← Акыда

Акыда · id 358

حقيقة التأويل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (81 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وجلَّ واجبةٌ كاملةٌ مُبرَّأةٌ، وأنَّ صفات المخلوق فانيةٌ ناقصةٌ معيبة، ولكنَّ ذلك لا يمنع وجود اشتراك في الجملة يتهيَّأ به الإدراك، على أنَّنا إنَّما نُدرِك صفات الله على وجهٍ إجمالي. فأمَّا اليد ــ مثلًا ــ فإنَّنا لا نجد ذاتًا تشبه ذات الرَّب في الصُّورة ــ تفصيلًا ولا إجمالًا ــ حتى نُدرِك يده تعالى بالقياس على يد تلك الذات التي نعرفها. هذا في الإثبات. وأمَّا في النَّفي فلم نُدرِك ذاتًا تشبه ذاته ، وليس لها يدٌ حتى نُدرِك بالقياس عليها أنَّه ليس له سبحانه يدٌ، غاية الأمر أنَّنا نُدرِك أنَّه سبحانه منزَّهٌ عن النَّقص، ولكنَّنا لا نُدرِك أنَّه لو كان له يدٌ تليق به لكان ذلك نقصًا، ومَن زَعَم أنَّه يُدرِك هذا فإنَّه تخيَّل يدًا كيد المخلوق، فلذلك جَزَم بأنَّها نقصٌ. والإنسان إذا حاول أن يتصوَّر شيئًا؛ فإن كان قد أدركه بواسطة الحواسِّ فذاك، وإلّا فإنْ كان قد أدرك ما يشابهه فإنَّه يتصوَّره بتلك الصُّورة، ولكنَّ العقل إذا عَلِم أنهما لا يتشابهان في كل شيءٍ جَرَّد الصورة المُتَخيَّلة من بعض الأوصاف. وإذا كانت الصُّور المشابهة لِمَا يحاول تصوُّره كثيرة فإنَّ الفكر يتصوَّر صورةً على القدر المشترك بين تلك الصُّورة التي أدركها مجرَّدة عن الخواص التي تختلف، وربما ضَمَّ إليها صِفةً، أو نقص منها صفةً إذا قام لديه ما يوجب ذلك. فإذا سمعت برجلٍ إنجليزيٍّ لم تَرَهُ، ولا رأيتَ صورتَه، ولا وُصِف لك، وكلَّفتَ ذهنك أنْ يتصورَّه، وكنت قد رأيت جماعةً من الإنجليز= فإنَّ ذِهْنَك يتخيَّل صُورةً على القدر المشترك بين الذين رأيتهم حتى يتخيّل اللباس.

стр. 37

ولو أردت تصوُّر رجلٍ حبشيٍّ لاختلفت الصُّورة التي تخيَّلتها. فإذا وُصِف لك الرجل أنَّه أعور، أو أعرج، أو طويل، أو قصير، أَضَفْتَ هذه الصِّفة إلى تلك الصُّورة، ولكن بحسب القَدْر المشترك بين العُور والعُرْج، والطِّوال والقِصَار الذين قد أدركتهم، على أنَّك لو كلَّفتَ نفسك تصوُّره كبيرًا جدًّا كالجبل، أو صغيرًا جدًّا كالذَّرَّة لأمكنك ذلك. وإذا تدبَّرتَ وجدتَ الذِّهن إنِّما يستمد التَّصوُّر من القياس على الصُّوَر المخزونة في الحِفظ، ولكنَّه يركِّب ويُقسِّم، فيمكنه أن يتصوَّر شِقَّ رجلٍ، ويتصوَّر رجلًا له وجه فَرَس، وهكذا. فإذا كلَّفته أن يتصوَّر ما لم يُحسَّ به، ولا بما يشبهه فإنَّه يفرضُ عليك صورًا يستمدّها من خزانته، وقد يركِّب ويُقسِّم، ويزيد وينقص، وكلَّما عَرَض عليك صورةً، فقال العقل: ليس هذا أريد، عاد فاستمدَّ من الخزانة صورةً أخرى. فإذا كُلِّف الذِّهن تصوُّر يد الله فأوَّل ما يفرِضُ يد إنسانٍ؛ لأنَّها أقرب الأيدي حضورًا بالذهن؛ لكثرة تكرُّر إحساسه بها، فإذا لم تقبلها أخذ يزيد في تلك الصورة وينقص، ويستمدُّ الزيادة والنّقص من الأجرام التي قد أدركها، كأنْ يجعلها نورًا على صفةٍ ما، قد أدركه من نور الشمس والقمر وغيرهما، ويعظمها ــ لإدراكه صِفة العَظَمة ــ حتى يجعلها كالجبل أو أعظم منه، وغير ذلك. والعقل يحكم كلَّ مرَّةٍ أنَّ تلك الصورة فيها نقصٌ وعيبٌ، وأنَّ الله مُبرَّأٌ عن ذلك، فإذا يَئِسَ مِن وجدان صورةٍ تليق بربِّ العِزَّة فهو بين أمرين:

стр. 38

إمَّا أنْ يعترف بعجزه وقصوره، وأنَّ الموجودات لا تنحصر فيما يمكنه تصوُّره وتخيُّله، فهذا يُجوِّز أن يكون لله يدٌ تليق به، فإذا عَلِم أنَّ الصَّادق المصدوق قد أخبر بذلك آمن به. وإمَّا أن يغلب عليه الغُرُور والدَّعوى، ويزعم أنّه ما من موجود إلَّا ويمكنه أن يتصوَّره، فهذا يُنْكِر أن تكون لله يدٌ، ويزعم أنّ مَن أثبت لله يدًا يلزمه أن يثبت له يدًا من تلك الأيدي التي تخيَّل صُوَرَها العقل. فلو أنّ رجلًا خُلِقَ أكْمَه وكبر، وعُلِّم الكلام ما عدا الألوان، ولم يُخبَر بأنَّ الناس يبصرون، ثم قال له رجلٌ بصيرٌ ذات يومٍ: هذا شيءٌ أبيض، فإنَّه يقول: وما معنى أبيض؟ أكبيرٌ؟ فيُقَال: لا، فيقول: فصغيرٌ؟ فيُقال: لا، فيقول: فأملس؟ فخشن؟ فجامد؟ فمائعٌ؟ إلى غير ذلك من المعاني التي قد عرفها وأحسَّ بها. فإذا قيل له ــ في كلّ ذلك ــ لا، لا! قال: فهذا عدمٌ! وإن كان قد أُخْبِر بالألوان، وتواتر عنده أنَّ النَّاس يُبصِرُون، وأنَّ للأشياء ألوانًا فإنَّه يصدِّقهم، ولكنَّه لا يستطيع تصوُّر ذلك. فهذا مثل الإنسان إذا أُخْبِر بصفات الرَّب . وكأنَّه لهذا المعنى زَعَم بعض المتكلِّمين أنَّ رؤية المؤمنين لربِّهم في الآخرة إنَّما تكون بحاسَّةٍ سادسةٍ يخلُقُها لهم! (١).

стр. 39

ولبيان خطئه أضرب مثلًا ثانيًا: افرض أنَّه لا يوجد في الدُّنيا من الألوان إلَّا السَّواد والبياض، ثم أُخْبِر إنسان بأنَّ هناك شيء يُرَى، أليس يقول: أسود؟ فإذا قيل: لا! فيقول: أبيض؟ فيقال: لا، فيقول: فليس في الوجود شيءٌ يُرَى إلَّا إمَّا أبيض وإمَّا أسود! فهذا مثل القوم؛ فإنَّهم لمَّا لم يعرفوا في المرئيَّات إلَّا هذه المحسوسات قالوا: لو أمكن رؤية الله لكان من جنس هذه المحسوسات! والمقصود من المثال التَّفهيم، وإلّا فلا يخفى أنَّ الحُمْرة من جِنْس الألوان، وليس الله من جِنْس الخَلْق، ولو فُرِض أنَّ إنسانًا لم يَرَ صقيلًا تنطبع فيه صورته، ثمّ أُخْبِر بأنَّ الإنسان يمكنه أن يدرك بمعونة حاسَّة بصره لون حَدَقَته، فيَعْلَم أنَّها سوداء أو زرقاء أو غير ذلك بدون أن تخرج إحدى عَيْنَيه من موضعها، ولا يتغيَّر شكله، أليس يبادر فيقول: هذا محالٌ! والمقصود من هذه الأمثلة تقريب المعنى الذي ذكرناه، من أنَّ الإنسان يجحد ما لا يحسُّ به، [وبما لا يشبهه] (١). ولو قلتَ لبدويٍّ لم يسمع بالآلات المخترعة: إنَّه يمكننا أن نسمع كلام أهل أمريكا ونحن بحضرموت بدون معجزةٍ، ولا سحرٍ، ولا كرامةٍ = لقال: هذا كذب! ولو لم يكن قد سَمِع بالمعجزات والكرامات والسِّحر ما احْتَجْتَ أن تقول له: بدون كذا ولا كذا. إذا علمتَ هذا؛ فإنَّا نقول: كان الصَّحابة ومَن بعدهم مِمَّن لم يتحكَّك بالبدع يعلمون حقَّ العِلم أنَّه لا سبيل للعقل إلى تصوُّر يد الله ، ولا

стр. 40

سبيل للعقل أن يُدرك أنَّه سبحانه ليس له يدٌ تليق به، فلمَّا أخبرهم الله ورسوله بأنَّ لله يدًا آمنوا وصدَّقوا. فليس في تلك النُّصوص بحمد الله لا كذبٌ ولا إضلال، وليس في عقيدة السَّلف جهلٌ ولا ضلالٌ؛ فإنَّ الجهل بما ليس في قدرة الإنسان العِلم به لا يُعدُّ نقصًا، وإنَّما الجاهل من يجهل ذلك ويجهل أنَّه جاهل، ويخبُّ ويضَعُ فيما ليس فيه مَطْمعٌ، ويؤول به الأمر إلى ما سمعت وتسمع. واعْلَم أنَّ سبب ضلال القوم أمور: الأول: قِلَّة حظِّهم من معرفة الكتاب والسنة. الثاني: تقديسهم للفلاسفة فوق تقديس الأنبياء بدرجات. الثالث: ما في فطرة الإنسان من دعوى أنَّ عقلَه يستطيع إدراك كلِّ شيءٍ، فَطَرَه الله على ذلك لئلَّا يكسل ويَتَوَانَى عن المعارف والعلوم، كما فَطَرَه على طُول الأمل ليبقى في عمارة الدُّنيا، وعدّل ذلك بالعقل ليَكْبَحَهُ عن تجاوز الحدِّ في ذينك الأمرين، وهؤلاء القوم نشأوا على التطلُّع والتعمُّق، فاعتَضَدَت الفِطْرة بالعادة، فأغفلهم ذلك عمَّا يُقرِّرونه من أنَّ الإدراك لا يكون إلَّا بإحساس أو قياس كما سلف، فكلَّفوا عقولهم أن تُدرك ما ليس من شأنها إدراكه، فصارت تتَّقيهم بالتَّخْييلات، وقد أُثِرَ عن الشافعي رحمه الله تعالى أنّه قال: "إنّ للعقل حدًّا ينتهي إليه" (١).

стр. 41

أقول: وقد جرَّبنا أنَّ مَن كلَّف بصره إدراك ما لا يستطيع إدراكه يُخيَّل إليه أنَّه يُدْرِك ذلك، فكم مرَّة تَرَاءَى النَّاس الهلال فتَرَاءَيتُه معهم، فإذا حدَّقتُ وأمعنتُ في النَّظر يُخيَّل إليَّ أنِّي قد رأيته، ولكنَّها خَطْفةٌ لا تثبت، ثم أيأس من ذلك الموضع، فأنظر إلى موضعٍ آخر، فيخيَّل إليَّ مثل ذلك؛ فعلمتُ أنَّ تلك الخَطْفة هي صورة خيالية لما أتخيَّله؛ تبرز إلى العيان لقوة التَّخيل وكدِّ البصر. فكثيرًا ما يعرض للعقل مثل هذا إذا كُلِّف إدراك ما لا يُدْرك، والفرق أنَّ خطأ البَصَر يتنبَّه له العقل، ولا يكاد ينتبه لخطأ نفسه. لو بغير الماء حلقي شَرِقٌ ... كنتُ كالغصَّان بالماء اعتصاري (١) (٢) وكثيرًا ما يُدرك العقل خطأ ما تصوَّره ولكنَّه لا ييأس، فلا يزال في أخذٍ وردٍّ إلى أن يكِلَّ ويَمَلَّ؛ ولا يَسْمحُ بذهاب تعبه سُدىً فيقنع بالشُّبهة التي وقف عندها، ومثله مثل المسافر يأبى أن ينزل ليستريح إلَّا في موضعٍ حسنٍ جميلٍ، وليس أمامه موضعٌ كذلك، فلا يزال كُلَّما أتى على موضعٍ لم يره على الشَّرط حتى يعقله التعب والإعياء؛ فينزل ويسلِّي نفسه ويُغالطها، يزعم أنَّ ذلك الموضع حسنٌ وجميلٌ. وأنت إذا كنت قد وقفتَ على بعض الكتب المطوَّلة في الفلسفة وتدبَّرتها تحقَّقتَ هذا المعنى، ولا تكاد تجد شبهةً عقليةً قد قرَّرها أحدُهم

стр. 42

على أنَّها برهانٌ قاطعٌ إلَّا وجدتَ غيره قد نقضها، ثم يجيء ثالثٌ فيدفع هذا النقض، فيجيء رابع فيردُّ الدَّفع، وهكذا. حُجَجٌ تهافت كالزُّجاج ... فكُلٌّ كاسرٌ مكسور (١) ثم اعْلم أنَّ أعظم ما يستندون إليه هو الاستقراء؛ فيستقرئون ما يدخل تحت حواسهم حتى تنتظم لهم مقدِّمةٌ كليَّةٌ بالنِّسبة إلى ما استقرؤوه، ثم يزعمون أنَّه لا يخرج موجودٌ عن تلك الكُليَّة، وذلك أمرٌ بديهي البُطلان؛ فإنَّهم يقولون: الحيوان كلُّه يُحرِّك فكَّه الأسفل إلَّا التِّمساح (٢)، فلو فَرَضْنا أنَّهم لم يَرَوا التِّمساح ولا سمعوا به، كأن كان في أمريكا قبل اكتشافها= فهذا الاستقراء يكون في زعمهم برهانًا قاطعًا على أنَّه لا يوجد حيوانٌ يحرِّك فكَّه الأعلى! وهم يبالغون بزعمهم في نفي مشابهة الربِّ لشيءٍ من خلقه، ثم يحكمون عليه بما استقرؤوه من خلقه. ومن أعظم بلايا العقل دعواه أنَّه لا يَتَعالى عن إدراكه شيء، كثيرًا ما ينظر فإذا لم يُدْرِك جَحَد، ولا سيَّما عقول هؤلاء القوم الذين تسرَّب إليهم

стр. 43

تقديس الفلاسفة، والرَّيب في النُّبوة، على تفاوتهم فيه، ومثل ذلك مثل نفرٍ من النَّاس فيهم رجلٌ يرى أنَّه أحدُّهم نَظَرًا، فيرى آخر منهم الهلال فيخبر أصحابه، فَيَتَراءَاه ذلك الرجل فلا يراه، فيبادر بتكذيب القائل: إنِّي أراه، قائلًا: لو كان الهلال طالعًا لرأيتُه؛ لأنَّني أحدُّ الجماعة نَظَرًا! وهذا من أعظم غلط العقل، فتراه ينفي وجود بعض الأشياء، وينكر بعض الأحكام، ويردُّ كثيرًا من الأخبار؛ لأنّه لم يدركها، أو لم يدرك وجه صِحَّتها، أو مطابقتها للحِكْمة. ولولا هذا الخطأ ومثلُه لم يكد يغلط عاقل ولا يضل، ولا استحلَّ مسلمٌ أن يذمَّ المعقولات، ويحذّر من شدة الاعتماد عليها، فإنَّ الدِّين لا يقوم إلَّا على العقل كما قدّمنا. وممَّا يُتَّقى به خطأ العقل ــ إذا زعم أنَّ إدراكه قاطعٌ ــ أن يفرض صاحبه أنَّه اجتمع بِمَن هو أكمل منه وأعقل، فأخبره برأيه في تلك القضية، فقال له الأكمل: أخطأت؛ فإن أحسَّ في نفسه أثرًا لقول الأكمل: "أخطأت" فليعلم أنَّ إدراكه ذلك ليس بقاطع. وقد بحث معي مسلمٌ في مسألة معروفة، فزعم أنَّ العقل القاطع يدلُّ على نفيها، فقلت له: لو فرضنا أنّ النبي ﵌ لا يزال حيًّا، وأنّنا سألناه عن هذه المسألة فقال: هي حقٌّ ثابتٌ، فهل تصدِّقه؟ فقال: وكيف لا أصدِّقه؟ فقلتُ له: فأين العقل القاطع هذا؟ أو نحوه. فإن قلتَ: إنَّهم يجيبون عن مثل هذا: بأنَّه يستحيل أن يقوله النَّبي ﵌. قلتُ: فإنَّهم يردُّون النصوص الصَّريحة من القرآن بنحو ذلك. فإن قلتَ: ولكنّهم يتأوَّلونها.

стр. 44

قلتُ: قد تقدَّم أنَّ حملها على التأويل معناه نسبة الكذب إلى الله ورسوله. وبعد فالمكابرة لا دواء لها، والمقصود إرشاد مَن في قلبه خير إلى أن يفرض ما تقدَّم، ثم ينظر فلعلَّه يتبيَّن له خطَاؤُه في توهُّم القطع. فإن قال قائلٌ: إنّما استقامت لك الحُجَّة لأنَّك مثَّلتَ بالحياة واليد، ومن الصفات ما لا يظهر استقامة تلك الحُجَّة فيه، ومن ذلك كون الله على عرشه فوق السماوات، وكونه ينزل كُلَّ ليلةٍ إلى سماء الدُّنيا، ويجيء يوم القيامة، وغير ذلك. أقولُ: الحُجَّة مثبتةٌ في هذه كلِّها؛ لأنَّ الفلاسفة ومقلِّديهم أثاروا شبهًا ليست ممَّا فُطِرَت عليه العقول، ولا كان يعرفها العرب الذين تلقوا الشريعة غَضَّةً، وقد كنت أحببت أن أوضح ذلك مفصَّلًا، ثم أضْرَبْتُ عن ذلك لمعنىً سأذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. فلْأَكتف بجوابٍ إجمالي: قد عَلِمتَ أنَّ الإخبار بكلامٍ له معنى ظاهر، وليس عند المخاطَب قرينةٌ تُوْجِب صَرْفَه عن ظاهره يكون كذبًا، ولا يغني تورية المتكلِّم في نفسه، أو ملاحظته قرينةً يعلم أنَّ المُكلَّم (١) لا يشعر بها، كأن يَقْدَم رجلٌ من اليمن إلى الحجاز، فيسأله رجلٌ عن أبيه، فيقول: إنَّه قد مات، ويريد في نفسه أنّه نامَ، ويزعم أنَّ وجود الأب في اليمن حيًّا يرزق قرينة! وعلمتَ أنَّ الكذب مُحالٌ أن يقع من الله ورسله، والله إنّما أنزل الكتب وأرسل الرسُّل لهداية الناس إلى السِّراط المستقيم، لا لإضلالهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى

стр. 45

فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر: ٤١]. فإذا أحَطْتَ بهذا فكلُّ نصٍّ في كتاب الله أو في السُنّة المقطوع بها يخبر بصفة من صفات الله ، وله معنى ظاهر يُعْلَم أنَّ العرب الذين دعاهم النبي ﵌ لا يفهمون غيره، فلا مفرَّ للمسلم من الإيمان به. ثم اعْلم أنَّ من الصِّفات ما لا شُبْهَة لِمَن أنكره أصلًا، كما قدّمنا في الحياة واليد مفصَّلًا. ومنها ما لم تكن فيه شُبْهة، ولكن نشأت الشُبْهة فيه لمن اطَّلع على كلام الفلاسفة، وهذا لا بدَّ للمسلم من الإيمان به وتكذيب الفلاسفة. علمًا بأنَّ العقل الإنساني قاصرٌ، وأنَّ إدراكه يتفاوت، وأنَّه كثيرًا ما يتوهَّم أنّه قد أدرك إدراكًا قطعيًّا وهو مخطئ. ومن تأمّل اختلاف الفلاسفة والمتكلِّمين من كُل أُمَّةٍ، وتخطئة آخرهم لأولهم، مع زعم كلٍّ منهم أنّ عقله أدرك ما قاله إدراكًا قاطعًا= تبيَّن له هذا، ولو اطَّلعت على آراء فلاسفة العصر لرأيت من ذلك كثيرًا جدًّا. ومنها ما تعرض الشُبهة فيه لكلِّ أحدٍ، وهذا لا بدَّ للمسلم من الإيمان به، وصَرْفِ نفسه عن استرسالها في الفِكْر. ففي "الصَّحيحين" (١) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "يأتي الشيطان أحدَكم، فيقول: مَن خلق كذا؟ مَن خلق كذا؟ حتى يقول: مَنْ خَلَق ربك؟ فإذا بلغه فليستعذ بالله وَلْيَنْتَهِ".

стр. 46

وفيهما (١) من حديثه أيضًا قال: قال رسول الله ﵌: "لا يزال الناس يتساءلون حتى يُقال هذا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ فمَن خَلَقَ اللَّهَ؟ فمَن وَجَدَ من ذلك شيئًا؛ فليقل: آمنت بالله ورُسُلِه". وفي روايةٍ لأبي داود (٢): "لا يزال الناس يتساءلون، حتى يُقَال هذا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ فمَن خَلَق اللَّهَ؟ فإذا قالوا ذلك، فقولوا: الله أحدٌ، الله الصَّمدُ، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ثم ليَتْفُلْ عن يساره، ولْيَستعذ بالله من الشيطان الرجيم". وذلك أنَّ الفكر إذا أراد أن يتصوَّر أن الله لم يزل ولا نهاية لأوَّليَّته تاه وتحيَّر. فصلٌ قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. اختلف النّاسُ في هذه الآية حتى كادت تصير هي نفسها من المتشابه، وقد يُسِّرَ لي في فهم معناها سبيلٌ واضحٌ إن شاء الله تعالى.

стр. 47

فأقول: قد ثبت أنَّ القرآن كلَّه محكمٌ، لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وأنَّه كلَّه متشابهٌ؛ لقوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ... ﴾ [الزمر: ٢٣]. وثبت بالآية المصدَّر بها أنَّ منه ما هو محكمٌ غير متشابهٍ، ومنه ما هو متشابهٌ غير محكمٍ. واتُّفِقَ على أنَّ المراد بالإحكام في قوله تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ عدم الخَلَل في الحُسْن والصِّدق ومطابقة الحِكْمة، وبالتَّشابه في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ أنَّ بعضه يشبهُ بعضًا في الحُسْن والصِّدق ومطابقة الحِكْمة، فلا منافاة بين هذا الإحكام وهذا التَّشابه. وأمَّا الإحكام والتَّشابه في الآية المصدَّر بها فهي صريحةٌ في تنافيهما، وبذلك يُعْلَم أنَّ لكلٍّ منهما معنًى غير المعنى المتقدِّم، فبَحَثْنَا عن ذلك فوَجَدْنَا المُحْكَم مُحْكَمًا لا يحتمل إلَّا ذلك المعنى الواحد، وأنَّه لا خَلَل فيه، والقرآن كلُّه مُحْكَمٌ لا خلل فيه ألبتَّة. ولكن يمكن أن يقال: الخَلَل المنتفي عن القرآن ألبتَّة هو الخَلَل الحقيقي. فأمَّا ما يُتَوَهَّم خَلَلًا وليس في الحقيقة بخَلَلٍ فهو موجود في القرآن. فيجوز أن يُقَال: أُحْكِمَت آياته في الحقيقة، ومنه آياتٌ محكماتٌ ليس فيها خَلَلٌ ولا ما يُتَوَهَّم خَلَلًا، وأُخرُ فيها ما يُتَوَهَّم خَلَلًا؛ فهي المتشابهات. وقبل أنْ نَبُتَّ الحُكْمَ في هذا ننظر في معنى ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فنجد المعنى

стр. 48

المتبادر: أنَّ كلَّ آيةٍ منها تشبه الأخرى، وهذا عامٌّ في آيات القرآن كُلِّها، كما قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾. فإنْ قيل: إنَّ هناك وجهًا تتشابه فيه الآيات التي يكون فيها ما يُتَوَهَّم خَلَلًا مختصَّة به، وهو تَوَهُّم الخَلَل في كُلِّ آيةٍ منها. قلتُ: ولكنَّ هذا لا يكفي لتخصيصها بلفظ: ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾؛ فإنَّ المحكمات أيضًا فيها وجهٌ تتشابه فيه، وهو خاصٌّ بها، وهو أنَّه ليس في كُلٍّ منها خَلَلٌ، ولا ما يُتَوَهَّم خَلَلًا. ويمكن أنْ يُقَال: كلُّ آيةٍ من المتشابهات متشابهةٌ في نفسها، على أن يكون المعنى: متشابهات معانيها، أي: يتشابه فيها معنيان، أو معاني، كما يُقَال: اشتبه عليَّ الأمر، أي: اشتبه صوابُه بخطائه، ويُقَال: اشتبه عليَّ الأمران، أي: لم تُميِّز بينهما. فإنْ قلتَ: ولكنَّه لا يُقَال: تشابه عليَّ الأمر! قلتُ: لا أستحضر شاهدًا لذلك، ولكن "اشتبه" و"تشابه" بمعنًى، قال تعالى: ﴿مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ [الأنعام: ٩٩]. وقد قال المولَّد (١): رَقَّ الزُّجَاجُ ورَاقَت الخَمْرُ ... فَتَشَابَهَا وتَشَاكَلَ الأَمْرُ (٢) الشاهد في قوله: "وتشاكل الأمر". فلنترك هذا ههنا، ولننظر في بقية الآية، لعلَّنا نجد فيها ما يبيِّن المقصود،

стр. 49

قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. دلَّت الآية أنَ المتشابه من شأنه أن يتَّبعه الزَّائغون؛ ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله. ومن المعقول أنَّ الآية التي تتشابه معانيها يتَّبعها الزَّائغ ابتغاء الفتنة؛ ليحملها على المعنى الذي يوافق هواه، ولكنّ قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ يدلُّ أنَّ ابتغاء تأويل المتشابه زيغٌ. فإن قيل: إنَّما يكون زيغًا في حقِّ الزَّائغين؛ لأنَّهم يبتغون الفتنة. قلتُ: لا أرى هذا شيئًا؛ إذ لو كان كذلك لكان المدار على ابتغاء الفتنة، ولَمَا ظهر معنًى لزيادة ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، بل ولا تخصيص المتشابه؛ لأنَّ مبتغي الفتنة يبتغيها في كل آية من القرآن، وإن كان ابتغاؤه إيَّاها فيما تشابهت معانيه أكثر. فإن قيل: فإنَّما يكون ابتغاء تأويله زيغًا في حقِّ هؤلاء؛ لأنَّهم غير راسخين في العلم. قلتُ: لا أراه كذلك؛ لأنَّ مَن ليس براسخٍ في العلم قد يخطئُ في فهم المحكم أيضًا. وأوضح من هذا كلِّه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، فقصر علم تأويل المتشابه على الله . فإن قلتَ: فقد قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟

стр. 50

قلتُ: ليس هذا عطفًا ألبتَّة، وإنَّما هو معادل قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، فكأنه قال: (وأما الراسخون في العلم ... ). فالآية كقولك: أمّا زيدٌ ففي المسجد وعمرو ذهب إلى السوق، اختار هذا المعنى ابن هشام في "المغني" (١)، وهو المختار؛ لأنَّ "أمَّا" للتَّفصيل، وذِكْرُ القسمين أو الأقسام بعدها هو الأصل، والحذف خلاف الأصل. فلمّا كان قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ يحتمل أنَّه القسم الثاني، ويحتمل خلافه، فحمله على أنَّه القسم الثاني هو الظَّاهر حتمًا. ويؤيِّد ذلك أنَّ القائلين بالعطف قالوا: إنَّ قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هم يقولون، ولا يخفى أنَّ الأمر إذا دار بين الإضمار وعدمه فالأصل عدمُهُ. ومنهم مَن جَوَّز أن يكون حالًا، وهو باطل؛ لأنَّ الحال قيدٌ في عاملها، فيصير المعنى: "وما يعلم تأويله في حال قول الراسخين كذا وكذا إلَّا الله والراسخون"، فيُفْهَم منه أنَّ غير الله والراسخين قد يعلم تأويله في غير تلك الحال! ولا وجه لهذا. وإن قُدِّرَ أنَّه حالٌ من ضميرٍ محذوفٍ، والتَّقدير: "هم يعلمونه حال كونهم يقولون" [فـ]ـتعسُّفٌ بتكثير الإضمار، ولزوم أنَّ الله والرَّاسخين لا يعلمون تأويله إلَّا في تلك الحال! وهذا محالٌ. فإن حُمِلَ قولنا: "هم يعلمونه" على الرّاسخين وحدهم، فكذلك يلزم منه أنَّهم لا يعلمونه إلَّا في تلك الحال!

стр. 51

وهناك مصارعات ومقارعات، انظرها في: "روح المعاني" (١) إنْ أحببت. وأوضح من هذا كلِّه: أنّه صحَّ ــ كما في "المستدرك" وغيره (٢) ــ عن ابن عباس ــ وهو المَدْعوُّ له بتعلُّم التأويل (٣) ــ كان يقرأ: (وما يعلم تأويله إلَّا الله ويقول الراسخون .. ). وحُكيَ مثله عن أُبيِّ بن كعب (٤). وقد صحَّ عن النبي ﵌ قوله: "أقرؤكم أُبيّ" (٥). وجاء عن ابن مسعود ــ وهو هو ــ أنه كان يقرأ: (وإن

стр. 52

تأويله إلَّا عند الله والراسخون في العلم) (١). فلو كان المعنى على العطف لقال: "والراسخين"، كما لا يخفى. وقد رُوِيَت عن النَّبي ﵌ وأصحابه آثارٌ كثيرة تصرِّح بأنَّ المتشابه لا يعلمه إلَّا الله تعالى وحده. انظرها في "الدُّر المنثور" (٢). وسياق الآيات يدلُّ على ذلك؛ فإنّ قول الراسخين: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ظاهرٌ في عدم علمهم بتأويله، وإنَّما علموا أنَّه حقٌّ لأنَّه من عند ربهم، فكأنَّهم قالوا: أمَّا ما عَلِمْنَا تأويله فقد عَلِمْنَا أنَّه حقٌّ بعِلْمِنَا بتأويله، وأمَّا المتشابه فإنَّنا نؤمن به؛ لأنَّه أيضًا من عند ربِّنا، فهو حقٌّ وإن لم نعلم تأويله.

стр. 53

وقولهم بعد ذلك: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] ظاهرٌ في أنَّ المُتَشابه مَظِنَّة لأنْ يكون سبب الزَّيغ. ولو كانوا قد علموا تأويلَه لكان بالنَّظر إليهم كالمُحْكم. وتعليل اتِّباع الزَّائغين للمتشابه بقوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ظاهرٌ في أنّ ابتغاء تأويله زيغٌ؛ إذ لو كان الزَّيغ إنَّما هو في اتِّباعه ابتغاء الفتنة لَمَا كان لقوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ معنى! فإن قيل: سَلَّمنا أنَّ ابتغاء تأويله زَيغٌ، ولكن لغير الراسخين. قلتُ: الرُّسوخ في العِلْم أمرٌ خفيٌّ، ليس هو كثرة العِلْم، فكم مِن رجلٍ كثير العِلْم ليس براسخٍ، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ [الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]، وقال : ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣]. وفي الحديث: "إنَّ أخوف ما أخاف على أمّتي كلُّ منافقٍ عليم اللِّسان" (١).

стр. 54

وقال الحسن البصري: "العِلْم عِلْمان: فعِلْمٌ في القلب، فذلك العِلم النَّافع، وعلمٌ على اللِّسان، فذلك حُجَّة الله على ابن آدم". "سنن الدارمي" (ج ١ ص ١٠٢) (١). والأحاديث والآثار في هذا كثيرة. وقد كان عبد الملك بن مروان وأبو جعفر المنصور العباسي من كبار العلماء، وهما طاغيتان. وكذلك الواقدي، والشَّاذكوني، ومحمد بن حميد الرازي، وهؤلاء رماهم أئمَّة الحديث بأنَّهم كانوا يكذبون على رسول الله ﵌، وأمثالهم كثير. ومن العلماء مَن هو دون هؤلاء في العلم ولكنَّه معدودٌ من الراسخين.

стр. 55

فالرسوخ إذن حالٌ قلبية؛ كما قال النبي ﵌ في الغِنَى: "ليس الغِنَى عن كثرة العَرَض، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النَّفس" (١)؛ فكذلك نقول: ليس الرُّسوخ عن كثرة العِلْم، ولكنَّ الرُّسوخَ رسوخُ الإيمان في القلب، ويوشك أن يكون هو اللُّب في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]. وإنَّه ليشمُّ روائح الرسوخ من قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٧ ــ ٩]. فالرّاسخ دائم الخوف والخشية من ربه ، مسيءٌ للظَّنِّ بنفسه، فكم من راسخٍ لا يرى أنَّه من أرسخ الرَّاسخين؟ فالخائف الخاشي المسيءُ الظَّنَّ بنفسه جديرٌ بأن لا يستخفَّه ما عنده من العِلْم على الخوض فيما ليس له به علم، وعلى البحث فيما لم يُكلَّف البحث فيه، وهو من موارد الخَطَر، ومزالق النَّظَر. هذا لو كان يمكن العِلْم به؛ فكيف إذا كان ممَّا لا سبيل إلى العِلْم به؟! وإنَّما الزَّائغ الجريء على ربه، المُتَّكِل على عقله، الفَرِح بما عنده من العِلْم هو الجدير بأن يَتَعَاطى الخوض في كُلِّ شيءٍ، ويحمِلُه ثقتُهُ بنفسه، وأَمْنُهُ مكرَ ربِّه، ودعواه أنَّه لا يَتَعَالى عن فهمه شيءٌ، وحرصه على أن يطير ذكرُهُ في النَّاس، وكبره عن أن يعترف بالجهل= تحمِلُهُ هذه الأشياء على الجهل بحقيقة حاله، وبأنّ العقل له حدٌّ ينتهي إليه، كما أنَّ للبَصَر حدًّا ينتهي إليه،

стр. 56

ورُبَّما حَمَلَتْه على الخوض والكلام، والنَّقض والإبرام فيما يعلم أنَّه لا سبيل له إليه، وكم من راسخ يرميه النّاس بالكفر والضَّلال، وكم من زائغٍ يتَّخذونه إمامًا في الدِّين! فالحقُّ أنَّ هذه الآيات أفادت علامة الزَّائغ، وآية الرَّاسخ. فعلامة الزَّائغ اتِّباع المتشابه ابتغاء الفِتْنة وابتغاء تأويله، وإذا خَفِيَ علينا ابتغاء الفتنة لم يَخْفَ ابتغاء التأويل. وآية الرَّاسخ الكفُّ عن ذلك، والاكتفاء بقوله: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ... ﴾. وفي "الصَّحيحين" وغيرهما (١) من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ أنَّ النبي ﵌ تلا هذه الآيات، ثم قال: "إذا رأيتم الذين يتَّبِعُون ما تَشَابَه منه فأولئك الذين سمَّاهم الله فاحذروهم". فأطْلَق الحديث ولم يقيِّد؛ لكنَّه قد عُلِم إخراجُ الاتِّباع على معنى التِّلاوة والإيمان، وبقي الاتِّباع ابتغاءَ التَّأويل، ولم يُقيِّده بابتغاء الفِتْنة ولا غيرها، فعُلِم صِحَّة ما قلناه، وهو: أنَّ ابتغاء التأويل زيغٌ، كما أنَّ ابتغاء الفِتْنة زيغٌ، ولم يقيِّده ﵌ بعدم الرسوخ، فعُلِم أنَّ كلَّ من ابتغى تأويله فهو زائغٌ وليس براسخٍ، وأكَّد هذا ما يُفْهَم من الحديث: أنَّ النَّبي ﵌ كان واثقًا بأصحابه الذين خاطبهم أنَّهم لا يتبِّعون المتشابه، وإنَّما حذَّرهم ممَّن نَشَأَ بعدهم، وهم ﵃ أولى بالرسوخ من غيرهم؛ فعُلِمَ أنَّ الرَّاسخ لا يتَّبع المتشابه أصلًا إلَّا على معنى تلاوته والإيمان به.

стр. 57

فإن قلتَ: المتشابه في اختيارك هو ما اشتبه معناه، بأن يتساوى المعنيان أو الثلاثة في الاحتمال، فهل يدخل فيه ما اشتبه مَعْنَيَاه أو معانيه، ولكنَّه يمكن ترجيح أحدها بدليلٍ آخر؟ قلتُ: كلَّا، ليس هذا بمتشابه، بل هذا ممَّا يعلم تأويله الرَّاسخُ وغيرُه، وممَّا أُمِرْنا بالتَّدبُّر فيه والنَّظَر في تأويله. فإن قلتَ: فالمتشابه عندك ما اشتبه معناه، بحيث لا يوجد دليل يُبيِّنه؟ قلتُ: نعم. فإن قلتَ: وما فائدةُ إنزال مثل هذا في القرآن، والقرآن إنَّما نَزَلَ هُدًى للعالمين، وأُمِرْنا بتدبره مطلقًا؟ قلتُ: ينبغي أولًّا أن تُعيِّن المتشابه، ثم أجيب عن هذا السُّؤال إن شاء الله تعالى. فأقول: مشتبه المعنى على أنواعٍ، كما فصَّلَه الرَّاغب في "المفردات" (١): الأول: المُتَشابه من جهة اللَّفظ، وذكر له خمسة أضرب: ١ ــ الكلمة الغريبة، كالأَبِّ. ٢ ــ المشتركة، كالقُرْءِ. ٣ ــ ما اختُصر فيه الكلام، نحو: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].

стр. 58

٤ ــ ما بسط فيه، نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. ٥ ــ ما يشتبه في نظم الكلام، مثل: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢]، فيتوهَّمُ السَّامع أنَّ ﴿قَيِّمًا﴾ نعتٌ لـ ﴿عِوَجًا﴾، وإنَّما هو حال من ﴿الْكِتَابَ﴾. ومنه قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، إلّا أنَّ المتبادر في هذه الآية هو الصَّواب كما قدّمنا، بخلاف قوله: ﴿عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾. الثاني: المتشابه من جهة اللَّفظ والمعنى جميعًا، وذكر له خمسة أضرب أيضًا: ١ ــ من جهة الكميَّة، كالعموم والخصوص، نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. ٢ ــ من جهة الكيفية، كالوجوب والتَّحريم في قوله ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. ٣ ــ من جهة الزمان، كالنَّاسخ والمنسوخ. ٤ ــ من جهة المكان والأمور التي نَزَلَت فيها الآيات، نحو: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]، وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]. قال: "فإنَّ من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذَّرُ عليه معرفة تفسير هذه الآية".

стр. 59

٥ ــ من جهة الشُروط التي يصحُّ بها الفِعْل أو يفسد، كشُرُوط الصَّلاة والنِّكاح. الثالث: ما ذكره بقوله: "والمتشابه من جهة المعنى: أوصاف الله تعالى، وأوصاف يوم القيامة، فإنَّ تلك الصِّفات لا تُتَصَوَّر لنا، إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورةُ ما لم نُحسّه أو لم يكن من جنس ما نُحسُّه". أقول: وأنت إذا كنت قد تَدَبّرت ما تقدَّم ــ تعلم أنَّ النَّوعين الأوَّلين لا يصحُّ تفسير المتشابه في الآية بهما، فإنَّ الأَبَّ والقُرْء وسائر ما ذُكِر في النَّوعين الأوَّلين ليست ممَّا يُتَّبَع ابتغاءَ الفِتنة، ولا ممَّا يتَّبعه الزَّائغون ابتغاءَ تأويله، ولا غير ذلك ممَّا تقدَّم، بل في ذلك ما يخفى على الرَّاسخ، ولا يخفى على الزَّائغ، وفيه ما يُخطئ فيه الرَّاسخ ويصيب فيه الزَّائغ، ولم يزل العامَّة يسألون عمَّا يُشْبِهُ ذلك، ولم يتَّهِمهُم أحدٌ بالزَّيغ. والحاصل: أنّ ذلك لا يَصدُق على المُتَشَابه الذي وَرَدَت به الآية والأحاديث والآثار، بل ولا يَصدق عليه أنَّ معانيه مُشْتَبِهَةٌ؛ لأنَّ الاشتباه فيه يزول بالتَّدبُّر، فالأَبُّ مثلًا يُعْرَف معناه بسؤال أهل اللُّغة، والنَّظَر في القرائن، وهكذا. وليس في القرآن شيءٌ من ذلك يتوقَّف العلماء عن اتّباعه والنَّظر في تأويله، مع أنَّ الجمهور يقولون في الآية بما قلناه، وهو أنّ المتشابه لا يعلم تأويله إلَّا الله، وقد تقدَّم حديث "الصَّحيحين" (١)، ونحن نعلَم أنَّ الصحابة عملوا بمقتضاه، ونعلم أنَّهم تكلَّموا في النَّوعين الأوَّلين، واختلفوا في

стр. 60

بعضها كثيرًا، ثمَّ رَأَوا مَن بَعْدَهم يتَّبِعُون ذلك ويبتغون تأويله فلم ينكروا عليهم ذلك. فما بقي إلَّا النَّوع الثالث، فهو الذي لم يكن يُؤَوِّلُه النَّبيُّ ﵌ لأصحابه، ولا كانوا يبتغون تأويله، ولا يختلفون فيه، ولمَّا رَأَوا من يتَّبعه مِنْ بَعدِهم ويتكلَّم في تأويله حَذَّرُوهم، وحذَّروا الناس منهم. فإن قلتَ: فإنَّكم تتكلَّمون في معنى ذلك، فتقولون: لله حياةٌ تليق به، ويدٌ تليق به، وتقولون: إنَّ لوجوده وحياته وقدرته وعلمه وحكمته مناسبةً ما لهذه الصِّفات في المخلوق، ولذلك أمكننا تصوُّرها إجمالًا. قلتُ: الآن حَصْحَصَ الحقُّ، ارجع إلى معنى كلمة "تأويل". فقد قدَّمنا أنَّ تأويل اللَّفظ قد يُطْلَق على المعنى، وقد يُطْلَق على نفس ذلك المعنى، وقد يُطْلَق على الحقيقة المعبَّر عنها باللَّفظ. وقلنا: إنَّ قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]، فإذا قال قائلٌ: "ويلٌ" وادٍ في جهنَّم، فقد أوَّله، ويُطْلَق على قوله إنَّه تأويلٌ، ويُطْلَق على نفس ذلك المعنى أنَّه تأويل. يقال: ما تأويل ﴿وَيْلٌ﴾؟ فيُقال: تأويلُه وادٍ في جهنم، ويطلق على تلك الحقيقة ــ وهي عين ذلك الوادي ــ أنَّها تأويل. ولم نجد في القرآن مثالًا للإطلاقين الأَوَّلَين، وفيه ثلاثة أمثلة جاءت على الإطلاق الثالث، كما ذكرنا هناك. إذن فالتَّأويل في آية المتشابه من الإطلاق الثالث، فقولنا في حياة الله : "صفةٌ ثابتة له سبحانه لها مناسبةٌ ما بحياة المخلوق"= قولنا ذلك

стр. 61

تأويلٌ لِلَّفظ على الإطلاق الأوَّل، وهذا المعنى تأويله بالإطلاق الثَّاني، وتلك الصِّفة نفسها هي تأويلُه بالإطلاق الثَّالث، والتَّأويل بالإطلاق الثالث هو الذي لا يعلمه إلَّا الله، وابتغاؤه زيغٌ، ولم يكن الصَّحابة والرَّاسخون في العِلْم يبتغونه، ولمَّا رَأَوا من يبتغيه حذَّرُوه، وحذَّرُوا منه. وقد عَرَفْتَ أقسام متَّبعيه ممَّا سبق. فمَن قال: يدٌ كيدي، فقد حكم على الحقيقة المعبَّر عنها باليد بأنَّها كَيَدِه، وتصوَّرَها هذا التَّصور المحدود. ومَن قال: إنَّما هي القُدرة أو النِّعمة، فقد حكم عليها هذا الحكم، وزعم أنّه قد أدرك حقيقتها. ومَن قال: لله يدٌ تليق به لا يمكنني تصورها، ولا العلم بكنهها، ولكن لمَّا أخبر الله عن نفسه أنَّ له يدًا آمنت بأنَّ له يدًا تليق به، فهذا هو القائل: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧]. وهذا أوان الجواب عن سؤالك بقولك: وما فائدة إنزال مثل هذا في القرآن والقرآن إنّما نزل هدى للعالمين وأمرنا بتدبّره مطلقًا؟ فأقول: أمّا الصفات التي نُدْرِكها إجمالًا لمناسبة ما بينها وبين صفاتنا، مع العلم بأنّها في حقّه كاملة كما يليق، وفي حقّنا ناقصةٌ كما يليق بنا، كالقدرة والعلم ونحوها = فلا إشكال في إنزالها في القرآن؛ إذ يُقال: المقصود منه الإيمان بها مع العلم الإجمالي، وهو كافٍ في ذلك. وقد عَلِمتَ أنّ من تلك الصفات ما يتوقّف ثبوت الشريعة على العلم بها، ويتبعها صفات أخرى مثلها في إمكان العلم بها إجمالًا، وفي العلم بها

стр. 62

تثبيتٌ للشريعة، وتأكيد للإيمان، ودونها صفات أخرى تُذْكَر في القرآن في صَدَد تقرير معنًى من المعاني لا يتوقَّف فَهمُه على العلم بكُنْهها، ولكن ذكرها معه يفيدُه قوةً لا تحصل بدونها، كقول الله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]. فأصل المقصود إظهار زيادة الاعتناء بآدم ﵇، وتشريفه على ما سواه، وهذا المعنى معروف من الكلام، لا يتوقّف على العلم بكُنهِ اليدين، ولا نقول كما يقول بعضهم: هذا الكلام تمثيلٌ لابد، فيه إظهار العناية والتّشريف وليس هناك يدان، وإنَّما هو تخييل كما قالوه في قول الشاعر (١): إذْ أَصْبَحَتْ بِيَدِ الشِّمَالِ زِمَامُهَا لا والله لا نقول ذلك، فإنَّه من الزَّيغ، بل نقول: إنَّ لله يَدَين خلق بهما آدم ﵇، ولكنّنا لا نعلم كُنْهَهُمَا، وجَهْلُنا بكُنهِهِما لا يمنع من فهم معنى الكلام، ولا يلزمُ منه أنَّ ذِكرهُمَا لا فائدة له، بل له أعظم الفائدة كما عَلِمْتَ. ومع هذا فلا نقول: إنَّ فائدة ذكر الصفة مقصورة على ما ذُكر، بل هناك فائدةٌ أخرى، وهي الابتلاء؛ ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾ [المدثر: ٣١]. وأمّا التدبُّر فقد أُمِرنا به مطلقًا، ولا يتوقَّف فائدة التدبُّر على العِلْم بكُنْهِ

стр. 63

اليَدَين مثلًا، إذ لا يتوقَّف العِلْم بمعنى الكلام على ذلك، أَلَا تَرَى أنّك إذا أخبرت الأَكْمَهَ بأنّك ترى ولدَه مُقبلًا يعلم معنى هذا الكلام تحقيقًا، وإن كان لا يدري كُنْهَ الإبصار. * * * *

стр. 64

الفصل الثاني: في تأويل الإخبار عن الوقائع أمّا الوقائع المتعلقة بالرّب من حيث تعلُّقها به من العقائد، وقد مرَّ الكلام عليها. وأمّا ما عدا ذلك، فإن كان يتعلّق بما لا نُحسُّ به، ولا هو من جنس ما نُحسُّ به فحكمه حكم العقائد، وذلك كالملائكة، والجنّ، والأرواح، وأحوال الجنة والنار، ونحو ذلك، إلَّا أنّ للملائكة مثلًا صفات يصدق عليهم بالنَّظر إليها أنَّهم من جِنْس ما نُحسُّ به؛ ككونهم موجودين (١) مخلوقين مربوبين، فمن هذه الجهة يكون حُكْمُهُم كحكم غيرهم ممّا نُحسُّ به، أو نُحسُّ بما هو من جنسه. والوقائع المتعلقة بما نُحسُّ به أو هو من جنس ما نُحسُّ به هي موضوع هذا الفصل. فنقول: يزعم كثيرٌ من النّاس أنّ في الكتاب والسنّة إخبارًا عن أشياء من هذا القبيل، والعقل أو الحِسُّ أو الخبر المتواتر يدلُّ على خلاف ظاهر ذلك الخبر، فغالبهم يذهبون إلى تأويل الأخبار بحَمْلِها على معانٍ خلاف ظاهرها، ولكنّها موافقةٌ للمعقول أو المحسوس أو المتواتر، وحُجَّة هؤلاء أنَّهم إذا تركوا تلك الأخبار على ظاهرها يلزم من ذلك في حق الله ورسوله ﵇ الكذب أو الجهل! وإذ كان من المعلوم امتناع ذلك يجعل الخصمُ هذا حُجَّة على بطلان دين الإسلام!

стр. 65

أقول: وهذا القول قد أَرْعَبَ غالب المسلمين، وزَلْزَلَ قلوبهم وحُلُومَهُم، فخضعوا لوجوب التأويل، ولكنّ هذا لم يغنهم شيئًا، فإنّ أهل الكفر والإلحاد قالوا: إنّ هذه التأويلات التي تبدونها خلاف ظاهر الكلام! فإن قلتم: إنَّ الدليل العقلي أو الحِسِّيَّ أو التَّواتري قرينةٌ تجعل [خلاف] (١) ظاهر الكلام هو المعنى الذي حملناه عليه. قيل لكم: هذا الدليل لم يكن معلومًا للمُخَاطَبين، بل لم يكن معلومًا لأحد من أهل الأرض حينئذٍ، ولا يكفي أن يُقال: كان الله يعلمه، أو كان رسوله يعلمه؛ فإنّ الاعتماد على قرينةٍ يعلمها المتكلِّم، ويعلم أنّ المخَاطَبين لا يعلمونها لا يجوز، ولا يخرج الكلام بذلك عن الكذب؛ فظهر أنّ ما تُبْدُونه من التأويل لا ينفي لزوم الكذب أو الجهل في قرآنكم ونبيّكم. لعلَّ أكثر النَّاس ينكر عليَّ تقرير هذا المعنى؛ فأقول له: اعلم أنّ الكفّار والمُلْحدين يقرِّرون ذلك، ويَسْطُون به على علماء المسلمين فضلًا عن غيرهم، ولاسيَّما الشباب الذين سيقوا إلى أن يكونوا في مدارس معلِّمُوها من هؤلاء الملحدين أو الكفّار. والدِّين الحقّ لا يضرُّه تقرير الشُّبه، وإنّما يحظر على العالِم أن يثير شُبْهةً لا يزال أهل الكفر والضلال غافلين عنها، فأمّا مثل هذه الشُبْهَة ممّا قد أثاروه وأضلُّوا به فلا بدّ للعالِم مِن ذِكره وإقامة البُرهان بما يزيله.

стр. 66

حَلُّ الشُّبهَة اعْلم أنّ عامّة شبهات الكفّار والملحدين في هذا العصر تدور على هذه الشُّبْهة، فيجب الاعتناء بحلِّها وإيضاح الحق، وأسأل الله التوفيق والهداية. لعلّه يطّلع على هذا مُلْحدٌ فيقول: إنّ هذا الكاتب وأمثاله مقلِّدون متعصِّبون، ليس لهم من حريّة الفِكْر نصيب، يَرِدُ عليهم البُرهان الذي يَدْمَغ دِيْنهم فيفرُّون إلى المعاذير، وكان عليهم أن يتدبَّروا ذلك البرهان ويعترفوا بمقتضاه، هذا مقتضى الحرية والشجاعة الأدبية، وطلب الحقّ من حيث هو حقٌّ، فهم يزعمون أنَّهم يتَّبعون الحقَّ، ويَدْعُون إلى الحقّ، وهم أبعد الناس منه. فأقول له: أنت تعلم أنّ لثبوت الحقائق طُرُقًا مختلفة، فمعرفة أنّ فلانًا حاضرٌ ــ مثلًا ــ قد تحصل بواسطة الإبصار، وبواسطة سَمْعِ كلامه، وبواسطة إخبارٍ متواتر وغير ذلك، والإدراك بواسطة البصر لا يحصل للأعمى، وبواسطة سماع كلامه لا يحصل للأصمّ، وقِسْ على ذلك. وقد يحصل الإدراك اليقينيُّ لحقيقةٍ بطريقٍ صحيحٍ، وإذا نُظِر من طريق أخرى وَجَدْتَ شُبهات تنفي تلك الحقيقة، فأمّا مَن حصل له الإدراك بذاك الطريق الصحيح فإنَّه إذا عُرِضَت عليه تلك الشُبهات لا يلتفت إليها، ولا يبالي بها، إلَّا أنّه إذا عجز عن إطْلاع المعترض على ذاك الطريق الصحيح فقد يحاول حلَّ تلك الشُبهات، وربَّما يعجز عن حلِّها، وهو مع ذلك غير مُتَزَلْزِلٍ فيما قد تيقَّنه، بل هو مؤمن أنّ لتلك الشبهات حلًّا لم يتيسَّر له، ومَن شكَّكَتْه الشُبهات فيما قد عَلِمَه يقينًا يُعدُّ عند العقلاء أحمق!

стр. 67

فمن ذلك قول علماء الطبيعة: إنّ تقرير كيفيّة الإبصار يقتضي أن ترى الصُّوَر معكوسة، وهو خلاف المُشاهَد، فيا تُرى من يشاهد الصُّوَر ــ ويعلم أنّه يشاهدها مستقيمةً ــ إذا عُرِضَت عليه تلك الشبهة هل يَتَزَلْزَل عمّا يشاهده من أنّه يرى الصور مستقيمة؟! وفي الفلسفة الحِسِّية العصرية أمثلة كثيرة من هذا. فهكذا نحن، قد قام عندنا من البراهين ما تَيَقَنَّا به أنّ القرآن كلام الله، وأنّ محمدًا ﵌ رسول الله، فهذا اليقين هو الذي جعلنا نبادر إلى ردّ الشبهات، وإنّما نعتني بحلِّها رعاية لحال من لم يسلك الطُرُق التي سلكناها، وبها حصل لنا ذلك اليقين، وهي تحتاج إلى ممارسة وعناية، فلا يمكننا أن نحصِّلَها لِمَن لم تحصل له في مقالةٍ أو رسالةٍ؛ فلذلك نحتاج إلى حلِّ الشُّبهات. والمقصود تقرير عُذْرِنا، ودفع تهمة التقليد والتعصُّب عنّا. على أنّنا لا ندَّعي أنّنا نستطيع حلَّ جميع الشبهات حلًّا يقنع الخصم، ولكنّنا ندَّعي أنّه لو سَلَكَ الطُرُق التي سلكناها، وتَحَرَّى إصابة الحقّ، وتخلَّى عن التقليد والتعصب لوصل إلى ما وصلنا إليه، ولَعَلِم أنّ تلك الشبهات التي أثارها أوّلًا باطلة، سواء أعلم وجه حلّها أم لا. فمثلُنا ومثلُ الخصم مَثَلُ رجل قال لآخر: إنّ الأرض تدور، فعَارَضَه ذاك بأنّها لو كانت تدور لتَسَاقطت الأجرام التي عليها، وكان كذا وكذا! ولْنَفْرِض أنّ المُخْبِر قد كان وقف على الدلائل التي تثبت دوران الأرض، ولم يقف على جواب الشُّبهة، فإنّه يقول للخصم: تعال معي وانظر وتفكَّر

стр. 68

لِتَقِفَ على ما وقفت عليه، فأبى هذا، مُصِرًّا على الإنكار؛ بحُجَّة أنّها لو كانت تدور لكان كذا وكذا! أفلا يكون من واجب المعترض إذا كان طالبًا للحق أن يجيب الأوّل إلى ما يدعوه إليه من النظر، وإن كان في ذلك مشقَّة وتعب؟! وبعد هذا التمهيد نشرعُ في حَلِّ الشُّبهة. * * * * أقوال العلماء رأيت كتابًا لبعض الفضلاء يُكذِّب صاحبُه أهلَ الطَّبيعة والفَلَك والجغرافية وغيرها في كلِّ ما يقولونه ممَّا يراه مؤلِّف الكتاب مخالفًا لظاهر القرآن أو السنة، وفي كلامه مؤاخذات: منها دعواه في مواضع ظُهُور دلالة القرآن، وليس كذلك. ومنها في السنة كذلك. ومنها الاستناد إلى أحاديث غير ثابتة، وغير ذلك. وغالب العلماء يذهبون إلى التَّأويل كما قدَّمنا، وفيه ما عَرَفْتَ من الإشكال. وسمعتُ بعض العلماء يقول: إنّ القرآن لم يُنزَّل لتعليم الطبيعة والفَلَك والتاريخ والتشريح والطِّبِّ، ونحو ذلك من العلوم الكونية، وإنّما نُزِّل لبيان الدين، عقائد وأحكامًا، وإنّما يُذْكَر بعض ما يتعلَّق بالطبيعة والفلك والتاريخ ونحوها لمغزًى دينيّ، كالتَّنبيه على آيات الله وآلائه، والتذكير بالعِبَر والمَثُلات، وهكذا السُّنَّة، فالأنبياء إنّما بُعِثُوا لتعليم الدِّين.

стр. 69

ومقصود هذا العالِم على ما فهمتُه: أنّه لا يصحّ الاستناد إلى ظاهر آية من القرآن أو حديث من السنة في تقرير أمرٍ من تلك العلوم الكونية، ممَّا هو بالنسبة إلى غالب الناس غيب. فأمّا قوله: "إنّ الشريعة إنّما جاءت لتعليم الدين عقائد وأحكامًا، ولم تجئ لتعليم العلوم الكونية" فحقّ. والحكمة في ذلك: أنّ العُلُوم الكونية منها ما لا فائدة في عِلْمِه، ومنها ما في عِلْمِه فائدة، ولكنّ عِلْمَه لا يتوقَّف على الوحي، بل يُعْلَم بالبحث والنَّظر، وقد قضى الله أن يكون ظهور ذلك في أوقات متراخية، كما وقع من اكتشاف الكهرباء والهاتف والمذياع وغير ذلك. والعلوم الكونية مُتَّسعةٌ جدًّا لا يكفي لتعلُّمها كلها عشر سنين أو عشرون سنة، فكان الواجب صَرْف هذه المدَّة في تعليم ما لا بدّ منه، ممَّا يتعلَّق بالغيب، ولا يُعْلَم إلَّا بطريق النُّبوة، وهذا هو الدِّين. أمّا العقائد والعبادات فظاهرٌ؛ وأمّا الأحكام فلأَنَّ منها ما لا يُدرَك بالنظر، وما قد يُدْرَك بالنظر فهو مظِنَّة الاختلاف والتنازع، وجَوْر الحُكّام واتِّهامهم، وغير ذلك مما يكون سببًا للفتن والفساد، وامتناع الأقوياء عن قبول الحكم وغير ذلك. على أنّ الناس محتاجون إلى كثرة الحُكَّام، وليس كلُّ حاكم كاملًا في العقل والفهم والنظر حتى يُدْرِك جميع الأحكام بنَظَره، واجتماع جماعة من العقلاء لوضع القوانين لا يكفي؛ لقِصَر نَظَرِهم، واحتمال ميلهم وتعصُّبهم؛ ولأنّ غالب القوانين تختلُّ الحكمة المقصودة منها في كثير من الجزئيَّات

стр. 70

الداخلة فيها، فأمّا القوانين الشرعية فإنَّها يُؤْمَن الغلط والمَيْل والعصبية فيها، ويمتثلها المتدينون تديُّنًا، ويقبلونها طيِّبةً أنفسُهُم منشرحةً صدورُهم؛ لأنّهم يرون القبول خيرًا لهم في دينهم ودنياهم، ويلتزمونها غالبًا بدون إلزام حاكم، لا فرق في ذلك بين قويِّهم وضعيفهم، وما فَرَضَها على الغالب بحيث يمكن تخلُّف الحكمة في بعض الجزئيات فإنّ الله يُجيزُه بقَدْرِه. والمقصود: أنّ الخلق مفتقرون إلى تلقِّي الأحكام من طريق الرب ، وليسوا مفتقرين إلى تلقِّي العلوم الطبيعية ونحوها. وقد قيل في تفسير قول الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]: إنّ القوم إنّما سألوا عن الأَهِلَّة ما بالُها تبدو صِغَارًا ثم تكبر، ثم تعود فتصغر ثم تكبر، وهكذا (١)؟ فتُرِك الجواب عن هذا المعنى الطبيعي، وأُجيبوا بما يتعلَّق بالأهلَّة من الأحكام الدينية، ثم أُمِروا بأن يأتوا البيوت من أبوابها، فإذا سألوا النَّبي

стр. 71

ــ المبعوث لتعليم الدِّين ــ فلْيَسألوه عمّا يتعلَّق بالدِّين، ولا يأتوا البيوت من ظهورها؛ بأن يسألوه عمّا لم يُبعث لأجله، ولا تتعلّق به ضرورة دينية. ولمّا وَرَدَ النَّبي ﵌ المدينة رآهم يُؤَبِّرون النخل، فظنَّ أن لا حاجة لذلك؛ لأنَّه كان قد رأى كثيرًا من الأشجار فرآها تُؤتي ثَمَرَها بدون تلقيح، فقال لهم: "ما أظنُّ يغني ذلك شيئًا"، فَتَركوه، قال: فخرج شِيصًا (١)، فمرّ بهم فقال: "ما لِنَخْلِكم؟ " قالوا: قلتَ كذا وكذا! قال: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (٢). وفي رواية (٣): "إنّما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظَّن، ولكن إذا حدَّثْتُكم عن الله شيئًا فخذوا به، فإنّي لن أكذب على الله ". وفي رواية (٤): "إنّما أنا بشر؛ إذا أمرتكم بشيءٍ من دِينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رَأْيٍ فإنَّما أنا بشر". والحديث في "صحيح مسلم" وغيره، من حديث أمّ المؤمنين عائشة، وطلحة بن عبيد الله، وثابت بن قيس (٥)، ورافع بن خديج ﵃. وصحَّ عنه ﵌ أنّه قال: "لقد هَمَمتُ أن أنهى عن الغِيلة، فنظرتُ في الرُّوم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضرُّ أولادَهم ذلك" (٦).

стр. 72

وجاء عنه ﵌ أنّه قال: "لا تقتلوا أولادكم سرًّا فإن الغَيْل (١) يُدْرك الفارس فيُدَعْثِرُه (٢) عن فرسه" (٣). قال الطحاوي (٤): إنّ هذا الحديث الثاني يُظهِر أنّ النبي ﵌ قاله أولًا لمّا كان يظنّ أنّ الغَيْلَ يضرُّ، ثم لمّا تبيَّن له أنَّه لا يضرُّ قال: لقد هَمَمْتُ ... إلخ. والظَّاهر خلاف هذا؛ لوجوه: الأوّل: أنّ أقواله ﵌ التي يبنيها على الظنّ بيَّن أنّه إنّما قالها بناءً على الظنّ، والحديث الثاني جزم. الثاني: أنّ قوله: "إنَّ الغَيْلَ يُدْرِكُ الفارسَ فيُدَعْثِرُهُ" ممّا لا يظهر بناؤُه على الظَّن. الثالث: أنّ قوله في الحديث الأول: "لقد هَمَمْتُ ... " ظاهرٌ في أنَّه لم يكن قد نهى، فالظاهر أنّه أراد أن ينهى أولًا بناءً على ما كان مشهورًا بين العرب

стр. 73

من أنَّ الغَيْلَ يضرُّ، ثم تفكَّر في حال فارس والروم فقال الحديث الأول، ثُمّ أَعْلَمَه الله بأنّ الغَيْلَ يَضُرُّ ولو بعد حين، فقال الحديث الثاني. وقد يجيء في الشريعة ما يشير إلى مسائل طبيعية إذا دَعَت إليها ضرورة، ولكنّها تُعْرَض بمَعْرِضٍ ديني، أو يُنبَّه عليها إجمالًا. فمِن الأوّل النّهي عن الشرب قائمًا، وقوله: "إنَّ الشيطان يشرب معه" (١). ومن الثاني النّهي عن النفخ في الطعام والشراب (٢)، وغير ذلك. والمقصود: أنَّ قول ذلك العالم: إنَّ الشريعة إنَّما جاءت لتعليم الدين عقائد وأحكامًا، وإنَّ ما جاء فيها ممّا يتعلَّق بشيءٍ من علوم الطبيعة والتاريخ

стр. 74

ونحوها لا يكون المقصود من ذكره التَّعريف بكُنهِهِ وحقيقته وكيفيَّته مُفَصَّلًا، وإنّما يُذْكَر تنبيهًا على الآيات والمَثُلات = كلُّ هذا صحيح، ولكن هل يقتضي هذا جواز أن يكون الواقع في تلك الأمور خلاف ظاهر الخبر الشرعي؟ قد كنت أنكر هذا أشدَّ الإنكار، وأقول: إنَّ الظاهر حجةٌ قطعيةٌ، وإنَّه إذا كان الواقع خلاف ظاهر الخبر كان الخبر كذبًا، وإن لم يكن المقصود من الخبر بيان ذلك الأمر. ثم رأيتُ في أصول الفقه مسألةً تعضُدُ ما قاله ذلك العالم، وهو قول بعضهم: إنَّ النَّص إذا سِيقَ لمعنًى غير بيان الحكم، وكان عامًّا لا يُحتجُّ بعمومه في الحكم (١). ويمكن أن يطرد ذلك في سائر الدلالات الظاهرة، ووجه ذلك: أنَّ المتكلِّم إنَّما يعتني بالمعنى المقصود بالذَّات، وأمَّا ما ذُكر عَرَضًا فإنَّه لا يعتني به، كأنَّه يَكِلُ تحقيق حُكْمِه إلى موضعه. ويقرب من هذا ما يقوله الفقهاء وغيرهم: إنَّ المسألة إذا ذُكِرَت في غير بابها استطرادًا، ثم ذُكِرَت في بابها مع مخالفةٍ فالمعتمد فيها ما في بابها . وههنا معنى آخر يعضد ذلك أيضًا، وهو: أنَّ المتكلِّم في عِلْمٍ قد يذكر في أثناء كلامه مسألة من عِلْمٍ آخر، فربّما ذكر قاعدةً يكون ظاهر كلامه أنّها

стр. 75

كُلِّية، ومع ذلك فلا يعتدّ بهذا الظاهر، ولا يُنسبُ إلى المتكلِّم أنَّه ادّعى كُلِّيتها، ولا يُعترض عليه بذكرها على ذلك الوجه. كأن يقول المفسِّر في قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]: أصل (هدى) هُدَيٌ، والقاعدة الصرفية: أنَّه إذا تحركت الياء وانفتح ما قبلها قُلِبَت ألفًا، والقاعدة الأخرى: أنَّه إذا التقى السَّاكنان حُذف الأول. وهاتان القاعدتان ليستا على إطلاقهما، بل لكلٍّ منهما قيودٌ وشروطٌ معروفةٌ في عِلْم الصَّرْف، ومع ذلك لا يُنْسَب إلى ذلك المفسِّر قصور ولا تقصير، ولا دعوى خلاف ما تقرّر في علم الصَّرْف؛ لأنّه يقال: ليس هو في صَدَد الكلام في علم الصَّرْف حتى يُنْسَب إليه ذلك، وإنّما هو في صَدَد التفسير، ولكن انجرَّ الكلام إلى هاتين القاعدتين فذكرهما على قدر ما دعا إليه الحال. وهكذا في القواعد النحوية والبيانية وغيرها. وأبلغ من هذا: أنَّ أصحاب الكتب المختصرة في العلوم يذكر أحدهم كثيرًا من قواعد ذلك العلم، بحيث يكون ظاهر الكلام أنّها كلية، ومع ذلك لا ينسب إليهم قصور ولا تقصير، ولا دعوى كُلِّيَّتها، بل يُقال: هذا المختصر وُضِع للحفظ ولتعليم المبتدئين، وكلٌّ من هذين يستدعي الإجمال وترك التفصيل بذكر القيود والشروط، بل يُوْكَل ذلك إلى الشروح والمطوَّلات. وأبلغ من هذا وأبلغ: أنّ الكتب الموضوعة للمبتدئين قد يُذكَر فيها ما ليس بصحيح في نفسه، ولكن سَلَكَه المؤلِّف لأنّه أقرب إلى فهم المبتدئ، فيقول النحوي مثلًا: الكلام قد يركّب من كلمتين، اسمٍ وفعلٍ، مثل: قام الرجل، والرجل قام، أو اسمين، مثل: زيدٌ قائمٌ، أو: القائمُ زيدٌ، مع أنَّ "قامَ الرجلُ" ثلاث كلمات، و"الرَّجلُ قام" أربع كلمات، فعل وحرف واسمان،
следующие страницы →