحد منهم أن يغلق دكانه فجاءه رجل صيرفي بعد أيام يسيرة، وقال إنه سرق من دكاني البارحة أربعمائة دينار، فقال له زياد هل تقدر أن تحلف على ما تدعيه، قال نعم فاستحلفه ووزن له عوض ذهبه، ثم استكتمه فلما كان يوم الجمعة خطب الناس وقال إن فلاناً الصيرفي قد سرق له من دكانه أربعمائة دينار والآن كلكم حاضرون فإن أرجعتم ذلك فقد عاد إلى الرجل ماله، وإن لم ترجعوا فقد آليت على نفسي لا يمكن أحدكم أن يخرج من الجامع، وأمرت بقتل الجميع في هذه الساعة ففي الحال ألزموا من من كان يتهم بسرقة وقدموه بين يديه فرد حينئذ السارق ما أخذ وأمر بصلبه فصلب في الحال ثم قال أي محلة في البصرة لم يكن فيها أمن ولا هيبة، فقيل له محلة بني الأزد فأمر بثوب من ديباج له ثمن عظيم أن يلقى على قارعة الطريق بتلك المحلة فبقي الثوب على ذلك أياماً لم يقدر أحد أن يرفعه من مكانه.
حكاية: ذكر صاحب حياة الحيوان أن الأسد لما مرض عادته السباع إلا الثعلب فنمّ عليه الذئب فقال له إذا حضر فأعلمني فأخبر بذلك الثعلب، فلما حضر أعلمه فقال له الأسد أين كنت إلى الآن، قال في طلب الدواء لك، قال فأي شيء أصبت قال خرزة في ساق الذئب ينبغي أن تخرج، فضرب الأسد بمخالبه في ساق الذئب وانسل الثعلب منهم فمرّ به الذئب بعد ذلك ودمه يسيل، فقال له الثعلب: يا صاحب الخف الأحمر إذا قعدت عند الملوك فانظر إلى ما يخرج من رأسك.
حكاية: قيل لما وفد قيس بن عاصم على رسول الله ﷺ سأله بعض
الأنصار عما يتحدث به المؤودات فأخبره أنه ما ولدت له بنت إلا وأدها قال كنت أخاف العار وما رحمت منهن إلا بنية كانت ولدتها أمها وأنا في سفر فدفعتها إلى إخوانها وقدمت أنا من سفري فسألتها عن الحمل، فأخبرت أنها ولدت ولداً ميتاً وكتمت حالها حتى مضت على ذلك سنون وكبرت الصبية وينعت فزارت أمها
стр. 58
ذات يوم فدخلت فرأيتها. وقد ظفرت شعرها وجعلت في قرونها جداداً ونظمت عليه ودعاً وألبستها قلادة من جزع فقلت لها من هذه الصبية وقد أعجبني جمالها فبكت أمها، وقالت هذه ابنتك فأمسكت عنها حتى غفلت أمها، ثم أخرجتها يوماً فحفرت حفرة وجعلتها فيها، وهي تقول يا أبت ما تصنع أخبرني بحقك وجعلت أقلب عليها التراب وهي تقول يا أبت أنت مغط عليّ بهذا التراب أنت تاركي وحدي ومنصرف عني وجعلت أقرف عليها حتى وارتها وانقطع صوتها فتلك حسرتها في قلبي فدمعت عينا رسول الله ﷺ ، وقال إن هذه لقسوة ومن لا يَرحم لا يُرحم.
حكاية: قيل إن علياً ﵁ خطب ذات يوم، فقال في خطبته عباد الله الموت الموت وليس منه فوت إن أقمتم أخذكم وإن فررتم عنه أدرككم الموت معقود بنواصيكم فالنجاة النجاة والوحا الوحا، ألا إن وراءكم طالباً حثيثاً، وهو القبر ألا وإن القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إلا أنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول أنا بيت الظلمة أنا بيت الوحشة أنا بيت الدود إلا أن وراء ذلك اليوم يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير - وتذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد - ألا وإن وراء ذلك اليوم نار حرها شديد وقعرها بعيد وجبلها حديد وماؤها صديد ليس لله فيه رحمة. قال فبكى المسلمون بكاء شديداً، فقال ألا وإن وراء ذلك اليوم - جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين - أجارنا الله وإياكم من العذاب الأليم.
حكاية: قيل قصد بعض الدباء باب معن بن زائدة فوعده وماطله فنفدت نفقته وضاق لذلك صدره وعزم على الانصراف عن بابه فكتب إليه أبياتاً يقول فيها:
стр. 59
بأي الحالتين عليك أثني ... فإني عند منصرفي لمسئول
أبا لحسني وليس لها دليل ... عليّ فمن يصدق ما اقول
أم الأخرى ولست لها حليفاً ... وأنت لكل مكرمة فعول
قال فلما قرأ ذلك معن دعا به فاعتذر إليه وأمر له بعشرة آلاف درهم.
حكاية: قيل إن الحجاج خطب يوماً وأطال فقام رجل من القوم، وقال الصلاة يا حجاج فإن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك فأمر بحبسه فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله، فقال إن أقرّ بالجنون خليته فقيل له، فقال معاذ الله لا أقول إن الله ابتلاني وقد عافاني فبلغ ذلك الحجاج فعفا عنه لصدقه ولله در من قال:
عليك بالصدق ولو أنه ... أحرقك الصدق بنار الوعيد
وأبغ رضا الله فأغبى الورى ... من أسخط المولى وأرضى العبيد
ويقال الصدق عمود الدين وركن الأدب وأصل المودة ولا تتم هذه الثلاثة إلا به وقال النبي ﷺ إيّاكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر والبر يهدي إلى الجنة، وقال بعض الحكماء من قلّ صدقه قل صديقه، وقال بعضهم لو صوّر الصدق لكان أسداً ولو صوّر الكذب لكان ثعلباً.
حكاية: قال الأصمعي رأيت سعدون المجنون جالساً عند رأس شيخ سكران يذب عنه الذباب، فقلت له ما لي أراك جالساً عند رأس هذا الشيخ؟ قال إنه مجنون فقلت له أنت المجنون أم هو؟ قال بل هو. قلت من أين؟ قال لأني صليت الظهر والعصر في جماعة وهو لم يصلّ جماعة ولا فرادى، فلت وهل في ذلك قلت شيئاً؟ قال نعم:
تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وأصبحت أشرب ماء قراحا
رأيت النبيذ يذل العزيز ... ويذرى الوجوه الملاح الصباحا
فإن كان ذا جائز للشباب ... فما العذر فيه إذا الشيب لاحا
فقلت له صدقت وانصرفت.
حكاية: قيل عن زبيدة لامت الرشيد على حبه للمأمون دون ولدها الأمين، فقال لها الآن أريك عذري فدعا ولدها محمد الأمين، وكانت عنده مساويك، فقال له يا محمد ما هذه؟ فقال له مساويك ودعا المأمون وقال له ما هذه يا عبد الله؟ فقال ضدّ محاسنك يا أمير المؤمنين، فقالت زبيدة الآن بان لي
стр. 60
عذرك.
حكاية: يروى أنه كان لبعض الملوك شاهين، وكان مولعاً به فطار يوماً ووقع على منزل عجوز فلزمته، فلما رأت منقاره معوجاً، قالت هذا لا يقدر أن يلقط الحب فقصته بالمقص، ثم نظرت إلى مخالبه وطولها، فقالت وأظنه ى يستطيع المشي فقصتها. تحكمت فيه شفقة عليه بزعمها، وأهلكته من حيث أرادت نفعه، ثم إن الملك بذل الجعائل لمن يأتيه بخبره فوجدوه عند العجوز فجاؤوا به إلى الملك، فلما رأى حاله قال أخرجوه، ونادوا عليه هذا جزاء من أوقع نفسه عند من لا يعرف قدره.
حكاية: قيل لما ولي المأمون الخلافة عرضت عليه سيرة أبي بكر ﵁، وفي آخرها، وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها، فقال أمير المؤمنين لا نطيق ذلك، ثم عرضت عليه سيرة عمر ﵁ وفي آخرها وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها، فقال أمير المؤمنين لا نطيق ذلك، ثم عرضت عليه سيرة عليّ كرم الله وجهه وفي آخرها وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها في حقوقها، فقال أمير المؤمنين لا نطيق ذلك، ثم عرضت عليه سيرة معاوية بن أبي سفيان وفي آخرها، وكان يأخذ الأموال من وجوهها ويضعها كيف شاء قال إن كان فهذا.
حكاية: قيل إن الرشيد جمع أربعة من الأطباء عراقياً ورومانياً وهندياً وسوادياً فقال ليصف كل منكم الدواء الذي لا داء فيه فقال الرومي له الدواء الذي لا داء فيه حب الرشاد الأبيض، وقال الهندي الماء الحار، وقال العراقي الاهليلج الأسود، وكان السوادي أبصرهم برقة المعدة، فقال له ما تقول؟ قال الدواء الذي لا داء فيه أن تقعد على الطعام وأنت تشتهيه وتقوم عنه وأنت تشتهيه. وقال بعض الفضلاء سألت طبيباً فارسياً، فقلت إنا قوم نتغرب فتتغير علينا المياه فصف لنا ما تعالج به، فقال دعوا كل الأدوية وعليكم بالأغذية وما يخرج من الضرع والنحل وعليكم بأكل اللحم وشرب ماء الكرم ودخول الحمام ولبس الكتان.
حكاية: دخل أبو دلامة الشاعر على المهدي يوماً فسلم عليه ثم قعد وأرخى عيونه بالبكاء، فقال له مالك قال ماتت أم دلامة، فقال إنا لله وإنا إليه راجعون ودخلت له رقة، لما رأى من جزعه، فقال له عظم الله أجرك يا أبا دلامة وأمر
стр. 61
له بألف درهم، وقال له استعن بها في مصيبتك فأخذها ودعا له وانصرف، فلما دخل إلى منزله قال لأم دلامة اذهبي فاستأذني
على الخيزران جارية المهدي فإذا دخلت عليها فتباكي وقولي مات أبو دلامة فمضت واستأذنت على الخيزران فأذنت لها، فلما اطمأنت أرسلت عينها بالبكاء، فقالت لها مالك قالت مات أبو دلامة، فقالت إنا لله وإنا إليه راجعون عظّم الله أجرك وتوجعت لها، ثم أمرت لها بألفي درهم فدعت لها وانصرفت فلم يلبث المهدي أن دخل على الخيزران، فقالت يا سيدي أما علمت أن أبا دلامة مات، قال لا يا حبيبتي إنما هي امرأته أم دلامة، قالت لا والله إلا أبو دلامة فقال سبحان الله خرج من عندي الساعة، فقالت وخرجت من عندي الساعة، وأخبرته بخبرها وبكائها فضحك وتعجب من حيلتهما.
حكاية: أخبر احمد بن بكر الباهلي. قال حدثني حاجب المهدي قال قال لي المهدي يوماً نصف النهار اخرج وانظر من الباب فخرجت فإذا شيخ واقف، فقلت ألك حاجة قال ما يمكن أن أخبر بها أحداً غير أمير المؤمنين فتركته ودخلت، وقلت شيخ قد سألته ألك حاجة قال ما يخبر إلا أمير المؤمنين، فقلت أيدخل؟ قال نعم ومره بالتخفيف فخرجت، وقلت له ادخل وحفف فدخل وسلم بالخلافة، ثم قال يا أمير المؤمنين إنا قد أمرنا بالتخفيف، وأنشأ يقول:
فإن شئت خففنا فكنا كريشة ... متى تلقها الأنفاس في الجو تذهب
وإن شئت ثقلنا فكنا كصخرة ... متى تلقها في حومة البحر ترسب
وإن شئت سلمنا فكنا كراكب ... متى يقض حقاً من سلامك يعزب
قال فضحك المهدي وقال بل تكرم وتقضي حاجتك فقضى حاجته وأمر له بعشرة آلاف درهم.
حكاية: قال الأديب أبو يعقوب كنت جالساً عند معن بن زائدة وإذا عليه إزار يساوي أربعة دراهم، فقال يا أبا يعقوب هذا إزاري وقد قسمت العام في قومك خاصة أربعين ألف دينار، قال فبينما نحن نتحدث إذ أبصر أعرابياً يخبّ في مشيته من خوخة له مشرفة على الصحراء، فقال لحاجبه إن كان هذا يريدنا فأدخله فدخل الأعرابي وسلم وأنشأ يقول:
أصلحك الله قلّ ما بيدي ... فلا أطيق العيال إذ كثروا
ألح دهري ورمى بكلكله ... فأرسلوني إليك وانتظروا
قال فاضطرب وقال أرسلوك وانتظروا، يا غلام ما فعلت بغلتنا الفلانية، قال حاضضرة،
стр. 62
قال كم عليها قال ألف دينار قال اطرحها له، ثم قال له اذهب إليهم بما معك، ثم إذا احتجت فارجع إلينا.
حكاية: حدث العتابي، قال دخلت على عبد الله بن طاهر وهو يريد مصر فقلت السلام عليك أيها المير، فقال وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قال وما الخبر؟ فقلت بيتان من الشعر أعملت البارحة فكري فيهما فقال هاتهما فقلت عند ذلك:
حسن ظني وحسن ما عود الله ... يقينا بك الغداة أتى بي
أي شيء يكون أحسن من حسن ... يقين أعدي إليك ركابي
فقال أحسنت والله يا غلام احمل إليه ثلاثين ألف درهم قال والله لقد سبقني بها الغلام إلى منزلي فلما كان من الغد دخلت عليه فقلت السلام عليك أيها الأمير فقال وعليك السلام ما الخبر فقلت بيتان من الشعر أعملت البارحة فكري فيهما فقال هاتهما فقلت:
وجهي قد يكفيك في حاجتي ... ورؤيتي تكفيك عن السؤال
وكيف أخشى الفقر ... ما عشت لي وإنما كفك لي بيت مال
قال أحسنت والله يا غلام احمل إليه ثلاثين ألف درهم فسبقني بها الغلام أيضاً إلى منزلي، فلما كان اليوم الثالث دخلت عليه ورجله في الركاب، فقلت السلام عليك أيها الأمير، فقال وعليك السلام ما الخبر فقلت بيتان من الشعر أعملت البارحة فكري فيهما، فقلت هاتهما فقلت:
إن خير الثياب يخلقه الدهر ... وثوب الثنا ثوب جديد
أكسني ما يبيد أصلحك الله ... فإني أكسوك ما لا يبيد
فقال أحسنت والله يا غلام احمل إليه أربعين ألف درهم.
حكاية: قيل لما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فخطب ونال من علي كرم الله وجهه فقام الحسن ﵁ فحمد الله وأثنى عليه، وقال إن الله لم يبعث نبياً إلا جعل له عدوا من المجرمين فأنا ابن علي وأنت ابن صخر وأمك هند وأمي فاطمة وجدك حرب وجدي رسول الله ﷺ فلعن الله ألأمنا حسباً وأخملنا ذكراً وأعظمنا كفراً وأشدنا نفاقاً فصاح أهل المسجد آمين آمين فقطع معاوية خطبته ودخل منزله.
حكاية: قيل إن أبا دلامة الشاعر كان واقفاً بين يدي السفاح في بعض
стр. 63
الأيام فقال له سلني
حاجتك، فقال له أبو دلامة أريد كلب صيد، فقال أعطوه إياه فقال وأريد دابة أتصيد عليها قال أعطوه إياها قال وغلاماً يقود الكلب ويصيد به. قال وأعطوه غلاماً قال وجارية تصلح الصيد وتطعمنا منه قال أعطوه جارية. قال هؤلاء يا أمير المؤمنين لابد لهم من دار يسكنونها، فقال أعطوه داراً تجمعهم قال وإن لم تكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون قال قد أقطعتك عشر ضياع عامرة وعشر غامرة، قال وما الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال ما لا نبات فيها قال أقطعتك يا أمير المؤمنين مائة ضيعة غامرة من فيا في بني أسد، فضحك منه، وقال اجعلوها كلها عامرة.
حكاية: قيل اجتاز بعض المغفلين بمنارة وكانوا ثلاثة نفر، فقال أحدهم ما كان أطول البنائين في الزمن الأول حتى وصولا إلى رأس هذه المنارة فقال الثاني يا أبله كل أحد يبنيها ولكن يعلمونها على وجه الأرض ويقيمونها فقال الثالث يا جهال كانت هذه بئراً فانقلبت منارة.
حكاية: قال بعض الفضلاء كنت في ضيق من العيش وشدة من الإفلاس فشكوت حالي إلى حبيب لي كان كثير الصلاح، فقال لي اقرأ هذه الأبيات وكررها فإن الله يفرج عنك الهموم ويحسن حالك قال فكررتها أياماً فحسنت أحوالي ورزقني الله تعالى من حيث لا أحتسب، وهي هذه:
يا من تحل بذكره ... عقد النوائب والشدائد
يا من إليه المشتكى ... وإليه أمر الخلق عائد
يا حي يا قيوم يا ... من قد تنزه عن مضادد
أنت الرقيب على العبا ... د وأنت في الملكوت واحد
أنت المعز لمن أطا ... عك والمذل لكل جاحد
إن الهموم جيوشها ... ذا القلب مني قد تطارد
فافرج بحولك كربتي ... يا من له حسن العوائد
فخفّي لطفك يستعا ... ن به على الزمن المعاند
أنت المسير والمسب ... ب والمسهل والمساعد
سبب لنا فرجاً قريباً ... يا إلهي لا تباعد
كن راحمي فلقد أيس ... ت من الأقارب والأباعد
ثم الصلاة على النبي ... وآله الغرر الأماجد
تم الباب الأول من كتاب مفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن بعون الله المؤمن المهيمن فالحمد له ما دامت االأزمن والصلاة والسلام على رسوله وأصحابه ما دام تجري في البحور السفن
стр. 64
الباب الثاني
نذكر فيه مناظرة النرجس والورد المسماة بالجوهر الفرد للشيخ الأديب أبي الحسن علي بن محمد المارديني ﵀ خدم بها قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن كشك ومناظرة المنجم والطبيب المسماة بمنية اللبيب للشيخ الأديب العلامة.
محمد مؤمن بن الحاج محمد قاسم الجزائري رحمه الله تعالى
الجوهر الفرد
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي أنبت في رياض الخدود وردة الخجل وزين أغصان القدود بنرجس حين المقل وأوضح لذوي الدب سبيل البلاغة فاتضح واستجلوا من وجوه المعني عيون الملح، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الفارق بين الشك واليقين بقول غير ملتبس وعلى الآل والأصحاب ما خجلت خدود الورد من تغازل عيون النرجس وبعد: فلما كان الورد والنرجس من أحسن الأزهار وصفاً وألطفها شكلاً وأطيبها عرفاً، وقد اختلف بينهما في التفضيل وأيهما إذا حضر كان لبيت البسط تكميل مثلّتهما كالخصمين في المناظرة واستنطقت لسان حالهما على سبيل المحاظرة فقال الورد: الحمد لله الذي أنزل في محكم القرآن - فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان - والصلاة والسلام على نبيه محمد المبعوث إلى الأسود والأحمر الذي نسخ بشريعته البيضاء ملة بني الأصفر، وبعد فإن الله تعالى فضلني على سائر الزهور بأرفع المراتب، فوجب عليّ شكر نعمته وشكر المنعم واجب، فيّ تتجمّل المجالس والمحافل:
وإني وإن كنت الأخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الأوائل
كفاني الله عن حسودي، فالروض ملكي والزهر جنودي وما فيهم من خرج عن أعلامي السلطانية، وكيف لا يطيعوني وشوكتي فيهم قوية فازورّت أحداق النرجس، وقام على ساقه في المجلس، وقال أقسم بمن أنزل في كتابه المبين - صفراء فاقع لونها تسر الناظرين - وحق محمد المحمود الذي أوحي إليه - قتل أصحاب الأخدود - لقد مدحت نفسك بالكمال مع نقصك وما جررت النار إلا إلى قرصك أتعيرني بالاصفرار وهو لون التبر إذا أنسبك وتفتخر عليّ بالاحمرار فما أحمرك فتأدب في
стр. 65
مقالك واذكر سرعة زوالك واحفظ حرمتك
وإلا كسرت شوكتك، فقال الورد ويلك ما اقوى عينك وأكثر مينك أتجعل مقامك مقامي، وأنت من بعض خدامي ولو لم تكن قليل الحرمة ما كنت جالساً وأنت واقف في الخدمة ألك مثلي حسن منظر ومخبر، أما سمعت أن الحسن أحمر وإن عيرتني بقصر مدتي، فقد استنبت عني بخليفتي ولم يزل جمال المقامات ومن خلف مثله ما مات أتحسب أن محاسني مثل محاسنك متناهية، وكيف ينقطع عملي ولي صدقة جارية فشتان بيني وبينك، وإن لم تنته عن جدالي قلعت بشوكتي عينك، وأنشد لسان حاله:
لجمال وجهي تشخص الأبصار ... ولعز مجدي تخضع الزهار
لي بهجة وردية في وجنتي ... ولها من ورق الجديد عذار
وملابسي من سندس فتق الشذا ... أكمامها فانفضت الزرار
فكأنني هذا الحبيب إذا بدا ... نشوان قد دارت عليه عقار
لا غرو إن صرف المحب على حيا ... ة فكم في وجنتي دينار
حرمي غدا لذوي الخلاعة آمنا ... من حوله تتخطف البصار
ولي المهابة والبهاء وأنت من ... حسد وغيظ قد علاك صفار
ما شانني قصر الزمان ولا يرى ... لك في لياليك الطوال فخار
لكنّ أيامي سرور كلها ... وكذاك أيام السرور قصار
فقال النرجس يا قليل المودّة، ويا قصير المدّة أين العيون من الخدود، وأين الجافي من الودود، أنا أوفى بميثاقي ومن يزرني أجلسه على أحداقي، فيقول لي من أفضت عليه السرور فيضاً، لقد أكرمت ضيفك، فعليك الراية البيضا، وأنت طالما جنى شوكك على جناك فذقت عذاب النار، ذلك بما كسبت يداك، سرقت لون الحبيب وتسترت بالورق فقطعوك والقطع حد من سرق واستقطروا دمعك وأذاقوك الحرق وقيل لتركبنّ طبقاً عن طبق، وأي فخر في احمرارك الشريق، وكم بين التبر والعقيق فلا تبهرج زيفك على خالص اللجين، وارجع عن المناظرة فما جئتك إلا بعين، هذا ولي في السبق قصبات، وكم جلوت صداع القلب بطيب النفحات، وإذا وفد جيش الزهر فلي في طلائعه عيون - والسابقون السابقون أولئك المقربون - وأنشد:
стр. 66
فقت الزهور جميعها بتقدمي ... فأنا المقيم على الوفا يا متهمي
أدعو الندامى بالمسرة والهنا ... وكما علمت شمائلي وتكرمي
وآتي الجليس بناظري وأروقه ... حسناً وساقي في يديه ومعصمي
وأغض طرفي إن خلا بحبيبه ... وأصون سر العاشق المتكنم
وإذا غفا المحبوب كنت لحفظه ... خوفاً عليه من الدبيب المجرم
وأغازل الأجفان وهي نواعس ... وإليّ تشبيه اللواحظ ينتمي
وترى حجيج اللهو حولي طائفاً ... وجميع أيامي كيوم الموسم
أين العيون من الخدود نفاسة ... لولا فساد قياس من لم يعلم
فافهم وكن عن رتبتي متاخراً ... واعلم بأن الفضل للمتقدم
فاحمر خد الورد والتهب وظهرت في وجهه صورة الغضب، وقال يا قويّ العين ويا لون اللجين، خلّ عنك الحماقة، ولا تدخل في باب مالك به طاقة فلقد استحقيت المقت، ولا أبالي بك ولو برقت كيف تفاخر بصفارك حمرة الخدود ومن أين لبياض أجفانك المغازلة للعيون السود، أتناظر بعماشك عيون الملاح؟ ما أنت يا عيون النرجس إلا وقاح أتعيرني بحسن الابتلاء وهو الفضل، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم (نحن معاشر الأنبياء أشد الناس بلاء ثم الأمثل فالأمثل) طالما ابتليت فصبرت وما شكوت حالي بل شكرت أبيت بزفرة لا تخمد وأدمعي تتحدر وانفاسي تتصعد أحبس بلا ذنب وأعصر فتجري دموعي وما هي إلا مهجة تذوب فتقطر وما ضر ابراهيم إلقاؤه في نار النمروذ ولا شان يوسف سجنه مع فضله المشهود مع أني طالما لثمت الثغور والعناق وفزت بالشم والضم والعناق زكا مني الأصل والفرع ولا انزل بواد غير ذي زرع وأقسم ببديع حسني وتسبيح أوراقي وسموّي عن مراعاة النظير بتوجيه طباقي ما أنت مجانسي في المقابلة ولا موازني في المشاكلة ولا لاحقي في الطي والنشر وأنا سيد زهر الربيع ولا فخر فلا تطل الشقاق والنفاق لا بدّ لك من الوقوف في خدمتي ولو قامت الحرب على ساق أي فضل لك في التقديم وكم بين الحبيب والكليم وإن أردت كشف التلبيس فتفكر في فضل آدم على ابليس، وكم بين الشمس والنجوم - وما منا إلا له مقام معلوم - وهل أنت إلا من بعض جنودي والمبشرين بوردي وأنا منك بالفضل أولى -
стр. 67
وللآخرة خير لك من الوى - وأنشد:
لم يزدك التقديم في الفضل شيئاً ... وأنا ما نقصت بالتأخير
بيننا في القياس فرق لطيف ... مثل ما بين يوسف والبشير
فحدق النرجس وحولق، ورفع رأسه بعد أن أطرق، وقال إن افتخرت بآثارك فليست العين كالأثر، وإن كنت مباشر الثغور، فأنا إلى حسن النظر مع أنهم أرخصوا بك في التعسير، وما عصروك عن ذنب كبير، ولو لم تكن من المتمردين والنجاس، ما حبسوك في قماقم النحاس. أنت في افتخارك كما قالت الحكماء أنف في الماء واست في السماء، تتطفل على الموائد، ولا تصبر على طعام واحد، وأقسم بقدي الرشيق ولوني الشريق وبياض صحائفي واخضرار سوالفي لئن لم تصن بهجتك المسبوكة وتستر فضائحك المهتوكة لأقطعن طرقك المسلوكة وأجعلن حرفتك متروكة ولا اترك لك في عصبة الزهار شوكة وأذيقك عذاب الهون، أتعيبني وكلك عيوب وكلي عيون أنا طبعي الوفاء، وأنت طبعك الغدر، وأنا أوّل من تنشق عنه الأرض من الزهر ولا فخر، ولولا خشية التطويل عددت معايبك على التفصيل، ولكن شيمتي غض الطرف في المجلس، وما أحسن الغض من النرجس، وإن تشبهت بالشمي أنا بكسوفك شامت، وإن كنت من السيارة فأنا من النجوم الثوابت، وشتان بين طالع وىفل، وكم بين مقيم وراحل، وإن لم ترجع إلى السكينة والوقار، لأريك النجوم بالنهار، أين قضبان الزمرد دمن شوك القتاد، وكم بين مريد ومراد، وأقسم بمن زين السماء بزينة الكواكب، إن لم ترجع لأرمينك بشهاب ثاقب، وأسلط عليك رجوم نجومي، وأقول مضمناً قول ابن الرومي:
عجبت للورد إذا وفى بناظره ... وزاد في تقوّله عجباً وفي شططه
يبدو وطياته من حول حمرته ... كصرم بغل وباقي الروث في وسطه
فخجل خد الورد حتى كلله من الطل العرق، وكاد خوف الفضيحة يتستر بالورق، ثم إنه استشاط كمن أطلق من عقال، وسطا على النرجس بشوكه وقال، يا نفاضة المحافل ولفاظة المزابل، كم بين مهتوك ومصون، ومتروك ومخزون، فجلّ القضية أنك راجل وأنا فارس، وتقوم في الخدمة وأنا جالس، ولولا فجورك وقوّة الحدقة ما جئت تزاحمني في الطبقة وأنشد:
стр. 68
أما وفتور أجفاني النواعس ... وتنزيهي المحاضر والمجالس
وإشراقي لعشاقي وما قد ... كساني الله من أسنى الملابس
وما قد حزت من نشر شذاه ... يفوح بطيّ أنفاسي النفائس
لقد عديت طورك في مقامي ... وهل أحد بمثلك لي يقايس
أنا في البسط فاتح كل باب ... وخاتم كل زهر في المجالس
وإن زفت كؤوس الراح أجلي ... على صحبي كما تجلى العرائس
وإن نحن اجتمعنا في مقام ... تقم في خدمتي وأظل جالس
وإن تك حارساً ما ذاك فخر ... فكم ما بين سلطان وحارس
دع التعريض أو صحف فإني ... أراك إن التقى الجمعان ناعس
وهل للحب من حسن إذا ما ... يكون الورد في خديه غارس
فقال النرجس أنا عيون المجالس وشكوع المجالس وأنيس النديم، وقد خلقني الله في أحسن تقويم من أين لك لطفي ودلالي، وقد فاتك ليني واعتدالي وبي تشبه عين الحبيب فاعلم ولأجل عين ألف عين تكرم، وكثيراً ما بينك وبيني وإن عدت إلى مثلها سقطت من عيني وأنشد:
وأما فتور أجفاني النوائس ... ولحظ دونه لحظ الكوانس
وأحداق تصيد الأسد صيداً ... وألباب الرجال لها فرائس
وعينيّ الوقاح ولين عطفي التر ... شيق إذا بدا في الروض مائس
لئن لم تنته يا ورد عني ... وتترك ما لديك من الوساوس
رشقتك صائباً بسهام عيني ... وأجعل ربعك المهدوم دارس
أنا أبهى وألطف منك معنى ... وأزهى في المجالس للمجالس
وكم منعته نظراً وشماً ... ولنت له ولا أوذي الملامس
وعن أهل الغرام أغض طرفي ... وإن نام الحبيب فنعم حارس
أقوم بخدمة الندمان جهدي ... وتقعد عن مقامي في المجالس
لفخرك لم أجد وجهاً لأني ... أنا رأسي الزهور فلا تراوس
فقال الورد والذي خلق الانسان من علق وألبس الخد حلة الشفق ودرج الوجنات بحجرة الخجل ودبج بالتوريد مواقع القبل لقد جزت في القول حداً
стр. 69
ولقد جئت شيئاً إدّا تريد أن تميز نفسك بتقويمها وإنما الأعمال بخواتيمها أنا خد الحبيب نصيبي والروح يلتبس ويتمسك
بذيل طيبي أتشك في أن أحسن صفات المدام الورديه لقد تفتت قلبي من عينك القوية أتروم تعطي فضلي بغضاً منك وسخطاً، أما سمعت في الأمثال أن الشمس ما تتغطى، وأنشد:
أنا والراح للأرواح راحه ... وكم في قبض ساقي بسط وراحه
أتعمى عن عيوبك إذ تراني ... بعين النقص ماذا إلا وقاحه
فقال النرجس والذي زين العيون بالدعج وأرسلها في فترة الأجفان إلى المهج وفضل الإنسان بالعين والعين بالانسان وكحل بفنون السحر فتور الأجفان إن لم ترجع عني لأجردن سيفي من جفني وأطيح رأسك عن قدمك وأخضبك بدمك ومن أنت في البين وقد أصبح فضلي عليك أتحاربني وجيادي السوابق وتناظرني ونواظري بأحداق الحدائق وفي فتور أجفاني من السحر فنون أتشك في أن الملاحة في العيون، وأنشد:
أنا ما بين أصحابي بعين ... وفضلي راجح والورد دوني
وفيّ من الملاحة كل فن ... بديع والملاحة في العيون
فقال الورد أين السهل من الممتنع، وكم بين المفترق والمجتمع أنت تبذل نفسك فتهان وأنا أعز بصيوني عن ملامسة الندمان وأنت رقيب على العشاق في المجالس الطيبة، وإذا رميتهم بعينك يقولون ماذا إلا مصيبة، أنا ذو الوجه القمر والخد الأزهر، وإذا تأملت عيونك إذا هي بالساهرة كيف تناظرني ولي - وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة - وأنت قد ضربت عليك الذلة وما اصفرارك إلا لعلة، فقال النرجس يا قليل الوفا ويا كثير الجفا ألم تعلم أن التخليق بالصفرة من أمارات النصرة، وقال جماعة الحكماء: عن من أنجس الأشكال الحمرة، فقال الورد هذا لوني مذ كنت في أحشاء الأكمام مضغة - صلغة الله ومن أحسن من الله صبغة -، فقال النرجس وهذا فضلي من الشواهد، فقال الورد ما يصفرّ منّا إلا الحاسد، فقال النرجس لم تزل عين كل شيء أحسنه، فقال الورد - لا تستوي السيئة ولا الحسنة فقال النرجس ذهبت منك الحجة واتضحت لي المحجة فأنا على المقدور ولي الفضل أحمد بحضوري في مقام المقرّ الشهابي أحمد وأنا المؤيد بفضل
стр. 70
ظاهر لا يختفي بحضوري في حضرة مولانا قاضي القضاة الحنفي، فقال الورد وهذا مما يؤيد كلامي ويرفع في الفخر مقامي، فكم بلغت بحضرة المخدوم مقصودي ولم يزل إلى المنهل العذب ورودي، قال الراوي: فلما رأيت كلاً منهما قد جاء في حجته بالبرهان والدليل ولم يتضح
لي أيهما أحرى بالتفضيل وضاقت عليّ في الفرق بينهما المسالك ورأيت مالكي بالمدينة فلم يجز لي أفتي وفي المدينة مالك لأنه فريد عصره في علمه وآدابه وهو الذي يفصل بينهما بفصل خطابه كيف لا وهو شهاب له في فلك المعالي أرفع المراتب - ومن يسترق السمع يتبعه شهاب ثاقب:
شهاب رقى بالسعد في فلك العلى ... وعاد بفضل منه والعود أحمد
فمن شافعي والوجد في قلب ثابت ... سوى مالكي كنز الفضائل أحمد
وما أنا في إهداء هذه النبذة إليه وعرض بضاعتي المزجاة عليه إلا كمن أهدى إلى البحرة قطرة أو أتحف الروض بزهرة وهو ذو الصفات التي فاقت على الراح والحبيب رقة ونظماً وناظرت فعل المدام فكانت أفعالها أسمى، قلت لله درّه من مسجع ما افصح لسانه وأبلغ بيانه فلقد أحرز قصبات السبق في ميدان الكلام وأتى بما يعجز عنه الفاضل والنظام.
منية اللبيب
قال الشيخ العلامة محمد مؤمن ﵁: ساقني طول السياسة في طلب العلم إلى ساحة الكمال، ودلني هادي الشوق لتحصيل المعارف إلى مدارس الخيال، فرأيت بين النوم واليقظة كأني حللت في قرار مكين ودخلت روضة كأنها جنة الخلد التي اعدت للمتقين فوجدت محفلاً منيعاً مشحوناً بالخواص والعوام ومجلساً وسيعاً محفوفاً بأصناف طوائف الأنام وبينهم شيخان يتناظران وبعلمهما يتفاخران، أحدهما منجم فارسي ماهر عنده تقويم واصطرلاب، والآخر طبيب يوناني حاذق بين يديه أدوية وكتاب كل منهما يفضل نفسه على صاحبه ويطعن فيه بذكر نقائصه ومثالبه والناس حولهما مجتمعون وإلى أقوالهما مستمعون فاقتحمت بين ذلك الجمع وجلست قريباً لاستراق السمع فسمعت هذا يصف النجوم والسماء وذاك يذكر الداء والدواء هذا يبين القطب والآفاق وذاك يحقق السم والترياق هذا يوضح كرات الفلك والسماك إلى السمك والثريا
стр. 71
إلى الثرى والسهيل إلى السها، وذاك يشرح سوء المزاج ودستور العلاج وتشريح الأبدان وأنواع النجران هذا يبحث عن الاثار العلوية والحوادث السفلية والآفات السماوية والأحكام النجومية والتأثيرات الفلكية وأحوال الأمصار ونزول الأمطار وذاك يتكلم في الحميات والمسهلات والأسباب والعلامات والمفردات والمركبات والأطلية والضمادات والمعاجين والمفرحات وأنواع
الأدوية والأشربة والأغذية فتناظرا وتشاجرا من كل باب حتى أغلظ المنجم في الخطاب، وقال ايها الطبيب الجاهل والمكثار من غير طائل ما أقل درايتك وأجلّ غوايتك وأخس صناعتك وأخسر بضاعتك ألم تعلم أنك من دواعي القوت وخليفة ملك الموت ورسول قابض الأرواح ومفرق النفوس عن الشباح وإنك منذر إلى الممات وذئب في جلد الشاة وظالم في زيّ مسكين وذابح بغير سكين وعدوّ في صورة صديق وحشيش يتشبث به الغريق قد ضاع عمرك في ملاحظة الفضلات والقاذورات وطال فكرك في المدارات والمسهلات هل أنت بمعرفة القارورة تتبختر أم بقتل نفس بغير حق تتكبر، جهلك مركب وحقك مجرب تحسب كلام ابن سينا في القانون كالوحي المنزل، وتزعم قول ابن زكريا بمنزلة خبر النبي المرسل، وتعد جالينوس في كل ما أخبر به صادقاً وكفى بك ذماً، حديث الطبيب ضامن ولو كان حاذقاً فتعساً لجالينوس وسقراطك وتباً لاسفلينوسك وبقراطك وأفاً لتشخيصك وتدبيرك وتباً لتجويزك وتقريرك. فلما سمع الطبيب هذا السباب التهب غضباً وقال في الجواب إخسأ أيها المنجم الجاهل ولتبك على عقلك الثواكل ألم تدر أنك أكذب الناس والخناس الذي يوسوس في صدور الناس وإنك أبين كذباً من الفجر الأوّل وأغلط حساً من عين الأحول، وأخلف في الوعد من عرقوب وأشهر بالكذب من أولاد يعقوب، وأخص طبعاً من ضبع وضبه، وأنقص قدراً من قيراط وحبه، وكفى بك ذماًخبر كذب المنجمون ورب الكعبة، وما أشبهك بمسيلمة الكذاب وما أكثر غلطك في الحساب خطؤك أكثر من صوابك، وإثمك أجل من ثوابك، تتقرب بأكاذيب الأحكام النجومية رجماً بالغيب إلى الأمراء والسلاطين، وقد فسر الشياطين بالمنجمين بالرواية المعتبرة عن بعض الفضلاء الأساطين في قوله
стр. 72
تعالى - ولقدْ زيّنا السّماء الدُّنيا بمصابيحَ وجعلناه رجومُاً للشياطين - وهب أن علم التنجيم معجزة باهرة لنبي كريم إلا أنه لا يحصل كثيره ولا ينفع يسيره، فالموجود منه غير نافع والنافع منه غير موجود بلا مدافع وصاحبه لا ينفك عن إفلاس وإدبار لما يلزمه من تعمد الكذب في الأخبار، فتعساً لريحك ورصدك وبعداً لعددك وعدّك، وأفاً لحسبانك وتباً لتقويمك واصطرلابك. فقال المنجم ويحك ما هذا التفضيح والإنكار للحق الصريح لقد فرطت في الإزراء والإيذاء حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء ذكرت القبائح القليلة ونسيت المدائح الجليلة:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
فوحق من خلق الشمس والقمر آيتين للسنة والشهر، وجعل النجم علامة يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، إن علم النجوم بين العلوم، كالبدر اللامع بين النجوم، إذ به يعلم عدد السنين والحساب، ويستدل به على وجود رب الأرباب، كيف لا وبالتفكير العميق في حقائق الأسرار ودقائق الآثار المستفادة من رياض الرياضي والتدبير البليغ في بدائع الحكمة وصنائع الفطرة التي في خلق السماوات والأراضي والفكر الدقيق في هيئة الأفلاك وصور البروج ومواقع النجوم في الغروب والطلوع والنظر الصحيح في منظورات الكواكب واختلاف حركاتها في السرعة والبطء والاستقامة والرجوع والتأمل الصادق في كيفية حركات الآباء العلوية فوق الأمهات السفلية، والرأي الصائب في استخراج أنواع تأثيرات الأجرام الأثيرية في الأرضية يعرف أن لهذه الكرات الدائرة والأفلاك السائرة، والأنجم الزاهرة والآيات الباهرة والدراري المنثورة والبروج المشهورة والقبة الخضراء والبقعة الغبراء والسقف المرفوع والمهاد الموضوع والبحر المحيط والبر البسيط والجبال الشامخة والأوتاد الراسخة صانعاً حكيماً قديماً مدبراً كاملاً محركاً عادلاً - ربّنا ما خلقتَ هذا باطلاً - وإن جميع ذلك مستند إلى ربّ الأرض والسماء عزيز قدير يتصرف فيهما كيف يشاء حيثما تقتضيه حكمته والأرض جميعاً قبضته.
فليس بتدبير الكواكب ما ترى ... ولكنه تدبير رب الكواكب
стр. 73
فتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً وأبدع الكائنات بأحسن نظام ودبرها على وفق مشيئته وقدرها بحكمته تقديراً سبحان من جعل الشمس ضياء والقمر نوراً وبسط على بساط البسيط ظلاً وحرورا ورفع خضراء ذات بروج وسراج وخفض غبراء ذات مروج وفجاج ومدّ بحراً مسجورا خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن في ستة أيام ودبر الأمر يتنزل بينهنّبترتيب ونظام كما كان في الكتاب مسطورا والصلاة والسلام على من دنا فتدلى إلى ربه الأعلى فكان قاب قوسين أو أدنى محمد الذي أصبح مؤيداً بالرعب وبالصبا منصورا وعلى آله الأتقياء وعترته نجوم الاهتداء ما دام السماك رامحا والسعد ذابحا والنسر طائرا والشامية غموصا واليمانية عبورا. فلما فرغ المنجم من المقال اعترض عليه الطبيب وقال كتمت الحق بما أديت وموهت القول فيما
ادعيت أخطأت في ترجيح علم النجوم وتفضيله على سائر العلوم فإن شرف كلّ علم بشرف موضوعه، وما يتعلق به من أصوله وفروعه، فكلما كان الموضوع أشرف وأعلى كان العلم الباحث عنه أرفع وأسنى، ومعلوم أن موضوع علم الطب هو البدن الانساني المتعلق به الروح الحيواني المرتبطة به النفس الانسانية التي هي أشرف من النجوم والسماوات بل جميع المخلوقات والمكونات وقد خلق في الانسان وهو العامل الأصغر نظائر جميع ما في العالم الكبر فكل انسان عالم برأسه، ولذلك سمى بالعالم بانفراده وكما يستدل بدقائق ما في الأكبر على وجود الصانع الحكيم القدير كذلك يحتج ببدائع ما في الأصغر عليه حذو النظير بالنظير، وفي قوله وفي الأرض آياتٌ للموقنينَ وفي أنفسكمْ أفلا تبصرون - دلالة على هذا المدعى، وفي قوله سبحانه - سنريهم آياتنا في الآفاقِ وفي أنفسهم، بينة على هذه الدعوى، وقال امير المؤمنين وإمام المتقين أسد الله الغالب عليّ كرم الله وجهه:
دواؤك فيك وما تشعر ... وداؤك منك وما تصبر
وتزعم أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر
وأنت الكتاب المبين الذي ... بأحرفه يظهر المضمر
وتوضيح هذا المقال وتفصيل هذا الاجمال يطلب من طيف الخيال لمؤلف هذه الأقوال وبالجملة الانسان خليفة الحمن والنفس كالسلطان والأعضاء
стр. 74
كالبلدان والحواس كالأعوان والقوى والأذهان كالعمّال والخزان والجوارح والأركان كالخدام والغلمان وبقاء سلطنة هذا الملك بصلاح رعيته واستقرار ملكه بانتظام أمور مملكته وبالصحة ينتظم عالم الأجسام وبالمرض يختل هذا النسق والنظام والعلم المتكفل بحصول هذا الغرض علم الطب الباحث عن أحوال بدن الانسان من حيث الصحة والمرض لحفظه الصحة الحاصلة واسترداد الزائلة وكفى له شرفاً حديث (العلم علمان علم الأبدان وعلم الأديان) وقدم الأوّل لتوقف الثاني عليه ونظام العالم الأصغر منسوب إليه فهو على صحة الأبدان ومادة حياة الانسان ومناط سلامة الأجساد ومدار أمر المعاش والمعاد، فعلم الطب على رغمك أرجح وانفع من علمك، فقال المنجم للطبيب هذا قول منك عجيب أما تعلم أيها الحكيم أن الطب لا يستقيم إلا بالتنجيم وبه فتح أبواب التعلم والتعليم، وفوق كل ذي علم عليم، فلابدّ للطبيب من
معرفة ما يتعلق بالنجوم والتقويم والسعود والنحوس والنظرات والبروج والدرجات والساعات قرب ساعة ينفع فيها الفصد والحجامة وشرب الدواء ولا يفيد في غير تلك الساعة إلا اشتداد العلة والداء فها أنا أتلو عليك وأذكر لديك أنموذجاً من الأحكام النجومية والمسائل الهيولية لتعرف فضل العلوم الرياضية ولا أبالي بالتطويل فإن هذا الخطب جليل والبسط في المطلب المرغوب مقبول ويا لها قصة في شرحها طول، فاعلم أن لكل عضو من الأجساد اللحمانية والأبدان الانسانية نسبة إلى برج من البروج الاثني عشر بتقدير خالق القوى والقدر فالرأس منسوب إلى الحمل والرقبة إلى الثور زالكتف إلى الجوزاء والصدر إلى السرطان والسرة إلى الأسد والقلب إلى السنبلة والظهر والبطن إلى الميزان والعورة إلى العقرب والفخذ إلى القوس والركبة إلى الجدي والساق إلى الدلو والقدم إلى الحوت ويعالج كل عضو في وقت يكون للبرج الذي ينسب إليه سعادة وقوّة واستيلاء وقدرة ويسمى الحمل والأسد والقوس بالمثلثة النارية وينسب إليه الحرارة واليبوسة والثور والسنبلة والجدي بالمثلثة الأرضية وينسب إليه البرودة واليبوسة، والسرطان والعقرب والحوت بالمثلثة المائية وينسب إليه البرودة والرطوبة والحمل
стр. 75
والسرطان والميزان والجدي منقلبات، والثور والأسد والعقرب والدلو ثابتات والجوزاء والسنبلة والقوس والحوت ذوات جسدين والشمس في اللغة مؤنث وفي التنجيم مذكر والقمر بالعكس وكل من الحمل والعقرب بيت للمريخ والثور والميزان للزهرة والجوزاء والسنبلة لعطارد والسرطان للقمر والأسد للشمس والقوس والحوت للمشتري والجدي والدلو لزحل والشمس حارة يابسة والقمر بارد رطب وزحل بارد يابس وهي طبيعة الموت والمشتري حار رطب وهو مزاج الحياة والمريخ في غاية الحرارة والزهرة في نهاية الرطوبة وعطارد مزاجه مزاج ما يجاوره ويقاربه وما سوى النيرين من السلعة السيارة يسمى بالخمسة المتحيرة والشمس والقمر والمشتري والزهرة والرأس مسعودات والزحل والمريخ والذنب منحوسات وعطارد مع السعد مسعود ومع النحس منحوس والشمس بيضاء والقمر كدر الأجزاء وزحل رصاصي والمشتري أبيض يميل إلى الصفرة وعطارد يضرب إلى الزرقة والمريخ ناري اللون والزهرة دري اللون والإلاك الكلية تسعة، ومع الأفلاك الجزئية أربعة وعشرون الفلك الأطلس غير مكوكب والثابت في فلك البروج والسيارات في سبعة أفلاك
كل في فلك يسبحون، وقال عزّ من قائل - ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيّناها للنّاظرين - والشمسُ والقمرُ والنّجومُ مسخّراتٍ بأمرهِ - ألا لهُ الخلقُ والأمرُ تباركَ اللهُ ربُّ العالمينَ - ذلك محدث موجده قديم ومصنوع صانعه حكيم - والشمسُ تجري لمستقرٍ لها ذلكَ تقديرُ العزيز العليمْ والقمرَ قدّرناه منازل حتى عادَ كالعرجونِ القديم لا الشمسُ ينبغي لها أن تدركَ القمرَ ولا الليلُ سابقُ النهارِ وإنَّ في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار - فيا أيها الطبيب مالك من هذا العلم نصيب، تفتخر بتركيب أدوية مسحوقة وتتباهى بتعجين حشائش مدقوقة سكنت عمراً في دار لم تعرف كيفية سقفها المكوكب المزين ونزلت دهراً في بيت لم تعلم حقيقة سطحه المنقش الملون:
وكيف ينال العلم من هو أبله ... وكيف يرى الآفاق من هو أكمه
ثم أنشد المنجم هذه الأشعار وخاطب السامعين والنظار:
يا معشر المسلمين قوموا ... لا تعذلوني ولا تلوموا
عندي من السابحات علم ... سبحت فيه بكل العلوم
الفلك المستدير سقف ... وهو بأرجائه يحوم
следующие страницы →