← Акыда

Акыда · id 358

حقيقة التأويل - ضمن «آثار المعلمي»

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (81 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الرسالة الأولى حقيقة التأويل

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، ويسّر الدّين لعباده ولم يجعل في معرفته ضيقًا ولا حرجًا، وأشهد ألَّا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، شهادة من تحقّق بها فقد نجا، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، السّالك بمتبعيه سراطًا قيِّمًا وسبيلًا منهجًا، فأقامهم على أوضح المسالك، وتركهم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلَّا هالك، صلّى الله وسلّم وبارك عليه وعلى آله، ورضي الله عن صحابته المتقدمين بقاله وحاله. أمّا بعد: فهذه رسالةٌ في حقيقة التأويل، وتمييز حقه من باطله، وتحقيق أنّ الحقَّ منه لا يلزم من القول به نسبة الشريعة إلى ما نزَّهها الله عنه من الإيهام والتورية، والإلغاز والتّعمية، ومن الله أستمدُّ المعونة والتوفيق.

стр. 3

الباب الأول: في معنى التأويل التأويل في اللغة: مصدر أوّل يُؤوِّل، وأوّل فعَّل ــ بتشديد أوسطه ــ ثلاثيُّه آل يَؤوْلُ أوْلًا. قال أهل اللغة: الأوْلُ الرجوع. وهذا تفسيرٌ تقريبي. وأغلب ما تستعمل في الرجوع، الذي فيه معنى الصَّيرورة. ومن أمثلة اللغويين: "طُبِخَ الشَّراب فآل إلى قَدْر كذا وكذا". ولذلك عدَّ بعض النُّحاة "آل" في الأفعال التي تجيء بمعنى "صار"، وتعمل عملها. و"آل" قريبٌ من معنى "حال"، أي: تَحَوَّل من حالٍ إلى حال، وأكثر ما يقال: اسْتَحَال. وفي الحديث: "فاسْتَحالَت غَرْبًا" (١)، إلَّا أنَّ "حال" و"اسْتَحَال" يختص بما تحوَّل إلى حالٍ غير ناشئةٍ عن حالهِ الأولى؛ و"آل" تكون حاله الثانية ناشئة عن الأولى، كقولك: "ربما تَؤُول البدعة إلى الكفر". أو ناشئة عما جُعل "آل" غاية له، كقولهم: "طُبِخَ الشَّراب حتى آل إلى قَدْر كذا وكذا". وفرقٌ ثان، وهو أنّ "حال" و"اسْتَحَال" قد يكون بسرعة، كما في الحديث: "فاسْتَحَالَت غَرْبًا". و"آل" يقتضي أنَّه بعد مُدَّةٍ، كما في "طُبِخَ الشَّراب"، أو ما هو كالمُدَّة، وذلك أن يكون في رجوع الشيء إلى الشيء بغموضٍ وخفاء، كقولك: إنّ إخراج النصوص الشرعية عن ظواهرها بمجرّد الرأي والهوى يؤول إلى الكفر؛ تريد أنّه كفر، إلَّا أنّ كونه كفرًا إنّما يُعْلَم بعد

стр. 4

تروٍّ وتدبُّرٍ؛ ولذلك لا يكفر كلُّ من فعل ذلك؛ لأنّه قد يكون معذورًا. والتّأويل مأخوذٌ من هذا، فهو أن يجعل الكلام يؤول إلى معنى لم يكن ظاهرًا منه، فآل الكلامُ إلى أنْ حُمِلَ على ذلك المعنى بعد أن كان غير ظاهرٍ فيه. والتّأويل قد يكون للرُّؤيا، وقد يكون للفعل، وقد يكون للَّفظ. فأمّا تأويل الرُّؤيا: فالأصلُ فيه أنّه مصدر أَوَّلَ العابرُ الرُّؤيا تأويلًا، أي: ذكر أنَّها تؤول إلى كذا، ويذكر ما يزعم أنّه رمز بها إليه. وكثيرًا ما يُطلق على المعنى الذي تؤول به، ومنه ــ والله أعلم ــ قول الله حكاية عن جلساء ملك مصر: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾ [يوسف: ٤٤]، ومواضع أخرى في سورة يوسف. ويطلق على نفس الواقعة التي كانت الرؤيا رمزًا إليها، ومنه ــ والله أعلم ــ قول الله حكاية عن يوسف ﵇: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ١٠٠]؛ فجعل نفس سجود أبويه وإخوته له هو تأويل رؤياه التي ذكرها بقوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. وأمّا تأويل الفعل: فهو توجيهه بذكر الباعث عليه والمقصود منه؛ فيتبين بذلك أنه على وفق الحكمة بعد أن كان متوهما فيه أنّه مخالفٌ لها، ومنه ما حكاه الله عن الخضر: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]. وقد يطلق على العاقبة التي يؤول إليها الفعل؛ وبه فسّر قتادة وغيره قول الله : ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].

стр. 5

وأمّا تأويل اللفظ: فالأصل فيه أن يحمل على معنى لم يكن ظاهرًا منه، فالكلام الذي لا يظهر معناه لكثيرٍ من سامعيه يكون بيان أنّ معناه كذا تأويلًا، والكلام الذي يظهر منه معنىً يكون بيان أنّ معناه غير ذلك الظاهر تأويلًا. ويُطلَق على نفس المعنى الذي حُمِل عليه. ويُطلَق على نفس الحقيقة التي عُبّر عنها باللفظ؛ فإذا قال المفسِّر في قوله تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: ٢٥]، ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ١٥]، ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، ﴿سَأُرْهِقُهُ (١) صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]. "الحَرْدُ": المنعُ، "ويلٌ وغيٌّ وأثام": أوديةٌ في جهنم. و"صَعُودٌ": جبلٌ فيها. فحَمْلُه إيّاها على هذه المعاني هو التّأويل بالإطلاق الأوّل. ونفسُ تلك المعاني هي التأويل بالإطلاق الثاني. يُقال: ما تأويل الحَرْد؟ فيُقال: المنع، وما تأويل صَعُود؟ فيُقال: تأويله أنّه جبل في جهنم. ونفس المنع، وتلك الأودية، وذلك الجبل: هي التأويل بالإطلاق الثالث. ويحتمل الأوّل والثّاني دعاءُ النبي ﵌ لابن عباس: "اللهم فقِّهْهُ في الدّين وعلّمه التّأويل" (٢).

стр. 6

وفي رواية: "اللَّهم علِّمه الحكمة وتأويل الكتاب" (١). وقد ذكر الحافظ طرق الحديث في "الفتح"، في كتاب العلم، في شرح باب قول النبي ﵌: "اللَّهم علّمه الكتاب" (٢). ويحتمل أن يكون المراد: "عَلِّمه كيف يؤول"؛ فيكون من الإطلاق الأول، ويحتمل أن يكون المراد: "علِّمه المعاني التي تؤول إليها ألفاظ الكتاب"، فيكون من الإطلاق الثاني , والله أعلم. ومن الثالث: قول الله ﵎: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٢ ــ ٥٣]، وقوله : ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى .... بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: ٣٧ ــ ٣٩].

стр. 7

الباب الثاني: مقدمة في الصدق والكذب اعلمْ أنَّ من أعظم نِعَم الله على عباده تيسيره لهم الكلام، الذي يتفاهمون به، ولولاه لكانوا كالأنعام أو أضل سبيلًا. أَلَا ترى أنَّ الإنسان إذا نَشَأ مُنْفَرِدًا عن أبناء جِنْسه لا يُدرِك إلَّا ما وقعت عليه حواسُّه، والحواسُّ لا تهتدي إلى حقائق الأشياء، فإذا رأى مثلًا شجرةً لم يهْتَدِ إلى معرفة نفعها من ضرّها إلَّا بتجربةٍ، والتجربة قد تُودِي بحياته، ثمَّ لا يهتدي إلى صفة استنباتها، والقيام عليها وإصلاحها إلَّا بتجربةٍ، قد يفوز فيها، وقد لا يفوز. ولعلَّه يقضي عمره كلَّه في بضع تجارب، ولا يتفرَّغ مع ذلك للنظر في غير قوته، فلا يمكنه تحصيل علمٍ، ولا إتقان صناعةٍ، ولا معرفة ما لم يقع عليه بصرُه من الأرض. فأمّا الدِّين فلا وَصْلَة بينه وبينه إلَّا بعض أمورٍ كليةٍ، إذا قُضِيَ له أن يتفرّغ لها، ورُزِقَ عقلًا صحيحًا، وذكاءً مرهفًا. ثُمّ إذا اجتمع هذا بأمثاله، ولم يكن هناك كلامٌ يتفاهمون به، فقد يتعاونون على تحصيل القُوت ونحوه تعاون النمل والنحل، ولكنَّه لا يستطيع أحدهم أنْ يُطْلِعَ الآخر على ما اطَّلَعَ عليه، إلَّا بأن يذهب به إلى ذلك الشيء حتى يَقِفَه عليه، فإذا كان الذي اطَّلَعَ عليه الأول معنىً من المعاني تعذَّر إطْلَاعُه الآخر عليه. نعم هنالك الإشارة، ولكنَّها ضئيلة الفائدة عسرة الفهم، وأنت ترى الأخرس وما يُعانيه من مشقَّة الحياة، وترى الغريب إذا دخل بلد قومٍ لا يعرفها، ولا يعرف لغتهم، ولا يعرفون لغته ما تكون حاله! فيسَّر الله للنَّاس بالكلام أنْ يَطَّلِعَ أحدهم على جميع ما اطَّلَعَ عليه ألوفٌ منهم بأيسر وقتٍ.

стр. 8

فالقضية التي لا يُمكن أن يفهمها بالإشارة، أو يمكن أن يفهمها بعد صرف ساعةٍ أو ساعتين يفهمها بكلمةٍ واحدةٍ، وبذلك بَلَغَ الإنسانُ إلى ما تراه من العِلْم والمدنيَّة. إذن فلولا الكلام لكان الناس كالأنعام. فنعمةٌ هذا شأنها وخطرها ما عسى أن يكون حالُ من استعملها في نقيض مقصودها؟! أَلَا ترى لو أنَّ امرأةً سافرت برضيعها، فنَزَلَت في بيتٍ من مدينة، ثم تَرَكَت طفلها وخَرَجَت، ولمَّا أرادت الرجوع إلى البيت لإرضاع طفلها لم تهتد إلى الطريق، فسألت شخصًا، وذكرت له اسم المحلَّة، فأرشدها إلى الطريق، فرَجَعَت إلى طفلها، فوجدته يكاد يموت، وعَلِمَت أنها لو تأخَّرَت ساعةً مات؛ فأرضعته. ثم تدبَّرَت نعمة الكلام، أليست تعلمُ أنَّها لو كانت بكماء لمات ابنها. فافرض أنّ الذي سَأَلَتْه كذب عليها، فأراها طريقًا تؤدي إلى محلَّة أخرى فذهبت فيها، فمَشَت ساعةً أو أكثر، ثمَّ تبيَّن لها الأمر فسألت آخر فأرشدها، فلم تبلغ البيت إلَّا وقد مات طفلها، أليست تتمنَّى أنَّ الذي كذب عليها لم يُخْلَق، أو أنّه كان أصمَّ لا يسمع سؤالها، أو نحو ذلك؟ بلى، وكلُّ إنسان يتمنَّى معها ذلك. ثم افرض أنَّ الذي أخبرها أوَّلًا وَرَّى في خبره، كأن قال لها: هذا القطار يذهب إلى تلك المحلَّة، وأومأ إلى قطار ذاهب إلى جهةٍ أخرى، وعَنَى أنَّه عند رجوعه يذهب إلى تلك المحلَّة أَلَا تكون النتيجة واحدة، والمفسدة واحدة؟ سواء أَوَرَّى أم لم يُوَرِّ.

стр. 9

تشديد الشارع في الكذب أمّا الكذب على الله ؛ بأن تُخبر عن الله بما لا علم لك به، ومنه الكذب على رسوله في أمور الدين، فقد نصَّ القرآن على أنَّه من أشد الكفر، وقد أوضحنا هذا في رسالة "العبادة"، بما لا مزيد عليه. وأمّا الكذب في غير ذلك؛ ففي "الصحيحين" (١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌: "آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كَذَب، وإذا وَعَد أخلَفَ، وإذا اؤتُمِن خان". زاد مسلم (٢) ــ بعد قوله: "ثلاثٌ" ــ: "وإنْ صام وصلَّى وزَعَم أنَّه مسلم". وفيهما (٣): عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵌: "أربعٌ من كنّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهنَّ كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يَدَعَها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كَذَب، وإذا عاهد غَدَر، وإذا خاصم فَجَر". ورُوِيَ من حديث أبي أمامة، وسعد بن أبي وقاص، عن النبي ﵌ قال: "يُطْبَع المؤمن على الخِلال كلِّها، إلّا الخيانة والكذب" (٤).

стр. 10

وإذا تدبَّرتَ وجدتَ الأمور المذكورة كلَّها تدور (١) على الكذب، فمن كان إذا وَعَدَ أخْلَفَ فإنَّه يكذب في وعده، فيقول: سأفعل، وهو يريد أن لا يفعل! والخائن موطِّنٌ نفسه على الكذب، يقال له: عندك كذا، أو فعلت كذا؟ فيقول: لا. ومن كان إذا عاهَدَ غَدَر فهو كالوعد، بل لو كانت نيَّتُه عند المعاهدة أن يَفِي ثم غدر لكان كاذبًا، لأنَّ قضية المعاهدة أنَّه سَيَفِي حتمًا، بخلاف الوعد،

стр. 11

فإنَّ العادة كالمقاضية (١) بأنّ مراده أنّه سيفعل إذا لم يعرض له ما يغيّر رأيه. وأمَّا الفجور في الخصومة فمعناه: أنّه يفتري على خصمه ويَبْهَتُه بما ليس فيه، وذلك هو الكذب. وحسبُك أنّ الإنسان المعروف بالكذب قد سَلَخَ نفسه من الإنسانية، فإنَّ من يعرفُه لم يَعُد يَثِقُ بخبره، فلا يستفيد النَّاس منه شيئًا، ومَن لم يعرفه يَقَعُ بظنِّه صدْقَهُ في المفاسد والمضارّ، فأنت ترى أنَّ موت هذا الرجل خيرٌ للنّاس من حياته، وهَبْهُ يتحرّى من الكذب ما لا يضرُّ فإنَّه لا يستطيع ذلك، ولو اسْطَاعَهُ لكان إضراره بنفسه إذ أفقدها ثقة الناس به. على أنَّ الكذبة الواحدة كافيةٌ لتُزَلْزِلَ ثقةَ الناس به. التَّرخيص في بعض ما يسمَّى كذبًا في "الصحيحين" (٢) من حديث أم كلثوم بنت عقبة عن النّبي ﵌ أنّه قال: "ليس الكذَّابُ الذي يُصِلحُ بين الناس، ويقول خيرًا أو ينمي خيرًا". قال الحافظ في "الفتح" (٣): "قال العلماء: المراد هنا أنّه يخبر بما عَلِمَه من الخير، ويسكت عمَّا علِمَه من الشرّ، ولا يكون ذلك كذبًا". وزاد مسلمٌ (٤) في رواية: "قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخَّص في شيء ممَّا يقول النّاس كذبٌ، إلَّا في ثلاثٍ: الحرب، والإصلاح بين الناس،

стр. 12

وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها". ثم ذكر أنَّ بعض الرُّواة أدرج هذا الكلام، فجعله من قول أم كلثوم بلفظ: "وقالت: ولم أسمعه يرخِّص ... ". وبيَّن الحافظ في "الفتح" أنَّ الذي أدْرَجَه في الحديث وَهِم، والصواب أنَّه من قول الزُّهري، ونقل الحُكْمَ بالإدراج عن النسائي وموسى بن هارون وغيرهما، ثم قال: "قال الطَّبري: ذهبت طائفةٌ إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إنّ الثلاث المذكورة كالمثال، وقالوا: الكذب المذموم إنّما هو فيما (١) فيه مضرَّة، أو ما ليس فيه مصلحة. وقال آخرون: لا يجوز الكذب في شيءٍ مطلقًا، وحملوا الكذب المراد هنا على التَّورية والتَّعريض، كَمَن يقول للظالم: دَعَوْتُ لك أمس، وهو يريد قوله: اللهم اغفر للمسلمين ... ". ثم قال الحافظ: " ... واتفقوا على جواز الكذب عند الاضطرار، كما لو قصد ظالمٌ قتل رجل ــ وهو مختفٍ عنده ــ فله أن ينفي كونه عنده ويحلف على ذلك، ولا يأثم، والله أعلم". أقول: مهما خلا الكذب عن المفسدة، فلا يكاد يخلو عن إفقاد صاحبِهِ ثقةَ الناسِ بكلامه، وحرمانِهِم الاستفادة من خَبَرِه بقيَّة عُمره، فهو يستفيد من أخبارهم، ولا يثقون به فيستفيدوا من خبره. ولعل سقوط ثقتهم بخَبَرِه يوقعُهُم في مضارَّ، ويصرف عنهم مصالح ممَّا يُخبرهم به صادقًا فلا يصدِّقونه. ولو أبيح الكذب في الإصلاح، فكَذَبَ المصلحُ لأَوْشَكَ أن يُعْرَف كذبه فتسقط الثقة به.

стр. 13

وافرض أنَّه عُلِم عُذْرُه، فإنَّها على ذلك تسقط الثِّقة به في الإصلاح، فإذا قال خيرًا أو نَمَى خيرًا بعد ذلك لم يُصَدَّق، وإن كان صادقًا؛ لأنّه قد عُرِف استحلاله الكذب في ذلك، ومع هذا فإنها تَتَزَلْزَل (١) الثقة بخبره في غير الإصلاح أيضًا، إذ يقول الناس: لعلَّه يَرَى في خبره هذا إصلاحًا، فيستحلّ الكذب فيه! وقريبٌ مِنْ هذا: حالُ الكذب في الحرب، وكذبُ كلٍّ من الزوجين على الآخر. وأنا نفسي كانت إذا سألتني زوجتي ما لا أريد أقول لها: أفعل إن شاء الله! قاصدًا التَّعليق، فلمَّا قلتُ ذلك ثلاث مرَّاتٍ أو أزْيَدَ فَطِنَت للقضَّية! فصارَت لا تثق بوعدي إذا قلتُ: سأفعل إن شاء الله، فوقعتُ في مشكلةٍ؛ لأنّني أحتاج إلى أن أقول: "إن شاء الله" في كل وعدٍ وإن أردت الوفاء به؛ للأمر الشرعي بذلك (٢). وقولك لظالمٍ: "دعوتُ لك أمس" فيه مفاسد؛ لأنَّه إن كان يُحْسِن الظَّن بك، وحَمَل قولَك على ظاهره جَرَّأَه ذلك على الظُّلم، قائلًا: إنّ دعاء هذا الصَّالح لي يدلُّ على أنَّه يراني من أهل الخير، وأنَّ ما يخطر لي من التأويل في هذه الأمور التي يزعم الناس أنَّها ظلمٌ هو تأويلٌ صحيحٌ! وما من ظالمٍ إلَّا والشيطان يوسوسُ له بتأويلٍ ما يبرِّر به صنيعه.

стр. 14

وإن استبعد دعاءك له اعتقد كَذِبَك ومداهَنَتَك له، وطَمِعَ منك في غيرها، وزالت من قلبه هيبَتُه لك في الله، وأوشك أن تنالك منه مضرَّةٌ؛ لسقوطك من عينه، ويجترئ مع ذلك على المظالم، قائلًا: الناس سواسية، هذا الذي يُقَال صالحٌ يكذب ويُدَاهِن الظَّلَمَة! فلو استطاع الظُّلمَ لَظَلَم! وإذا تَنَبَّه لاحتمال كلامك التَّورية لَمْ تأمن أنْ يَحْمِل قولَك: "دعوتُ لك" على "دعوتُ عليك"، يقول: كأنَّه أراد "دعوت لأجلك" أي: دعوت الله تعالى أن يريح الناس من شَرِّكَ، أو نحو ذلك. والحاصل أن الكذب لا يخلو عن المفاسد، ولكن إذا تعيَّن طريقًا لدفع مفسدةٍ عظيمةٍ ــ كالقتل ظلمًا ــ جاز، على قاعدة تعارض المفسدتين. والمنقول من هذا إنَّما هو في التَّورية، كقول إبراهيم لزوجته: هي أختي؛ لعِلْمِه أنه لو قال: زوجتي لقتلوه. وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]؛ لأنَّه أراد أن يتوصَّل إلى تكسير أصنامهم، وفي ذلك دفع مفسدة عظيمة. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣]؛ لأنّه أراد أن يتوصَّل بذلك إلى إنقاذهم من الشرك، والشرك أعظم المفاسد، مع أنَّهم إذا خَلَصُوا من الشرك خَلَصَ هو من القتل، وظنِّي أنَّ هذه كلَّها كانت قبل أن يُنَبَّأَ إبراهيمُ ﵇، كما قرَّرْتُه في "رسالة العبادة". وكلٌّ من هذه الثلاث فيها تورية قريبة، والحال التي كان عليها شِبْه قرينة تشكِّك في حَمْل كلامه على ظاهره، فيصير بها الكلام كالمُجْمَل.

стр. 15

وإيضاح هذا: أنَّه قد علم أنَّه لو تبيَّن للظَّلَمة أنَّها امرأته لقتلوه، وإذا عرف ذلك فيبعُدُ أن يعترف بأنَّها امرأته. ومثل هذه الحال تُوْقِعُ عادةً في الكذب المَحْض؛ ولهذا لا يثق الناس بخبر مَنْ وَقَعَ في مثلها، فإذا عَرَفَوا منه التحفُّظ من الكذب قالوا: لعلَّه ورَّى، فهذا شِبْهُ قرينة. أَوَلَا ترى الناس لا يرتابون في قول الغنيِّ لبعض المال الذي تحت يده: هذا مال امرأتي؟ ويرتابون في مثل هذا القول إذا وَقَعَ من مفلسٍ أو مُصَادَرٍ. ومع هذا كلّه؛ فقد سمَّى الشارع هذه الثلاث الكلمات كذبات، فقال النّبي ﵌: "لم يكذب إبراهيمُ إلَّا ثلاث كذباتٍ، كُلُّهنَّ في ذات الله ... " والحديث في "الصحيحين" (١). وجاء في الشرع ما يدلُّ أنَّ مثل هذا من الكذب لا يخلو من مخالفة، ففي "الصحيحين" (٢) في حديث الشفاعة: "فيأتون آدم فيقولون: ... اشفع لنا عند ربّك ... ، فيقول: لست هُناكم، ويذكر خطيئته التي أصاب، أكلُهُ من الشَّجرة وقد نُهِيَ عنها ... فيأتون نوحًا، فيقول: لست هناك، ويذكر خطيئته التي أصاب، سؤاله ربه بغير علم ... فيأتون إبراهيم، فيقول: إنِّي لست هناكم، ويذكر ثلاث كذبات كذبهنَّ ... ". وهناك ثلاثة أنواع دون ما ذُكِر: أوَّلُها: الإيهام: كأَنْ يريد غزوةً جهة الشَّرق، فيسأل عن الطَّريق التي في جهة الغرب، حتى إذا كان جاسوسٌ يرى الاستعداد للغزو، يسمع ذلك

стр. 16

السؤال، فيَتَوَهَّمُ أنَّ القصد جهة الغرب، فإذا رجع إلى العدو الشرقيِّ أخبرهم بذلك، فيكفوا عن الاستعداد. وبهذا أو نحوه فُسِّر ما جاء في "الصَّحيح" (١) أنّ النبي ﵌ كان إذا أراد غزوةً وَرَّى بغيرها. وليس ذلك بكذبٍ. على أنَّ مِن شأن مَن يريد غزوةً أن يكتم قصْدَه، ويحرص على إيهام العدوِّ أنَّه لا يقصدهم، وهذا شِبْهُ قرينةٍ تُشكِّك في الإيهام المذكور. ثانيها: الكلامُ الموجَّهُ، وهو الذي يحتمل معنيين فأكثر على السواء، وليس هذا أيضًا من الكذب في شيءٍ ألبتة. ثالثها: أن يكون الكلام ظاهرًا في المعنى المراد، ولكنَّه صِيغَ مَصَاغًا يستخفُّ المُخَاطَب، فإذا استعجل فَهِمَ خلاف المقصود. وقد نُقِل شيءٌ من هذا عن النبي ﵌، كان ربّما تعمّده تأديبًا للمُخَاطَبِين، وتعليمًا لهم أن لا يستعجلوا في فهم الكلام قبل التروِّي فيه. فمن ذلك: ما رُوِيَ أنَّ رجلًا سأله أن يحمِلَه على بعيرٍ، فقال ﵌: "لأحملنَّك على ولد ناقةٍ"، فاستعجل الرجل وقال: وما أصنع بولد ناقةٍ؟ ! فقال: "وهل تَلِدُ الإبلَ إلَّا النُّوقُ؟ " (٢).

стр. 17

العرفُ قد صيَّر الظَّاهر من قولنا: "ولد ناقةٍ"، أو "ولد بقرةٍ"، أو نحو ذلك هو الصَّغير، ولكنّ قوله: "لأَحْمِلَنَّك" قرينةٌ واضحةٌ أنَّه لم يُرِد الصَّغيرة؛ لأنَّ الصَّغير لا يُحْمَل عليه. ومثله ما يُروَى: أنَّ امرأةً مَرَّت تسأل عن زوجها، وقد كان خرج من عندها قبل قليل؟ فقال لها ﵌: "هو ذاك في عينيه بياض" (١). فالعُرْفُ قد جعل الظَّاهر من قولنا: "في عَيْنَي فلان بياضٌ" هو البَيَاض العارِض، ولكنَّ العادة قاضيةٌ بأنَّ البَيَاض العارض لا يَحْدُث في ساعةٍ. ومنه ما يُروَى أنَّه قال لامرأةٍ من المسلمات قد قرأت القرآن وفهمته: "لا تدخل الجَنَّة عجوزٌ"! فلمَّا فَزِعَت قال لها: "أَمَا تقرئين القرآن: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٥، ٣٦]؟ " (٢).

стр. 18

فقد علمتَ فيما تقدَّم حقيقة الكذب وقبحه، وأنّه غير محمود حتى في حال الضرورة، كما في قول إبراهيم ﵇: "هي أختي"، وتعلم أنّ الله سمّى نفسه الحقّ، وبعث الرسول بالحقّ، وأنزل الكتاب بالحق، وأنزل الكتاب هدىً للناس، وبعث الرسول هدى للنّاس، وهو الغني عن العالمين، فكيف يجوز عليه ﵎ أن يكذب، أو يأمر رسوله بالكذب، أو يقرّه على الكذب؟! وكيف يجوز على رسوله الكذب؟! وقد جعل الله تعالى الكذب عليه من أشد الكفر، فقال: ﴿فَمَنْ (١) أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر: ٣٢]، وقال لرسوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]. فأنّى يُجَوِّزُ مسلمٌ أنْ يكذِبَ ربُّ العالمين، أو أنْ يكذِبَ رسوله الصّادق الأمين؟!

стр. 19

الباب الثالث: في حكم التأويل قد تقرّر في الأصول أنّه لا تكليف إلّا بفعل، والفعل إنَّما يتأتَّى في التَّأويل بالإطلاق الأوّل، فأقول: اللّفظ الذي يُرَاد تأويله لا يخلو عن ثلاثة أحوال: الأوّل: أن يكون في العقائد. الثاني: أن يكون إخبارًا عمّا قد وقع، كخلق السماوات والأرض، أو عن أمرٍ كوني، فإنّه واقعٌ، كأحوال الشمس والقمر، أو أنّه سيقع، كخروج يأجوج ومأجوج. الثالث: أن يكون فيما عدا ذلك، من الأحكام ونحوها. * * * *

стр. 20

فصلٌ في تأويل النصوص الواردة في العقائد النُّصوص في العقائد على ضربين: الأوّل: ما ورد في عقيدةٍ كُلِّف النَّاس باعتقادها. والثاني: بخلافه. فالأوّل هو: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والبعث بعد الموت، والقدر. والنصوص على ذلك من الكتاب والسنة كثيرة شهيرة. والمقصود من هذا الإيمان هو تحقيق ما أُنشِئَ الإنسان هذه النشأة الدُّنيا لأجله، وهو الابتلاء؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]. والهلاكُ هو العصيان، والحياة هي الطاعة، ويتفاوت الهلاك والحياة بتفاوت العصيان والطاعة. ولا يُتصوَّر عصيانٌ وطاعة إلَّا ممَّن عَلِم الأمر والنَّهي، ولا يُتصوَّر العِلم بأمر الله ونهيه إلّا بعد الإيمان بأنّه موجودٌ حيٌّ، كما هو واضح، وبأنّه قادر؛ إذ لا يُعْلَم استحقاقُه الطاعة إلَّا بذلك، وبأنّه عالمٌ، إذ لا تنبعث النَّفس على الطاعة وتنزجر عن المعصية إلَّا بذلك، وبأنّه حكيم، إذ لا يُعْلَم صِحَّة النُّبوة ويُوثَق بالجزاء إلّا بذلك. وبأنّ الملائكة حقٌّ؛ لأنّهم الوسائط بين الله وأنبيائه، والمُبلِّغون لكتبه، فلا يُعْلَم صحَّة الأمر والنهي وأنّه من عند الله إلَّا بعد الإيمان بهم.

стр. 21

وبأنّ كتب الله حقٌّ؛ لأنّها هي الجامعة للأمر والنّهي، فلا يُعْلَم صحَّة ذلك إلَّا بالإيمان بها. وبأنّ الأنبياء حقٌّ؛ لأنَّهم المبلِّغون للأمر والنّهي، فلا يُعْلَم صحَّة ذلك إلَّا بالإيمان بهم. وثَمَّ تفاصيل ترجع إلى ما ذُكِرَ، كالإيمان بعِصْمَة الملائكة المبلِّغين، والأنبياء بعد البعثة؛ لأنّ حكمة الله تقتضي ذلك، ولا يتمُّ الوثوق بالأمر والنّهي إلَّا بذلك. وبالبعث بعد الموت؛ لأنّه لا يُوْثَق بالجزاء إلَّا بذلك. وبالقَدَر؛ لأنَّه لا يُسَلَّم الإيمان بقُدْرة الله وعِلْمِه وحِكْمَتِه إلّا به، وقد اشتهر عن الشافعي ــ ﵀ ــ أنّه قال: "إذا سلَّم القدرية العِلْم حُجُّوا" (١).

стр. 22

ولهذا القول غورٌ أبعدُ مما فهموه منه، وقد لوَّحْتُ إليه، وعسى أن أُلمَّ به في موضعٍ آخر. وعامة ما ذُكر يمكن إدراكه بالعقل، ولاسيَّما بعد تنبيه الأنبياء، فآيات الآفاق والأنفس تدلُّ على وجود الله؛ إذ لا بُدَّ للأثر من مُؤَثِّر، فأيُّ أثرٍ نُحسُّ به في الكون لا بد له من مُؤَثِّر، فإذا فُرِضَ مُؤثِّرٌ حادِثٌ كان هو أيضًا محتاجًا إلى آخر، وهكذا حتى ينتهي الفِكْر إلى مُؤَثِّر غنيٍّ بنفسه؛ فهو الله . والآثار في الآفاق والأنفس تدلُّ على حياة المُؤَثِّر الأعظم، وقُدْرَتِه، وعِلْمِه، وحِكْمَتِه. وما تدلُّ عليه الآثار من حِكْمَتِه يُوجب العِلْم بأنَّه لم يُنْشِئ الناس هذه النشأةَ عبثًا، ولا يَدَعُهم سُدًى وهَمَلًا، ولا يَكِلُهم إلى عقولهم المحدودة المختلفة، بل لا بدَّ أن يرشدهم، ولا توجد في الكون صورةٌ للإرشاد إلَّا النُّبوة، وبذلك تثبت النُّبوة، والملائكة، والكتب أيضًا. وأمّا العِلْم بنبوَّة رجلٍ مُعيَّنٍ فتُعْلَم بالمعجزات، وبالعِلْم بطهارة سِيرَته، وحِرْصِه على العمل بما جاء به سرًّا وعَلَنًا، وباستقراء ما جاء به، وظهور أنَّ عامَّته مُطابقٌ للحقِّ والعدل والحكمة. ولا يخدش في ذلك الجهل بوجه الحكمة في بعض ذلك؛ فإن ذلك

стр. 23

ضروريٌّ؛ لأنّ الدّين من شرع الحكيم العليم الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا، وعقل المخلوق وعلمه محدود. وأنت ترى عقول النّاس مختلفة، فكم من أمرٍ يجزم كثيرٌ من النّاس بأنَّه خلاف الحِكْمة فيجيء مَن هو أعقل أو أعلم منهم فيُبيِّن لهم وجه الحِكْمة، وقد قال الله : ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦]. وكثيرٌ من الأحكام يحصل المقصود بالعمل بها، ولا يحتاج إلى العلم بوجه حِكْمتها، وقد يكون العلم بوجه الحِكْمة يفتقر إلى صَرْف مُدَّةٍ طويلةٍ من العمر. ومثل ذلك مثل الطبيب والمريض؛ فإنَّ الطبيب يعلم من طبائع الأمراض والأدوية ما لا يعلمه المريض، ومن ذلك ما لا يُدْرَك إلَّا بعد صَرْف مُدّةٍ طويلةٍ في التعلُّم، وقد يكون المريض ضعيف الفهم لا يتهيَّأ له معرفة ذلك، ولو أتعب نفسه فيه، ففي مثل هذا ليس على الطبيب إلَّا إعطاء المريض الدَّواء المناسب، وليس عليه أن يشرح له حقيقة المرض، وأسبابه، وسبب تأثير الدَّواء؛ لأنّ هذا يطول ويُتْعِب في غير فائدة. وبحَسْب المريض أنْ يعلم أنَّ الذي أعطاه الدواء طبيبٌ ناصحٌ، والعلم بذلك لا يحتاج إلى استقراء مستغرقٍ. ولو قال المريض: لا آخذ الدَّواء حتى تشرح لي حقيقة المرض، وأسبابه، وحقيقة الدَّواء، وتأثيره، لعُدَّ أحمق الناس! ولطَرَدَه الطبيب قائلًا: أنا أعالجك رحمةً وشفقة، وقد قام عندك من الدَّلائل ما يكفي في عِلْمِك أنِّي طبيبٌ ناصحٌ، وتعلم أنَّ معرفة ما تريد أن أُعرِّفك به تفتقر إلى علومٍ

стр. 24

ليست عندك، ولعلّ فهمك لا يبلغها، واشتغالي بذلك إضاعةٌ لوقتي ووقتك فيما لا حاجة إليه، وصرفُ الوقت في مداواة العقلاء أولى بي من التَّحامق مع الحَمْقى! هذا كلُّه مع أنّ الطبيب بشر يجوز عليه الغش والخطأ. وبالجملة؛ فالعلم بنبوَّة النَّبي له طرقٌ بعضها أكمل من بعض، ولست الآن في صَدَد الاستيفاء. والمقصود: أنّ الإيمان بما ذُكر هو الذي يتوقّف عليه معرفة الأمر والنّهي. وقد بقي معنىً مهمٌّ، وهو الإيمان بالوحدانية، فالوحدانية في الربوبية قد تكلّم فيها أهل الكلام، ولا حاجة للإطالة فيها، وأمّا وحدانية الألوهية فقد حقَّقتُها في "رسالة العبادة"، والحمد لله. واعْلم أنّ هذه الأمور الضرورية في الإيمان معلومةٌ من الدين بالضرورة، فمَن أراد أن يتأوّل بعض نصوصها تأويلًا يُنافي ما عُلم بالضرورة فلا نزاع في كفره. واعْلم أنَّ في الشريعة نصوصًا عُبِّر فيها عن بعض الصفات المتقدِّمة بلفظ يُرى أنَّ الظَّاهر معنًى آخر. من ذلك قول الله : ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]، وقوله لموسى وهارون

стр. 25

عليهما السلام: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦]، وقوله حكايةً عن موسى عليه السلام: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، وقوله في شأن محمد ﵌: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤] في مواضع من القرآن. غَلِطَ في هذه الآيات طائفتان: الأولى: ما نُقِل عن جهم بن صفوان، مِن زَعْمِه أنَّ الله في كل مكان. الطائفة الثانية: المُؤَوِّلون، قالوا: إنَّ هذه الآيات ظاهرها كما قالت الطائفة الأولى، وإنَّما يمكن صَرْفها عن ظاهرها بنحو الدَّلائل التي تُذْكَر في صَرْف آيات الاستواء والعُلُو واليد والوجه ونحوها؛ فإذ قد وافَقَنا السَّلفيُّون على صَرْف آيات المعيَّة عن ظاهرها بتلك الدَّلائل= فيلزمهم موافقتنا في صَرْف سائر الآيات في الصِّفات التي نؤوِّلها نحن. فإنَّ الأدلة هنا وهناك واحدة، أو مستوية؛ فإنْ لم يوافقونا فهم متحكِّمون، وينبغي على الأقل أنْ لا ينكروا علينا ويشنِّعوا في قولٍ قد اضطرُّوا إلى مثله سواء. هذا تقرير ما قالوه، أو يمكن أنْ يقولوه. وأقول: لو تَلَوْا هذه الآيات مع ما قبلها وما بعدها لعلموا أنَّها لا تصلح أنْ تكون شبهةً على ما قالوه، فكيف تكون حُجَّةً؟! وإيضاح ذلك بوجوه:

стр. 26

الأول: أنَّ هناك قرينة اعتقادية راسخة في فِطَر العَرَب وعقولهم، كافرهم ومسلمهم؛ وهي اعتقادهم أنَّ الله على عرشه فوق سماواته. الثاني: أنَّ أهل الحديث ينقلون ما قالوه في هذه الآيات عن سلفهم من الصَّحابة والتَّابعين. فصلٌ واعْلم أنَّه يتّصل بالأمور الضَّرورية للإيمان تفصيلاتٌ لا يتوقَّف الإيمان على العِلم بها، مثل كيفية الحياة والعِلم وغير ذلك، وهناك أمورٌ أخرى لا يتوقَّف الإيمان على العِلم بها أصلًا، وإنَّما وَجَب الإيمان بها بخبر الصادق المصدوق، وعلى هذين تدور رَحَى التّأويل. فمِنْ قائلٍ: هي حياةٌ كَحَيَاتي، ويدٌ كَيَدي، ووَجْهٌ كَوَجْهي، إلى غير ذلك. ومِنْ قائلٍ: هذا يستلزم حدوث الربِّ ونقصه، تعالى عن ذلك، فلا بدَّ من تأويله! ومِنْ قائلٍ: حياةٌ تليق به ، ويدٌ تليق به سبحانه، ولا أُؤَوِّلُ. ويحتجُّ الأوَّل بأنَّ الله قد وصف نفسه بذلك، ووصفه به رسله، وقد قام البرهان على وجوب حَمْل النُّصوص على ظواهرها ؛ إذ لو كان المراد بها غير ظاهرها لكانت كذبًا! على ما حقَّقناه في [الباب (١)] الثاني (٢)، وذلك محال.

стр. 27

وأجاب الثاني عن هذا بأجوبة: أحدُها: أنّ اللَّفظ إنَّما يبقى على ظاهره ما لم تكن هناك قرينة تصرفه إلى معنى آخر. وتحقيق هذا: أنَّ اللَّفظ قد يكون له ظاهر في نفسه، ولكنَّه اقترن به ما صار الظاهر معنى آخر، فقولُك: "إنَّ زيدًا رجع اليوم" ظاهره أنَّه رجع هو نفسه. وقولك: "إنَّ أمس رجع اليوم" لا يظهر منه ذلك، بل يظهر منه أنَّ اليوم مشابهٌ لأمس في كونه صحوًا أو غيمًا أو نحو ذلك، وهذا حقٌّ في نفسه، ولكن لما سُئِل المُؤَوِّلون عن القرينة ذكروا أمورًا. منها العقل، فقيل: إنَّ العقل لا يصحُّ أن يكون قرينةً إلَّا إذا كان بديهيًّا حاصلًا للمخاطبين، وفي المعاني العقلية التي تجعلونها هي القرينة ما اعترفتم أنّه لا يحصل للإنسان إلَّا بعد ممارسته المعقولات، من المنطق والفلسفة وغير ذلك. هذه النُّصوص الدَّالة على أنَّ الله في جِهة العُلُو تُؤَوِّلُونها لمخالفتها العقل، زعمتم! وأنتم تعترفون أنَّ الإيمان بموجودٍ ليس في جهةٍ لا يتهيَّأ للإنسان حتى يمارس المعقولات، ويُوغِل فيها، فعند ذلك تَأْنَسُ نفسه بالتَّصديق بذلك! ذكر هذا الغزالي في كتبه، وغيره (١). وإذا كان الحال هكذا، فلو كانت تلك النصوص غير مراد بها ظواهرها لكانت كذبًا؛ لأنَّ القرينة التي يعلم المتكلِّم أنَّ المخاطَب لا يُدركها لا

стр. 28

تُخْرِج الكلام عن الكذب، كما تقدم. قالوا: هناك قرينةٌ أخرى، وهي قول الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله : ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]. قيل لهم: هاتان الآيتان غير ظاهرتين في المعنى الذي تريدون. أمَّا الأول: فلو قلتَ لرجلٍ: "عندي شيء ليس كمثله شيءٌ" لَمَا فهم أنَّه ليس في الكون ما يشبهه من بعض الوجوه، وإنَّما يفهم أنَّه ليس كمثله من جميع الوجوه شيءٌ. وقريبٌ من هذا يُقال في الآية الثانية. فكيف يجوز أن يُكْتَفى في هذا المطلب العظيم بقرينةٍ ظاهرها أنَّها ليست بقرينة؟! وفوق هذا: فقد تقرَّر في الأصول أنَّه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، والحاجةُ في النُّصوص الاعتقادية هي وقت الخطاب، فلو كان المراد جعل هاتين الآيتين قرينةً لوجب قَرْنُهُما، أو إحداهما، أو ما يقوم مقامهما بكلِّ آيةٍ أو حديثٍ يتعلَّق بالصفات، وإلَّا لزم الكذب. فإن قالوا: إذا سمع الإنسان القرينة الواضحة أوّلًا أغنى ذلك عن إعادتها مع كل آيةٍ من آيات الصفات. قيل لهم: بعد فرض تسليم الوضوح لم يكن العمل على هذا، أي: أن لا يتلو النَّبي ﵌ شيئًا من آيات الصفات على أحدٍ حتى يتلو [عليه (١)] الآيتين

стр. 29

المذكورتين أو إحداهما، بل قد نزل قبلهما كثير من القرآن، وقد كان الرجل يُسْلِم ثم يصلِّي مع النَّبي ﵌ فيتلو في صلاته من القرآن ما شاء الله، ولا يبدأ بإحدى الآيتين، ولعلَّ كثيرًا من الأعراب الذين أسلموا لم يسمعوا الآيتين ولا إحداهما، ولم يقل أحدٌ من العلماء: إنَّه يجب على قارئ القرآن أن لا يقرأه بمَحْضَرٍ من العامَّة إلَّا بعد أن يذكر لهم الآيتين أو إحداهما، أو ما يقوم مقام ذلك. فإن قالوا: فإنَّه يلزم مثل هذا في آيات التَّحليل العامَّة التي دلَّت آياتٌ أُخَر على تخصيصها، وليست في سياقها، فيمكن أن يكون بعض الأعراب سمع الآية العامَّة فذهب يستحِلُّ كلَّ ما تناولته، مع أنَّ بعضه مُحَرَّم بآيةٍ لم يسمعها، ومثل هذا يُقَال في الأحاديث، وهكذا ما يشبه العموم من كُلِّ دليلٍ ظاهُرُه تحليل شيءٍ، وقد بيَّنه دليلٌ آخر. فالجواب: أنَّ الخطأ في التَّحليل والتَّحريم سهلٌ، فلا يكون المخطئُ كافرًا ولا فاسقًا؛ بل هو معذور مأجور، كما سيأتي إيضاحه. وليس الخطأ في الكفر كذلك، بل قال جَمٌّ غفيرٌ: إنَّ كلَّ مجتهدٍ في الأحكام مصيب. وله غَوْرٌ، وقد أوضحنا ذلك في موضع آخر. حاصله: أنَّ كثيرًا من القوانين لا يكون مطابقًا للحكمة في كلِّ فردٍ من الأفراد، وإنَّما رُوعِيَ مطابقتُه في الأَعَمِّ الأغلب، ومثَّلناه بحدِّ الزِّنا، فرُبَّ شيخٍ غنيٍّ، ضعيف الشَّهوة، قادرٍ على التزوُّج فتَرَكَه، واحتال للاجتماع بامرأة قبيحة يستطيع التزوج بها ولا يعشقها، فزَنَى بها، ولمَّا كان غير مُحْصنٍ فحدُّه الجلد. وآخر شابٌّ فقير، شديد الشهوة، لا يقدر على التزوُّج، صادَفَتْه امرأةٌ

стр. 30

جميلة يعشقها، ولا يستطيع زواجها، فلم يتمالك نفسه أن وقع عليها، وكان قد تزوَّج امرأةً، وبات معها ليلةً واحدةً ثمَّ ماتت، ولمَّا كان مُحْصنًا فحدُّه الرَّجم. فأنت ترى الثاني أحقّ من الأول بالتَّخفيف، ولكنَّ الشرع لم يُخفِّف عنه؛ وإنَّما كان ذلك لأنَّ الجُرأة على المعصية أمرٌ يخفى ولا ينضبط، فأناط الشرعُ الأمر بصفةٍ واضحةٍ منضبطة، وهي الإحصان وعَدَمه؛ لأنَّ الغالب في الزَّاني المُحْصَن أن تكون نفسُه أرغب عن الزِّنا من غير المُحْصَن، فإذا زنى مع ذلك كانت جُرأته أشدّ من غير المُحْصَن. ولكنَّ الحَكَمَ العَدْل ﵎ يَجْبُر ما يستلزمه القانون العام من خَلَلٍ في بعض الجزئيات بقَدَرِه الذي لا يعجزه علم الحقيقة، ولا تقدير ما يوافق الحكمة. ولذلك صورٌ قد ذكرت بعضها في غير [هذا] الموضع، والذي يختصُّ بهذا الموضع هو أنَّ الله قد يعلم أنَّ هذا الشيء الذي دلَّت الآية بعمومها على أنَّه حلالٌ، وبيَّنت آيةٌ أُخرى أنّه حرام= يعلم سبحانه أنَّ الحِكْمة لا تقتضي تحريم ذلك الشيء على هذا الشخص، فيَسَّره سبحانه بقَدَرِه إلى أن يسمع الآية العامَّة ولا يسمع الآية الأخرى، فهو وإن كان مخطئًا بالنَّظر إلى الحكم الشرعيِّ، فهو مصيبٌ بالنَّظر إلى الحكم الذي علم الله أنّه أنسب به، ولا يأتي مثل هذا في الكفر. واعْلَم أنَّ المُؤَوِّلين يُكابِرون، والمكابرة لا علاج لها إلَّا الكَيُّ، ولكنَّ جماعةً من متبحِّريهم أَنِفُوا من المكابرة ووقعوا في شرٍّ منها؛ لأنَّهم أصرُّوا على شُبهاتهم الفلسفية.

стр. 31

ثم قال بعضهم: إنَّ المقصود من الشريعة هو إصلاح حال البشر حتى يمتثلوا الأمر ويجتنبوا النَّهي، وإنَّما ضمَّت من العقائد ما يتوقَّف ذلك عليه، وأمَّا ما عدا ذلك فإنها جاءت بما يوافق اعتقاد غالب الناس وإن كان خطأً في نفسه! وإنَّما فَعَلَت ذلك لئلَّا تصدَّ النّاس عن قبول الشريعة إذا جاءت بما يُخالف عقائدهم! قالوا: فجاءت بأنَّ الله مُستوٍ على عرشه فوق سماواته، وأنَّ له وجهًا ويدًا وقدمًا، وغير ذلك ممَّا هو عندهم من خواصِّ الأجسام! قالوا: لأنَّ غالب النَّاس ــ بل كلَّهم إلَّا من تغلغل في المعقولات ــ لا يُصدِّقون بموجودٍ قائمٍ بذاته، ليس بجسمٍ، ولا في جهةٍ! و عند هؤلاء أنَّ عامَّة الصَّحابة والتَّابعين وغالب الأمَّة مخطئون في اعتقادهم ، يلزمهم القول بحدوث الحقِّ ونقصه ﵎، ولكنَّ الشريعة أقرَّتهم على ذلك؛ فليسوا بكفَّارٍ، ولا فُسَّاقٍ في حكم الشَّرع. وأنت ترى أنَّ هؤلاء أدنى من المكابرين إلى العقل في بادئ الرَّأي، ولكنَّهم أخبث منهم؛ فإنَّهم يقولون: لا ريب أنَّ آيات الصِّفات وأحاديثها ظاهرةٌ في الباطل، ولم تكن هناك قرينةٌ كافيةٌ لصَرْفها عن ذلك، وعامَّة الصَّحابة والتابعين وغالب مَنْ بَعْدَهم فَهِموا منها المعنى الباطل، وهي في نفسها مسوقة سياقًا يُفْهَم منه المعنى الباطل، وذلك كذبٌ لا محالة، ولكنَّ الكذب لإصلاح النّاس حَسَنٌ! فجَوَّز هؤلاء ــ بل نسبوا ــ الكذب إلى الله وكتابه ورسوله ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ [الكهف: ٥].

стр. 32

ثُمّ يقال لهم: لو سُلِّم أنَّ الكذب قد يكون حسنًا، فإنَّما ذلك من الإنسان العاجز المحتاج . ولو لم يستحل أن يقع من الله ورسوله شيءٌ من هذا الكذب فقد كان يجب أن لا يكون إلَّا عند الحاجة، ولا حاجة إلى تلك الآيات والأحاديث، فكان يكفي أن يُثبت لله ما لا بُدَّ منه، ويُعْرِض عمَّا عدا ذلك ممَّا يخطئ النَّاس فيه من الاعتقاد، فلا يردّه عليهم! فأمَّا أن يُصرِّح بما يوافق اعتقادهم الخاطئ، ويؤكِّده، ويكرِّره في مواضع لا تُحْصَى، فهذا ما لا يُتوهَّم جوازه؛ لأنَّ الإصلاح المقصود لا يتوقَّف عليه. وقد حكم الله بكفر مَن نسب إليه الولد، وقال في ربه بما لا برهان له به وغير ذلك، قبل بعثة محمد ﵌ وبعدها. وإذا تدبّرت ما قدَّمناه في تشديد الله ورسوله في الكذب ازددت بصيرةً في هذا إن شاء الله تعالى. ووجهٌ آخر، وهو: أنَّه قد كان في أصحاب رسول الله ﵌ جماعةٌ من أهل الذَّكاء والفِطْنة وسلامة العقل، يلازمون النَّبي ﵌ حضرًا وسفرًا، ويصدِّقونه في كلِّ ما يقول؛ أَفَمَا كان ينبغي أن يبوح لهم بالحقيقة، ويأمرهم أن يبوحوا بها لِمَن وثقُوا بذكائه وفِطْنته، وهكذا يتسلسل هذا الأمر في كبار العلماء في كلّ قرن. فما بالُنا نجد كبار العلماء ــ من الصَّحابة والتَّابعين فمَن بعدهم ــ هم أشدُّ الناس بُعدًا عن هذا الاعتقاد.

стр. 33

وعامَّة من خاض في ذلك هم ممَّن لم ينشأ على العلم، ولا لازم العلماء، ولا تبحَّر في الكتاب والسُّنة، وإنَّما أئمتهم الجعد بن درهم، وجهم بن صفوان، وأشباههم مِمَّن لا تُعرَف له عناية بالعلوم الدِّينية، ولا ملازمة لأئمَّتها، فقام الأئمة المشهورون بالعلم ومُلازمة أهل العلم فبدَّعوا هؤلاء وضلَّلوهم وكفَّروهم، كما هو معروف. فإن قال قائلٌ: لعلَّ النَّبي ﵌ أوصاهم بالكتمان! قيل له ــ مع العلم ببطلان قوله ــ: وهل كان الكتمان فرضًا، حتى إذا سمعوا مَن يذكر الحق ضلَّلوه وكفَّروه؟ فإن قال: نعم. قيل: فهل كان ذلك حقًّا أم باطلًا؟ فإن قال: بل حقًّا. قيل له: فأنت وأئمَّتك على هذا مُبْطِلون ضالَّون مُضلُّون، محاربون لله ورسوله. واعْلم أنَّ مِن هؤلاء مَن كابَر أيضًا، ومنهم مَن رأى أنَّ المكابرة لا تجدي ففرَّ إلى ما هو أخبث وأخبث، فقال: إنَّ الأنبياء أناسٌ فضلاء أخيارٌ أرادوا إصلاح البشر، وصَفَت أنفسهم إلى درجة أنَّهم صاروا يتوهَّمون أنَّهم يسمعون كلام الله تعالى وملائكته، وإنّما كان ذلك تخيُّلًا محضًا، غير أنَّ نفوسهم لمَّا كانت طاهرة كانت تتخيَّل ما يناسب ما يريدونه من الإصلاح بحسب معرفتهم، وكانوا يعتقدون ما أخبروا به، ويرون أنّه الحقّ. ولمَّا رأى بعض هؤلاء أنَّ ما تواتر من صفات الأنبياء ــ ممَّا يدلُّ على نهاية العقل والفِطْنة والمعرفة ــ يأبى ذلك قال: هم أناسٌ عقلاء اخترعوا لأُمَمِهِم ما يصلحونها به في دنياها.

стр. 34

ورأى غير هؤلاء أنَّ ما تواتر عن الأنبياء ممَّا يُبَرْهِن على ملازمتهم للصِّدق والعبادة وشِدَّة الخوف من الله ، وتقديم طاعته على كل ما عداه، مع ما جاؤوا به من الحكمة التي تبهر العقول= تحيِّر، فقال قائلهم: نِهايةُ إقدامُ العُقُول عِقَالُ ... [وأكثرُ سَعي العَالَمين ضَلالُ وأرواحُنا في وَحْشةٍ من جُسُومِنا ... وحَاصِلُ دُنْيَانا أذًى ووَبَالُ ولم نَسْتَفِد مِن بَحْثِنا طُولَ عُمْرِنا ... سوى أن جَمعنا فيه قِيلَ وقالوا وكم قد رأينا مِن رجالٍ ودولةٍ ... فبَادُوا جميعًا مُسْرِعين وزالوا وكم من جِبالٍ قد عَلَت شُرُفاتها ... رِجالٌ فَزَالُوا والجِبالُ جِبالُ] (١) ومنهم من تداركته رحمة الله ﵎، فرضي من الغنيمة بالإياب، على أنّه لم يرجع سالمًا مِن كلِّ عاب، وإلى الله المآب، وعليه الحساب. وأمَّا مَن قال: حياةٌ تليق به، ويدٌ تليق به تعالى، ونحو ذلك، ولا تُؤولُ، فهم فِرَقٌ: الفرقة الأولى: من يُسلِّم أنَّ ظواهر آيات الصِّفات وأحاديثها تقتضي المُحَال، وأنَّ التَّأويل سائغٌ ولكنَّه خطرٌ. وقال قائلهم: "مذهب السَّلف أسلم ومذهب الخلف أعلم".

стр. 35

الفرقة الثانية: كالأولى، إلَّا أنَّها تقول: لا يجوز التّأويل أصلًا. الفرقة الثالثة: من يقول: كلُّ ما أثبته الله لنفسه، وأثبته له رسولُه ﵊ فهو حقٌّ وصِدقٌ على ظاهره. أمّا الفرقتان الأُوليان فيلتحقان بالمُؤَوِّلين، وقد تقدَّم ما لهم وعليهم. وأمَّا الفرقة الثالثة فإنَّها نُسِبَت إلى موافقة مَن قال: حياة كحياتي، ويدٌ كَيَدي، وهي أبعد الناس عن ذلك. وهاك الإيضاح: غالب الصِّفات يختلف تصوُّرها تبعًا لاختلاف تصوُّر الموصوف بها، فيُقال للصَّبي الغِرِّ والأعرابي الجِلْف: يد إنسانٍ، فيتصوَّر شيئًا، ثم يُقال له: يدُ فَرَسٍ، فيتصوَّر شيئًا آخر، ثم يقال له: يدُ طائر؛ فيتصوَّر شيئًا ثالثًا، وهكذا. فإذا قيل له: يدُ الله، فقد يتخيَّل شيئًا ما، فإذ رجع إلى عقله عَلِم أنَّ ذلك التَّخيل خَرْصٌ وتَخْمين، ثم يقول: ما رأيتُ الله ، ولا رأيتُ ما يُماثله فكيف يتهيَّأ لي تصوُّر يَدِه؟! وهذه حقيقة متفقٌ عليها بين العقلاء، وهي أنَّ الإنسان لا يُدرِك إلّا ما أحسَّ به، أو أحسّ بفردٍ أو أفراد مماثلة له، ولا يدرك ممَّا أحسَّ به أو أحسَّ بما يماثله إلَّا ما تناوله الإحساس، ولا يُدرِك ممَّا أحسَّ بما يماثله إلَّا ما يعلم أنَّه قدرٌ مشتركٌ بينهما؛ فلسنا ندرك من صفات الله إلَّا ما يتّصف المخلوق بما يشبهه في الجملة، فاستدللنا بآثاره على وجوده؛ لأنَّنا نعرف الوجود في الجملة بوجود الخلق الذين نُحسُّ بهم، ونعلم أنَّ الأمر يدلُّ على وجود مؤثِّر. وهكذا بقيَّة الصفات التي تقدَّم ذكرها، مع العلم بأنَّ صفات الربّ عزَّ

стр. 36

وجلَّ واجبةٌ كاملةٌ مُبرَّأةٌ، وأنَّ صفات المخلوق فانيةٌ ناقصةٌ معيبة، ولكنَّ ذلك لا يمنع وجود اشتراك في الجملة يتهيَّأ به الإدراك، على أنَّنا إنَّما نُدرِك صفات الله على وجهٍ إجمالي. فأمَّا اليد ــ مثلًا ــ فإنَّنا لا نجد ذاتًا تشبه ذات الرَّب في الصُّورة ــ تفصيلًا ولا إجمالًا ــ حتى نُدرِك يده تعالى بالقياس على يد تلك الذات التي نعرفها. هذا في الإثبات. وأمَّا في النَّفي فلم نُدرِك ذاتًا تشبه ذاته ، وليس لها يدٌ حتى نُدرِك بالقياس عليها أنَّه ليس له سبحانه يدٌ، غاية الأمر أنَّنا نُدرِك أنَّه سبحانه منزَّهٌ عن النَّقص، ولكنَّنا لا نُدرِك أنَّه لو كان له يدٌ تليق به لكان ذلك نقصًا، ومَن زَعَم أنَّه يُدرِك هذا فإنَّه تخيَّل يدًا كيد المخلوق، فلذلك جَزَم بأنَّها نقصٌ. والإنسان إذا حاول أن يتصوَّر شيئًا؛ فإن كان قد أدركه بواسطة الحواسِّ فذاك، وإلّا فإنْ كان قد أدرك ما يشابهه فإنَّه يتصوَّره بتلك الصُّورة، ولكنَّ العقل إذا عَلِم أنهما لا يتشابهان في كل شيءٍ جَرَّد الصورة المُتَخيَّلة من بعض الأوصاف. وإذا كانت الصُّور المشابهة لِمَا يحاول تصوُّره كثيرة فإنَّ الفكر يتصوَّر صورةً على القدر المشترك بين تلك الصُّورة التي أدركها مجرَّدة عن الخواص التي تختلف، وربما ضَمَّ إليها صِفةً، أو نقص منها صفةً إذا قام لديه ما يوجب ذلك. فإذا سمعت برجلٍ إنجليزيٍّ لم تَرَهُ، ولا رأيتَ صورتَه، ولا وُصِف لك، وكلَّفتَ ذهنك أنْ يتصورَّه، وكنت قد رأيت جماعةً من الإنجليز= فإنَّ ذِهْنَك يتخيَّل صُورةً على القدر المشترك بين الذين رأيتهم حتى يتخيّل اللباس.

стр. 37

ولو أردت تصوُّر رجلٍ حبشيٍّ لاختلفت الصُّورة التي تخيَّلتها. فإذا وُصِف لك الرجل أنَّه أعور، أو أعرج، أو طويل، أو قصير، أَضَفْتَ هذه الصِّفة إلى تلك الصُّورة، ولكن بحسب القَدْر المشترك بين العُور والعُرْج، والطِّوال والقِصَار الذين قد أدركتهم، على أنَّك لو كلَّفتَ نفسك تصوُّره كبيرًا جدًّا كالجبل، أو صغيرًا جدًّا كالذَّرَّة لأمكنك ذلك. وإذا تدبَّرتَ وجدتَ الذِّهن إنِّما يستمد التَّصوُّر من القياس على الصُّوَر المخزونة في الحِفظ، ولكنَّه يركِّب ويُقسِّم، فيمكنه أن يتصوَّر شِقَّ رجلٍ، ويتصوَّر رجلًا له وجه فَرَس، وهكذا. فإذا كلَّفته أن يتصوَّر ما لم يُحسَّ به، ولا بما يشبهه فإنَّه يفرضُ عليك صورًا يستمدّها من خزانته، وقد يركِّب ويُقسِّم، ويزيد وينقص، وكلَّما عَرَض عليك صورةً، فقال العقل: ليس هذا أريد، عاد فاستمدَّ من الخزانة صورةً أخرى. فإذا كُلِّف الذِّهن تصوُّر يد الله فأوَّل ما يفرِضُ يد إنسانٍ؛ لأنَّها أقرب الأيدي حضورًا بالذهن؛ لكثرة تكرُّر إحساسه بها، فإذا لم تقبلها أخذ يزيد في تلك الصورة وينقص، ويستمدُّ الزيادة والنّقص من الأجرام التي قد أدركها، كأنْ يجعلها نورًا على صفةٍ ما، قد أدركه من نور الشمس والقمر وغيرهما، ويعظمها ــ لإدراكه صِفة العَظَمة ــ حتى يجعلها كالجبل أو أعظم منه، وغير ذلك. والعقل يحكم كلَّ مرَّةٍ أنَّ تلك الصورة فيها نقصٌ وعيبٌ، وأنَّ الله مُبرَّأٌ عن ذلك، فإذا يَئِسَ مِن وجدان صورةٍ تليق بربِّ العِزَّة فهو بين أمرين:

стр. 38

إمَّا أنْ يعترف بعجزه وقصوره، وأنَّ الموجودات لا تنحصر فيما يمكنه تصوُّره وتخيُّله، فهذا يُجوِّز أن يكون لله يدٌ تليق به، فإذا عَلِم أنَّ الصَّادق المصدوق قد أخبر بذلك آمن به. وإمَّا أن يغلب عليه الغُرُور والدَّعوى، ويزعم أنّه ما من موجود إلَّا ويمكنه أن يتصوَّره، فهذا يُنْكِر أن تكون لله يدٌ، ويزعم أنّ مَن أثبت لله يدًا يلزمه أن يثبت له يدًا من تلك الأيدي التي تخيَّل صُوَرَها العقل. فلو أنّ رجلًا خُلِقَ أكْمَه وكبر، وعُلِّم الكلام ما عدا الألوان، ولم يُخبَر بأنَّ الناس يبصرون، ثم قال له رجلٌ بصيرٌ ذات يومٍ: هذا شيءٌ أبيض، فإنَّه يقول: وما معنى أبيض؟ أكبيرٌ؟ فيُقَال: لا، فيقول: فصغيرٌ؟ فيُقال: لا، فيقول: فأملس؟ فخشن؟ فجامد؟ فمائعٌ؟ إلى غير ذلك من المعاني التي قد عرفها وأحسَّ بها. فإذا قيل له ــ في كلّ ذلك ــ لا، لا! قال: فهذا عدمٌ! وإن كان قد أُخْبِر بالألوان، وتواتر عنده أنَّ النَّاس يُبصِرُون، وأنَّ للأشياء ألوانًا فإنَّه يصدِّقهم، ولكنَّه لا يستطيع تصوُّر ذلك. فهذا مثل الإنسان إذا أُخْبِر بصفات الرَّب . وكأنَّه لهذا المعنى زَعَم بعض المتكلِّمين أنَّ رؤية المؤمنين لربِّهم في الآخرة إنَّما تكون بحاسَّةٍ سادسةٍ يخلُقُها لهم! (١).

стр. 39

ولبيان خطئه أضرب مثلًا ثانيًا: افرض أنَّه لا يوجد في الدُّنيا من الألوان إلَّا السَّواد والبياض، ثم أُخْبِر إنسان بأنَّ هناك شيء يُرَى، أليس يقول: أسود؟ فإذا قيل: لا! فيقول: أبيض؟ فيقال: لا، فيقول: فليس في الوجود شيءٌ يُرَى إلَّا إمَّا أبيض وإمَّا أسود! فهذا مثل القوم؛ فإنَّهم لمَّا لم يعرفوا في المرئيَّات إلَّا هذه المحسوسات قالوا: لو أمكن رؤية الله لكان من جنس هذه المحسوسات! والمقصود من المثال التَّفهيم، وإلّا فلا يخفى أنَّ الحُمْرة من جِنْس الألوان، وليس الله من جِنْس الخَلْق، ولو فُرِض أنَّ إنسانًا لم يَرَ صقيلًا تنطبع فيه صورته، ثمّ أُخْبِر بأنَّ الإنسان يمكنه أن يدرك بمعونة حاسَّة بصره لون حَدَقَته، فيَعْلَم أنَّها سوداء أو زرقاء أو غير ذلك بدون أن تخرج إحدى عَيْنَيه من موضعها، ولا يتغيَّر شكله، أليس يبادر فيقول: هذا محالٌ! والمقصود من هذه الأمثلة تقريب المعنى الذي ذكرناه، من أنَّ الإنسان يجحد ما لا يحسُّ به، [وبما لا يشبهه] (١). ولو قلتَ لبدويٍّ لم يسمع بالآلات المخترعة: إنَّه يمكننا أن نسمع كلام أهل أمريكا ونحن بحضرموت بدون معجزةٍ، ولا سحرٍ، ولا كرامةٍ = لقال: هذا كذب! ولو لم يكن قد سَمِع بالمعجزات والكرامات والسِّحر ما احْتَجْتَ أن تقول له: بدون كذا ولا كذا. إذا علمتَ هذا؛ فإنَّا نقول: كان الصَّحابة ومَن بعدهم مِمَّن لم يتحكَّك بالبدع يعلمون حقَّ العِلم أنَّه لا سبيل للعقل إلى تصوُّر يد الله ، ولا

стр. 40

سبيل للعقل أن يُدرك أنَّه سبحانه ليس له يدٌ تليق به، فلمَّا أخبرهم الله ورسوله بأنَّ لله يدًا آمنوا وصدَّقوا. فليس في تلك النُّصوص بحمد الله لا كذبٌ ولا إضلال، وليس في عقيدة السَّلف جهلٌ ولا ضلالٌ؛ فإنَّ الجهل بما ليس في قدرة الإنسان العِلم به لا يُعدُّ نقصًا، وإنَّما الجاهل من يجهل ذلك ويجهل أنَّه جاهل، ويخبُّ ويضَعُ فيما ليس فيه مَطْمعٌ، ويؤول به الأمر إلى ما سمعت وتسمع. واعْلَم أنَّ سبب ضلال القوم أمور: الأول: قِلَّة حظِّهم من معرفة الكتاب والسنة. الثاني: تقديسهم للفلاسفة فوق تقديس الأنبياء بدرجات. الثالث: ما في فطرة الإنسان من دعوى أنَّ عقلَه يستطيع إدراك كلِّ شيءٍ، فَطَرَه الله على ذلك لئلَّا يكسل ويَتَوَانَى عن المعارف والعلوم، كما فَطَرَه على طُول الأمل ليبقى في عمارة الدُّنيا، وعدّل ذلك بالعقل ليَكْبَحَهُ عن تجاوز الحدِّ في ذينك الأمرين، وهؤلاء القوم نشأوا على التطلُّع والتعمُّق، فاعتَضَدَت الفِطْرة بالعادة، فأغفلهم ذلك عمَّا يُقرِّرونه من أنَّ الإدراك لا يكون إلَّا بإحساس أو قياس كما سلف، فكلَّفوا عقولهم أن تُدرك ما ليس من شأنها إدراكه، فصارت تتَّقيهم بالتَّخْييلات، وقد أُثِرَ عن الشافعي رحمه الله تعالى أنّه قال: "إنّ للعقل حدًّا ينتهي إليه" (١).
следующие страницы →