Полный текст (2 140 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
فَصَارَ بِمَنْزِلَة قولِهم أَصْرَم النخلُ، وَالرَّابِع أَن يُقَال أَفْعَلَ من الدُّخُول فِي الشيءِ كَقَوْلِهِم أَفْجَرْنا: أَي دَخَلْنا فِي وقتِ الْفجْر وأَمْسَيْنا وأَصْبَحْنا وأَظْهَرْنا: دَخَلْنا فِي الْمسَاء والصَّباح والظُّهر وَمِنْه يُقَال أَشْمَلنا وأَجْنَبنا وأَصْبَينا وأَدْبَرنا: إِذا دَخَلنَا فِي الشمَال والجَنوب والصَّبا والدَّبور وَيُقَال أَشْهَرنا: إِذا دَخَلْنا فِي الشَّهر، قَالَ الشَّاعِر: مَا زِلتُ مُذْ أَشْهَرَ السُّفَّارُ أَنْظُرُهُم مثلَ انْتِظَار المُضَحِّي راعيَ الإبلِ وَإِنَّمَا يُستعمل ذَلِك فِي الْأَوْقَات وَمَا جرى مَجراها، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول لما أَصَابَهُ هَذَا نَحِزٌ وجَرِبٌ وحالَتِ الناقةُ يَعْنِي أَنه لَيْسَ للبعير الَّذِي أَصَابَهُ الجَرَب فِي نفْسِه مُجْرِب وَلَا الَّذِي أَصَابَهُ النُّحاز مُنْحِز إِنَّمَا يُقَال مَنْحُوز والمُنْحِز صاحبُه والنُّحاز: السُّعال وَفِي غير ذَلِك إِذا لم يكن على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا لامَ الرجلُ صاحبَه وصَرَمَ النخلَ وجزَّه وقَطَعَه وَمَا أشبه ذَلِك وَمثل ذَلِك: أَسْمَنتَ وأَكْرَمتَ فاربِط. يُقَال ذَلِك للرجل إِذا وجد شَيْئا نَفيساً يُرغبُ فِيهِ أَن يتمسّك بِهِ فَمَعْنَى أَسْمَنت: أَي وَجَدْت سَميناً وأَكْرَمت: أَي وجدت فَرَساً كَرِيمًا وغيرَ فَرَس فاربِط: أَي اتخِذه وَأما أَحْمَدته فوجَدْته مستحقَّاً للحَمْد مني، قَالَ: وَقَالُوا أَرابَ كَمَا قَالُوا أَلامَ: أَي صَار صاحبَ رِيبةٍ كَمَا قَالُوا أَلامَ: استحقَّ أَن يُلام وأمَّا رابَني فَتَقول جَعَلَ فِيَّ رِيبةً كَمَا تَقول قَطعت النخلَ: أَي أَوْصَلت إِلَيْهِ القَطْع فأَرابَ غيرُ متعدٍّ ورابَ متَعدٍّ، لَا تقُل أَرابني لِأَنَّك لم تفعل بِهِ الإرابة وَإِنَّمَا اسْتَوْجَبت الرِّيبة أَو صِرت صاحبَ ريبةٍ، وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: رابَني: إِذا تَبَيَّنَتْ مِنْهُ وأَرابَ: إِذا اتُّهِمَ بهَا وَلم تتبَيَّن وَلذَلِك قَالَ بعض الشُّعَرَاء: أخوكَ الَّذِي إنْ رِبْته قَالَ إنَّما أَرَبْتَ وَإِن عاتَبْتَه لانَ جانِبُه فَمَعْنَاه إِن تبيَّن مِنْك رِيبَة قَالَ لم أتبَيَّنْ بعدُ وَمثل ذَلِك أبَقَّتِ المرأةُ وأبَقَّ الرجلُ: إِذا كَثُر أولادُهما وَهُوَ يدْخل فِي بَاب المُنْحِز والمُجْرِب أَي لَهما أولادٌ كثير وَإِن جِئْت بِالْفِعْلِ من ذَلِك قلت بَقَّت المرأةُ وَلَدَاً وبَقَقْتُ كلَاما كَقَوْلِك نَثَرْت ولَداً ونَثَرْت كلَاما وَمثل المُجْرِب والمُقْطِف المُعْسِر والموسِر والمُقِلُّ وَأما عَسَّرته: فَمَعْنَاه ضَيَّقت عَلَيْهِ، ويسَّرْته: وسَّعت عَلَيْهِ. وَقد يكون فَعَلْت وأَفْعَلت بِمَعْنى واحدٍ كأنَّ كل وَاحِد مِنْهُمَا لغةٌ لقوم ثمَّ تختلط فتُستعمَل اللُّغتان كَقَوْلِك قِلْتُه البيعَ وأَقَلْته وشَغَلَه وأَشْغَله وصَرَّ أُذُنَيْه وأَصَرَّ: إِذا أقامهما وبَكَرَ وأَبْكَر وَقَالُوا بَكَّر فأدخلوها مَعَ أَبْكَرَ فبَكَّر أُدخِل مَعَ أَبْكَرَ كَمَا قَالُوا أَدْنَف فَبَنَوه على أَفْعَلَ وَهُوَ من الثَّلَاثَة وَلم يَقُولُوا دَنِفَ وَهَذَا عَقْد سِيبَوَيْهٍ وأُحَلِّله يُرِيد أَن البابَ فِي الأمراضِ أَن تجيءَ على فَعِلَ وَلم يستعملوا مَا يوجبهُ البابُ وَهُوَ دَنِفَ واستعملوا أَدْنَفَ وَقَالُوا أَشْكَلَ أمرُك وَلم يستعملوا غَيْرَه وَقَالُوا حَرَثْتُ الظَّهْرَ: أَي أَتْعَبته، والظَّهر: المَرْكوب، وأَحْرَثت. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمثل أَدْنَفت أَصْبَحْنا وأَفْجَرْنا وأَمْسَيْنا شبَّهوه بِهَذِهِ الَّتِي تكونُ فِي الأحيان كأنَّ مَعْنَاهُ دَخَلْت فِي وَقْتِ الدَّنَف كَمَا دَخَلْت فِي وقتِ السحَر. قَالَ: وَمثل ذَلِك نَعِمَ اللهُ بكَ عَيْنَاً وأَنْعَم اللهُ بكَ عَيْنَاً فَهَذَا من بَاب فَعَلْت وأَفْعَلت بِمَعْنى وَاحِد يُقَال إِن قوما من الفُقهاء كَانُوا يَكْرَهون استعمالَ هَذِه اللفظةِ وَهِي نَعِمَ الله ُبك عَيْنَاً لِأَنَّهُ لَا يُستعمَل فِي الله نَعِمَ اللهُ وللقائل أَن يَقُول الْبَاء فِي بك بِمَنْزِلَة التعدِّي أَلا ترى أَنَّك تَقول ذَهَبَ الله بِهِ وأَذْهَبه ومعناهما واحدٌ وزُلْت بِهِ من مكانِه وأَزَلْته وَتقول غَفَلْت: أَي صِرت غافلاً وأَغْفَلت الْإِنْسَان: إِذا وَجَدْته غافلاً كَمَا تَقول أَجْبَنته: إِذا وجدته جَباناً وعَلى ذَلِك يحمل قَوْله تَعَالَى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قلبَه عَن ذِكْرِنا) . أَي وَجَدْنَاهُ غافلاً وغَفَلْت عَنهُ بِمَعْنى أَغْفَلته إِذا تَرَكْته وَمثل ذَلِك لَطَفَ لَهُ وأَلْطَف غَيْرَه ولَطَفَ بِهِ كغَفَلَ عَنهُ وأَلْطَفه كأَغْفَلَه ولَطَفَ لَهُ بِمَعْنى تَلَطَّف لَهُ ورَفَقَ بِهِ وَيُقَال بَصُرَ الرجلُ فَهُوَ بَصير: إِذا خَبَّرْت عَن وُجود بَصَره وصِحَّتِه لَا على معنى وُقُوع الرُّؤْية مِنْهُ لِأَنَّهُ قد يُقَال بَصير لمن غَمَّض عَيْنَه وَلم يرَ شَيْئا لصِحَّة بَصَره
стр. 1717
فَإِذا قلت أَبْصَره أَخْبَرت بِوُقُوع رُؤْيَته على الشَّيْء وَتقول وَهَمَ يَهِمُ وأَوْهَم يُوهِم ووَهِمَ يَوْهَم فَأَما وَهِمَ يَوْهَم فَهُوَ الغَلَط فِي الشَّيْء تَقول وَهِمْت فِي الحِساب أَوْهَمُ وَهَمَاً: إِذا غَلِطْت فِيهِ، ووَهَمْت إِلَى الشَّيْء: إِذا ذهبَ قلبِي إِلَيْهِ أَهِمُ وَهْمَاً وأَوْهَمت الشيءَ أُوهِمُه إيهاماً: إِذا تَرَكْته كلَّه وَقد يَجِيء فَعَّلت وأَفْعَلت فِي معنى وَاحِد مشترِكَيْن كَمَا جَاءَ فِيمَا صيَّرته فَاعِلا وَذَلِكَ وَعَّزت إِلَيْهِ وأَوْعَزت وخَبَّرت وأَخْبَرت وسمَّيْت وأَسْمَيت فقد اشْتَركَا فِي هَذَا كَمَا اشْتَركَا فِي بابِ نقْل الْفَاعِل إِلَى المفعولِ فِي قَوْلك غَرَّمته وأَغْرَمته وفرَّحته وأَفْرَحته وَلَيْسَ هَذَا من ذَاك وَقد يجيآن مفترقَيْن من معنى وَاحِد فَيكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا غيرُ معنى الآخر كَقَوْلِك علَّمته وأَعْلَمته فعلَّمت أدَّبت، وأَعْلَمت آذَنْت، وَتقول آذَنْت أَعْلَمت، وأذَّنت: إِذا ناديتَ للصَّلَاة، وبعضُ الْعَرَب يُجري أذَّنت وآذَنت مُجْرى سمَّيت وأَسْمَيت وَتقول أَمْرَضْتُه: أَي جعلته مَرِيضا، ومرَّضته: أَي قمتُ عَلَيْهِ وولِيتُه وَمثله أَقْذَيتُ عينَه: أَي طَرِحَت فِيهَا القذى وجعلتها قَذِيَّةً، وقذَّيْتُها: نظَّفْتها وَقد قيل فِي قَول الله تَعَالَى: (حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَن قُلوبِهِم) . أُذْهِبَ الفَزَعُ عَنْهَا على معنى مرَّضْته: أَي أَزَلْت مرضَه، وَتقول أَكْثَرَ اللهُ فِينَا مثلك كثيرا وَأما كثَّر فَمَعْنَاه جعلَ القليلَ كثيرا وَكَذَلِكَ أَقْلَلْت وقَلَّلت: أَي جَعَلْت الْكثير قَلِيلا، وَهُوَ فِي معنى صَيَّرت وَقد يُقَال أَقْلَلت وأَكْثَرت فِي معنى قلَّلت وكثَّرت وَتقول أَصْبَحنا وأَمْسَينا وأَسْحَرنا وَذَلِكَ إِذا صِرت فِي حينِ صُبحٍ ومساءٍ وسَحَر وَقد مضى نَحْو ذَلِك وَأما صبَّحناه ومَسَّيْناه وسَحَّرْناه فَمَعْنَاه أَتَيْناه صَباحاً وَمَسَاء وسِحراً وَمثله بَيَّتْناه: أَتْيَناه بَياتاً، وَمَا بُني على يُفَعَّلُ يُشَجَّع ويُجَبَّن ويُقَوَّي: أَي يُرمى بذلك مَعْنَاهُ أَنه يُذْكَر ويُنسَب إِلَيْهِ كَمَا تَقول يُفَسَّق ويُضَلَّل وَمثله قد شُيِّعَ الرجلُ أَي قد رُمي بذلك والمُشَيِّع: الشُّجاع كَأَنَّهُ نُسب إِلَى الشجَاعَة، وقِيْلت فِيهِ وَقَالُوا أَغْلَقْت البابَ وغلَّقْت الأبوابَ حينَ كثَّروا العملَ وستَرى ذَلِك فِي بَاب فَعَّلت وَإِن قلت أَغْلَقْت الأبوابَ كَانَ عربيَّاً جيِّداً، قَالَ الفرزدق: حرا وَمثله بَيَّتْناه: أَتْيَناه بَياتاً، وَمَا بُني على يُفَعَّلُ يُشَجَّع ويُجَبَّن ويُقَوَّي: أَي يُرمى بذلك مَعْنَاهُ أَنه يُذْكَر ويُنسَب إِلَيْهِ كَمَا تَقول يُفَسَّق ويُضَلَّل وَمثله قد شُيِّعَ الرجلُ أَي قد رُمي بذلك والمُشَيِّع: الشُّجاع كَأَنَّهُ نُسب إِلَى الشجَاعَة، وقِيْلت فِيهِ وَقَالُوا أَغْلَقْت البابَ وغلَّقْت الأبوابَ حينَ كثَّروا العملَ وستَرى ذَلِك فِي بَاب فَعَّلت وَإِن قلت أَغْلَقْت الأبوابَ كَانَ عربيَّاً جيِّداً، قَالَ الفرزدق: مَا زِلتُ أُغلِقُ أبواباً وأَفْتَحُها حَتَّى أَتَيْتُ أَبَا عمروِ بنَ عَمَّارِ قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن اللَّفْظ الَّذِي يُدلُّ بِهِ على التكثير هُوَ تشديدُ عينِ الفعلِ فِي الفعلِ وَإِن كَانَ قد يَقَع التشديدُ لغير التكثير كَقَوْلِنَا حَرَّكته وَلَا تُريد تكثيراً فمما يُدَلُّ بِهِ على التكثير أَنَّك تَقول أَغْلَقتُ البابَ الواحدَ وَلَا تَقول غَلَّقْته وَتقول ذَبَحْتُ الشاةَ وَلَا ذَبَّحْتُها وَتقول ذَبَّحْتُ الغنَم، وَأما سائرُ الْأَفْعَال فَلَيْسَ فِيهَا دِلالةٌ على أحدِهما وَهِي تقعُ للكثير والقليل فَمن أجل ذَلِك يجوز أَن تستعملها للكثير فتريد بهَا مَا تُرِيدُ بالمشدد وَمن أجل ذَلِك أُغْلِق أبواباً وَقَوله أَفْتَحُها بِمَعْنى أُفَتِّحُها وَقد أعَاد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت بعَيْنه فِي بابِ فَعَّلت شَاهدا فِي أَن أَفْتَحُها فِي معنى أُفَتِّحُها وَفِي هَذَا الْموضع أُغلِق فِي معنى أُغَلِّق وَقد استعملوا أَنْزَل ونَزَّل فِي معنى واحدٍ وَقد يسْتَعْمل نزَّل فِي معنى التكثير فَأَما أَنْزَل ونزَّل بِمَعْنى واحدٍ غير التكثير فقولُه : (ويقولُ الَّذين آمنُوا لَوْلَا نُزِّلتْ سورةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورةٌ) . وَقَالَ : (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيةٌ من ربِّه،
стр. 1718
قُل إنَّ اللهَ قادرٌ على أَن يُنَزِّل آيَة) . فَهَذَا لغير التكثير لِأَن آيَة وَاحِدَة لَا يَقع فِيهَا تَكْثِير الْإِنْزَال وَكَانَ أَبُو عَمْرو يخْتَار التَّخْفِيف فِي كل مَوضِع لَيْسَ فِيهِ دلَالَة من الحضِّ على التثقيل إِلَّا فِي موضِعين أَحدهمَا قَوْله : (وإنْ منْ شيءٍ إلاّ خَزائِنُه وَمَا نُنَزِّلُهُ إلاّ بقدرٍ مَعْلُوم) . اخْتَار التثقيل فِي هَذَا لِأَنَّهُ تَنْزِيل بعد تَنْزِيل فَصَارَ من بَاب التكثيرِ والموضِعُ الآخر: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عليهِ آيةٌ من ربِّه قل إنَّ اللهَ قادرٌ على أَن يُنَزِّل آيَة) . فَاخْتَارَ التَّشْدِيد فِي يُنَزِّل حَتَّى يشاكل نُزِّل لِأَن الْمَعْنى واحدٌ فَالْأول الَّذِي فِي الحِجْر للتكثير وَهَذَا للمُطابقة وَلَيْسَ للمطابقة تكثيرٌ وَقد يجوز أَن يكونَ بيِّنَ فِي معنى أبانَ وَيجوز أَن يكونَ للتكثير.
هَذَا بَاب دُخُول فَعَّلت على فَعَلْت لَا يَشْرَكُه فِي ذَلِك أَفْعَلت
تَقول كَسَرْته وقَطَعْته فَإِذا أردْت كَثْرَةَ العمَل قلت كَسَّرته وقَطَّعته ومزَّقته وَإِنَّمَا يدُلُّك على ذَلِك قَوْلهم عَلَّطْت الإبلَ وإبلٌ مُعَلَّطَة وبَعيرٌ مَعْلوط وَلَا يُقَال مُعَلَّط لأنَّ الإبلَ كثير فقد تَكَرَّر فِيهِ العِلاط وعَلى هَذَا شاةٌ مذبوحٌ وغنم مُذَبَّحَة وبابٌ مُغْلَق وأبوابٌ مُغَلَّقة وجَرَحْت الرجلَ: إِذا جَرَحْته مرَّة أَو أَكثر وجَرَّحته: إِذا أَكْثَرت الجِراحاتِ فِي جسدِه وَقَالُوا ظلَّ يُفَرِّسُها السَّبُع ويُؤَكِّلُها: إِذا أَكثر ذَلِك فِيهَا وَقَالُوا موَّتَت وقَوَّمَت: إِذا أردْت جماعةَ الإبلِ أَنَّهَا مَاتَت وَقَامَت وَقَالُوا وَلَدَت الشاةُ ووَلَّدَّت الغنمُ لِأَنَّهَا كثيرةٌ وَقَالُوا يُجَوِّل ويُطَوِّف: يُكْثِر الجَوَلان والطَّواف. وَاعْلَم أَن التَّخْفِيف فِي هَذَا كلِّه جائزٌ عربيٌّ إِلَّا أَن فَعَّلْت إدخالُها هُنَا أجودُ ليبَيِّنَ الكثيرَ وَقد يدْخل فِي هَذَا التخفيفُ كَمَا أَن الرِّكْبَة والجِلْسَة قد يكون مَعْنَاهُمَا فِي الرُّكوب والجُلوس وَلَكِن بيَّنوا بهَا الضربَ فَصَارَ بِنَاء خَاصّا لَهُ كَمَا أَن هَذَا بناءٌ خاصٌّ للتكثير أَعنِي أَن التخفيفَ قد يجوزُ أَن يُراد بِهِ القليلُ والكثيرُ فَإِذا شَدَّدْتَ دَلَلت بِهِ على الْكثير وَقد مضى هَذَا كَمَا أَن الرُّكوبَ وَالْجُلُوس قد يَقع لقَلِيل الفعلِ وكثيرِه وَلِجَمِيعِ صُنوفه فَإِذا قلت الرِّكْبة والجِلْسة دلَّ على هَيئته وحالِه وَإِذا قلت الرَّكْبة والجَلْسة دلَّ على مرَّةٍ واحدةٍ وَالْجُلُوس قد يجوز أَن يُرَاد بِهِ المرَّة وَقد يجوز أَن يُراد بِهِ الْمصدر الَّذِي تقع عَلَيْهِ الجِلْسة فَصَارَ اختصاصُ الجِلْسة بشيءٍ خاصٍّ كاختصاص يُطَوِّف ويُجَوِّل بشيءٍ خاصٍّ وَصَارَ الرُّكوب وَالْجُلُوس بِمَنْزِلَة يَجول ويَطوف فِي أَنه يصْلُح للأمرين. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وكما أَن الصَّرْف والرِّيح قد يكون فِيهِ معنى صَرْفَة ورائِحة يُرِيد أَنَّك إِذا قلت صَرَفْته صَرْفَاً فقد يجوز أَن تُرِيدُ بِهِ المرةَ وَهِي الصَّرْفة وَإِذا قلت شَمِمْت ريحًا فَيجوز أَن تُرِيدُ بِهِ معنى الرَّائحة كَأَنَّهُ جعل الرائحةَ للواحدةِ والرِّيحَ للْجِنْس وَهَذَا فِي أَكثر الِاسْتِعْمَال، قَالَ الله : (ولسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهرٌ ورَوَاحُها شَهْرٌ) . فَعبر عَنْهَا بالرِّيح وَهُوَ الْكثير وَأما الرائحةُ فَأكْثر مَا يُستعمَل مِمَّا يفوح فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَة، ثمَّ أنْشد: مَا زِلتُ أَفْتَحُ أبواباً وأُغْلِقُها ثمَّ قَالَ وفَتَّحت فِي هَذَا أحسنُ كَمَا أَن القِعْدة فِي ذَلِك أحسنُ لِأَن اللفظَ الخاصَّ الموضوعَ لِمَعْنى أَكْشَفُ لذَلِك الْمَعْنى من أَن تأتيَ بمُبْهَم وَقد قَالَ الله : (جناتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُم الأبوابُ) . وَقَالَ: (وفَجَّرْنا الأرضَ عُيوناً) . فَهَذَا وَجه فَعَلْت وفَعَّلِْت مبَيَّناً فِي هَذِه الْأَبْوَاب وَهَكَذَا صفتُه وَهَذَا الْبَاب جُمهوره أَو عامَّته تحليلُ أبي عَليّ وَأبي سعيد. ثمَّ نذكرُ بناءَ مَا طاوَع: فَالَّذِي يكون فِعْلُه على فَعَلَ يكون على انْفَعَل وافْتَعل وَالْبَاب فِيهِ انْفَعل وافْتَعَل قليلٌ تَقول كَسَرْته فانْكَسَر وحَطَمْته فانْحَطم وحَسَرْته فانْحَسر ودَفَعْته فانْدَفع وَمعنى قَوْلنَا مُطاوَعة أَن المفعولَ بِهِ لم يمْتَنع ممَّا رامه الفاعلُ أَلا ترى أَنَّك تَقول فِيمَا امْتنع مِمَّا رمتَه دَفَعْته فَلم يَنْدَفِع وكَسَرْته فَلم يَنْكَسِر أَي أَوْرَدْتَ أسبابَ الْكسر عَلَيْهِ فَلم تُؤَثِّر وَتقول شَوَيْته فانْشَوى وَبَعْضهمْ فاشْتَوى بِمَعْنى انشَوى وَقد يُقَال اشْتَوَيْته فِي معنى شَوَيْته: أَي اتَّخْذته مَشْوِياًً وَكَذَلِكَ اطَّبَخْت فِي معنى طَبَخْت: أَي اتَّخذت طَبيخاً وَتقول غَمَمْته فاغْتم وانْغَمِّ عربيَّةٌ وصَرَفْته فانْصَرف. وَأما أَفْعَلت الشيءَ فمطاوعه هُوَ الفِعل الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ أَفْعَلت كَقَوْلِك أَدْخَلته فدَخَل وأَخْرَجته فخَرَج غير أَن الأَصْل دَخَلَ وقولك أَدْخَلته أَي صيَّرته
стр. 1719
دَاخِلا وَرُبمَا استُغني عَن انْفَعَل فِي هَذَا البابِ فَلم يسْتَعْمل وَذَلِكَ قولُهم طَرَدْته فذَهَب وَلَا يَقُولُونَ انْطَرد وَلَا فاطَّرَد كَمَا استغنوا بتَرَك عَن وَدَعَ ونظيرُ هَذَا من المُطاوَعة فَعَّلْته فتَفَعَّل كَقَوْلِك كَسَّرته فتَكَسَّر وعَشَّيْته فتَعَشَّى وغَدَّيته فتَغَدَّى وَفِي فاعَلْته تفاعَل كَقَوْلِك ناوَلْته فتَناوَل وفُتحت التاءُ لِأَن مَعْنَاهُ معنى الافْتِعال والانْفِعال يَعْنِي تاءَ تَفاعل فُتحت لِأَنَّهَا أوَّلُ فعلٍ ماضٍ سمِّي فاعلُه وَإِن كَانَت زَائِدَة للمطاوَعة كالانْفِعال والافْتِعال وَلَيْسَت بألفِ وصْل دخولُها لسكون مَا بعدَها وَنَظِير ذَلِك فِي بَناتِ الْأَرْبَعَة على مِثالِ تَفَعْلَلَ نَحْو دَحْرَجْته فَتَدَحْرَج وقَلْقَلْته فَتَقَلْقَل ومَعْدَدتُه فَتَمَعْدَد وصَعْرَرته فَتَصَعرر وَمعنى مَعْدَدته أَي حَمَلْته على الخشونة والصَّلابة، قَالَ الشَّاعِر: رَبَّيْته حتَّى إِذا تَمَعْددا وآض نَهْدَاً كالحِصانِ أَجْرَدا كانَ جزائي بالعَصا أَن أُجْلَدا وصَعْرَرْته: دَوَّرته. قَالَ: وَأما تَقَيَّس وتَنَزَّر وتتَمَّم فَإِنَّمَا يجْرِي على نَحْو كَسَّرته كَأَنَّهُ قَالَ تُمِّم فتَتَمَّمَ وقُيِّسَ فتَقَيَّس ونَزَّرهم فتَنَزَّروا وَمعنى قُيِّس: أَي نُسِب إِلَى قَيْس بنِ عَيْلَان بنِ مُضَر وتُمِّم: نُسب إِلَى تَميم بنِ مُرٍّ، ونُزِّر: نُسب إِلَى نِزار، وتَقَيَّس: انتسَب إِلَى قَيْس، وتَتَمَّم: انتسب إِلَى تَمِيم، وتنَزَّر: انتسب إِلَى نزار، وَقَالَ ذُو الرمة: إِذا مَا تَمَضَّرْنا فَمَا الناسُ غَيْرُنا ونُضْعِف إضعافاً وَلَا نتَمَضَّر أَي انتسَبنا إِلَى مُضَر، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَكَذَلِكَ كلُّ شيءٍ كَانَ على زِنة فَعْلَلةٍ عددُ حُروفه أربعةٌ مَا خَلا أَفْعَلت فَإِنَّهُ لم يُلحَق ببناتِ الأربعةِ يُرِيد أَن كلَّ شيءٍ من الْفِعْل كَانَ ماضيه على أَرْبَعَة أحرفٍ يجوز أَن يُزاد فِي أوَّله التاءُ مَا خلا أَفْعَلت فَإِنَّهُ لَا يُزاد فِيهِ التَّاء وَالَّذِي تُزاد فِيهِ التَّاء ثَلَاثَة أَبْنِية فَعْلَلْت وَمَا أُلحِق بِهِ نَحْو دَحْرَجْت وسَرْهَفْت وعَذْلَجْت تَقول فِيهِ تَسَرْهف وتَعَذْلج وفاعَلْت كَقَوْلِك عالَجْته فتعالَج وفَعَّلت كَقَوْلِك كَسَّرته فتَكَسَّر وَلَا تقع زيادةُ التَّاء فِي بَاب أَفْعَلت لَا تَقول أَكْرَمْته فتَأَكْرَم، وَلَا يجوز ذَلِك.
هَذَا بابُ مَا جَاءَ فُعِل مِنْهُ على غير فَعَلْت
وَذَلِكَ نَحْو جُنَّ وسُلَّ وزُكِمَ ووُرِدَ، وَمعنى وُردَ حُمَّ، وَكَذَلِكَ رُعِدَ ومَرْعود ومَورود ومحموم بِمَعْنى وَاحِد، وَقَالُوا على هَذَا مَجْنُون ومَسلول ومَحْموم ومورود، وَإِنَّمَا جَاءَت هَذِه الْحُرُوف على جَنَنْت وسَلَلْت وَإِن لم يسْتَعْمل فِي الْكَلَام كَمَا أَن رجلٌ أقطعُ جَاءَ على قَطِعَ كَمَا يُقَال أعوَرُ من عَوِرَ وَلَا يسْتَعْمل قَطِع استُغني عَنهُ بقُطِعَ، وَقَالَ بَعضهم رجلٌ محبوبٌ وَكَانَ حَقه أَن يُقَال فِي فِعْله حَبَبْته فَهُوَ مَحْبُوب، كَمَا يُقَال ودِدْته فَهُوَ مَودود والمستعمل أحببته وَقد قَالَ بَعضهم حَبَبْته قَالَ الشَّاعِر: فوَاللَّه لَوْلَا تَمْرُه مَا حَبَبْته وَلَا كَانَ أدنى من عُبَيْدٍ ومُشْرِقِ ويُروى: وَكَانَ عِياضٌ مِنْهُ أدنى ومُشْرِق. وَقد ذكر أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد فِي الْكَامِل أَن أَبَا رَجَاء العُطاردي قَرَأَ: (قُلْ إِن كنتُم تُحِبّونَ اللهَ فاتَّبعوني يُحِبُّكُم الله) وَذكر أَن فِيهِ شَيْئَيْنِ من الْمُخَالفَة أَحدهمَا أَنه فتح الْيَاء من يُحِبُّكم وَالْآخر أَنه أدغَم، وَذكر غير سِيبَوَيْهٍ أَن هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي لَيست من أَفعَال الْآدَمِيّين وَقد جَاءَت على مفعول وفِعْله مِمَّا لم يُسَمَّ فَاعله إِذا نُسِب الْفِعْل إِلَى الله كَانَ على أفْعَلَ نَحْو أجنَّه الله وأسَلَّه وأزكمَه وأورَدَه: أَي فَعَل الله بِهِ ذَلِك، وَمِمَّا أورَدَه غير سِيبَوَيْهٍ من هَذَا النَّحْو مَحْزون ومَزْكوم ومَكْزوز ومَقْرور. قَالَ أَبُو عبيد: وَإِنَّمَا ذَلِك لأَنهم يَقُولُونَ فِي هَذَا كُله قد فُعل ثمَّ بُنِي مفعول على هَذَا، قَالَ وَلَا
стр. 1720
يَقُولُونَ حَزَنَه الأمرُ وَيَقُولُونَ يحْزُنه وَهَذَا خُلْف من نقْله وَإِنَّمَا أوردته للتحذير من اعْتِقَاده وَقد قدّمت من كَلَام سِيبَوَيْهٍ مَا دلَّ على ذَلِك، وحَزَنه مَقولة كثيرةٌ. أَبُو عبيد: وكل هَذَا يُقَال فِيهِ مفعول وَلَا يُقَال مُفْعَل إِلَّا حرفٌ واحدٌ وَهُوَ قَول عنترة: وَلَقَد نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غيرَه منِّي بمَنزِلة المُحِبِّ المُكْرَمِ وَقَالَ أزْعَقْته فَهُوَ مزعوق على هَذَا الْقيَاس حَكَاهَا عَن الْأمَوِي. وَقَالَ غَيره: زعَقْته بِغَيْر ألف فانزَعَق: أَي فَزِعَ فَإِذا كَانَ هَذَا فمزعوق على الْقيَاس وَأنْشد: تعلَّمْنَ أنَّ عَلَيْك سائقاً لَا مُبطِئاً وَلَا عنيفاً زاعقا لَبَّا بأَعْجازِ المَطِيِّ لاحِقا الُّلبُّ: اللَّازِم لَهَا لَا يفارقها، يُقَال رجل لبٌّ وامرأةٌ لَبَّة: لَطِيفَة قريبَة من النَّاس. قَالَ: وَقَالَ الفرّاء بُرَّ حَجُّكَ فَهُوَ مَبرور، فَإِذا قَالُوا أَبَرَّ الله حجَّك قَالُوا بِالْألف فَهُوَ مبرور، وَقَالُوا المبروز من أَبْرَزْتُ وأنشَد: أوْ مُذْهَبٌ جُدَدٌ على أَلواحِنَّ الناطِق المَبروز والمَختوم وَقَالَ المضعوف من أَضْعَفْت قَالَ لبيد: وعالَيْنَ مَضْعوفاً ودُرّاً سُموطُه جُمانٌ ومَرْجانٌ يَشُدُّ المَفاصِلا أَبُو عَليّ: يَشُكُّ ويشُدُّ وَقد قدمت تَفْسِير معنى الْبَيْت فِي بَاب الحَلي، وَمن هَذَا الْبَاب أَمرَضه الله من المَرض، وآرَضَه من الأَرْض: وَهُوَ الزُّكام، وأملأَه من المُلاءَة، وأَضأدَه من الضُّؤْدَة وَكله الزُّكَام وكل هَذَا يُقَال فِيهِ مَفعول وَلَا يُقَال مُفْعَل وَكَذَلِكَ مهموم من أَهمَّه الله تَعَالَى.
هَذَا بَاب دُخُول الزِّيادة فِي فَعَلْت
اعْلَم أَنَّك إِذا قلت فاعَلْته فقد كَانَ من غَيْرك إِلَيْك مثلُ مَا كَانَ منكَ إِلَيْهِ حِين قلت فاعَلْته وَمثل ذَلِك ضارَبته وفارَقْته وعازَّني وعازَرْته وخاصَمْته وَكَذَلِكَ سَائِر مَا يكون الْفِعْل فِيهِ بَين اثْنَيْنِ كقاتَلْته وشاتمته وَمَا أشبه ذَلِك فَإِن غلبَ أَحدهمَا كَانَ فعلُه على فَعل يفْعُل وَإِن كَانَ الْمُسْتَعْمل فِي الأَصْل على يفعِل وَلذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَاعْلَم أَن يفعُلُ من هَذَا الْبَاب على مِثَال يَخْرُجُ، تَقول خاصَمَني فخَصَمْته أَخْصُمُه وَتقول غالَبني فغَلَبته أغْلُبه وشاتمني فشَتَمْته أَشْتُمُه إِلَّا أَن يكون فِيهِ من الْحُرُوف مَا يلْزم فِيهِ يفعِل أَو يفعَل فَيجْرِي عَلَيْهِ فَمن ذَلِك مَا لامُه أَو عينُه ياءٌ أَو فاؤُه واوٌ فَإِنَّهُ يَجِيء على فَعَل يفعِل لِأَن ذَلِك يلْزم فِيهِ فِي الأَصْل قِيَاس لَا ينكسر فَتَقول بايَعَني فبِعْته أَبيعُه وراماني فرمَيْته أَرْميه وواعَدَني فوَعَدْته أَعِده وواخَدَني فوَخَدْته أَخِدُه. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَيْسَ فِي كل شَيْء يكون هَذَا أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول نَازَعَنِي فنزَعْته استُغْنِي عَنْهَا بغَلَبْته وَأَشْبَاه ذَلِك. وَمِمَّا جَاءَ من هَذَا الْبَاب قَوْلك طاوَلْته فطُلْتُه أَطولُه، وَتقول طَالَ زيدٌ عمرا إِذا غلبَه فِي الطّول فغلَبَه وَيكون الْفِعْل متعدِّياً فَإِن لم تُرِدْ هَذَا لم يتعدَّ فعله وَكَانَ على فَعُلَ يفعُل كَقَوْلِك طَال يطول فَهُوَ طويلٌ قَالَ الشَّاعِر: إنَّ الفرزدَقَ صَخْرَةٌ عادِيَّةٌ طَالَتْ فَلَا تستطيعُها الأَوْعالا مَعْنَاهُ طَالَتْ الأوعالَ على معنى غلبَتْها فِي الطّول وَكَذَلِكَ من الطَّول الَّذِي هُوَ الْفضل هَذَا عقد سِيبَوَيْهٍ. وَزَاد أَبُو عبيد: أَن كل مَا كَانَ فِيهِ حرفٌ من حُرُوف الْحلق من هَذَا الْبَاب فإنَّ قَوْلك أفعَلُه مِنْهُ بِالْفَتْح كَقَوْلِك
стр. 1721
فاخَرَني ففَخَرْته أفْخَرُه، وَقد تبيَّن من كلامنا أَن هَذَا الْبَاب حِفْظِيٌّ غيرُ مَقيسٍ وَأَنا أذكر مَا سقط من إِلَى من كارَمَني فكَرَمْته: أَي كنت أكرمَ مِنْهُ وفاخَرَني ففخَرته من الْمُفَاخَرَة وشاعَرَني فشَعَرْته من الشّعْر وخازاني فخَزَيْته وشاقاني فشَقَوْته وراضاني فرَضَوْته لِأَنَّهُ من الرضْوَان وساعاني فسَعيته وساوَدَني فسُدْته من سَواد اللَّوْن والُّسؤدد جَمِيعًا وبايَضَني فبِضْتُه من الْبيَاض، وفازَعَني ففَزَعْته: أَي صرت أشدَّ مِنْهُ فزَعا، وناوَمَني فنِمْته وخاوَفَني فخِفْته وخاشاني فخَشَيْته وواضأني فوضَأته أَضُؤُه وواخَمَني فوَخَمْته وواسَمَني فوسَمْته أَخِمُه وأَسِمُه وَأَخْطَأ فِي أَضُؤُه على مَا بيَّنت فِي القانون. وَقَالَ ضاربَني فضرَبْته أضرُبُه وَكَذَلِكَ من الْعقل وَمثله عالَمَني فعَلَمْته أَعْلُمُه وواجَلَني فوَجَلْته أَجِلُه وَفِي الوَحَل مثلُه وواهبَني فوَهَبْته أَهَبُه وأَهِبُه وَالْفَتْح فِيهِ أَجود، وَمن الوَعْد واعَدَني فوَعَدْته. وَقد تَجِيء فاعَلْت لَا تُرِيدُ بهَا عمل اثْنَيْنِ وَلَكنهُمْ بنوا عَلَيْهِ الْفِعْل كَمَا بنَوْه على أَفْعَلْت كَقَوْلِك ناولته وعاقبته وَعَافَاهُ الله وسافرْت وظاهَرْت عَلَيْهِ، وَمعنى ظاهَرْت: أَي أضعفت عَلَيْهِ لِبَاسه كَقَوْلِك ظاهَرَ عَلَيْهِ درعين وثوبين: أَي جعل أحدَهما ظِهارةً وَالْآخر بِطانةً وَمن هَذَا قَوْلهم تظاهَرَتْ نِعَمُ الله عَلَيْهِ وظاهَرْت كتبي إِلَيْك: أَي تابعت فَصَارَ بَعْضهَا كالظَّهر لبَعض فَصَارَت هَذِه الْأَفْعَال كَسَائِر الْأَبْنِيَة الَّتِي ترد فِيمَا يتعدَّى من الْأَفْعَال كَقَوْلِك أكرمْته وَمَا أشبه ذَلِك، وَقَالُوا ضاعفتَ وضعَّفْت وناعَمْته ونعَّمْته كَمَا قَالُوا عاقَبْته، وَتقول تَعاطَيْنا وتَعَطَّينا فَيكون تعاطَينا من اثْنَيْنِ كَأَنَّك قلت عاطيته الكأسَ: أَي أَعْطَانِي كأساً وأعطيته مثلهَا، فَإِذا قلت تعطَّينا فقد أردْت التكثير فِي هَذَا الْمَعْنى. قَالَ أَبُو عَليّ: وَمن هَذَا الْبَاب قَوْلهم قارَبَ وقرَّبَ وباعدَ وبعَّدَ وعَلى هَذَا قِرَاءَة من قَرَأَ ربَّنا باعِدْ وبَعِّدْ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما تفاعلْتَ فَلَا يكون إلاّ وَأَنت تُرِيدُ فعل اثْنَيْنِ فَصَاعِدا وَلَا يجوز أَن يكون معملا فِي مفعول وَلَا يتعدَّى الْفِعْل إِلَى مَنْصُوب فَفِي تفاعلنا يُلفظُ بِالْمَعْنَى الَّذِي كَانَ فِي فاعَلْته وَذَلِكَ قَوْلك تضارَبْنا وترامَيْنا وتقاتَلْنا. قَالَ أَبُو سعيد: اعْلَم أَن فاعلْته يجوز أَن تكون من فِعْل متعَدٍّ إِلَى مفعول ثانٍ غير الَّذِي يفعَل بك مثلَ فِعْلك، وَيجوز أَن لَا يكون متعدٍّ إِلَى اكثر كَقَوْلِك ضاربت زيدا وشاتمته وَلَيْسَ بعد زيد مفعولٌ آخر، فَإِذا قلت تضارَبْنا وتشاتمْنا فقد ذكرت فِعل كل وَاحِد مِنْكُمَا بِالْآخرِ وَلَا مفعولَ غيرُكما وَهَذَا الَّذِي أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ أَنه لَا يكون مُعمَلا فِي مفعول وَقد يجوز أَن يكون الْفِعْل متعدِّياً إِلَى اثْنَيْنِ فِي الأَصْل فيُؤْتَى بمفعولٍ آخر فِي قَوْلك تفاعلْنا وَذَلِكَ قَوْلك عاطيت زيدا الكأسَ ونازعْته المالَ فَإِذا جعلت الْفِعْل لنا قلت تعاطَيْنا الكأسَ وتنازعنا المالَ قَالَ الشَّاعِر: فلمّا تنازَعْنا الحديثَ وأسْمَحَتْ هَصَزْتُ بغُصْنٍ ذِي شَماريخَ مَيَّالِ وَقَالَ الْأَعْشَى: نازَعْتُهم قُضُبَ الرَّيحانِ مُرْتَفِقاً وقهوَةً مُزَّة راوُوقُها خَضِلُ وَقَالَ ابْن أبي ربيعَة: ولمّا تفاوَضنا الحديثَ وأَسْفَرَتْ وُجوهٌ زَهاها الحُسْنُ أَن تتَقَنَّعا وَقد يَجِيء تفاعلوا وافتعلوا فِي معنى واحدٍ كَقَوْلِك تضاربواواضطربوا وتقاتلوا واقتتلوا وتجاوروا واجْتَوروا وتلاقَوا والتَقَوا. وَقد يَجِيء تفاعَلْت بِمَعْنى فَعَلْت كَمَا جَاءَ عاقبته وَنَحْوهَا وَأَنت لَا تُرِيدُ بهَا الْفِعْل من اثْنَيْنِ وَذَلِكَ قَوْلك تقاربتُ من ذَلِك وتَراءيت لَهُ وتقاضيته وتماريتُ فِي ذَلِك: أَي شَككت وتعاطينا مِنْهُ أمرا
стр. 1722
قبيحاً. وَقد يَجِيء تفاعَلْت ليُرِيَك أَنه فِي حَال لَيْسَ فِيهَا من ذَلِك قَوْلك تغافَلْت وتعاميْت وتعاشَيْت وتعارَجْت وتكاسَلْت: إِذا أرَيْتَ من نَفسك مَا لَيْسَ فِيك قَالَ: إِذا تخازَرْت وَمَا بِي من خَزَرْ ثمَّ كسَرْت العينَ من غير عَوَرْ ألْفَيْتَني ألْوَى بعيدَ المُسْتَمَرّْ أَحمل مَا حُمِّلْت من خيرٍ وشَرّْ وَمعنى تخازرت: أَي صَغَّرْت عَيْني وَمَا كَانَت صَغِيرَة، وَيُقَال تَذاءَبتِ الرِّياحُ وتذَأبتْ: إِذا جَاءَت من كل وَجه.
هَذَا بَاب استفعَلْت
قَالَ سِيبَوَيْهٍ: تَقول اسْتَجدْته: أَي أصبته جيِّداً، واستكرَمته: أَي أصبته كَرِيمًا، واستعْظمْته: أَي أصبته عَظِيما، واسْتسْمَنْته: أَي أصَبْته سَمينا وَقد يَجِيء على غير هَذَا الْمَعْنى كَمَا جَاءَ تذاءبتْ وعاقبْتُ. قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن أصل استفعَلْت الشيءَ فِي معنى طلبته واستدعيته وَهُوَ الْأَكْثَر وَمَا خرج عَن هَذَا فَهُوَ يحفظ وَلَيْسَ بِالْبَابِ. قَالَ أَبُو عَليّ: وَأَنا أسوقه إِلَيْك على مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ وَيكون أَيْضا استفعلته على معنى أصبته وَهُوَ كالباب فِيهِ وَلذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَقد يَجِيء على غير هَذَا الْمَعْنى كَمَا جَاءَ تذاءَبْت وعاقَبْت وَلَيْسَ بِالْبَابِ وَقد مضى الْكَلَام فِيهِ، وَتقول استلأم: إِذا لبس اللأْمةَ واستخْلَف لأَهله كَمَا تَقول أخْلَف لأهْله وَالْمعْنَى واحدٌ. أَبُو عَليّ: اسْتَقَى لَهُم. قَالَ: وَفِي بعض النّسخ كَمَا قَالُوا استسقى لَهُم، وَتقول استَعْطَيْت: أَي طلبت العطِيَّة، واستعتبته: أَي طلبت إِلَيْهِ العُتْبى وَهُوَ الرِّضَا من العَتْب، واسْتفْهَمْت: أَي طلبت تفهيمي، وَكَذَلِكَ استخبَرْت واستشَرْت، واستخْرَجْته: أَي لم أزل أطلب إِلَيْهِ حَتَّى خرج وَقد يَقُولُونَ اخْتَرَجْته شبَّهوه باقتلعْته وانتَزَعْته، وَذكر أَبُو بكر مَبْرَمانُ عَن أَصْحَابه الَّذين أخذَ عَنْهُم التفسيرَ أَن استخرجتُه استدعيْت خُروجه وقتا بعد وقتٍ، واخترجْته أخرَجْته إِلَيْهِ، كَمَا تَقول انتزَعْته، وَقَالُوا قَرَّ فِي مَكَانَهُ واستقرَّ، كَمَا قَالُوا جَلَب الجُرْحُ وأجْلَبَ وَالْمعْنَى واحدٌ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وأمّا استحقَّه فَإِنَّهُ يكون طلَبَ حَقَّه، واستخفَّه طلب خِفَّته، وَاسْتَعْملهُ طلب إِلَيْهِ العمَلَ، واستعجلت زيدا: إِذا طلبتَ عجَلته، فَإِذا قلت استعجلْت غير متعَدٍّ إِلَى مفعول فَمَعْنَاه طلبت ذَلِك من نَفسِي وكلَّفتها إيّاه، فالباب فِي استفعلت الشَّيْء أَن يكون للطَّلَب أَو للإضافة كَقَوْلِك عَلا قِرْنَه واستعلاه، وقَرَّ فِي الْمَكَان واستقرَّ وَمِنْه فِي التحوُّل من حَال إِلَى حَال، استَنْوَقَ الجملُ: إِذا تخلَّق بأخلاق النَّاقة، واستَتْيَسَت الشّاةُ: إِذا تشبَّهت بالتَّيْس. قَالَ أَبُو عَليّ: وَمثله استحْجَرَ الطِّينُ وكلّ مَا كَانَ للتحوُّل من حَال إِلَى حالٍ من هَذَا الْمِثَال فَإِنَّهُ لَا فِعْلَ لَهُ خَال من حرفَي الزِّيَادَة اللَّذَين هما السِّين وَالتَّاء. قَالَ: وَمن هَذَا الْبَاب: استنسرَ البَغاثُ، أَي صَار كالنسر، وَحكى ابْن السّكيت اسْتَسْعَلَت المرأةُ: أَي صَارَت كالسِّعلاة. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فَإِذا أَرَادَ الرجل أَن يُدخِل نَفسه فِي أمرٍ حَتَّى يُضَاف إِلَيْهِ وَيكون من أَهله فإنّك تَقول تفعَّلَ وَذَلِكَ تشجَّع وتبصَّر وتحلَّم وتجلَّدَ وتمرَّأ وَتَقْدِيره تمرَّعَ: أَي صَار ذَا مُرُوءَة وَقَالَ حَاتِم طَيئ تحَلَّمْ عَن الأَدْنَيْنَ واستَبْقِ وُدَّهمْ وَلنْ تستطيعَ الحِلْم حَتَّى تحَلَّما وَلَيْسَ هَذَا بِمَنْزِلَة تَجاهَلَ لِأَن هَذَا يطْلب أَن يصير حَلِيمًا وتجاهل يُري من نَفسه غير الَّذِي هُوَ فِيهِ وَقد مضى ذَلِك، وَقد يَجِيء تَقَيَّسَ وتنَزَّرَ على هَذَا يَعْنِي أَنه يُقَال للرجل تقَيَّس: إِذا دخل فِي نسب قيس حَتَّى يُضَاف إِلَيْهِ ويكونَ من أَهله وَكَذَلِكَ تنزَّر إِذا دخل فِي نسب نزارٍ وَقد دخل استفعل هُنَا قَالُوا تعظَّم واستعظم وتكبَّر واستكبر كَمَا شَارك تفاعلْتُ تفعَّلْتُ الَّذِي لَيْسَ فِي هَذَا الْمَعْنى ولكنَّه استثباتٌ وَذَلِكَ قَوْلهم تيقَّنت واستيقنت وتبيَّنت واستبَنْت وتثَبَّتُّ واستثبَتُّ وَمثل ذَلِك يَعْنِي تحلَّم، تقَعَّدتُه: أَي ريَّثته عَن حَاجته وعُقْته، وَمِنْه تهَيَّبَني أهل
стр. 1723
الْبِلَاد وتكاءَدَني ذَلِك الْأَمر وَمَعْنَاهُ هابَني أهل الْبِلَاد، وتكاءدني مَعْنَاهُ شَقَّ عليَّ من قَوْلهم للمكان الشّاقِّ المَصْعَد كَؤُود وكأداءُ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما قَوْله تنقَّصْته وتنقَّصَني فَكَأَنَّهُ الأخْذُ من الشَّيْء الأوّلَ فالأَوَّلَ، وَأما تفهَّم وتبصَّرَ وتأمَّلَ فاستثباتٌ بِمَنْزِلَة تيقَّنَ وَقد يَشْرَكه استفعل نَحْو استثبت وَأما يتجرَّعُه ويتحَسّاه ويتفوَّقُه فَهُوَ يتنقَّصُه لِأَنَّهُ يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا بعد شيءٍ وَلَيْسَ من معالجتك الشيءَ بمرَّةٍ واحدةٍ ولكنَّه فِي مُهْلة، وأمّا تغفَّله فنحو تقعَّده لِأَنَّهُ يُرِيد أَن يَخْتِله عَن أمْرٍ يعوقُه ويتملَّقُه نَحْو ذَلِك لِأَنَّهُ إِنَّمَا يديره عَن شيءٍ، وَقَالُوا تظلَّمَني: أَي ظلمَني مَالِي فبناه على تفعَّل كَمَا قَالُوا جُزْتُه وجاوزْته وَهُوَ يُرِيد شَيْئا وَاحِدًا وَقَالَ الشَّاعِر: تظَلَّمَني حَقِّي كَذَا ولَوى يَدي لَوى يدَهُ اللهُ الَّذِي هُوَ غالِبُهْ وقِلْتُه وأَقَلْته ولِقْته وألَقتُه: وَهُوَ إِذا لطَّخته بالطِّين، وأَلَقْت الدواةَ ولِقْتها، وَأما تَهَيَّبَه فَإِنَّهُ حصرٌ لَيْسَ فِيهِ شيءٌ مِمَّا ذكرنَا، كَمَا أَنَّك تَقول استعليته لَا تُرِيدُ إِلَّا علوته يُرِيد أَن تهَيَّبه فِي معنى هابَهُ وَلم يُبْن على تفعَّل لزِيَادَة معنى فِي فعَلَ، كَمَا أَن استعْلَيْته لم يَزِد مَعْنَاهُ على علوته، وَقَوله فَإِنَّهُ حَصَرٌ يُرِيد أَن الهَيْبَةَ حَصْرٌ للْإنْسَان عَن الْإِقْدَام وَأما تخوُّفه فَهُوَ أَن تتوقَّع أمرا يَقع بك فَلَا تأمنه فِي حالك الَّتِي تكلَّمت فِيهَا وَأما خَافَ فقد يكون وَهُوَ لَا يتوقَّع مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَال شَيْئا. قَالَ أَبُو عَليّ: فَرَق سِيبَوَيْهٍ بَين تخوَّف وخافَ وَلم يفْرُقْ بينَ تهيَّبَ وهابَ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما تخَوَّنتْه الْأَيَّام فَهُوَ تنقَّصَتْه وَلَيْسَ فِي تخوَّفتْه من هَذِه الْمعَانِي شيءٌ كَمَا لم يكن استنهيته فِي نهَيْته يُرِيد أَنه لَيْسَ فِي تخَوَّفته معنى خِفته الْمُطلق، كَمَا لم يكن فِي نهيته معنى استنْهيتُه لِأَن استنهيته إِنَّمَا هُوَ وَأما يتسَمَّع ويتحفَّظ فَهُوَ يتبصَّر وَهَذِه الْأَشْيَاء نَحْو يتجرَّعُ ويتفوَّقُ لِأَنَّهَا فِي مهلة يَعْنِي أَنه لَيْسَ تُصْنَع فِي مرَّة وَاحِدَة وَإِنَّمَا هُوَ شيءٌ يتَّصل، وَمعنى يتفوَّق أَنه يشربه شَيْئا بعد شيءٍ وَهُوَ مأخوذٌ من الفُواق، وَمثل ذَلِك تخيَّره كَأَنَّهُ تمهَّل فِي اخْتِيَاره، وَأما التَغَمُّجُ والتعَمُّق والتذكُّر فنحوٌ من هَذَا لِأَنَّهُ عمل بعد عمل فِي مُهلة، والتَغَمُّجُ: الشُرْب، وَأما تنَجَّز حوائجَه واستنجَزَ فَهُوَ بِمَنْزِلَة تيقَّن واستيقن فِي شركَة استفعلْت فالاستثباتُ والتَقَعُّد والتنَقُّص والتَنَجُّز وَهَذَا النَّحْو كلّه فِي مهلة وَعمل بعد عمل وَقد بيَّن وُجُوه تفَعَّل الَّذِي لَيْسَ فِي مُهْلة.
(بَاب مَوْضِع افتَعَلْت)
تَقول اشْتَوى القَوْمُ: أَي اتَّخذوا شِواءً، وَأما شَوَيْت فكقولك أنْضَجْت، وَكَذَلِكَ اختبَزَ وخَبَزَ واطَّبَخَ وطَبَخَ واذَّبَحَ وذَبَح فَأَما ذبَح فبمنزلة قَوْله قتلَه وَأما اذَّبَحَ فَتَقول اتَّخذ ذَبِيحَة، وَقد يُبنى على افتعَلَ مَا لَا يُرَاد بِهِ شيءٌ من ذَلِك كَمَا بنَوا على أفْعَلْت وَغَيره من الْأَبْنِيَة وَذَلِكَ افْتقر واشتدَّ فَقَالُوا هَذَا كَمَا قَالُوا استلَمْت فبنَوه على افْتَعَل كَمَا بنوا هَذَا على أفْعَلَ: أَي أَنهم يبنون على افتعل مَا لَا يُرَاد بِهِ إِلَّا معنى فِعْل لَا زِيَادَة فِيهِ وَلَا يسْتَعْمل إلاّ بِالزِّيَادَةِ كَقَوْلِهِم افْتقر فَهُوَ فَقير وَلَا يسْتَعْمل فَقُر، وَقَالُوا اشتدَّ الْأَمر فَهُوَ شَدِيد وَلَا يسْتَعْمل بِغَيْر الزِّيَادَة فِي هَذَا الْمَعْنى، وَقَالُوا اسْتَلم الْحجر وَلم يَقُولُوا سلَمَه وَلَا سلَّمَه، وَمثل هَذَا فِي أفْعَل قَوْلهم أفْلَحَ الرجل وَمَا أشبهه وَلَا يسْتَعْمل بِغَيْر الزِّيَادَة. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما كَسَب فَإِنَّهُ يَقُول أصابََ وأمّا اكتسبَ فَهُوَ التصرُّف والطَّلب وَالِاجْتِهَاد. غَيره: لَا فرْق بَينهمَا قَالَ الله : (لَها مَا كَسَبَتْ وعلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ) وَالْمعْنَى واحدٌ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما قَوْلك حَبَسْته فبمنزلة ضَبَطْته وَاحْتَبَسَتْهُ بِمَنْزِلَة اتَّخذته حَبيسا كَأَنَّهُ مثل شَوى واشْتَوى، وَقَالُوا ادَّخَلوا واتَّلَجوا وتدَخَّلوا وتولَّجوا وَالْمعْنَى دخلُوا قَالَ الشَّاعِر:
стр. 1724
رأيتُ القوافي يتَّلِجْنَ مَوالِجاً تَضايَقَ عَنْهَا أَن تَوَلَّجَها الإبَرْ وَقَالُوا قرأْت واقتَرأْت يُرِيدُونَ شَيْئا وَاحِدًا، كَمَا قَالُوا عَلاه واستَعْلاه وخَطِفَ واختطَفَ وَأما انتزع فَإِنَّمَا هِيَ خَطْفَةٌ كَقَوْلِك استلبَ وَأما نَزَع فَإِنَّهُ تحويلك إيّاه وَإِن كَانَ على نَحْو الاستلاب، وَكَذَلِكَ قَلَعَ واقتَلَعَ وجَذَبَ واجتذَبَ وَأما اصْطَبَّ الماءَ فبمنزلة اشْتَوِه كَأَنَّهُ يَقُول اتَّخِذه لنَفسك، وَكَذَلِكَ اكْتَلْ واتزِنْ وَقد يَجِيء على وزَنْته وكِلْتُه فاكْتالَ واتَّزَنَ.
هَذَا بَاب افْعَوْعَلْت وَمَا هُوَ على مِثَاله مِمَّا لم نذْكُرْه
قَالُوا خَشُنَ وَقَالُوا اخْشَوْشَنَ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلت الْخَلِيل فَقَالَ كَأَنَّهُمْ أَرَادوا الْمُبَالغَة والتوكيد، كَمَا أَنه إِذا قَالَ اعْشَوْشَبَتِ الأرضُ فَإِنَّمَا يُرِيد أَن يجعلَ ذَلِك عامّاً كثيرا قد بَالغ وَكَذَلِكَ احْلَوْلَى، وربّما بُني عَلَيْهِ الفعلُ فَلم يُفَارِقهُ، كَمَا أَنه قد يجيءُ الشيءُ على أفْعَلْت وافْتَعَلْت وَنَحْو ذَلِك لَا يُفَارِقهُ لِمَعْنى وَلَا يسْتَعْمل فِي الْكَلَام إلاّ على بناءٍ فِيهِ زيادةٌ، يَعْنِي أَن افعَوْعَلَ رُبمَا جَاءَ من لَفظه وَمَعْنَاهُ الفعلُ بِغَيْر زيادةٍ كَقَوْلِهِم حَلا واحلَوْلَى وخَلِقَ الشَّيْء واخْلَوْلَقَ وَرُبمَا جَاءَ بِالزِّيَادَةِ وَلَا يسْتَعْمل بحذفها كَقَوْلِهِم اذلَوْلى، وَذكر أفعالاً فِيهَا زياداتٌ لم تسْتَعْمل إِلَّا بهَا كَقَوْلِهِم اقْطّرَّ النَّبْت واقْطارَّ: إِذا ولَّى وَأخذ يجِفُّ، وابْهارَّ الّليل: إِذا اشتدَّت ظلمته، وابْهارَّ القمرُ: إِذا كثُرَ ضوءُه وَكَذَلِكَ ارْعَوَيْت لم يسْتَعْمل إِلَّا بِالزِّيَادَةِ، واجْلَوَّذَ: إِذا جَدَّ بِهِ السَّير، واعلوَّطَه: إِذا ركِبَه بِغَيْر سَرْج، واعرَوْرَيْتَ الفَلُوَّ: إِذا ركبْته عُرْياً. وَمِمَّا استُعمِل بِالزِّيَادَةِ اقشَعَرَّ واشْمأَزَّ، واسْحَنْكَك اسْوَدَّ وَلم يسْتَعْمل إِلَّا بِالزِّيَادَةِ، وَيُقَال شَعرٌ سُحْكوك: أَي أسود وَهُوَ فُعلول وَإِحْدَى الكافين زَائِدَة قَالَ الشَّاعِر: واسْتَنْوَكَتْ وللشَّبابِ نُوكُ وَقد يشيبُ الشَّعَرُ السُّحْكوك قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأَرَادُوا بافْعَنْلَلَ أَن يبلغُوا بِهِ بناءَ احْرنْجَمَ كَمَا انهم أَرَادوا بصَعْرَرْت بِنَاء دحرجْت. قَالَ أَبُو عَليّ: يُرِيد أَنهم ألْحقُوا اقْعَنْسَسَوكاف علىاسْحَنْكَكَ كَمَا ألْحقُوا صَعْرَرْت بدَحْرَجْت بِزِيَادَة إِحْدَى راءيْ صَعرَرْت
هَذَا بَاب مصَادر مَا لحِقَتْه الزَّوائد من الفِعْل من بَنَات الثَّلَاثَة
فالمصدر على أفْعَلْت إفعالاً أبدا، وَذَلِكَ قَوْلك أَعْطَيْت إِعْطَاء وأخْرَجْت إخراجاً، وَأما افتعلت فمصدره افتِعالٌ وألِفُه موصولةٌ كَمَا كَانَت مَوْصُولَة فِي الْفِعْل، وَكَذَلِكَ مَا كَانَ على مِثَاله، وَلُزُوم الْوَصْل هَهُنَا كلزوم الْقطع فِي أعطَيْت وَذَلِكَ قَوْلك احْتَسَبْت احتِساباً وَانْطَلَقت انطِلاقا، وَجُمْلَة الْأَمر أَن مَا كَانَ من الْفِعْل فِي أوّل ماضيه ألفُ وَصلٍ فمصدره أَن يُزادَ قبل آخِره ألفٌ ويُؤْتَى بِحُرُوفِهِ مَعَ ألِف الْوَصْل وَذَلِكَ خماسيَّة وسُداسِيَّة فَأَما الخُماسيَّة فافتعَلْت افتعالاً نَحْو احتسبْت احْتسابا، وانفعلت انفعالاً نَحْو انْطَلَقت انطلاقا، وافْعَلَلْت افعِلالا نَحْو احْمررْت احمِرارا، وَأما السُّداسيَّة فاستفعلت استِفعالا كَقَوْلِك استخرجْت استِخراجا، وافعَنْلَلْت افعِنْلالا
стр. 1725
كَقَوْلِك اقْعَنْسَسْت اقْعِنْساسا واحْرَنْجَمْت احرِنْجاما، وافْعَوَّلْت افعِوَّالا كَقَوْلِك اجْلَوَّذْت اجْلِوَّاذا، وافعَوعَلْت افْعيعالاً كَقَوْلِك اخشوْشَنْت اخْشيشانا. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما فعَّلْت فالمصدر مِنْهُ على التفعيل جعلُوا التَّاء الَّتِي فِي أوَّله بَدَلا من الْعين الزَّائِدَة فِي فعَّلت وَجعلُوا الْيَاء بِمَنْزِلَة ألف الإفعال فغيَّروا أوَّله كَمَا غيَّروا آخِره وَذَلِكَ قَوْلك كسَّرْته تكسيراً وعذَّبْته تعذيباً، وَقد قَالَ قومٌ كلَّمْته كِلاّماً وحمَّلْته حِمّالاً أَرَادوا أَن يجيؤا بِهِ على الإفعال فكسروا أوّله فَهَؤُلَاءِ نَحْو أفْعَلَ إفعالاً لِأَن إفعالا على حُرُوف أفْعَلَ وَقد زِيدَ قبل آخِره ألِفٌ وكُسرَ أوّله فَكَذَلِك كِلاّم وحِمّال وَقد زيد قبل آخِره ألِفٌ وكُسِرَ أوَّله وأُتِيَ بحروف الْفِعْل على جُمْلَتهَا. وَأما مصدر تفعَّلْت فَإِنَّهُ التَفَعُّل جاؤوا فِيهِ بِجَمِيعِ مَا فِي تفعَّل وضمّوا العَينَ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام اسمٌ على تفعُّلٍ وَلم يزِيدُوا يَاء وَلَا ألِفاً قبل آخِره لأَنهم جعلُوا زِيَادَة التَّاء فِي أوَّله وتشديدَ عين الْفِعْل مِنْهُ عِوَضاً مِمَّا يُزاد وَذَلِكَ قَوْلك تكلَّمت تكلُّماً وتقَوَّلْت تقوُّلا. قَالَ: وَأما الّذين قَالُوا: كِذَّابا فَإِنَّهُم قَالُوا تحَمَّلت تِحِمَّالا أَرَادوا أَن يُدْخِلوا الألِفَ كَمَا أدخلوها فِي أفْعَلْت واستَفْعَلْت أَعنِي أَنهم أتَوا بحروف الْفِعْل بأسرها وَزَادُوا قبل آخرهَا ألِفاً وكسروا أوّلها كَمَا فعلوا ذَلِك فِي مصدر فعَّلت واستفْعَلْت وَإِنَّمَا يزِيدُونَ فِي الْمصدر مَا لم يكن فِي الْفِعْل لِأَن الْمصدر اسمٌ والأسماء أخفُّ من الْأَفْعَال وأحمَل للزِّيَادَة. وَأما فاعَلْت فَإِن الْمصدر مِنْهُ الَّذِي لَا ينكسر أبدا مُفاعَلَةٌ جعلُوا الْمِيم عوضا من الألِف الَّتِي بعد أوّل حرف مِنْهُ وَالْهَاء عوض من الْألف الَّتِي قبل آخر حَرْف وَذَلِكَ قَوْلك جالسْته مُجالَسَةً وقاعدْته مُقاعَدَةً وشارَبْته مُشارَبَةً وَجَاء كالمفعول لِأَن الْمصدر مفعول. قَالَ أَبُو سعيد: كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا مُخْتَلٌّ وَقد أُنْكِرَ وَذَلِكَ أَنه جعل الْمِيم عِوَضاً من الْألف الَّتِي بعد أوَّل حرف مِنْهُ وَذَلِكَ غلط لِأَن الألِف الَّتِي بعد أوَّل حرف هِيَ موجودةٌ فِي مُفاعَلَة أَلا ترى أنَّك تَقول قاتلْت وَبعد الْقَاف ألِفٌ زَائِدَة وَتقول مُقاتَلَة فِي الْمصدر وَبعد الْقَاف ألِفٌ زائدةٌ فالألِف موجودةٌ فِي الْمصدر وَالْفِعْل فَكيف تكون الْمِيم عِوَضاً من الْألف والألِفُ لم تذْهب، وَأما قَوْله جَاءَ كالمفعول يَعْنِي مُجالسَة لفْظُه كلفْظِ مُجالَس وَهُوَ الْمَفْعُول من جالَسْته والجيِّد فِي هَذَا مَا وجدته فِي نُسْخَة أبي بكر مَبْرَمان وَهُوَ أنّ هَذِه المصادر جَاءَت مُخالِفَةَ الأصْلِ وَذَلِكَ أَن فعلْت يجيءُ مصدَرُه مُخالِفاً لما يوجِبُه قِياس الْفِعْل وتُزاد فِي أوَّله الْمِيم كَمَا يُقَال ضَرَبَه مَضْرَبا وشرِبَه مَشْرَبا، وَقد يُزادُ فِيهِ مَعَ الْمِيم الهاءُ كَمَا يُقَال المَرْحَمَة وألزموا الْهَاء فِي هَذَا لما ذكره من تعويض الألِف الَّتِي قبل آخر المَصدَر. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وأمّا الَّذين يَقُولُونَ تحَمَّلت تِحِمَّالا فَإِنَّهُم يَقُولُونَ قاتَلْت قِيتالاً فيُوَفِّرون الْحُرُوف ويجيؤن بِهِ على مِثَال إفعالٍ وعَلى مِثَال قَوْلهم كَلَّمْته كِلَاّما. قَالَ أَبُو عَليّ: يُرِيد أَنهم يأْتونَ بحروف فاعَلَ موَفَّرَةً وَيزِيدُونَ الألِفَ قبل آخرهَا ويكسرون أوَّل الْمصدر فَإِذا كسروه انقلبت الْألف يَاء لانكِسار مَا قبلهَا فَيصير قِيتالاً، وَقد يحذفون هَذِه الْيَاء لِكَثْرَة هَذَا الْمصدر فِي كَلَامهم ويكتفون بالكسرة فَيَقُولُونَ قِتالاً ومِراءً، وَاللَّازِم عِنْد سِيبَوَيْهٍ فِي مصدَر فاعلْت المُفاعَلَة وَقد يَدَعونَ الفيعال والفِعال فِي مصدره وَلَا يدَعون مُفاعَلة وَقَالُوا جالَسْته مُجالَسةً وقاعَدْته مُقاعَدة وَلم يُسمَع جِلاساً وَلَا جيلاساً وَلَا قيعاداً وَلَا قِعاداً، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما تَفاعَلْت فالمصدر التَّفاعُل كَمَا كَانَ التَّفَعُّل مصدرَ تَفَعَّلت لِأَن الزِّنَة وعِدَّة الْحُرُوف واحدةٌ وتفاعلْت من فاعَلْت بِمَنْزِلَة تفَعَّلْت من فَعَّلت وضَمُّوا العينَ لئلاّ يُشبه الجمعَ وَلم يفتَحوا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام تَفاعَلٌ فِي الْأَسْمَاء فَأَما مَا حَكَاهُ ابْن السّكيت من قَوْلهم تَفاوتَ الأمرُ تَفاوَتاً وتفاوِتاً فشاذٌّ. ْته مُقاعَدة وَلم يُسمَع جِلاساً وَلَا جيلاساً وَلَا قيعاداً وَلَا قِعاداً، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما تَفاعَلْت فالمصدر التَّفاعُل كَمَا كَانَ التَّفَعُّل مصدرَ تَفَعَّلت لِأَن الزِّنَة وعِدَّة الْحُرُوف واحدةٌ وتفاعلْت من فاعَلْت بِمَنْزِلَة تفَعَّلْت من فَعَّلت وضَمُّوا العينَ لئلاّ يُشبه الجمعَ وَلم يفتَحوا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام تَفاعَلٌ فِي الْأَسْمَاء فَأَما مَا حَكَاهُ ابْن السّكيت من قَوْلهم تَفاوتَ الأمرُ تَفاوَتاً وتفاوِتاً فشاذٌّ.
هَذَا بَاب مَا جَاءَ المصدرُ فِيهِ من غير الفِعل لِأَن الْمَعْنى وَاحِد
وَذَلِكَ قَوْلك اجْتَوَروا تَجاوُراً وتَجاوَروا اجْتِواراً لِأَن معنى اجْتَوروا وتَجاوَروا واحدٌ وَمثل ذَلِك انْكَسَر كَسْرَاً وكُسِر انْكِساراً وَكَذَلِكَ كل فعلين فِي معنى واحدٍ ويَرْجِعان إِلَى معنى وَاحِد إِذا ذَكَرْت أحدَهما جَازَ أَن تَأتي بمصدر الآخر فتجعله فِي مَوضِع مصدرِه فَمن ذَلِك قَول الله تَعَالَى: (وتَبَتَّل إِلَيْهِ تَبْتيلا) .
стр. 1726
ومصدر تَبَتَّل تَبَتُّلاً وتَبْتيلاً مصدر بَتَّل فَكَأَنَّهُ قَالَ بَتِّل وَمِنْه: (واللهُ أنْبَتَكُم من الأرضِ نَباتا) . لِأَنَّهُ إِذا أَنْبَتهم فقد نَبَتوا ونَباتاً مصدر نَبَتَ فَكَأَنَّهُ قَالَ نَبَتُّم نَباتاً وَزَعَمُوا أَن فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود وأُنزِلَ الملائكةُ تَنْزيلاً لِأَن معنى أُنزِل ونُزِّل واحدٌ، وَقَالَ الْقطَامِي: وخَيْرُ الأمرِ مَا اسْتَقْبَلْتَ مِنْهُ وَلَيْسَ بأنْ تَتَبَّعَهُ اتِّباعا لِأَن تَتَبَّعت واتَّبَعْت فِي الْمَعْنى واحدٌ، وَقَالَ رؤبة: وَقد تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الحِضْبِ لِأَن معنى تَطَوَّيْت وانْطَوَيْت واحدٌ والحِضْب: الحَيَّة. وَقد يجيءُ المصدرُ على خِلافِ حروفِ الفِعل إِذا كَانَ الفِعلان متساويَيْن فِي الْمَعْنى كَقَوْلِك ... . وتَذْليلا حَسَنَاً وذَلَّلْته رِياضةً جَيِّدَة، قَالَ: فصِرْنا إِلَى الحُسْنى ورَقَّ كلامُنا ورُضْتُ فذَلَّت صَعْبةً أيَّ إذلالِ
هَذَا بَاب مَا لَحِقَتْه هاءُ التأنيثِ عِوَضاً عمّا ذَهَب
وَذَلِكَ قَوْلك أَقَمْته إِقَامَة واسْتَعَنْته اسْتِعانةً وأَرَيْته إراءةً مثل إراعةً وَإِن شِئْت لم تُعَوِّض وتركْتَ الْحُرُوف على الأَصْل قَالَ الله تَعَالَى: (لَا تُلْهيهم تِجارةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وإقام الصلاةِ وإيتاءِ الزَّكاة) . قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن الأصلَ فِي هَذَا البابِ هُوَ أَن يكون الفعلُ على أَفْعَلَ وعينُ الْفِعْل مِنْهُ واوٌ أَو ياءٌ فَإِنَّمَا يعْتَلاّنِ وتُلقى حركتُهما على مَا قبلَهما وتُقلبُ كل وَاحِدَة مِنْهُمَا ألفا فِي الْمَاضِي وياءً فِي المستقبَل كَقَوْلِك أقامَ يُقيم وألانَ يُلين وَالْأَصْل أَقْوَم يُقْوِم وأَلْيَن يُليِن فألْقَيْت حركةَ الياءِ والواوِ على مَا قبلهمَا وقَلَبْتهما ألفا بعد الفتحة وياءً بعد الكسرة ثمَّ تعِلُّ المصدرَ لاعتلال الفِعل فَتَقول إِقَامَة وإلانةً وَكَانَ الأَصْل إقْواماً وإلْياناً كَمَا تَقول أَكْرَم يُكْرِم إكْراماً غير أَنَّك لمّا أَعْلَلْت الواوَ والياءَ فِي الْفِعْل أَعْلَلتهما فِي الْمصدر فألقَيْت حركتَهما على مَا فبلَهما فسكَنَتا وبعدهما ألف إفْعالٍ وَهِي الْألف الَّتِي فِي الإقْوام والإلْيان قبل الْمِيم وَالنُّون فَاجْتمع ساكنان أحدُهما عينُ الْفِعْل المعتلَّةُ والآخرُ ألفُ إفْعالٍ فأُسقِط أحدُهما وجُعِلت هاءُ التأنيثِ عِوَضاً من الحرفِ الذاهبِ فَقَالُوا إِقَامَة وإلانَةً وَكَذَلِكَ يعْمل فِي اسْتَفْعَل ويجيءُ مصدره كَقَوْلِك اسْتَعان يَسْتَعين اسْتِعْياناً واسْتَلْيَن يَسْتَلين اسْتِلْياناً وَاخْتلف النحويون فِي الذاهبِ من الحرفَيْنِ لِاجْتِمَاع الساكنين فَقَالَ الْخَلِيل وسيبويه الذاهبُ هُوَ الساكنُ الثَّانِي لأنَّ الساكنَ الثَّانِي زائدٌ وَالْأول أصليٌّ وَإِسْقَاط الزائدِ أَوْلَى وَقَالَ الْأَخْفَش وَالْفراء الذاهبُ هُوَ الأوَّل لِأَن حقَّ اجْتِمَاع الساكنين أَن يسْقط الأولُ مِنْهُمَا وَقد أجَاز سِيبَوَيْهٍ أنْ لَا تدخلَ الهاءُ عِوَضاً وَاحْتج بقوله : (وإقامِ الصَّلاةِ) . وَلم يفصل بَين مَا كَانَ مُضافاً وغيرَ مُضَاف وَذكر الفرَّاء أَن الْهَاء لَا تسْقط إِلَّا مِمَّا كَانَ مُضَافا والإضافةُ عوضٌ مِنْهَا، وَأنْشد: إنَّ الخليطَ أجَدُّوا البَيْنَ فانْجَرَدوا وأَخْلَفوكَ عِدَ الأمرِ الَّذِي وَعَدوا وَذكر أَن الأَصْل عِدَةَ الأمرِ وَالْهَاء سَقَطَت للإضافةِ وَأَن ذَلِك لَا يجوز فِي غير الْإِضَافَة. وَقَالَ خالدُ بن كُلْثُوم: عِدَى الْأَمر جمع عِدْوة والعِدْوَة: النَّاحِيَة والجانب من قَوْله : (إذْ أنتُم بالعِدْوَةِ الدُّنْيا وهم بالعِدْوَةِ القُصْوى) . وَإِنَّمَا أَرَادَ الشَّاعِر نواحيَ الأمرِ وجوانبَه وَأَجَازَ سِيبَوَيْهٍ أَقْمَته إقاماً وَلم يُجِزه
стр. 1727
الفراءُ وَأما قَوْلهم أريتُه إراءَةً فَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب لِأَنَّهُ لم يعتلَّ عينُ الْفِعْل مِنْهُ وَلكنه دخَله النقصُ لتَلينَ الهمزةُ فِي الْمصدر كَمَا خُفِّفَت فِي الْفِعْل بِأَن أُلقِيَت حركتُها على الراءِ وأُسقِطت فجُعِلت الهاءُ عِوَضاً من ذَلِك. وَإِذا كَانَ الفعلُ على انْفَعل وافْتَعل وعينُ الْفِعْل واوٌ أَو ياءٌ فَإِنَّهُ لَا يسْقط من مصدره شيءٌ لِأَنَّهُ لَا يلتقي فِيهِ ساكنان وَلَا تلزمُه الهاءُ لِأَنَّهُ لم يسْقط شَيْء تكونُ الهاءُ عِوَضاً مِنْهُ وَذَلِكَ قَوْلك انْقاد انْقِياداً وانْحاز انْحِيازاً واكْتال اكْتِيالاً واخْتارَ اخْتِياراً. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما عَزَّيْتُ تَعْزِيَةً ونحوُها فَلَا يجوز الحذفُ فِيهِ وَلَا فِيمَا أَشْبَهَه لأَنهم لَا يجيئون بِالْيَاءِ فِي شَيْء من بَنَات الياءِ والواوِ مِمَّا هما فِيهِ فِي مَوضِع اللامِ صحيحتين وَقد يجيءُ فِي الأول نَحْو الإحْواذ والاسْتِحواذ وَنَحْوه يُرِيد أَن مَا كَانَ على فَعَّل فمصدرُه تفْعيل أَو تَفْعِلة فِي الصَّحِيح كَقَوْلِك كَرَّمته تَكْرِمةً وتَكْرِيماً وعَظَّمته تَعْظِمةً وتَعْظِيماً والبابُ فِيهِ تَفْعِيلٌ فَإِذا كَانَ لامُ الْفِعْل مِنْهُ معتَلاًّ ألزموه تَفْعِلة كراهةَ أَن يقعَ الإعرابُ على الْيَاء وَأَرَادُوا أَن تُعْرَب التاءُ وتكونَ الياءُ مَفْتُوحَة أبدا كَقَوْلِك عَزَّيْته تَعْزِيةً وسَوَّيْته تَسْوِيةً وَلم يَقُولُوا تَعْزِيَّاً وَهَذَا تَعْزِيُّك وعَجِبت من تَعْزِيِّك لأنَّ لَهُم عَنهُ مَنْدوحةً باستعمالهم الوجْهَ الآخرَ وفرَّق سِيبَوَيْهٍ بينَ هَذَا وَبَين إقامِ الصلاةِ فَلم يجوِّز فِي هَذَا حذفَ الْهَاء كَمَا أجَازه فِي إقامِ الصَّلَاة بِأَن قَالَ إِنَّه قد جَاءَ فِي بَاب إقامِ الصلاةِ المصدرُ على الأَصْل بِغَيْر هاءٍ كَقَوْلِهِم الإحْواذ والاسْتِحواذ وَلم يَقُولُوا فِي هَذَا الْبَاب بِإِسْقَاط الْهَاء. قَالَ أَبُو سعيد: وَقد جَاءَ فِي الشّعْر قَالَ الراجز: باتَ يُنَزِّي دَلْوَهُ تَنْزِيَّاً كَمَا تُنَزِّي شَهْلَةٌ صَبِيَّا قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَا يجوزُ حذفُ الْهَاء فِي تَجْزِئةٍ وتَهْنِئةٍ وتقديرها تَجْزِعة وتَهْنِعة لأَنهم ألحقوها بأُخْتَيْها من بناتِ الياءِ والواوِ كَمَا ألْحقُوا أريتَ الْهَاء، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد: الَّذِي قَالَه فِي تَفْعِلة مصدرِ فَعَّلت من الهمزِ جَيِّد بالغٌ والإتمامُ على تَفْعِيل كَغَيْر المعتلِّ أجودُ وأكثرُ عَن أبي يزِيد وَجَمِيع النَّحْوِيين فَتَقول هَنَّأْته تَهْنِيئاً وتَهْنِئةً وخَطَّأْته تَخْطِيئاً وتَخْطِئةً. قَالَ أَبُو عَليّ: الَّذِي عِنْدِي أَن سِيبَوَيْهٍ مَا أَرَادَ مَا قَالَه أَبُو الْعَبَّاس من الْإِتْيَان بِالْمَصْدَرِ على التَّمام وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنه لَا يجوزُ حذفُ الْهَاء من النَّاقِص من تَفْعِلة كَمَا جَازَ فِي إقامِ الصَّلَاة لَا تَقول جَزَّأْته تَجْزِئاً ونُبِّئتُ تَنْبِئةً وَلَو كَانَ ذَلِك لَا يجوز عِنْده مَا اسْتَعْملهُ.
هَذَا بابُ مَا تُكَثِّرُ فِيهِ المصدرَ من فَعَلْت فتُلحِق الزوائدَ وتَبنيهِ بِنَاء آخر
كَمَا أَنَّك قلتَ فِي فَعَلْت فَعَّلت حِين كثَّرت وَذَلِكَ قَوْلك فِي الهَدْر التَّهْدار وَفِي اللَّعِب التَّلْعاب وَفِي الرَّد التَّرْداد وَفِي الصَّفْق التَّصْفاق وَفِي الجَوَلان التَّجْوال والتَّقْتال والتَّسْيار وَلَيْسَ شيءٌ من هَذَا مصدرَ فعَّلْت وَلَكِن لمّا أردْت التكثير بَنَيْت الْمصدر على هَذَا كَمَا بنيت فَعَلْت على فعَّلْت. قَالَ أَبُو سعيد: اعْلَم أَن سِيبَوَيْهٍ يَجْعَل التَّفْعال تكثيراً للمصدر الَّذِي هُوَ للْفِعْل الثُّلاثيِّ فَيصير التَّهْدار بِمَنْزِلَة قَوْلك الهَدْر الْكثير والتَّلْعاب بِمَنْزِلَة اللّعب الكثيرِ وَكَانَ الفرَّاء وغيرُه من الْكُوفِيّين يجْعَلُونَ التَّفْعال بِمَنْزِلَة التفعيل والألفَ عِوَضاً من الْيَاء ويجعلون ألف التّكْرَار والتَّرْداد بِمَنْزِلَة ياءِ تَكْرِير وتَرْدِيد والقولُ مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ يُقَال التَّلْعاب وَلَا يُقَال التَّلْعيب. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما التِّبْيان فَلَيْسَ على شيءٍ من الْفِعْل لَحِقَتْه الزيادةُ وَلكنه بُنيَ هَذَا البناءَ فلحِقَتْه الزيادةُ
стр. 1728
كَمَا لَحِقَت الرِّئْمانَ وَهِي من الثَّلَاثَة وَلَيْسَ من بَاب التَّفْعال وَلَو كَانَ أصلُها من ذَلِك فتحُوا التاءَ فَإِنَّمَا هِيَ من بَيَّنْت كالغارة من أَغَرْت والنَّبات من أَنْبَتَ: أَي إِن التِّبْيان لَيْسَ بمصدرٍ لبَيَّنْت وَإِنَّمَا مصدرُ بَيَّنْت التَّبْيين والتِّبْيان اسمٌ جُعِل مَوضِع الْمصدر وَكَذَلِكَ مصدرُ أَغَرْت إغارةٌ وَتجْعَل غارةٌ مكانَ إغارة ومصدرُ أَنْبَتَ إنْباتٌ وَيسْتَعْمل النَّبات مَكَان الإنْبات. قَالَ سِيبَوَيْهٍ ونظيرُها التِّلْقاء يُرِيد اللُّقْيان، قَالَ الرَّاعِي: أمَّلْت خَيْرَكِ هَل تَدْنُو مَوَاَعدُه فاليومَ قَصَّرَ عَن تِلْقائِكِ الأمَلُ يُرِيد عَن لقائكِ والمصادر كلُّها على تَفْعَال بِفَتْح التَّاء وَإِنَّمَا تجيءُ تِفْعال فِي الأسماءِ وَلَيْسَ بالكثير وَقد ذكر بعضُ أهلِ اللغةِ مِنْهَا ستَّة عَشَرَ حرفا لَا يكادُ يوجدُ غَيْرُها مِنْهَا التِّبْيان والتِّلْقاء ومَرَّ تِهْواءٌ من الليلِ وتِبْراك وتِعْشار وتِرْياع: مواضعُ. وتِمْساح: الدابةُ الْمَعْرُوفَة، والتِّمْساح: الرجلُ الكذَّاب. وتِجْفاف وتِمْثالٌ وتِمْرادٌ: بيتٌ للحَمَام. وتِلْفاقٌ: وَهُوَ ثَوْبَان يُلْفَقان، وتِلْقامٌ: سريعُ اللَّقْم، وَيُقَال أتَتِ الناقةُ على تِضْرابها: أَي الْوَقْت الَّذِي ضَرَبَها الفحلُ فِيهِ، وتِلْعابٌ: كثيرُ اللّعب، وتِقْصار: وَهِي المِخْنَقَة، وتِنْبال: وَهُوَ الْقصير.
هَذَا بابُ مصادرِ بناتِ الأربعةِ
فاللازم لَهَا الَّذِي لَا يَنْكَسر عَلَيْهِ أَن يجيءَ على مِثَال فَعْلَلَةٍ وَكَذَلِكَ كلُّ شيءٍ أُلْحِقَ من بناتِ الثلاثةِ بالأربعة وَذَلِكَ نَحْو دَحْرَجْته دَحْرَجةً وزَلْزَلته زَلْزَلةً فَهَذَا الْأَصْلِيّ والمُلحَقُ حَوْقَلْت وزَحْوَلته زَحْوَلةً وَهِي من الزَّحْلة وَإِنَّمَا ألْحقُوا الهاءَ عوضا من الْألف الَّتِي تكون قبل آخرِ حرفٍ وَذَلِكَ ألفُ زِلْزالٍ وَقَالُوا زَلْزَلته زِلْزالاً وقَلْقَلته قِلْقالاً وسَرْهَفته سِرْهافاً كأنَّهم أَرَادوا مثلَ الإعْطاء والكِذَّاب لِأَن مِثَال دَحْرَجت وزْنها على أَفْعَلت وفَعَّلت. قَالَ أَبُو سعيد: قد كنتُ ذكرتُ مَا يلزَم الْمصدر فِي أَكثر مَا جاوزَ الثلاثةَ من ألفٍ تُزاد قبل آخرِه بِمَا أَغْنَى عَن إِعَادَته ولفَعْللتُ مصدران أحدُهما فَعْلَلَةٌ والآخرُ فِعْلال كَقَوْلِك سَرْهَفْته سَرْهَفَةً وسِرْهافاً والأغلبُ أنَّ مصدرَ فَعْلَلت الفَعْلَلةُ لِأَنَّهَا عامَّة فِي جَمِيعهَا وربَّما لم يأتِ فِعْلال تَقول دَحْرَجْتُه دَحْرَجةً وَلم يُسمع دِحْراج وَلَا ... . فَعْلَلة الهاءَ عِوضاً من الْألف الَّتِي قبل آخر فِعْلال فَإِذا كَانَ فَعْلَلته مُضاعفاً جَازَ فِيهِ الفَعْلال قَالُوا الزَّلْزال والقَلْقال ففتحوا كَمَا فتحُوا أول التَّفْعيل كَأَنَّهُمْ حذفوا الْهَاء فِي فَعْلَلة وَزَادُوا الألفَ عِوضاً مِنْهَا وَفِي غير المضاعَف لَا يَفْتَحون أوَّله لَا يَقُولُونَ السَّرْهاف. قَالَ سِيبَوَيْهٍ والفَعْلَلة هَهُنَا بمنزلةِ المُفاعَلة فِي فاعَلْت والفِعْلال بِمَنْزِلَة الفِعال فِي فاعَلْت تمكُّنُهما هَهُنَا كتَمَكُّنِ ذيْنِك هُناك. قَالَ أَبُو سعيد: قد ذَكَرْنا فِي مصدر فاعَلْت أَنه مُفاعَلة وفِعال وأنَّ الأصلَ مُفاعَلة وَكَذَلِكَ مَصْدَر فَعْلَلت فَعْلَلة وفِعْلال وَالْأَصْل فَعْلَلة. قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَأما مَا لَحِقَته الزيادةُ من بناتِ الْأَرْبَعَة وجاءَ على مثالِ اسْتَفْعَلْت وَمَا لَحِقَ من بَنَات الثَّلَاثَة ببناتِ الْأَرْبَعَة فَإِن مصدره يجيءُ على مِثَال مَصْدَر اسْتَفْعَلْت وَذَلِكَ احْرَنْجَمْت احْرِنْجاماً واطْمَأْنَنْت اطْمِئْناناً والطُّمَأْنينة والقُشْعَريرة لَيْسَ واحدٌ مِنْهُمَا بمَصْدَر على اطْمَأْنَنْت واقْشَعْرَرْت كَمَا أنَّ النَّبَات لَيْسَ بمَصْدَر على أَنْبَت فمنزلة اقْشَعْرَرْت من القُشْعَريرة واطْمَأْنَنْت من الطُّمَأْنينة بِمَنْزِلَة النَّبات من أَنْبَت يُرِيد أَن القُشْعَريرة والطُّمَأْنينة اسمان وليسا
стр. 1729
بمَصْدَرين لهذيْن الفِعلين وَإِن كَانَا قد يوضَعان فِي موضعِ المصدرِ فَيُقَال اطْمَأْنَنْت طُمَأْنينةً واقْشَعْرَرْت قُشَعْريرة كَمَا أنَّ النَّبات لَيْسَ بمَصْدَر وَإِن كَانَ قد يوضع فِي مَوْضِعه، قَالَ الله : (واللُه أَنْبَتكُم من الأرضِ نَباتا) .
هَذَا بابُ نظيرِ ضَرَبْت ضَرْبَةً ورَمَيْت رَمْيَةً من هَذَا الْبَاب
اعْلَم أَن الواحدَ من مَصْدَر مَا يُجاوِزُ الثلاثةَ أَن تَزيدَ على مصدرِه الهاءَ فَإِن كَانَ المَصْدَر يلزمُه الهاءُ اكتفيْتَ بِمَا يَلْزَمه من الهاءِ وَإِن كَانَ للفِعل مَصْدَران جعلتَ الواحدَ من لفظ المَصْدَر الَّذِي هُوَ الأصلُ والأكثرُ تَقول أَعْطَيت إعْطاءةً وأَخْرَجت إخْراجةً إِذا أَرَدْت المرَّة الواحدةَ وَكَذَلِكَ اَحْتَرزت اَحْتِرازةً وانْطَلَقت انْطِلاقةً وَاحِدَة واسْتَخْرَجت اسْتِخْراجةً وَاحِدَة واقْعَنْسَسْت اقْعِنْساسةً واغْدَوْدَنَ اغْدِيدانةً وفعَلَّت بِهَذِهِ الْمنزلَة تَقول عذَّبْته تَعْذِيبةً وروَّعْته تَرْوِيعةً والتَّفَعُّل كَذَلِك وَذَلِكَ قَوْلهم تقَلَّب تَقَلُّبَةً وَاحِدَة وَكَذَلِكَ التَّفاعُل تَقول تَغَاَفلَ تغافُلةً وتَعاقَلَ تَعاقُلَةً وَأما فاعَلْت فإنَّك إِن أَرَدْت الواحدةَ قلت قاتَلْتُه مُقاتَلةً ورامَيْته مُراماةً وَلَا تَقول قاتَلْته قِتالةً لِأَن أصل المَصْدَر فِي فاعَلْت مفاعَلةٌ لَا فِعالٌ وَإِنَّمَا تجعلُ المرةُ على لفظ المَصْدَر الَّذِي هُوَ الأَصْل وأَغْنَتك الهاءُ عَن هاءٍ تجلبُها للمرة فالمُقاتَلة بِمَنْزِلَة الإقالةِ والاستِغاثَة لِأَنَّك لَو أردتَ الفَعْلة فِي هَذَا لم تجاوِز لفظَ المصدرِ للهاء الَّتِي فِي المَصْدَر. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَو أَرَدْت الواحدةَ من اجْتَوَرْت فَقلت تَجاوُرَةً جَازَ لِأَن الْمَعْنى واحدٌ فَكَمَا جَازَ تَجاوُراً يَعْنِي فِي مَصْدَر اجتَوَر تَجاوُرَةً فِي الْوَاحِد مصدر اجتوَرَ وَمثل ذَلِك يَدَعُه تَرْكَةً وَاحِدَة كَمَا تَقول فِي غير الْوَاحِد يدَعُه تَرْكَاً.
هَذَا بابُ نَظِير مَا ذكرنَا من بَنَات الأربعةِ وَمَا أُلحِق ببنائها من بناتِ الثلاثةِ
تَقول دَحْرَجته دَحْرَجةً وَاحِدَة وزَلْزَلته زَلْزَلةً وَاحِدَة جيءَ بِالْوَاحِدِ على المَصْدَر الْأَغْلَب الأكثرِ أَعنِي أَنَّك لَا تَقول زِلْزالةً لِأَن الأَصْل والأكثرَ فِي مَصْدَر فَعْلَلت فَعْلَلَةٌ وَأما مَا لَحِقَته الزوائدُ فجَاء على مِثَال اسْتَفْعَلت فَإِن الْوَاحِدَة تَجِيء على مِثَال اسْتِفْعالَة وَذَلِكَ قَوْلك احْرَنْجَمْت احْرِنْجامةً واقْشَعْرَرْت اقْشِعْرارةً وَقد مضى الْكَلَام فِي نَحوه.
هَذَا بَاب اشتِقاقكَ الأسماءَ لمواضعِ بناتِ الثَّلَاثَة الَّتِي لَيست فِيهَا زيادةٌ من لَفظهَا
أما مَا كَانَ من فَعَلَ يَفْعِل فَإِن مَوضِع الفِعل مَفْعِل وَذَلِكَ قَوْلك هَذَا مَحْبِسنا ومَضْرِبنا ومَجْلِسُنا كَأَنَّهُمْ بنوه على بناءِ يَفْعِل وكَسروا العينَ كَمَا كسروها فِي يَفْعِل فَإِذا أردْت المَصْدَر بنيته على مَفْعَلٍ وَذَلِكَ قَوْلك إِن فِي ألفِ دِرْهمٍ لَمَضْرَبا: أَي لَضَرْبا، وَقَالَ الله : (أَيْنَ المَفَرّ) . يُرِيد أَيْن الفِرار فَإِذا أَرَادَ الْمَكَان قَالَ أَيْن المَفِرُّ كَمَا قَالُوا المَبيت حِين أَرَادوا المكانَ لِأَنَّهَا من باتَ يَبيتُ وَقَالَ الله تَعَالَى: (وجعَلْنا النَّهارَ مَعاشاً) . أَي جَعَلْنَاهُ عَيْشَاً وَقد يجيءُ المَفْعِل يُراد بِهِ الحِيْن. فَإِذا كَانَ من فَعَلَ يَفْعِل بَنَيْته على مَفْعِل تَجْعَل الحِينَ الَّذِي فِيهِ الفعلُ كالمكان وَذَلِكَ قَوْلك أتَتِ الناقةُ على مَضْرِبِها وأتتْ على مَنْتِجِها إِنَّمَا تُرِيدُ الحينَ الَّذِي فِيهِ النِّتاج والضِّراب وَرُبمَا بَنَوْا المَصْدَر على المفعِل كَمَا بنوا المكانَ عَلَيْهِ وَالْقِيَاس المَفْعَل فَمَا بَنَوْا فِيهِ المَصْدَر على المَفْعِل المَرْجِع، قَالَ الله تَعَالَى: (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكم) . وَمن ذَلِك فِيمَا ذكره سِيبَوَيْهٍ المَطْلِع فِي معنى الطُّلوع وَقد قَرَأَ الْكسَائي: (حَتَّى مَطْلِعِ الفجرِ) . وَمَعْنَاهُ حَتَّى ضلوع الْفجْر، وَقَالَ بعض النَّاس المَطْلِع الموضِع الَّذِي يَطْلُع فِيهِ الْفجْر والمَطْلَع المَصْدَر وَالْقَوْل مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ لِأَنَّهُ لَا يجوز إبطالُ قراءةِ من قَرَأَ بالكَسْر وَلَا يحْتَمل إِلَّا الطُّلوع لِأَن حَتَّى إِنَّمَا يَقع بعْدهَا فِي التَّوْقِيت مَا يَحْدُث والطُّلوع هُوَ الَّذِي
стр. 1730
يَحْدُث والمَطْلِع لَيْسَ بحادث فِي آخر الليلِ لِأَنَّهُ الموضِعُ، وَقَالَ الله جلّ ثَنَاؤُهُ: (ويَسْئَلونَكَ عَن المَحيضِ قُل هُوَ أَذَى فاعتَزِلوا النِّساءَ فِي المَحيض) . أَي فِي الْحيض وَقَالُوا المَعْجِز يُرِيدُونَ العَجْز وَقَالُوا المَعْجَز على الْقيَاس وَقد جعل الزجَّاج هَذَا الْبَاب فِي مَعَاني الْقُرْآن مُطَّرِداً عِنْد ذكره ويسئَلونَكَ عَن المَحيض. وردَّ عَلَيْهِ الْفَارِسِي بقول سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ وَرُبمَا بَنَوْا المَصْدَر مَفْعِل ثمَّ أتبع ذَلِك بِأَن قَالَ إِلَّا أَن تَفْسِير البابِ وجملَتَه على الْقيَاس كَمَا أَرَيْتك فقد تبيَّن لَك من قَول سِيبَوَيْهٍ أَنه لَا يُتجاوَز بِهِ المسموع وَرُبمَا ألْحقُوا هاءَ التَّأْنِيث فَقَالُوا المَعْجِزة والمَعْجَزة كَمَا قَالُوا المَعيشة وَكَذَلِكَ يُدخِلون الْهَاء فِي الْمَوَاضِع قَالُوا المَزِلَّة أَي مَوضِع زَلَل وَقَالُوا المَعْذَرة والمَعْتَبة فألحقوا الهاءَ وفتحوا على الْقيَاس لِأَنَّهُ مَصْدَر وَقَالُوا المَصِيف كَمَا قَالُوا أتتِ الناقةُ على مَضْرِبها: أَي على زمَان ضِرابِها والمَصيف زمَان وَقَالُوا المَشْتاة فأنَّثوا وفتحوا لِأَنَّهُ من يَفْعُل وَمَا كَانَ على فَعَلَ يَفْعُل فاسمُ المكانِ مِنْهُ مَفْعَل كَمَا يُقَال مَقْتَل لِأَنَّهُ من قَتَلَ يَقْتُل وَقَالُوا فِي هَذَا شَتا يَشْتو وَقَالُوا المَعْصِيَة والمَعْرِفة كَقَوْلِهِم المَعْجِزَة وَرُبمَا استغْنَوا بالمَفْعِلة عَن غَيرهَا وَذَلِكَ قَوْلهم المَشيئة والمَحْمِيَة وَقَالُوا المَزِلَّة وَقَالَ الرَّاعِي: بُنِيَتْ مَرافِقُهُنَّ فَوْقَ مَزِلَّةٍ لَا يَسْتَطيعُ بهَا القُرادُ مَقيلا يُرِيد قَيْلُولة. وَأما مَا كَانَ يَفْعَل مِنْهُ مَفْتُوحًا فَإِن اسمَ المكانِ مَفْعَل وَذَلِكَ قولُك شَرِبَ يَشْرَب وَتقول للمكان مَشْرَبٌ ولَبِسَ يَلْبَس وَالْمَكَان المَلْبَس وَإِذا أردْت المَصْدَر فَتَحْته أَيْضا كَمَا فَتَحْته فِي يَفْعِل فَإِذا جَاءَ مَفْتوحاً فِي المكسور فَهُوَ فِي المَفْتوح أَجْدَرُ أَن يُفتَح وَقد كُسِر المَصْدَر كَمَا كُسِر فِي الأول قَالُوا عَلاه المكبِر وَيَقُولُونَ المَذْهَب للمكان وَتقول أردْت مَذْهَباً: أَي ذَهاباً فتفتح لِأَنَّك تَقول يَذْهَب وَقَالُوا مَحْمِدة فأنَّثوا كَمَا أنَّثوا الأول وكَسروا كَمَا كسروا المَكْبِر فَإِذا جَاءَ المَفْعِل مَصْدَر فَعَلَ يَفْعِل كانَ فِي فَعِلَ يَفْعَل أَوْلَى وَكَذَلِكَ فِي فَعُلَ فَعْلُ وَقد مضى الْكَلَام فِي نَحْو ذَلِك. وَأما مَا كَانَ يَفْعُل فِيهِ مضموماً فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا كَانَ يَفْعَل مِنْهُ مَفْتُوحًا وَلم يَبْنُوه على مِثَال يَفْعُل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام مَفْعُلٌ فَلَمَّا لم يكن إِلَى ذَلِك سبيلٌ وَكَانَ مصيرُه إِلَى إِحْدَى الحركتَيْن ألزموه أخفَّها وَذَلِكَ قَتَلَ يَقْتُل وَهَذَا المَقْتَل وقامَ يَقْوُم وَهَذَا المَقام وَقَالُوا أَكْرَه مقالَ الناسِ ومَلامَهُم وَقَالُوا المَلامَة والمقامَة وَقَالُوا المَرَدُّ والمَكَرُّ يُرِيدُونَ الردَّ والكُرور وَقَالُوا المَدْعاة والمَأْدَبة يُرِيدُونَ الدُّعاء إِلَى الطَّعَام وَقد كسروا المَصْدَر كَمَا كسروا فِي يَفْعِل فَقَالُوا أَتَيْتُك عندَ مَطْلِع الشمسِ: أَي عِنْد طُلوع الشَّمْس وَهَذِه لُغَة بني تَمِيم وَأما أهل الْحجاز فيَفْتَحون وَقد كسروا الأماكنَ أَيْضا فِي هَذَا كَأَنَّهُمْ أدخلُوا الكَسْر أَيْضا كَمَا أدخلُوا الفَتْح. قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن مَذْهَبَ الْعَرَب فِي الأماكنِ والأزمنةِ كَأَنَّهُمْ يبنونها من لفظ مستقْبَل فَقَالُوا فِيمَا كَانَ المستَقْبَل مِنْهُ يَفْعَل المَلْبَس والمَشْرَب والمَذْهَب وَكَانَ يلْزم على هَذَا أَن يُقَال فِيمَا المستقبَل مِنْهُ يَفْعُل مَفْعُل فَيُقَال فِي الْمَكَان من قتل يَقْتُل مَقْتُل وَمن قَعَدَ يَقْعُد مَقْعُد غير أَنهم عدَلوا عَن هَذَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام مَفْعُل إِلَّا بِالْهَاءِ كَقَوْلِك فِي مَكْرُمة ومَيْسُرة ومَقْبُرة ومَشْرُبة فعدلوا إِلَى أحدِ اللفظينِ الآخريْن وهما مَفْعِل أَو مَفْعَل فَاخْتَارُوا مَفْعَلاً لِأَن الْفَتْح أخفُّ وَقد جَاءَت عَن العربِ أحدَ عَشَرَ حرفا على مَفْعِل مِمَّا فِعله على فَعَلَ يَفْعُل وَهِي مَنْسِك ومَجْزِر ومَنْبِت ومَطْلِع ومَشْرِق ومَغْرِب ومَسْجِد ومَسْقِط ومَفْرِق ومَسْكِن ومَرْفِق كَأَنَّهُمْ حملُوا يَفْعُل على يَفْعِل لِأَنَّهُمَا أخَوان. وَقد ذكر بعض الْكُوفِيّين أَنه قد جَاءَ مَفْعُل وَأنْشد فِي ذَلِك: ليَوْمٍ رَوْعٍ أَو فَعال مَكْرُمِ
стр. 1731
أنْشد أَيْضا: بُثَيْنَ الْزَمي لَا إنَّ لَا أنْ لَزِمْتِهِ على كَثْرَةِ الواشينَ أيُّ مَعْوُنِ فَقَالَ بَعضهم مَعون مَفْعُل فِي معنى مَعْوُنة وَأَصله مَعْوُنة وَقَالَ بَعضهم مَعُونٌ جمع مَعْوُنة وَلَيْسَ فِي شيءٍ من ذَلِك مَا يَمْنَع مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ لِأَن أصلَ الكلامِ مَكْرُمة ومَعْوُنة وَإِنَّمَا اضْطُرَّ الشاعرُ إِلَى حذفِ الهاءِ والنيةُ الهاءُ وَمثل هَذَا كثيرٌ فِي الشّعْر كَقَوْلِه: أما تَرَيْني اليَوْمَ حَمْزِ يُرِيدُونَ حَمْزَة، وَقَول الآخر: أمالِ بن حَنْظَلِ يُرِيد حَنْظَلة وَأما المَسْجِد فَإِنَّهُ اسمٌ للبيت ولسْتَ تُرِيدُ بِهِ موضعَ السُّجُود وموضعَ جبهتِك وَلَو أردْت ذَلِك لَقلت مَسْجَد ويقوِّي ذَلِك مَا رُوي عَن الْحجَّاج أَنه قَالَ ليَلْزَمْ كلُّ رجلٍ مَسْجَده أَرَادَ موضعَه من المسجِد لِأَنَّهُ لَا يكون لَهُم تجمُّع فِي الْمَسْجِد للفتن. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ وَنَظِير ذَلِك المُكْحُلة والمِحْلَب والمِيْسَم لم ترد موضِعَ الْفِعْل وَلكنه اسمٌ لوعاء الكُحْل وَكَذَلِكَ المُدُقُّ صَار اسْما لَهُ كالجلمود وَكَذَلِكَ المقْبُرة والمَشْرُقة يُرِيدُونَ الْموضع الَّذِي تُجمَع فِيهِ الْقُبُور وَيَقَع فِيهِ التشريقُ وَلَو أَرَادوا مَوضِع الْفِعْل لقالوا مَقْبَر وَلكنه اسْم بِمَنْزِلَة المَسْجِد وَمثله المَشْرُبة: وَهِي الغرفة اسمٌ لَهَا وَكَذَلِكَ المُدْهُن والمَظْلِمة بِهَذِهِ الْمنزلَة إِنَّمَا هِيَ اسمٌ لما أُخِذ مِنْك وَلم ترد مَصْدَراً وَلَا موضعَ فِعل وَلذَلِك عادَلَ بِهِ أَبُو عَليّ الإثْمَ فِي قَوْله : (فإنْ عُثِرا على أنَّهما اسْتَحَقَّا إثْماً) . وَقَالُوا مَضْرِبة السيفِ جَعَلُوهُ اسْما للحديدة وَبَعض الْعَرَب يَقُول مَضْرُبة كَمَا يَقُول مَقْبُرةٌ ومَشْرُبة قَالَ فالكسر فِي مَضْرِبة كالضم فِي مَقْبُرة والمَنْخِر بِمَنْزِلَة المُدْهُن كسروا الحرفَ كَمَا ضمُّوا ثَمَّةَ. قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو سعيد: ولقائلٍ أَن يَقُول إِن مَنْخِراً هُوَ من بَاب مَنْسِك لِأَنَّهُ موضعُ نَخير وَفعله نَخَرَ يَنْخُر وَمِنْهُم من يكسِر الميمَ إتْباعاً للخاءِ وَأما المَسْرُبة: وَهُوَ الشَّعَر الْمَمْدُود فِي الصَّدْر وَفِي السُّرَّة فبمنزلة المَشْرُقة لم تُرِد مَصْدَراً وَلَا موضعا للْفِعْل وَإِنَّمَا هُوَ اسْم مَخَطِّ الشَّعرِ الْمَمْدُود فِي الصَّدْر وَكَذَلِكَ المَأْثُرة والمَكْرُمة والمَأْدُبة وَقد قَالَ قوم مَعْذُرة كالمَأْدُبة وَمِنْه فنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرة وَقد أنكر الْأَخْفَش قراءةٍ قُرِئت: (فنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسُرِهِ) . لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام مَفْعُل على مَا ذَكرْنَاهُ. ويجيءُ المِفْعَل اسْما كَمَا جَاءَ فِي المَسْجِد والنِكَب وَذَلِكَ المِطْبَخ والمِرْبَد وكلُّ هَذِه الْأَبْنِيَة تقع اسْما للَّتِي ذَكَرْنا من هَذِه الْفُصُول لَا لمَصْدَر وَلَا لموضعِ عملٍ.
هَذَا بَاب مَا كَانَ من هَذَا النَّحْو من بناتِ الياءِ والواوِ الَّتِي الياءُ فيهنَّ لامٌ
فالموضِعُ والمَصْدَر فِيهِ سَواءٌ لِأَنَّهُ معتلٌّ وَكَانَ الألفُ والفتحُ أخفَّ عَلَيْهِم من الكسرة مَعَ الياءِ ففرُّوا إِلَى مَفْعَل وَقد كسروا فِي نَحْو مَعْصِية ومَحْمِية. وَلَا يجيءُ مكسوراً أبدا بِغَيْر الهاءِ لِأَن الإعرابَ فِيمَا لَا هاءَ فِيهِ يَقع على الياءِ ويلحَقُه الاعتلالُ فَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَة الشَّقاء والشَّقاوَة تَثْبُت الواوُ مَعَ الهاءِ وتُبْدَل مَعَ ذَهابِها يُرِيد أَن الشَّقاءَ أصلُه الشَّقاو وَقَعَت الواوُ طَرَفَاً بعد ألفٍ واستُثْقِل الإعرابُ عَلَيْهَا فقُلِبت همزَة فَإِذا كَانَ بعدَها هاءٌ يَقع الإعرابُ عَلَيْهَا جَازَ أَن لَا تُقلَب كالشَّقاوة فَكَذَلِك مَعْصِية ومَحْمِية لَا يجيءُ إِلَّا بالهاءِ إِذا بَنَيْته على مَفْعِل والبابُ فِيهِ مَفْعَل مثل المَرْمى والمَقْصى وَمَا أشبه ذَلِك وبناتُ الْوَاو أَوْلَى بذلك ... . والمَدْنى. وَذكر الفرَّاء: أَنه قد جَاءَ فِي ذَلِك مأَْوى الإبلِ وَذكر غيرُه مَأْقي العينِ وَالَّذِي ذكر مَأْقي الْعين غالِطٌ عِنْدِي لِأَن الْمِيم أصلِيَّةٌ فِي قَوْلنَا مَأقٌ ومُوقٌ وأمْواق.
стр. 1732
هَذَا بَاب مَا كَانَ من هَذَا النَّحْو من بَنَات الواوِ الَّتِي الواوُ فيهنَّ فاءٌ
فكلُّ شيءٍ من هَذَا كَانَ فَعَلَ فَإِن المَصْدَر مِنْهُ والمكانَ والزَّمانَ يُبْنى على مَفْعِل وَذَلِكَ قَوْلك للمكان المَوْعِد والمَوْضِع والمَورِد وَفِي المَصْدَر المَوْجِدَة والمَوْعِدَة فيُزاد فِي المَصْدَر الهاءُ للتأنيثِ وَإِنَّمَا جَاءَ على مَفْعِل لِأَن مَا كَانَ فَعَلَ وأوَّلُه وَاو يلْزم مستقبَلهُ يَفْعِل وَأكْثر الْعَرَب بنوا المَفْعِل من فَعِلَ يَفْعَل على ذَلِك فَقَالُوا فِي وَجِلَ يَوْجَل ووَحِلَ يَوْحَل مَوْحِل ومَوْجِل وَذَلِكَ أَن يَوْجَل ويَوْحَل وأشباههما فِي هَذَا الْبَاب من فَعِلَ يَفْعَل قد يعتلُّ فتُقلَب الْوَاو مرّة يَاء وَمرَّة ألفا وتعتلُّ لَهَا الياءُ الَّتِي قَبْلَها حَتَّى تُكسر فَلَمَّا كَانَت كَذَلِك شَبَّهوها بالأوَّل لِأَنَّهَا فِي حالِ اعتلال وَلِأَن الْوَاو مِنْهَا مَوضِع الواوِ من الأول وهم مِمَّا يُشبِّهون الشيءَ بالشَّيْء وَإِن لم يكن مثلَه فِي جَمِيع حالاته وَمعنى قَوْله فتُقلَب الواوُ يَاء أَنه يجوز فِي يَوْجَل ويَوْحَل يَيْجَل ويَيْحَل وَقَوله وألفاً مرّة يَعْنِي قَوْلهم ياجَلُ وياحَلُ وَقَوله تعتلُّ لَهَا الياءُ يُرِيد أَنهم يَقُولُونَ يَيْجَل ويَيْحَل فيكسِرون الياءَ الأولى وحقُّها الفتحُ وَمِمَّا يقوِّي كسر المَوْجِل والمَوْحِل وَإِن كَانَ من وَجِلَ يَوْجَل أَنهم قَالُوا علاهُ المَكْبِر فِي الصَّحِيح وَهُوَ كَبِرَ يَكْبَر. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَحدثنَا يُونُس وَغَيره أَن نَاسا من الْعَرَب يَقُولُونَ فِي وَجِلَ يَوْجَل وَنَحْوه مَوْجَل ومَوْحَل وَكَأَنَّهُم الَّذِي يَقُولُونَ يَوْحَل فسلَّموه فَلَمَّا سَلِمَ من الإعلال وَكَانَ يَفْعَل كيَرْكَب وَنَحْوه شُبِّه بِهِ وَقَالُوا مَوَدَّة لِأَن الواوَ تَسْلَم وَلَا تُقلَب يَعْنِي فِي قَوْلهم ودَّ يوَدُّ وَلَا يُقَال يَيَد كَمَا يُقَال يَيْجَل فَصَارَ بِمَنْزِلَة الصَّحِيح إِذا قلت شَرِبَ يَشْرَب والمَشْرَب للمَصْدَر وَالْمَكَان. وَقد جَاءَ على مَفْعَلٍ من هَذَا الْبَاب أسماءٌ لَيست بمصادر وَلَا أَمْكِنة للْفِعْل فَمن ذَلِك مَوْحَدٌ: وَهُوَ اسْم معدول عَن واحدٍ فِي بَاب الْعدَد يُقَال مَوْحَد وأُحاد ومَثْنَى وثُناء ومَثْلَث وثُلاث ومَرْبَع ورُباع وَهَذَا سَيذكرُ فِي بَابه وَجَاء معدولاً كَمَا عُدِل عُمر عَن عامِر. ومَوْهَبٌ ومَوْءَلة: اسمان لرجلَيْن ومَوْرَقٌ اسْم وَقَالُوا فلانُ بنُ مَوْرَق والموَهَبة: الغدير من المَاء، ومَوْكَلٌ: اسْم موضعٍ أَو جبل. وَبَنَات الياءِ بِمَنْزِلَة غير المعتلِّ لِأَنَّهَا تَتِمُّ وَلَا تعتلُّ وَذَلِكَ أَن الياءَ مَعَ الْيَاء أخفُّ عَلَيْهِم أَلا تراهم قَالُوا مَيْسَرة وَقَالَ بَعضهم مَيْسُرة وَمعنى قَوْلنَا الياءُ مَعَ الْيَاء أخفُّ عَلَيْهِم أَنَّك تَقول يَسَرَ يَيْسِر ويَعَرَ يَيْعِر فتُثْبِت الْيَاء الَّتِي هِيَ فَاء الْفِعْل وَقبلهَا ياءُ الِاسْتِقْبَال وَتقول وَعَدَ يَعِدُ فتُسقِط الواوَ فَصَارَت الواوُ مَعَ الياءِ أَثْقَلَ من الياءِ مَعَ الْيَاء.
هَذَا بَاب مَا يكون مَفْعَلةٌ لَازِمَة لَهُ الهاءُ والفتحة
وَذَلِكَ إِذا أردْت أَن يكثُر الشيءُ بالمكانِ وَالْبَاب فِيهِ مَفْعَلة وَذَلِكَ قَوْلك مَسْبَعةٌ ومَأْسَدةٌ ومَذْأَبة: إِذا أردْت أَرضًا كثُر بهَا السِّباع والأُسْد والذئاب. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَيْسَ فِي كل شيءٍ يُقَال هَذَا يَعْنِي لم تقُل العربُ فِي كل شيءٍ من هَذَا فَإِن قِسْت على مَا تكلَّمت بِهِ العربُ كَانَ هَذَا لَفْظَه. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلم يجيئوا بنظيرِ هَذَا فِيمَا جاوَز ثلاثةَ أحرف من نَحْو الضِّفْدَع والثَّعلب كراهيةَ أَن تَثْقُل عَلَيْهِم وَلِأَنَّهُم قد يستغنون بِأَن يَقُولُوا كثيرةُ الثعالبِ وَنَحْو ذَلِك وَإِنَّمَا اختصُّوا بهَا بناتِ الثلاثةِ لخفَّتِها وَلَو قلت من بناتِ الْأَرْبَعَة على قَوْلك مَأْسَدة لقُلت مُثَعْلَبَة لأنَّ مَا جاوزَ الثلاثةَ يكون نَظِير المَفْعَل مِنْهُ بِمَنْزِلَة المَفْعول يُرِيد أَن لفظ المَصْدَر والمكانِ والزمانِ الَّذِي فِي أوَّله الميمُ زائدةٌ فِيمَا جاوزَ ثلاثةَ أحرفٍ يجيءُ على لفظ الْمَفْعُول سواءاً وَفِي الثلاثةِ على غير لفظِ الْمَفْعُول أَلا ترى أَنَّك تَقول فِي الثَّلَاثَة للمَصْدَر المَضْرَب والمَقْتَل وللمفعول مَضْرُوب ومَقْتُول وَتقول فِيمَا جاوَزَ الثلاثةَ
стр. 1733
المُقاتَل فِي معنى القِتال والمُسَرَّح فِي معنى التَّسْريح والمُوَقَّى فِي معنى التَّوْقِيَة ولفظُ الْمَفْعُول أَيْضا كَذَلِك تَقول قاتَلْت زيدا فَهُوَ مُقاتَلٌ وسرَّحته فَهُوَ مُسَرَّح ووَقَّيْته فَهُوَ مُوَقَّى وَقَالُوا على ذَلِك أرضٌ مُثَعْلَبَة وأرضٌ مُعَقْرَبَة وَمن قَالَ ثُعالة قَالَ مَثْعَلة لِأَن ثُعالة من الثلاثيِّ وَالْألف زَائِدَة وَقَالَ أرضٌ مَحْيَاةٌ. وَقَالَ غَيره: هِيَ واوٌ. وَقَالَ صَاحب الْعين: أرضٌ محواة وَقَالَ رجل حَوَّاءٌ: صاحبُ حَيَّات وَفِي ذَلِك دليلٌ على أَن عين الفِعل واوٌ.
هَذَا بابُ مَا عالَجْت بِهِ
نذْكر فِي هَذَا الْبَاب مَا كَانَ فِي أوّله ميمٌ زائدةٌ من الْآلَات فالباب فِي ذَلِك إِذا كَانَ شيءٌ يُعالَج بِهِ ويُنقَل وَكَانَ الْفِعْل ثُلاثياً أَن تكونَ الميمُ مَكْسُورَة ويكونَ على مِفْعَلٍ أَو مِفْعَلَةٍ وَرُبمَا جَاءَ على مِفْعال وَقد تَجْتَمِع اللغتان فِي شيءٍ واحدٍ قَالُوا مِقَصٌّ للَّذي يُقَص بِهِ ومِحْلَب للإناءِ الَّذِي يُحلَب فِيهِ ومِنْجَل ومِكْسَحَةٌ ومِسَلَّة ومِصْفاة ومِخْيَطٌ وَقد يَجِيء على مِفْعال نَحْو مِقْراض ومِفْتاح ومِصْباح. وَقَالُوا المِفْتَح كَمَا قَالُوا المِخْرَز وَقَالُوا المِسْرَجَة كَمَا قَالُوا المِكْسَحة. وَقد جَاءَ مِنْهُ خَمْسَة أحرفٍ بِضَم الْمِيم قَالُوا مُكْحُلة ومُسْعُط ومُنْخُل ومُدُقّ ومُدْهُن لم يذهبوا مَذْهَب الْفِعْل وَلكنهَا جُعلت أسماءَ لهَذِهِ الأوعيةِ كَمَا جُعل المُغفور والمُغثور والمُغرود والمُعلوق وَهَذِه أَرْبَعَة أحرف جَاءَت على مُفْعوُل وَلَا نَظِير لَهَا فِي كَلَام الْعَرَب وَلَيْسَت مَأْخُوذَة من فِعل، فَعَلَى ذَلِك جَرَتْ مُكْحُلة والأربعةُ الَّتِي مَعهَا أما المُغفور والمُغثور فلِضَرْبٍ من الصَّمْغ الَّذِي يَقع على الشّجر وَفِيه حَلاوةٌ، والمُغرود: ضرب من الكَمْأَة، والمُعلوق: المِعْلاق. وَزعم الْفَارِسِي أَن كل مِفْعَل فَهُوَ مُقَصَّر من مِفْعال كَمَا أَن كل افْعَلَّ مُقَصَّر من افْعالَّ وَلذَلِك صحَّت الْعين فِي القَبيلَيْن فَقَالُوا مِخْيَط واعْوَرَّ إِذْ كَانَا فِي نيَّة مِخْياط واعوارَّ.
هَذَا بَاب نَظَائِر مَا ذكرنَا مِمَّا جاوَزَ بناتِ الثلاثةِ بزيادةٍ أَو غير زِيَادَة
فالمكانُ والمَصْدَر يُبنى من جَمِيع هَذَا بِنَاء الْمَفْعُول وَكَانَ بناءُ الْمَفْعُول أَوْلَى بِهِ لأنّ المَصْدَر مَفْعول والمكانَ مَفْعول فِيهِ فيَضَمُّون أوَّله كَمَا يَضُمُّون المفْعولَ لِأَنَّهُ قد خرج من بَنَات الثَّلَاثَة فيُفْعَل بأوّله مَا يُفعَل بِأول مَفْعُوله كَمَا أنّ أوّلَ مَا ذكرتُ لَك من بَنَات الثَّلَاثَة كأوّل مَفْعُوله مفتوحٌ أَعنِي أَن اشتراكَ المَصْدَر والمكانِ والمَفعول فِي وُصُول الْفِعْل إليهنَّ ونصبِه إياهُنَّ يُوجب اشتراكهنَّ فِي اللَّفْظ فَيجب أَن يكونَ بناءُ المَصْدَر الَّذِي فِي أَوله الْمِيم وبناءُ الزمانِ والمكانِ كبناءِ الْمَفْعُول فِيمَا جَاوز ثلاثةَ أحرف وجُعل فِي الثَّلَاثَة عَلامَة الْمَفْعُول واواً قبلَ آخرِه كواو مَضْرُوب وَإِنَّمَا مَنعك أَن تجْعَل قبلَ آخرِ حرفٍ من مفعول فِيمَا جَاوز الثَّلَاثَة واواً كواو مَضْرُوب أنّ ذَلِك لَيْسَ من كَلَامهم وَلَا مِمَّا بَنَوْا عَلَيْهِ يَعْنِي زيادةَ الْوَاو قبل آخر مفعول فِيمَا جاوزَ الثلاثةَ وَلِأَن ذَلِك يَثْقُل أَيْضا فِيمَا يَكْثُر حروفُه وأبنيتُه أخفُّ يَقُولُونَ للمكان هَذَا مُخْرَجُنا ومُدْخَلُنا ومُصْبَحُنا ومُمْسانا وَكَذَلِكَ إِذا أردتَ المَصْدَر قَالَ أميّة بن أبي الصَّلْت: الحمدُ لله مُمْسانا ومُصْبَحَنا بالخَيْرِ صَبَّحنا ربِّي ومَسَّانا وَيَقُولُونَ للمكان هَذَا مُتَحامَلُنا وَيَقُولُونَ مَا فِيهِ مُتَحامَل: أَي مَا فِيهِ تَحامُلٌ وَتقول مُقاتَلُنا تَعْنِي المكانَ وَكَذَلِكَ تَقول إِذا أردْت المُقاتَلَة قَالَ أَبُو كَعْب بن مَالك: أُقاتِلُ حَتَّى لَا أرى لي مُقاتَلاً وأَنْجو إِذا غمَّ الجبانُ من الكَرْبِ وَقَالَ زيد الْخَيل:
стр. 1734
أُقاتِلُ حَتَّى لَا أرى لي مُقاتَلاً وأنجو إِذا يَنْجُ إِلَّا المُكَيَّس وَقَالَ فِي الْمَكَان هَذَا مُوَقَّانا، وَقَالَ رؤبة: إنَّ المُوَقَّى مثلُ مَا وِقّيتُ يُرِيد التَّوقِيَة وَكَذَلِكَ هَذِه الأشياءُ وَأما قَوْله دَع مَعْسُورَه إِلَى مَيْسُورِه فَإِنَّمَا يجيءُ هَذَا على المَفْعول كَأَنَّهُ قَالَ دَعْهُ إِلَى أمرٍ يُوسَرُ فِيهِ أَو يُعْسَر فِيهِ وَكَذَلِكَ المَرْفوع والمَوْضوع كَأَنَّهُ يَقُول لَهُ مَا يَرْفَعُه وَله مَا يضَعُه وَكَذَلِكَ المَعقول كَأَنَّهُ قَالَ عُقِلَ لَهُ شيءٌ: أَي حُبِس لَهُ لُبُّه وشُد ويُستغنى بِهَذَا عَن المَفْعل الَّذِي يكون مَصْدَراً لِأَن فِي هَذَا دَلِيلا عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو عَليّ: _ وَلَا أَدْرِي أَيْن ذَكَرَه غير أَنِّي عَلَّقْته من لَفظه _ اعْلَم أَن المَفْعول عِنْد بعضِ النَّحْوِيين يجوزُ أَن يكونَ مَصْدَراً وَجعلُوا هَذِه المفعولات الَّتِي ذكرهَا سِيبَوَيْهٍ مصادرَ فالميسور عندَهُم بِمَنْزِلَة اليُسْر والمَعْسور كالعُسْر والمَرْفوع والمَوْضوع والمَعْقول كالرَّفْع والوَضْع والعَقْل وَقَالُوا فِي قَوْله : (بأيِّكُم المَفْتون) . أَي بأيكم الفِتْنَة وَكَلَام سِيبَوَيْهٍ يدلُّ أَنَّهَا غير مصَادر وَأَنَّهَا مفعولات ... . هَذَا وقتٌ مَضْروبٌ فِيهِ زيدٌ وعَجِبْت من زَمانٍ مَضْرُوبٍ فِيهِ زيدٌ وَجعل المرفوعَ والموْضوعَ هُوَ الَّذِي يَرْفَعُه الإنسانُ ويضعه تَقول هَذَا مَرْفُوعُ مَا عِنْدِي ومَوْضُوعه: أَي مَا أَرْفَعُه وأضعُه وجعلَ المعقولَ مشْتَقَّاً من قَوْلك عُقِلَ لَهُ: أَي شُدَّ لَهُ وحُبِس فكأنّ عَقْلَه قد حُبِس لَهُ وشُدَّ واستُغني بِهَذِهِ المَفْعولات الَّتِي ذَكَرْنا عَن المَفْعَل الَّذِي يكونُ مَصْدَراً لِأَن فِيهَا دَلِيلا على المَفْعَل. وَقَالَ بعض أهل الْعلم فِي قَوْله : (بأيِّكم المَفْتون) . إِن الباءَ زَائِدَة وَمَعْنَاهُ أيُّكم الْمفْتُون ومثلُه فِي زِيَادَة الْبَاء قولُه تَعَالَى فِي بعض الْأَقَاوِيل: (تُنْبِتُ بالدُّهْن) . أَي تُنْبِتُ الدُّهْن، وَقَالَ الشَّاعِر: هُنَّ الحَرائرُ لَا رَبَّاتُ أَحْمِرةٍ سودُ المَحاجِرِ لَا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ أَي لَا يَقْرَأْنَ السُّورَ وَيجوز فِي قَوْله بأيِّكُم الْمفْتُون قولٌ آخر وَهُوَ أنَّ الْكفَّار قَالُوا إِن النَّبِي ﷺ مَجْنُون وَإِن بِهِ جِنِّيَّاً فَرد الله ذَلِك عَلَيْهِم وتوَّعدهم فَقَالَ: (فسَتُبْصِرُ ويُبْصِرون بأيِّكُم المَفْتون) .
стр. 1735
يَعْنِي الجِنِّيَّ فِيمَا يحملُ التَّأْوِيل لِأَن الجِنِّيَّ مَفْتُون. قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ الأحمرُ: وَمن هَذَا الْبَاب حَلَفْت مَحْلُوفاً، والمَجْلود: الجَلَد، وَأنْشد بَيت جرير: إنَّ التَّذَكُّرَ فاعْذِلاني أَوْدَعا بَلَغَ العَزاءَ وأَدْرَكَ المَجْلودا فَهَذِهِ قوانين المصادرِ قد أَبَنْتُ حُدودَها وأَوْضَحتُ فُصولَها وحَللت مَعَانِيهَا بِمَا سَقَطَ إليَّ من لفظ الشَّيْخَيْنِ أبي عَليّ وَأبي سعيد ورجَّحْت وجَرَّحت واللهَ أسأَل تيسير الْمَقْصُود وَإِدْرَاك المُراد. وأذكر الْآن شَيْئا من التعجُّب والمُضارعات الَّتِي فِي حُرُوف الحلقِ وَمَا يَحْدُث فِي أَوَائِل الْأَفْعَال المضارعةِ من الْكسر لضربٍ من الْأَشْعَار بعد ذِكرِ حِفْظِيَّات مَفْعَلة ومَفْعُلة ومَفْعِلة ومَفْعَلة ومَفْعُلة ومَفْعَلة ومِفْعلة ومَفْعَلة ومِفْعَلة ومِفْعَل ومُفْعَل ومَفْعِل ومَفْعُل وفِعال ومَفْعَلة من الْأَرْضين ... . لَهَا أَفعَال ليَكُون هَذَا الْكتاب أَجْسَم كتبِ اللُّغةِ فَائِدَة وأعظمَها نفعا.
(بَاب مَفْعَلةٍ ومَفْعُلة)
ابْن السّكيت: المَأْرَبة والمَأْرُبة: الْحَاجة ومثلٌ من الْأَمْثَال: مَأْرُبةٌ لَا حَفاوَةٌ. يُقَال ذَلِك للرجل إِذا كَانَ يتَمَلَّقُك أَي إِنَّمَا حَاجَتك إليَّ لَا حَفاوةٌ بِي. وَقَالَ: مَأْدَبة ومَأْدُبة ومَحْرَمة ومَحْرُمة ومَزْرَعة ومَزْرُعة ومَفْخَرة ومَفْخُرة ومَقْبَرة ومَقْبُرة ومَخْرَأة ومَخْرُأة وعَبْدُ مَمْلَكة ومَمْلُكة: إِذا مُلِك وَلم يُمَلَّك أَبَوَاهُ وَمَا بَينهمَا مَقْرَبة ومَقْرُبة: أَي قرَابَة وَقَالُوا مَعْرَكة ومَعْرُكة والمَقْنَأَة والمَقْنُؤة: الْمَكَان الَّذِي لَا تطلعُ عَلَيْهِ الشَّمْس ويُترك همزُه فَيُقَال مَقْنَاة ومَقْنُوَة وَقد أَنْعَمت شرحَ ذَلِك فِي كتاب الْأَرْضين وَقَالُوا مَأْكَلة ومَأْكُلة ومَزْبَلة ومَزْبُلة ومَبْطَخة ومَبْطُخة، أَبُو عبيد: مَخْبَرة ومَخْبُرة ومَسْرَبة ومَسْرُبة ومَأْثَرة ومَأْثُرة. قَالَ ابْن السّكيت: وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ بِكُل مَا كَانَ من هَذَا الْبَاب إِلَّا أَنهم قد قَالُوا مَكْرُمة لَا غير. ثَعْلَب: مَصْنَعة ومَصْنُعة للصهريج.
مَفْعَلة ومَفْعُلة ومَفْعِلة
غير وَاحِد: مَشْرَقة ومَشْرُقة ومَشْرِقة ومَقْدَرة ومَقْدُرة ومَقْدِرة وأُورِد هَهُنَا شَيْئا اطِّرادِيَّاً نَافِعًا فِي التصريف وَذَلِكَ أَن كل مَا كَانَ من بَنَات الياءِ مِمَّا لَا يُتَوَّهَّم فِيهِ مفعول إِمَّا بِدلَالَة معنى وَإِمَّا من جِهَة أَن الفعلَ لَا يتعدَّى فقد يكون مَفْعِلة ومَفْعُلة وَإِن كَانَ لَفظه على مَفْعِلة وَهَذَا مَذْهَب الْخَلِيل وسيبويه وَأَبُو الْحسن لَا يرَاهُ إِلَّا مَفْعِلةٍ على اللَّفْظ وَنحن نُعَلِّل المذهبين بِمَا علَّله بِهِ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي قَالَ مَفْعِلةٌ من هَذَا الضربِ كمَعيشةٍ عِنْد الْخَلِيل وسيبويه يصلح أَن يكون مَفْعُلة وَأَن يكون مَفْعِلة فَأَما وَزْنَهم لَهَا لمَفْعِلة فجليٌّ وَكَانَ الأَصْل مَعْيِشة إِلَّا أَن الاسمَ وافَقَ الْفِعْل فِي وَزْنِه لأنَّ مَعيش على وَزْنِ يَعيش فأُعِلَّ كَمَا أُعِلَّ الفعلُ وَقد وَجَدْنا الاسمَ إِذا وافقَ الْفِعْل فِي الْبناء أُعِلَّ كَمَا يُعَلُّ فَمن ذَلِك إعلالهم لبابٍ ودارٍ وَنَحْوه ورجلٌ مالٌ وخافٌ لمَّا وافَقَ ضَرَبَ وسَمِعَ فِي الْبناء أُعِلَّ كَمَا أُعِلَّ قَالَ وَخَافَ وهابَ فَكَذَلِك معيشةٌ أُعِلَّ بِأَن أُلقي حركةُ عينِها على فائها وَلم يُحتَج إِلَى الْفَصْل بَينه وَبَين الْفِعْل لِأَن الزيادةَ الَّتِي فِي أَولهَا زيادةٌ يختصُّ بهَا الاسمُ دونَ الْفِعْل وَهِي الْمِيم وَهِي لَا تُزاد فِي أَوَائِل الأفعالِ وَلَو كَانَت الزيادةُ يشترِك فِيهَا الاسمُ والفعلُ لأُعِلَّ الفعلُ وَلم يُعَلَّ الِاسْم نَحْو أقامَ وأجاد تُعِلُّه فِي الْفِعْل وَتقول هَذَا أقومُ من هَذَا وأجودُ مِنْهُ فَلَا تُعِلُّه فِي الِاسْم لاشْتِرَاكهمَا فِي الْمِثَال وَالزِّيَادَة لِأَن الْهَمْز تُزاد فِي أَوَائِل الْأَفْعَال كَمَا تُزاد فِي أَوَائِل الْأَسْمَاء وَكَذَلِكَ أُعِلَّ مَعيشة لمَّا انفصلَتْ بزيادتها من الْفِعْل وَكَانَت على وَزْنِه
стр. 1736
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مثلَ مَعيشةٍ فِي الاعتلال وَهَذَا مذهبُ سِيبَوَيْهٍ والخليل وَأبي عُثْمَان وَجَمِيع الْمُتَقَدِّمين من البَصْرِيِّين. قَالَ: وَقد ذهب بعض أَصْحَابنَا إِلَى أَن هَذَا الضَّرْب من الْأَسْمَاء إِنَّمَا اعتلَّ مَا اعتلَّ مِنْهُ لمناسَبَتِه الْفِعْل فَزعم أَن المَقال والمَعاش وَنَحْو ذَلِك إِنَّمَا اعتلَّ بجرْيه على الْفِعْل والْتِباسِه بِهِ فِي أَنه موضِعٌ لَهُ أَو مَصْدَر ولَعَمْري إنَّ مناسبةَ الْفِعْل تُوجب الإعلال ومُوافَقة الاسمِ للْفِعْل فِي الْبناء أَيْضا ضربٌ من المُناسبة والملابَسةِ يُوجب الإعلال ويدُلُّك على جَواز اعتلال هَذَا الضربِ أَعنِي مَقالاً ومَتاباً لمشابَهته الْفِعْل فِي الْبناء ومَجيئه عَلَيْهِ أَنا وجدناهم قد أعلُّوا نَحْو بابٍ ودارٍ ويومٍ راحٍ لمشابَهَته الْفِعْل فِي الْبناء والزِّنَة أَلا ترى أَن مَا خالَفه فِيهِ لم يُعِلُّوه نَحْو غَيَبَة وعِوَض وَغَيرهمَا من الْأَسْمَاء فَكَمَا أوجب موافقةُ الْفِعْل فِي الْبناء هَذَا الإعلال كَذَلِك يُوجِبهُ فِي بابٍ ومَقالٍ ومَثابةٍ وَإِن لم يكن مَصْدَراً للْفِعْل وَلَا مَكَانا لَهُ أَلا ترى أَن نَحْو بابٍ ودارٍ لم يُنَاسب الفعلَ فِي معنى أكثرَ من البناءِ وَإنَّهُ لَا مُلابَسة بَينهمَا فِي شيءٍ غَيْرِه وَقد استمرَّ الاعتلالُ فِيهِ مَعَ ذَلِك فَكَذَلِك يستمِرُّ فِي هَذَا الضربِ الَّذِي لَحِقَ أوَّله الزيادةُ وَإِن لم يُناسِب الفعلَ فِي معنى غير مُوافقة البناءِ للبناءِ وَاسْتدلَّ على مَا ذهب إِلَيْهِ من أنّ مَا لم يكن مناسِباً للْفِعْل من بابِ مَا لَحِقَه الزيادةُ فِي أَوله لَا يكون مُعتَلاًّ وَإِن وافَق الفعلَ فِي البناءِ بقَوْلهمْ الفُكاهة مَقْوَدة إِلَى الْأَذَى وبقولهم مَرْيَم ومَكْوَزة فَأَما مَرْيَم ومَكْوَزة فَلَيْسَ فيهمَا حجَّة لِأَنَّهُمَا اسمان عَلَمَان والأسماء الْأَعْلَام والألقاب قد يُخالَف بهَا مَا سواهَا وَيجوز فِيهَا مَا لَا يجوز فِي غَيرهَا فَأَما وزن مَعيشة عِنْد الْخَلِيل فَكَانَ أَصله مَعيشُة فنقلت حركتها إِلَى الْفَاء للإعلال لِأَنَّهُ على وزن الْفِعْل فتحركت الْفَاء بالضمة وصادفت الْيَاء سَاكِنة فَلَزِمَ أَن تقلبها واواً كَمَا فعل ذَلِك فِي بِيض جمع أَبْيَض أَو بَيوض فِيمَن قَالَ رُسْل أَلا ترى أَن أصل ذَلِك فُعْل مثل أَحْمَر وحُمْر ورُسْل إِلَّا أَن الضمة قلبت كسرة لتصح الْيَاء فَكَذَلِك تقاس معيشة فِي وزنك إِيَّاه بمَفْعُلة فَأَما أَبُو الْحسن فَلَا يُجِيز فِيهِ أَن يكون مَفْعُلة إِنَّمَا هِيَ عِنْده مَفْعِلة لَا غير وَلَا يرى أَن يقيسه على بِيض ويحتجُّ بِأَن الْجمع قد يُخَصُّ بالأشياء الَّتِي تكون فِي الْآحَاد فَلَا يقيس الْآحَاد عَلَيْهِ لَكِن يقصُر هَذِه العِبْرَة على الْجمع دون غَيره.
(بَاب مَفْعَلة ومَفْعِلة)
ابْن السّكيت: يُقَال عِلْق مَضَنَّة ومَضِنَّة وأرضٌ مَضَلَّ ومَضِلَّة ومَهْلَكة ومَهْلِكة وَهِي مَضْرَبة السَّيْف ومَضْرِبة السَّيْف ومَعْتَبة ومَعْتِبة ... . وَقَالَ: ... . مِنْهُ مَذَمَّة ومَذِمَّة.
(بَاب مَفْعَلة ومِفْعَلة بِمَعْنى وَاحِد)
ابْن السّكيت: مَبْنَاة ومِبْناة للنِّطَع ومَثْنَاة ومِثْناة للحَبْل ومَرْقَاة ومِرْقاة للدَّرَجة. وَقَالَ: وَالله لَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشَدُّ مَنْزَعة. وَقَالَ خَشَّاف الْأَعرَابِي: مِنْزَعة والمِنْزَعة: مَا يرجع إِلَيْهِ الرجل من أمره ورأيه وتدبيره وَحكى فِي غير هَذَا الْبَاب مَسْقَاة ومِسْقاة ومَطْهَرة ومِطْهَرة.
(بَاب مُفْعَل ومِفْعَل)
ابْن السّكيت: يُقَال مُغْزَل ومِغْزَل وَحكى الْكسَائي مَغْزَل، وَقَالَ غَيره: إِنَّمَا مَغْزَل من الغَزْل وَقد استثقلت الْعَرَب الضمة فِي حُرُوف فَكسرت ميمها وَأَصلهَا الضَّم من ذَلِك مِصْحَف ومِخْدَع ومِطْرَف ومِغْزَل ومِجْسَد
стр. 1737
لِأَنَّهَا فِي الْمَعْنى مَأْخُوذَة من أُصْحِف: جُمِعت فِيهِ الصُّحُف وأُطْرِف: جُعل فِي طَرَفَيه العَلَمان وأُجْسِد: أُلصِق بالجَسَد وَكَذَلِكَ المِغْزَل إِنَّمَا هُوَ أُدير وفُتِل. وَقَالَ غَيره: المُجْسَد: مَا أُشبِع صِبْغُه من الثِّيَاب والمِجْسَد بِكَسْر الْمِيم: الَّذِي يَلِي الْجَسَد من الثِّيَاب. أَبُو زيد قَالَ: تَمِيم تَقول المِغْزَل والمِصْحَف والمِطْرَف، وَقيس تَقول المُغْزَل والمُصْحَف والمُطْرَف.
(بَاب مَفْعِل ومَفْعَل)
أَبُو زيد: يُقَال للسيف مَقْبِض ومَقْبَض وَله مَضْرِب ومَضْرَب وَقَالُوا هُوَ المَسْكِن وَأهل الْحجاز يَقُولُونَ هُوَ مَسْكَن وَقَالُوا المَنْسَك وَقَالَ العَدَوي المَنْسِك وَقَالُوا مَنْسَج الثَّوْب حَيْثُ يَنْسِجونَه وَهِي المَناسِج ومَغْسَل الْمَوْتَى. وَقَالَ بَعضهم: مَنْسِج الثَّوْب ومَغْسِل الْمَوْتَى.
(بَاب مِفْعَل وفِعال)
يُقَال مِلْحَف ولِحاف ومِعْطَف وعِطاف وَحكى الْفَارِسِي مِنْقَب ونِقاب ومِلْثَم ولِثام ومِقْناع وقِناع. أَبُو عبيد: مِسَنٌّ وسِنان ومِطْرَف وطِراف ومِقْرَم وقِرام. غَيره: ومِسْرَد وسِراد.
(بَاب مَفْعَلة من صِفَات الأرَضِين)
أَرض مَأْبَلَة ذَات إبلٍ ومَشاهة ومَدْرَجَة من الدَّرَّاج ومَلَصَّة من اللُّصوص ومَحْيَاة ومَحْوَاة من الحَيَّات ومَذَبَّة من الذُّباب ومَذْأَبَة من الذِّئاب ومَسْبَعَة من السِّباع ومَأْسَدَة من الأُسود ومَقْثَأَة من القِثَّاء ومَثْعَلة من ثُعالَة: وَهُوَ الثَّعْلَب، وَقد أدخلُوا فَعِلَة فِي هَذَا الْبَاب قَالُوا أرضٌ فَئِرَة من الفأر وجَرِذَة من الجِرْذان وضَبِبَة من الضِّباب ونَمِلَة من النُّمْل وسَرِفَة من السُّرْفة وَقد أدخلُوا مَفْعولة قَالُوا أرضٌّ مَدْبِيَّة من الدَّبى وَقَالُوا مُدْبِيَة وَقَالُوا مَوْحُوشة من الوَحْش ومَسْرُوَّة من السَّرْوَة وَهِي دودة وَيجوز عِنْدِي أَن يكون من السِّرْوة وَهِي صغَار الْجَرَاد وَقَالُوا مَذْبُوبة من الذُّباب وَحكى الْفَارِسِي وَأَبُو عبيد أرضٌ مَدَبَّة من الدِّبَبَة ومَخَزَّة من الخِزَّان يَعْنِي ذُكُور الأرانب وَقد قدمت أَنهم لم يستعملوا مَفْعَلة فِيمَا جَاوز الثَّلَاثَة وأبدلوا مَكَانَهُ مُفَعْلَلَة كَرَاهِيَة الْحَذف كَمَا قدمت وَذَلِكَ قَوْلهم أرضٌ مُثَعْلَبَة من الثعالب ومُعَقْرَبَة من العقارب. وَحكى أَبُو الْحسن: مُعَنْكَبَة من العَناكب وَقد قَالُوا أَرض مُؤَرْنَبَة من الأرانب ومُخَرْنَقَة من الخَرانق وَهِي أَوْلَاد الأرانب.
هَذَا بَاب مَا يكون يفعَل من فَعَلَ فِيهِ مَفْتُوحًا
وَذَلِكَ إِذا كَانَت الهمزةُ أَو الهاءُ أَو العينُ أَو الغَيْنُ أَو الحاءُ أَو الخاءُ لاماً أَو عينا وَذَلِكَ قَوْلك قَرَأَ يَقْرَأ وَبَدَأ يَبْدَأ وخَبَأَ يَخْبَأ وجَبَهَ يَجْبَه وقَلَعَ يَقْلَع ونَفَعَ يَنْفَع وفَرَغَ يَفْرَغ وسَبَعَ يَسْبَع وضَبَعَ يَضْبَع وذَبَحَ يَذْبَح ومَتَحَ يَمْتَح وسَلَخَ يَسْلَخ ونَسَخَ يَنْسَخ فَهَذِهِ الْحُرُوف فِي هَذِه الْأَفْعَال لاماتٌ وَأما مَا كَانَت فِيهِ عيناتٍ فَهُوَ كَقَوْلِك سَأَلَ يَسْأَل وثَأَرَ يَثْأَر وذَأَلَ يَذْأَل والذّأَلان: المَرُّ الْخَفِيف وذَهَبَ يَذْهَب وقَهَرَ يَقْهَر ومَهَرَ يَمْهَر وبَعَثَ يَبْعَث وفَعَلَ يَفْعَل ونَحَلَ يَنْحَل وَنَخَر يَنْخَر وشَحَجَ يَشْحَج ومَغَثَ يَمْغَث وفَغَرَ يَفْغَر وشَغَرَ يَشْغَر والشَّغْر: أَن يرفَع الكلبُ إِحْدَى رِجلَيْه ليَبول والمَغْث: تقلُّب النفسِ وغَثَيانُها والفَغْر: فتحُ الْفَم وَإِنَّمَا فتحُوا هَذِه الحروفَ لِأَنَّهَا سَفَلَت فِي الْحلق فكرهوا أَن يتناولوا حَرَكَة مَا قبلَها بحركة مَا ارْتَفع من الْحُرُوف فَجعلُوا حركَتها من الْحَرْف
стр. 1738
الَّذِي فِي حَيِّزِها وَهُوَ الْألف وَإِنَّمَا الحركاتُ من الألفِ والياءِ وَالْوَاو وَكَذَلِكَ حركوهن إِذا كُنَّ عيناتٍ. وَاعْلَم أَن هَذِه الحروفَ الَّتِي من الْحلق هِيَ مستَفِلَة عَن اللِّسان والحركاتُ ثلاثٌ: الضمُّ والكسرُ والفتحُ وكل حَرَكَة مِنْهَا مأخوذةٌ من حرف من الْحُرُوف فالضمَّة مَأْخُوذَة من الواوِ والكسرةُ من الياءِ والفتحةُ من الألفِ ومَخْرَج الواوِ من بَين الشَّفَتَيْن وَالْيَاء من وَسَط اللسانِ وَالْألف من الحلْق فَإِذا كَانَت حُرُوف الْحلق عيناتٍ أَو لاماتٍ ثَقُل عَلَيْهِم أَن يضمُّوا ويكسِروا لأَنهم إِذا ضَمُّوا فقد تكَلَّفوا الضمةَ من بَين الشفتَيْن لِأَن مِنْهُ مَخْرَج الواوِ وَإِن كسروا فقد تكلَّفوا الكسرةَ من وَسط اللِّسانِ وَإِن فتحُوا فالفتحةُ من الْحلق فثَقُل الضمُّ والكسرُ لأنَّ حرف الحلْق مُسْتَفِل وَالْحَرَكَة عاليةٌ متباعدةٌ مِنْهُ فحرَّكوه بحركةٍ من موضِعه وَهِي الْفَتْح لِأَن ذَلِك أخفُّ عَلَيْهِم وأقلُّ مشقَّةً وَكَانَ الأَصْل فِيمَا كَانَ الْمَاضِي مِنْهُ على فَعَلَ أَن يجيءَ مستقبَلُه على يَفْعِل أَو يَفْعُل نَحْو ضَرَبَ يَضْرِب وقَتَلَ يَقْتُل وَإِنَّمَا يجيءُ مَفْتُوحًا فِيمَا كَانَ فِي موضعِ العينِ أَو اللامِ مِنْهُ حرفٌ من حُرُوف الْحلق لما ذكرته لَك من العِلَّة. وَقد يجيءُ مَا كَانَ فِي مَوضِع الْعين واللامِ مِنْهُ حرفٌ من حُرُوف الْحلق على الأَصْل فَيكون على فَعَلَ يَفْعِل وفَعَلَ يَفْعُل وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ مِنْهُ أشياءَ فَمن ذَلِك قَوْلهم بَرَأَ يَبْرُؤ وَيُقَال بَرَأَ اللهُ الخَلْقَ يَبْرَأُهم ويَبْرُؤهم وَلم يَأْتِ مِمَّا لامُ الفعلِ مِنْهُ همزةٌ على فَعَلَ يَفْعُل غيرُ هَذَا الحرفِ وَقَالُوا هَنَأَ يَهْنِئ كَمَا قَالُوا ضَرَبَ يَضْرِب ومَجيءُ هَذِه الْأَفْعَال على فَعَلَ يَفْعُل ويَفْعِل فِي الْهَمْز أقلُّ لِأَن الْهَمْز أَقْصَى الحروفِ وأشدُّها سُفولاً وَكَذَلِكَ الهاءُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الستَّة أقرَبُ إِلَى الْهمزَة مِنْهَا وَإِنَّمَا الألفُ بَينهمَا وَقَالُوا نَزَعَ يَنْزِع ورَجَعَ يَرْجِع ونَضَحَ يَنْضِح ونَبَحَ يَنْبِح ونَطَحَ يَنْطِح ومَنَحَ يَمْنِح كل ذَلِك على مثل ضَرَبَ يَضْرِب وَقَالُوا جَنَحَ يَجْنُح وصَلَحَ يَصْلُح وفَرَغَ يَفْرُغ ومَضَغَ يَمْضُغ ونَفَخَ يَنْفُخ وطَبَخَ يَطْبُخ ومَرَخَ يَمْرُخ كل ذَلِك مثل قَتَلَ يَقْتُل وَمَا كَانَ من ذَلِك للخاء والغين فيَفْعِل ويَفْعُل فِيهِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي غيرِهما لِأَنَّهُمَا أشدُّ السِّتَّةِ ارتِفاعاً وأقربُها إِلَى حُرُوف اللسانِ وَمن أجل ذَلِك أخْفى بعض القرَّاء النونَ الساكنةَ قبلهمَا فِي مثل قَوْله : (مِن خَوْف) . وَمَا أشبه ذَلِك. وَمِمَّا جَاءَ على الأَصْل مِمَّا فِيهِ هَذِه الحروفُ عَيْنَاتٌ قَوْلهم زَأَرَ يَزْئِر ونَأَمَ يَنْئِم من الصَّوْت كَمَا قَالُوا هَتَفَ يَهْتِف ونَهَقَ يَنْهِق ونَهَتَ يَنْهِت والنَّهيت: صَوْت وَقَالُوا نَعَرَ يَنْعِر ورَعَدَت تَرْعُد وقَعَدَ يَقْعُد وَقَالُوا شَحَجَ يَشْحِج ونَحَتَ يَنْحِت ونَغَرَت القِدْرُ تَنْغِر ونَحَزَ يَنْحِز والنُّحاز: السُّعال، وَقَالُوا شَحَبَ يَشْحُب مثل قَعَدَ يَقْعُد ولَغَبَ يَلْغُب وشَعَرَ يَشْعُر ونَخَلَ يَنْخُل كل ذَلِك مثل قَتَلَ يَقْتُل. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: بعد ذكره فتح مَا يفتح من أجل حُرُوف الْحلق وَلم يُفْعَل هَذَا بِمَا هُوَ من مَوضِع الْوَاو وَالْيَاء لِأَنَّهُمَا من الْحُرُوف الَّتِي ارْتَفَعت والحروف المرتفعة حَيِّزٌ على حِدَة فَإِنَّمَا تتَنَاوَل للمرتفع حَرَكَة من مُرْتَفع وكُرشه أَن يُتَناوَل للَّذي قد سَفَلَ حركةٌ من هَذَا الحيِّزِ يُرِيد أَن مَا كَانَ من مَوضِع الْوَاو وَالْيَاء من الْحُرُوف لَا يلْزمه أَن تكون الْحَرَكَة مَأْخُوذَة من الْوَاو وَلَا من الْيَاء بل يَجِيء على قِيَاسه وَلَا تُغَيَّر الواوُ وَلَا الياءُ حكمَ الْقيَاس فِيهِ وَالَّذِي هُوَ من مخرج الْوَاو الباءُ وَالْمِيم وَالَّذِي من مخرج الْيَاء الْجِيم والشين تَقول: ضَرَبَ يَضْرِب وصَبَرَ يَصْبِر ونَحَمَ يَنْحِم وحَمَلَ يَحْمِل فكُسِرَت هَذِه الْحُرُوف وَإِن كَانَت من مخرج الْوَاو وَتقول شَجَبَ يَشْجُب وشَجَنَ يَشْجُن ومَشَقَ يَمْشُق وَلم يكسر ذَلِك من أجل الْيَاء لِأَن مَوضِع الْوَاو وَالْيَاء بِمَنْزِلَة مَا هُوَ من مخرج وَاحِد لاجتماعهما فِي الْعُلُوّ عَن الْحلق وتقارب مَا بَينهمَا، وَاعْلَم أَن فَعَلَ يَفْعِل إِنَّمَا جَازَ فِيهِ الْخُرُوج عَن قِيَاس نَظَائِره من حُرُوف الْحلق أَن فَعَلَ لَا يلزَم مستقبَلَه شيءٌ وَاحِد لِأَنَّهُ يَجِيء على يَفْعِل ويَفْعُل كَقَوْلِك ضَرَبَ يَضْرِب وقَتَلَ يَقْتُل واستجازوا أَن يخرجُوا مِنْهُ إِلَى يَفْعَل لما ذكرت لَك من الْعلَّة فَإِذا كَانَ الْفِعْل يلْزمه وزن لَا يتَغَيَّر لم يَحْفِلوا بِحرف الْحلق ولزموا القياسَ الَّذِي يُوجِبهُ الْفِعْل فَمن ذَلِك مَا زَاد ماضيه على ثَلَاثَة أحرف كَقَوْلِك اسْتَبْرَأ يَسْتَبْرِئ وأَبْرَأ يُبْرِئ وانْتَزَع يَنْتَزِع وجَرَّأ يُجَرِّئ وبارأَ يُبارِئ واطْلَنْفَأ بِالْأَرْضِ يَطْلَنْفِئ: إِذا لَصِقَ بهَا وَقَالُوا فِيمَا كَانَ ماضيه على فَعُلَ يَفْعُل وَلَا يُغَيِّرُه حرف الْحلق لِأَن مَا كَانَ على
стр. 1739
فَعُل لزم فِيهِ يَفْعُل مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حرف حلق تَقول صَبُحَ يَصْبُح وقَبُح يَقْبُح وضَخُم يَضْخُم وَقَالُوا مَلُؤَ يَمْلُؤ وقَمُؤ يَقْمُؤ وضَعُفَ يَضْعُف وَقَالُوا مَلُؤ فَلم يفتحوها لأَنهم لم يُرِيدُوا أَن يُخرجوا فَعُل من هَذَا الْبَاب وَأَرَادُوا أَن تكون الْأَبْنِيَة الثَّلَاثَة فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ فِي هَذَا الْبَاب فَلَو فتحُوا لالتَبَس فَخرج فَعُل من الْبناء وَإِنَّمَا فتحُوا يَفْعَل من فَعَلَ لِأَنَّهُ يخْتَلف فَإِذا قلت فَعَلَ ثمَّ قلت يَفْعَل علمت أَن أَصله الْكسر أَو الضَّم وَلَا تَجِد فِي حَيِّز مَلُؤه هَذَا كأنَّ سَائِلًا سَأَلَ فَقَالَ لم لَا يُنقَل فَعُل إِلَى فَعَلَ من أجل حرف الْحلق فَيُقَال مَكَان مَلُؤ مَلأَ وَمَكَان قَبُح قَبَحَ فَأُجِيب عَنهُ بجوابين أَحدهمَا أَنا لَو فعلنَا ذَلِك لأخرجنا فَعُل من بَاب حُرُوف الْحلق وأسْقَطْناه فكرهوا إِخْرَاجه من ذَلِك لاشتراك هَذِه الْأَبْنِيَة وَالْجَوَاب الآخر أَن لَو فتحناه لم يعلم عل أَصله فَعَلَ أَو فعُل لِأَن مستقبَله يَجِيء على يَفْعُل أَو يَفْعَل فَلَو جَاءَ على يَفْعَل لَكَانَ من بَاب صَنَعَ يَصْنَع وَيلْزم أَن يقدر ماضيه على فعَل وَلَو جَاءَ على يَفْعُل لَكَانَ بِمَنْزِلَة قَتَلَ يَقْتُل وَإِنَّمَا جَازَ أَن يفتح فِي الْمُسْتَقْبل فَيَقُول ذَبَحَ يَذْبَح وقَرَأَ يَقْرَأ لِأَن فَعَلَ قد دلَّ على أنَّ الْمُسْتَقْبل يَفْعِل أَو يَفْعُل كَمَا يُوجِبهُ الْقيَاس وَأَن المفتوح أَصله يَفْعِل أَو يَفْعُل. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَا يُفتح فَعُل لِأَنَّهُ بِنَاء لَا يتَغَيَّر وَلَيْسَ كيَفْعَل مِن فَعَلَ لِأَنَّهُ يجيءُ مُخْتَلفا فَصَارَ بِمَنْزِلَة يُقْرِئ ويَسْتَبْرِئ وَإِنَّمَا كَانَ فَعَلَ كَذَلِك لِأَنَّهُ أَكثر فِي الْكَلَام فَصَارَ فِيهِ ضَرْبَان أَلا ترى أَن فَعَلَ فِيمَا تعدّى أَكثر من فَعِلَ وَهِي فِيمَا لَا يتعدّى أَكثر نَحْو جَلَسَ وقَعَدَ. وحَلَّل أَبُو سعيد وَأَبُو عَليّ هَذَا الْفَصْل من كتاب سِيبَوَيْهٍ فَقَالَا إِن فَعُل إِذا كَانَ فِيهِ حرف الْحلق لم يُقلَب إِلَى فَعَلَ لِأَنَّهُ يلْزم مستقبَلَه أَن يكون على يَفْعَل وَمَا كَانَ مستقبله فِي الأَصْل على يَفْعَل لزم ماضيَه أَن يكون على فَعَلَ فَصَارَ بِمَنْزِلَة يُقْرِئ ويَسْتَبْرِئ الَّذِي لَا يُغَيِّرهُ حرف الْحلق ... . فَعَلَ الَّذِي يكون مستقبله يَفْعِل أَو يَفْعُل. وَاعْلَم أَن فَعَلَ فِي الْكَلَام أكثرُ فَجَاز فِيهِ من التَّصَرُّف لكثرته مَا لَا يجوز فِي غَيره وأذكر مِمَّا جَاءَ من هَذَا الْبَاب على الأَصْل شَيْئا لم يذكرهُ سِيبَوَيْهٍ من مَوضِع الْعين وَاللَّام قَالُوا كَعَبَ ثَدْيُ الْمَرْأَة يَكْعُب ونَهَدَ يَنْهُد وسَهَمَ لَوْنُه يَسْهُم وبَزَغَت الشَّمْس تَبْزُغ وطَلَعَت تَطْلُع وسَخَنَ المَاء يَسْخُن وبَغَمَت الظَبْيَةُ تَبْغُم صَرَّح بضَمِّه أَبُو عَليّ وسَبَغَ الثوبُ يَسْبُغ: أَي اتَّسع، وصَبَغَ الثوبَ وغيرَه يَصْبُغه وكَهَنَ الرجلُ يَكْهُن وطَهَرَ يَطْهُر ورَجَحَ يَرْجُح وصَلَحَ يَصْلُح فَأَما مَا يَقع فِيهِ الِاشْتِرَاك مِمَّا لم يذكرهُ سِيبَوَيْهٍ قَالُوا شَحَجَ يَشْحِج ويَشْحَج وشَهَقَ يَشْهِق ويَشْهَق ونَهَشَ يَنْهِش ويَنْهَش ودَبَغَ يَدْبَغ ويَدْبُغ وَحكى الْفَارِسِي عَهَنَتْ عَواهِنُ النخلِ وَهِي الجَرائد: إِذا يَبِسَت تَعْهَن وتَعْهُن يرفعهُ إِلَى أبي الجرَّاح وَلم يحكِ رُؤَسَاء اللُّغَة غَيره إِلَّا إِحْدَاهمَا وَقَالُوا جَنَحَ يَجْنُح ويَجْنَح وَلم يذكر سِيبَوَيْهٍ إِلَّا الضَّم وَقَالُوا مَخَضَ اللبنَ يَمْخَضه ويَمْخُضه وشَخَبَ اللبنُ يَشْخَب ويَشْخُب: إِذا صَوَّت وَقَالُوا أَنَحَ يَأْنِح ويَأْنَح أَنيحاً وأُنوحاً وَهُوَ مثل الزَّحير وزَحَرَ يَزْحِر ويَزْحَر ونَحَتَ يَنْحِت ويَنْحَت ونَهَقَ يَنْهِق ويَنْهَق ونَضَحَ يَنْضِح ويَنْضَح وصَمَحَتْهُ الشمسُ تَصْمَحه وتَصْمُحه: آلَمَتْ دِماغَه ومَضَغَ يَمْضَغ ويَمْضُغ ونَحَبَ يَنْحَب ويَنْحُب من النَّذْر ونَبَحَ يَنْبِح ويَنْبَح وَلَعَلَّه قد حكى غير هَذَا فَإِن الْمَجِيء على الْقيَاس وَالْأُصُول لَا يحاط بِهِ وَإِنَّمَا يُحصَر النَّادِر من هَذَا الضَّرْب. اهِنُ النخلِ وَهِي الجَرائد: إِذا يَبِسَت تَعْهَن وتَعْهُن يرفعهُ إِلَى أبي الجرَّاح وَلم يحكِ رُؤَسَاء اللُّغَة غَيره إِلَّا إِحْدَاهمَا وَقَالُوا جَنَحَ يَجْنُح ويَجْنَح وَلم يذكر سِيبَوَيْهٍ إِلَّا الضَّم وَقَالُوا مَخَضَ اللبنَ يَمْخَضه ويَمْخُضه وشَخَبَ اللبنُ يَشْخَب ويَشْخُب: إِذا صَوَّت وَقَالُوا أَنَحَ يَأْنِح ويَأْنَح أَنيحاً وأُنوحاً وَهُوَ مثل الزَّحير وزَحَرَ يَزْحِر ويَزْحَر ونَحَتَ يَنْحِت ويَنْحَت ونَهَقَ يَنْهِق ويَنْهَق ونَضَحَ يَنْضِح ويَنْضَح وصَمَحَتْهُ الشمسُ تَصْمَحه وتَصْمُحه: آلَمَتْ دِماغَه ومَضَغَ يَمْضَغ ويَمْضُغ ونَحَبَ يَنْحَب ويَنْحُب من النَّذْر ونَبَحَ يَنْبِح ويَنْبَح وَلَعَلَّه قد حكى غير هَذَا فَإِن الْمَجِيء على الْقيَاس وَالْأُصُول لَا يحاط بِهِ وَإِنَّمَا يُحصَر النَّادِر من هَذَا الضَّرْب.
هَذَا بَاب مَا هَذِه الْحُرُوف فِيهِ فاآت
تَقول أَمَرَ يَأْمُر وأَبَقَ يَأْبِق وأَكَلَ يَأْكُل وأَفَلَ يَأْفُل لِأَنَّهَا سَاكِنة وَلَيْسَ مَا بعْدهَا بِمَنْزِلَة مَا قبل اللامات لِأَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ مثل الْإِدْغَام والإدغام إِنَّمَا يدْخل فِيهِ الأول فِي الآخِر والآخرُ على حَاله ويُقلَب الأول فَيدْخل فِي الآخر حَتَّى يصير هُوَ وَالْآخر من مَوضِع وَاحِد وَيكون الآخر على حَاله فَإِنَّمَا شُبِّه هَذَا بِهَذَا الضَّرْب من الْإِدْغَام
стр. 1740
وَلَا يُتبِعون الآخر الأول فِي الْإِدْغَام فعلى هَذَا أجري هَذَا وَقد ذكر فِي الْبَاب الَّذِي قبل هَذَا أَن حُرُوف الْحلق إِذا كَانَت عينا أَو لاماً جَازَ أَن يَأْتِي الْفِعْل على يَفْعَل وماضيه فَعَلَ وَذكر فِي هَذَا الْبَاب أَنه إِذا كَانَ حرف الْحلق فَاء الْفِعْل وَكَانَ الْمَاضِي على فَعَلَ لم يَأْتِ مستقبله على يَفْعَل وَإِنَّمَا يَأْتِي على يَفْعِل أَو يَفْعُل بِمَنْزِلَة مَا لَيْسَ فِيهِ حرف من حُرُوف الْحلق وَفرق بَينهمَا بِأَنَّهُ إِذا كَانَ حرف الْحلق فَاء من الْفِعْل فَهُوَ يَسْكُن فِي الْمُسْتَقْبل وَإِن هَذَا السَّاكِن لَا يُوجب فتح مَا بعده لضَعْفه بِالسُّكُونِ كَمَا أَوْجَب لامُ الْفِعْل إِذا كَانَ من حُرُوف الْحلق فتحَ مَا قبله لِأَن اللَّام متحركة ثمَّ شبه ذَلِك بِالْإِدْغَامِ لِأَن الأول يَتْبَعُ الثَّانِي يُرِيد أَن عينَ الْفِعْل يجوز أَن يَتْبَع لامَ الْفِعْل إِذا كَانَت لَام الْفِعْل من حُرُوف الْحلق كَمَا أَن الْحَرْف الأول يدغم فِيمَا بعده وَلَا تتبع عين الْفِعْل فاءه لِأَن الْفَاء قبل الْعين وَمَعَ هَذَا أَن الَّذِي قبل اللَّام فَتَحَتْه اللَّام حَيْثُ قَرُبَ جِوارُه مِنْهَا لِأَن الْهَمْز وأخواته لَو كُنَّ عَيْنَاتٍ فُتِحْن فَلَمَّا وَقع موضعهن الْحَرْف الَّذِي كن يُفْتَحْنَ بِهِ لَو قَرُب فُتِح وكرهوا أَن يفتحوا هُنَا حرفا لَو كَانَ فِي مَوضِع الْهمزَة لم يُحرَّك وَلَزِمَه السّكُون فحالُهما فِي الْفَاء واحدةٌ كَمَا أَن حَال هذَيْن فِي الْعين وَاحِدَة أَعنِي أَن لَام الْفِعْل إِذا كَانَ من حُرُوف الْحلق فَتَحَت العينَ كَمَا أَن الْعين إِذا كَانَت من حُرُوف الْحلق فتحت نفسَها فَلَمَّا كَانَت تفتح نَفسهَا إِذا كَانَت من حُرُوف الْحلق وَجب أَن يفتحها مَا يُجاوِرُها لاشْتِرَاكهمَا فِي الْحَرَكَة لِأَن الْعين وَاللَّام متحركتان جَمِيعًا وَلَيْسَت تقلب الألفُ الفاءُ العينَ لِأَن الْفَاء سَاكِنة فِي الْمُسْتَقْبل وَالْعين متحركة فهما مُخْتَلِفَتَانِ وَلَو جعلت الْعين مَكَان الْفَاء سكنت وخالفت حَالهَا الأول فِي الْحَرَكَة وَلَو جعلت اللَّام مَكَان الْعين لم تخرج عَن الْحَرَكَة الَّتِي كَانَت تلزمها هَذَا كَلَام سِيبَوَيْهٍ وَعِنْدِي فِيهِ وَجه آخر يقوِّي مَا قَالَ وَهُوَ أَن الفتحة الَّتِي تجلبها حُرُوف الْحلق إِنَّمَا هِيَ على الْعين وَالْحَرَكَة فِي الْحَرْف المتحرك يقدّر أَنَّهَا بعده فَهِيَ بعد الْعين وَقبل اللَّام فتَوَسُّطُها بَينهمَا ومجاورتها لَهما وَاحِدَة فَمن أجل ذَلِك جَازَ أَن تكون الفتحة تجلبها الْعين وَاللَّام وَلَيْسَت الْفَاء كَذَلِك لِأَن الفتحة بعيدَة من الْفَاء إِذْ كَانَت تقع بعد الْحَرْف الَّذِي بعده. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا أَبى يَأْبَى فشبّهوه بيَقْرأ أَرَادَ أَنهم شبَّهوا الْهمزَة الَّتِي فِي أوّل أَبى وَهِي فَاء الْفِعْل مِنْهَا بِالْهَمْزَةِ الَّتِي تكون لاما فِي مثل قَرَأَ يقْرَأ فتحُوا عين الْفِعْل من أجل الْفَاء الَّتِي هِيَ همزَة كَمَا فتحوها من أجل اللَّام الَّتِي هِيَ همزَة، وَفِي يأبَى وجهٌ آخر وَهُوَ أَن يكون فِيهِ مثل حَسِبَ يَحْسِبُ فُتِحا كَمَا كُسِرا وَالْفرق بَين هذَيْن الْوَجْهَيْنِ أَن الأول كَانَ التَّقْدِير فِيهِ أَبَى يأْبِي ثمَّ فَتَحَت الْألف عين الْفِعْل كَمَا قيل صَنَعَ يصنَع تَشْبِيها للفاء بِاللَّامِ، وَالْوَجْه الثَّانِي أَنهم بنوه فِي الأَصْل على فَعَلَ يفعَلُ كَمَا بنَوا فِي الأَصْل حَسِب يَحْسِب على فَعِلَ يفعِل، وَقَالُوا جَبَى يَجْبَى وقَلَى يَقْلَى فشبَّهوا هَذَا بقَرأَ يقرَأُ وأَتْبعوه الأوّل كَمَا قَالُوا وعَدُّهُ يُرِيدُونَ وَعَدْتُه وكما قَالُوا مُضَّجع وَلَا نعلم إِلَّا هَذَا الْحَرْف وَأما غير هَذَا فجَاء على الْقيَاس مثل عَمَرَ يَعْمُرُ وهَرَبَ يهرُبُ وحَزَرَ يَحزُرُ، وَقَالُوا عَضَضْتَ تَعَضُّ، حكى أَبُو إِسْحَاق الزَّجاج عَن إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق القَاضِي أَنه علَّلَ أبَى يأْبَى وَقَالَ إِنَّمَا جَاءَ على فَعَلَ يفْعَل لِأَن الْألف من مخرج الْهمزَة وَقَالَ إِن هَذَا مَا سبقه إِلَيْهِ أحد. قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو سعيد: وَذَلِكَ غلط لِأَن الْألف لَيست بِأَصْل فِي أبَى يأْبَى وَإِنَّمَا هِيَ منقلبة من يَاء أَبَيْتُ لانفتاح مَا قبلهَا فَإِذا قلت فِي الْمَاضِي أبَى لانفتاح مَا قبلهَا فحقها أَن تكون فِي الْمُسْتَقْبل على يَأْبي كَمَا تَقول أَتَى يأتِي ورَمى يَرْمي وَإِنَّمَا تنْقَلب فِي الْمُسْتَقْبل ألفا إِذا فتحنا مَا قبلهَا فَلَا سَبِيل إِلَى الْألف الَّتِي من أجلهَا، قَالَ الزّجاج عَن القَاضِي أَنه جَاءَ على فَعَلَ يفْعَل من أجل ذَلِك، وَكَلَام سِيبَوَيْهٍ يدل على مَا قُلْنَاهُ لِأَنَّهُ قَالَ فشبَّهوا هَذَا بقَرَأَ يقرَأُ وَنَحْوه فأَتْبعوه الأوّل كَمَا قَالُوا وعَدُّهُ يُرِيد أَتْبَعوا الفتحة فِي بَاب يَأْبى الهمزةَ الَّتِي فِي أوّله كَمَا قَالُوا وعَدُّه وَالْأَصْل وعَدْتُه فأتبعوا التَّاء الدَّال الَّتِي قبلهَا وَكَانَ الْقيَاس أَن تكون الدَّال هِيَ التابعة لِأَن الأول يتبع الْأَخير، وَكَذَلِكَ مُضَّجَع أَصله مضْطَجَع فَجعلُوا الطَّاء تَابِعَة للضاد، وَمعنى قَوْله لَا نعلم إِلَّا هَذَا الْحَرْف الْإِشَارَة إِلَى يَأْبَى فِيمَا ذكره أَصْحَابنَا، هَذَا لفظ أبي سعيد، وَأما
стр. 1741
جَبَى يَجْبَى وقَلَى يَقْلَى فَلم يصحّا عِنْده كصحّة أَبى يأبَى، وَقد حكى أَبُو زيد فِي كتاب المصادر جَبَوْتُ الخَراج أَجْبا وأَجْبو، وَقَوله وَأما غيرُ هَذَا فجَاء على الْقيَاس مثل عَمَرَ يَعْمُرُ يُرِيد غير الَّذِي ذكر من أَبَى يأْبَى مِمَّا فَاء الْفِعْل مِنْهُ من حُرُوف الْحلق لم يجِئ إِلَّا على الْقيَاس كَقَوْلِك هَرَبَ يهْرُبُ وحَزَر يحْزُرُ وحمَلَ يحْمِل، وَقد دلَّ هَذَا أَيْضا أَن سِيبَوَيْهٍ ذهب فِي أَبَى يَأْبَى أَنهم فتحُوا من أجل تَشْبِيه الْهمزَة الأولى بِمَا الْهمزَة فِيهِ أخيرة، وَمثله عَضَضْتَ تَعَضُّ الَّذِي حَكَاهُ هُوَ شَاذ.
هَذَا بَاب مَا كَانَ من الْيَاء وَالْوَاو
قَالُوا شَأَى يَشْأَى وسَعى يَسْعى ومَحَى يَمْحَى وصَغَى يَصْغَى ونَحَى يَنْحَى فَعَلوا بِهِ مَا فعلوا بنظائره من غير المعتل، وَمعنى شَأَى سَبَق يُقَال شَآني: سَبَقَني، وشاءنِي وشآني: شاقَني، وَقَالُوا بَهُوَ يَبْهُو لِأَن نَظِير هَذَا أبدا من غير المعتل لَا يكون إِلَّا يَفْعُل، ونظائر الأول مختلفات فِي يَفْعل، وَقَالُوا يَمْحو ويَصْغو ويَزْهو همُ الآلُ ويَنْحو ويَدْعو، وَقد تقدم من كلامنا أنّ فَعُلَ يَفْعُل لايُغَيِّره حرف الْحلق لِأَن مَا كَانَ ماضيه فعُلَ فَيَفْعُل لَازم لمستقبله فَلذَلِك يلْزم فِي بَهُوَ وَنَحْوه أَن يُقَال فِي مستقبله يَبْهُو. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما الْحُرُوف الَّتِي يلْزم سُكُون عين الْفِعْل فِيهَا فَإِن حُرُوف الْحلق لَا تقلب يَفْعِل ويَفْعُل إِلَى يفْعَل وَذَلِكَ فِيمَا كَانَ معتلاّ من ذَوَات الْيَاء وَالْوَاو وَمَا كَانَ مدغماً، فذوات الْيَاء نَحْو جاءَ يجيءُ وباعَ يبيعُ وتاهَ يتيهُ، وَذَوَات الْوَاو ساءَ يَسوءُ وجاعَ يَجوعُ وناحَ يَنُوحُ، والمُدغَم نَحْو دَعَّ يَدُعُّ وسَحَّ يسُحُّ وشَحَّ يشُحُّ لِأَن هَذِه الْحُرُوف الَّتِي هِيَ عينات أَكثر مَا تكون سواكن وَلَا تحرَّك إلاّ فِي مَوضِع الْجَزْم من لُغَة أهل الْحجاز يَعْنِي فِيمَا كَانَ مدغَماً أَنَّهَا تكون سواكن كذوات الْوَاو وَالْيَاء وَإِن كَانَ أهلُ الحِجازِ يُحَرِّكونَها فِي الْجَزْم كَقَوْلِك لم يَشْحُحْ وَلم يَشْحِحْ فَهَذَا لَا يُعمَل عَلَيْهِ لِأَن الْحَرَكَة فِيهِ غير لَازِمَة وَكَذَلِكَ حركته فِي فَعَلْنَ ويَفْعُلْنَ كَقَوْلِك رَدَدْنَ ويَرْدُدْنَ على أَن هَذَا يسكنهُ بعض الْعَرَب فَيَقُولُونَ ردَّنَ فَلَمَّا كَانَ السّكُون فِيهِ أَكثر جُعِلَتْ بِمَنْزِلَة مَا لَا يكون فِيهِ إِلَّا سَاكِنا يَعْنِي ذَوَات الْوَاو وَالْيَاء. قَالَ: وَزعم يُونُس أَنهم يَقُولُونَ كَعَّ يَكَعُّ ويَكِعُّ أَجود لما كَانَت قد تحرَّكُ فِي بعض الْمَوَاضِع جُعِلَت بِمَنْزِلَة يَدَعُ وَنَحْوهَا فِي هَذِه اللُّغَة وخالفتْ بَاب جِئْت كَمَا خالفتْها فِي أَنَّهَا قد تُحَرَّك أَرَادَ أَن الَّذِي يَقُول يَكَعُّ وماضيه كَعَعْت جَاءَ بِهِ على مِثَال صَنَع يَصْنَع لِأَن بَاب كَعَّ لما كَانَ عين الْفِعْل قد يحَرَّك فِي يَكْعَعْنَ وكَعَعْن صَار بِمَنْزِلَة صَنَعْنَ ويصنَعْنَ، وَخَالف بَاب جِئْت من ذَوَات الْيَاء وَالْوَاو لِأَن الْيَاء وَالْوَاو لَا تتحرَّكان إِذا كَانَتَا عينين. وأذكر هُنَا من الِانْفِرَاد والاشتراك مَا لم يذكرهُ سِيبَوَيْهٍ على نَحْو مَا ذكرت فِي الصَّحِيح، قَالُوا فِي الِانْفِرَاد زَهاهُم السَّراب يَزهاهم لم يذكر أهل اللُّغَة غير هَذَا وَذكر سِيبَوَيْهٍ يَزْهوهُم وَلم يأْتِ بِالْألف وَقَالُوا بالاشتراك والمجيء على الأَصْل مرّة وعَلى مَا يُوجِبهُ حرف الْحلق أُخْرَى، نَحَوْتُ ظَهري إِلَيْهِ أَنْحاهُ وأَنْحوه: أَي صَرَفْتُه، وشَحَوْتُ فَمي أَشْحاه وأَشْحوه: أَي فتحتُه، وبَعَوْتُ أَبْعو وأَبْعَى بَعْواً: أَي أجرَمْتُ وجَنَيْتُ، وسَحَوت الطِّين عَن الأَرْض أسْحاهُ وأَسْحوه: أَي قَشَرْتُه، ومَحَوْت اللوحَ أَمْحاه وأَمْحوه وَلَعَلَّه قد جَاءَ غير هَذَا وَإِنَّمَا أُورِدُ مَا يُحِيط بِهِ عِلْمي.
هَذَا بَاب الْحُرُوف السِّتَّة إِذا كَانَ وَاحِد مِنْهَا عينا وَكَانَت الْفَاء قبلهَا مَفْتُوحَة وَكَانَ فَعِلاً
إِذا كَانَ ثَانِيه من الْحُرُوف السِّتَّة فَإِن فِيهِ أَربع لُغَات مُطَّرِدَة فَعِلٌ وفِعِلٌ وفَعْلٌ وفِعْل إِذا كَانَ فعلا أَو اسْما أَو صفة فَهُوَ سواءٌ، وَفِي فَعِيل لُغَتان فَعيل وفِعيل إِذا كَانَ الثَّانِي من الْحُرُوف السِّتَّة مُطَّردٌ ذَلِك فيهمَا لَا ينكسر
стр. 1742
فِي فَعِيل وَلَا فَعِل إِذا كَانَ كَذَلِك كسرت الْفَاء فِي لُغَة تَمِيم وَذَلِكَ قَوْلك لئيم ونحيف ورغيف وبخيل وبَئِس ومَحِك وبَعِل ونَغِل ولَعِبَ ورَحِمَ ووَخِمَ وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ صفة أَو فعلا أَو اسْما وَذَلِكَ قَوْلك رجلٌ لَعِبٌ ورجلٌ مِحِك وَهَذَا ماضغٌ لِهِمٌ، والِّلهِمُ: الْكثير البلع، وَهَذَا رجلٌ وِغِل أَي طُفَيْلِيٌّ كثير الدُّخُول على من يشرب من غير أَن يُدعى، ورجلٌ جِئِزٌ: وَهُوَ الَّذِي يَغَصُّ بِمَا يَأْكُل، والجَأَز: الغَصَصُ، وَهَذَا عَيْرٌ نِعِرٌ وَهُوَ الصَّيّاح وفِخِذ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا فِي هَذِه الْحُرُوف لِأَن هَذِه الْحُرُوف قد فعلت فِي يَفْعل مَا ذكرت لَك حَيْثُ كَانَت لامات من فتح الْعين وَلم تَفْتَح هِيَ أنفسَها هَهُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام فَعَيْل وكراهية أَن يلتبس فَعِلَ بفَعَلَ فَيخرج من هَذِه الْحُرُوف فَعِلَ فلزِمَها الْكسر هَهُنَا وَكَانَ أقرب الْأَشْيَاء إِلَى الْفَتْح وَكَانَت من الْحُرُوف الَّتِي تقع الفتحة قبلهَا لما ذكرت لَك فكَسَرْتَ مَا قبلهَا حَيْثُ لَزِمَها الكَسْر وَكَانَ ذَلِك أخَفَّ عَلَيْهِم حَيْثُ كَانَت الكسرة تشبه الْألف فأرادوا أَن يكون العملَ من وَجه وَاحِد وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا فِي هَذِه الْحُرُوف حَيْثُ كَانَت تفعل فِي يفْعَل مَا ذكرنَا فَصَارَت لَهَا قوَّة فِي ذَلِك لَيست لغَيْرهَا. وَاعْلَم أَن حُرُوف الْحلق لما أثَّرَت فِي يفعَل إِذا كَانَ وَاحِد مِنْهَا فِي مَوضِع عين الْفِعْل أَو لامه وَكَانَ الْفِعْل الْمَاضِي على فَعَل فَجَوَّزَتْ أَن يُصَيَّر على يَفْعَل مَا حقُّه أَن يَأْتِي على يفعِل أَو يفْعُل على مَا مضى من شَرحه قبل هَذَا الْبَاب جُعِلَتْ هَذِه الْحُرُوف فِي فَعِل وفَعيل مُجَوِّزَة تَغْيِير ذَلِك وَإِن كَانَ التغييران مُخْتَلفين وَذَلِكَ أَن التَّغْيِير فِي يفْعل أَن تفتح مَا لَيْسَ حَقه الْفَتْح وَفِي هَذَا أَن يُكْسَر مَا لَيْسَ حَقه الكَسر لِأَن كسر الْفَاء فِي فَعِلَ وفَعِيل من أجل حرف الْحلق. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: لم تَفتح هِيَ أنفسَها يَعْنِي حُرُوف الْحلق فِي فَعيل لِأَنَّهَا لَو فتحَتْ نفسَها لوَجَبَ أَن تَقول فَعَيْل فَتَقول فِي بَخِيل بَخَيْل وَفِي شَهِيد شَهَيْد كَمَا قُلْنَا يشْحَب وفتحناه لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام فَعَيْل وَلَو قُلْنَا شَهَيْد لَكَانَ بِنَاء خَارِجا عَن الْكَلَام، وَإِذا قُلْنَا يشْحَب ففتحناه من أجل حرف الْحلق فَفِي الْكَلَام لَهُ نَظِير كَقَوْلِنَا يعْمَل ويَفْرَق وَلَو فَتَحَت نَفسهَا فِي فَعِلَ لَخَرَجَت إِلَى فعَلَ فَكَانَ يبطل أَن يُوجد فَعِلُ مِمَّا حرف الْحلق ثَانِيه وَكَانَ أَيْضا يَقع لَبسٌ بَين مَا أَصله فَعَل وَمَا أَصله فَعِل وكُسِرَ الأوّل إتباعاً للثَّانِي وَلِأَن الْكسر قريب من الْفَتْح وَالْيَاء تشبه الْألف وأَتْبَعوا الأوّل فِي انْكَسَرَ الثانيَ كَمَا يُتْبِعون الأوّل الثانيَ فِي الْإِدْغَام، وَأهل الْحجاز لَا يغيِّرون الْبناء وَلَا يَقُولُونَ فِي شَهِيد إِلَّا بِفَتْح الأوّل وَكَذَلِكَ فِي شَهِد، وَمن قَالَ شَهِد فخفَّف قَالَ شَهْد وَمن قَالَ شَهِدَ قَالَ شِهْدَ، وعامّة الْعَرَب قَالُوا فِي نِعمَ وبِئْسَ بِكَسْر الأوّل كَأَنَّهُمْ اتَّفقُوا على لُغَة تَمِيم وأسكنوا الثَّانِي، وَإِذا كَانَ الْبناء على فَعُل أَو فَعُول لم يغيِّروا إِذا كَانَ الثَّانِي من حُرُوف الْحلق كَقَوْلِهِم رَؤُفٌ ورَؤوفٌ وَلَا يَقُولُونَ رُؤُفٌ وَلَا رُؤُوفٌ استثقالاً للضمَّتين ولبعد الْوَاو من الْألف، كَمَا أَنَّك تَقول مَنْ مِثْلُكَ فتجعل النُّون ميماًً وَلَا تَقول هَمْ مِثْلُك فتجعل اللَّام ميماً لِأَن النُّون لَهَا بِالْمِيم شَبَهٌ لَيْسَ للاّم. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسمعت بعض الْعَرَب يَقُول بِيْسَ فَلَا يُحَقّق الْهمزَة كَمَا قَالُوا شِهْد فخفَّفوا وَتركُوا الشين على الأَصْل يُرِيد أَن الْهمزَة قد يُترَك تحقيقها وَلَا يتغيَّر كَسر الأوّل وَكَذَلِكَ شِهْدَ إِنَّمَا كُسِرت الشين لكسرة الْهَاء فِي الأَصْل وَلما سكنت الْهَاء لم يغيَّر كسر الشين لِأَن النيَّة كسرُ الْهَاء وتحقيقُ الْهمزَة وَإِن كَانَ قد لحقه هَذَا التَّخْفِيف. قَالَ: وَأما الَّذين قَالُوا مِغِيرة ومِعينٌ فَلَيْسَ على هَذَا ولكنَّهم أَتبعوا الكسرة الكسرَة كَمَا قَالُوا مِنْتِن وأُنْبُؤُك وأَجُوؤُك يُرِيد أُنْبِئُك وأَجيئُك يُرِيد أَن هَذَا شاذٌّ وَلَا يطَّرد فِيهِ قياسٌ وَلَيْسَ من أجل حرف الْحلق مَا عُمِل ذَلِك ولكنَّه كثُر فِي كَلَامهم فأتْبعوا الْحَرْف خاصَّةً، وَلَا يَقُولُونَ فِي مُجير مِجِير وَلَا فِي مُعينة مِعِينة وَلَا فِي أَبيعُك أَبوعُكَ وَلَا فِي أُرْبِحُك أُرْبُحُكَ، وَقَالُوا فِي حرفٍ شاذٍّ إحِبُّ ويِحِبُّ ونِحِبُّ شبَّهوه بمِنْتِن وَإِنَّمَا جَاءَت على فَعَلَ وَإِن لم يَقُولُوا حَبَبْتَ وَقَالُوا يِحِبُّ كَمَا
стр. 1743
قَالُوا يِئْبَى فَلَمَّا جَاءَ شاذّاً عَن بَابه على يفْعَل خُولِفَ بِهِ كَمَا قَالُوا يَا أَللهُ، وَقَالُوا لَيْسَ وَلم يَقُولُوا لاسَ فَكَذَلِك يِحِبُّ لم يَجئ على أفْعلْت فجَاء على مَا لَا يستَعْمَل، كَمَا أَن يَدَع ويَذَر على وَدَعْت ووَذَرْت وَإِن لم يسْتَعْمل فعلوا هَذَا بِهَذَا لكثرته فِي كَلَامهم. وَاعْلَم أَن فِي نِحِبُّ قَوْلَيْنِ أَحدهمَا مَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ إِن أَصله حَبَّ وَإِن لم يسْتَعْمل فِي حَبَّ، وَقد تقدم القَوْل بِأَن حَبَّ قد يسْتَعْمل وَذكرت فِيهِ مَا رُوِيَ عَن أبي رجاءٍ العُطارِديّ (قل إنْ كُنْتُمْ تُحِبّونَ الله فاتَّبِعوني يُحْبِبْكُمُ الله) وشعراً أُنْشِدَ فِيهِ وَمِمَّا أنْشد فِيهِ غير ذَلِك قَول بعض بني مازنٍ من تَمِيم: حِبُّ شبَّهوه بمِنْتِن وَإِنَّمَا جَاءَت على فَعَلَ وَإِن لم يَقُولُوا حَبَبْتَ وَقَالُوا يِحِبُّ كَمَا قَالُوا يِئْبَى فَلَمَّا جَاءَ شاذّاً عَن بَابه على يفْعَل خُولِفَ بِهِ كَمَا قَالُوا يَا أَللهُ، وَقَالُوا لَيْسَ وَلم يَقُولُوا لاسَ فَكَذَلِك يِحِبُّ لم يَجئ على أفْعلْت فجَاء على مَا لَا يستَعْمَل، كَمَا أَن يَدَع ويَذَر على وَدَعْت ووَذَرْت وَإِن لم يسْتَعْمل فعلوا هَذَا بِهَذَا لكثرته فِي كَلَامهم. وَاعْلَم أَن فِي نِحِبُّ قَوْلَيْنِ أَحدهمَا مَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ إِن أَصله حَبَّ وَإِن لم يسْتَعْمل فِي حَبَّ، وَقد تقدم القَوْل بِأَن حَبَّ قد يسْتَعْمل وَذكرت فِيهِ مَا رُوِيَ عَن أبي رجاءٍ العُطارِديّ (قل إنْ كُنْتُمْ تُحِبّونَ الله فاتَّبِعوني يُحْبِبْكُمُ الله) وشعراً أُنْشِدَ فِيهِ وَمِمَّا أنْشد فِيهِ غير ذَلِك قَول بعض بني مازنٍ من تَمِيم: لَعَمْرُكَ إنَّني وطِلابَ مِصْرٍ لّكالمُزْداد مِمَّا حَبَّ بُعدا وَكَانَ حَقه على مَا قدَّره سِيبَوَيْهٍ أَن يُقَال يَحِبُّ بِفَتْح الْيَاء ولكنَّه أتْبَعَ الياءَ الحاءَ. وَقَالَ غَيره: يِحِبُّ بِالْكَسْرِ أَصله يُحِبُّ من قَوْلنَا أحَبَّ يُحِبُّ وشذوذه أَنهم أتبعوا الْيَاء المضمومة الحاءَ كَمَا قَالُوا مِغِيرة وَالْأَصْل مُغيرة فكَسروه من مضموم وَهَذَا القَوْل أعجب إليّ لِأَن الكسرة بعد الضمّة أثقل وأقلّ فِي الْكَلَام فالأَولى أَن يُظَنَّ أَنهم اخْتَارُوا الشاذَّ عُدولاً عَن الأثقل، وَمن حجّة سِيبَوَيْهٍ أَنهم قَالُوا يِئْبَى وَالْأَصْل يَأْبَى فقد كسروا المفتوح وَإِنَّمَا كسروا فِي يِئْبَى وحقّ الْكسر أَن يكون فِي أَوَائِل يَفعَل مِمَّا ماضيه على فَعِل إِذا كَانَ الأوّل تَاء أَو نونا أَو ألفا وَلَا تدخل على الْيَاء، تَقول فِي عَلِمَ أَنْتَ تِعْلَم وأَنا إِعْلَم وَنحن نِعْلَم وَلَا يَقُولُونَ زيدٌ يِعْلَم وسترى ذَلِك فِي الْبَاب الَّذِي بعد هَذَا إِن شَاءَ الله فَصَارَ يِئْبَى شاذّاً من وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن أبَى يأبَى شَاذ وَكسر الْيَاء فِيهِ شَاذ، وَعند سِيبَوَيْهٍ أَنه رُبمَا شذَّ الْحَرْف فِي كَلَامهم فَخرج عَن نَظَائِره فيُجَسِّرُهم ذَلِك على ركُوب شذوذ آخر فِيهِ فَمن ذَلِك قَوْلهم أَيْضا يَا ألله لَيْسَ من كَلَامهم نِدَاء مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام قطعُوا الْألف فَخَرجُوا عَن نَظَائِره من الْوَجْهَيْنِ وَلم يَقُولُوا فِي ليسَ لاسَ وَكَانَ حَقه أَن يُقَال لِأَنَّهُ فعل مَاض وثانيه يَاء وَهُوَ على فَعِل وَإِذا تحرَّكت الْيَاء وَقبلهَا فَتْحة قلبوها ألفا كَمَا قَالُوا هابَ ونالَ وَأَصله هَيِبَ ونَيِلَ فَقَوْلهم لَيْسَ شَاذ، وَكَذَلِكَ قَوْلهم يَدَعُ ويَذَرُ لم يستعملوا فِيهِ وَذَرْتُ وَلَا وَدَعْتُ وتركهم ذَلِك من الشاذ، وَأما أَجيءُ ونحوُها فعلى الْقيَاس وعَلى مَا كَانَت تكون عَلَيْهِ لَو أتمُّوا يَعْنِي أَنه يفتح الْألف فِي أَجيءُ وَلَا يكون مثل يِحِبُّ وإحِبُّ لِأَن هَذَا شَاذ ويجيءُ وأَجيءُ وَنَحْو هَذَا جَاءَ على مَا يَنْبَغِي أَن يكون.
هَذَا بَاب مَا يُكْسَر فِيهِ أوائلُ الْأَفْعَال المضارعة للأسماء كَمَا كسَرْتَ ثَانِي الْحُرُوف حِين قلت فَعِل وَذَلِكَ فِي لُغَة جَمِيع الْعَرَب إِلَّا أهل الْحجاز
وَذَلِكَ قَوْلك أَنْت تِعْلَم وَأَنا إعلَم ذَاك وَهِي تِعْلَم ذَاك وَنحن نِعْلَم ذَاك، وَكَذَلِكَ كل شَيْء قلت فِيهِ فَعِل من بَنَات الْيَاء وَالْوَاو الَّتِي الْيَاء وَالْوَاو فِيهِنَّ لَام أَو عين والمضاعف وَذَلِكَ قَوْلك شَقِيت وَأَنت تِشْقَى وخَشيتُ فَأَنا إخْشى وخِلْنا فَنحْن نِخال وعَضِضْتُنَّ فأنتنَّ تِعْضَضْنَ وأنتِ تِعَضِّين لِأَن خالَ أَصله خَيِل وعَضَّ أَصله عَضِضْت وَإِنَّمَا كسروا هَذِه الْأَوَائِل لأَنهم أَرَادوا أَن تكون أوائلها كثواني فَعِل كَمَا ألزموا الْفَتْح مَا كَانَ ثَانِيه مَفْتُوحًا فِي فعَل يَعْنِي أَنهم فتحُوا أول الْمُسْتَقْبل فِيمَا كَانَ الثَّانِي مِنْهُ مَفْتُوحًا كَقَوْلِك ضَرَبْتَ تَضْرِبُ وقَتَلْت تَقْتُل وأجرَوا أَوَائِل الْمُسْتَقْبل على ثواني الْمَاضِي فِي ذَلِك وَلم يُمكنهُم أَن يكسروا الثَّانِي من الْمُسْتَقْبل كَمَا كسروه من الْمَاضِي لِأَن الثَّانِي يلْزمه السّكُون فِي أصل البنية فَجعل ذَلِك فِي الأوّل وَجَمِيع هَذَا إِذا قلت فِيهِ يَفْعَل فأدخلْت الْيَاء فَتَحْتَ وَذَلِكَ انهم كَرهُوا الكسرة فِي الْيَاء حَيْثُ لم يهابوا انتقاضَ معنى فيحتملوا ذَلِك كَمَا
стр. 1744
يكْرهُونَ الياآت والواوات مَعَ الْيَاء وَأَشْبَاه ذَلِك يَعْنِي أَن الَّذين يَقُولُونَ تِعْلَم بِكَسْر التَّاء لَا يَقُولُونَ يِعلَم بِكَسْر الْيَاء لاستثقالهم الْكسر على الْيَاء وَلَا يَدعُوهُم إِلَى كسرهَا داعٍ يُوجب تَغْيِير معنى أَو لفظ وَقد كسروا الْيَاء فِيمَا كَانَ فَاء الْفِعْل مِنْهُ واواً قَالُوا وجِلَ يَجَل لأَنهم أَرَادوا بِكَسْرِهَا قلب الْوَاو يَاء استثقالاً للواو وَكَذَلِكَ وحِلَ يَوْحَل ووَجِعَ يَوْجَع وَمَا جرى مَجراه وَلَا يكسر فِي هَذَا الْبَاب شَيْء كَانَ ثَانِيه مَفْتُوحًا نَحْو ذَهَب وضَرَب وأشباهِهما وَقَالُوا أَبَى وأنتَ تِئْبَى وَهُوَ يِئْبَى وَذَلِكَ أَنه من الْحُرُوف الَّتِي يسْتَعْمل فِيهَا مَفْتُوحًا وَأَخَوَاتهَا وَلَيْسَ الْقيَاس أَن تُفتَح وَإِنَّمَا هُوَ حرفٌ شاذٌّ فَلَمَّا جَاءَ مَجيءَ مَا فَعَلَ مِنْهُ مكسورٌ فعلوا بِهِ مَا فعلوا بذلك يَعْنِي أَنه لما كَانَ يَأْبَى على وزنٍ يوجِبُ أَن يكون ماضيه خَشِيَ وكسروا الياءَ فِيهِ أَيْضا فَقَالُوا يِئْبَى وهم لَا يَقُولُونَ يِخْشَى بِكَسْر الْيَاء لأَنهم قد ركبُوا الشذوذ فِي تِئْبَى بِكَسْر التَّاء فِيهِ فجرَّاَهم ذَلِك على كسر الْيَاء الَّذِي هُوَ شذوذٌ آخر كَأَنَّهُمْ أتْبَعوا الشذوذ الشُّذوذ وشبَّهوه بيِيِجَل فِي كسر الْيَاء حِين أُدخلت فِي بَاب فَعِلَ وَكَانَ إِلَى جنْب الْيَاء حرفُ اعتلال وهم مِمَّا يغيِّرون فِي كَلَامهم الْأَكْثَر ويجْسُرون عَلَيْهِ إِذْ صَار عِنْدهم مُخَالفا يَعْنِي أَنهم شبَّهوا الْهمزَة فِي تِيبَى بعد تَاء الِاسْتِقْبَال إِذْ كَانَ يجوز تليينها وقلبها إِلَى الْيَاء بقلب الْوَاو إِلَى الْيَاء فِي يِيجَل وَمعنى قَوْله وهم مِمَّا يغيِّرون الْأَكْثَر ويجسُرون عَلَيْهِ إِذْ صَار عِنْدهم مُخَالفا يَعْنِي لما صَار مُخَالفا للْقِيَاس فِي شَيْء احتملوا مُخَالفَة أُخْرَى فِيهِ. قَالَ: وَجَمِيع مَا ذكرنَا مفتوحٌ فِي لُغَة أهل الْحجاز وَهُوَ الأَصْل يَعْنِي تَعْلم ونَعْلَم وَمَا أشبهه وَصَارَت لغتهم الأَصْل لِأَن الْعَرَبيَّة أَصْلهَا إسماعيلُ ﵇ وَكَانَ مَسْكَنه مَكَّة وَمَعَ ذَلِك فَإِن الْعَرَب مجمِعةٌ على فتح مَا كَانَ ماضيه فَعَل أَو فَعُل فِي الْمُسْتَقْبل فَعلمنَا أَن الْفَتْح الأصلُ. قَالَ وَأما يسَع ويَطَأُ فَإِنَّمَا فتحُوا لِأَنَّهُ فَعِل يَفعِل مثل حَسِب يَحْسِبُ ففتحوا للهمزة وَالْعين كَمَا قَالُوا يقْرَأ ويقرع فَلَمَّا جَاءَ على مِثَال مَا فَعَل مِنْهُ مفتوحٌ لم يكسِروا كَمَا كسَروا يَأْبَى حَيْثُ جَاءَت على مِثَال مَا فَعِل مِنْهُ مكسورٌ يَعْنِي أَن أصل يسَعُ ويَطأُ يَوْسِعُ ويَوْطِئُ وَإِنَّمَا فتح لأجل حرف الْحلق فَصَارَ بِمَنْزِلَة حَسِبَ يَحْسِب فَلم يكسروه لِأَن مَا كَانَ مستقبله يَفْعِل فَكَأَن ماضيَه فَعَل وَلَا يكسر أوّل مُسْتَقْبل مَا ماضيه فَعَل وَإِنَّمَا كسروا فِي تأبَى على شُذوذه لِأَنَّهُ جَاءَ على مِثَال مَا ماضيه مكسور الثَّانِي، وَأما وَجِل يَوْجَل وَنَحْوه فَإِن أهل الْحجاز يَقُولُونَ يَوْجَل فيُجرونه مجْرى عَلِمْت وَغَيرهم من الْعَرَب سوى أهل الْحجاز يَقُولُونَ فِي تَوْجَل هِيَ تِيجَل وَأَنا إيجَل وَنحن نِيجَل وَإِذا قلت يَفعَل مِنْهُ فبعض الْعَرَب يَقُولُونَ يَيْجَل كَرَاهِيَة الْوَاو مَعَ الْيَاء كَمَا يبدلونها من الْهمزَة الساكنة يَعْنِي كَمَا يَقُولُونَ فِي ذِئْب ذِيْب فقلبوا الْيَاء من الْهمزَة الساكنة وشبَّهوا قلب الْوَاو يَاء فِي يَوْجَل بأيام وَنَحْوهَا وَالْأَصْل أَيْوام، وَقَالَ بَعضهم ياجَل فأبدل مَكَانهَا ألفا كراهةَ الْوَاو مَعَ الْيَاء كَمَا يبدلونها من الْهمزَة الساكنة يَعْنِي إِذا خفَّفوا همزَة رَأس قَالُوا راس بألِف وَقَالَ بَعضهم ييِجَل كَأَنَّهُ لما كره الْيَاء مَعَ الْوَاو كَسَر الْيَاء ليقلب الْوَاو يَاء لِأَنَّهُ قد علم أَن الْوَاو الساكنة إِذا كَانَت قبلهَا كسرة صَارَت يَاء وَلم تكن عِنْده الْوَاو الَّتِي تقلب مَعَ الْيَاء حَيْثُ كَانَت الْيَاء الَّتِي قبلهَا متحركة فأرادوا أَن يقلبوها إِلَى هَذَا الْحَد وكَرِهَ أَن يقلبها على هَذَا الْوَجْه يُرِيد أَن الْوَاو لَا يجب قَلبهَا يَاء إِلَّا أَن يكون المتحرك الَّذِي قبلهَا مكسوراً فَالَّذِي كَسَر الْيَاء فِي يِيجَل استثقل الْوَاو وَلم يَر الْيَاء الْمَفْتُوحَة تُوجِب قلبَ الْوَاو فكَسَرها لتنقلب الْوَاو. وَاعْلَم أَن كل شَيْء كَانَت أَلفه مَوْصُولَة مِمَّا جَاوز ثَلَاثَة أحرف فِي فَعْلٍ فإنَّك تَكسر أَوَائِل الْأَفْعَال المضارعة للأسماء وَذَلِكَ لأَنهم أَرَادوا أَن يكسروا أوائلها كَمَا كسروا أَوَائِل فَعِل فَلَمَّا أَرَادوا الْأَفْعَال المضارعة على هَذَا الْمَعْنى كسروا أوائلها كَأَنَّهُمْ شبَّهوا هَذَا بِذَاكَ وَإِنَّمَا مَنعهم أَن يكسروا الثوانيَ فِي بَاب فَعِل أَنَّهَا لم تكن تُحرك فوضعوا ذَلِك فِي الْأَوَائِل وَلم يَكُونُوا ليكسِروا الثَّالِث فيلتبس يَفْعِل بيَفْعَل وَذَلِكَ قَوْلك استغْفَرَ فَأَنت تستغفِر واحْرَنْجَمَ فَأَنت تِحْرَنجِم واغْدَوْدَن فَأَنت تِغْدَوْدِن واقْعَنْسَسَ فَأَنت
стр. 1745
تِقْعَنْسِسُ يُرِيد أَنهم شبَّهوا مَا كَانَ فِي ماضيه ألفُ وصل بِمَا كَانَ الْمَاضِي مِنْهُ على فَعِل لاجتماعهما فِي كسرة ألف الْوَصْل أوّلا وكَسرة عين فَعِل ثَانِيًا وكرهوا كسر الْحَرْف الثَّانِي من مُسْتَقْبل فَعِل لِأَن صفته السّكُون وكرهوا كسر الثَّالِث لِئَلَّا يلتبس يَفْعَل بيَفْعِل فَوَجَبَ كسر الأول ثمَّ شبَّهوا مُسْتَقْبل مَا ماضيه ألف الْوَصْل بمستقبل فَعِل فكسروا أَوَّلَه. قَالَ: وكلّ شيءٍ من تَفَعَّلْت أَو تفاعَلْت أَو تَفَعْلَلْت يجْرِي هَذَا المجرى لِأَنَّهُ كَانَ فِي الأَصْل مِمَّا يَنْبَغِي أَن يكون أوّله ألفٌ مَوْصُولَة لِأَن مَعْنَاهُ معنى الانفعال وَهُوَ بِمَنْزِلَة انفَتَح وانطَلَق ولكنَّهم لم يستعملوه اسْتِخْفَافًا يُرِيد أَنه يجوز أَن يُقَال فِي مُسْتَقْبل تدحرَجَ وتعالَجَ وتمَكَّن تِتَدَحْرَج وتِتَقاتَل وتِتَمَكَّن لِأَنَّهُ كَانَ الأَصْل فِيمَا زَاد على أَرْبَعَة أحرفٍ من الْأَفْعَال الثلاثية أَن تكون فِيهَا ألِفُ وصلٍ فحُمِل كَسر هَذِه الْأَفْعَال على كسر مَا فِي أوَّله ألفُ وصْل فَيصير جملَة مَا يجوز كسر أوّل مستقبله ثَلَاثَة عشر بِنَاء مِنْهَا تسعةُ أبنيةٍ فِي أوائلها ألفُ الْوَصْل وَثَلَاثَة فِي أوّلها التَّاء الزَّائِدَة وفَعِلَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ أوّلاً وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنهم يفتحون الزَّائِد فِي يفعَل يُرِيد أَن الدَّلِيل على أَن مَا فِي أوّله التَّاء الزَّائِدَة فِي الْمَاضِي كَانَ حقُّه ألف الْوَصْل أَن مستقبله يُفتَحُ أوّله وَلَا يجْرِي مجْرى الرباعيّ كَقَوْلِك يتعالجُ ويتكَبَّر فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا فِيهِ ألف الْوَصْل نَحْو ينْطَلق ويستغفر. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: ومثلُ ذَلِك قولُهم تَقَى اللهُ رجلٌ ثمَّ قَالُوا يَتَقي اللهَ أجْرَوْه على الأَصْل وَإِن كَانُوا لم يستعملوا الْألف حذفوها والحرفَ الَّذِي بعدَها. اعْلَم أَن الْعَرَب تَقول تَقَى يَتَقي بِفَتْح التَّاء فِي الْمُسْتَقْبل وَكَانَ الظَّاهِر من هَذَا أَن يُقَال تَقَى يَتْقي وَإِنَّمَا هُوَ على الْحَذف وَأَصله اتَّقى يَتَّقي حذفوا فَاء الْفِعْل وَهُوَ التَّاء الأولى من اتَّقى وَهِي سَاكِنة فَسَقَطت ألف الْوَصْل من اتَّقى لِأَن بعْدهَا متحرِّكاً وَفِي الْمُسْتَقْبل يتَّقي حذفوا مِنْهُ التَّاء أَيْضا الأولى فَبَقيَ يَتَقي وَإِذا أمروا قَالُوا تَقِ اللهَ وَأَصله اتَّقِ سَقَطت التَّاء الَّتِي هِيَ مَكَان فَاء الْفِعْل وَسَقَطت ألف الْوَصْل وأصل هَذِه التَّاء الساقطة وَاو لِأَنَّهَا من وَقَيْتُ، وَالتَّاء فِي قَوْلهم تَقَى اللهَ رجلٌ ويَتَقي وتَقِِ اللهَ فِي الْأَمر هِيَ تَاء افْتَعَل وَهِي زَائِدَة، وَاخْتلفُوا فِي تُقىً فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد يَقُول هِيَ زَائِدَة، وَوزن تُقىً تُعَل، وَكَانَ الزّجاج يَقُول هِيَ منقلبة من وَاو وُقىً وَهُوَ فُعَل مثل قَوْلهم تُكَأَة وتُخَمَة وَالْأَصْل وُكَأَة ووُخَمَة، وَلَا يُقَال يَتْقي فِي الْمُسْتَقْبل بتسكين التَّاء لِأَن الأَصْل مَا ذكرته وَلَو كَانَ يجوز التسكين لقيل فِي الْأَمر اتقِِ كَمَا يُقَال فِي يَرْمي ارْمِ قَالَ الشَّاعِر: الْوَاو الَّتِي تقلب مَعَ الْيَاء حَيْثُ كَانَت الْيَاء الَّتِي قبلهَا متحركة فأرادوا أَن يقلبوها إِلَى هَذَا الْحَد وكَرِهَ أَن يقلبها على هَذَا الْوَجْه يُرِيد أَن الْوَاو لَا يجب قَلبهَا يَاء إِلَّا أَن يكون المتحرك الَّذِي قبلهَا مكسوراً فَالَّذِي كَسَر الْيَاء فِي يِيجَل استثقل الْوَاو وَلم يَر الْيَاء الْمَفْتُوحَة تُوجِب قلبَ الْوَاو فكَسَرها لتنقلب الْوَاو. وَاعْلَم أَن كل شَيْء كَانَت أَلفه مَوْصُولَة مِمَّا جَاوز ثَلَاثَة أحرف فِي فَعْلٍ فإنَّك تَكسر أَوَائِل الْأَفْعَال المضارعة للأسماء وَذَلِكَ لأَنهم أَرَادوا أَن يكسروا أوائلها كَمَا كسروا أَوَائِل فَعِل فَلَمَّا أَرَادوا الْأَفْعَال المضارعة على هَذَا الْمَعْنى كسروا أوائلها كَأَنَّهُمْ شبَّهوا هَذَا بِذَاكَ وَإِنَّمَا مَنعهم أَن يكسروا الثوانيَ فِي بَاب فَعِل أَنَّهَا لم تكن تُحرك فوضعوا ذَلِك فِي الْأَوَائِل وَلم يَكُونُوا ليكسِروا الثَّالِث فيلتبس يَفْعِل بيَفْعَل وَذَلِكَ قَوْلك استغْفَرَ فَأَنت تستغفِر واحْرَنْجَمَ فَأَنت تِحْرَنجِم واغْدَوْدَن فَأَنت تِغْدَوْدِن واقْعَنْسَسَ فَأَنت تِقْعَنْسِسُ يُرِيد أَنهم شبَّهوا مَا كَانَ فِي ماضيه ألفُ وصل بِمَا كَانَ الْمَاضِي مِنْهُ على فَعِل لاجتماعهما فِي كسرة ألف الْوَصْل أوّلا وكَسرة عين فَعِل ثَانِيًا وكرهوا كسر الْحَرْف الثَّانِي من مُسْتَقْبل فَعِل لِأَن صفته السّكُون وكرهوا كسر الثَّالِث لِئَلَّا يلتبس يَفْعَل بيَفْعِل فَوَجَبَ كسر الأول ثمَّ شبَّهوا مُسْتَقْبل مَا ماضيه ألف الْوَصْل بمستقبل فَعِل فكسروا أَوَّلَه. قَالَ: وكلّ شيءٍ من تَفَعَّلْت أَو تفاعَلْت أَو تَفَعْلَلْت يجْرِي هَذَا المجرى لِأَنَّهُ كَانَ فِي الأَصْل مِمَّا يَنْبَغِي أَن يكون أوّله ألفٌ مَوْصُولَة لِأَن مَعْنَاهُ معنى الانفعال وَهُوَ بِمَنْزِلَة انفَتَح وانطَلَق ولكنَّهم لم يستعملوه اسْتِخْفَافًا يُرِيد أَنه يجوز أَن يُقَال فِي مُسْتَقْبل تدحرَجَ وتعالَجَ وتمَكَّن تِتَدَحْرَج وتِتَقاتَل وتِتَمَكَّن لِأَنَّهُ كَانَ الأَصْل فِيمَا زَاد على أَرْبَعَة أحرفٍ من الْأَفْعَال الثلاثية أَن تكون فِيهَا ألِفُ وصلٍ فحُمِل كَسر هَذِه الْأَفْعَال على كسر مَا فِي أوَّله ألفُ وصْل فَيصير جملَة مَا يجوز كسر أوّل مستقبله ثَلَاثَة عشر بِنَاء مِنْهَا تسعةُ أبنيةٍ فِي أوائلها ألفُ الْوَصْل وَثَلَاثَة فِي أوّلها التَّاء الزَّائِدَة وفَعِلَ الَّذِي ذَكرْنَاهُ أوّلاً وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنهم يفتحون الزَّائِد فِي يفعَل يُرِيد أَن الدَّلِيل على أَن مَا فِي أوّله التَّاء الزَّائِدَة فِي الْمَاضِي كَانَ حقُّه ألف الْوَصْل أَن مستقبله يُفتَحُ أوّله وَلَا يجْرِي مجْرى الرباعيّ كَقَوْلِك يتعالجُ ويتكَبَّر فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا فِيهِ ألف الْوَصْل نَحْو ينْطَلق ويستغفر. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: ومثلُ ذَلِك قولُهم تَقَى اللهُ رجلٌ ثمَّ قَالُوا يَتَقي اللهَ أجْرَوْه على الأَصْل وَإِن كَانُوا لم يستعملوا الْألف حذفوها والحرفَ الَّذِي بعدَها. اعْلَم أَن الْعَرَب تَقول تَقَى يَتَقي بِفَتْح التَّاء فِي الْمُسْتَقْبل وَكَانَ الظَّاهِر من هَذَا أَن يُقَال تَقَى يَتْقي وَإِنَّمَا هُوَ على الْحَذف وَأَصله اتَّقى يَتَّقي حذفوا فَاء الْفِعْل وَهُوَ التَّاء الأولى من اتَّقى وَهِي سَاكِنة فَسَقَطت ألف الْوَصْل من اتَّقى لِأَن بعْدهَا متحرِّكاً وَفِي الْمُسْتَقْبل يتَّقي حذفوا مِنْهُ التَّاء أَيْضا الأولى فَبَقيَ يَتَقي وَإِذا أمروا قَالُوا تَقِ اللهَ وَأَصله اتَّقِ سَقَطت التَّاء الَّتِي هِيَ مَكَان فَاء الْفِعْل وَسَقَطت ألف الْوَصْل وأصل هَذِه التَّاء الساقطة وَاو لِأَنَّهَا من وَقَيْتُ، وَالتَّاء فِي قَوْلهم تَقَى اللهَ رجلٌ ويَتَقي وتَقِِ اللهَ فِي الْأَمر هِيَ تَاء افْتَعَل وَهِي زَائِدَة، وَاخْتلفُوا فِي تُقىً فَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد يَقُول هِيَ زَائِدَة، وَوزن تُقىً تُعَل، وَكَانَ الزّجاج يَقُول هِيَ منقلبة من وَاو وُقىً وَهُوَ فُعَل مثل قَوْلهم تُكَأَة وتُخَمَة وَالْأَصْل وُكَأَة ووُخَمَة، وَلَا يُقَال يَتْقي فِي الْمُسْتَقْبل بتسكين التَّاء لِأَن الأَصْل مَا ذكرته وَلَو كَانَ يجوز التسكين لقيل فِي الْأَمر اتقِِ كَمَا يُقَال فِي يَرْمي ارْمِ قَالَ الشَّاعِر: تَقُوُه أَيُّها الفِتْيانُ إنّي رأيتُ اللهَ قدْ غَلَبَ الجُدودا وَقَالَ آخر: جَلاها الصَّيْقَلونَ فأخْلَصوها فجاءتْ كلُّها يَتَقي بأَثْرِ وَمثل هَذَا يُقَال يَتَخِذُ على مِثَال يَتَّخِذ فحذفوا التَّاء الأولى كَمَا حذفوا من يَتَقي وَقَالُوا فِي الْمَاضِي تَخِذَ فَكَانَ الزّجاج يَقُول أصل تَخِذَ اتَّخَذَ، وَلَيْسَ الْأَمر عِنْدِي كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ لَو كَانَ اتَّخذَ وحُذفت التَّاء مِنْهُ لوَجَبَ أَن يُقَال تَخَذَ وَلَيْسَ أحدٌ يَقُول تَخَذَ بِفَتْح الْخَاء، وَحكى أَبُو زيد تَخِذَ يَتْخَذ تَخْذاَ. قَالَ أَبُو سعيد: وَفِيمَا قرأته على ابْن أبي الْأَزْهَر عَن بنْدَار فِي مَعَاني الشّعْر لَهُ: وَلَا تُكْثِرا تَخْذَ الشِّعارِ فإنَّها تُريدُ مُباآتٍ فَسيحاً فِناؤُها وَإِنَّمَا أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ أَنهم قَالُوا فِي الْمُسْتَقْبل يَتَقي وَإِن كَانَ الْمَاضِي تَقَى اتَّقى فردّوهُ إِلَى
стр. 1746
أصل اتَّقى فَقَالُوا يَتَقي مخفَّفاً عَن يتَّقي وَقد مضى ذَلِك، وَأما فَعُل فَإِنَّهُ لَا يُضَمُّ مِنْهُ مَا كُسر من فَعِل لِأَن الضمَّ أثقل عِنْدهم فكرهوا الضَّمَّتين وَلم يخَافُوا التباس مَعْنيين فعمدوا إِلَى الأخفِّ يُرِيد أَنهم لم يَقُولُوا فِي مُسْتَقْبل فَعُل يُفْعُل على مَا توجبه ضمَّة الْمَاضِي كَمَا كسروا أوّل مُسْتَقْبل فَعِل حِين قَالُوا تِعْلَم لِأَن الكسرة مَعَ الْفَتْح أخف عَلَيْهِم من اجْتِمَاع ضمَّتين وَلم يكن بهم حَاجَة إِلَى تحمُّل ثقل الضمَّتين لِأَن الْمَعْنى لَا يتغيَّر فَتكون إبانة الْمَعْنى دَاعِيَة لَهُم إِلَى تحمل الثّقل فَهَذَا معنى قَوْله وَلم يخَافُوا التباساً فعَمَدوا إِلَى الأخف. قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَلم يُرِيدُوا تفريقاً بَين مَعْنيين كَمَا أردْت ذَلِك فِي فَعِلَ يُرِيد بذلك أَن فِي فَعِلَ حِين قَالُوا تِفْعَل فِي مستقبله فرقوا بِهَذِهِ الكسرة بَين مَا كَانَ ماضيه على فَعِلَ وَمَا كَانَ ماضيه على فَعَلَ فَقَالُوا تِعْلَم وَلم يَقُولُوا تِذْهَب وَجعله سِيبَوَيْهٍ مَعْنيين وَإِن لم يكن من الْمعَانِي الَّتِي تغير مَقَاصِد الْقَائِلين فِيمَا عَبَّروا عَنهُ وَإِنَّمَا هُوَ حِكْمَة فِي إتباع اللَّفْظ وكلُّ عَقْدٍ فِي هَذَا الْبَاب لسيبويه وكلُّ تَحْلِيل فلأبي بكر بن السَّرِيِّ وَأبي عَليّ وَأبي سعيد.
هَذَا بَاب مَا يُسَكَّن اسْتِخْفَافًا وَهُوَ فِي الأَصْل عِنْدهم متحرك
وَذَلِكَ قَوْلهم فِي فَخِذ فَخْذ وَفِي كَبِد كَبْد وَفِي عَضُد عَضْد وَفِي الرجُل رَجْل وَفِي كَرَمَ الرجلُ كَرْمَ وَفِي عَلمِ عَلْم وَهِي لُغَة بكر بن وَائِل وأناس كثير من بني تَمِيم وَقَالُوا فِي مَثَل: لم يُحْرَم مَنْ فُصْدَ لَهُ. يَعْنِي فَصْدَ الْبَعِير للضَّيْف وفَصْدُه للضيف أَنهم كَانُوا عِنْد عَوَز الطَّعَام يَفْصِدون البعيرَ ليشربَ الضيفُ من دمِه فيَسُدّ جوعَه وَقَالَ أَبُو النَّجْم: لَو عُصْرَ مِنْهُ البانُ والمِسْكُ انْعَصَرْ يُرِيد عُصر وَأَبُو النَّجْم من بكر بن وَائِل وَهَذِه اللُّغَة أَيْضا كَثِيرَة فِي تغلب وَهُوَ أَخُو بكر بن وَائِل وَقَالَ أَيْضا: ونُفْخُوا فِي مَدائِنِهم فَطاروا وَإِنَّمَا حملهمْ على هَذَا أَنهم كَرهُوا أَن يرفعوا ألسنتهم عَن المفتوح إِلَى المكسور والمفتوحُ أخفُّ عَلَيْهِم فكرهوا أَن يَنْتَقِلُوا من الأخف إِلَى الأثقل وكرِهوا فِي عُصِرَ الكسرة بعد الضمة كَمَا يكْرهُونَ الْوَاو مَعَ الْيَاء فِي مَوَاضِع وَمَعَ هَذَا أَنه بِنَاء لَيْسَ من كَلَامهم إِلَّا فِي هَذَا الْموضع من الْفِعْل فكرهوا أَن يحوّلوا ألسنتهم إِلَى الاستثقال يُرِيد أَنه لَيْسَ من كَلَامهم فُعِلَ إِلَّا فِيمَا لم يُسَمَّ فاعلُه من الثُّلاثي وَإِذا تَتَابَعَت الضمتان خففوا أَيْضا وكرِهوا ذَلِك كَمَا يكْرهُونَ الواوين وَإِنَّمَا الضمتان من الواوين وَذَلِكَ قَول الرُّسْل والطُّنْب والعُنْق وَكَذَلِكَ الكسرتان تكرهان كَمَا تكره الياآن وَذَلِكَ قَوْلك فِي إبِل إبْل، قَالَ الشَّاعِر: ألْبانُ إبْلٍ تَعِلَّةَ بنِ مُساوِرٍ مَا دامَ يمْلِكُها عليَّ حَرامُ فَأَما مَا توالت فِيهِ الفتحتان فَإِنَّهُم لَا يسكنون مِنْهُ لِأَن الْفَتْح أخف عَلَيْهِم من الضَّم وَالْكَسْر كَمَا أَن الْألف أخف عَلَيْهِم من الْوَاو وَالْيَاء وَذَلِكَ نَحْو جَمَل وحَمَل وَنَحْوه وَمِمَّا أشبه الأول مِمَّا لَيْسَ على ثَلَاثَة أحرف قَوْلهم: أراكَ مُنْتَفْخاً عَلَيَّ. بتسكين الْفَاء سُكِّن لِأَن قَوْلنَا تَفِخاً من مُنْتَفِخاً كَقَوْلِنَا فَخِذَ وكَبِدَ فأسكن كَمَا أسكن الْخَاء من فَخذ وَمن ذَلِك قَوْلهم انْطَلْقَ يَا هَذَا بتسكين اللَّام وَفتح الْقَاف وَكَانَ الأَصْل انْطَلِق اللامُ مَكْسُورَة وَالْقَاف سَاكِنة فسكنت اللَّام للكسرة فَاجْتمع ساكنان اللَّام وَالْقَاف فحرَّكوا الْقَاف وفتَحوه كَمَا قَالُوا أَيْنَ وفتحوا
стр. 1747
النُّون. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وحدَّثنا الْخَلِيل عَن الْعَرَب بذلك وأنشدنا بَيْتا لرجلٍ من أزدِ السَّراة وَهُوَ: عَجِبْتُ لمَوْلودٍ ولَيْسَ لَهُ أبٌ وَذي وَلَدٍ لم يَلْدَهُ أَبَوَانِ يُرِيد يَلِدْهُ فأسكنَ اللَّام فَاجْتمع ساكنان اللَّام وَالدَّال فَفتح الدَّال لِاجْتِمَاع الساكنين. قَالَ: وسمِعنا من الْعَرَب كَمَا أنْشدهُ الْخَلِيل ففتحوا الدَّال كي لَا يلتقي ساكنان حَيْثُ أسكنوا مَوضِع الْعين وحركوها بحركة أقرب المتحركات إِلَيْهِ وَهِي الْيَاء وَلم يَحْفِلوا بِاللَّامِ لسكونها لِأَن السَّاكِن حاجز غير حَصين وَزَعَمُوا أَنهم يَقُولُونَ وَرِكَ ووَرْك وكَتِفَ وكَتْف.
(بَاب مَا أُسكِن من هَذَا الْبَاب وتُرِك أول الْحَرْف على أَصله لَو حُرِّك)
لِأَن الأَصْل عِنْدهم أَن يكون الثَّانِي متحركاً وَغير الثَّانِي أول الْحَرْف وَذَلِكَ قَوْلهم شَهْدَ ولِعْبَ تسكن الْعين كَمَا أسكنتها فِي عَلْمَ وتَدَعُ الأول مكسوراً لِأَنَّهُ عِنْدهم بِمَنْزِلَة مَا حركوا فَصَارَ كأول إبِلِ سمعناهم ينشدون هَذَا الْبَيْت هَكَذَا للأخطل: إِذا غابَ عَنَّا غابَ عنَّا فُراتُنا وإنْ شِهْدَ أَجْدَى فَضْلُه وجَدَاولُهْ وَمثل ذَلِك نِعْمَ وبِئْسَ إِنَّمَا هما فَعِلَ قَالَ الْمُفَسّر لهَذَا الْبَيْت قد قدمنَا قبل هَذَا أَن مَا كَانَ على فَعِلَ وثانيه حرف من حُرُوف الْحلق فَفِيهِ أَربع لُغَات مِنْهَا فِعْلَ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْموضع أَن شِهْدَ ولِعْبَ جَاءَ على أَصله لَو حُرِّك مَعْنَاهُ أَنه جَاءَ شِهِدَ ولِعِبَ ثمَّ أسكن من أجل ذَلِك وَمثل ذَلِك غُزْيَ الرجلُ لَا تُحوِّل الْيَاء واواً لِأَنَّهُمَا إِنَّمَا خُفِّفت وَالْأَصْل عِنْدهم التحريك وَأَن تُجْرى يَاء كَمَا أَن الَّذِي خفَّفَ الأصلُ التحركُ عِنْده وَأَن يُجْريَ الأول فِي خِلَافه مكسوراً وأصلُ غُزِيَ غُزِوَ لِأَنَّهُ من الغَزْوِ انقلبت الْوَاو يَاء لِأَنَّهَا طَرَفٌ وَقبلهَا كسرة فَكَأَن قَائِلا قَالَ إِذا سَكَّنا الزَّاي وَجب أَن تعود الْوَاو لِأَن الْعلَّة الَّتِي كَانَت تَقْلِبها يَاء قد زَالَت. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَذَا التَّخْفِيف لَيْسَ بِوَاجِب وَلَا هُوَ بناءٌ بُني عَلَيْهِ اللفظُ فِي الأَصْل وَإِنَّمَا هُوَ عَارض كَمَا أَن الَّذِي يَقُول عَلْمَ وكَرْمَ فِي عَلِمَ وكَرُمَ الأَصْل عِنْده عَلِمَ وكَرُمَ وَإِن خفَّف وَالدَّلِيل على أَن الأَصْل هَذَا أَنه لَو جعل الفعلَ لنَفسِهِ لقَالَ عَلِمْت وكَرُمْت فرَدُّوا الْبناء إِلَى أَصله فاعرف ذَلِك.
(بَاب أَسمَاء المصادر الَّتِي لَا يُشتَقُّ مِنْهَا أَفعَال)
أَبُو عبيد: هُوَ رجلٌ بَيِّنُ الرُّجولةِ وراجِلٌ بيِّنُ الرِّجْلَة وحُرٌّ بيِّنُ الحُرِّيَّة والحُروريَّة ورجلٌ غِرٌّ وَامْرَأَة غِرَّةٌ بَيِّنَةُ الغَرارة من قومٍ أَغِرَّاء ورجلٌ ظَهيرٌ بيِّنُ الظَّهارة وَهُوَ القويُّ وَامْرَأَة حَصانٌ بيِّنَة الحَصانة والحُصْن وفَرَسٌ حِصانٌ بيِّنُ التَّحُصُّن. قَالَ أَبُو عَليّ: غَلِطَ أَبُو عبيد فِي إِدْخَاله امْرَأَة حَصان تَحت هَذِه التَّرْجَمَة لِأَنَّهُ يُقَال حَصُنَتِ الْمَرْأَة. أَبُو عبيد: حافر وَقاحٌ بيِّنُ الوَقاحَة والوَقَح والقِحَة والقَحَة ورجلٌ عِنِّين بيِّن العِنِّينية وَقد عُنِّنَ عَن امْرَأَته وصَريحٌ بيِّنُ الصَّراحة والصُّروحة وفَرَسٌ ذَلولٌ بيِّنُ الذُّلِّ وذَليلٌ بيِّن الذُّلِّ والذِّلَّة ومَعْتوه بيِّن العَتْه والعَتَه أَيْضا وجاريةٌ بيِّنة الجَراية والجَراء وجَرِيٌّ بيِّن الجَراية: وَهُوَ الْوَكِيل وفلانٌ طريفٌ فِي النَّسَب وطَرِفٌ بيِّن الطَّرافة ومنَ الأقْعَد بيِّن القُعْدُد والقُعْدَد وعَقيمة بيِّنة العُقْم والعَقَم وعاقرٌ بيِّنة العُقْر وَقد عَقُرَت تَعْقُر وعَقِرَت تَعْقَر عُقاراً. قَالَ أَبُو عَليّ: وَقد أَسَاءَ فِي هَذَا الْموضع أَيْضا أشدَّ من تِلْكَ الْإِسَاءَة لِأَنَّهُ صَرَّح هُنَا بتصريف
стр. 1748
الْفِعْل فَهَذَا خلاف مَا عَلَيْهِ العَقْد. أَبُو عبيد: رجل وَضيعٌ بيِّن الضِّعَة والضَّعَة. ابْن السّكيت: وَطيءٌ بيِّن الوَطاءَة والطِّئَة والطَّأَة. أَبُو عبيد: رَفيعٌ بيِّن الرِّفْعة وَقد وَضُع ورَفُع. قَالَ أَبُو عَليّ: لَيْسَ من هَذَا الْبَاب على عَقْده إِنَّمَا هُوَ من هَذَا الْبَاب على مَا حَدَّه سِيبَوَيْهٍ وَذَلِكَ أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ وَلم يَقُولُوا وَضُع وَلَا رَفُع كَمَا لم يَقُولُوا شَدُدْت وَلَا فَقُرْت وَقَالُوا حافٍ بيِّن الحِفْية والحِفاية وَقد حَفِيَ يَحْفَى وَهُوَ: الَّذِي لَا شَيْء فِي رِجْله لَا خُفٌّ وَلَا نَعْلٌ فَأَما الَّذِي حَفِيَ من كَثْرَة الْمَشْي فَإِنَّهُ حَفٍ بيِّن الحَفى مَقْصُور مثل الْعَمى. وَقَالَ: فلَان حَفِيٌّ بك بيِّنُ الحَفاوَة وَقد حَفيتُ بِهِ وتَحَفَّيْتُ بِهِ وَذَلِكَ فِي المسئلة بِهِ والعناية بأَمْره وَهَذَا الغَلَط بيِّنٌ أَيْضا لِأَن لهَذِهِ المصادر أفعالاً كَمَا قد نَص هُوَ والسِّرُّ من كل شَيْء بيِّن السَّرارة. قَالَ: والسَّراوة من السَّرْوِ وَهَذَا أَيْضا غلط بيِّن لِأَن سِيبَوَيْهٍ قد حكى سَرُوَ حِين ذكر الْأَبْنِيَة الَّتِي تُخَصُّ بهَا الْأَفْعَال مَعَ الْحُرُوف والحركات. أَبُو عبيد: الشمسُ جَوْنَةٌ بيِّنة الجُونة وبَعيرٌ هِجان بيِّن الهَجانة وَرجل هَجين بيِّن الهُجْنة وخَضِيٌّ مَجْبوب بيِّن الجِباب وعَرَبِيٌّ بيِّن العُروبيَّة. ابْن دُرَيْد: والعُروبة والعَرابة. أَبُو عبيد: عبدٌ بيِّن العُبوديَّة والعُبودة وأمَةٌ بيِّنة الأُموَّة وأمٌّ بيِّنة الأُمومة وأبٌ بيِّن الأُبوَّة وأختٌ بيِّنة الأُخوَّة مثل الْأَخ وبِنتٌ بيِّنة البُنُوَّة مثل الابْن، وعمٌ بيِّن العُمومة وَكَذَلِكَ الخُؤولة وَيُقَال هَذَا أسَدٌ بيِّن الأسَدَ وليثٌ بيِّن اللِّياثة ووَصيفٌ بيِّن الوَصافة. ثَعْلَب: وَصيفة بيِّنة الإيصاف ووَليدةٌ بيِّنة الوَلادة والوَليديَّة. أَبُو عبيد: ورجلٌ جُنُبٌ من البُعْد بيِّن الجَنابة والجَنْبة وَهُوَ الأجنبِيُّ والجانِبُ مثله. ابْن السّكيت: رجلٌ جَليدٌ وجَلْدٌ بيِّن الجَلادة والجَلَد ولحمٌ طرِيٌّ بيِّن الطَّراوة والطَّراءة. ابْن دُرَيْد: رجلٌ جِلْفٌ: أَي جافٌ غَليظ والمَصْدَر الجَلافة والعَدالة مَصْدَر عَدْلٌ حَسَنُ العَدالة. وَقَالَ سيِّدٌ بيِّن السُّودَد وهم من أهل بيتِ النُّبُوَّة والنَّباوة وضارٌ بيِّن الضَّراوة والضَّراءة. ثَعْلَب: شيخٌ بيِّن الشخوخيَّة والشَّيْخوخة والتَّشَيُّخ والتَّشْييخ وأيِّمٌ بيِّن الأَيْمة والأُيوم. أَبُو عبيد: فَعَلْتُ ذَلِك بِهِ خَصوصِيَّةً وَهُوَ لصٌّ بيِّن اللُّصوصِيَّة. قَالَ ابْن السّكيت: وَلَا تقالان إِلَّا بِالْفَتْح. ثَعْلَب: الضمُّ فِيهِ لُغَة. أَبُو عبيد: حَرورِيٌّ بيِّنُ الحَرورِيَّة. ابْن السّكيت: لَا يُقَال إِلَّا بِالْفَتْح. ثَعْلَب: الضَّم فِيهِ لُغَة. ابْن السّكيت: فارسٌ على الْخَيل بيِّن الفُروسِيَّة والفُروسة. ابْن دُرَيْد: صارِمٌ بيِّن الصَّرامَة وَقَالُوا الصُّرومة وَلَيْسَ بثَبْت وحازمٌ بيِّن الحَزامة وَقَالُوا الحُزومة وَلَيْسَ بثبْت وَهُوَ حَجَرٌ صَلْدٌ بيِّن الصَّلادة والصُّلودة.
(بَاب مصَادر مُخْتَلفَة الْأَبْنِيَة متفقة الْأَلْفَاظ صِيغَت على ذَلِك للْفرق)
تَقول وَجَدْتُ فِي المَال وُجْداً ووَجَدْتُ الضَّالَّة وِجْداناً، قَالَ الراجز: أنْشُدُ والباغي يُحِبُّ الوِجْدان ووَجَدْتُ فِي الحُزْنِ وَجْدَاً ووَجَدْتُ على الرجل مَوْجِدة وَتقول رجل جَوادٌ بيِّن الجُود وشيءٌ جيِّدٌ بيِّن الجَوْدَة وفَرَسٌ جَواد بيِّن الجَوْدة والجُودة وجادَت السماءُ جَوْدَاً ويقالوَجَبَ البيع وُجوباً وجِبَةً وَكَذَلِكَ الحَقُّ ووَجَبَت الشَّمْس وُجوباً: إِذا دَنَتْ للغروب ووَجَبَ القلبُ وَجيباً وَتقول حَسَبْت الحِسابَ أَحْسُبُه حَسْبَاً وحُسْباناً والحِساب الِاسْم وحَسِبْت الشَّيْء: ظَنَنْتهُ أحْسِبُه وأحسَبُه مَحْسِبَة ومَحْسَبَة وحِسْباناً وَتقول امْرَأَة حَصان بيِّنة الحَصانة والحُصْن وَقد أَحْصَنت وحَصُنَت وفرسٌ حِصان بيِّن التَّحْصين والتَّحَصُّن وَتقول عَدَلَ عَن الحقِّ: إِذا جَار عُدولاً وعدَل عَلَيْهِم عَدْلاً ومَعْدِلة وَتقول قَرُبْت مِنْك قُرْباً وَمَا قَرِبْتُك قِرْباناً وقَرَبْتُ الماءَ قَرَبَاً ونَفَقَ البيْعُ نَفاقاً ونَفقَتِ الدابَّةُ نُفوقاً ونَفِقَ نَفَقَاً: إِذا نقَص وقَدَرْت على الشَّيْء أَقْدِر قَدْرَاً: قَوِيت وأَقْدُر قُدْرَةً وقِدْراناً ومَقْدِرةً وقَدَرْتُ الشيءَ أَقْدُره من التَّقْدير وجَلَوْتُ العَروس جَلْوَةً وجَلَوْتُ السَّيْف جِلاءً وجَلا القومُ عَن
стр. 1749
مَنَازِلهمْ جَلاءً وغِرْتُ على أَهلِي غَيْرَةً وغارَ الرجلُ غَوْرَاً: أُتِي الغَوْر. وَكَذَلِكَ غارَ الماءُ غَوْرَاً وغارَتْ عينُه غُؤُوراً وغار الرجل أَهْلَه غِياراً وغَيْرَاً: إِذا مارَهم وأغارَ على العدوِّ إغارةً وغارةً وأغار الحَبْلَ إغارةً: إِذا أَحْكَم قَتْلَه وَتقول حَلَمْتُ فِي النّوم أَحْلُم حُلُماً وَأَنا حالمٌ وحَلُمْت عَن الرجل حِلْماً وَأَنا حَليمٌ وحَلِمَ الأَديمُ حَلَمَاً: إِذا تَثَقَّب وفَسَدَ وحَلَم الغلامُ يَحْلُم: إِذا احْتَلَم حُلْماً وحُلُماً هَذَا قَول أَحْمد بن يحيى وَهُوَ أحد الْحُرُوف الَّتِي ردَّ عَلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج فَقَالَ إِنَّمَا الحُلْم المَصْدَر والحُلُم الِاسْم وقَذَتْ عَيْنُه: إِذا أَلْقَتِ القَذَى قَذْيَاً وقَذِيَتْ قَذىً: إِذا صَار فِيهَا القَذَى وَتقول رجلٌ بَطَّالٌ بيِّن البَطالة وَقد بَطَلَ ورجلٌ بَطَلٌ أَي شجاعٌ بيِّن البُطولة وَقد بَطُلَ بُطولةً وبَطَلَ الشيءُ بُطْلاً وبُطولاً وخَزِيَ الرجل خِزْياً من الهَوان وَقد خَزِيَ خَزايةً من الاسْتِحياء وَتقول طَلَقَتِ المرأةُ وطَلُقَت طَلاقاً وَقد طُلِقَتْ طَلْقَاً عِنْد الْولادَة وطِلُقَ وَجْهُ الرجل طَلاقةً وَقد طَلَقَ يَدَه بخَيْرٍ طَلْقَاً وَتقول قد حَرَّ يَوْمُنا يَحِرُّ وَمن الحُرِيَّة حرَّ الْمَمْلُوك يَحَرُّ حُرِّيَّةً وَتقول قد شَفَّهُ المرضُ وغيرَه يَشُفُّه شَفَّاً وشَفَّ الثوبُ يَشِفُّ شُفوفاً وَتقول زَبَدَهُ يَزْبِدهُ زَبْدَاً: إِذا أعطَاهُ وزَبَدَهُ يَزْبُدهُ: إِذا أَطْعَمهُ الزُّبْدَ ونَسَبَ الرجلَ يَنْسُبه نِسْبَةً ونَسَبَ الشاعرُ بِالْمَرْأَةِ يَنْسِب بهَا نَسيباً وشَبَّ الصبيُّ يَشِبُّ شَ باب اً وشَبَّ الفرَسُ يَشُبُّ شِباباً وشَبَّ الرجلُ الحَرْبَ والنارَ: إِذا أَسْعَرها يشُبُّها شُبوباً وشَبَّاً وَتقول شاةٌ ساحٌّ وَقد سَحَّتْ تَسِحُّ سُحوحةً وسَحَّ المَطَرُ يَسُحُّ سَحَّاً: إِذا صَبَّ وَتقول عَرَضْتُ الكتابَ والجُندَ عَرْضَاً وعَرَضْتُ الجارِيَةَ على البيعِ عَرْضَاً كَذَلِك وعَرُض الرجلُ عِرَضاً: إِذا صَار عَريضاً وَتقول لَحُم الرجلُ لَحامةً وشَحُمَ شَحامةً: إِذا كَانَ ضَخْمَاً وَقد شَحِمَ شَحَمَاً ولَحِمَ لَحَمَاً: إِذا كَانَ قَرِمْاً إِلَى اللَّحْم والشَّحم وَهُوَ شَحِمٌ لَحِمٌ وَقد حَدَدْت حُدود الدارِ أحُدُّها حَدَّاً وحَدَّت المرأةُ على زَوجهَا تَحُدُّ وتَحشدُّ حِداداً: إِذا تركتِ الزينةَ وَقد حَدَدْت عَلَيْهِ أَحِدُّ حِدَّةً وحَدَّاً من الْغَضَب وحالَ بيني وبينَ الشيءِ حَوْلاًَ وحالتِ النخلةُ والناقة: إِذا لم تحمِل حِبالاً وحالَ فِي ظَهْرِ دابَّتِه: إِذا رَكِبَها حُؤولاً وَتقول وَهِمْت فِي الحِساب وغيرِه وَهَمَاً: إِذا غَلِطْت فِيهِ ووَهَمْت إِلَى الشَّيْء: إِذا ذَهَبَ وَهْمُك إِلَيْهِ وَأَنت تُرِيدُ غَيْرَه وَهْمَاً.
(بابٌ)
وأذكُر من شَواذِّ المَصادر الَّتِي شَذَّت من جِهة الْإِعْرَاب واصِلاً لَهُ بالمصادر المتقدِّمة لتكونَ المصادرُ فِي هَذَا الْكتاب مَجْمُوعَة، حكم المَصْدَر إِذا وقعَ مَوْقِع الْحَال أَن لَا تدخله الْألف وَاللَّام وَلَا يُضَاف إِلَى الْمعرفَة وَقد جَاءَت مصادرُ وأُدخِلت فِيهَا الْألف وَاللَّام وأضيفت إِلَى الْمعرفَة وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ من ذَلِك شَيْئا وَأَنا أذكر مَا ذكره وأَزيد وأبدأ أَولا بالمصادر المنتصبة عَن الْأَفْعَال الَّتِي لَيست من ألفاظها بل هِيَ من أَنْوَاعهَا وأُمَيِّزُ من يَطْرُد ذَلِك مِمَّن لَا يَطْرُدُه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فِي بَاب مَا ينْتَصب من المصادر لِأَنَّهُ حَال وَقع فِيهِ الْأَمر تَقول قَتَلْتُه صَبْرَاً ولَقِيتُه فُجاءةً ومُفاجأةً وكِفاحاً ومُكافَحةً ولَقِيتُه عِياناً وكَلَّمْتُه مُشافَهةً وأَتَيْتهُ رَكْضَاً وعَدْوَاً ومَشْيَاً وأَخَذْتُ ذَلِك عَنهُ سَماعاً وسَمْعَاً وَلَيْسَ كلُّ مَصْدَر وَإِن كَانَ فِي الْقيَاس مِثل مَا مَضى من هَذَا الْبَاب يوضع هَذَا الْموضع لِأَن المَصْدَر هُنَا فِي مَوضِع فاعلٍ إِذا كَانَ حَالا أَلا ترى أنَّه لَا يَحْسُنُ أَن تَقول أَتَانَا سرْعةً وَلَا أَتَانَا رُجْلةً كَمَا أَنه لَيْسَ كلُّ موضعٍ يُستعمَل فِي بَاب سَقْيَاً وحَمْدَاً فقد تبيَّن من كَلَام سِيبَوَيْهٍ أَن هَذَا الْبَاب عِنْده غير مُطَّرِد وَأَبُو الْعَبَّاس يَطْرُدُه فَيَقُول أَتَانَا سُرْعةً ورُجْلةً والعاملُ فِيهِ عِنْد سِيبَوَيْهٍ مَا قَبْلَه من الْفِعْل فالعامل فِي صَبْرَاً قَتَلْتهُ وَفِي مَشْيَاً ورَكْضَاً وعَدْوَاً أَتَيْتهُ وَفِي سَمْعَاً وسَماعاً وَلَو كَانَ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ لجَاز أَتَيْتهُ المَشْيَ كَمَا تَقول هُوَ يَمْشِي المَشْيَ ومَشى المَشْيَ وَهُوَ لَا يُجيز ذَلِك وَمن هَذَا الْبَاب قَوْله:
стр. 1750
فلأياً بِلأيٍ مَا حَمَلْنا وَلِيدَنا على ظَهْرِ مَحْبُوكٍ ظِماءٍ مَفاصِلُهْ التَّقْدِير فِيهِ فَلأْياً بِلأْيٍ حَمَلْنا وَمَا زَائِدَة وَمعنى لأياً بُطْئاً وجَهْدَاً فَكَأَنَّهُ قَالَ مَجْهُودين حَمَلْنا وَليدَنا ومُبْطِئين حَمَلْنا وَليدنا وَقد الْتَأَتْ عَلَيْهِ الحاجةُ: أَبْطَأتْ، وَقَالَ الراجز: ومَنْهَلٍ وَرَدْتهُ الْتِقاطا أَي فُجاءة وَهُوَ من الأول فَهَذَا مَا حكى سِيبَوَيْهٍ من هَذَا الْبَاب وَحكى غَيره وَرَدْتُ الماءَ نِقاباً: أَي التقاطاً وَحكى غَيره لَقِيتُه بُلْطَةً: أَي فُجاءةً وَقَالُوا لَقِيته صِقاباً وصِراحاً مثل الِالْتِقَاط.
وَهَذَا بَاب مَا جَاءَ مِنْهُ وَفِيه الْألف وَاللَّام أَو الْإِضَافَة
وَذَلِكَ قَوْلك أَرْسَلها العِراكَ، قَالَ لبيد: فأَرْسَلَها العِراكَ وَلم يَذُدْها وَلم يُشْفِقْ على نَغَص الدِّخال فنصَبَ العِراكَ وَهُوَ مَصْدَر عارَكَ مُعارَكةً وعِراكاً: أَي زاحَم والعِراكُ فِي مَوضِع الْحَال وَهُوَ معرفَة وَذَلِكَ شاذٌّ وَإِنَّمَا يجوز مثل هَذَا لِأَنَّهُ مَصْدَر وَلَو كَانَ اسْم فَاعل مَا جَازَ لم تقل الْعَرَب مثل أَرْسَلَها العِراك المُعارَكة وَمثله قَول أَوْس بن حجر: فأَوْرَدَها التَّقْرِيبَ والشَّدَّ مَنْهَلاً كأْسٌ رَنَوْناةٌ وطِرْفٌ طِمِرّ وَمعنى الْبَيْت أَنه وصفَ مَلِكَاً دَائِم الشُّرب فَقَالَ مَدَّتْ عَلَيْهِ يَعْنِي على المَلِك كأسٌ رَنَوْناةٌ أَطْنَابَها المُلكَ فِي معنى مُمَلَّكاً فَجعل المُلْك فِي معنى الْحَال وَتَقْدِيره مُمَلَّكاً. وَأما مَا جَاءَ مِنْهُ مُضَافا معرفَة فكقولك طَلَبْتهُ جُهْدَكَ وطاقَتَك وفَعَلْتهُ جُهْدي وطاقتي وَهِي فِي مَوضِع الْحَال لِأَن مَعْنَاهُ مُجْتَهِداً وَلَا يسْتَعْمل هَذَا إِلَّا مُضَافا لَا تقُل فَعَلْتهُ طَاقَة وَلَا جُهداً وَمثله رَأْيَ عَيْني وسَمْعَ أُذُني قَالَ ذَاك وَإِن قلتَ سَمْعَاً جَازَ لِأَنَّهُ قد اسْتعْمل مُضَافا وَغير مُضَاف فاعرفه إِن شَاءَ الله.
(بَاب فَعَلْت وأَفْعَلت)
يُقَال أَجَرْتُ المَمْلوكَ آجُرُه أَجْرَاً وأَجَرَه اللهُ يَأْجُرُه أَجْرَاً وآجَرَه وأَدَمْتُ بَين القومِ: ألَّفْتُ بَينهم وأَدَمْتُ الثَّريد آدمُهُ وآدِمُه أَدْمَاً وآدَمْتُه: إِذا خَلَطْتَه بِاللَّحْمِ وأَمَرْتُ الشيءَ وآمَرْتُه: أَي أَكْثَرتهُ وَيُقَال أَوَيْتهُ وآوَيْتُه وأَوَيْتُ إِلَيْهِ مَقْصُور لَا غير وأَجَلْتهُ مِن داءٍ فِي عُنُقِه وآجَلته: دَاَوَيْتُه وأَلَتَهُ مالَه وآلَتَه: نَقَصَه وأَهَلْتهُ لِلْأَمْرِ وآهَلْتُه: رأيتُه لَهُ أَهْلاً وأَخَوْتُ وآخَيْتُ: وُلد لي أخٌ. أَبُو حَاتِم: بَدَأَ الله الخَلْقَ يَبْدَأُهم بَدْءَاً وأَبْدَأهم: أَي خَلَقَهم وَفِي التَّنْزِيل: (قُل سِيرُوا فِي الأرضِ فانْظُروا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْق) . وَفِيه: (إِنَّه هُوَ يُبدِئُ ويُعيد) . أَبُو عُبَيْدَة: المُبْدِئ المُعيد والبادِئ العائِد. أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: هما لُغَتَانِ مستويتان فِي الحُسْن والجودة وأُرى أَنه إِنَّمَا ذهب إِلَى ذَلِك لكثرتهما فِي التَّنْزِيل وَفِي النّظم والنثر. الْأَصْمَعِي: بَدَأْتُ من أرضِ كَذَا وأَبْدَأت: أَي خَرَجْت وبَدا الشيءُ بُدُوَّاً وأَبْدَى: ظهر. بَرَقَ لي الرجلُ يَبْرُق بَرْقَاً وأَبْرَق: إِذا تهَدَّد
стр. 1751
وأَوْعَد وَكَذَلِكَ رَعَدَ لي وأَرْعَد وَكَذَلِكَ بَرَقَت السَّمَاء تَبْرُق بَرْقَاً ورَعَدَت تَرْعُد رَعْدَاً وأَبْرَقتْ وأَرْعَدتْ، وَكَانَ الْأَصْمَعِي ينكرهما بِالْألف. قَالَ أَبُو حَاتِم: فَقلت للأصمعي يَقُول الْكُمَيْت: أَبْرِقْ وأَرْعِدْ يَا يزِيد فَما وَعيدُكَ لي بِضائر فَقَالَ الكميتُ لَيْسَ بِحجَّة كَأَنَّهُ يَقُول هُوَ مُوَلَّد قلت لَهُ فَأخْبرنَا أَبُو زيد أَنه سَمعه من الْعَرَب الفُصحاء فأباه. قَالَ أَبُو حَاتِم: فجاءنا أَعْرَابِي من بني كلاب من أفْصح النَّاس كَأَنَّهُ مُسْتَوْحِش من النَّاس بَدَوِيٌّ وَهُوَ يَقُول: قُضيَ القَضاءُ وجَفَّتِ الأقْلامُ فَسَأَلته كَيفَ تَقول أَرْعَدت وأَبْرَقت فَقَالَ أَبُو زيد من قبل أَن يُجيب دَعوني أَسْأَله وأتوَلَّى السُّؤال فَأَنا أَرْفَقُ بِهِ فَقَالَ لَهُ كَيفَ تَقول فِي التَّهَدُّد إنَّك لَتُرْعِدُ لي وتُبْرِق. قَالَ أَبُو حَاتِم: فَقَالَ الْأَصْمَعِي: انظُر إِلَى الشّعْر الْقَدِيم كَيفَ هُوَ ثمَّ أنشدنا لرجل من كِنانة شِعْراً عُلْوِياً: إِذا جاوَزَت مِنْ ذاتِ عِرْقٍ ثَنِيَّةً فقُل لأبي قابوسَ مَا شِئتَ فارْعُدِ وَأنْشد ابْن السّكيت: فَإِذا حَلَلْتُ ودونَ بَيْتِيَ غاوةٌ فابرُقْ بأرْضِكَ مَا بَدا لَكَ وارْعُدِ وَيُقَال بَشَرْتُ الرجلَ بخيرٍ أَبْشِرهُ وأَبْشُره بَشْرَاً وأَبْشَرته وَالتَّشْدِيد جَائِز فِيهَا وَقد يكون التَّبْشير بالشَّرٍّ وَفِي التَّنْزِيل: (فبَشِّرْهُم بعَذابٍ أَلِيم) . وَلم يُقَل فِي الشَّرِّ أَبْشَر وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو: (ذَلِك الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ بهِ عِبادَه) . وَأنْشد الرياشي: وَقد غَدَوْتُ إِلَى الحانوتِ أَبْشُرُه بالرَّحْلِ تُحْنى على العَيْرانةِ الأُجُد أَرَادَ صَاحب الْحَانُوت الخَمَّار وَإِنَّمَا قيل البِشارة لِأَن الرجل إِذا سَمِعَ مَا يُحِب أَشْرَقتْ بَشَرَةُ وَجهه. وَقَالَ النحويون: بَشِرَ وأَبْشَرَ وبَشَّرْته وأَبْشَرْتُه وأَفْعَلت أَعلَى لقَولهم أَديمٌ مُبْشَر وأُراهُم عادلوا بِهِ وَيُقَال بَقَقْتَ تَبُقُّ بَقَّاً وأَبْقَقتَ: أَي كَثُر كلامُك والبّقَّاق: الْكثير الْكَلَام. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: بَقَّتْ كَلاماً وبَقَّتْ وَلَدَاً كَقَوْلِك نَثَرَتْ وَلَدَاً ونَثَرَتْ كلَاما وبَقَّتِ السَّمَاء وأبَقَّت: كثُر مطرُها وتتابَع بَلَّ الرجلُ من مَرَضه يَبُلُّ بُلولاً وأَبَلَّ: أَي بَرَأَ، وَأنْشد ابْن السّكيت: إِذا بلَّ من داءٍ ظَنَّ أنَّهُ نَجا وَبِه الدَّاءُ الَّذِي هوَ قاتِلُهْ وَأنْشد أَيْضا: صَمَحْمَحَة لَا تَشْتَكي الدَّهْرَ راسَها ولوْ نَكَزَتها حَيَّةٌ لأَبَلَّتِ وَيُقَال بَكَرَ فِي حاجتِه يَبْكُر بُكوراً وأَبْكَر وَيُقَال بَتَّ عَلَيْهِ الحكمَ يَبُتُّه بَتَّاً وأبَتَّهُ: أَي قَطَعَه يُقَال سَكْرَان مَا يَبُتُّ وَمَا يَبِتُّ كلَاما: أَي مَا يَقْطَعهُ باعَ الرجلُ مَتاعَه بَيْعَاً وَأَبَاعه بِمَعْنى. قَالَ النحويون: أَباعَه: عرَّضَه للْبيع والمَعْنَيان متقارِبان وَأنْشد ابْن السّكيت: فَرَضيتُ آلاءَ الكُمَيْتِ فَمَنْ يُبِع فَرَسَاً فَلَيْسَ جَوادُنا بمُباع
стр. 1752
آلاؤهُ نِعَمُهُ هَذِه رِوَايَة أبي إِسْحَاق أَرَادَ بآلائه نَجاءه بِهِ وروى غَيره أَفْلَاء الكُمَيْتِ جمع فِلْوٍ وفَلُوٍّ وَيُقَال بَلَقَ البابَ يَبْلُقهُ بَلْقَاً وأَبْلَقه: أَغْلَقه وَقيل فَتَحَهُ وبَقَلَ وَجْهُ الْغُلَام يَبْقُل بُقولاً وأَبْقَل: أَي خَرَجَتْ لِحْيَتُه وَكَذَلِكَ بَقَلَت الأرضُ تَبْقُل بُقولاً وبَقْلاً وأَبْقَلتْ: أَي خَرَجَ بَقْلُها وَيُقَال بَثَثْتُه سِرِّي أَبُثُّه وأَبْثَثْتُه: أَطْلَعتُه عَلَيْهِ وبَلَمَتِ الناقةُ تَبْلُم وأَبْلَمت: اشْتَهتِ الفحلِ. قَالَ الْأَصْمَعِي: إِذا وَرِمَ حَياءُ النَّاقة من شدَّة الضَّبْعة قيل قد أَبْلَمَتْ وَلم يعرف بَلَمَت. قَالَ: وَيُقَال بَضَعْتهُ بالْكلَام أَبْضَعهُ بَضْعَاً وأَبْضَعتهُ: إِذا بيَّنْتَ لَهُ مَا تُنازِعه فِيهِ حَتَّى تُقْنِعه أُراه من قَوْلهم بَضَعْتُ من المَاء وبهِ أَبْضَع بُضوعاً وَقد أَبْضَعتهُ: إِذا أَرْوَيتَه مِنْهُ حَتَّى يَشْتَفي. برَّ اللهُ حجَّه بِرَّاً وأبَرَّه. بَنَّ بالمكانِ بَنَّاً وأَبَنَّ: أَقَامَ وأبى الأصمعيُّ إِلَّا أَبَنَّ وَهُوَ أَكثر فِي الشّعْر، قَالَ: أَبَنَّ بِهِ عَوْدُ المَباءَةِ طَيِّبٌ وبَدَدْتُ السَّرْجَ أبُدُّه بَدَّاً وأَبْدَدتُه: عَمِلَت لَهُ بِدادَيْن وباثَ الشيءَ بَوْثَاً وأباثَه: بَحَثَه. بَسَرْتُ حاجَتي وأَبْسَرتُها: طلبتها من غير موضعهَا وبَسَسْتُ الإبلَ وأَبْسَستُ بهَا: زَجَرْتها وبَزَوْتهُ وأَبْزَيتُ بِهِ: قَهَرْتُه، وَبَطل فِي حَدِيثه وأَبْطَل: هَزَلَ وبَطَنْتُ الرجلَ وأَبْطَنتُه: شَدَدْتُ بِطانهُ وبَرَمْتُ الأمرَ وأَبْرَمتُه: أَحْكَمتُه وبَخَقْتُ العينَ وأَبْخَقتُها: عُرْتُها. بانَ الشيءُ بَيْنَاً وبَيْنونةً وأبانَ وبنْتُه وأَبَنْتُه وَقد تقدم بَيَّنَ وبَيَّنْتُه. بَرَدَ اللهُ الأرضَ يَبْرُدها بَرْدَاً وأَبْرَدها من البَرَد وبَجَعَني الأمرُ وأَبْجَعني: فَرَّحَني وَكَذَلِكَ بَهَجَني وأَبْهَجني، وَيُقَال تاحَ لَهُ الشيءُ تَيْحَاً وأتاحَ: أَي عَرَضَ وَلم يعرف الْأَصْمَعِي تاحَ وَأنْشد غَيره محتجاً عَلَيْهِ بِبَيْت الْحَرْث: بَيْنَا الْفَتى يَسْعَى ويُسْعى لَهُ تاحَ لَهُ من أَمْرِهِ خالِجُ قَالَ أَبُو حَاتِم: نَسِيَ وَإِلَّا فَهُوَ مَعْرُوف وَالْعرب تَقول من أينَ تِحْتَ لنا. تَلَعَتِ الضُّحى تَتْلَعُ تُلوعاً وأَتْلَعتْ. تمَّ اللهُ عَلَيْك نِعْمَتَه وأتَمَّ: أَي أَسْبَغها. تَبَلَهُ الحبُّ يَتْبُلهُ تَبْلاًَ وأَتْبَله وتَعَسَهُ الله يَتْعَسُه تَعْسَاً وأَتْعَسه وتَرَبْتُ الكتابَ أَتْرُبهُ وأَتْرَبْتُه. تَعَّ تضعَّاً وأتَعَّ: قاء وَكَذَلِكَ تاعَ وأتاعَ وتَرَرْتُ يَده وأَتْرَرتُها: قَطَعْتها وتَمَرْتُ القومَ وأَتْمَرْتَهُم: أطعمتهم التَّمر وَيُقَال ثَلَجَت السَّمَاء تَثْلُج ثَلْجَاً وأَثْلَجَتْ من الثَّلْج وثابَ إِلَيْهِ جِسْمُه ثَوْبَاً ومَثاباً وأثاب: أَي رَجَعَ والمَثابة: المَرْجِع وَيُقَال ثَقَبْتُ النارَ أَثْقُبها ثُقوباً: أَحْيَيتُها وأَثْقَبتها أفْصح. ثَرى القومُ يَثْرُون ثَراءً وَالِاسْم الثَّرْوَة وأثروا: كَثُرَت أَمْوَالهم وثَرِيَ المكانُ يَثْرَى ثَرىً وأَثْرَى: كثُر ثَراه ونَدِيَ وثَرا بِالْمَكَانِ يَثْرُو وأَثْرَى: أَقَامَ وَحكى أَبُو حنيفَة ثَمرَ َ الشجرُ يَثْمُر وأَثْمَر وَالْمَعْرُوف شجر ثامِرٌ: مُونِعُ ومُثْمِر: إِذا بدا ثَمَرَهُ وثَلَثْتُ الِاثْنَيْنِ وأَثْلَثْتُهما: صِرْتُ لَهما ثَالِثا وثَرَمْتُ الرجلَ وأَثْرَمْتُه: كَسَرْتُ ثَنِيَّتَه وثَبَنْتُ فِي ثَوْبِي وأَثْبَنتُ: إِذا جعلت فِي الوِعاء شَيْئا وحَمَلْته بَين يَديك وجَفَلَتِ الريحُ تَجْفُل جَفْلاًَ وأَجْفَلتْ: أَسْرَعت. جَفَأْت الْبَاب أَجْفَأهُ جَفْئَاً وأَجْفَأتُه: أَغْلَقتُه وأَجْفَأ الْوَادي وجَفَأَ يَجْفَأُ جَفْئَاً وجُفاءاً: رمى بالغُثاء. وجَبَرْتُ الرجلَ على الْأَمر أَجْبُره جَبْرَاً وأَجْبَرتُه: أَكْرَهتُه. جَلَبَ الجرحُ يَجْلُب ويَجْلِب وأَجْلَب: إِذا عَلَتْهُ جُلْبَةٌ للبُرْء أَي جِلْدة. قَالَ الْأَصْمَعِي: أَجْلَبَ الجُرح هَذَا الْكثير وَقد قَالَ النَّابِغَة: على عارفاتٍ للطِّعانِ عَوابِسٍ بِهِنَّ كُلومٌ بَيْنَ دامٍ وجالِبِ فَلَا أَدْرِي هَل يُقَال جَلَبَ أَو خرج جالبٌ مخرج لابِنٍ وتامِرٍ وجَلَبَ القومُ يَجْلُبون جَلَبَاً وأَجْلَبوا من الجَلَبَة وَهِي الصِّياح جَمَلْتُ الشَّحْمَ أَجْمُلهُ جَمْلاًَ: أَذَبْتُه هَذَا أَجود وَيُقَال أَجْمَلت جَهَدْتُ الفَرَس أَجْهَدهُ جَهْدَاً وأَجْهَدتُه: إِذا استخرجت جُهْدَه وَكَذَلِكَ جَهَدْت نَفسِي أَجْهَدها جهداً وأَجْهَدتُها. الْأَصْمَعِي: جَهَدَهُ المرضُ وَالْفِعْل كالفعل وَلم أسمع أَجْهَده وَكَذَلِكَ جَهَدْت فِي الْأَمر وأَجْهَدت: بَلَغْت فِيهِ جُهْدي جَدَبَ البَلَدُ يَجْدُب
стр. 1753
جُدوبةً وجُدْباً وأَجْدَب: إِذا لم يُنبِت شَيْئا جَدَعْتُ غِذاءَه أَجْدَعهُ جَدْعَاً وأَجْدَعتُه: أَسَأْتُه وجَذا الرجلُ يَجْذُو جُذُوَّاً وأَجْذَى: ثَبَتَ قَائِما. جَنَّه الليلُ يجُنُّه جَنَّاً وأجَنَّه: سَتَرَه وَبِذَلِك سُمي الجَنين لِأَن الْبَطن جَنَّه أَي سَتَرَه وَبِه سُمي القَبْرُ الجَنَن وَسمي الْقلب الجَنان وَبِذَلِك سمي جِنُّ الأَرْض ودَخل فِي جَنان النَّاس وَهُوَ مَا سَتَرَه مِنْهُم وَقد أَنْعَمت شرح هَذِه الْكَلِمَة وأَبَنْتُ اشتقاقها فِي بَاب السّتْر وجَنَنْتُ الرجلَ أجُنُّه جُنَّةً وجَنَّاً وأَجْنَنتُه: دَفَنْتُه وجَلا بِثَوْبِهِ يَجْلُو جَلاء وأَجْلَى: رمى بِهِ وجَلا القومُ عَن الْموضع يَجْلُون جَلاءً وأَجْلَوا: تَنَحُّوا عَنهُ وأَجْلَيْتُهم أَنا وجَلَوْتُهم لُغَة، قَالَ أَبُو ذُؤَيْب: فلمَّا جَلاها بالأُيَامِ تَحَيَّزَت ثُباتٍ عَلَيْهَا ذُلُّها واكتِئابُها يَعْنِي العاسل جَلا النحلَ عَن مواضِعها بالأُيَام وَهُوَ الدُّخان وفرّق أَبُو زيد بَينهمَا فَقَالَ جَلَوْا من الْخَوْف وأَجْلَوا من الجَدْب وجَنَبَ الرجلُ بَجْنُب جَنابةً وأَجْنَب وَلم يعرف الْأَصْمَعِي إِلَّا أَجْنَب. جَدَدْتُ فِي الْأَمر أجُدُّ وأَجِدُّ جِدَّاً وأَجْدَدتُ: انْكَمَشْت وَلذَلِك قيل جادٌّ مُجِدٌّ جاحَ الله مالَه جَيْحَاً وأجاحَه من الْجَائِحَة وأنكرها الْأَصْمَعِي بِالْألف وجَرَمْتُ أَجْرِم جَرْمَاً وأَجْرَمت من الجُرْم فَأَما أَبُو زيد فَقَالَ أَجْرَمتُ: عَمِلْتُ عَمَلَ المُجْرِمين وَأما جَرَمَ فَكَسَب سُوءاً وَبِه سُميَّت هَذِه الْقَبِيلَة جَرْمَاً وأَجْرَم لُغَة كَمَا قدمنَا وجَهَرْتُ الكلامَ أَجْهَرُهُ جَهْرَاً وأَجْهَرتُه: أَعْلَنتُه ويُعَدَّيان بِحرف جرٍّ جرى الرجلُ إِلَى الشيءِ جَرْيَاً وأَجْرَى إِلَيْهِ: قَصَدَ إِلَيْهِ. جَحَدَ الرجلُ يَجْحَد جَحْدَاً وأَجْحَد: قلَّ خَيْرُه. جازَ الْوَادي جَوازاً وأَجازه: قَطَعَه. جَهَضَه على الشَّيْء يَجْهُضه جَهْضَاً وأَجْهَضه: غَلبَهَ وجَعَظَه عَن الشَّيْء يَجْعَظُه وأَجْعَظهُ: دَفَعَه. جَمَّتِ الحاجةُ تَجِمُّ وتَجُّمُّ جَمَّاً وجَماماً وأجَمَّتْ: حانَتْ، قَالَ زُهَيْر: وكُنتُ إِذا مَا جِئتُ يَوْمَاً لحاجةٍ مَضَتْ وأجَمَّتْ حاجةُ الغَدِ مَا تَخْلُو وجَمَّ الفرَسُ وأجَمَّ: إِذا استراح وذَهَبَ إعياؤه وجَمَّتِ الرِّكِيَّةُ وأجَمَّت: إِذا نابَ مَاؤُهَا وَكَذَلِكَ المَال إِذا صَلَحَ والمَصْدَر الثلاثي من ذَلِك كُله الجموم والجَمام وجَمَمْتُ الإناءَ وأَجْمَمتُه وجَهَشَت نفسُه تَجْهَشُ جُهوشاً وأَجْهَشتْ: تَهيَّأَت للبكاء وجالَ الرجلُ بالشيءِ جَوْلاًَ وجَوَلاناً وأجالَ بِهِ: طافَ بِهِ وجَنَحَ الليلُ يَجْنَح جُنوحاً وأَجْنَح: مالَ وجَلَدَ المكانُ وأَجْلَد من الجَلَد وجَمَزَ الفَرَسُ يَجْمِز جَمْزَاً وأَجْمَز: وَثَبَ فِي القَيْد وجَرَسَ الطائرُ والنَّحْلُ يَجْرِس ويَجْرُس جَرْسَاً وأَجْرَس: إِذا سَمِعْتَ حركَتها أَو حركةَ أكل النحلِ وَرَقَ الشجرِ. قَالَ الْأَصْمَعِي: وَسمعت حَمَّاد بن سَلمَة يَقُول: نحلٌ جَرَشَت العُرْفُطَ بالشين مُعْجمَة فَقلت أَنا جَرَسَتْ بِالسِّين فَقَالَ خذوها عَنهُ فَإِنَّهُ أعلم بهَا وَقد قدَّمتُ أَن الجِرْسَ والجَرْس والجَرَس ثلاثتهنَّ فصيحة وَكَانَ الْفَارِسِي يردُّ الجَرَس لِأَنَّهَا من حكايات اللحياني وَكَانَ لَا يعجبُه نَقله وَأنْشد اللحياني: لَا تَدعُونِي فإنِّي لستُ بائِعَكُمْ لَا أَنا مِنكُم وَلَا حِسِّي وَلَا جَرَسي وَلَا أكونُ كَمَنْ أَلْقَى رِحالَتَه على الحِمارِ وخَلَّى صَهْوَةَ الفَرَسِ وأجَفْتُه بالطَّعْنة وجُفْتُه بهَا جَوْفَاً: أَبْلَغتُها جَوْفَه وجمعَ القومُ رأيَهم يَجْمَعونَهُ جَمْعَاً وأَجْمَعوا. قَالَ الْفَارِسِي: وَلَا يُقَال أَجْمَعْتُ القومَ إِنَّمَا يُقَال جَمَعْتُ فَأَما قَوْله جلّ ثَنَاؤُهُ: (فأَجْمِعوا أمرَكُم وشُركاءَكُم) . فعلى قَوْله: يَا لَيْتَ زَوْجَكِ قدْ غَدا مَتَقَلِّداً سَيْفَاً ورُمْحا أَرَادَ مُتَقَلِّداً سَيْفَاً وحاملاً رُمحاً أَو مُعْتَقِلاً وَكَذَلِكَ قَوْله فأَجْمِعوا
стр. 1754
أمرَكم وشُركاءَكم إِنَّمَا أَرَادَ فأجمِعوا أمرَكم وأجمِعوا شُركَاءَكم لِأَنَّهُ يُقَال جَمَعْتُ قَوْمِي وَلَا يُقَال أَجْمَعتُ وَأَبُو الْحسن يَطْرُد هَذَا النحوَ وغيرُه لَا يَطْرُدُه وجَمَعْتُ الشيءَ وأَجْمَعتهُ: أَلَّفْتُه: وَهِي قَليلَة وجَهَزْتُ على القَتيل وأَجْهَزتُ. وجَتَبَتِ الريحُ تَجْنُبُ جُنوباً وأَجْنَبتْ أجازها أَبُو زيد وَأَبُو عُبَيْدَة وَلم يُجِزها الْأَصْمَعِي وجَدَرَ الشجرُ يَجْدُرُ جَدْرَاً وأَجْدَرَ: أَي خَرَجَ ورَقُه كَأَنَّهُ حِمَّصٌ هَذِه حِكَايَة ابْن الْأَعرَابِي بِفَتْح الْمِيم من حِمَّص وَقد صرح سِيبَوَيْهٍ بِكَسْرِهَا فَقَالَ وَيكون على فِعِّل فالاسم نَحْو حِلِّز وحِمِّص وجِلِّق وجَشَشْتُ الشيءَ جَشَّاً وأَجْشَشْتُه: دَقَقْتُه وجَبَأْتُ على القومِ أَجْبَأُ جُبوءاً وأَجْبَأتُ: أَشْرَفتُ عَلَيْهِم وجَرَرْتُ الفَصيلَ جَرَّاً وأَجْرَرْتُه: شَقَقْتُ لِسانَه لِئَلَّا يرضَع. حَلَّ من إحرامِه يَحِلُّ حِلاًّ وأَحَلَّ: خرج مِنْهُ وَفِي التَّنْزِيل: (وَإِذا حَلَلْتُم فاصْطادوا) . وَقَالَ زُهَيْر: جَعَلْنَ القَنانَ عَن يمينٍ وحَزْنَهُ وَكَمْ بالقَنانِ مِنْ مُحِلٍّ ومُحْرِم فاشتقاق هَذَا الْفِعْل مِنْهُ وحالتِ الدارُ وحِيلَ بهَا وأحالَت وأَحْوَلَتْ: أَتَى عَلَيْهَا حَوْل وحالَتِ الناقةُ حُؤولاً وحِيالاً وأحالتْ وحَوَّلَت: لَقِحَتْ على حَوْلٍ وحَمَشْتُ الرجلَ أَحْمُشهُ حَمْشَاً وأَحْمَشتُه: أَغْضَبْتُه وَكَذَلِكَ حَمَسْتُه حَمْسَاً وأَحْمَستُه وحَشَمْتُه أَحْشِمهُ وأَحْشُمهُ حِشْمَةً وحَشْمَاً وأَحْشَمتُه وَهُوَ أَن يجلِس إِلَيْك فتُؤذيَه وتُسمِعهُ مَا يكره وحَشَمْتهُ أَحْشِمهُ حَشْمَاً: أَغْضَبتُه وأَحْمَشتُه لُغَة وحقَقْتُ حَذَرَ الرجل أحُقُّه حَقَّاً وأَحْقَقتُه: أَي فَعَلْتُ مَا كَانَ يحذر وحَقَقْتُ الأمرَ أحُقُّه حَقَّاً وأَحْقَقتُه: أَي كنت مِنْهُ على يَقِين وحَقَقْتُه أحُقُّه حَقَّاً وأَحْقَقتُه: غَلَبْتُه على الحقِّ وأَثْبَتُّه عَلَيْهِ وحَقَّتِ الماشيةُ من الرّبيع: إِذا سَمِنَت تَحِقُّ حَقَّاً وأحقَّت مثله وحَبَبْتُ الشيءَ أحُبُّه وأَحِبُّه وأَحْبَبتُه وَقد علَّلت هَذَا فِي بَابه بنهاية التَّعْلِيل إِن شَاءَ الله وحَصَبَ القومُ عَن الرجل: إِذا وَلَّوا عَنهُ يَحْصِبون حَصْبَاً وأَحْصَبوا وحَدَقَ القومُ بالشَّيْء يَحْدِقون حُدوقاً وأَحْدَقوا بِهِ: طافوا حَوْلَهُ، قَالَ الشَّاعِر: المُنْعِمونَ بضنو حَرْبٍ وَقد حَدَقَتْ بيَ المَنِيَّةُ واسْتَبْطَأْتُ أنْصاري وَكَذَلِكَ حاطوا بِهِ وَأَحَاطُوا وحَزَنَني الأمرُ يَحْزُنُني حُزْناً وأَحْزَنَني وَقد بيَّنت هَذَا فِي بَاب مَوْضِعه وحَدَّتِ المرأةُ على زَوْجِها تَحِدُّ وتَحُدُّ حَدَّاً وأحَدَّت: تَرَكَتِ الزينةَ للعِدَّة وحَمَّ اللهُ ذَلِك يَحًمُّه حَمَّاً وأحَمَّه: أَي أدْناه وحَدَرْتُ الزورقَ أَحْدُرهُ حَدْرَاً وأَحْدَرتُه وَالِاخْتِيَار حَدَرْتُه وحَشَّتْ يدُه تَحِشُّ حَشَّاً وأحَشَّتْ: يَبِسَتْ وَكَذَلِكَ الولدُ فِي بطن أمه باللغتين حَمِيَ الرجلُ المكانَ حَمْيَاً وَأَحْماه، قَالَ الشَّاعِر: حَمَىَ أَجَمَاتِهِ فَتُرِكْنَ قَفْرَاً وَأَحْمى مَا سِواهُ مِنَ الإجامِ وضَربَه فَمَا أَحاكَ فِيهِ السَّيْفُ وَمَا حاكَ فِيهِ حَيْكَاً وحاكَ فِيهِ القَوْل وأَحاكَ وحَكَّ هَذَا الأمرُ فِي صَدْرِه يحُكُّ حَكَّاً وأَحَكَّ وحَنَكَتْهُ السنُّ تَحْنِكُه وتَحْنُكُه حَنْكَاً وحَنَكَاً وأَحْنَكتْه وحَكَمَ الرجلُ الدابةَ يَحْكُمُها وأَحْكَمها: إِذا جعل لَهَا حَكَمَةً وحَكَمْتُ الرجلَ وأَحْكَمتُه: مَنَعْتُه مِمَّا يُرِيد وحُصِرَ غائطُه حَصْرَاً وأُحْصِر: إِذا احتَبَس وَيُقَال للرجل مَنْ حَصَرَك هَهُنَا وأَحْصَركَ وَمِنْه اشتقاق الحَصور والحَصِرِ وَهُوَ الْبَخِيل المُمْسِك وحَرَّ النهارُ حَرَّاً وأحَرَّ وحاطَ الرجلُ بالشيءِ حَوْطَاً وأحاطَ بِهِ وحَرَثْتُ البَعيرَ أَحْرُثُه: إِذا هَزَلْتَه وَكَذَلِكَ حَرَثَ الرجلُ نَفْسَه وأَحْرَثَها: إِذا أذابَها من التعبِ وحَتَرَ الرجلُ الحَبْلَ حَتْرَاً وأَحْتَرهُ: إِذا شدَّ فَتْلَه وَكَذَلِكَ حَتَرَ العُقدَة وأَحْتَرَها: إِذا أَحْكَم فَتْلَها. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: حَتَرْتُ لَهُ شَيْئا بِغَيْر ألف: إِذا أعطَاهُ شَيْئا يَسِيرا فَإِذا أقَلَّ الرجلُ وأَحْتَرَ قَالَ بِالْألف وَحَكَل الأمرُ على الرجلِ يَحْكِل حَكْلاً وأَحْكَل: إِذا أَشْكَل وحَبَسَ الرجلُ فَرَسَه فِي
стр. 1755
سَبِيل الله يَحْبِسُه حَبْسَاً وأَحْبَسه وحَقَنَ الرجلُ بَوْلَه يَحْقِنُه حَقْنَاً وأَحْقَنهُ وحَرَمْتُ الرجلَ عَطاءَه أَحْرِمُه حَرِماً وحِرْماناً وأَحْرَمتُه وَأنْشد: وأُنَبِّئُها أَحْرَمتْ قَوْمَها لِتَنْكِحَ فِي مَعْشَرٍ آخَرينا وحَرَمَ وَأْحَرم: دخلَ فِي الحَرَم وحُشْتُ عَلَيْهِ الصَّيْدَ حَوْشَاً وأَحَشْتُ وأَحْوَشْتُ. أَبُو زيد: حَمَدْتُ الأرضَ حَمْدَاً وأَحْمَدتُها وحَطَبَتِ الأرضُ تَحْطِبُ وأَحْطَبَتْ من الحَطَب وحَذَوْتُ الرجلَ حَذْوَاً وأَحْذَيتُه: أَعْطَيتُه وحَكَأْتُ العُقدة أَحْكَأُها حَكْئَاً وأَحْكَأتُها وحَتَأْتُها وأَحْتَأْتُها: شَدَدْتُ عَقْدَها وحَتَأْتُ الثوبَ: فَتَلْتُ هُدْبه وكَفَفْتُه وحُزْتُ الشيءَ حَوْزَاً وحِيازةً وأَحْزَتُه وَحَنَط الزرعُ يَحْنُط حُنوطاً وأَحْنَط: بلغَ أَن يُحصَد وَكَذَلِكَ النَّبْت وحَمَضْت الإبلَ وأَحْمَضتُها: أَرْعَيتُها الحَمْضَ وأَحْمَضتُها لَا غير: صَيَّرْتُها تَأْكُل الحَمض وحَسَّ بالشيءِ يَحُسُّ حَسَّاً وأحَسَّ بِهِ: شعرَ وحَسَسْت خَيْرَاً من فلَان وأَحْسَسْتُ: أَي رَأَيْت وحَدَجْتُ البعيرَ والناقةَ أَحْدِجُها حَدْجَاً وحِداجاً: شَدَدْتُ عَلَيْهَا الحِدْج ووسَّقْتُها وحَلَبْتُ الرجلَ الشاةَ والناقةَ وأَحْلَبْتُه: جَعَلْتُها لَهُ حَلَبَاً وحَلأْتُه أَحْلأُه حَلْئَاً وأحلأْتُه: كَحْلَتُه وحُجْتُ إِلَيْك وأَحْوَجتُ: احتَجْت وأَحْوَجَهُ الله وحَذاني نَعْلاً وأَحْذَاني وَيُقَال خَفَقَ النَّجمُ يخفقُ ويَخْفِق خُفوقاً وأَخْفَق: غَابَ وخَفَقَ الفؤادُ والبَرقُ والسيفُ والرايَّةُ والرِّيحُ ونَحْوُهما وأَخْفَقَ: اضْطَرَب. قَالَ الشماخ: إِذا النُّجومُ تَوَّلَتْ بَعْدَ إخْفاق وخفَقَ الطائرُ بجناحَيْه يَخْفِق خُفوقاً وأَخْفَق: إِذا صفَّق بهما وخَفقَ برأسِه من النُّعاس وأَخْفَق: إِذا اضطَرَب، قَالَ الراجز: أَقْبَلْنَ يُخْفِقْنَ بأَذْنابٍ عُسُرْ إخْفاقَ طيْرٍ واقِفاتٍ لم تَطِرْ وَيُقَال خَضَعَ الرجلُ للْمَرْأَة يَخْضَع خُضوعاً وأَخْضَعَ لَهَا: إِذا أَلانَ كلامَه لَهَا وَقد خَضَعَه الكِبَرُ يَخْضَعُه خَضْعَاً وأَخْضَعَهُ: حَنَاه. وَقَالَ ابْن البسري: خَلَسَ رأسُ الرجل فَهُوَ خَليسٌ وأَخْلَس: إِذا اخْتَلَط البياضُ بِالسَّوَادِ وخَنِبَ الرجلُ وأَخْنَب: إِذا هَلَكَ كَذَا قَالَ إِبْرَاهِيم بن البسري وَيُقَال خَنَّبه وأَخْنَبَهُ: صَرَعَه وَلم يَحْكِ هَذَا غيرُه إِنَّمَا الْمَعْرُوف خَنِبَتْ رِجْلُه وأَخْنَبْتُها: إِذا وَهَنَتْ وأَوْهَنْتُها وخَمَّ اللحمُ يَخِمُّ خُموماً وأَخَمَّ: إِذا تغيَّرتْ رائحتُه وخَلَفَ فَمُ الصَّائِم يَخْلُف خُلوفاً وأَخْلَف: إِذا تغيَّر وخَلَفَ العَبدُ يَخْلُف خُلوفاً وخِلْفة وأَخْلَف وَخَلَفَ النَّبيذُ يَخْلُف وأَخْلَف: إِذا خالَف تَقْدِيرك فِيهِ وَيُقَال للَّذي ذهب لَهُ مالٌ خَلَفَ اللهُ عَلَيْك بخَيْر وأَخْلَف عَلَيْك وخَرِطَت الشاةُ تَخْرَط خَرَطَاً وأَخْرَطتْ: أَي تَحَدَّر لبنُها فِي ضَرْعِها. قَالَ أَبُو إِسْحَاق: وَقَالَ الْأَصْمَعِي: والخَرَط من اللَّبن: أَن تُصيبَ الضَّرْعَ عينٌ أَو تَرْبِضَ الشَّاة أَو تَبْرُك الناقةُ على نَدىً فَيَخْرُج اللَّبن مُتَعَقِّداً كَأَنَّهُ قِطَع الأوتار وَيخرج مَعَه ماءٌ أَصْفَر وخَدَجَت الناقةُ تَخْدِج خِداجاً وأَخْدَجتْ: أَي أَلْقَتْ وَلَدها لغير تِمام وخَدَرَ الأسدُ يَخْدِر خُدوراً وأَخْدَر: إِذا اسْتَتَر فِي خِيسِه وخَدَرَ بِالْمَكَانِ وأَخْدَر: إِذا أَقَامَ بِهِ وخفَر بِهِ وأَخْفَره: نَقَضَ عَهْدَه وخَنا فِي مَنْطِقِه وأَخْنَى: أَفْحَش وَيُقَال خَلا لكَ الشيءُ خَلاءً وأَخْلَى بِمَعْنى وَيُقَال خَلا لَهُ الموضعُ يَخْلُو خَلاءً وأَخْلَى: إِذا وَقَعَ فِي موضِع لَا يَزْحَمُه فِيهِ أحد. قَالَ أَبُو إِسْحَاق: خَلا الرجلُ على الشَّيْء وأَخْلَى عَلَيْهِ: إِذا لم يَخْلِط بِهِ غيرَه وخَلَدَ الرجلُ إِلَى الأرضِ يَخْلُد خُلوداً وأَخْلَدَ: أَي مالَ إِلَيْهَا ولَزِمَها ورجلٌ خالِدٌ ومُخْلِدٌ:
следующие страницы →