← Гариб и словари

Гариб и словари · id 3590

المخصص

ابن سيده

Полный текст (2 140 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

الكلامُ فِي قَبْلُ وبَعْدُ وَنَحْو ذَلِك. وَمِمَّا يحقَّر على غير بِنَاء مُكَبَّره المستعمَل فِي الكلامِ إنسانٌ تَقول فِيهِ أُنَيْسِيان وَفِي بَنون أُبَيْنون وَفِي لَيْلَة لُيَيْلية كَمَا قَالُوا ليالٍ وَقَوْلهمْ فِي رجل: رُوَيْجِل أما أُبَيْنون فقد تقدَّم الكلامُ فِيهِ قبل هَذَا الْبَاب وَأما أُنَيْسِيان فَكَأَن الأصلَ إنْسِيانٌ على فِعْلِيان وتصغيره أُنَيْسِيانٌ ولُيَيْلِيَة تَقْدِيره لَيْلَاةٌ والألفُ زائدةٌ فَإِذا جَمَعْت قلتَ لَيالٍ وَإِذا صغَّرت قلت لُيَيْلِيَة كَمَا تَقول فِي سِعْلاة سَعالٍ وُسَعْيلِيَة وَقَوْلهمْ فِي رجل رُوَيْجِل أَرَادوا راجِلاً لِأَنَّهُ يُقَال للرجل راجِلٌ وَإِن سمَّيْت رجلا أَو امْرَأَة بشيءٍ من ذَلِك ثمَّ صغَّرته جرى على القياسِ فَقلت فِي إنسانٍ أُنَيْسانٌ وَفِي لَيْلَة لُيَيْلة وَفِي رجل رُجَيْل. وَمن الشُّذوذ قولُهم فِي صِبْيَة أُصَيْبِيَة وَفِي غِلْمة أُغَيْلِمَة كَأَنَّهُمْ حقَّروا أَغْلِمة وأَصْبِيَة لِأَن غُلَاما فُعال مثل غُراب وصَبِيّ فَعيل مثل قَفيزٍ وبابهما فِي أدْنى العَددِ أَفْعِلَة كأغْرِبَة وأَقْفِزَة فرُدَّ فِي التصغير إِلَى البابِ وَمن الْعَرَب من يُجْريه على الْقيَاس فَيَقُول صُبَيَّة وغُلَيْمة، قَالَ الراجز: صُبَيَّةٌ على الدُّخانِ رُمْكا مَا إِن عَدَا أَصْغَرُهم أنْ زَكَّا زَكَّ يزِكُّ: إِذا قارَبَ الخَطْؤَ، وَقَالَ الْمبرد: إنّما هُوَ مَا إِن عَدا أَكْبَرُهم أَن زَكَّا كأنّ الْمَعْنى يُوجب ذَلِك لِأَنَّهُ أَرَادَ تصْغيرهم فَإِذا كَانَ أكبرُهم بلَغ إِلَى الزَّكيك من المَشْي فَمَنْ دُونهُ لَا يقدِر على ذَلِك. (بابُ شَواذِّ الجمْع) من ذَلِك قولُهم عَرَوضُ وأعاريضُ وحَديثٌ وأحاديثُ وقَطيع وأَقاطيعُ وباطِلٌ وأباطيلُ ومَديح وأَماديحُ ووادٍ وأوادِيَةُ على ذَلِك جَمَعَه الشَّاعِر فَقَالَ: وأَقْطَعُ الأبْحُرَ والأوادِيَهْ جمع وادِياً على أودِيَةٍ ثمَّ جمع أَوديَة على أوادٍ كأسقِيَة وأساقٍ وألْحَق الهاءَ فِي أفاعِلَ عِند أبي الْعَبَّاس أَحْمد بن يحيى للوَقْف وَعند أبي عليٍّ على حدِّ إلحاقها فِي أَفْعِلَة. وَمن شَاذ الجمعِ عِندَ بعض اللغويين سِوار وسُوار وأساوِر وَهُوَ عِنْد حُذَّاق النَّحْوِيين سِيبَوَيْهٍ فَمَنْ دونَه جمعُ جمعٍ كأسقِيَة وأساقٍ يُقَال سِوار وأَسْوِرَة ثمَّ يكَسَّر على أساوِر وَقد أَوَضْحت هَذَا وَأَبْنته وَلم يحكِ أحدٌ أَن بعض اللغويين قَالَ إِنَّه من شَاذ الجمعِ غير أبي عَليّ فَإِنَّهُ حَكَاهُ وردَّه. وَمن الشاذِّ تكسيرُهم فَعْلاً على فُعُل وَذَلِكَ قَوْلهم سَحْلٌ وسُحُل، قَالَ الشَّاعِر: كالسُّحُل البِيضِ جَلا لَوْنَها سَحُّ نِجاءِ الحَمَلِ الأَسْوَلِ وَقَالُوا سَقْفٌ وسُقُف ورَهْنٌ ورُهُنٌ وَفِي التَّنْزِيل: (فرُهُنٌ مَقْبوضَةٌ) . قَالَ أَبُو عَليّ: فَإِن قَالَ قَائِل فهلَاّ أَجَزْت أَن يكون رَهْن كُسِّر على رِهان ثمَّ كُسِّر رِهانٌ على رُهُن قيل لَهُ لَيْسَ كلُّ جمعٍ يُجمع كَمَا أنَّه لَيْسَ

стр. 1682

كلُّ مصدَر يجمع أَلا ترى أَنَّك لَا تجمع العِلْم وَلَا الفكْر وَلَا النَّظَر. وَمن الشاذِّ قولُهم دُخانٌ ودَواخِنُ وعُثانٌ وعَواثِن، أنْشد سِيبَوَيْهٍ: كأنَّ الغُبارَ الَّذِي غادَرَتْ ضُحَيَّاً دَواخِنُ من تَنْضُبِ وَمن الشاذِّ قولُهم كَرَوَانٌ وَإِنَّمَا حقُّه كَراوين كَمَا أنْشد بعضُ البغداديين فِي صِفَةِ صَقْر: حَتْف الحُبارِيَّاتِ والكَراوِينْ قَالَ أَبُو عَليّ: حقيقتُه أَنهم ردُّوا كَرواناً إِلَى كراً ثمَّ كسَّروا كَرا على كِرْوانٍ كَمَا قَالُوا أَخٌ وإخْوانٌ وَنَظِير قَوْلهم كَرَوَانٌ وكِرْوانٌ فِي الشذوذ قَوْلهم وَرشانٌ ووِرْشانٌ وَلم يحْكِه سِيبَوَيْهٍ إِلَّا على الْقيَاس قَالُوا وَراشين. وَمن الشاذِّ قولُهم أهْلٌ وأَهالٍ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: ومثلُ أَراهِطٍ قولُهم أَهْلٌ وأَهال ولَيْلَة وَلَيَالٍ يَعْنِي أنَّ لَيالٍ لَيْسَ بجمعِ لَيْلَة على لفظِها وَلَا أَهالٍ جمع أَهْل وَإِنَّمَا هُوَ على تَقْدِير لَيْلاةٍ وأَهْلاةٍ وَإِن لم يستَعْمل وَقَالُوا لُيَيْليَة فجاءتْ على لَيْلَاةٍ فِي التصغير كَمَا جَاءَت عَلَيْهِ فِي التكسير. وَمن الشاذِّ قولُهم أرضٌ وآراضٌ أفْعالٌ كَمَا قَالُوا أهْلٌ وآهالٌ حَكَاهَا سِيبَوَيْهٍ عَن أبي الخطَّاب، وَهَذَا نَص مَوْضُوع نَقَلَه كَمَا وَضَعْناه وَالَّذِي عِند أبي سعيد وَأبي عَليّ وَابْن السرِيِّ أنَّ هَذَا غلط وَقَعَ فِي كتاب سِيبَوَيْهٍ من جِهَتَيْنِ إِحْدَاهمَا أَن سِيبَوَيْهٍ ذكر فِيمَا تقدَّم أَنهم لم يَقُولُوا آراضٌ وَلَا آرُضٌ والأُخرى أَن هَذَا البابَ إِنَّمَا ذُكر فِيهِ مَا جَاءَ جمعُه على غيرِ واحدِه وَنحن إِذا قُلنا أرضٌ وآراضٌ وأهْل وآهالٌ فَهُوَ على الْوَاحِد كَمَا يُقَال زَنْدٌ وأَزْنَادٌ وفَرْخٌ وأَفْرَاخٌ وَإِن كَانَ الْأَكْثَر فِيهِ أفْعُلاً وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ مثل هَذَا فِيمَا تقدَّم من الجموع قبْل هَذَا الْبَاب من كِتَابه، قَالَ أَبُو سعيد السيرافي: وأظنُّه أرضٌ وأراضٍ كَمَا قَالُوا أهْلٌ وأَهالٍ فَيكون مثلَ لَيْلَة ولَيالٍ فيشاكِلُ البابَ. وَمن الشاذِّ قولُهم مكانٌ وأَمْكُنٌ حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ وَيكون التَّقْدِير أَنه جمع مَكْن بِحَذْف الألفِ من مَكَان لأنَّا لم نرَ فَعيلاً وَلَا فَعَالاً وَلَا فِعالاً وَلَا فُعالاً يُكسَّرْن مذكَّراتِ على أفْعُلٍ. وَمن الشاذِّ قولُهم شاةٌ رُبَّى وَغَنَم رُباب وظِئْرٌ وظُؤار وفَرير وفُرّار وثِنْيٌ وثُناء ورِخْل ورُخال وَإِنَّمَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ: كَأَنَّهُمْ كسَّروا عَلَيْهِ لِأَن الْبَاب عِنْده فِي فُعال أَن يكون جمع فِعْل لِأَن أكثرَه جَمْع فِعْل وَذَلِكَ ظِئْر وظُؤار ورِخْل ورُخال وثِنْيْ وثُناء وَهَذَا نَظِير مَا حَكَاهُ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي فِي قراءَة من قَرَأَ إنَّا بُراءٌ مِنكمْ: قَالَ هُوَ جمعُ بَريءٍ وَهُوَ فِي الوصْف مثلُ فَرير فِي الاسمِ حِين كُسِّر على فُرار. وَمن الشاذِّ قولُهم حِمار وحَمير وَمثله أصحابٌ وأطْيارٌ وفلُوٌّ وأفْلاء، قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو سعيد: جعل سِيبَوَيْهٍ مَا كَانَ من جَمْع الثُّلاثيِّ مِمَّا ذُكر إِذْ جَاءَ جمعا لما كَانَ على أربعةِ أحرف فَهُوَ يُحذَف حرفٌ مِنْهُ فِي التَّقْدِير وَلَيْسَ ذَلِك بمطَّرِد كَأَنَّهُمْ قدَّروا حِماراً على حَمْر وجمعوه على حَمير كَمَا قَالُوا كَلْبٌ وكَليب وعَبْد وعَبيد وَجعلُوا صاحِباً وطائراً على صَحْب وطَيْر وجمعوه على أَصْحَاب وأطْيار كَمَا قَالُوا بَيْت وأبياتٌ وَجعلُوا فلُوُّاً على فَعْل أَو فَعُل وجمعوه على أفْعال كَمَا قَالُوا عَجُز وأعْجاز. وَمن الشاذِّ قولُهم حُرَّة وحَرائرُ وحِقَّة وحِقاق وحاجَة وحِوَج وهَضْبَة وهِضَب وبَدْرة وبِدَر وبَضْعة وبِضَع فَأَما قَول الشاعرِ:

стр. 1683

يَجِئْنَ من أَفِجَّةٍ مَناهِجِ فقد يكونُ من شاذِّ الجمْع وَهَذَا من العيْب أَن يكونَ فَعْل يكسَّر على أفْعِلَة وَيجوز أَن يكونَ فَجٌّ كُسِّر على فِجاج ثمَّ كُسِّر فِجاج على أَفِجَّةٍ فَيكون من بابِ جمْع الجمْعِ فأمَّا أُمَّهات فقد قَالَ أَبُو عَليّ إِنَّه جمعُ أُمٍّ على الشذوذ، وَقَالَ مرّة: رُدَّت إِلَى الأَصْل لأَنهم يَقُولُونَ أُمٌّ وأُمَّهة. وَمن الشاذِّ قَوْلهم ضَرَّة وضَرائِرُ جمعُ ضَريرة وَقَالُوا مَعِدَة ومِعَد وَهُوَ عِند أهل اللُّغة فِيمَا شذَّ. قَالَ أَبُو عَليّ: وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِك مَعِدٌ جمع مَعِدَةٌ كلِبَن جمع لَبِنة ونَبِقٍ جمع نَبِقَةٍ ومِعَدٌ جمعُ مِعْدة كفِقَر جمع فَقْرَة وكِسَر جمع كِسْرَةٍ وَنَظِيره قَول أهلِ اللُّغَة إِن نِقَماً جمع نَقِمةٍ وَالْقَوْل فِيهِ كالقول فِي المَعِدة وَقَوْلهمْ فِي سَفِلةٍ وسِفَل وَالْقَوْل فِي هَذَا كلِّه سواءٌ من أَن التكسير بَعْدَ التَّخْفِيف وإلقاءِ الحركةِ على الفاءِ وإزالةِ الحركةِ الَّتِي كانتْ عَلَيْهَا. وَمن الشاذِّ قَوْله: وأَصْبَحَتِ النِّساءُ مُسَلِّباتٍ لَهَا الوَيْلاتُ يَمْدُدْنَ الثُّدِينا وَهُوَ كالغَلَط شُبِّه الثُّدِيُّ بالقُنِيِّ. وَمن الشاذِّ بُرْد وأَبْرُد، وَامْرَأَة نَسْءٌ ونِساءٌ نُسْء، وسَهْم حَشْر وسِهامٌ حُشْرٌ. وَمن الشاذِّ قولُهم قَديم وقُدامى وتَقيٌّ وتُقَواءُ وَالْمَعْرُوف أَتْقِياءُ، وَقَالُوا أَتِيٌّ وأُتِيٌّ، وسَدوسٌ وسُدوس، فَأَما حِجارة وجِمالة فعدَّها أهلُ اللُّغَة فِي الشاذِّ وَمن لَطَّف النّظر أَدْنَى تلطيفٍ لم يَذْهَب ذَلِك عَلَيْهِ. وأذكرُ من جمْع الجمْع شَيْئا لقُرْبه فِي القِلَّة من هَذَا الْبَاب أما أبنية أدنى الْعدَد فكُسِّر مِنْهَا أَفْعِلَة وأَفْعُل على أَفاعلَ أَفْعُل بِزِنَةِ أَفْعَلٍ، وأفْعِلَةٌ بزِنة إفْعَلة، كَمَا أَن أَفعالا بزِنة إفعالٍ وَذَلِكَ نَحْو أَيْدٍ وأيادٍ وأوْطُب وأَواطِبَ وَقَالَ الراجز: تُحْلَبُ مِنْهَا سِتَّةُ الأَواطِبِ وأَسْقِيَةٌ وأَساقٍ: قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو سعيد: اعْلَم أَن جمع الْجمع لَيْسَ بقياسٍ مطَّرد وَإِنَّمَا يُقَال فِيمَا قَالُوهُ وَلَا يُتجاوَز، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو عمر الجَرْمي وَلَو قُلْنَا فِي أَفْلُسٍ أفالِسُ وَفِي أدْلٍ أدالٍ لم يَجُز. وَمَا كَانَ على أفعالٍ كُسِّر على أفاعيلَ لِأَن أفعالاً بِمَنْزِلَة إفعالٍ وَذَلِكَ نَحْو أنعامٍ وأناعيمَ وأقوالٍ وأقاويلَ، وَقد جمعُوا أَفعِلَةً بِالتَّاءِ كَمَا كسَّروها على أَفاعِلَ شبَّهوها بأَنملة وأنامل وأنْمُلاتٍ وَذَلِكَ قَوْلهم أَعطِياتٌ وأَسقِيات أَعنِي أَنهم لما استجازوا جمعَه على التكسير استجازوه على السّلامة بِالْألف وَالتَّاء وَقَالُوا جِمالٌ وجمائلُ فكسّروها على فَعائلَ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة شِمال وشَمائل فِي الزِّنة كَأَنَّهُمْ جعلُوا جِمالا وَاحِدًا بِمَنْزِلَة شِمال الَّتِي هِيَ وَاحِد قَالَ ذُو الرِّمَّة: وقَرَّبْنَ بالزُّرْقِ الجَمائلَ بَعْدَمَا تَقوَّبَ عَن غِرْبانِ أوراكها الخَطْر وَقَالُوا جِمالاتٌ ورجالاتٌ وكِلابات وبيوتات لِأَنَّهَا جُموع مكسَّرة مُؤَنّثَة فجمعوها بِالْألف وَالتَّاء كَمَا يُجمع الْمُؤَنَّث وَمثل ذَلِك الحُمُرات والطُّرُقات والجُزُرات لجمع الحُمُر والطُّرُقِ والجُزُر وَقد قَالُوا مَواليات

стр. 1684

حَكَاهَا الْفراء وَأنْشد أَبُو عَليّ: فهُنَّ يَعْلُكْنَ حَدائداتِها وَأنْشد: وَإِذا الرجالُ رأَوا يزيدَ رأيتَهم خُضُعَ الرِّقابِ نَوَاكِسي الأبصارِ وَأنْشد: جَذْبَ الصَّرارِيّينَ بالكُرورِ إِنَّمَا هُوَ ناكِسٌ ونواكِسُ ثمَّ جمع نواكِسَ جَمع السَّلامة كَمَا جمع بُيُوتًا وطُرُقا وجُزُرا جمع السَّلامَة حِين قَالُوا بيوتات وطرقات وجُزُرات وجِمالات وَكَذَلِكَ قَوْله جَذْبَ الصَّرارِيين إِنَّمَا كسَّر صارِياً على صُرَّاءٍ كَمَا يكَسَّر فاعِلٌ من السَّالِم نَحْو ضَارب وضُرَّاب ثمَّ جمعه على فَعالِلَ فَقَالَ صَرارِيُّ ثمَّ جمعه بِالْوَاو وَالنُّون فَهَذَا جمعٌ مسَلَّم بعد جمعٍ مُكَسَّر. قَالَ أَبُو عَليّ: وَمن هُنَا استجازوا قِرَاءَة من قَرَأَ قواريراً وسلاسِلاً يُصْرَف من حَيْثُ ضارع الْوَاحِد فِي أَنه يجْمَع كَمَا يجمع الْوَاحِد. قَالَ: فَقَالَ أَبُو الْحسن هِيَ لُغَة الشُّعراء، ونَظير جَذْبَ الصّراريين قَوْله: فهُنَّ يَعْلُكْنَ حَدائداتِها، وَحكي عَن أبي الْحسن أَنه يُقَال فِي النِّسَاء هنَّ صواحِباتُ يوسفَ وَأنْشد أَبُو سعيد السيرافي: تَرمي الفِجاجَ والفَيافِيَّ القُصا بأَعْيُناتٍ لم يُخالِطْها قَذَى جمَع عيْناً على أَعْيُنٍ ثمَّ جمع بِالْألف وَالتَّاء كَمَا قَالُوا بيوتات. وَقد ظَنَّتْ جَهَلة أهل اللُّغَة أَن العُمومة والخُؤولة والبُعولة والذُّكورة والذِّكارة وَالْحِجَارَة والفِحالة جَمعُ جَمْعٍ وَهَذَا غلط إِنَّمَا القوا الْهَاء للْمُبَالَغَة بالتأنيث. وَمن جَمْع الْجمع قَوْلهم مُصْرانٌ ومَصارينُ كأبياتٍ وأَباييتَ جعلُوا الْألف فِي مصرانٍ كالألف فِي أبياتٍ وقلبوها فِي الْجمع كَمَا قلبتْ فِي كِرْباس إِذا قلت كَرابيسُ، وَقَالُوا حُشٌّ وحِشّانٌ وحَشاشينُ وَقَالُوا عائذٌ وعُوذٌ وعُوذات وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ: لَها بحَقيلٍ فالنُّمَيْرَةِ مَنْزِلٌ تَرى الوَحْشَ عُوذاتٍ بِهِ ومَتالِيا العُوذ: الحَديثات النِّتاج، والمتالي: الَّتِي تتبعها أولادُها، وَقَالُوا دُوْرٌ ودُوراتٌ وَقَالُوا أَيْنُقٌ وأَيانِقُ وَأنْشد أَبُو عَليّ لقد تَعَلَّلْتُ على أَيانِقِ صُهْبٍ قليلاتِ القُرادِ الّلازِقِ وَقَالُوا أَصيلٌ وأُصُلٌ ثمَّ كسَّروا أُصُلاً على آصالٍ وَقد أبَنت الِاخْتِلَاف فِي هَذِه الْكَلِمَة فِي بَاب صفة النَّهَار وأسمائه. قَالَ أَبُو سعيد السيرافي: وَأما قَول الراجز: تَرْعى أَناضٍ من جَزيزِ الحَمْضِ فَإِنَّهُ يُروى بالصَّاد وَالضَّاد، وَجمع الأنصاء: أناصٍ فَمن قَالَ أناضٍ جمع النِّضْوَ أنضاءً ثمَّ جمَع الأنضاء عِلّة أُناضٍ وَيكون النِّضوُ مَا قد رُعِيَ وَبقيت مِنْهُ بَقِيَّة كالنِّضو من الْإِبِل الَّذِي يُنْضيه السَّفر ويَهْزِلُه، وَمن قَالَ أَناص جعله جمعَ نَصِيٍّ، والنَّصِيُّ: الرَطْب من الحَلِيّ وَهُوَ نبتٌ تَأْكُله الْإِبِل، وجمَع النَّصِيَّ على أَنصاءٍ ثمَّ جمع أَنصاءً على أَناصٍ وَهَذَا ضعيفٌ لِأَنَّهُ قَالَ من جزيز الحَمْضِ والنَّصيُّ لَيْسَ من الحَمض، فَأَما قَوْلهم أَباعِرُ فقد ذكر أَبُو

стр. 1685

عَليّ أَنه من بَاب حديثٍ وَأَحَادِيث فِي الشَّذوذ. ثمَّ قَالَ مرَّة: هُوَ من بَاب أَيادٍ وأَساقٍ كَأَنَّهُ بعير وأَبْعِرَة وَهَذَا قولٌ حسن، فَأَما أكارعُ فقد قيل إِنَّه جمْع أَكْرُع، وَحكى سِيبَوَيْهٍ: أَنه جمع كُراع فَهُوَ إِذا من بَاب حَدِيث وأحاديثَ وَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب، وَقد جعل أَبُو عبيد فِي كتاب الْأَمْثَال قولَهم أَجْناؤُها أَبناؤُها من شاذِّ الجَمع. قَالَ هُوَ جمع جانٍ وبانٍ. (بَاب مَا يُجْمَع من المذَكَّر بِالتَّاءِ لِأَنَّهُ يصير إِلَى التَّأْنِيث إِذا جُمِع) فَمِنْهُ شيءٌ لم يُكَسَّر على بِنَاء من أبنية الْجمع فجُمِعَ بِالتَّاءِ إِذْ مُنِعَ ذَلِك. وَذَلِكَ قَوْلك سُرادِقٌ وسُرادِقات وحَمّامٌ وحَمّامات وإيوانٌ وإيَواناتٌ، وَمِنْه قَوْلهم جَمَلٌ سِجْلٌ وجِمالٌ سِجْلاتٌ ورِبَحلاتٌ وجمالٌ سِبَطْراتٌ وَقَالُوا جَوالِقٌ وَلم يَقُولُوا جُوالِقات وَقَالُوا عَيَراتٌ حِين لم يكسِّروها على بناءٍ يكسَّر عَلَيْهِ مثلُها، فَأَما جُوالِقٌ فَلم يجمع بِالْألف وَالتَّاء حِين قَالُوا جَواليقُ والمؤنث الَّذِي لَا عَلامَة فِيهِ يجْرِي هَذَا المجرى كَقَوْلِهِم فِرْسِنٌ وفَراسِنُ، وَلَو يَقُولُوا فِرْسِناتٌ حِين قَالُوا فَراسِنُ، وَكَذَلِكَ خِنْصِر وخَناصِرُ، وَقَالُوا سِجِلٌّ وسِجِلاّت. قَالَ أَبُو عَليّ: إِنَّمَا يجمَع بِالْألف وَالتَّاء مَا لم يُكسَّر ليَكُون ذَلِك كالعِوَض من التَّكسير فأمّا مَا كُسِّر فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى جمعه بِالْألف وَالتَّاء، وَقَالُوا أَهْل وأَهَلاتٌ وَإِن كَانُوا قد قَالُوا أَهالٍ لأَنهم قد توهَّموا بِهِ أهْلَةً وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ: فهُمْ أَهَلاتٌ حَوْلَ قَيْسِ بن عاصِمٍ إِذا أدلَجوا بالَّليل يَدعونَ كَوْثَرا وَهَذَا قطع أبي عَليّ فَأَما قَول غَيره فَقَالَ قد يُكسَّر الشيءُ وَيجمع بِالْألف وَالتَّاء كَقَوْلِهِم بُوانٌ وبُواناتٌ وشِمالٌ وشِمالاتٌ وَكَأن هَذَا أسبقُ. هَذَا بَاب مَا هُوَ اسمٌ يَقع على الْجَمِيع لم يُكَسَّر عَلَيْهِ واحدُه ولكنَّه بِمَنْزِلَة قومٍ ونَفَر وذَوْد إلاّ أَن لَفظه من لفظ واحِده وَذَلِكَ قولُك رَكْب وسَفْر فالرَكْب لم يكسَّر عَلَيْهِ راكِبٌ أَلا تَرى أنَّك تَقول فِي التحقير رُكَيْب وسُفَيْر. وَاعْلَم أَن هَذَا الْبَاب إِنَّمَا فِيهِ الْجمع الَّذِي هُوَ من لفظ الْوَاحِد وَلَيْسَ بِجمع مكسَّر وَإِنَّمَا هُوَ اسمٌ للْجمع كَمَا أَن قوما وَنَفَرًا وذَوْداً أسماءٌ للْجمع وَلَيْسَت من لفظ الْوَاحِد هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ، وَقَالَ الْأَخْفَش ركْبٌ وسَفْرٌ وَجَمِيع مَا يجمع من فَاعل على فَعْل كَقَوْلِهِم صاحِبْ وصَحْب وشارب وشَرْب جَمعٌ مُكسَّرٌ فَإِذا صُغِّر على مَذْهَب الْأَخْفَش رُدَّ إِلَى الْوَاحِد فصُغِّر لفظُه ثمَّ تلحقُه الْوَاو وَالنُّون إِذا كَانَ لمذكَّر مَا يعقل، وَإِن كَانَ للمؤنث أَو لما لَا يعقل جمع بِالْألف وَالتَّاء فَتَقول فِي تَصْغِير ركبٍ رُوَيْكِبون وَفِي سَفْر مُسَيْفُرون لِأَنَّهُ يردُّه إِلَى مُسافِر فيُصغِّره ويَجمعه، وَتقول فِي تَصْغِير زَوْر إِذا كَانَ جمع زائر مذَكَّر زُوَيْئِرونَ وَإِن كَانَ للنِّسَاء زُوَيْئِراتٌ وَفِي طيْر وَهِي جمع طَائِر على مَذْهَب الْأَخْفَش طُوَيْئِرات. وَقَالَ الزّجاج: محتجّاً لسيبويه فِي أَن فَعْلا لَيْسَ بِجمع مكسَّر وَإِنَّمَا هُوَ اسمٌ للْجمع وَاسم الْجمع يجْرِي مجْرى الْوَاحِد وَلَا يستمرُّ قِيَاس هَذَا فِي الجموع كلّها، لَا يُقَال جالسٌ وجَلْس وَلَا كاتبٌ وكَتْب. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم الْخَلِيل أَن مثل ذَلِك الكَمْأَة وَكَذَلِكَ الجَبْأَة: وَهِي ضَرْبٌ من الكَمأَة وَلم يكسَّر عَلَيْهِ كَمْءٌ تَقول كُمَيْئة يُرِيد أَن الكَمأة جَمعٌ للكمْءِ لَا

стр. 1686

على سَبِيل التكسير وتصغيره كُمَيْئة وَلَو كَانَ مكسَّراً لوجَب أَن يُقَال كُمَيْئآت وَهَذَا مِمَّا يذكر من نَادِر الْجمع لِأَن الْهَاء تكون فِي الْوَاحِد كتَمرة للْوَاحِد وتَمْر للْجمع وبُسْرَة وبُسْر وَهَذَا كَمْء للْوَاحِد وكَمْأَة للْجمع وَقَالَ الشَّاعِر فَجمع كَمأ على أَكْمُؤ كَمَا قيل كَلْبٌ وأكْلُب وَلَقَد جَنَيْتك أَكْمُؤا وعَساقِلاً وَلَقَد نَهَيْتك عَن بَناتِ الأَوْبَرِ وَمن هَذِه الجموع الَّتِي لَيست بمكسَّرة صاحبٌ وصُحْبة وظِئرٌ وظُؤْرَةٌ وَمثل ذَلِك أديمٌ وأَدَمٌ وأَفيقٌ وأَفَقٌ، والأفيق: الْجلد الَّذِي فِي الدِّباغ، وعَمود وعَمَد واستدلَّ سِيبَوَيْهٍ على أَن ذَلِك لَيْسَ بِجمع مكسَّر أَن الْجمع المكسَّر مؤنّث وَهَذَا مذكَّر تَقول هَذَا أدمٌ وَهَذَا أَديمٌ فِي التصغير وَمثل ذَلِك حَلْقَة وحَلَق وفَلْكَة وفَلَك فَلَو كَانَت كُسِّرت على حلَقٍ كَمَا كُسِّرت ظُلمة على ظُلَم لم يُذَكِّروه فَلَيْسَ فَعَلَ مِمَّا يُكَسَّر عَلَيْهِ فَعْلَةٌ. قَالَ: وَمثل ذَلِك فِيمَا حدّثني بِهِ أَبُو الخطّاب نَشْفَة، ونَشَفٌ: وَهُوَ الْحجر الَّذِي يُتَدلَّك بِهِ، وَمثل ذَلِك الجامل والباقر لم يكسَّر عَلَيْهِمَا جَمَل وَلَا بقرة وَالدَّلِيل عَلَيْهِ التَّذْكِير والتحقير وَأَن فَاعِلا لَا يُكَسَّر عَلَيْهِ شيءٌ أَعنِي فِي قَوْلهم هُوَ العمَد وَهُوَ الجاملُ والباقِرُ وَهَذَا أُدَيْم وَلم يَقُولُوا أُدَيِّمات وَلَا أُدَيِّمة. قَالَ: وَمثل ذَلِك فِي الْكَلَام أَخٌ وإخوةٌ وسَرِيٌّ وسَراة ويدلّك على هَذَا قَوْلهم سَرَوات فَلَو كَانَت بِمَنْزِلَة فَسَقَة أَو قُضاة لم تجمع وَمَعَ هَذَا إِن نَظِير فسقة من بَنَات الْوَاو وَالْيَاء يَجِيء مضموماً. قَالَ أَبُو سعيد: أما أخٌ وإخوةٌ فَهَكَذَا رَأَيْته فِي جَمِيع نسخ كتاب سِيبَوَيْهٍ وَغَيرهَا وَهُوَ عِنْدِي غلط لِأَن إخْوَة فِعْلَة وفِعْلَة من الجموع المُكسَّرة القليلة كأفعُل وأفعِلَة وأَفعال كَمَا قَالُوا فَتى وفِتْيَة وصَبيٌّ وصِبية وغُلامٌ وغِلْمَة وَالصَّوَاب أَن يكون مَكَان إخْوَة أُخوةٌ حَتَّى يكون بِمَنْزِلَة صُحبة وفُرْهَة وظُؤْرَة، وَقد حكى الْفراء فِي جمع أخٍ إخْوَة وأُخوة، وَأما سَراة فاستدلَّ سِيبَوَيْهٍ أَنه اسْم للْجمع وَلَيْسَ بمكسَّر بشيئين أَحدهمَا انهم يَقُولُونَ سَرَوات فِي جمعه وَلَا يَقُولُونَ فِي فَسَقة فَسَقات وَالثَّانِي أَنه لَو كَانَ جمعا مكَسَّراً لَكَانَ حَقه أَن يَقُولُوا سراة لِأَن لامه معتلَّة وَيُقَال فِيمَا كَانَ معتلّ اللَّام فِي مكسَّره فُعَلَة كَقَوْلِهِم غُزاة ورُماة وَفِيمَا كَانَ غير معتلٍّ فَعَلة كَقَوْلِهِم كَتَبةٌ وفَسَقة. وَمن الْبَاب فارهٌ وفُرهة وغائبٌ وغَيْبٌ وخادمٌ وخَدَم وإهابٌ وأَهَبٌ وماعِزٌ ومَعَزٌ وضائنٌ وضَأَن ويُقال معْز وضَأْن بتسكين الثَّانِي، وَمِنْه أَيْضا فَعيل كَقَوْلِهِم عازِبٌ وعَزيبٌ وغازٍ وغَزِيٌّ وقاطنٌ وقَطينٌ، قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: سَرَيْتُ بهم حتَّى يَكِلَّ غَزِيُّهمْ وحتَّى الجِيادُ مَا يُقَدْنَ بأرْسانِ فَقَالَ أَبُو عَليّ: وَمن هَذَا الْبَاب رائِحٌ ورَوَح يحكيه عَن أبي زيد، قَالَ: وَمن قَالَ فلانٌ من القَعَد وَالدَّلِيل على صِحَة قَول سِيبَوَيْهٍ من أَنَّهَا اسمٌ للْجمع وَلَيْسَ بتكسيرِه مَا أنْشدهُ أَبُو زيد: بَنَيْتُه بعُصْبةٍ من مالِيا أَخْشَى رُكَيْباً ورُجَيْلاً عادِيا وَأنْشد أَيْضا: وأيْنَ رُكَيْبٌ واضِعونَ رِحالَهُمْ إِلَى أَهْلِ بَيْتٍ من مَقامةِ أَهْوَدا ويدلُّ على ذَلِك أَيْضا أَنهم نسَبوا إِلَيْهِ على لفظِه فَلَو كَانَ تكْسيراً لَرَدُّه إِلَى واحدِه، قَالَ الشَّاعِر: فكأنِّي ممَّا أُزَيِّنُ مِنْهَا قعَدِيٌّ يُزَيِّن التحكيما وأذكر شَيْئا من الجُموع الَّتِي لم يأتِ لهاواحجٌ فَمن ذَلِك قَوْلهم المَحاسِن لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، وَكَذَلِكَ مَذاكير ومَطايِب الجَزور وسَدَدْت مَفاقِرهُ وَجَاءَت الخيلُ عباديدَ وعَبابيدَ وشماطيطَ وَلذَلِك إِذا نسب سِيبَوَيْهٍ إِلَى

стр. 1687

شيءٍ من هَذَا النَّحْو نسب إِلَى لفظ الجمْع وَأنْشد ابْن السّكيت: ويَرْكُلْنَ عَن أقرابِهِنَّ بأرجُلٍ وأذنابِ زُعْرِ الهُلَّبِ زُرْقِ المَقامِعِ والمقامع: نوعٌ من الذُّباب واحدته قَمَعة وَلم يَقُولُوا مَقْمَعة. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا المَشابِه والمَلامِح وَلم يَقُولُوا مَشْبَهة وَلَا مَلْمَحة وَحكى ابْن السّكيت إِنَّه لَطَيِّبُ السُّعوف: أَي الضَّرائب وَلَا واحدَ لَهَا. (كتاب الْأَفْعَال والمصادر) (بَاب بناءِ الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ أعمالٌ وذكْرِ أبنِيَة المَصادر واختلافها وَمَا يتعلَّق بِالْفِعْلِ من أَبْنِيَة الفاعِلِين والمفعولِين وغيرِ ذَلِك من أَسمَاء الْأَزْمِنَة والأمكنة مِمَّا سنُبيِّنُه .) وَنحن نقدِّم جملَة تُسَهِّل حِفْظ ذَلِك وَنْبَدأُ بِأَصْل يُرجَع إِلَيْهِ فِي تقييدِ مُعظَم ذَلِك وأكثرُ مَا فِي هَذَا يجْري مَجْرَى اللغةِ الَّتِي يُحتاجُ إِلَى حِفْظها. اعْلَم أَن الْأَفْعَال على ضَرْبَين أحدُهما ثُلاثِيٌّ وَهُوَ الْعدَد الأعدلُ فِي الأفعالِ والأسماءِ والآخرُ زَاد على الثُّلاثِيِّ فَأَما الثُّلاثيُّ الأولُ البسيطُ الَّذِي لم تَلْحَقه زيادةٌ فَلهُ ثلاثةُ أبنيةٍ: فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ، فَفَعَل نَحْو ضَرَبَ وقَتَلَ وَجَلَس وَقَعَد وَيكون فِيهِ المتعدِّي وغيرُ المتعدِّي نَحْو ضَرَبَ زيدٌ عمروا، وَغير المتعدِّ قولُك جَلَسَ زيدٌ وذَهَبَ عمروٌ وَأما فَعِلَ فنحو عَلِمَ وجَهِلَ وشَرِبَ وفَزِعَ وهَلِعَ وجَزِعَ وَيكون فِيهَا المتعدِّي وَغير المتعدِّي فالمتعدي قولُك عَلِمَ زيدٌ الأمرَ وشَرِبَ عمروٌ الماءَ وَغير الْمُتَعَدِّي قَوْلك فَزِعَ زيدٌ وجَزِعَ عبد الله وأمَّا فَعُل فنحو كَرُم وظَرُف وَلَا يكون متعدِّياً البتَّةَ لَا يَجِيء مِنْهُ كَرُم زيدٌ عمروا فِي الصَّحِيح فَأَما المعتلُّ فِي هَذَا الْبناء فِي حَيِّزِ الْأَفْعَال فَلَيْسَ من غَرَض هَذَا الكتابِ ولكنَّه رُبمَا عنَّ فعلَّلناه، فَأَما فَعَلَ فمستقبِلُه يجيءُ على يَفْعِل ويَفْعُل ويَكْثُران فِيهِ حَتَّى قَالَ بعضُ النَّحْوِيين إِنَّه لَيْسَ أحدُهما أوْلى بِهِ من الآخرِ وَإنَّهُ ربَّما يكثُر أحدُهما فِي إِعَادَة ألفاظِ الناسِ حَتَّى يُطَّرَح الآخرُ ويَقْبُح استعمالُه. قَالَ أَبُو عَليّ: هَذَا المثالانِ يَعْنِي يَفْعِل ويَفْعُل جارِيان على السَّواءِ فِي الغَلَبَة والكَثْرة. قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن يَفْعِل أغلَبُ عَلَيْهِ من يَفْعُل، قَالَ أَبُو عَليّ: وَذَلِكَ ظنٌّ إنَّما توهَّمَ ذَلِك من أجلِ الخِفَّة فحكمَ أنَّ يفعِلُ أكثرُ من يَفْعُل وَلَا سبيلَ إِلَى حَصْرِ ذَلِك فيُعلَم أيُّهما أكثرُ وأغلبُ غَيْرَ أنّا كُلَّما استقْرينا بابّ فَعَلَ الَّذِي يَعْتَقِبُ عَلَيْهِ المثالانِ يفْعِل ويَفْعُل وَجَدْنا الكسْرَ فِيهِ أَفْصَحَ وَذَلِكَ للخِفَّة كَقَوْلِنَا خَفَقَ الفؤادُ يخْفِقُ ويخْفُق وحَجَلَ الغرابُ يحْجِلُ ويحْجُل وبَرَدَ الماءُ يبرِد ويبرُد وسَمَطَ الجَدْيَ يسمِطه ويسْمُطه وَأَشْبَاه ذَلِك مِمَّا قد تَقَصَّاه مُتْقِنو اللُّغَة كالأصمعي وَأبي زيدٍ وَأبي عبيد وَابْن السّكيت وَأحمد بن يحيى فَهَذَا مَذْهَب أبي عَليّ فِي يَفْعِل يَفْعُل، وَقَالَ بعض النَّحْوِيين: إِذا عُلِم أَن الماضيَ على فَعَلَ وَلم يُعلَم المستقبلُ على أيِّ بناءٍ هُوَ فَالْوَجْه أَن يُجعَل يفْعِل وَهَذَا أَيْضا لما قدَّمت من أَن الكسرة أخفُّ من الضَّمَّةِ وَقيل هما يُستعمَلانِ فِيمَا لَا يُعرَف وَحكى عَن مُحَمَّد بن يزيدَ وأحمدَ بنِ يحيى أَنه يجوزُ الوجهانِ فِي مستقبَل فَعَلَ فِي جَمِيع الْبَاب وَزعم قومٌ من النوحيين أَن مَا كَثُر اسْتِعْمَاله على يفْعِل وشُهِر لم يجُزْ فِيهِ مَا استُعمِل على غير ذَلِك نَحْو ضَرَبَ يَضْرِب وقَتَلَ يَقْتُل وَمَا لم يكن من الْمَشْهُور جَازَ فِيهِ الْوَجْهَانِ. وَأَنا أذكر من الْأَفْعَال الَّتِي يَعْتَقِب عَلَيْهَا هَذَا المِثالان على حدِّ مَا نَحا إِلَيْهِ أَبُو عَليّ لأُنَبِّهَ على ذَلِك، قَالُوا: حَشَدَ يَحْشِد ويَحْشُد، وعَنَدَ يَعْنِد ويَعْنُد وزَمَرَ يَزْمِر ويَزْمُر ونَفَرَ يَنْفِر ويَنْفُر وعَرَمَ يَعْرِم ويَعْرُم وزَبَرَ يَزْبِر ويَزْبُر وطَمَثَ يَطْمِث ويَطْمُث: إِذا جامَعَ فَأَما فِي الْحيض فيَطْمِث لَا غيرُ، وخَمَرَ يَخْمِر ويَخْمُر وفَطَرَ يَفْطِر ويَفْطُر وعَثَرَ يَعْثِر ويَعْثُر وقَدَرَ يَقْدِر ويَقْدُر وأَهَلَ يَأْهِل ويَأْهُل: إِذا تزوَّج وعَضَلَ المرأةَ يَعْضِلها ويَعْضُلها: إِذا عَقَلَها عَن النِّكاح وتَلَدَ الشيءُ يَتْلِد ويَتْلُد: أَي قَدُمَ وعَرَشَ البئرَ يَعْرِشُها ويَعْرُشُها: وَهُوَ الطيُّ بالخشب وَقَالُوا عَكَفَ يَعْكِف ويَعْكُف ونَقَزَ يَنْقِز ويَنْقُز

стр. 1688

وشَرَطَ الحَجَّام يَشْرِط ويَشْرُط وَكَذَلِكَ فِي الشَّرِكة وحَنَكَ الدابَّةَ يَحْنِكُها ويَحْنُكُها: إِذا جَعَلَ الرِّسَنَ فِي فِيهَا وفَسَقَ يَفْسِق ويَفْسُق ونَجَبَ الشجرةَ يَنْجِبُها ويَنْجُبها وقَبَرَ الميِّتَ يَقْبِره ويَقْبُره وعَتَبَ عَلَيْهِ من العتاب يَعْتِب ويَعْتُب وذَمَلَت الناقةُ تَذْمِل وتَذْمُل وقَنَطَ يَقْنِط ويَقْنُط وجَزَرَ النخْل يَجْزِره ويَجْزُره وأَبَقَ يَأْبِق ويَأْبُق وعَزَفَت نَفسِي عَن الشَّيْء تَعْزِف وتَعْزُف فَأَما الجِنَّ فالبكسر لَا غيرُ وحَشَرَ يَحْشِر ويَحْشُر وفَتَكَ يَفْتِك ويَقْتُك وأَبَنْتُ الرجلَ آبِنُه وآبُنُه: إِذا اتَّهمْتَه، فَأَما مَا يَعْتَقب عَلَيْهِ هَذَا المثالان من المُضاعَف نَحْو شَدَّ يشِدُّ ويَشُدُّ وشَحَّ يشِحُّ ويَشُحُّ وعَلَّ يعِلُّ ويعُلُّ ونَمَّ ينِمُّ وينُمُّ فسأستَقْصيه فِي مَوْضِعه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وأشباهُ هَذَا فِي الْكَلَام كثيرٌ جدا وَلَكِنِّي ذكرتُ مِنْهُ عامّة ليدُلَّك على أَن المثالين يَكْثُرانِ فِي هَذَا البابِ وَجعلت لَك تَعاقُبَهما على الكلمةِ الْوَاحِدَة دَلِيلا على كَثْرَتهما واشتِراكِهما فِي هَذَا الْبناء، وَفِي الْأَفْعَال مَا يلزَمُ مستقْبَلُه أحدَ هذينِ البناءَيْن إِمَّا لحرْف معتَلِّ وَإِمَّا لِمَعْنى لازمٍ فَأَما مَا لَزِمَ فِيهِ أحدُ البناءَيْنِ بحرفٍ معتلٍّ فَهُوَ أَن يكونَ الْمَاضِي على فَعَلَ وعينُ الْفِعْل أَو لامُه واوٌ فَإِنَّهُ يَلْزَمُه يَفْعُل وَذَلِكَ قولُك فِيمَا العيْن مِنْهُ واوٌ قَالَ يَقول وقامَ يَقوم وأمّا مَا كَانَ لامُ الْفِعْل مِنْهُ واواً فنحو غَزا يَغْزو ودَعا يَدْعو ونَثا يَنْثو وسَما يَسمو، وَأما مَا كَانَ الْمَاضِي مِنْهُ على فَعَلَ وعينُ الْفِعْل أَو لامُه ياءٌ فَإِنَّهُ يلزَمُ فِي مستقبله يَفْعِل كَقَوْلِنَا فِي الَّذِي عينُه ياءٌ باعَ يَبْيِع ومالَ يَمْيِل ومارَ يَمْيِر وصارَ يَصْيِر وَأما الَّذِي لامُه ياءٌ فَكَرَمى يَرْمِي وَجَرَى يَجْرِي وَقَضَى يَقْضِي، وَمِمَّا يلْزَم يَفْعِل فِي مستقبَله مَا كَانَ على فَعَلَ وفاؤه وَاو كَقَوْلِك وَعَدَ يَعِدُ وَوَزَن يَزِن وَوَثَب يَثِب وَوَجَد يَجِد فَأَما يَجِدُ فسنذكرُه فِي نَظائرِ الصَّحِيح من المعتلِّ إِن شَاءَ الله وأصْل يَعِدُ ويَزِنُ يَوْعِد ويَوْزِن وَسَقَطت الواوُ مِنْهُ عِندَ البَصْريين لوُقوعها بَيْنَ ياءٍ وكسرةٍ وعِند الكوفيِّين إِنَّمَا تَسْقُط الواوُ فَرْقَاً بَيْنَ المتعدِّي من هَذَا البابِ وبَيْنََ مَا لَا يتعدَّى وكأنَّ التعدِّي عِندَهم عِوَضٌ من سُقوطِ الواوِ قَالُوا لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِيمَا لَا يتعدَّى يَوْجَل ويَوْحَل وَمَا أشبهَ ذَلِك وَلَيْسَ الأمرُ على مَا قَالُوا لِأَنَّهُ قد جاءَ أَفْعَالٌ كثيرةٌ مِمَّا لَا يتعدَّى قد سَقَطَت مِنْهَا الْوَاو كَقَوْلِك وَكَفَ البيتُ يَكِفُ وَوَنَم الذُّبابُ يَنِمُ: إِذا ذَرَقَ، ووَخَدَ الجملُ يَخِد ووَجَدَ عَلَيْهِ يَجِد وَهُوَ أكثرُ من أَن يُحصى وأمّا يَوْحَل ويَوْجَل فَإِنَّمَا هُوَ على يَفْعَل لِأَن الماضيَ مِنْهُ فَعِلَ كَمَا تَقول عَلِمَ يَعْلَم وحَذِرَ يَحْذَر فَأَما وَهَبَ يَهَبُ ووَضَعَ يَضَع وَمَا أشبهَ ذَلِك فَإِنَّمَا سَقَطت الواوُ مِنْهُ لِأَن أصلَه يَوْهِبُ ويَوْضِع على الْبَاب الَّذِي ذكرتُ فسقطتِ الواوُ لوقوعها بَيْنَ ياءٍ وكسرةٍ ثمَّ فُتح من أجْل حرْفِ الحَلْقِ وسأَقِفُكَ على مَا يُفْتَح من أجل حرفِ الحلْقِ ولِمَ ذَلِك إِن شَاءَ الله، وَقد يَلْزَمون فِي بعض الْمعَانِي أحدَ البِناءَيْن كَقَوْلِهِم فِي الغَلَبة إِذا قلت فاعَلْته وَهَذَا هُوَ الْقسم الثَّانِي الَّذِي يَلْزَم فِيهِ يَفْعُل من أجل الْمَعْنى وَذَلِكَ قَوْلهم خاصَمني فَخَصَمْتُه أَخْصُمُه وضارَبني فَضَرَبْتُه أَضْرُبُه وَقد جَاءَت يَفْعِل فِي هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ فِي حَيِّز المُعتَلِّ الَّذِي عَيْنُه أَو لامُه ياءٌ وسأبَيِّنُ هَذَا البابَ بعِلَله لِأَنِّي إِنَّمَا قدَّمت هَذِه الْجُمْلَة توطِئَة لما بعْدهَا إِن شَاءَ الله، وَقد يكون الْآتِي من فَعَلَ يَفْعَل إِذا كانتْ لامُه أَو عينُه حَرْفَاً من حُرُوف الحلْق وَلَيْسَ هَذَا الموضعُ كُلِّياً بل قد يجيءُ مِمَّا عينُه أَو لامُه حرفٌ من حُرُوف الحلْق على القياسِ كَثيراً، وحروف الحلْق ستةٌ الهمزُ والعيْنُ والحاءُ والهاءُ والغَيْنُ والخاءُ فَأَما مَا كَانَ الهمزةُ فِيهِ عينَ الْفِعْل فقولك سَأَلَ يَسْئَل وَمَا كَانَت لامَه فَقَرَأ يَقْرَأُ وَمَا كَانَت العينُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَسَحَب يَسْحَب وسَحَطَ يَسْحَط وَمَا كَانَت لامَه فَذَبَح يَذْبَح وسَبَحَ يَسْبَح وَمَا كَانَت الهاءُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَذَهَب يَذْهَب وَمَا كَانَت لامَه فَجَبَه يَجْبَه وَأما مَا كَانَت الغَيْنُ مِنْهُ عينَ الْفِعْل فَدَغَر يَدْغَر وَمَا كَانَت لامَه فَدَمَغ يَدْمَغ وَمَا كَانَت الخاءُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَفَخَر يَفْخَر وَمَا كَانَت لامَه فَسَلَخ يَسْلَخ وَقد يجيءُ بعض ذَلِك على الأَصْل على فَعَلَ يَفْعِل أَو يَفْعُل فَأَما مَا جَاءَ مِنْهُ على فَعَلَ يَفْعِل فَنَحَت يَنْحِت وصَهَلَ يَصْهِل ورَجَعَ يَرْجِع وَمَا كَانَ على يَفْعُل فَقَعَد يَقْعُد وشَحَبَ يَشْحُب وَذَلِكَ كثير، وَمَا كَانَ فَاء الْفِعْل مِنْهُ أَحَدَ الْحُرُوف الستَّةِ من حُرُوف الحلْق فَلَا يُغَيَّر

стр. 1689

الحكمُ ويلزمُ فِيهِ يَفْعِل أَو يَفْعُل كَقَوْلِك أَكَلَ يَأْكُل وعَبَرَ يَعْبُر وحَمَلَ يَحْمِل وعَقَلَ يَعْقِل وَمَا أشبَهَ ذَلِك وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ أَنه جَاءَ حرفٌ واحدٌ على فَعَلَ يَفْعَل وَهُوَ أَبَىَ يَأْبَى وَلَيْسَ عينُ الْفِعْل وَلَا لامُه حَرْفَاً من الستةِ، وَقَالَ بعضُ النَّحْوِيين: شَبَّهوا الألفَ بِالْهَمْزَةِ لِأَنَّهَا من مَخْرَجها وَهُوَ شاذٌّ لَيْسَ بِأَصْل وَزَاد ابْن السّكيت عَن ابْن عَمْرو رَكَنَ يَرْكَن. ارَ يَصْيِر وَأما الَّذِي لامُه ياءٌ فَكَرَمى يَرْمِي وَجَرَى يَجْرِي وَقَضَى يَقْضِي، وَمِمَّا يلْزَم يَفْعِل فِي مستقبَله مَا كَانَ على فَعَلَ وفاؤه وَاو كَقَوْلِك وَعَدَ يَعِدُ وَوَزَن يَزِن وَوَثَب يَثِب وَوَجَد يَجِد فَأَما يَجِدُ فسنذكرُه فِي نَظائرِ الصَّحِيح من المعتلِّ إِن شَاءَ الله وأصْل يَعِدُ ويَزِنُ يَوْعِد ويَوْزِن وَسَقَطت الواوُ مِنْهُ عِندَ البَصْريين لوُقوعها بَيْنَ ياءٍ وكسرةٍ وعِند الكوفيِّين إِنَّمَا تَسْقُط الواوُ فَرْقَاً بَيْنَ المتعدِّي من هَذَا البابِ وبَيْنََ مَا لَا يتعدَّى وكأنَّ التعدِّي عِندَهم عِوَضٌ من سُقوطِ الواوِ قَالُوا لِأَنَّهُ قد جَاءَ فِيمَا لَا يتعدَّى يَوْجَل ويَوْحَل وَمَا أشبهَ ذَلِك وَلَيْسَ الأمرُ على مَا قَالُوا لِأَنَّهُ قد جاءَ أَفْعَالٌ كثيرةٌ مِمَّا لَا يتعدَّى قد سَقَطَت مِنْهَا الْوَاو كَقَوْلِك وَكَفَ البيتُ يَكِفُ وَوَنَم الذُّبابُ يَنِمُ: إِذا ذَرَقَ، ووَخَدَ الجملُ يَخِد ووَجَدَ عَلَيْهِ يَجِد وَهُوَ أكثرُ من أَن يُحصى وأمّا يَوْحَل ويَوْجَل فَإِنَّمَا هُوَ على يَفْعَل لِأَن الماضيَ مِنْهُ فَعِلَ كَمَا تَقول عَلِمَ يَعْلَم وحَذِرَ يَحْذَر فَأَما وَهَبَ يَهَبُ ووَضَعَ يَضَع وَمَا أشبهَ ذَلِك فَإِنَّمَا سَقَطت الواوُ مِنْهُ لِأَن أصلَه يَوْهِبُ ويَوْضِع على الْبَاب الَّذِي ذكرتُ فسقطتِ الواوُ لوقوعها بَيْنَ ياءٍ وكسرةٍ ثمَّ فُتح من أجْل حرْفِ الحَلْقِ وسأَقِفُكَ على مَا يُفْتَح من أجل حرفِ الحلْقِ ولِمَ ذَلِك إِن شَاءَ الله، وَقد يَلْزَمون فِي بعض الْمعَانِي أحدَ البِناءَيْن كَقَوْلِهِم فِي الغَلَبة إِذا قلت فاعَلْته وَهَذَا هُوَ الْقسم الثَّانِي الَّذِي يَلْزَم فِيهِ يَفْعُل من أجل الْمَعْنى وَذَلِكَ قَوْلهم خاصَمني فَخَصَمْتُه أَخْصُمُه وضارَبني فَضَرَبْتُه أَضْرُبُه وَقد جَاءَت يَفْعِل فِي هَذَا الْبَاب وَذَلِكَ فِي حَيِّز المُعتَلِّ الَّذِي عَيْنُه أَو لامُه ياءٌ وسأبَيِّنُ هَذَا البابَ بعِلَله لِأَنِّي إِنَّمَا قدَّمت هَذِه الْجُمْلَة توطِئَة لما بعْدهَا إِن شَاءَ الله، وَقد يكون الْآتِي من فَعَلَ يَفْعَل إِذا كانتْ لامُه أَو عينُه حَرْفَاً من حُرُوف الحلْق وَلَيْسَ هَذَا الموضعُ كُلِّياً بل قد يجيءُ مِمَّا عينُه أَو لامُه حرفٌ من حُرُوف الحلْق على القياسِ كَثيراً، وحروف الحلْق ستةٌ الهمزُ والعيْنُ والحاءُ والهاءُ والغَيْنُ والخاءُ فَأَما مَا كَانَ الهمزةُ فِيهِ عينَ الْفِعْل فقولك سَأَلَ يَسْئَل وَمَا كَانَت لامَه فَقَرَأ يَقْرَأُ وَمَا كَانَت العينُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَسَحَب يَسْحَب وسَحَطَ يَسْحَط وَمَا كَانَت لامَه فَذَبَح يَذْبَح وسَبَحَ يَسْبَح وَمَا كَانَت الهاءُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَذَهَب يَذْهَب وَمَا كَانَت لامَه فَجَبَه يَجْبَه وَأما مَا كَانَت الغَيْنُ مِنْهُ عينَ الْفِعْل فَدَغَر يَدْغَر وَمَا كَانَت لامَه فَدَمَغ يَدْمَغ وَمَا كَانَت الخاءُ عينَ الْفِعْل مِنْهُ فَفَخَر يَفْخَر وَمَا كَانَت لامَه فَسَلَخ يَسْلَخ وَقد يجيءُ بعض ذَلِك على الأَصْل على فَعَلَ يَفْعِل أَو يَفْعُل فَأَما مَا جَاءَ مِنْهُ على فَعَلَ يَفْعِل فَنَحَت يَنْحِت وصَهَلَ يَصْهِل ورَجَعَ يَرْجِع وَمَا كَانَ على يَفْعُل فَقَعَد يَقْعُد وشَحَبَ يَشْحُب وَذَلِكَ كثير، وَمَا كَانَ فَاء الْفِعْل مِنْهُ أَحَدَ الْحُرُوف الستَّةِ من حُرُوف الحلْق فَلَا يُغَيَّر الحكمُ ويلزمُ فِيهِ يَفْعِل أَو يَفْعُل كَقَوْلِك أَكَلَ يَأْكُل وعَبَرَ يَعْبُر وحَمَلَ يَحْمِل وعَقَلَ يَعْقِل وَمَا أشبَهَ ذَلِك وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ أَنه جَاءَ حرفٌ واحدٌ على فَعَلَ يَفْعَل وَهُوَ أَبَىَ يَأْبَى وَلَيْسَ عينُ الْفِعْل وَلَا لامُه حَرْفَاً من الستةِ، وَقَالَ بعضُ النَّحْوِيين: شَبَّهوا الألفَ بِالْهَمْزَةِ لِأَنَّهَا من مَخْرَجها وَهُوَ شاذٌّ لَيْسَ بِأَصْل وَزَاد ابْن السّكيت عَن ابْن عَمْرو رَكَنَ يَرْكَن. وَأما مَا كَانَ على فَعِلَ فيلْزَم مستقبَله يَفْعَل كَقَوْلِك حَذِرَ يَحْذَر وفَرِقَ يَفْرَق وعَمِلَ يَعْمَل وشَرِبَ يَشْرَب وَقد شذَّت مِنْهُ أحرفٌ من الصَّحِيح والمعتل فَمن الصَّحِيح أربعةُ أفعالٍ جاءتْ على فَعِلَ يَفْعِل ويَفْعَل جَمِيعًا وَهِي حَسِبَ يَحْسِب ويَحْسَب ويَبِسَ يَيْبِس ويَيْبَس ويَئِسَ يَيْئِس ويَيْئَس ونَعِمَ يَنْعِم ويَنْعَم وَقد جَاءَ حرفٌ وَاحِد من الصَّحِيح على فَعِلَ يَفْعُل وَهُوَ فَضِلَ يَفْضُل، وأنْشَد: ذَكَرْتُ ابنَ عبَّاسٍ ببابِ ابنِ عامرٍ وَمَا مرَّ من عيشٍ هُناكَ وَمَا فَضِلْ وَذكر غَيرهم أَنه جَاءَ حرف آخرُ وَهُوَ حَضِرَ يَحْضُر وأظنُّ أَبَا زيدٍ ذكره أَيْضا، وأنشدوا قَول جرير: مَا مَنْ جَفانا إِذا حاجاتُنا حَضِرَتْ كمَنْ لَنا عِندَه التَّكْريمُ واللَّطَفُ وَقد جَاءَ من المعتلِّ على فَعِلَ يَفْعِل أحرفٌ كثيرةٌ مِنْهَا وَثِقَ يَثِقُ ووَمِقَ يَمِقُ ووَرِثَ يَرِثُ وَمِنْهَا طاحَ يَطيحُ وتاهَ يَتيه على لُغَة من هُوَ يَقُول طَوَّحته وتوَّهته. وَقد جَاءَ حرفان على فَعِلَ يَفْعُل من المعتلِّ قَالُوا مِتَّ تَموت ودِمْتَ تَدوم، فَأَما فَعُل فَإِن مستقبَلَه يَجِيء على يَفْعُل لَا غيرُ كَقَوْلِهِم ظَرُفَ يَظْرُف وكَرُمَ يَكْرُم وَقد ذكرُوا أَنه جَاءَ حرفٌ من المعتلِّ على فَعُل يَفْعَل وَهُوَ كُدْت تَكاد وَهُوَ شاذٌّ نادرٌ، وَأما مصَادر هَذِه الْأَفْعَال الثلاثية فَهِيَ مختلفةٌ وستَقِف على اختلافها مِمَّا أسوقه لَك من كلامِ سِيبَوَيْهٍ وَجَمِيع النَّحْوِيين وَلَيْسَ يَلْزَم قِيَاسا وَاحِدًا وَإِنَّمَا يُحْفَظُ حِفْظاً غير أَن الغالبَ على مَا كَانَ مِنْهَا متعدِّياً الفَعْلُ كَقَوْلِك ضَرَبْته ضَرْبَاً وقَتَلْته قَتْلاً وشَتَمْته شَتْمَاً وبَلِعْت الشيءَ بَلْعَاً وجَرِعْت الماءَ جَرْعَاً وَقد يَأْتِي على غير ذَلِك والبابُ فِيهِ فَعْل. وَأما مَا لَا يتعدَّى فيكثُر فِيهِ الفُعول كَقَوْلِك جَلَسَ جُلوساً وقَعَدَ قُعوداً ورَجَعَ رُجوعاً. وَأَنا أذكر مصادرَ هَذَا الْقسم الأوَّلِ الأعْدلِ الَّذِي هُوَ الثلاثيُّ وأُبَيِّنُ الْبناء الغالبَ على كلِّ نوعٍ مِنْهَا وأُفضِّل مَا يَغْلِب على غير المتعدِّي وأبْدأُ أوَّلاً بشرح معنى المصْدَر الَّذِي هُوَ اللَّفْظ الجامِعُ لجَمِيع الْأَشْخَاص المقْصودِ إِلَى تَعْيِينهَا وحَصْرِ أبنِيَتِها وتحديدها إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَنَقُول: إِن المصدرَ اسمُ الحدَثِ الَّذِي تَصَرَّفُ مِنْهُ الأفعالُ نَحْو الضَّرْب تَصَرَّف مِنْهُ ضرب يَضْرِب وسَيَضْرِب والمصدر للْفِعْل كالمادة المشتَرَكة وَلذَلِك سمَّته الأوائلُ مِثَالا وسَمَّوْا مَا اشتُقَّ مِنْهَا التَصاريفَ ونَظائر فَأَما النظائرُ عندهُم فَمَا جَرى على وَجْهِ النّسَب وَهَذَا غيرُ مستعمَل فِي لُغَة العربِ إِنَّمَا يَقُولُونَهُ بوَسيط كَقَوْلِهِم فَعَلَ كَذَا على جِهَة العَدْل وعَلى جِهَة الجَوْر وعَلى جِهَة السَّهْو وعَلى جِهَة الخيْر وعَلى جِهة الشَّرِّ وَلَا يَقُولُونَ على العَدْلِيَّة وَلَا على الجورِيَّة وَلَا على الخَيْرِيَّةِ وَلَا على الشَّرِّيَّةِ وَأما التصاريف فَهِيَ الَّتِي نسمِّيها نَحن الأمثلةَ كَقَوْلِنَا فَعَلَ يَفْعَل ويَفْعُل ويَفْعِل وَنحن آخِذون فِي ذكر مَصادرِ الثُّلاثِيِّ غيرِ المَزيدِ ومقدِّمون لمَصْدر فَعَلَ لكَونه الأخف فَنَقُول أوَّلاً إِن الْغَالِب على مَصادر هَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ فَعَلَ يَفْعِل وفَعِلَ يَفْعَل وفَعُلَ يَفْعُل أَن يَجِيء على فَعْل وَقد صرَّفوها على غير ذَلِك فنحتاجُ إِلَى ضَبْطِها لحمْل النظرِ عَلَيْهَا على طَريقَة النَّادِر فَأَما فَعْل فَالْقِيَاس عَلَيْهِ لاطِّراده وَنحن نذكرُ جَمِيع الأبْنِيَةِ الَّتِي جاءتْ لمَصادرِ الثلاثيِّ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ زيادةٌ للحاجةِ إِلَيْهِ على مَا بَيَّنا.

стр. 1690

٣ - (فصل فِي فَعَلَ يَفْعِل من المتعدِّي) فَعَلَه يَفْعِله ضَرَبَه يَضْرِبه ضَرْبَاً وشَتَمَه يَشْتِمه شَتْمَاً وكَلَمَه يَكْلِمه كَلْمَاً وكَظَمَه يَكْظِمه كَظْمَاً وكَسَرَه يَكْسِر كَسْرَاً وحَطَمَه يَحْطِمه حَطْمَاً وَهَذَا البناءُ هُوَ الغالبُ والغالبُ كالقياس الَّذِي هُوَ اللازمُ وَإِن لم يكن مستَحِقَّاً لاسم اللُّزوم وَلَا لاسمِ الْقيَاس وَلكنه قريبٌ مِنْهُ فَلَا حاجةَ بِنَا إِلَى استِقْصائه وَإِنَّمَا يُتَقَصَّى مَا سِواه لِخُرُوجِهِ من بَاب الغالبِ وحُصوله فِي حيِّز النَّادِر وفَعَلَه يَفْعِله فَعْلاً قَاَلَه يقِيلُه قيْلاً فَعَلَه يَفْعِله فَعَلاً سَرَقَه يَسْرِقه سَرَقَاً فَعَلَه يَفْعِله فَعَلةً غَلَبَه يَغْلِبه غَلَبَةً، وَحكى أَبُو زيد: غُلُبَّة وغُلُبَّى فَعَلَه يَفْعِله فَعِلَةً سَرَقَه يَسْرِقه سَرِقَةً فَعَلَه يَفْعِله فِعْلَةً حَماه يحميه حِمْيَةً فَعَلَه يَفْعِله فِعالاً ضَرَبَها يَضْرِبها ضِراباً ونَكَحَها يَنْكِحها نِكاحاً وكَذَبَه يَكْذِبه كِذاباً، قَالَ الْأَعْشَى: فَصَدَقْتُها وكَذَبْتها والمَرْءُ يَنْفَعُه كِذَابُهْ فَعَلَه يَفْعِله فِعالَةً حَماه يَحميه حِمايَةً ووقاه يَقيه وِقايةً فَعَلَه يَفْعِله فِعْلاناً حَرَمَه يَحْرِمه حِرْماناً فَعَلَه يَفْعِله فُعْلاناً غَفَرَه يَغْفِره غُفْراناً فَعَلَه يَفْعِله فَعْلَاناً لَوَاَه يَلْويه لَيَّناً. ٣ - (فصل فِي فَعَلَ يَفْعُل من المتعدِّي) فَعَلَه يَفْعُله فَعْلاً قَتَلَه يَقْتُله قَتْلاً فَعَلَه يَفْعُله فَعَلاً سَلَبَه يَسْلُبه سَلَبَاً وطَرَدَه يَطْرُده طَرَدَاً وحَلَبَه يَحْلُبه حَلَبَاً وطَلَبَه يَطْلُبه طَلَبَاً وخَلَبَه يَخْلُبه خَلَبَاً وجَنَبَه يَجْنُبه جَنَبَاً وخَبَّ فِي العَدْو يَخُبُّ خَبَبَاً وصَدَرْت عَن البلادِ أَصْدُرُ صَدَرَاً فَأَما أَبُو عبيد فقد أَسَاءَ العِبارةَ فَقَالَ صَدَرْت عَن البلادِ صَدَرَاً فَهَذَا الاسمُ فَإِن أردتَ المَصدر جَزَمْت الدالَ وَأنْشد بيتَ ابْن مقبل: وَلَيْلةٍ قد جَعَلْت الصُّبْحَ مَوعِدَها صَدْرَ المَطيَّة حَتَّى تَعْرِف السَّدَفا فَعَلَه يَفْعُله فَعِلاً خَنَقَه يَخْنُقه خَنِقَاً. فَعِلَه يَفْعُله فُعْلاً كَفَرَه يَكْفُره كُفْراً وشَكَرَه يَشْكُره شُكْراً، وَحكى الْفَارِسِي: شَكَدَه يَشْكُده شُكْداً وشَكَمَه يَشْكُمه شُكْماً هَذِه حِكَايَة الْفَارِسِي والجمهورُ أَو الكلُّ غَيْرَه على أَن الشَّكْد والشَّكْم الْمصدر والشُّكْد والشُّكْم الاسمُ. فَعَلَه يَفْعُله فِعْلاً ذَكَرَه يَذْكُره ذِكْراً وحَجَّه يحُجُّه حِجَّاً فَأَما غير سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ: الحَجُّ والحِجُّ لُغَتَانِ. وَقَالَ الْفَارِسِي مثلَ ذَلِك غير أَنه قَالَ فِي كتاب الحُجَّة الحّجُّ الْمصدر والحِجُّ الاسمُ يرفَع ذَلِك إِلَى أبي الْحسن. فَعَلَه يَفْعُله فِعْلَة نَشَدَه يَنْشُده نِشْدَة فَعَلَه يَفْعُله فِعالاً كَتَبَه يَكْتُبه كِتاباً وحَجَبَه يَحْجُبه حِجاباً فَعَلَه يَفْعُله فُعْلاناً كَفَرَه يَكْفُره كُفْراناً وشَكَرَه يَشْكُره شُكْراناً فَعَلَه يَفْعُله فُعولاً كَفَرَه يَكْفُره كُفوراً وشَكَرَه يَشْكُره شُكوراً وحَبَرَه يَحْبُره حُبوراً وسَرَّه يَسُرُّه سُروراً وكَفَلَه يَكْفُله كُفولاً. فَعَلَه يَفْعُله فِعْلاناً نَشَدَه يَنْشُده نِشْداناً. ٣ - (فصل فِي فَعِلَه يَفْعَله من المتعدِّي) فَعِلَه يَفْعَله فَعْلاً حَمِدَه يَحْمَده حَمْدَاً فَعِلَه يَفْعَله فَعَلاً عَمِلَه يَعْمَله عَمَلاً فَعِلَه يَفْعَله فُعْلاً شَرِبَه يَشْرَبه شُرْباً ورَحِمَه يَرْحَمه رُحْماً فَعِلَه يَفْعَله فَعْلَةً رَحِمَه يَرْحَمه رَحْمَةً فَعِلَه يَفْعَله فِعْلَةً خالَه يخالُه خِيْلَةً، وَحكى الْفَارِسِي: خالَ يَخيلَ خَيْلَةً: إِذا اختالَ، فَعِلَه يَفْعَله فِعالاً سَفِدَها يَسْفَدها سِفاداً فَعِلَه يَفْعَله فَعالاً سَمِعَه يَسْمَعه سَماعاً فَعِلَه يَفْعَله فِعْلاناً غَشِيَه يغْشاه غِشْياناً

стр. 1691

٣ - (فصل فِي فَعَلَ يَفْعَل من المتعدِّي الَّذِي فِيهِ حرف الحلْق) فَعَلَه يَفْعَله فَعالَةً نَصَحَه يَنْصَحه نَصاحَةً، وَحكى الْفَارِسِي عَن أبي زيد: اللَّهُمَّ أعْطِنا سَآلاتنا فَعَلَه يَفْعَله فُعالاً سَأَلَه يَسْأَله سُؤالاً فَعَلَه يَفْعَله فِعالةً قَرَأَه يَقْرَأه قِراءةً ٣ - (فصل فِي تَمْيِيز المتعدِّي من غير المتعدِّي وتحديد كل وَاحِد مِنْهُمَا بخاصِّيَّته) وَنحن نضع هَذَا الْبَاب على عِبارةِ الْأَوَائِل والنحويين وَمعنى قَول النَّحْوِيين لَا يتعدَّى أَي لَا يكون مِنْهُ صفة على طَرِيق مفعُول وَذَلِكَ أَن المتعدِّي هُوَ مَا كَانَ مِنْهُ صِفة على طَريقَة الْمَفْعُول بعد ذكر الْفَاعِل فَيكون قد تعدَّى الفاعلَ فِي الذِّكْر إِلَى المَفْعول كَقَوْلِك ضَرَبَ زَيد عمروا فَهُوَ يدلُّ على مَضْروب يَصح أَن يُذكر بعد الْفَاعِل والأفعالُ كلُّها تدلُّ على الصفةِ الَّتِي على طَريقةِ فاعلٍ فَمَا كَانَ مِنْهَا يدلُّ مَعَ ذَلِك على الصفةِ الَّتِي على طَريقةِ مَفْعول فَهُوَ متعدٍ وَمَا لم يدُلَّ على ذَلِك فَلَيْسَ بمتعدٍّ كَقَوْلِك جَلَسَ يَجْلِس وقامَ يَقوم وَمَا أشبه ذَلِك وَإِنَّمَا يَعْنون بالمتعدِّي أَنه قد تعدَّى ذكر الفاعلِ إِلَى المفعولِ فِيمَا يتعلَّقُ بِالْفِعْلِ كَقَوْلِك ضَرَبْت زَيْدَاً ويَعْنون بطريقة مفعول مَا هُوَ متميِّز من طَريقَة فاعلٍ على حدِّ قَوْلك ضارِب ومَضْروب ومُكْرِم ومُكْرَم ومُستَخْرِج ومُستخرَج ومُحتَمِل ومُحتَمَل ومُحسِّن ومُحَسَّن ومُقاتِل ومُقاتَل ومُتقاضٍ ومُتقاضَى ومُتوَهِّم ومُتوَهَّم فَكل هَذَا متعدٍّ وَفِيه الطريقتانِ على مَا بيَّنتُ لَك: طَريقَة فاعِل وطريقةُ مَفْعول فَأَما مَا لَا يتعدَّى فَإِنَّهُ يَجْري على طَريقَة فَاعل فَقَط دونَ طَريقَة مفْعول وَالْأَصْل فِي مصدر الثُّلاثي الَّذِي لَا يتعدَّى مِمَّا هُوَ على فَعَلَ يَفْعُل أَو يَفْعِل أَن يجيءَ على فُعول نَحْو قَعَدَ يَقْعُد قُعوداً وجَلَسَ يَجْلِس جُلوساً فَهَذَا الأَصْل المطَّرِد وَمَا جَاءَ من مصادره على غير هَذَا الْبناء فَهُوَ على طَريقة النادرِ الَّذِي يُحتاج فِيهِ إِلَى معرفةِ النظيرِ حَتَّى يَجوز مَا يجوز فِيهِ على شَرَائِط النادرِ ويمتنعَ مِمَّا لَا يجوزُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي كَلَام العربِ. ٣ - (فصل) كلُّ مَا كَانَ على طَريقَة فَعَلَ ويَفْعَل وسَيَفْعل فِي أيِّ معنى كَانَ فَهُوَ فِعْل فِي حُكْم النَّحْوِيين لِأَنَّهُ يُلزمه فِي بَاب الْإِعْرَاب وَمَا يجبُ للأسماءِ بِهِ أحكامٌ متفقةٌ فأجْرَوْا عَلَيْهِ هَذِه التسميةَ من أجل غَلَبَة هَذِه الأحكامِ المتَّفِقَة وَهُوَ مَعَ ذَلِك فِي حَقِيقَة الْمَعْنى على قسمَيْنِ: أحدُهما يدلُّ على حادثٍ أُخذَ مِنْهُ هَذَا الفعلُ المتصَرِّف والآخرُ لَا يدلُّ على حادثٍ وكلُّه يَجْرِي على مِنْهاجٍ واحدٍ فِي التصرُّف فَالْأول الَّذِي لَا يدلُّ على فِعْل نَحْو كانَ وأخواتِها وَنَحْو تَضادِّ الشيئان وتماثلا فِي الجِنْس وعَدِمَ الشيءَ هُوَ مأخوذٌ من العَدَم وَلَيْسَ العَدَم بحادثٍ وَكَذَلِكَ تَضادَّ الشَيْئانِ مَأْخُوذ من التضادِّ وَلَيْسَ التضادُّ بحادِثٍ وَكَذَلِكَ صِفَات

стр. 1692

الله النَّفْسِيَّةُ نَحْو يَعْلَم ويَقْدِر ويَسْمَع وَيَرَى فَهَذَا بابٌ وَالثَّانِي وَهُوَ الأكثرُ الأغْلب مَا يدلُّ على عملٍ حادثٍ فِي الْحَقِيقَة إِمَّا من الْقلب أَو من غَيره نَحْو فَهِمَ وفَطِنَ وسُرَّ واغْتَمَّ واشْتَهى ... . كلُّها أفعالٌ حادثةٌ فِي الْحَقِيقَة وَإِنَّمَا يتصرَّف الأول تصرُّف هَذِه الْحَقِيقَة وَلَيْسَت ترجع إِلَى معنى حادثٍ فِي الْحَقِيقَة وَأما أفعالُ الجَوارحِ نَحْو جَلَسَ وذَهَبَ وضَرَبَ وكَسَرَ فَتَجْري فِي المتعدِّي وغيرِ المتعدِّي فَلَيْسَ وَإِن رَجَعَتْ إِلَى النَّفْس تخْرُج من معنى الْعَمَل الْحَادِث وَإِنَّمَا صِفاتُ الله الَّتِي تتَصَرَّف هَذَا التصرُّف إِذا رَجَعَتْ إِلَى النَّفْس خرجتْ من معنى الْعَمَل الحادثِ فالصِّفاتُ الراجِعة إِلَى النَّفس على وَجْهَين على مَا بَيَّنَّا. ٣ - (فصل فِي الْأَمْثِلَة الَّتِي لَا تَتَعَدَّى) فَعَلَ يَفْعِل فَعْلاً عَجَزَ يَعْجِز عَجْزَاً فَعَلَ يَفْعِل فَعِلاً حَلَفَ يَحْلِف حَلِفَاً وضَرَطَ يَضْرِط ضَرِطَاً وحَبَقَ يَحْبِق حَبِقَاً فَعَلَ يَفْعِل فُعولاً جَلَسَ يَجْلِس جُلوساً فَعَلَ يَفْعُل فُعولاً قَعَدَ يَقْعُد قُعوداً وسَجَدَ يَسْجُد سُجوداً ودَخَلَ يَدْخُل دُخولاً وخَرَجَ يَخْرُجُ خُروجاً فَعَلَ يَفْعُل فَعالاً ثَبَتَ يَثْبُت ثَباتاً فَعَلَ يَفْعُل فَعْلاً سَكَتَ يَسْكُت سَكْتَاً فَعَلَ يَفْعُل فُعْلاً مَكَثَ يَمْكُث مُكْثاً فَعَلَ يَفْعُل فِعْلاً فَسَقَ يَفْسُق فِسْقاً فَعَلَ يَفْعُل فِعالَةً عَمَرَ المَنْزِلُ يَعْمُر عِمارَةً فَعِلَ يَفْعَل فَعْلاً حَرِدَ يَحْرَد حَرْداً فَعِلَ يَفْعَل فَعِلاً ضَحِكَ يَضْحَك ضَحِكَاً فَعَلَ يَفْعَل فُعالاً مَزَحَ يَمْزَح مُزاحاً فَهَذِهِ قوانينُ من المصادرِ وَالْأَفْعَال مَجْمُوعَة قدَّمتها توطِئَة وتسهيلاً وَأَنا الآنَ آخذُ فِي ذِكر الْجُمْهُور وتحليلِ مَا عَقَدَ مِنْهُ سِيبَوَيْهٍ والتنبيه على مَا شُبِّه من المتعدِّي بِغَيْر المتعدِّي وَمن غير المتعدِّي بالمتعدِّي وأبْدأ بتحليل كَلَام سِيبَوَيْهٍ عَقْدَاً عَقْدَاً لتَقِفَ على صِحَّة من القوانينِ ثمَّ أُتْبِع ذَلِك جميعَ مَا وَضعه أصحابُ المصادر كالأصمعي وَأبي زيد والفرَّاء. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هَذَا بابُ بناءِ الْأَفْعَال الَّتِي هِيَ أعمالٌ تَعدَّاك إِلَى غيرِك وتوقِعُها بِهِ ومصادرها فالأفعال تكونُ من هَذَا على ثَلَاثَة أبْنِيَةٍ على فَعَلَ يَفْعِل وفَعَلَ يَفْعُل وفَعَلَ يَفْعَل وَيكون الْمصدر فَعْلاً وَالِاسْم فَاعِلا فَأَما فَعَلَ يَفْعِل وفَعَلَ يَفْعُل وفَعَلَ يَفْعَل وَيكون الْمصدر فَعْلاً وَالِاسْم فَاعِلا فَأَما فَعَلَ يَفْعُل ومصدرُه فَعْل قَتَلَ يَقْتُل قَتْلاًَ وَالِاسْم قاتِلٌ وخَلَقَه يَخْلُقه خَلْقَاً وَالِاسْم خالِقٌ ودَقَّه يدُقُّه دَقَّاً وَالِاسْم داقٌّ وَأما فَعَلَ يَفْعُل فنحو ضَرَبَ يَضْرِب وَهُوَ ضاربٌ وحَبَسَ يَحْبِس وَهُوَ حابِسٌ وَأما فَعِلَ يَفْعِل ومصدره والاسمُ فنحو لَحَسَه يَلْحَسه لَحْسَاً وَهُوَ لاحِسٌ ولَقِمَه يَلْقَمه لَقْمَاً وَهُوَ لاقِمٌ وشَرِبَه يَشْرَبه شَرْبَاً وَهُوَ شارِبٌ ومَلَجَه يَمْلَجُه مَلْجَاً وَهُوَ مالِجٌ وَمَعْنَاهُ مَصَّه ورَضِعه وَمِنْه مَا يُروى عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا تُحَرِّم الإمْلاجةُ وَلَا الإمْلاجتانِ) . يريدُ الرَّضْعة والرَّضْعَتَيْن. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد جَاءَ بعضُ مَا ذكرنَا من هَذِه الْأَبْنِيَة على فُعول، قَالَ أَبُو عَليّ: يَعْنِي مِمَّا يتعدَّى لِأَن بناءَ الفِعل واحدٌ وَقد جَاءَ مصدَرُ فَعَلَ يَفْعُل وفَعَلَ يَفْعِل على فَعَلٍ وَذَلِكَ حَلَبَها يَحْلُبها حَلَبَاً وطَرَدَها يَطْرُدها طَرَدَاً وَسَرَق يَسْرِق سَرَقَاً وَقد جَاءَ المصدرُ على فَعِلٍ قَالُوا خَنَقَه يَخْنُقه خَنِقَاً وكَذَبَ يَكْذِب كَذِبَاً وَقَالُوا كِذَاباً وحَرَمَه يَحْرِمه حَرِمَاً وسَرَقَه يَسْرِقه سَرِقَاً وَقَالُوا عَمَلَه يَعْمَله عَمَلاً فجَاء على فَعَلٍ كَمَا جَاءَ السَّرَق والطَّلَب وَمَعَ ذَا أنَّ بناءَ فِعْله كبناءِ فِعْل الفَزَع فشُبِّه بِهِ، قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو سعيد: يذكُر سِيبَوَيْهٍ هَذِه المصادرَ فِي الْأَفْعَال المتعدِّية وَالْأَصْل فِيهَا عِنْده أَن يكونَ المصدرُ على فَعْل بل الأَصْل فِي الْأَفْعَال الثُّلاثية كلِّها أَن تكون مصدرُها على فَعْل لِأَنَّهُ أخفُّ الأبْنية ولأنا نقُول فِيهَا كلّها إِذا أردنَا المرَّة الواحدةَ قُلْنَا فَعْلَة كَقَوْلِنَا جَلَسَ جَلْسَةً وقامَ قَوْمَةً وفَعْل هُوَ جمْع فَعْلَة كَمَا يُقَال تَمْرَة وتَمْر فَيكون الضَّرْب من الضَّربَة كالتَّمر من التَّمْرة وَمَا خرج من هَذَا فَهُوَ الَّذِي يذكرهُ فقد ذكر فَعَلَ وفَعِلَ ثمَّ قَالَ فِي عَمِلَ عَمَلاً إِنَّهُم شبَّهوه بالفزَع الَّذِي هُوَ مصدَرُ فَزِعَ وفَزِعَ لَا يتعدَّى وَالْبَاب فِي فَعِلَ الَّذِي لَا يتعدَّى إِذا كَانَ فاعلُه يَأْتِي على فَعِلٍ أَن يكون مصدَره على فَعَلَ كَقَوْلِنَا فَرِقَ فَرَقَاً فَهُوَ فَرِقٌ وحَذِرَ يَحْذَر حَذَرَاً فَهُوَ حَذِر. قَالَ أَبُو عَليّ: فشُبِّه العمَل وَهُوَ مصدر فِعْل يتعدَّى بالفزَع وَهُوَ مصدر فِعْل لَا يتعدَّى لاستِواء لفظِ فَزِعَ وعَمِلَ وَإِن اخْتلفَا فِي التعدِّي مثل الطَّلَب والسَّرَق على العَمَل، وَقد جَاءَ المصدرُ على فُعْل وَذَلِكَ نَحْو الشُّرْب والشُّغْل وعَلى فِعْل كَقَوْلِنَا قَالَ قِيلاً وَقَالُوا سَخِطَ سَخَطَاً شبَّهه بِالْغَضَبِ حينَ اتفقَ البناءُ يَعْنِي أَن سَخَطَاً مصدرُ فِعْل يتعدَّى وَقد شبَّهه بِالْغَضَبِ مصدرِ فِعْل لَا يتعدَّى لاتِّفَاقهمَا فِي وزن الفِعْل وَفِي الْمَعْنى، قَالَ: ويدُلُّك ساخِطٌ وسَخِطْته أَنه مُدْخَل فِي بابِ الْأَعْمَال الَّتِي تُرى وتُصْنَع وَفِي بعض النّسخ تُرى وتُسْمَع وَهِي موقَعَة بغَيْرهَا. قَالَ أَبُو عَليّ:

стр. 1693

يَعْنِي بِالْأَعْمَالِ الَّتِي تُرى الأعمالَ المتعدِّيَةَ لِأَن فِيهَا عِلاجاً من الَّذِي يوقِعه للَّذي يُوقَعُ بِهِ فيُشاهَدُ ويُرى فَجعل سَخِطْته مُدْخَلاً فِي التعدِّي كَأَنَّهُ بِمَنْزِلَة مَا يُرى وَقَوْلهمْ ساخِطٌ دليلٌ على ذَلِك أَنهم لَا يَقُولُونَ غاضِبٌ وَمعنى الْغَضَب والسَّخَط واحدٌ فَجعلُوا الغضَب بِمَنْزِلَة فِعْل تتغيَّر بِهِ ذاتُ الشيءِ والسَّخَط بِمَنْزِلَة فِعْل عُولج إِيقَاعه بِغَيْر فَاعله. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا وَدِدْته وُدَّاً مثل شَرِبْته شُرْباً وَقَالُوا ذَكَرَه ذِكْراً كحفِظَه حِفْظاً. قَالَ: وَقد جَاءَ شيءٌ من هَذَا المتعدِّي على فَعيل قَالُوا ضَريبُ قِداحٍ للَّذي يَضْرِب بالقِداح وصَريمٌ للصارِم وَقَالَ طَريف بن تَمِيم العنبريّ: رُ فِعْل يتعدَّى وَقد شبَّهه بِالْغَضَبِ مصدرِ فِعْل لَا يتعدَّى لاتِّفَاقهمَا فِي وزن الفِعْل وَفِي الْمَعْنى، قَالَ: ويدُلُّك ساخِطٌ وسَخِطْته أَنه مُدْخَل فِي بابِ الْأَعْمَال الَّتِي تُرى وتُصْنَع وَفِي بعض النّسخ تُرى وتُسْمَع وَهِي موقَعَة بغَيْرهَا. قَالَ أَبُو عَليّ: يَعْنِي بِالْأَعْمَالِ الَّتِي تُرى الأعمالَ المتعدِّيَةَ لِأَن فِيهَا عِلاجاً من الَّذِي يوقِعه للَّذي يُوقَعُ بِهِ فيُشاهَدُ ويُرى فَجعل سَخِطْته مُدْخَلاً فِي التعدِّي كَأَنَّهُ بِمَنْزِلَة مَا يُرى وَقَوْلهمْ ساخِطٌ دليلٌ على ذَلِك أَنهم لَا يَقُولُونَ غاضِبٌ وَمعنى الْغَضَب والسَّخَط واحدٌ فَجعلُوا الغضَب بِمَنْزِلَة فِعْل تتغيَّر بِهِ ذاتُ الشيءِ والسَّخَط بِمَنْزِلَة فِعْل عُولج إِيقَاعه بِغَيْر فَاعله. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا وَدِدْته وُدَّاً مثل شَرِبْته شُرْباً وَقَالُوا ذَكَرَه ذِكْراً كحفِظَه حِفْظاً. قَالَ: وَقد جَاءَ شيءٌ من هَذَا المتعدِّي على فَعيل قَالُوا ضَريبُ قِداحٍ للَّذي يَضْرِب بالقِداح وصَريمٌ للصارِم وَقَالَ طَريف بن تَمِيم العنبريّ: أوَ كلَّما وَرَدَتْ عُكاظَ قَبيلةٌ بعَثوا إليَّ عَريفهمْ يَتَوَسَّمُ يُرِيد عارِفَهم والبابُ فِي ذَلِك أَن يكونَ بِنَاؤُه على فاعلٍ كضاربٍ وقاتلٍ وَمَا أشبهَ ذَلِك وَيجوز أَن يكونَ ضَريبُ قِداح فَرْقَاً بَيْنَه وبَيْنَ من يَضْرِب فِي معنى آخرَ وبَيْنَ الصَّريم فِي القَطيعة وبَيْنَ من يَصْرِم فِي معنى سِواه وبَيْنَ عَريفٍ الَّذِي يَعْرِف الإنسانَ وبَيْنَ العرِف شَيْئا سِواه. وَقد جَاءَ المصدرُ على فِعال قَالُوا كَذَبْته كِذاباً وكَتَبْته كِتاباً وحَجَبْته حِجاباً وَقَالُوا كَتَبْته كَتْبَاً على الْقيَاس وَقَالُوا سُقْتُه سِياقاً ونَكَحَها نِكاحاً وسَفِدَها سِفاداً وَقَالُوا قَرَعَها قَرْعَاً، وَقد جَاءَ على فِعْلانٍ قَالُوا حَرَمَه يَحْرِمه حِرْماناً ووَجَدَ الشيءَ يَجِدُه وِجْداناً بِمَعْنى أصابَ وَقَالُوا أَتَيْته آتيهِ إتْياناً وَقَالُوا أَتْيَاً على الْقيَاس، قَالَ الشَّاعِر: إنِّي وأَتْيي ابنَ غَلَاّقٍ لِيَقْرِيَني كغابِطِ الكَلْبِ يَبْغِي الطِّرْقَ فِي الذَّنَبِ ولَقِيته لِقْياناً وعَرَفْته عِرْفاناً ورَئِمَه رِئْماناً: إِذا أَلِفَه وعَطَف عَلَيْهِ، وَقَالُوا رأْماً وحَسِبَه حِسْباناً ورَضِيَه رِضْواناً وغَشِيَه غِشْياناً، وَقد جَاءَ على فَعال كَمَا جَاءَ على فُعول كَقَوْلِك سَمِعْته سَماعاً مثل لَزِمْته لُزوماً وعَلى فُعْلان نَحْو الشُّكْران والغُفْران وَقد قيل الكُفْران قَالَ الله تَعَالَى: (فَلَا كُفْرانَ لِسَعْيِه) . وَفِي بعض الْأَخْبَار: (شُكْرانَكَ لَا كُفْرانَكَ) . وَقَالُوا الشُّكور كَمَا قَالُوا الجُحود وَقَالُوا الكُفْر كالشُّغْل، وَقَالُوا سَأَلْته سُؤَالاً فجاؤا بِهِ على فَعال وَجَاء على فِعالة كَقَوْلِك نَكَيْت العدوَّ نِكايَةً وحَمَيْته حِمايةً وَقَالُوا حَمْيَاً على الْقيَاس وَقَالُوا حَمَيْت المَريضَ حِمْيَة كَمَا قَالُوا نَشَدْته نِشْدة فَهَذَا على فِعْلة وَقد جَاءَ على فَعْلَة كَقَوْلِهِم رَحِمْته رَحْمَةً وَلَيْسَ يُرادُ بِهِ مرَّةً وَاحِدَة وَكَذَلِكَ لَقِيته لَقْيَةً ونظيرها خِلْتُه خِيْلةً يُرِيد نظيرها فِي الْمصدر لَا فِي الوَزْن وَقَالُوا نَصَحَ نَصاحةً فأدخلوا الهاءَ وَقَالُوا غَلَبَ غَلَبَةً كَمَا قَالُوا نَهَمَة وَقَالُوا الغَلَبُ كَمَا قَالُوا السَّرَق وَقَالُوا ضَرَبَها الفحلُ ضِراباً كالنِّكاح وَالْقِيَاس ضَرْبَاً وَلَا يَقُولُونَهُ كَمَا لَا يَقُولُونَ نَكْحَاً وَهُوَ الْقيَاس وَقَالُوا دَفَعَها دَفْعَاً كالقَرْع وذَقَطَها ذَقْطَاً: وَهُوَ النِّكاح ونحوُه من بَاب المُباضَعة وَقَالُوا سِرْقَةٌ كَمَا قَالُوا فِطْنة وَقَالُوا لَوَيْتُه حَقَّه لَيَّاناً على فَعْلَانٍ، وَذكر بعضُ النَّحْوِيين: وَهُوَ عِنْدِي جيِّد أَن لَيَّاناً أصلُه لِيَّان لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي المصادر فَعْلَان وَإِنَّمَا يجيءُ على فِعْلانٍ وفِعْلانٌ كثير كالوِجْدان والإتْيان والعِرْفان فكأنَّ أصلَه لِيَّان فاستثقلوا الكسرةَ مَعَ الياءِ المشدَّدة ففتَحوا اسْتِثْقالاً وَقد ذكر أَبُو زيد فِي كتابِ عَيْمَان عَن بعض الْعَرَب لِيَّاناً بِالْكَسْرِ وَهَذَا من أَوْضَح الدلائلِ على مَا ذكرْنا، وَقَالُوا رَحِمْته رَحَمَةً كالغَلَبَة وجميعُ مَا ذكرتُه إِلَى هَذَا الموضِع فِي الْأَفْعَال المتعدِّيَة وَأما كلُّ عَمَل لم يتعدَّ إِلَى مَنْصُوب فَإِنَّهُ يكون فِعْلُه على مَا ذكرنَا فِي الَّذِي يتعدَّى ويكونُ الاسمُ فَاعِلا والمصدر يكون فُعولاً وَذَلِكَ نَحْو قَعَدَ قُعوداً وَهُوَ قاعِدٌ وجَلَسَ يَجْلِس جُلوساً وسَكَتَ سُكوتاً وَهُوَ ساكِتٌ وثَبَتَ ثُبوتاً وَهُوَ ثابتٌ وذَهَبَ ذُهوباً وَهُوَ ذاهِبٌ وَقَالُوا الذَّهَاب والثَّبات فبَنَوْه على فعال كَمَا بَنَوْه على فُعول والفُعول فِيهِ أكثرُ وَقَالُوا رَكِنَ يَرْكَنُ رُكوناً وَهُوَ راكِنٌ وَقد قَالُوا فِي بعض مصَادر هَذَا فجاؤا بِهِ على فَعْل كَمَا جاؤا بِبَعْض مصَادر الأول على فُعول وَذَلِكَ قَوْلك سَكَتَ يَسْكُت سَكْتَاً وهَدَأَ اللَّيْل يَهْدَأ هَدْءَاً وعَجَزَ عَجْزَاً

стр. 1694

وحَرِدَ يَحْرَد حَرْدَاً وَهُوَ حارِدٌ وَقَوْلهمْ فاعلٌ يدلُّك على أَنهم إِنَّمَا جَعَلُوهُ من هَذَا الْبَاب وتخفيفهم الحرَد أَنهم حملُوا مصادرَ مَا لَا يتعدَّى حَيْثُ قَالُوا لَزِمَ لُزوماً وجَحَدَه جُحوداً وَالْبَاب فِيهِ لَزْمَاً وجَحْدَاً على مَا لَا يتعدَّى وقوَّى حَمْلَهم ذَلِك على مَا يتعدَّىأنهم قَالُوا حارِدٌ وَكَانَ القياسُ فِي مثله أَن يكون حَرِدَ حَرَدَاً فَهُوَ حَرْدَان كَمَا قَالُوا غَضِبَ غَضَبَاً فَهُوَ غَضْبَان فأخرجوه عَن بَاب غَضْبَان بتَخْفِيف الحَرَد وبقولهم حارِدٌ وَمعنى قَوْلنَا فَإِنَّهُ يكونُ فِعْله على مَا ذَكَرْنا فِي الَّذِي يتعدَّى يريدُ من بابِ فَعَلَ يَفْعُل كَقَوْلِنَا قَعَدَ يَقْعُد وفَعَلَ يَفْعِل كَقَوْلِنَا جَلَسَ يَجْلِس وفَعِلَ يَفْعَل كَقَوْلِنَا حَرِدَ يَحْرَد فَهَذِهِ الْأَفْعَال لَهَا نظائرٌ فِيمَا يتعدَّى، وَيَجِيء فِيمَا لَا يتعدَّى بناءٌ يَنْفَرد بِهِ كَقَوْلِنَا ظَرُف يَظْرُف وكَرُم يَكْرُم وستَقِف على ذَلِك إِن شَاءَ الله وَقَالُوا لَبِثَ لَبَثَاً فجعلوه بِمَنْزِلَة عَمِلَ عَمَلاً وَقَوْلهمْ لابِثٌ يدلُّك على أَنه من هَذَا الْبَاب وَقَالُوا مَكَثَ يَمْكُث مُكوثاً كَمَا قَالُوا قَعَدَ يَقْعُد قُعوداً وَقَالَ بَعضهم مَكُث شبَّهه بظَرُف لِأَنَّهُ فِعل لَا يتعدَّى كَمَا أَن هَذَا فِعل لَا يتعدَّى وَقَالُوا المُكْث كالشُّغل والقُبْح لِأَن بِنَاء الْفِعْل واحدٌ فِي مكُث يَمْكُث وقَبُح يَقْبُح وَقَالَ بعض الْعَرَب مَجَنَ يَمْجُن مُجْناً كالشُّغل فِيمَا يتعدَّى وفَسَقَ فِسْقاً كَمَا قَالُوا فَعَلَ فِعْلاً فِيمَا يتعدَّى وَقَالُوا حَلَفَ حَلِفَاً كَمَا قَالُوا سَرَقَ سَرِقَاً فِيمَا يتعدَّى وَأما دَخَلْته دُخولاً ووَلَجْته وُلوجاً فَإِنَّمَا هِيَ على وَلَجْت فِيهِ ودَخَلْت فِيهِ ولكنَّه ألْقى فِي اسْتِخْفَافًا كَمَا قَالُوا نُبِّئْت زَيْدَاً وَإِنَّمَا يُرِيد نُبِّئْت عَن زيدٍ وَمثل الحارِدِ والحَرْد قولُهم حَمِيَت الشمسُ تَحْمَى حَمْيَاً وَهِي حامِيَةٌ، قَالَ الشَّاعِر: هِيَ على وَلَجْت فِيهِ ودَخَلْت فِيهِ ولكنَّه ألْقى فِي اسْتِخْفَافًا كَمَا قَالُوا نُبِّئْت زَيْدَاً وَإِنَّمَا يُرِيد نُبِّئْت عَن زيدٍ وَمثل الحارِدِ والحَرْد قولُهم حَمِيَت الشمسُ تَحْمَى حَمْيَاً وَهِي حامِيَةٌ، قَالَ الشَّاعِر: تَفور عَلَيْنا قِدرُهم فنُديمُها ونَفْثَأُها عنَّا إِذا حَمْيُها غَلى نُديمها: أَي نُسَكِّنُها، وَقَالُوا لَعِبَ يَلْعَب لَعِبَاً وضَحِكَ يَضْحَك ضَحِكَاً كَمَا قَالُوا الحَلِف وَقَالُوا حَجَّ حِجَّاً كَمَا قَالُوا ذَكَرَ ذِكْراً وَقد تقدم وَقد جَاءَ بعضه على فُعال كَمَا جَاءَ على فَعال وفُعول قَالُوا نَعَسَ نُعاساً وعَطَسَ عُطاساً ومَزَحَ مُزاحاً، وَقد يجيءُ الفُعال والفُعالة والفِعال والفِعالة فِي أَشْيَاء تكثُر فِيهَا وَتَكون أبواباً لَهَا وَكَذَلِكَ الفَعيل فَأَما فُعال فقد كثُر فِي الْأَصْوَات وَصَارَ الْبَاب لَهَا وَيَتْلوه فِي ذَلِك الفَعيل فَأَما الفُعال فنحو الصُّراخ والضُّباح واليُعار والبُغام والحُصاص والحُباج والخُباج وَهُوَ الضُّراط والرُّغاء والدُّعاء والعُواء والبُكاء وَأما الفَعيل فنحو الصَّهيل والزَّئير والطَّنين والصَّريف والنَّزيب والنَّبيب والزَّحير والنَّهيت والنَّهيم والنَّئيم وَنَحْوه كثيرٌ وَمِمَّا اجتمعَ فِيهِ فَعيل وفُعال شَحيج البغْل وشُحاجه ونَهيق الحِمار ونُهاقه وسَحيله وسُحاله ونَبيح الْكَلْب ونُباحه وضَغيب الأرنب وضُغابها والأنين والأُنان والزَّحير والزُّحار وفَعيل وفُعال أختَان فِي هَذَا كَمَا اتفقَتَا فِي الوَصْف كَقَوْلِك طَويل وطُوال وخَفيف وخُفاف وعَجيب وعُجاب وكَريم وكُرام، وَحكى الْفَارِسِي: لَئيم ولُؤام وخَبيث وخُباث وَيكثر فُعال فِي الأدْواء كَقَوْلِنَا السُّكات والبُوال والدُّوار والعُطاس والسُّهام: وَهُوَ تغيُّر من حرٍّ أَو شمس أَو سُقْم، والسُّعال والهُلاس والنُّحاز والدُّكاع والقُلاب والخُمال والنُّكاف والهُيام والقُحاب والصُّراع وكلُّ هَذَا من أدْواء الإبِل. قَالَ الْأَصْمَعِي: وَقع فِي الإبلِ سُواف: وَهُوَ الهَلاك والموتُ. وَقَالَ أَبُو عَمْرو الشَّيْبَانِيّ: سَواف بفتْح السِّين فأنكَر ... . قَالَ أَبُو عَمْرو: هَكَذَا سمعته ويقوِّي مَا قَالَ أَبُو عَمْرو أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ: كَمَا أنَّك قد تجيءُ ببعضِ مَا يكونُ مِنْ ذَا يومئُ إِلَى الأدواء على غير فُعال وبابه فُعال فَيمكن أَن يكون السَّواف مِنْهُ وَقَالُوا: سَمِعَ اللهُ غُواثَه وغَواثَه: وَهُوَ استغاثَته والبابُ فِيهِ الضَّمُّ لِأَنَّهُ من الْأَصْوَات وَيجوز أَن يكونَ فتْحُهم لذَلِك استثقالاً للضمِّ الَّذِي بَعْدَه الْوَاو ويجيءُ فُعال فِيمَا كَانَ نحوَ الدُّقاق والحُطام والجُذاذ والفُضاض والفُتات

стр. 1695

والرّفات وَهُوَ مصدرٌ على مَفْعول، قَالَ أَبُو عَليّ: وبالجملةِ الغالبةِ فكلُّ مَا كَانَ مُسْتَطيراً أَو مُرْفَضَّاً أَو متقطِّعاً من شَيْء وَبِالْجُمْلَةِ الَّتِي هِيَ أَعْلَى طبقَة من هَذِه فِي بَاب الجِنْسِيَّة والاستحقاقِ لاسمِ العُموم فإنَّ الفُعال يكونُ على الْأَجْزَاء المتَّسِعة عَن الْبناء كَقَوْلِه: يَطيرُ فُضاضاً بَيْنَها كلَّ قَوْنَسِ قَالَ أَبُو عَليّ: وَقد جعل سِيبَوَيْهٍ البَقِيَّة من الشَّيْء تغلب عَلَيْهِ الفُعالة هَذِه عبارَة أبي عَليّ، فَأَما سِيبَوَيْهٍ وَأَبُو بكر محمدُ بن السرِيِّ فَقَالَا: ويجيءُ الفُعالة فِيمَا كَانَ فاضِلاً من الشَّيْء إِذا أُخذ مِنْهُ نَحْو الفُضالة والفُوارة والقُراضة والنُّفاية والنُّقاوة والحُسالة والحُثالة والحُسافة والكُساحة والجُرامة: وَهِي مَا يَجْرَم من النحْل بعد الفَراغ مِنْهُ وَمثله الظُّلامة والخُباسة: وَهِي الْغَنِيمَة، وَأنْشد أَبُو عَليّ: وَلم أرَ شَرْوَاها خُباسةَ واحدٍ فَنَهْنَهْت نَفْسي بَعْدَمَا كِدْتُ أَفْعَلَهْ والعُمالة وَهِي مشبَّهة بالفُعالة، قَالَ أَبُو عَليّ: ليستْ هَذِه بمصادرَ محقَّقةٍ وَإِنَّمَا هِيَ مَوْضُوعَة موضِعَ الْمَفْعُول وَهِي تدلُّ على مَا تدلُّ عَلَيْهِ الفَعيلة الَّتِي هِيَ بِمَعْنى الفَضْلة كالبَقِيَّة والتَّلِيَّة والتَّريكة فَلَو قلت فِي فَعيلة إِنَّهَا مصادرُ لَقلت مثلَ ذَلِك فِي فُعالة لكنْ فَعيلة لَيست بمصدرٍ وَهِي دالَّة على مَا تدلُّ عَلَيْهِ فُعالة من معنى الفَضْلة فَإِذا فُعالةٌ لَيست بمصدر وَيَجِيء الفِعال فِيمَا كَانَ هِياجاً من ذكر أَو أُنْثَى فالذكر نَحْو الهِباب والشِّماس والطِّماح والضِّراح: وَهُوَ الرَّمح بالرِّجْل، قَالَ أَبُو عَليّ: وَذَلِكَ كُله يُشبه بَاب الهِياج لِأَنَّهُ تحرُّك وخُروج عَن الِاعْتِدَال ومثلُه الخِلاء والحِران لِأَنَّهُ يشبه ذَلِك للمُمانعة والتَّباعد مِمَّا يُراد مِنْهُ. وَقد يَجِيء فِعال فِي الْأَصْوَات وَلَيْسَ بكثْرَة فُعال وفَعيل كالغِناء والزِّمار والعِرار: وهما أصواتُ النَّعامِ، وَقد يَجِيء فِيهِ الفِعال والفُعال معْتَقِبَيْنِ على الكلمةِ الْوَاحِدَة وَذَلِكَ قَوْلهم الهُتاف والهِتاف والصِّياح والصُّياح والنِّداء والنُّداء حكى ذَلِك كلَّه ابْن السّكيت، وَيَجِيء فِعال لانْتِهَاء الزَّمان هَذِه عبارَة جُمهور النَّحْوِيين فِي هَذَا الْفَصْل فَأَما أَبُو عَليّ فَقَالَ: وَيَجِيء فِعال لإدراكِ مَا عالَجَه الهواءُ وَذَلِكَ نَحْو قَوْلهم الصِّرام والجِزاز والقِطاع والحِصاد والرِّفاع: وَهُوَ أَن يُرْفَع الزرعُ والتمرُ ليجمَع فِي بَيْدَره أَو مِرْبَده والكِناز والقِطاف ويدخلُ الفَعال عَلَيْهِ فَهُوَ لُغَة فِي كلٍّ واحدةٍ من هَذِه، وَحكى أَبُو عَليّ: خِراص النخْل والزرْع وصرَّح بالكَسْر وَلم أرَهُ ذكر الفتْح وتجيء الفِعالة فِيمَا كَانَ وِلايةً أَو صِناعة وكأنَّ الوِلاية جِنْس لذَلِك وَكَذَلِكَ الصِّناعة وكلَّما كَانَ الجِنْس على وَزْن كَانَ النَّوْع على ذَلِك الوَزْن هَذَا قَطْع أبي عَليّ وأُراه غَالِبا لَا لَازِما فَأَما الوِلاية فنحو الخِلافة والإمارة والعِرافة والنِّقابة والنِّكابة والنِّكابُة من المَنْكِب، والمَنْكِب: الَّذِي فِي يَده اثْنَتَا عَشْرَة عِرافة. أَبُو عبيد: المَنْكِب: عَوْن العَريف وَمن أَنْوَاع الوِلاية السِّياسة والإيالة وَهِي السياسة والإبالة: وَهِي وِلاية الإبلِ والحِذْقُ لمصلحتِها والعِياسة: وَهِي السياسة وَقَالُوا العَوْس، قَالَ الْفَارِسِي: هُوَ العَوْس والعَوْس شذَّ عَن قانون هَذَا البابِ وَخرج مِنْهُ وَمَا أشبَهه مِمَّا يُنْبِئُ بِهِ ويعيِّنه ويُعلِن بِخُرُوجِهِ عَن الْبَاب هُوَ وسيبويه وجميعُ حُذَّاق النَّحْوِيين يدلُّني على أَن قَول أبي عَليّ وكلَّما كَانَ الجِنس على وزنٍ كَانَ النَّوْع على ذَلِك الْوَزْن محمل ... . كُلِّيٍّ إِلَّا أَن يُقْضى عَلَيْهِ بالغَلَبة فَيكون مَجازيَّاً على مَا عُهد وجَرَت العادةُ بِهِ من موضوعِ قَضايا النَّحْوِيين وَقَالُوا فِي الصِّنَاعَة القِصابة: وَهِي الجِزارة والحِياكة والخِياطة والخِرازة والصِّياغة والنِّجارة والفِلاحة

стр. 1696

والمِلاحة والتِّجارة وفتحوا الأوَّل فِي بعض ذَلِك. قَالَ ابْن السّكيت: هِيَ الوَلاية والوِلاية والوَكالة والوِكالة والجَراية والجِراية فَأَما الدِّلالة والدَّلالة فَفِي بابِ الصِّناعة. قَالَ أَبُو عَليّ: وَيَجِيء فِي المصادر فِعْلة على معنى الْإِبَانَة عَن الكيفيَّة يُقَال إِنَّه لَحَسَنُ العِمَّة والعِصْبة والفِضْلة والنِّقْبة واللِّحْفة واللِّثْمة والبِيْعة والوِزْنة وَقد استعملوا ذَلِك فِيمَا لَيْسَ بصفةٍ محسوسةٍ وَإِنَّمَا هِيَ مَقْبُولَة بالعَقْل نَحْو الفِقْهة والفِهْمة والغِفْلة وَيدخل فِي هَذَا الكِظَّة والبِطْنة والمِلأة، والكِظَّة: امتلاءٌ من الطَّعَام، وَقد دخل كَلَام سِيبَوَيْهٍ فِيمَا ذكرته بِمَا أَغْنى عَن سِياقه. وَأما الوَسْم فَيَجِيء على فِعال نَحْو الخِياط والعِلاط والعِراض والجِناب والكِشاح والأثَر يكونُ على فِعال والعملُ يكون فَعْلاً كَقَوْلِك وَسَمْت وَسْمَاً وخَبَطْت البعيرَ خَبْطَاً وكَشَحْته كَشْحَاً وَأما المُشْط والدَّلْو والخُطَّاف أَعنِي فِي السِّمات فَإِنَّمَا أَرَادَ صورةَ هَذِه الأشياءِ أَنَّهَا وُسمت بِهِ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ صورةُ الدَّلْو وَمعنى الخِياط فِي السِّمة الأثَرُ على الوجْه والعِلاط والعِراض على العُنُق والجِناب على الجَنْب والكِشاح على الكَشْح، وَجَاء بعضُ السِّمات على غير الفِعال نَحْو القَرْمة والجَرْف اكتفَوْا بِالْعَمَلِ يَعْنِي الْمصدر والفَعْلةِ فأوْقَعوهما على الأثَر والجَرف: أَن يُقلعَ شيءٌ من الجِلْد بحديد والقَرْمة: أَن يُقطَع شيءٌ من الجِلْد يكون معَلَّقاً عَلَيْهِ، وَمن المصادر الَّتِي جَاءَت على مثالٍ واحدٍ حينَ تقاربت الْمعَانِي قولُك النَّزَوان والنَّقَران والقَفَزان وَإِنَّمَا جَاءَت هَذِه الأشياءُ فِي زَعْزَعة البَدَن واهتِزازه فِي ارتفاعٍ وبابُ الفَعَلان أَن يجيءَ مصدرا فِيمَا كَانَ يَضْطَرب وَلَا يَجِيء فِي غير ذَلِك وَمثله العَسَلان والرَّتَكان: وهما ضَرْبَان من العَدْو وَرُبمَا جَاءَ مَا كَانَ فِيهِ اضطِرابٌ على غيرِ الفَعَلان نَحْو النُّزاء والقُماص كَمَا جَاءَ عَلَيْهِ الصَّوْت نَحْو الصُّراخ والنًّباح لِأَن الصوتَ قد تكلَّف فِيهِ من نَفْسِه مَا تكلَّف من نَفْسِه فِي النَّزَوان وَنَحْوه وَقَالُوا النَّزْو والنَّعْز كَمَا قَالُوا السَّكْت والقَفْز لِأَن بناءَ الفعلِ وَاحِد لَا يتعدَّى كَمَا لَا يتعدَّى هَذَا ومثلُ ذَلِك الغَلَيان والغَثَيان لِأَن بناءَ النفسَ تَضْطَرِب وتَثور وَكَذَلِكَ الخَطَران واللَّمَعان لِأَنَّهُ اضْطِراب وتحرُّك واللَّهَبان والصَّخَدان والوَهَجان لِأَنَّهُ تحرُّك الحَرِّ وثَوْرُه بِمَنْزِلَة الغَلَيان وَقَالُوا وَجَبَ قلْبُه وَجيباً ووَجف وَجيفاً ورسَم البعيرُ رَسيماً: وَهُوَ ضَرْبٌ من السَّيْر فجَاء على فَعيل كَمَا جَاءَ على فُعال يَعْنِي النُّزاء والقُماص وكما جَاءَ فَعيل فِي الصَّوْت مَجيءَ فُعال كالهَدير والضَّجيج والقَليج والصَّهيل والنَّهيق والشَّحيج، قَالَ: وأكثرُ مَا يكونُ الفعَلان فِي هَذَا الضَّرْب وَلَا يجيءُ فِعله يتعدَّى الفاعلَ إِلَّا أَن يشِذَّ شيءٌ مِنْهُ نَحْو شَنِئْته شَنَآَناً وَقَالُوا اللَّمْع والخَطْر كَمَا قَالُوا الهَدْر فَمَا جَاءَ مِنْهُ على فَعْل فَهُوَ الأَصْل وَقد جاؤا بالفَعَلان فِي أشياءَ تقارَبَتْ فِي اشتِراكِها فِي الاضْطِراب والحرَكة كالطَّوَفان والدَّوَران والجَوَلان تَشْبِيها بالغَلَيان والغَثَيان لِأَن الغَلَيان تقلُّب مَا فِي القِدْر وتصرُّفه وَقد قَالُوا الجَوْل والغَلْي وَقَالُوا الحَيَدان والمَيَلان فأدخلوا الفَعَلان فِي هَذَا كَمَا أَن مَا ذَكَرْنا من المصادرِ قد دخل بعضُها على بعضٍ وَهَذِه الأشياءُ لَا تُضبَط بِقِيَاس وَلَا بأمْر أَحْكَمَ من هَذَا وَهَكَذَا مأخَذُ الْخَلِيل. قَالَ أَبُو عَليّ: يَعْنِي أَن الحَيَدان والمَيَلان شاذٌّ خارجٌ عَن قِيَاس فَعَلان كَمَا يخرج بعضُ المصادرِ عَن بَابه. قَالَ: وَقد يجوزُ عِندي أَن يكونَ على البابِ لأنَّ الحَيَدان والمَيَلان إِنَّمَا هما أَخْذٌ فِي جِهة عادِلة عَن جهةٍ أُخْرى وهما بمنزلةِ الرَّوَغان وَهُوَ عَدْو فِي جِهَة المَيْل، وَقَالَ بعضُهم: لِأَن الحَيَدان والمَيَلان لَيْسَ فيهمَا زَعْزَعة شديدةٌ وَقَالُوا وَثَبَ وَثْبَاً ووُثوباً كَمَا قَالُوا هَدَأَ هَدْءَأ وهُدوءاً وَقَالُوا رَقَصَ رَقَصَاً كَمَا قَالُوا طَلَبَ طَلَبَاً وَمثله خَبَّ يَخُبُّ خَبَبَاً وَقَالُوا خَبيباً كَمَا قَالُوا الذّميل والصَّهيل وَقد جَاءَ من الصَّوْت شيءٌ على فَعَلَة نَحْو الرَّزَمة والجَلَبة والحَدَمة والوَحاة وَقَالُوا الطَّيَران كَمَا قَالُوا النَّزَوان وَقَالُوا نَفَيان المَطَر شبَّهوه بالطَّيَران لِأَنَّهُ يَنْفي بِجَناحَيْه والسَّحابُ يَنْفِي أوَّلَ شيءٍ رَشَّاً أَو بَرْدَاً ونَفَيان الرِّيح أَيْضا التُّرابُ وتنفي المَطر تُصَرِّفه كَمَا تُصَرِّف الترابَ. وَمِمَّا جَاءَت مصادرُه على مثالٍ لتقاربِ المَعاني قَوْلك يَئِسْت يَأْسَاً ويآسَةً وسَئِمْت سَأْمَاً وسآمَةً وزَهِدْت زَهْدَاً وزَهادةً فَإِنَّمَا جُمْلة هَذَا لترْك

стр. 1697

الشيءِ وجاءتِ الأسماءُ على فاعِلٍ لِأَنَّهَا جُعلت من بابِ شَرِبْت ورَكِبْت، قَالَ أَبُو سعيد: قَوْله لِأَنَّهَا جُعلت من بَاب شَرِبْت ورَكِبْت يَنْبَغِي أَن يكونَ ذَكَرَ شَرِبْت لِأَنَّهُ عملٌ كَمَا أَن زَهِدْت عمل وَيجوز أَن يكون ذَكَرَ شَرِبْت على معنى رَوِيت لِأَن رَوِيت انتهاءٌ وتَرْكٌ كسَئِمْت وَقَالُوا زَهَدَ كَمَا قَالُوا ذَهَبَ وَقَالُوا الزُّهْد كَمَا قَالُوا المُكْث وَقد جَاءَ أَيْضا مَا كَانَ من التَّرْك والانتهاء على فَعِلَ يَفْعَل فَعَلاً وَجَاء الاسمُ على فَعِلٍ وَذَلِكَ أَجِمَ يَأْجَمُ أَجَمَاً وَهُوَ أَجِمٌ: إِذا بَشِمَ من الشيءِ وكَرِهَه وسَنِقَ يَسْنَق سَنَقَاً وَهُوَ سَنِقٌ، كبشِم وغَرِضَ يَغْرَضُ غَرَضَاً وَهُوَ غَرِضٌ وجاؤا بضِدِّ الزُّهْد والغَرَض على بِنَاء الغرَض وَذَلِكَ هَوِيَ يَهْوَى هوى وَهُوَ هَوٍ وَقَالُوا قَنِعَ يَقْنَع قَناعةً كَمَا قَالُوا زَهِدَ يَزْهَد زَهادةً وَقَالُوا قانِعٌ كَمَا قَالُوا زاهِدٌ وقَنِعٌ كَمَا قَالُوا غَرِضٌ لِأَن بناءَ الْفِعْل واحدٌ وَإنَّهُ ضِدُّ تَرْكِ الشيءِ ومثلُ هَذَا فِي التقارُبِ بَطِنَ يَبْطَن بَطَنَاً وَهُوَ بَطِنٌ وبَطينٌ وتَبِنَ تَبَنَاً وَهُوَ تَبِنٌ وثَمِلَ يَثْمَل ثَمَلاً وَهُوَ ثَمِلٌ وَقَالُوا طَبِنَ يَطْبَن طَبَنَاً وَهُوَ طَبِنٌ، وَقَالَ بعض النَّحْوِيين: زِيدت الْيَاء فِي بَطين للُزوم الكسرةِ لهَذَا البابِ أَي لفَعلِ فصير بمنزلةِ المَريض والسَّقيم وَمَا أشبه ذَلِك وَقَالُوا ... . إِنَّمَا هِيَ خُلُق كالأشَر والفَرَح وَهُوَ لما يقَع فِي الجِسْم وَمعنى تَبِنَ فَطِنٌ أَي ذَلِك من طَبْعُ وسوسه وَقَالَ بَعضهم تَبِنَ بَطْنُه إِذا انتَفَخ. َبِنَ يَطْبَن طَبَنَاً وَهُوَ طَبِنٌ، وَقَالَ بعض النَّحْوِيين: زِيدت الْيَاء فِي بَطين للُزوم الكسرةِ لهَذَا البابِ أَي لفَعلِ فصير بمنزلةِ المَريض والسَّقيم وَمَا أشبه ذَلِك وَقَالُوا ... . إِنَّمَا هِيَ خُلُق كالأشَر والفَرَح وَهُوَ لما يقَع فِي الجِسْم وَمعنى تَبِنَ فَطِنٌ أَي ذَلِك من طَبْعُ وسوسه وَقَالَ بَعضهم تَبِنَ بَطْنُه إِذا انتَفَخ. وَمِمَّا جَاءَ من الأدواء على مِثَال وَجِعَ يَوْجَعُ وَجَعَاً لتقاربِ المَعاني وَذَلِكَ حَبِطَ يَحْبَطُ حَبَطَاً وحَبِجَ يَحْبَج حَبَجَاً: وهما انتفاخُ الْبَطن وَقد يَجِيء الاسمُ فَعيلاً نَحْو مَرِضَ يَمْرَض وَهُوَ مَريض وسَقِمَ يَسْقَم سَقَمَاً وَهُوَ سَقيم. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: بعض العربِ يَقُول سَقُمَ سَقَمَاً فَهُوَ سَقيم كَمَا قَالُوا كَرُم كَرَمَاً وَهُوَ كَريم وعَسِرَ عَسَرَاً وَهُوَ عَسير وَقد قَالُوا عَسُر وَقَالُوا السُّقْم كَمَا قَالُوا الحُزْن وَقَالُوا حَزِنَ حَزَنَاً وَهُوَ حَزين جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَة المَرَض لِأَنَّهُ دَاء مثل وَجِعَ يَوْجَع ووَجِلَ يَوْجَل وَجَلاً وَهُوَ وَجِلٌ ورَدِيَ يَرْدَى وَهُوَ رَدٍ: أَي هَلَكَ ولَوِيَ يَلْوَى لَوىً وَهُوَ لَوٍ من وَجَعَ الجوفِ ووَجِيَ يَوْجَى وَهُوَ وَجٍ: وَهُوَ الحَفا ورِقَّةُ القدَمَيْنِ، وعَمِيَ قلبُه يَعْمَى عَمىً وَهُوَ عَمٍ لِأَنَّهُ كالدَّاء والمَرَض والعربُ تَقول عَمِيَتْ عَيْنُه تَعْمَى عَمىً فَهُوَ أَعْمَى فَصَلُوا بينَهما فِي اسْم الْفَاعِل للفَرْق وَقَالُوا فَزِعَ فَزَعَاً وَهُوَ فَزِعٌ وفَرِقَ فَرَقَاً وَهُوَ فَرِقٌ ووَجِرَ وَجَرَاً وَهُوَ وَجِرٌ وَمَعْنَاهُ كمعنى الوَجَل أَجْرَوا الذُّعْر والخَوْف مُجْرى الداءِ لِأَنَّهُ بلاءٌ وَقَالُوا أَوْجَرُ فأدْخَلوا أَفَعَل هُنَا على فعِلٍ لِأَنَّهُمَا قد يَجْتَمِعَانِ كَقَوْلِك شَعِثٌ وأَشْعَثُ وحَدِبٌ وأَحْدَب وكَدِرٌ وأَكْدَر وحَمِقٌ وأَحْمَق وقَعِسٌ وأَقْعَس: وَهُوَ ضِدُّ الأحْدَب فِي خُروج صدْرِه والأحْدَب: الَّذِي يخرجُ ظهرُه فأفعَلُ دخَل فِي هَذَا البابِ كَمَا دَخَلَ فَعِلٌ فِي أَخْشَنَ وأَكْدَرَ وكما دَخَلَ فَعِلٌ فِي بَاب فَعْلَان أَعنِي أنَّ بابَ الأدْواء يجيءُ على فَعِلَ يَفْعَل فَهُوَ فَعِلٌ فَإِذا استُعمل فيهمَا خَشِنٌ وكَدِر فقد دخل عَلَيْهِمَا فَعِلٌ من غير بابهما ومثلُ ذَلِك فِي بابِ العَطَش والجوع والرِّيِّ والشِّبَع وَكَذَلِكَ فَعْلَان كَقَوْلِك عَطْشَان وصَدْيَان ووَجْلَانُ وَقد قَالُوا فِيهِ عَطِشٌ وصَدٍ ووَجِلٌ. وَاعْلَم أَن فَرِقْته وفَزِعْته مَعْنَاهُ فَرِقْت مِنْهُ وفَزِعْت مِنْهُ وَلَكِن حذفوا مِنْهُ كَمَا حذفوا من أَمَرْتك الخيرَ أَي أنَّ فَعِلَ يَفْعَل وَهُوَ فَعِلٌ لَا يتعدَّى وَإِنَّمَا فَرِقْته وفَزِعْته على حذْفِ الجارِّ كَمَا أنَّ أَمَرْتك الخيرَ كَذَلِك وَقَالُوا خَشِيَ وَهُوَ خاشٍ كَمَا قَالُوا رَحِمَ وَهُوَ راحِمٌ فَلم يجيئوا باللَّفْظ

стр. 1698

كلفْظ مَا مَعْنَاهُ وَلَكِن جاؤا بِالْمَصْدَرِ والاسمِ على مَا بِناءُ فِعْله كبِناء فِعْلِه. قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أنَّ فَعِلَ يَفْعَل إِذا كَانَ اسمُ الْفَاعِل مِنْهُ على فاعِلٍ فَهُوَ يَجْرِي مَجْرَى مَا يتعدَّى وَإِن كَانَ لَا يتعدَّى كَقَوْلِك سَخِطَ يَسْخَط فَهُوَ ساخِطٌ وخَشِيَ يَخْشَى وَهُوَ خاشٍ وَكَانَ الأصلُ سَخِطَ مِنْهُ كَمَا تَقول غَضِبَ مِنْهُ وخَشِيَ مِنْهُ كَمَا تَقول وَجِلَ مِنْهُ فَجعلُوا خَشِيَ وَهُوَ خاشٍ كَقَوْلِهِم رَحِمَ وَهُوَ راحِمٌ وَلَا يُقدَّر فِي رَحِمَ حرفٌ من حُرُوف الجرِّ وَمعنى قَول سِيبَوَيْهٍ فَلم يجيؤا بِاللَّفْظِ كَلَفْظِ مَا مَعْنَاهُ كمعناه يُرِيد لم يَقُولُوا خَشٍ كَمَا قَالُوا فَرِقٌ ووَجِلٌ وَقَوله وَلَكِن جاؤا بِالْمَصْدَرِ وَالِاسْم على مَا بِناءُ فِعْله كبناء فعْلِه المصدرُ يَعْنِي الخشْية والاسمُ يَعْنِي الخاشي فالخَشْية بمنْزلةِ الرَّحْمة فِي وزْنها والخاشي كالرَّاحِم فِي وَزْنِه وبناءُ خَشِيَ يَخْشَى كبناء رَحِمَ يَرْحَم وَهُوَ ضِدُّه وَقد يُحْمَل الضِّدُّ فِي اللفظِ على مَا يُضادُّه لتلبُّسهما بحيِّز واحدٍ وَإِن كَانَا يتنافيان فِي ذَلِك الحيِّز كالألْوان المضادَّة والرَّوائحِ والطُّعومِ المتضادَّة. قَالَ: وجاؤا بضِدِّ مَا ذَكَرْنا على بنائِهِ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا أَشِرَ يَأْشَر أَشَرَاً وَهُوَ أَشِرٌ وبَطِرَ يَبْطَر بَطَرَاً وَهُوَ بَطِرٌ وفَرِحَ يَفْرَح فَرَحَاً وَهُوَ فَرِحٌ وجَذِلَ يَجْذَل جَذَلاً وَهُوَ جَذِلٌ بِمَعْنى فَرِحَ وَقَالُوا جَذْلَانُ كَمَا قَالُوا كَسْلَان وكَسِلٌ وسَكْرَانُ وسَكِرٌ وَقَالُوا نَشِطَ يَنْشَط وَهُوَ نَشيط كَمَا قَالُوا الحَزين وَقَالُوا النَّشاط كَمَا قَالُوا السَّقام وَجعلُوا السَّقام والسَّقيم كالجَمال والجَميل وَقَالُوا سَهِكَ يَسْهَك سَهَكَاً وَهُوَ سَهِكٌ وقَنِمَ يَقْنَمُ قَنَمَاً وَهُوَ قَنِمٌ جَعَلُوهُ كالداء لِأَنَّهُ عَيْب وَقَالُوا قَنَمَة وسَهَكَة قالقَنَمة الرائحةُ المُنْكَرة وَقَالُوا عَقُرَتْ عُقْراً كَمَا قَالُوا سَقُمَت سُقْماً وَقَالُوا عاقِرٌ كَمَا قَالُوا ماكِثٌ وَلَيْسَ البابُ فِيمَا كَانَ فِعْلُه على فَعُل يَفْعُل أَن يجيءَ على فاعلٍ فَإِذا جَاءَ شيءٌ مِنْهُ على فاعلٍ فَهُوَ مَحْمُول على غَيْرِه وَهُوَ قليلٌ كَقَوْلِهِم فَرُهَ العبْدُ فَهُوَ فارِهٌ وعَقُرَ فَهُوَ عاقِرٌ وَقَالُوا خَمِطَ خَمَطَاً وَهُوَ خَمِطٌ فِي ضِدِّ القَنَم والخَمْط رائحةٌ طيِّبة. وَقد جَاءَ على فَعِلَ يَفْعَل وَهُوَ فَعِلٌ أشياءُ تقاربتْ مَعَانِيهَا لِأَن جملَتَها هَيْجٌ وَذَلِكَ قولُك أَرِجَ يَأْرَجُ أَرَجَاً وَهُوَ أَرِجٌ وَإِنَّمَا أَرَادوا تحرُّك الرِّيح وسُطوعَها وحَمِسَ يَحْمَس حَمَسَاً وَهُوَ حَمِسٌ وَذَلِكَ حِين يَهيجُ ويَغْضَب والحَمِس: الَّذِي يَغْضَب لِلْقِتَالِ وَهُوَ الشَّديد الشجاعُ وَقَالُوا أَحْمَسُ كَمَا قَالُوا أَوْجَرُ وَصَارَ أَفْعَلُ هَا هُنَا بِمَنْزِلَة فَعْلَان كغَضْبان وَقد يَدْخُل أَفْعَلُ على فَعْلَان كَمَا دخل فَعِلٌ عَلَيْهِمَا فَلَا يُفارِقهما فِي بناءِ الفِعْل ولشَبَه فَعْلَان لمؤنَّث أَفْعَلَ أَعنِي أَن دخولَ أَفْعَلَ على فَعْلَان لاجتماعهما فِي بناءِ الفِعل والمصدرِ فِي مواضِعَ كثيرةٍ مِنْهَا غَضِبَ يَغْضَب غَضَبَاً فَهُوَ غَضْبَان كَمَا تَقول عَوِرَ يَعْوَرُ عَوَرَاً فَهُوَ أَعْوَرُ فقد اجْتمعَا فِي بناءِ الفعلِ والمصدرِ لِأَن فَعْلَانَ يُشبِه فَعْلَاء وَفْعَلاءُ مؤنَّثُ أَفْعَلَ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم أَبُو الخطَّاب أَنهم يَقُولُونَ رجل أَهْيَمُ وهَيْمَانُ وهم يُرِيدُونَ شَيْئا وَاحِدًا، وَقَالُوا سَلِسَ يَسْلَسُ سَلَسَاً وَهُوَ سَلِسٌ وقَلِقَ يَقْلَق قَلَقَاً وَهُوَ قَلِقٌ ونَزِقَ يَنْزَق نَزَقَاً وَهُوَ نَزِقٌ جعلُوا هَذَا حيثُ كَانَ خِفَّةً وتحرُّكاً مثل الحَمَس والأَرَجِ وَمِنْه غَلِقَ يَغْلَق غَلْقَاً لِأَنَّهُ طَيِش وخِفَّة والغَلِق: الَّذِي يَطيشُ حَتَّى تذهبَ حُجَّتُه وَقد بَنَوْا أَشْيَاء على فَعِلَ يَفْعَل فَعَلاً فَهُوَ فَعِلٌ لتقارُبها فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ مَا تَعذَّر عَلَيْك وَلم يَسْهُل كَقَوْلِك عَسِرَ يَعْسَر عَسَرَاً وَهُوَ عَسِرٌ وشَكِسَ يَشْكَس شَكَسَاً وَهُوَ شَكِسٌ وَقَالُوا الشَّكاسة كَمَا قَالُوا السَّقامة وَقَالُوا لَقِسَ يَلْقَس لَقَسَاً وَهُوَ لَقِسٌ ولَحِزَ يَلْحَزُ لَحَزَاً فَلَمَّا صارتْ هَذِه الأشياءُ مَكْرُوهَة عِنْدهم صَارَت بمنزلةِ الأوْجاع وَصَارَت بمنزِلة مَا رُموا بِهِ من الأدْواء واللَّقَس: سوء الخُلُق واللَّحَز: الضِّيق والشُّحُّ، وَقَالُوا عَسُر الأمرُ فَهُوَ عَسير كَمَا قَالُوا سَقُم فَهُوَ سَقيم وَقَالُوا نَكِدَ يَنْكَد نَكَدَاً وَقَالُوا أَنْكَدُ كَمَا قَالُوا أَجْرَبُ وجَرِبٌ وَقَالُوا لَحِجَ يَلْحَجُ لَحَجَاً وَهُوَ لحِجٌ لِأَن مَعْنَاهُ قريبٌ من السَّقَم، لَحِجَ فِي الشَّيْء: إِذا نَشِبَ فِيهِ وَلم يمكِنْه التخلُّص إِلَّا بِشِدَّة. فَهُوَ فارِهٌ وعَقُرَ فَهُوَ عاقِرٌ وَقَالُوا خَمِطَ خَمَطَاً وَهُوَ خَمِطٌ فِي ضِدِّ القَنَم والخَمْط رائحةٌ طيِّبة. وَقد جَاءَ على فَعِلَ يَفْعَل وَهُوَ فَعِلٌ أشياءُ تقاربتْ مَعَانِيهَا لِأَن جملَتَها هَيْجٌ وَذَلِكَ قولُك أَرِجَ يَأْرَجُ أَرَجَاً وَهُوَ أَرِجٌ وَإِنَّمَا أَرَادوا تحرُّك الرِّيح وسُطوعَها وحَمِسَ يَحْمَس حَمَسَاً وَهُوَ حَمِسٌ وَذَلِكَ حِين يَهيجُ ويَغْضَب والحَمِس: الَّذِي يَغْضَب لِلْقِتَالِ وَهُوَ الشَّديد الشجاعُ وَقَالُوا أَحْمَسُ كَمَا قَالُوا أَوْجَرُ وَصَارَ أَفْعَلُ هَا هُنَا بِمَنْزِلَة فَعْلَان كغَضْبان وَقد يَدْخُل أَفْعَلُ على فَعْلَان كَمَا دخل فَعِلٌ عَلَيْهِمَا فَلَا يُفارِقهما فِي بناءِ الفِعْل ولشَبَه فَعْلَان لمؤنَّث أَفْعَلَ أَعنِي أَن دخولَ أَفْعَلَ على فَعْلَان لاجتماعهما فِي بناءِ الفِعل والمصدرِ فِي مواضِعَ كثيرةٍ مِنْهَا غَضِبَ يَغْضَب غَضَبَاً فَهُوَ غَضْبَان كَمَا تَقول عَوِرَ يَعْوَرُ عَوَرَاً فَهُوَ أَعْوَرُ فقد اجْتمعَا فِي بناءِ الفعلِ والمصدرِ لِأَن فَعْلَانَ يُشبِه فَعْلَاء وَفْعَلاءُ مؤنَّثُ أَفْعَلَ. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم أَبُو الخطَّاب أَنهم يَقُولُونَ رجل أَهْيَمُ وهَيْمَانُ وهم يُرِيدُونَ شَيْئا وَاحِدًا، وَقَالُوا سَلِسَ يَسْلَسُ سَلَسَاً وَهُوَ سَلِسٌ وقَلِقَ يَقْلَق قَلَقَاً وَهُوَ قَلِقٌ ونَزِقَ يَنْزَق نَزَقَاً وَهُوَ نَزِقٌ جعلُوا هَذَا حيثُ كَانَ خِفَّةً وتحرُّكاً مثل الحَمَس والأَرَجِ وَمِنْه غَلِقَ يَغْلَق غَلْقَاً لِأَنَّهُ طَيِش وخِفَّة والغَلِق: الَّذِي يَطيشُ حَتَّى تذهبَ حُجَّتُه وَقد بَنَوْا أَشْيَاء على فَعِلَ يَفْعَل فَعَلاً فَهُوَ فَعِلٌ لتقارُبها فِي الْمَعْنى وَذَلِكَ مَا تَعذَّر عَلَيْك وَلم يَسْهُل كَقَوْلِك عَسِرَ يَعْسَر عَسَرَاً وَهُوَ عَسِرٌ وشَكِسَ يَشْكَس شَكَسَاً وَهُوَ شَكِسٌ وَقَالُوا الشَّكاسة كَمَا قَالُوا السَّقامة وَقَالُوا لَقِسَ يَلْقَس لَقَسَاً وَهُوَ لَقِسٌ ولَحِزَ يَلْحَزُ لَحَزَاً فَلَمَّا صارتْ هَذِه الأشياءُ مَكْرُوهَة عِنْدهم صَارَت بمنزلةِ الأوْجاع وَصَارَت بمنزِلة مَا رُموا بِهِ من الأدْواء واللَّقَس: سوء الخُلُق واللَّحَز: الضِّيق والشُّحُّ، وَقَالُوا عَسُر الأمرُ فَهُوَ عَسير كَمَا قَالُوا سَقُم فَهُوَ سَقيم وَقَالُوا نَكِدَ يَنْكَد نَكَدَاً وَقَالُوا أَنْكَدُ كَمَا قَالُوا أَجْرَبُ وجَرِبٌ وَقَالُوا لَحِجَ يَلْحَجُ لَحَجَاً وَهُوَ لحِجٌ لِأَن مَعْنَاهُ قريبٌ من السَّقَم، لَحِجَ فِي الشَّيْء: إِذا نَشِبَ فِيهِ وَلم يمكِنْه التخلُّص إِلَّا بِشِدَّة. (هَذَا بابُ فَعْلَانَ ومصدرِه وفِعْله) أما مَا كَانَ من الْجُوع والعَطَش فإنَّه أكثرُ مَا يُبنى فِي الْأَسْمَاء على فَعْلَان وَيكون المصدرُ الفَعَلَ وَيكون

стр. 1699

الفِعْل على فَعِلَ يَفْعَلُ وَذَلِكَ ظَمِئَ يَظْمَأُ ظَمَأً وَهُوَ ظَمْآَن وعَطِشَ يَعْطَش عَطَشَاً وَهُوَ عَطْشَانُ وصَدِيَ يَصْدَى صَدَىً وَهُوَ صَدْيَانُ، وَقَالُوا الظَّماءة كَمَا قَالُوا السَّقَامة لِأَن المعنيَيْن قريبٌ كِلَاهُمَا ضَرَرٌ على النَّفْس وأذىً وغَرِثَ يَغْرَثُ غَرَثَاً وَهُوَ غَرْثَانُ وعَلِهَ يَعْلَهُ عَلَهَاً وَهُوَ عَلْهَان: وَهُوَ شدَّةُ الغَرَث والحِرْصِ على الْأكل وَتقول عَلِهٌ كَمَا تَقول عَجِلٌ وَمَعْنَاهُ قريب من وَجِعَ وَقَالُوا طَوِيَ يَطْوَى طَوَىً وَهُوَ طَيَّان وَمَعْنَاهُ الجوعُ، قَالَ عنترة: وَلَقَد أَبيتُ على الطَّوى وأَظَلُّه حَتَّى أنالَ بِهِ كَريمَ المَأْكَلِ وَبَعض الْعَرَب يَقُول الطِّوى فيبْنيه على فِعَلٍ لِأَن زِنَة فِعَلٍ وفَعَلٍ شيءٌ واحدٌ وَلَيْسَ بَيْنَهما إِلَّا كسرةُ الأول وضدُّ مَا ذكرنَا يَجِيء على مَا ذكرنَا وَهُوَ قَوْلهم شَبِعَ يَشْبَع شِبَعاً وَهُوَ شَبْعَانُ كسروا الشِّبَع كَمَا قَالُوا الطِّوى وشبَّهوه بالكِبَر والسِّمَن حَيْثُ كَانَ بِنَاء الْفِعْل وَاحِدًا وَقَالُوا رَوِيَ يَرْوَى رِيَّاً وَهُوَ رَيَّانُ فأدخلوا الفِعْل فِي هَذِه المصادرِ كَمَا أدخلُوا الفُعْل فِيهَا حِين قَالُوا السُّكْر أَعنِي الرِّيّ وزْنه فِعْل وَدخل فِي هَذَا الْبَاب وَلَيْسَ بمطَّرِد فِيهِ ولقائلٍ أَن يقولَ هُوَ فُعْل وكُسِر من أجلِ الياءِ كَمَا قَالُوا قَرْنٌ أَلْوَى وقُرون لِيٌّ ولُيٌّ وَفِي السُّكْر ثلاثُ لُغَات: يُقَال: السُّكْر والسُّكُر والسَّكَر وَحكى الْأَخْفَش السَّكْر ومثلُه خَزْيَانُ والمصدر الخِزْي والرِّيِّ كاتفاق خَزِيَ يَخْزَى وَهُوَ خَزْيَانُ ورَوِيَ يَرْوَى وَهُوَ رَيَّان وَقد جَاءَ شيءٌ من هَذَا على بَاب خَرَجَ يَخْرُج قَالُوا سَغَبَ يَسْغُب سُغْباً وَهُوَ ساغِبٌ كَمَا قَالُوا سَفَلَ يَسْفُل سُفْلاً وَهُوَ سافِلٌ وَمثله جاعَ يجوع جُوعاً وَهُوَ جائِعٌ وناعَ ينوعُ نُوعاً وَهُوَ نائِعٌ، قَالَ بَعضهم: النائع: المتألِّم من الْجُوع، وَقَالَ بَعضهم هُوَ المائلُ من الْجُوع وَقَالَ بَعضهم نائِعٌ إتْباع لجائع ونُوعاً إتْباع لجُوع وَقَالَ بَعضهم النائع: العطْشان، قَالَ الشَّاعِر: لَعَمْرُ بَني شِهابٍ مَا أَقَامُوا صُدُور الْخَيل والأسد الغباعا وَقَالُوا جوعان فأدخلوها هُنَا على فَاعل لِأَن مَعْنَاهَا معنى غرثان قَالَ الشَّاعِر: لَو أنني جَاءَنِي جوعان مهْتَلِكٌ من جُوَّعِ الناسِ عنْه الخيْرُ مَحْجوزُ فجَاء بجَوْعان وجُوَّعٍ وَهُوَ جمعُ جَائِع وَقَالُوا من العطَش أَيْضا هامَ يَهيمُ هَيْمَاً وَهُوَ هائمٌ وَقَالُوا هَيْمَان لِأَن مَعْنَاهُ عَطْشَان وَمثل هَذَا قَوْلهم ساغِبٌ وسِغابٌ مثل جَائِع وجِياع وهائِم وهِيام لمَّا كَانَ الْمَعْنى معنى عِلاهٍ وعِطاشٍ بُني على فِعال وَقَالُوا سَكِرَ يَسْكَر سَكَرَاً وسُكْراً. وَقَالَ أَبُو الْحسن: فِيهَا ثَلَاث لُغات وَقد تقدم ذَلِك وَقَالُوا سَكْرَانُ لمَّا كَانَ من الامتلاء جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَة شَبْعَان وَمثل ذَلِك مَلآنُ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم أَبُو الخطَّاب أَنهم يَقُولُونَ مَلِئْت من الطَّعَام كَمَا قَالُوا شَبِعْت وسَكِرْت وَقَالُوا قَدَحٌ نَصْفَانُ وجُمْجُمَةٌ نَصْفَى والجُمْجُمَة قَدَحٌ أَيْضا وَقَدَحٌ قَرْبَانٌ وجُمْجُمَة قَرْبَى: إِذا قاربَ الامتلاءَ جعلُوا ذَلِك بِمَنْزِلَة الملآنِ لِأَن ذَلِك مَعْنَاهُ معنى الامتلاءِ لِأَن النِّصْف قد امتلأَ والقَرْبانُ ممتَلِئٌ أَيْضا إِلَى حَيْثُ بَلَغَ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلم نَسْمَعهم قَالُوا قَرِبَ وَلَا نَصِفَ اكتفَوا بقارَبَ وناصَف وَلَكنهُمْ جاؤا بِهِ كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ قَرِبَ ونَصِفَ كَمَا قَالُوا مَذاكيرُ وَلم يَقُولُوا مِذْكير وَلَا مِذْكارٌ وكما قَالُوا أَعْزَلُ وعُزْلٌ وَلم يَقُولُوا أعزِلٌ، قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن أَعْزَل وَإِن كَانَ على لفْظِ أَحْمَرَ فَلم يُذْهَب بِهِ مَذْهَبَ أَحْمَرَ لِأَنَّهُ لَا مؤنَّثُ لَهُ فَذَهَبُوا بِهِ مَذْهَب الأسماءِ كأَفْكَلٍ وأَيْدَعٍ وَلم يجمَعوه كجمْع الأسماءِ فِي هَذَا الوَزْن لم يَقُولُوا أعازِلُ كَمَا قَالُوا أَفاكِلُ وَقَالُوا عُزْل كأنَّهم قدَّروا أَعْزَلَ وعَزْلَاء مثل أَحْمَرَ وحَمْرَاءَ وَإِن لم يستعمِلوه كَمَا قَالُوا فِي جمع ذَكَر مَذاكيرُ على تَقْدِير أَن الْوَاحِد مِذْكار أَو مِذْكير وَإِن لم يستعمِلوه وَقَالُوا عُزْل على أنَّ الْوَاحِد عازلٌ وإنْ لم يستعملوه، قَالَ الشَّاعِر:

стр. 1700

غيرُ مِيْلٍ وَلَا عَواويرَ فِي الهَيْ جا وَلَا عُزَّلٍ وَلَا أَكْفَالِ وَقَالُوا رجلٌ شَهْوَانُ وامرأةٌ شَهْوَى لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الغَرْثان والغَرْثى وَزعم أَبُو الْخطاب أَنهم يَقُولُونَ شَهِيْتُ شَهْوَة فجاؤا بِالْمَصْدَرِ على فعْلة كَمَا قَالُوا حِرْت تَحار حَيْرَة وَهُوَ حَيْرَانُ وَقد جَاءَ فَعْلَانُ وفَعْلَى فِي غير هَذَا البابِ قَالُوا خَزْيَانُ وخَزْيَا، وروى أَبُو الْحسن الأخفشُ رَجْلَانُ ورَجْلَى وَمَعْنَاهُ الراجِلُ وَقَالُوا عَجْلَان وعَجْلَى وَقد دخل فِي هَذَا الْبَاب فاعِلٌ كَمَا دخل فَعِلٌ شبَّهوه بسَخِط يَسْخَط سَخَطَاً وَهُوَ ساخِطٌ كَمَا شبَّهوا فَعِلَ بفَزِع يَفْزَعُ فَزَعَاً: وَهُوَ فَزِعٌ أَي إِنَّهُم قَالُوا نادِمٌ وراجِلٌ وصادٍ كَمَا قَالُوا صَدٍ وعَطِشٌ وَقَالُوا غَضِبَ يَغْضَب غَضَبَاً وَهُوَ غَضْبَانُ وَهِي غَضْبَى لِأَن الغَضَب يكونُ فِي جَوْفِه كَمَا يكونُ فِيهِ العَطَش وَقَالُوا مَلآنةٌ شبَّهوها بخَمْصانة ونَدْمَانة وَقَالَ قوم إِن بابَ فَعْلَان الَّذِي أُنْثاه فَعْلَى بَنو أَسد يُدخلون الْهَاء فِي مؤنَّثه ويُخرجونها من المذكَّر فَيَقُولُونَ مَلآنةٌ وملآنٌ وسَكْرَانة وسَكْرَانٌ كَمَا قَالُوا خَمْصَانةٌ ونَدْمَانة وللمذكر خَمْصَانٌ ونَدْمَانٌ ويَلْزَم على لُغة ... . مَلآنُ وغَضْبَانُ وَقَالُوا ثَكِلَ يَثْكَل ثَكَلاًَ وَهُوَ ثَكْلَانُ وَالْأُنْثَى ثَكْلَى جَعَلُوهُ كالعَطَش لِأَنَّهُ حرارةٌ فِي الْجوف وَمثله لَهْفَانُ ولَهْفَى وَقَالُوا لَهِفَ يَلْهَف لَهَفَاً وَقَالُوا حَزْنَانُ وحَزْنَى لِأَنَّهُ غَمٌّ فِي جَوْفِه وَهُوَ كالثُّكْل لِأَن الثُّكْل من الحُزْن قَالَ: والنَّدْمانُ مثلُه والنَّدْمى، قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: نَدْمَانُ الَّذِي من النَّدَامة على الشيءِ فِيهِ نَدْمَى وَلَا يُقَال نَدْمَانةٌ إِنَّمَا نَدْمَانٌ ونَدْمَانةٌ لباب المُنادَمةِ وَأما جَرْبَانُ وجَرْبَى فَإِنَّهُ لمَّا كَانَ بلَاء أُصيبَ بِهِ بَنوه على هَذَا كَمَا بَنَوْه على أَفْعَلَ وفَعْلَاء نَحْو أَجْرَب وجَرْبَاء وَقَالُوا عَبِرَتْ تَعْبَر عَبَرَاً وَهِي عَبْرَى مثل ثَكْلَى والثُّكْل مثلُ السُّكْر والعبَرَ مثلُ العَطَش فَقَالُوا عَبْرَى كَمَا قَالُوا ثَكْلَى، فَأَما مَا كَانَ من هَذَا من بناتِ الْيَاء وَالْوَاو الَّتِي هِيَ عينُ فَإِنَّهَا يَجِيء على فَعِلَ يَفْعَل مُعتَلَّة لَا على الأَصْل وَذَلِكَ عِمْتَ تَعام عَيْمَةً وَهُوَ عَيْمَانُ وَهِي عَيْمَى جَعَلُوهُ كالعَطَش: وَهُوَ الَّذِي يَشْتَهي البَنَ كَمَا يَشْتَهي ذَلِك الشَّرابَ وجاؤا بِالْمَصْدَرِ على فَعْلَةٍ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الأَصْل على فَعَلَ كَمَا كَانَ العطَش وَنَحْوه على فَعَلَ وَلَكنهُمْ أسْكنوا الياءَ وأماتوها يَعْنِي أعَلُّوها كَمَا فعلوا ذَلِك بِالْفِعْلِ فَكَأَن الْهَاء عِوضٌ من الْحَرَكَة مثْلَ غِرْت تَغار غَيْرَةً وَهُوَ فِي الْمَعْنى كالغَضْبان وَقَالُوا حِرْت تَحارُ حَيْرَةً وَهُوَ حَيْرَان ُ وَهِي حَيْرَى وَهُوَ فِي الْمَعْنى كالسَّكْران لِأَن كِلَيْهِما مُرْتَجٌ عَلَيْهِ. هَذَا بابُ مَا يُبنى على أَفْعَلَ أما الألْوان فَإِنَّهَا تُبنى على أَفْعَلَ وَيكون الفِعل على فَعِلَ يَفْعَلُ والمصدرُ على فُعْلَة أكثرُ وَرُبمَا جَاءَ الْفِعْل على فَعُل يَفْعَلُ وَذَلِكَ قَوْلك أدِمَ يَأْدَمُ أُدْمَةً وَمن الْعَرَب من يَقُول أدُمَ يَأْدُمُ أُدْمةً وشَهُبَ يَشْهُبُ شُهْبَةً وقَهُبَ يَقْهُب قُهْبَةً: وَهِي سَواد يَضْرِب إِلَى الحُمْرة كَمَا قَالَ: والأقْهَبَيْنِ الفِيلَ والجاموسا وكَهِبَ يَكْهَبُ كُهٍبَةً وَقَالُوا كَهُبَ يَكْهُب كُهْبةً: وَهِي غُبْرة وكُدْرة فِي اللَّوْن وشَهِبَ يَشْهَبُ شُهْبَة وصَدِئَ يَصْدَأُ صُدْأَةً وَقَالُوا صَدَأٌ كَمَا قَالُوا العَيَسُ والأعْيَس: البعيرُ الَّذِي يضْرب إِلَى البَياض وَقَالُوا العِبْسة كَمَا قَالُوا الحُمْرة، قَالَ أَبُو عَليّ: وَفِي بعض النُّسَخ من كتاب سِيبَوَيْهٍ وَقَالُوا الغُبْسة كَمَا قَالُوا الحُمْرة وَفِي نُسْخَة أُخْرَى العِيسةُ وَأَصلهَا العيْسة فكُسِرت العينُ لتسلمَ الياءُ، وَاعْلَم أَنهم يَبْنُون الفعلَ مِنْهُ على افْعالَّ نَحْو اشْهابَّ وادْهامَّ وادْامَّ فَهَذَا لَا يكادُ ينكسِر فِي الألوان وَإِن قلت فِيهَا فَعِلَ يَفْعَل أَو فَعُل يَفْعُل وَقد يُستغنى بافْعالَّ عَن فَعِلَ وفَعُل

стр. 1701

وَذَلِكَ نَحْو ازْرَاقَّ واخْضارَّ واصْفارَّ واحْمارَّ واشْرابَّ وابْياضَّ واسْوادَّ وابْيَضَّ واخْضَرَّ واحْمرَّ واصْفَرَّ أكثرُ فِي كَلَامهم والأصلُ ذَلِك إِلَّا أَنه كثُر فحذفوه فكلٌّ يذهب إِلَى أَن الأصلَ افْعالَّ وَهُوَ احْمارَّ واسْوادَّ ثمَّ حُذِف فَقَالُوا احْمَرَّ واسْوَدَّ والمحذوف الَّذِي ذكره أكثرُ فِي الْكَلَام وفَعِلَ فِيمَا ذكره بعض النَّحْوِيين مَحْذُوف عَن افعَلَّ واستدَلَّ على ذَلِك أَنهم يَقُولُونَ عَوِرَ وحَوِلَ فَلَا يُعِلُّون الواوَ لِأَنَّهُ فِي معنى اعْوَرَّ واحْوَلَّ وهما لَا يَعْتَلَاّنِ والوجهُ عِنْد أبي عَليّ أَنه لم يُعَلَّ عَوِرَ وحَوِلَ لِأَنَّهُ فِي معنى فِعْل لَا يَعْتَلُّ إِلَّا أَنه مَحْذُوف عَنهُ كَمَا قَالُوا اجْتَوَرَ فَلم يُعِلُّوه لِأَنَّهُ فِي معنى تَجاوروا، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا الصُّهُوبة شبَّهوا ذَلِك بأَرْعَنَ والرُّعونة وَقَالُوا البَياض والسَّواد كَمَا قَالُوا الصَّباح والمَساء لِأَنَّهُمَا لَوْنَانِ بمنزلتهما لِأَن المَساء سَوادٌ، وَقد جَاءَ شيءٌ من الألوان على فعْل قَالُوا جَوْن ووَرْدَ والوَرْد الفَرس: الأصْفَر اللَّون، والجَوْن: الأَسْود وجاؤا بمصدره على مصدرِ بِنَاء أَفْعَلَ وَذَلِكَ قولُهم الوُرْدة والجُوْنة وَإِنَّمَا قَالُوا وَرْد وجَوْن على حذْف الزَّوائِدِ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد جَاءَ شيءٌ مِنْهُ على فَعيل وَذَلِكَ خَصيف وَقَالُوا أَخْصَفُ وَهُوَ أَقْيَسُ والخَصيف: الْأسود وَمَا كَانَ من هَذِه المصادرِ على غير فُعْلة أَو فَعَلٍ فَهُوَ من الشاذِّ أَيْضا الَّذِي لَا يطَّرِد، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد يُبْنى على أَفْعَلَ وَيكون الفِعل فَعِلَ يَفْعَل والمصدر فعَلاً مَا كَانَ دَاء أَو عَيْبَاً لِأَن العَيْب نحوُ الداءِ فَفَعَلُوا ذَلِك كَمَا قَالُوا أَجْرَبُ وأَنْكَدُ وَذَلِكَ قَوْلهم عَوِرَ يَعْوَر عَوَرَاً وأَدِرَ يَأْدَر أَدَرَاً وَهُوَ آدِر وشَتِرَ يَشْتَر شَتَرَاً وَهُوَ أَشْتَروحَبِنَيَحْبَن حَبَنَاً وَهُوَ أَحْبَنُ والأَحْبَن: المنتفخ البطنِ من الاسْتِسْقَاء وصَلِعَ يَصْلَع صَلَعَاً وَهُوَ أَصْلَعُ وَقَالُوا رجل أَجْذَمُ وأَقْطَعُ فكأنَّ هَذَا على قَطِعَ وجَذِمَ وَإِن لم يُستعمَل وَقد يُقَال لموضِع القَطْع القُطْعة والقَطَعة والجُذْمة والجَذَمة والصُّلْعة والصَّلَعة للموضع وَقَالُوا امرأةٌ سَتْهَاءُ وَرجل أَسْتَهُ فجاؤا بِهِ على بِنَاء ضِدِّه وَهُوَ قَوْلهم أَرْسَحُ ورَسْحَاءُ وأَخْرَمُ وخَرْمَاءُ وَهُوَ الخَرَم والأرْسَحُ: ضِدُّ الأَسْته لِأَن الأرْسَح الْمَمْسُوح العَجُز وَكَذَلِكَ الأَزَلُّ والأَرْصَع والأَخْرَمُ: المقطوعُ الأنفِ وَقَالُوا أَهْضَمُ وهَضْمَاءُ والمصدر الهَضَم: عيْبٌ فِي الْخَيل والأَهْضَمُ: الَّذِي لَيْسَ بمُجْفَرِ الوَسَط وَهُوَ صِغَرُ البطنِ، قَالَ النَّابِغَة الْجَعْدِي: خِيطَ على زَفْرَةٍ فتَمَّ ولَمْ يَرْجِعْ إِلَى دِقَّةٍ وَلَا هَضَمِ وَقَالُوا أَزْبَرُ وأَغْلَبُ، والأَغْلَبُ: الْعَظِيم الرَّقَبَة، والأَزْبَر: الْعَظِيم الزُّبْرة وَهِي مَوضِع الْكَاهِل فجاؤا بِهَذَا النَّحْو على أَفْعَلَ كَمَا جَاءَ على أَفْعَلَ مَا يكْرهُونَ وَقَالُوا آذَنُ وأذْناءُ كَمَا قَالُوا سَكَّاء، والآذَن: العظيمُ الأُذُن، والأَسَكُّ: الصَّغِير الأُذُن جِدَّاً، وَقَالُوا أَخْلَقُ وأَمْلَسُ وأَجْرَدُ والأَخْلق: الأمْلَس ... . لمسه وَقَالُوا الخَشِن: وَهُوَ ضدُّ الأمْلَس وَقَالُوا الخُشْنة كَمَا قَالُوا الحُمْرة والخُشونة كَمَا قَالُوا الصُّهوبة، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن مؤنَّثَ كلِّ أَفْعَلَ صِفَةً فَعْلَاءُ وَهِي تجْرِي فِي الْمصدر والفِعلِ مَجْرَى أَفْعَلَ وَقَالُوا مالَ يميلُ وَهُوَ مائِلٌ وأَمْيَلٌ فَلم يجيئوا بِهِ على مالَ يَميل يُرِيد أَن أَفْعَلَ لَيْسَ بابُ فِعله أَن يكونَ على فَعَلَ يفْعل وَذَلِكَ أَن أَمْيَل أَفْعَلُ وفعلُه مالَ يَميلُ وَكَانَ حَقه أَن يكون مَيَلَ يَميلُ مَيَلاً وَإِنَّمَا حكى سِيبَوَيْهٍ مالَ يَميل ومثلُ هَذَا شابَ يَشيبُ فَهُوَ أَشْيَبُ وَلَيْسَ ذَلِك بِالْقِيَاسِ وَقد حكى غيرُ سِيبَوَيْهٍ مَيِلَ يَميلُ مَيَلاً فَهُوَ أَمْيَلُ كَمَا قَالُوا جَيِدَ يَجْيَد جَيَدَاً فَهُوَ أَجْيَدُ وَقَالُوا فِي الأَصْيَد صَيِدَ يَصْيَد صَيَدَاً وَقَالُوا شابَ يَشيبُ كَمَا قَالُوا شاخَ يَشيخ وَقَالُوا أَشْيَبُ كَقَوْلِهِم أَشْمَطُ فجاؤا بِالِاسْمِ

стр. 1702

على بِنَاء مَا مَعْنَاهُ كمعناه وبالفعل على مَا هُوَ نَحوه أَيْضا يُرِيد جاؤا باسم الشَّيْبِ على شابَ يَشيب مثل شاخَ يَشيخ واسمُه على بِنَاء أَشْمَط وفِعلُه على فِعل شاخَ يَشيخ وَقَالُوا أَشْعَرُ كَمَا قَالُوا أَجْرَد: للَّذي لَا شَعْرَ لَهُ، والأَرْسَح: الَّذِي لَا عَجُز لَهُ وَقَالُوا هَوِجَ يَهْوَج هَوَجَاً كَمَا قَالُوا ثَوِلَ يَثْوَل ثَوَلاً وَهُوَ أَثْوَلُ: وَهُوَ جُنون. (بَاب الخِصال الَّتِي تكونُ فِي الأشياءِ وأفعالِها ومصادرِها وَمَا يكون مِنْهَا فِطْرة ومُكْتَسَباً) ونبدأ بِالَّتِي فِي الفِطْرة لفَضْلها أما مَا كَانَ حُسْناً أَو قُبْحاً فَإِنَّهُ مِمَّا يُبْنى فِعلُه على فَعُل يَفْعُل ويكونُ الْمصدر فَعالاً وفَعالَةً وفُعْلاً وَمَا سِوى ذَلِك يُحْفَظ حِفْظاً وَلَيْسَ بالبابِ وَذَلِكَ قولُك قَبُح يَقْبُح قَباحةً وَبَعْضهمْ يَقُول قُبوحةً فبناه على فُعولة كَمَا بناه على فَعالة ووَسُمَ يَوْسُم وَسامةً وَقَالَ بَعضهم وَساماً فَلم يؤنِّث يَعْنِي لم يُدْخل الهاءَ كَمَا قَالُوا السَّقام والسَّقامة وَمثل ذَلِك جَمُلَ جَمالاً، وتجيء الْأَسْمَاء على فَعيل وَذَلِكَ قَبيحٌ ووَسيمٌ وجَميل وشَقيح ودَميم وَقَالُوا حَسَنٌ فَبَنَوه على فَعَلٍ كَمَا قَالُوا بَطَلَ ورجُل قَدَم وَامْرَأَة قَدَمَة يَعْنِي أَن لَهَا قَدَمَاً فِي الْخَيْر فَلم يجيؤا بِهِ على مِثَال جَريء وكَمِيٍّ وشُجاعٍ وشَديدٍ يُرِيد أَن البابَ فِي فَعُل يَفْعُل أَن يَجِيء الِاسْم على فَعيل أَو فُعال وَإِذا خرج عَن هذيْن البِناءَيْن فَهُوَ شاذٌ لَيْسَ بِالْبَابِ ويُحفَظ حِفْظاً وَالْكثير فَعيل وفُعال كَقَوْلِك نَظُفَ يَنْظُف فَهُوَ نَظيف وقَبُحَ يَقْبُح فَهُوَ قَبيح وجَمُلَ يَجْمُل فَهُوَ جَميل وفَعيل أكثرُ من فُعال، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: أما الفُعْل من هَذِه المصادر فنحو الحُسْن والقُبْح والفَعالة أكثرُ وَقَالُوا نَضَرَ وجهُه يَنْضُر على فَعَلَ يَفْعُل مثل خَرَجَ يَخْرُج لأنَّ هَذَا فِعلٌ لَا يتعدَّى إِلَى غيرِك كَمَا أَن هَذَا فِعل لَا يتعدَّاك وَقَالُوا ناضِرٌ كَمَا قَالُوا نَضَرَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ نَضَرَ وجهُه لِأَنَّهُ من بَاب الحُسْن والقُبْح الَّذِي يَأْتِي فِعْلُه على فَعُلَ يَفْعُل ليُريكَ خُروجَه عَن الْبَاب واسمُ فاعلِه نَضير ونَضْر وناضِرٌ فناضرٌ على قِيَاس مَا يوجبُه فِعْلُه كَقَوْلِك خَرَجَ يَخْرُج فَهُوَ خارجٌ ونَضير كَمَا قَالُوا وَسيمٌ لِأَنَّهُ نَحوه فِي الْمَعْنى وَقَالُوا نَضْر كَمَا قَالُوا حَسَنٌ إِلَّا أَن هَذَا مُسَكَّن الأوْسَطِ وَقَالُوا ضَخْم وَلم يَقُولُوا ضَخيم كَمَا قَالُوا عَظيم وَقد حكى أَبُو الْعَبَّاس المبرِّد ﵀ ضَخيم وَقَالُوا النَّضارَة كَمَا قَالُوا الوَسامة وَمثل الحَسَن السَّبَط والقَطَط وَقَالُوا سَبِطَ سَباطةً وسُبوطةً وَمثل النَّضْر الجَعْدُ وَقَالُوا رجل سَبِطٌ كَمَا بَنَوْه على فَعَلَ أَعنِي أَنه يُقَال سَبِطٌ وسَبَطٌ وَحكى أَبُو الْحسن سَبْطٌ وَقَالُوا مَلُحَ مَلاحةً وَهُوَ مَليح وسَمُحَ سَماحةً وَهُوَ سَمْح وَقَالُوا سَميح كقَبيح وَقَالُوا بَهُوَ يَبْهُو بَهاءً وَهُوَ بَهِيٌّ كجَمُلَ جَمالاً وَهُوَ جَميل وَقَالُوا شَنُعَ شَناعةً وَهُوَ شَنيع وَقَالُوا أَشْنَعُ فأدخلوا أَفْعَلَ فِي هَذَا إِذْ صَار خَصْلَةً فِيهِ كاللَّون وَقَالُوا نَظُف نَظافةً كصَبُح صَباحةً وَهُوَ صَبيح وَقَالُوا طَهُر طَهرةً وَهُوَ طاهِرٌ وَلم يَقُولُوا طَهير وَقَالُوا طَهَرَت المرأةُ فاستعملوا طَاهِرا على قَوْلهم طَهَرَتْ لَا على قَوْلهم طَهُرَتْ وَقَالُوا مَكُثَ مُكْثاً وَهُوَ ماكِثٌ وَقد قَالُوا مَكيثٌ فَيحمل ماكثٌ على مَكَثَ ومَكيث على مَكُث، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمَا كَانَ من الصِّغَر والكِبَر فَهُوَ نحوٌ من هَذَا قَالُوا عَظُمَ عَظامةً فَهُوَ عَظيم ونَبُلَ نَبالةً فَهُوَ نَبيل وصَغُرَ صَغارةً وَهُوَ صَغير وقَدُم قَدامةً فَهُوَ قَديم. وَقد يجيءُ المصدرُ على فِعَل وَذَلِكَ قَوْلك الصِّغَر والكِبَر والقِدَم والعِظَم والضِّخَم وَقد يَبْنُون الاسمَ على فعْل وَذَلِكَ نحوُ ضَخْمٍ وفَخْمٍ وعَبْل، وَقد يَجِيء الْمصدر على فُعولة كَمَا قَالُوا القُبوحة وَذَلِكَ قَوْلهم الجُهومة والمُلوحة والبُحوحة وَقَالُوا كَثُر كَثارةً وَهُوَ كَثير وَقَالُوا الكَثْرة فبَنَوه على الفَعْلة والكَثير نحوٌ من العَظيم فِي الْمَعْنى إِلَّا أنَّ هَذَا فِي الْعدَد يَعْنِي أَن الكَثير مُركَّب من شيءٍ مُتَزايِد كَثُرَ عِدَّتُه والعَظيم اسمٌ واقِعٌ على جُملة من غير أَن يُقدَّرَ فِيهِ شَيْء تزيَدَ وتَضاعَفَ والكَبير

стр. 1703

بِمَنْزِلَة العَظيم وضِدُّ العَظيم والكَبير الصَغيرُ وضِدُّ الكَثير القَليلُ لِأَنَّهُ يُقصد بِهِ قَصْدَ تقليل الأضْعاف الَّتِي فِيهِ أَو تكثيرها والصغيرُ والكبيرُ القَصْد بِهِ جملةُ الشيءِ من غيرِ تقديرِ أضْعافِ مَا تركِّب مِنْهُ وَإِنَّمَا جَعَلَت القليلَ ضِدَّ الكَثير مُسَامَحَة إِذْ الكَثير والقليل من بَاب الْعدَد وَالْعدَد من بَاب كَمْ وكَمْ لَا ضِدَّ لَهَا إِنَّمَا الضِدُّ فِي كَيْف. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد يُقَال للْإنْسَان قَليلٌ كَمَا بقال قَصير فقد وَاَفَق ضِدَّه وَهُوَ العَظيم والطَّويل والقَصير نَحْو العَظيم والصَّغير يُرِيد أَن الْقَلِيل قد يُستعمَل على غير معنى الْعدَد كَمَا يُستعمَل القَصير والحَقير والطُّولُ فِي البِناء كالقُبْح يُرِيد فِي بِنَاء الفِعْل لِأَن وَزْنَهما فُعْل وَهُوَ نَحوه فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ زيادةٌ ونُقْصانٌ وَقَالُوا سَمِنَ سِمَناً وَهُوَ سَمين وكَبِرَ كِبَراً وَهُوَ كَبير وَقَالُوا كَبُرَ عليَّ الأمرُ كعَظُمَ وَقَالُوا بَطِنَ يَبْطَن بِطْنَة وَهُوَ بَطين كَمَا قَالُوا عَظيم وبَطِنَ ككَبِر، وَمَا كَانَ من الشدَّة والجُرْأَة والضَّعْف والجُبْن فَإِنَّهُ نحوٌ من هَذَا قَالُوا ضَعُفَ ضُعْفاً وَهُوَ ضَعيف وَقَالُوا شَجُعَ شَجاعةً وَهُوَ شُجاع وَقَالُوا شَجيع وفُعال أَخُو فَعيل وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن فَعيلاً وفُعالاً أخوانِ قَالُوا طَويل وطُوال وكَبير وكُبار وخَفيف وخُفاف، قَالَ: وَقد بَنَوْا الاسمَ على فَعَال كَمَا بَنَوْه على فَعول فَقَالُوا جَبان وَقَالُوا وَقور وَقَالُوا الوَقارة كَمَا قَالُوا الرَّزَانة وَقَالُوا جَرُؤ يَجْرُؤ وجُرْءَة وَهُوَ جَريءٌ ولغةٌ للْعَرَب الضَّعْف كَمَا قَالُوا الظَّرْف وظَريف والفَقْر وفَقير وَقَالُوا غَلُظَ غِلَظاً وَهُوَ غَليظ كَمَا قَالُوا عَظُمَ عِظَماً فَهُوَ عَظيم وَقَالُوا سَهُلَ سُهولةً وَهُوَ سَهْل وَمثله جَهُمَ جُهومةً وَهُوَ جَهْم وسَهْل بِمَنْزِلَة ضَخْم وَقد قَالَ بعض الْعَرَب جَبَنَ يَجْبُن كَمَا قَالُوا نَضَرَ يَنْضُر وَالْأَكْثَر جَبُنَ يَجْبُنُ وَقَالُوا قَوِيَ يَقْوَى قَوايةً وَهُوَ قوِيٌّ كَمَا قَالُوا سَعِدَ يَسْعَد سَعادةً وَهُوَ سَعيد وَقَالُوا القُوَّة كَمَا قَالُوا الشِّدَّة إِلَّا أنَّ هَذَا مضمومُ الأول وَقَالُوا سَرُعَ سِرَعاً وَهُوَ سَريع ويُقال سُرْعة وسَرَعٌ، قَالَ الْأَعْشَى: القُبْح يُرِيد فِي بِنَاء الفِعْل لِأَن وَزْنَهما فُعْل وَهُوَ نَحوه فِي الْمَعْنى لِأَنَّهُ زيادةٌ ونُقْصانٌ وَقَالُوا سَمِنَ سِمَناً وَهُوَ سَمين وكَبِرَ كِبَراً وَهُوَ كَبير وَقَالُوا كَبُرَ عليَّ الأمرُ كعَظُمَ وَقَالُوا بَطِنَ يَبْطَن بِطْنَة وَهُوَ بَطين كَمَا قَالُوا عَظيم وبَطِنَ ككَبِر، وَمَا كَانَ من الشدَّة والجُرْأَة والضَّعْف والجُبْن فَإِنَّهُ نحوٌ من هَذَا قَالُوا ضَعُفَ ضُعْفاً وَهُوَ ضَعيف وَقَالُوا شَجُعَ شَجاعةً وَهُوَ شُجاع وَقَالُوا شَجيع وفُعال أَخُو فَعيل وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن فَعيلاً وفُعالاً أخوانِ قَالُوا طَويل وطُوال وكَبير وكُبار وخَفيف وخُفاف، قَالَ: وَقد بَنَوْا الاسمَ على فَعَال كَمَا بَنَوْه على فَعول فَقَالُوا جَبان وَقَالُوا وَقور وَقَالُوا الوَقارة كَمَا قَالُوا الرَّزَانة وَقَالُوا جَرُؤ يَجْرُؤ وجُرْءَة وَهُوَ جَريءٌ ولغةٌ للْعَرَب الضَّعْف كَمَا قَالُوا الظَّرْف وظَريف والفَقْر وفَقير وَقَالُوا غَلُظَ غِلَظاً وَهُوَ غَليظ كَمَا قَالُوا عَظُمَ عِظَماً فَهُوَ عَظيم وَقَالُوا سَهُلَ سُهولةً وَهُوَ سَهْل وَمثله جَهُمَ جُهومةً وَهُوَ جَهْم وسَهْل بِمَنْزِلَة ضَخْم وَقد قَالَ بعض الْعَرَب جَبَنَ يَجْبُن كَمَا قَالُوا نَضَرَ يَنْضُر وَالْأَكْثَر جَبُنَ يَجْبُنُ وَقَالُوا قَوِيَ يَقْوَى قَوايةً وَهُوَ قوِيٌّ كَمَا قَالُوا سَعِدَ يَسْعَد سَعادةً وَهُوَ سَعيد وَقَالُوا القُوَّة كَمَا قَالُوا الشِّدَّة إِلَّا أنَّ هَذَا مضمومُ الأول وَقَالُوا سَرُعَ سِرَعاً وَهُوَ سَريع ويُقال سُرْعة وسَرَعٌ، قَالَ الْأَعْشَى: واسْتَخْبِري قابِلَ الرُّكْبانِ وانتظِري أَوْبَ المُسافِرِ إنْ رَيْثَاً وإنْ سَرَعَا وَقَالُوا بَطْؤَ بِطَأً وَهُوَ بَطيءٌ وغَلُظَ غِلَظاً وَهُوَ غَليظ وثَقُلَ ثِقَلاً وَهُوَ ثَقيل وَقَالُوا كَمُشَ كَماشَةً وَهُوَ كَميش مثل سَرُعَ والكَماشَة مثل الشَّجاعة وَقَالُوا حَزُنَ حُزونةً للمكانِ وَهُوَ حَزْن كَمَا قَالُوا سَهُلَ سُهولة وَهُوَ سَهْلٌ وَقَالُوا صَعُبَ صُعوبةً وَهُوَ صَعْب لِأَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ الغلَظ والحُزونة، وَمَا كَانَ من الرِّفْعَة والضِّعَة وَقَالُوا الضَّعَة فَهُوَ نحوُ هَذَا، قَالَ أَبُو سعيد: اعْلَم أَن الضِّعَة وزْنها فِعْلة وَالْأَصْل وِضْعَة مثل قَوْلك عِدَة وزِنَةٌ وربَّما فتحُوا شَيْئا من ذَلِك إِذا كَانَ فِيهِ شيءٌ من حُرُوف الحلْق كَمَا يفتحون فِي الفِعْل من اجل حُرُوف الحلْق مَا لَا يُفتح فِي غيرِه وَقَالُوا الضِّعَة والضَّعَة وقِحَة وقَحَة وَلَا يَقُولُونَ فِي صِفة صَفَة لعدَم حرفِ الحلْق وَقَالُوا غَنِيَ يَغْنَى غِنىً كَمَا قَالُوا كَبِرَ كِبَراً وَهُوَ كَبير وَقَالُوا فَقير كَمَا قَالُوا صَغير وضَعيف وَقَالُوا الفَقْر كَمَا قَالُوا الضَّعْف وَقَالُوا الفُقْر كَمَا قَالُوا الضُّعْف وَلم نسمعهم قَالُوا فَقُر كَمَا لم يَقُولُوا فِي الشَّديد شَدُدَ كَمَا استغنَوْا باحْمارَّ عَن حَمِرَ، قَالَ أَبُو عَليّ: قَوْلهم افتَقَر فَهُوَ فَقير واشتدَّ فَهُوَ شَديد لم يأتِ فَقير وشديدٌ على هَذَا الفِعل وَإِنَّمَا أَتَى على فِعْل لم يُستعمَل وَهُوَ فَقُرََ كَمَا يَقُولُونَ ضَعُفَ وشَدُدت على فَعُلْت واستغنَوْا بافْتَقَرَ واشتدَّ عَن ذَلِك كَمَا استغنوا باحْمارَّ عَن حَمِرَ لِأَن الألوان يُستعمَل فِيهَا فَعِلَ كثيرا كَمَا قَالُوا أَدِمَ يَأْدَم وكَهِبَ يَكْهَب وشَهِبَ يَشْهَب وَمَا أشبه ذَلِك وَلم يَقُولُوا حَمِرَ استغنوا عَنهُ باحْمارَّ قَالَ وَهَذَا هُنَا نَحْو من التَّشْدِيد والقوِيِّ وَقَالُوا شَرُفَ شَرَفَاً وَهُوَ شَريف وكَرُمَ كَرَمَاً وَهُوَ كَريم ولَؤُمَ لآمَةً وَهُوَ لَئيمٌ كَمَا قَالُوا قَبُحَ قَباحةً وَهُوَ قَبيح وَقَالُوا دَنُؤَ دَناءةً وَهُوَ دَنيءٌ ومَلُؤَ مَلاءةً وَهُوَ مَليءٌ وَقَالُوا وَضُعَ ضَعَةً وَهُوَ وَضيع والضَّعة مثل الكَثْرة والضِّعَة مثلُ الرِّفْعة أَعنِي فِي فتح أوَّله وكسرِه وَقَوله وَهَذَا هُنَا نحوٌ من الشَّديد والقوِيِّ إشارةٌ إِلَى مَا بعده وَقَالُوا رَفيع وَلم نسمعهم قَالُوا رَفُعَ وَعَلِيهِ

стр. 1704

جاءَ رَفيع وَإِن لم يتكلموا بِهِ واستغنوا بارْتَفَع وَقَالُوا نَبِهَ يَنْبُه وَهُوَ نابِهٌ وَهِي النَّباهة كَمَا قَالُوا نَضُرَ يَنْضُر وَهُوَ ناضِرٌ وَهِي النَّضارة وَقَالُوا نَبيه كَمَا قَالُوا نَضير جَعَلُوهُ بِمَنْزِلَة مَا هُوَ مثلُه فِي الْمَعْنى وَهُوَ شَريف يُرِيد معنى نَبيه وَقَالُوا سَعِدَ يَسْعَد سَعادةً وشَقِيَ يَشْقَى شَقاوةً وَهُوَ شَقيٌّ وسَعيد فأحدُهما مَرْفُوع والآخرُ موضوعٌ وَقَالُوا الشَّقاء كَمَا قَالُوا الجَمال واللَّذاذ حذفوا استِخْفافاً يُرِيد حذفوا الهاءَ من اللَّذاذة والشَّقاوَة اسْتِخْفَافًا وَقَالُوا رَشِدَ يَرْشَد رَشَدَاً وَهُوَ راشِدٌ وَقَالُوا الرُّشْد كَمَا قَالُوا سَخِطَ يَسْخَط سَخَطَاً والسُّخْط وساخطٌ وَقَالُوا رَشيد كَمَا قَالُوا سَعيد وَقَالُوا الرَّشاد وَقَالُوا بَخِلَ يَبْخَلُ بُخْلاً فالبُخْل كاللُّؤْم يَعْنِي فِي الْوَزْن والفِعل كفِعل شَقِيَ وسَعِدَ وَقَالُوا بَخيل وَبَعْضهمْ يَقُول البّخْل كالفَقْر والبُخْل كالفُقْر وَبَعْضهمْ يَقُول البَخَل كالعَدَم وَقَالُوا أَمُرَ علينا وَهُوَ أَمير كنَبُه وَهُوَ نَبيه وَقَالُوا أَمَرَ علينا كَنَبَه مفتوحان وَالْفَتْح أَجْوَدُ وأفصح وَمِمَّا يلقى من أَبْيَات الْمعَانِي شعر: قد أَمَرَ المُهَلَّبُ فَكَرْنِبوا ودَوْلِبوا وحَيثُ شِئْتُمْ فاذْهَبوا يُرِيد قد وَلِيَ الْإِمَارَة يُخاطِبُ قوما من الشُّراة والإمْرة كالرِّفْعة والإمارة كالوِلاية وَيَقُولُونَ أَمِرَ علينا فَهُوَ أَمير وَقَالُوا وَكيل ووَصِيٌّ وجَرِيٌّ كَمَا قَالُوا أَمير لِأَنَّهَا وِلاية وَمثل هَذَا لتقارُبِه الجَليس والعَديل والضَّجيج والكَميع: وَهُوَ الضَّجيج، والخَليط والنَّزيع وأصل هَذَا كلِّه العَديلُ أَلا ترى أَنَّك تَقول فِي هَذَا كلِّه فَاَعَلْته تَقول عادلْته فَهُوَ عَديل وجالَسْته فَهُوَ جَليس وَإِنَّمَا قَالَ أصلُ هَذَا كلِّه العَديلُ لِأَنَّهُمَا تعادلا فِي فِعل كلِّ وَاحِد مِنْهُمَا بِالْآخرِ. وَقد جَاءَ فَعْل قَالُوا خَصْم وَقَالُوا خَصيم. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمَا جَاءَ من العَقْل فَهُوَ نحوٌ من هَذَا قَالُوا حَلُمَ حِلْماً وَهُوَ حَليم فجَاء فَعُلَ فِي هَذَا الْبَاب كَمَا جَاءَ فَعُلَ فِيمَا ذكرنَا وَقَالُوا فِي ضِدِّ الحِلْم جَهِلَ جَهْلاً فَهُوَ جاهلٌ كَمَا قَالُوا حَرِدَ حَرْدَاً فَهُوَ حارِدٌ فَهَذَا ارْتِفَاع فِي الْفِعْل يَعْنِي حَلُمَ واتِّضاعٌ يَعْنِي جَهِلَ وَقَالُوا عَلِمَ عِلْماً فالفِعل كبَخِلَ يَبْخَل والمصدر كالحِلْم وَقَالُوا عالمٌ كَمَا قَالُوا فِي الضدِّ جاهلٌ وَقَالُوا عَليم كَمَا قَالُوا حَليم وَقَالُوا فَقِهَ فَهُوَ فَقيهٌ والمصدر فِقْه كَمَا قَالُوا عَلِمَ عِلْماً فَهُوَ عَليم وَقَالُوا اللُّبُّ واللَّبابةُ ولَبيب كَمَا قَالُوا اللُّؤْم والَّلآمة

стр. 1705

ولَئيم وَقَالُوا فَهِمَ يَفْهَم فَهَمَاً وَهُوَ فَهِمٌ ونَقِهَ يَنْقَه نَقَهَاً وَهُوَ نَقِهٌ وَقَالُوا الفَهامة كَمَا قَالُوا اللَّبابة وسمعناهم يَقُولُونَ ناقِهٌ كَمَا قَالُوا عالِمٌ وَقَالُوا لَبِقَ يَلْبَق لَباقة وَهُوَ لَبِقٌ لِأَن هَذَا عِلْم وعقْل ونَفاذٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَة الفَهَم والفَهامة وَقد ذكر غيرُ سِيبَوَيْهٍ الفَهْم بتسكين الْهَاء وَبِه سُمِّي فَهْم وعَدْوَان قبيلتان من قَيْس وَقَالُوا الحِذْق كَمَا قَالُوا العِلْم وَقَالُوا حَذَقَ يَحْذِق كَمَا قَالُوا صَبَرَ يَصْبِرُ وَقَالُوا رَفُقَ يَرْفُق وَهُوَ رَفيق كَمَا قَالُوا حَلُمَ يَحْلُم وَهُوَ حَليم وَقَالُوا رَفِقَ كَمَا قَالُوا فَقِهَ وَقَالُوا رِفْقٌ كَمَا قَالُوا عِلْم وَقَالُوا عَقَلَ يَعْقِل عَقْلاً كَمَا قَالُوا عَجَزَ يَعْجِز وَهُوَ عاجِزٌ أدخلوه فِي بابِ عَجَزَ لِأَنَّهُ مثله لَا يتعدَّى وَقَالُوا رَزُنَ رَزانةً وَهُوَ رَزين ورَزينة وَقَالُوا للْمَرْأَة حَصُنَت حُصْناً وَهِي حَصان كجَبُنَت جُبْناً وَهِي جَبان وَإِنَّمَا هَذَا كالحِلْم وَالْعقل وَقَالُوا حِصْناً كَمَا قَالُوا عِلْماً وَيُقَال لَهَا أَيْضا ثَقال ورَزان وَقَالُوا صَلِفَ يَصْلَف صَلَفَاً وَهُوَ صَلِف كَقَوْلِهِم فَهِمَ فَهَمَاً وَهُوَ فَهِمٌ وَقَالُوا رَقُع رَقاعةً كَقَوْلِهِم حَمُقَ حَماقةً لِأَنَّهُ مثله فِي الْمَعْنى وَقَالُوا الحُمْق كَمَا قَالُوا الحُصْن والجُبْن وَقَالُوا أَحْمَقُ كَمَا قَالُوا أَشْنَعُ وَقَالُوا خَرُقَ خُرْقاً وأَخْرَق وَقَالُوا النَّواكَة وأَنْوَكُ وَقَالُوا اسْتَنْوَكَ وَلم نسمعهم يَقُولُونَ نَوِكَ كَمَا لم يَقُولُوا فَقُرَ أَي أَن أَنْوَك لم يَجِيء على اسْتَنْوكَ وَإِنَّمَا جَاءَ على نَوِكَ وإنْ كَانَ لم يُستعمل كَمَا لم يسْتَعْمل فَقُرَ وَقَالُوا حَمِقٌ فِي معنى أَحْمَق كَمَا قَالُوا نَكِدٌ وأَنْكَدُ، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم أَن مَا كَانَ من التَّضْعِيف من هَذِه الْأَشْيَاء فَإِنَّهُ لَا يكَاد يكونُ مِنْهُ فَعُلْت وفَعُلَ لأَنهم قد يستَثْقِلون فَعُلَ والتضعيفَ فَلَمَّا اجْتمعَا حادوا إِلَى غير ذَلِك وَهُوَ قَوْلك ذَلَّ يَذِلُّ ذُلاًّ وذِلَةً وذَليل فالاسمُ والمصدر يُوافق مَا ذكرنَا والفِعل يجيءُ على بَاب جَلَسَ يَجْلِس وَقَالُوا شَحيح والشُّحُّ كالبَخيل والبُخْل وَقَالُوا شَحَّ يَشِحُّ وَقَالُوا شَحِحْت كَمَا قَالُوا بَخِلْتَ لِأَن الكسرةَ أخفُّ عَلَيْهِم من الضَّمة أَلا ترى أَن فَعِلَ أكثرُ فِي الْكَلَام من فَعُلَ والياءُ أخفُّ من الْوَاو وأكثرُ وَقَالُوا ضَنَنْت ضِنَّاً كَرَفَقْت رِفْقاً وَقَالُوا ضَنِنْتَ ضَنانةً كسَقِمْت سَقامة، قَالَ أَبُو عَليّ: حكى سِيبَوَيْهٍ ضَنِنْت تَضَنُّ كعَضِضْتَ تَعَضُّ وضَنَنْت تَضِنُّ كقَرَت تَقِرُّ والأفصح الأول وَحكى شَحَّ يشِحُّ مثل قَرَّ يَقِرُّ وشَحِحْت تَشَحُّ مثل عَضِضْت تَعَضُّ وَالْأول أفْصح. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَيْسَ شيءٌ أَكثر فِي كَلَامهم من فَعَلٍ أَلا ترى أَن الَّذِي يخفِّف عَضُد وكَبِد لَا يُخَفِّف جَمَلاًَ فَيَقُول جَمْل كَمَا يَقُول عَضْد وكَبْد وَإِنَّمَا يُرِيد سِيبَوَيْهٍ بِذكر مَا ذكر ثِقَل الضَّم فِي نَفْسِه وثِقَله مَعَ التَّضْعِيف وَقَالُوا لَبَّ يَلَبُّ وَقَالُوا اللُّبُّ واللَّبابة واللَّبيب وَقَالُوا قَلَّ يَقِلُّ وَلم يَقُولُوا فِيهِ شَيْئا كَمَا قَالُوا فِي كَثُرَ وظَرُفَ يُرِيد لم يَقُولُوا قَلُلْت كَمَا قَالُوا كَثُرْت استِثْقالاً وَقَالُوا عَفَّ يَعِفُّ وعَفيف وَزعم يُونُس أَن من الْعَرَب من يَقُول لَبُبْت تَلُبُّ كَمَا قَالُوا ظرُفْت تَظْرُف وَإِنَّمَا قَلَّ هَذَا لِأَن هَذِه الضمّةَ تستثقَل فِيمَا ذكرتُ لَك أَعنِي فِي عضُد ونحوِه فلمَّا صارتْ فِيمَا يستثقلون فاجتمعا فَرُّوا مِنْهَا يَعْنِي صَارَت فِي المُضاعف وَالْأَكْثَر فِي الْكَلَام لَبِبْت تَلُبُّ قَالَ صَفِيَّةُ بنتُ عبد المطَّلب فِي ابْنهَا الزُّبَيْر وَهُوَ صَغِير: أَضْرِبُه كَيْ يَلَبَّ وكَيْ يَقود الجيشَ ذَا اللَّجَبْ. ْت كَمَا قَالُوا كَثُرْت استِثْقالاً وَقَالُوا عَفَّ يَعِفُّ وعَفيف وَزعم يُونُس أَن من الْعَرَب من يَقُول لَبُبْت تَلُبُّ كَمَا قَالُوا ظرُفْت تَظْرُف وَإِنَّمَا قَلَّ هَذَا لِأَن هَذِه الضمّةَ تستثقَل فِيمَا ذكرتُ لَك أَعنِي فِي عضُد ونحوِه فلمَّا صارتْ فِيمَا يستثقلون فاجتمعا فَرُّوا مِنْهَا يَعْنِي صَارَت فِي المُضاعف وَالْأَكْثَر فِي الْكَلَام لَبِبْت تَلُبُّ قَالَ صَفِيَّةُ بنتُ عبد المطَّلب فِي ابْنهَا الزُّبَيْر وَهُوَ صَغِير: أَضْرِبُه كَيْ يَلَبَّ وكَيْ يَقود الجيشَ ذَا اللَّجَبْ. هَذَا بَاب عِلْم كلِّ فِعل تعدَّاك إِلَى غَيْرِك اعْلَم أَنه يكون كلُّ مَا تعدَّاك إِلَى غيرِك على ثَلَاثَة أبنية: على فَعَل يَفْعِل وفَعَلَ يَفْعُل وفَعِلَ يَفْعَل وَذَلِكَ نَحْو ضَرَبَ يَضْرِب وقَتَلَ يَقْتُل ولَقِمَ يَلْقَم وَهَذِه الأضْرُب تكونَ فِيمَا لَا يتعدَّاك وَذَلِكَ نَحْو جَلَسَ يَجْلِس وَقعد يَقْعُد ورَكِنَ يَرْكَن وَلما لَا يتعدَّاك ضرْبٌ رابعٌ لَا يَشْرَكه فِيهِ مَا يتعدَّاك نَحْو كَرُمَ يَكْرُم وَلَيْسَ فِي الْكَلَام فَعُلته متعدِّياً وضُروب الْأَفْعَال أربعةٌ يجْتَمع فِي ثَلَاثَة مِنْهَا مَا يتعدَّى وَمَا لَا يتعدَّى ويَبين بالرابع مَا لَا يتعدَّى وَهُوَ فَعُل يَفْعُل ولِيَفْعُل ثلاثةُ أبْنيةٍ يَشْتَرك فِيهَا مَا يتعدَّى وَمَا لَا يتعدَّى يَفْعِل ويَفْعُل ويَفْعَل نَحْو يَضْرِب ويَقْتُل ويَلْقَم وفَعَلَ على ثَلَاثَة أبنية وَذَلِكَ فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ نَحْو قَتَلَ ولَزِمَ ومَكُث فالأولان مشترِكٌ فيهمَا المتعدِّي وغيرُه والآخرُ لما لَا يتعدَّى كَمَا جَعَلْته لما لَا يتعدّى حيثُ وَقع رَابِعا، قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو سعيد: جملَة هَذَا الْكَلَام

стр. 1706

أَن الْأَفْعَال المتعدِّية يكون على وزْنها مَا لَا يتعدَّى لِأَن ضَرَبَ يَضْرِب يتعدَّى وعَلى وَزْنه جَلَسَ يَجْلِس لَا يتعدّى وقَتَلَ يَقْتُل يتعدّى وعَلى وَزْنِه قعد يَقْعُد وَهُوَ لَا يتعدّى ولَقِمَ يَلْقَم يتعدّى وعَلى وَزنه كَبِرَ يَكْبَر وَهُوَ لَا يتعدّى فَهَذِهِ الْأَفْعَال الثلاثية ثلاثةٌ اشتَرَك فِيهَا مَا يتعدّى وَمَا لَا يتعدّى وَقد انْفَرد مَا لَا يتعدّى بِبِنَاء وَهُوَ فَعُل وَلَا يكون مستقبَلُه إِلَّا يَفْعُل نَحْو كَرُم يَكْرُم وظَرُف يَظْرُف وَقد صَار فَعُل يَفْعُل بناءَ رَابِعا تفرَّد بِهِ مَا لَا يتعدّى والماضي من الثُّلاثي فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُل فالمشتَرِك المتعدِّي وغيرُ المتعدّي فِي فَعِلَ وفَعَلَ وَهُوَ الَّذِي قَالَ سِيبَوَيْهٍ فالأولان مشترِك فيهمَا الْمُتَعَدِّي وغيرُ المتعدِّي والآخرُ لما لَا يتعدّى يَعْنِي فَعُل ويُقَرِّب هَذَا عَلَيْك أَن تَحْفَظ أَن مَا كَانَ ماضيه على فَعُل لَا يتعدّى البتَّة وَذكر سِيبَوَيْهٍ بعد هَذَا الْفَصْل من كِتَابه إِلَى آخر الْبَاب مَا شَذَّ عَن قِيَاسه فِي المستقبَل والماضي فَمن ذَلِك أربعةُ أفعالٍ من الصَّحيح جَاءَت على فَعِلَ يَفْعِل وَالْقِيَاس فِي فَعِلَ أَن يكون مستقبَله على يَفْعَل إِلَّا أَنهم شبَّهوا فَعِلَ يَفْعِل بقَوْلهمْ فَعُلَ يَفْعُلُ وَذَلِكَ قولُهم حَسِبَ يَحْسِب ويَئِسَ يَيْئِس ويَبِسَ يَيْبِس ونَعِمَ يَنْعِم، قَالَ: سمعنَا من الْعَرَب من يَقُول: وَهل يَنْعِمْنَ مَنْ كانَ فِي العُصُر الْخَالِي وَقَالَ: واعْوَجَّ عُودُكَ من لَحْوٍ ومِنْ قِدَمٍ لَا يَنْعِمُ الغُصْنُ حَتَّى يَنْعِمَ الورَقُ وَقَالَ الفرزدق: وكُومٍ تَنْعِمُ الأضْيافَ عَيْنَاً وتُصْبِح فِي مَبارِكها ثِقالاوالفتحُ فِي هَذِه الْأَفْعَال أجودُ وأقيسُ يَعْنِي حَسِبَ يَحْسَب ويَئِسَ يَيْئَس ويَبِسَ يَيْبَس ونَعِمَ يَنْعَم وَحكى أَبُو عَليّ: نَجِدَ يَنْجِد: إِذا عَرِقَ والأعرفُ الْفَتْح وَقد جَاءَ فِي الْكَلَام فَعِلَ يَفْعُل وَذَلِكَ فِي حرفين وهما فَضِلَ يَفْضُل ومِتَّ تَموت، وفَضِلَ يَفْضُل ومُتَّ تموتُ أقيسُ وَقد ذكرت فِيمَا مضى عَن غير سِيبَوَيْهٍ حَضِرَ يَحْضُر بشاهده من الشّعْر، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد قَالَ بعض الْعَرَب كُدْتَ تَكادُ فَقَالَ فعُلْت تَفْعَلُ فَكَمَا ترك الكسرةَ كَذَلِك تركَ الضمةَ وَهَذَا قَول الْخَلِيل وَهُوَ شاذٌّ من بابِه أَي فَكَمَا تركَ كسرةَ كِدْتَ كَذَلِك تركَ ضمةَ مُتَّ، قَالَ: فَكَمَا شَرِكَتْ يَفْعُلُ يَفْعَل كَذَلِك شَرِكَت يَفْعَل يَفْعُل وَهَذِه الْحُرُوف من فَعِلَ يَفْعِل إِلَى مُنْتَهى الفصْل سواءٌ يَعْنِي سَوَاء فِي الشُّذوذ وَمعنى قَوْله فَكَمَا شَرِكَتْ يَفْعُل يَفْعَل كَذَلِك شَرِكَت يَفْعَل يَفْعُل إِمَّا شَرِكَة يَفْعَل يَفْعُل فَقَوْلهم فَضِلَ بَفْضُل وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال بَفْضَل وَشركَة يَفْعَل يَفْعُل أَنهم قَالُوا كُدْتَ تَكاد وَكَانَ الْقيَاس أَن يُقَال تَكود كَمَا قُلت تَقول. هَذَا بَاب مَا جَاءَ من المصادر وَفِيه ألف التَّأْنِيث وَذَلِكَ قولُك رَجَعْتُه رُجْعى وبَشَرْتُه بُشْرى وذَكَرْتُه ذِكْرى واشْتَكَيْت شَكْوَى وأَفْتَيته فُتْيى وأَعْدَاه عَدْوَى والبُقيا وَمعنى البُقيا الْإِبْقَاء على الشيءِ تَقول مَا عِند فلانٍ بُقيا على فلانٍ: أَي لَا يُبقي عَلَيْهِ فِي مَكْرُوه وَغير ذَلِك قَالَ الشَّاعِر: فَمَا بُقْيا عليَّ تركْتُماني ولكنْ خِفْتُما صَرَدَ النِّبالِ قَالَ: فَأَما الحُذيا: فالعطيَّة، والسُّقْيا: مَا سَقَيْت، والدَّعْوى: مَا ادَّعيْتَ، وَقد قَالَ بعض الْعَرَب: اللَّهُمَّ أَشْرِكنا

стр. 1707

فِي دَعْوَى الْمُسلمين وَقَالَ بِشر بن النِّكْث: وَلَّتْ ودعْواها كَثيرٌ صَخَبُه دخلت الألفُ كدخول الْهَاء وَجعل سِيبَوَيْهٍ مَا ذكره مصَادر مؤنَّثة بِالْألف كَمَا يكون المصدرُ مؤنثاً بِالْهَاءِ كَقَوْلِك العِدَة والزِّنَة والرِّكْبة والجِلْسَة وَغير ذَلِك وَأما الحُذْيا والسُّقْيا فمصدران فِي الأَصْل مثل الفُتْيا والرُّجْعى وَإِن كَانَا قد وَقَعَا على الْمَفْعُول لِأَن الْمصدر قد يَقع على الْمَفْعُول كَقَوْلِهِم دِرْهمٌ ضَرْب فِي معنى مَضْروب وَأَنت رجائي فِي معنى مَرْجُوِّي واللهمَّ اغْفِر لنا عِلْمَكَ فِينَا: أَي معلومَك من ذنوبنا وَأما الدَّعْوى فقد تكون للشَّيْء المدَّعى مثل الحُذْيا والسُّقْيا وَتَكون الكلامَ الَّذِي هُوَ دُعاء وَقَوله كثير صَخَبُه لدَعْواها والدَّعوى مؤنَّث فذكَّره فِي صخبُه لِأَنَّهُ أَرَادَ دُعاءها، قَالَ أَبُو عَليّ: وَمن هَذَا الْبَاب حُسْنى فِي قِرَاءَة من قَرَأَ وَقُولُوا للنَّاس حُسْنى وَلَا تكونُ على الوصفِ لِأَنَّهَا لم تعرَّف لمعاقَبَة مِنْ وَقَالَ الكِبْرِياء للكِبَر، وَأما الفِعِّيلَى فتجيءُ على وَجه آخر تَقول كَانَ بَيْنَهم رِمِّيَّاً فَلَيْسَ يُريد رَمْياً وَلكنه يُرِيد مَا كَانَ بَيْنَهم من التَّرامي وكثْرَة الرَّمْي وَلَا يكون الرِّمِّيا وَاحِدًا وَكَذَلِكَ الحِجِّيزى: وَأما الحِثِيثى فكثرةُ الحثِّ كَمَا أَن الرِّمِّيا كثرةُ الرَّمْي وَلَا يكون من واحدٍ أَعنِي فِيمَا ذكرنَا من الرِّمِّيَّا والحِثِّيثى والحِجِّيزى وَقد يكونُ من هَذَا الْوَزْن مَا يكونُ لواحدٍ قَالُوا الدِّلِّيلى يُرِيد بهَا كثرةَ الْعلم بالدِّلالة والرُّسوخ فِيهَا وَقَالَ الفِتِّيتى: وَهِي النَميمةُ والهِجِّيرى كثرةُ القولِ والكلامِ بالشَّيْء وَقَالَ أَبُو الْحسن الإهْجيرى وَهُوَ كثرةُ كلامِه بالشَّيْء يردِّدُه ويروى أنَّ عمر ﵁ قَالَ: (لَوْلَا الخِلِّيفى لأذَّنْت) . يَعْنِي الخلافةَ وشغلَه بحقوقِها وَالْقِيَام بهَا عَن مُرَاعَاة الأوقاتِ الَّتِي يُراعيها المؤذِّنون وفِعِّيلى عِنْد النَّحْوِيين وَالَّذين حَكَوْا عَن الْعَرَب مقصورٌ كلُّه وَلَا يعرَف فِيهِ المدُّ إِلَّا مَا حُكيَ عَن الْكسَائي خِصِّيصاء قومٍ. هَذَا بَاب مَا جَاءَ من المصادر على فَعول وَذَلِكَ قولُك توضَّأْت وَضوءاً حسنا وتَطَهَّرت طَهوراً وأُولِعت بِهِ وَلوعاً وَسَمعنَا من الْعَرَب من يَقُول وَقَدَتِ النارُ وَقوداً عَالِيا وقبِلته قَبولاً، قَالَ أَبُو سعيد: هَذِه خمسةُ مصَادر على فَعول لَا نعلم أكثرَ مِنْهَا وربَّما جعلُوا الْمصدر الوُقود بِضَم الْوَاو وَجعلُوا الوَقود هُوَ الحَطَبُ وَيَقُولُونَ إنَّ على فلَان لقَبولاً: أَي مَا يَقْبَله القلبُ من أَجله فَهَذَا فِي هَذَا الْموضع اسمٌ لَيْسَ بمصدر وَقد يُقَال الوَضوء اسْم للْمَاء الَّذِي يُتطهَّر بِهِ والوُضوء بِضَم الْوَاو اسمُ الْمصدر الَّذِي هُوَ التطهُّر، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمِمَّا جَاءَ مُخَالفا للمصدر لِمَعْنى قَوْلهم أصابَ شِبْعه وَهَذَا شِبْعه وَإِنَّمَا يُرِيد قَدْرَ مَا يُشْبِعه وَتقول شَبِعْت شَبَعَاً وَهَذَا شِبَعٌ فاحشٌ وَالِاسْم الشِبْع والمصدر الشِّبَع، وَقد يَجِيء الْفِعْل فِي الِاسْم كثيرا وَكَذَلِكَ الْفِعْل تَقول طَحَنْت الدَّقِيق طَحْنَاً والطَّحْن: الدَّقيق المَطحون وَتقول مَلَأت الإناءَ مَلأ والمِلْء: قَدْرُ مَا يمْلَأ الإناءَ وقَسَمْت الشيءَ قَسْمَاً والقِسْم: هُوَ النَّصيب الْمَقْسُوم وَتقول: نَقَضْت نَقْضَاً والنِّقْض: الجمَلُ الَّذِي نَقَضْه السّفر إِذا هَزَلَه وَيَقُولُونَ: نَقَضْت الدارَ والمَنْقوض من الدَّار يُقَال لَهُ النُُّقْض بِضَم النُّون فصَلوا بَين المَنْقوض من الْحَيَوَان على معنى الهُزال وَبَين مَا أُخذ أجزاؤُه وَيَقُولُونَ: نَقَضْت الورقَ والتَّمْر نقضا بِسُكُون الثَّانِي وَيَقُولُونَ للمنقوض النَّقَضُ وخَبَطْت الورقَ خَبْطَاً وَيُقَال للورَق الخَبَط وكأنَّ هَذِه مصادرُ تُجعل أَسمَاء لِأَن الْعَرَب تتصرَّف فِي المصادر فتوقع بعضَها على اسْم الْفَاعِل وَهُوَ على الْحَقِيقَة لَهُ كالضَّرْب والقَتْل لما يُوقِعه الضاربُ والقاتلُ وَقد يُوقِعونه على الْفَاعِل كَقَوْلِهِم رجلٌ عَدْل وماءٌ غَوْر فِي معنى عادلٍ وغائر، قَالَ الله تَعَالَى: (قل أرَأَيْتُم إنْ أصبحَ ماؤُكمْ غَوراً) . وَقد يُوقِعونه على الْمَفْعُول كَقَوْلِك هَذَا دِرْهمٌ ضَرْب: أَي مَضْرُوب وفلانٌ رَجائي أَي مَرْجُوِّي وفلانٌ رِضىً أَي مَرْضِيٌّ وينقسِم ذَلِك قسمَيْنِ

стр. 1708

أحدُهما أَن يكونَ المصدرُ الَّذِي يَقع للْفَاعِل أَو الْمَفْعُول بِهِ على لفْظِ الْمصدر المستعملِ لحقيقةِ الْمصدر وَالْآخر أَن يكون على خِلاف لفظِه فَأَما الَّذِي على لَفْظِه فقولك رجلٌ عَدْل وعَدَلَ عَلَيْهِم عَدْلاً وَكَذَلِكَ دِرْهَمٌ ضَرْب وَقد ضَرَبْت الدَّراهم ضَرْبَاً وَتقول خَلَقَ اللهُ الأشياءَ خَلْقَاً وَهُوَ مصدر وَتقول هَذَا خَلْقُ اللهِ إِذا أشَرْتَ إِلَى المخلوقاتِ وَأما مَا يكون على خِلاف لفظِ المصدرِ وَقد ذكرت بعضَه فقولك طَحَنْته طَحْنَاً مصدرٌ والطِّحْن الدقيقُ والشِّبَع مصدرٌ والشِّبْع مَا يُشبِع وستقفُ على جملتِه إِن شَاءَ الله تَعَالَى، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وطَعِمْت طُعْماً وَلَيْسَ لَهُ طَعْم يريدُ لَيْسَ للطَّعام طِيبٌ وَيُقَال مَا لفلانٍ طَعْم: أَي لَا يُستحلى وَلَا يُستعذَب وَتقول رَوِيتُ رِيَّاً وأصابَ رِيَّه وطَعِمْت طُعْماً وأصابَ طُعْمه ونَهِلَ نَهَلاً وأصابَ نَهَلَة فَلفظ المصدرِ وَالْمَفْعُول فِي ذَلِك واحدٌ وَيَقُولُونَ: خَرَصَه خَرْصَاً على معنى حَزَرَه وَمَا خِرْصه: أَي مَا قَدْرُه، قَالَ: وَكَذَلِكَ الكِيلَةُ يُرِيد أَنَّك تَقول كِلْتُه كَيْلاً وَهُوَ مصدر والكِيلة اسمٌ لمقدار الْمكيل وَلِهَذَا جرى الْمثل: أَحَشَفا وسُوء كِيلَةٍ. وَقَالُوا قُتُّه قَوْتَاً والقُوتُ الرِّزْق فَلم يَدَعُوه على بناءٍ واحدٍ كَمَا قَالُوا الحَلَب فِي الحَليب وحَلَبْت حَلَبَاً يُرِيدُونَ المصدرَ سَوَّوْا فِي الْحَلب بَين المصدرِ وَالْمَفْعُول وَلم يُسَوُّا فِي القَوْت والقُوت فَهَذِهِ أشياءُ تَجِيء مُخْتَلفَة وَلَا تطَّرِد وَقَالُوا مَرَيْتها مَرْيَاً إِذا أَرَادوا عملَه وَيَقُول حَلَبْتها مِرْيَةً وَلَا يُرِيد فِعْلَةً وَلكنه يريدُ نَحوا من الدِّرَّة والحلب. قَالَ أَبُو سعيد: أما مَرْيَاً فمصدرٌ وَأما فَعْلَة يُرِيد مرّة وَاحِدَة وَأما المرية فمصدر وَأما فعلة يُرِيد مرّة وَأما المرية فَهِيَ للمحلوب. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فالمِرْية بِمَنْزِلَة الدِّرَّة والحَلَب وَقَالُوا لُعْنة للَّذي يُلعَن واللَّعْنة الْمصدر وَقَالُوا الخَلْق سَوَّوْا بَين الْمصدر والمخلوق وَقَالُوا كَرَعَ كُروعاً والكَرَع: الماءُ الَّذِي يُكرَع فِيهِ وَقَالُوا دَرَأْته دَرْءَاً وَهُوَ ذُو تُدْرَإٍ: أَي ذُو عُدَّة وَمَنَعة لَا تُرِيدُ العملَ وكاللُّعْنة السُّبَّة إِذا أردْت المشهورَ بالسبِّ واللَّعْن فَأَجْرَوْه مُجْرى الشُّهْرة، قَالَ أَبُو سعيد وَأَبُو عَليّ: اعْلَم أَن المفعولَ بِهِ من هَذَا البابِ يَأْتِي على فُعْلة بتسكين عينِ الْفِعْل وَهُوَ الْحَرْف الثَّانِي مِنْهُ والفاعلُ يَأْتِي بِفَتْح عينِ الفعلِ تَقول: رجل هُزْأَةٌ وضُحْكةٌ وسُخْرة: إِذا كَانَ يُسخَر ويُضْحَك مِنْهُ وَإِن كَانَ هُوَ الفاعلَ قلت رجل هُزَأَةٌ وضُحَكةٌ وسُبَبةٌ إِذا فعل ذَلِك بالناسِ وَمِنْه قَول الله تَعَالَى: (وَيْلٌ لكلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) . وَهُوَ لمن يكثر مِنْهُ الهمزُ واللَّمْز بِالنَّاسِ وَقَالُوا رجلٌ نَمٌّ ورجلٌ نَوْمٌ يُرِيد النَّامَّ والنائِمَ وَمَاء صرىً يُرِيد صَرٍ: وَهُوَ الْوَاقِف فِي موضعٍ وصَرِيَ يَصْرَى صَرىً وَهُوَ صَرٍ وصَرىً للبن إِذا تغيَّر فِي الضّرع كَأَنَّهُ المجموعُ كَمَا يَقُولُونَ هُوَ رِضاً للمرضِيِّ وصَرىً أَيْضا للمجتمع كَمَا يُقَال للْفَاعِل على لفظ الْمصدر وَقَالُوا مَعْشَرٌ كَرَم على معنى كِرام، قَالَ: ين عينِ الْفِعْل وَهُوَ الْحَرْف الثَّانِي مِنْهُ والفاعلُ يَأْتِي بِفَتْح عينِ الفعلِ تَقول: رجل هُزْأَةٌ وضُحْكةٌ وسُخْرة: إِذا كَانَ يُسخَر ويُضْحَك مِنْهُ وَإِن كَانَ هُوَ الفاعلَ قلت رجل هُزَأَةٌ وضُحَكةٌ وسُبَبةٌ إِذا فعل ذَلِك بالناسِ وَمِنْه قَول الله تَعَالَى: (وَيْلٌ لكلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) . وَهُوَ لمن يكثر مِنْهُ الهمزُ واللَّمْز بِالنَّاسِ وَقَالُوا رجلٌ نَمٌّ ورجلٌ نَوْمٌ يُرِيد النَّامَّ والنائِمَ وَمَاء صرىً يُرِيد صَرٍ: وَهُوَ الْوَاقِف فِي موضعٍ وصَرِيَ يَصْرَى صَرىً وَهُوَ صَرٍ وصَرىً للبن إِذا تغيَّر فِي الضّرع كَأَنَّهُ المجموعُ كَمَا يَقُولُونَ هُوَ رِضاً للمرضِيِّ وصَرىً أَيْضا للمجتمع كَمَا يُقَال للْفَاعِل على لفظ الْمصدر وَقَالُوا مَعْشَرٌ كَرَم على معنى كِرام، قَالَ: وأنْ يَعْرَينَ إِن كَسِيَ الجَواري فَتَنْبوُ العَيْنُ عَن كَرَم عِجافِ يُرِيد عَن كرائم وَقد يَأْتِي المصدرُ بِغَيْر هاءٍ فيكونُ كجِنس الْمصدر وَتدْخل عَلَيْهِ الهاءُ فتكونُ لواحدِه كَقَوْلِهِم شَمِطَ شَمَطَاً للمصدر وَيَقُولُونَ هَذَا شَمَطٌ للشعر الَّذِي فِيهِ سَوادٌ وبَياضٌ، وَيَقُولُونَ للواحدةِ مِنْهَا شَمَطَةٌ وَهَذَا شَيْب وَهَذِه شَيْبَة فيُشبِه هَذَا بَيْض وبَيْضَةٌ وجَوْز وجَوْزَةٌ. هَذَا بَاب مَا تجيءُ فِيهِ الفِعْلة تُرِيدُ بهَا ضَرْبَاً من الفِعْل وَذَلِكَ قَوْلك هُوَ حَسَنُ الطِّعْمة وَمثله قَتَلْته قِتْلةَ سَوْءٍ وبِئْسَتِ المِيتةُ وَإِنَّمَا تُرِيدُ الضَّرْب الَّذِي أصابَه من القَتْل وَالَّذِي هُوَ علَيْه من الطَّعْم ومثلُه الجِلْسة والقِعْدة والرِّكْبة وَقد تَجِيء الفِعْلة لَا يُراد بهَا هَذَا الْمَعْنى وَذَلِكَ نحوُ الشِّدَّة والشِّعْرة والدِّرْية وَنحن نقسِم هَذَا البابَ إِلَى قِسْمَيْه المشتملين عَلَيْهِ، اعْلَم أَن الفِعْلة قد تَجِيء على ضربَيْن أَحدهمَا للحالِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمصدر وَلَا يُراد بهَا العددُ كَقَوْلِنَا فلَان حَسَن الرّكْبَة والجِلْسة يُرَاد بذلك أَنه مَتى رَكِبَ كَانَ رُكوبُه حَسَنَاً وَإِذا جلسَ كَانَ جُلوسُه حَسَنَاً فِي أوقاتِ ركوبِه وجُلوسِه وأنَّ ذَلِك عادتُه فِي

стр. 1709

الرُّكوب والجُلوس وحَسَن الطِّعْمة: أَي ذَلِك فِيهِ موجودٌ لَا يُفارِقه وَالْوَجْه الآخر أَن يكونَ مصدرا كسائرِ المصادر لَا يُراد بِهِ حالُ الفاعلِ فِي فِعْله كَقَوْلِك دَرِيَ فلانٌ دِرْية ولفلانٍ شِدَّةٌ وبأسٌ وشعَر فلانٌ بالشيءِ شِعْرةً، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا لَيْتَ شِعْري فِي هَذَا الْموضع اسْتِخْفَافًا وَالْأَصْل عِنْده لَيْتَ شِعْرَتي تُرِيدُ بهَا معنى عِلْمي ومعرِفتي وَمَا أشْعُره وأُسقِطت الهاءُ لكثرةِ استعمالهم وَأَنه صَار كالمثَل حَتَّى لَا يُقال لَيْتَ عِلْمي وَصَارَ بِمَنْزِلَة قَوْلهم ذهبَ فلَان بعُذْرة امْرَأَته: إِذا افْتَضَّها ثمَّ يُقَال للرجل المُبْتَدئ بالمرأةِ هَذَا أَبُو عُذْرِها فيحذفون الهاءَ لِأَنَّهُ صَار مثلا وَيُقَال تَسْمَعُ بالمُعَيْديِّ لَا أَن ترَاهُ وَهُوَ تَصْغِير مَعَدِّيٍّ بتَشْديد الدالِ وَكَانَ حقُّه أنيقال مُعَيْدِّيٌّ بتَشْديد الدَّال وَالْيَاء ويخفِّفون الدالَ فِي تسمَع بالمعيْدي لِأَنَّهُ مَثَل وتجيء فِعْلة مصدرا لما كانَ فاءُ الْفِعْل مِنْهُ واواً كَقَوْلِك وَزَنَ وَزْنَاً ووِزْنَةً ووَعَدَ وَعْدَاً وعِدَةً ووَثِقَ بِهِ ثِقةً وَأَصله وِزْنةً ووِعْدةً ووِثْقةً وَتقول هُوَ بزِنَته تُرِيدُ بقَدْره وَيُقَال العِدَة كَمَا تَقول القِتْلة والضِّبْعة والقِحَة يَقُولُونَ وَقاحٌ بيِّنُ القِحَة لَا تُريد شَيْئا من هَذَا كَمَا تَقول الشِّدَّة والدِّرْية والرِّدَّة وَأَنت تُرِيدُ الارتداد لِأَن القِحَة مصدر لَا تُرِيدُ بِهِ حالَ الْفِعْل بل يكونُ بِمَنْزِلَة الشِّدَّةِ والدِّرْية وَأنْشد أَبُو عَليّ بَيْتا فَاسِدا ذكر أَن المازنيِّ لم يُحسِن أَن يقرأه وَهُوَ: فَرُحْنَ ورُحتُ إِلَى قَليلٌ رِدَّتي إِلَّا أَمَامِي وَلم نعلم أحدا يرويهِ وَهُوَ ناقصٌ مكسورٌ قَالَ: فاستدللت مِنْهُ على مَا لَو جُعل تَماماً لَهُ لم يبعُد وَلم يخرُج عَمَّا دلَّ عَلَيْهِ بقيةُ الْبَيْت وَهُوَ: فَرُحْنَ ورُحتُ مِنْهُ إِلَى ثَفالٍ قَليلٌ رِدَّتي إِلَّا أَمَامِي ? ? ? كَأَن قائلَ هَذَا الشّعْر شيخ قد كَبِرَ فَإِذا رَكِبَ لم يُمكنه أَن يردَّ مَا يركبُه إِلَى خلفِه لعَجْزه والثَّفال: البطيءُ الَّذِي لَا يَنْبَعثُ فَإِذا لم يَرْجِع إِلَى خَلْفِه وَهُوَ على ثَفال فَهُوَ إِذا كَانَ على غيْرِه أبعدُ من الرُّجوع وَإِذا أردْت المرَّة الواحدةَ من الْفِعْل جئتَ بِهِ أبدا على فَعْلة على الأَصْل لِأَن الأَصْل فَعْل فَإِذا قلتَ الجُلوس والذَّهاب وغيرُ ذَلِك فقد أَلْحَقت زيادةٌ لَيست من الأصلِ وَلم تكُن فِي الْفِعْل وَلَيْسَ هَذَا الضَّرْبُ من المصادر لَازِما بزياداتهِ لبابِ فَعَلَ كلُزوم الإفْعال والاسْتِفعال ونحوِهما لأفعالهما فَإِذا جاؤا بالمرَّة جاؤا بهَا على فَعْلَة كَمَا جاؤا بتَمْرة على تَمْر وَذَلِكَ قَوْلك قَعَدْت قَعْدَةً وأَتَيْت أَتْيَةً، قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن أصلَ الْمصدر فِي الثُّلاثيِّ فَعْل بِفَتْح الفاءِ وتسكين الْعين وَإِن نُطق بِغَيْرِهِ وزِيدَ فِيهِ زياداتٌ وَاسْتدلَّ سِيبَوَيْهٍ أَنه قد يُقَال فِي المرَّة الواحدةِ فَعْلَة وَإِن كَانَ فِي الْمصدر زيادةٌ كَقَوْلِهِم جَلَسْت جَلْسَة وقُمتُ قَوْمَةً وشَرِبْت شَرْبةً والمرةُ الواحدةُ إِذا كَانَت بِالْهَاءِ فالبابُ فِي الجِنس أَن يكونَ بطرح الْهَاء من ذَلِك اللَّفْظ كَقَوْلِهِم تَمْرة وتَمْر وجَمْرة وجَمْر وَكَانَ الأَصْل أَن تَقول جَلَسَ جَلْسَاً وقَعَدَ قَعْدَاً لِأَن الواحدَ قَعْدَةٌ وجَلْسَةٌ وَلَكنهُمْ تصرَّفوا فِي مصَادر الثلاثي فزادوا وغيَّروا كالجُلوس والذَّهاب والقِيام، وَمَا كَانَ فِيهِ الزِّياداتُ من الْأَفْعَال الثُّلاثية أَو كَانَ على أكثرَ من ثَلاثةٍ فالمصدر لَا يتغيَّر كالأفعال فِي مصدر أَفْعَلَ كَقَوْلِك أَكْرَمَ إكْراماً وأَمْضَى إمْضاء والاستفعال فِي مصدرِ اسْتَفْعَل كَقَوْلِك اسْتَغْفَر اسْتِغْفاراً واسْتَخْرَج اسْتِخْراجاً وَقد يزِيدُونَ الهاءَ على الْمصدر الَّذِي فِيهِ الزيادةُ يُريدون بِهِ مرّة وَاحِدَة كَقَوْلِك أَتَيْتُه إتْيانةً ولَقيته لِقاءةً وَاحِدَة فجاؤا بِهِ على الْمصدر المستعمَل فِي الْكَلَام كَمَا قَالُوا أَعْطَى إعْطاءةً واستُدرِج استِدراجةً، وَمَا كَانَ من الْفِعْل على أكثرَ من ثَلَاثَة فالمرَّة الواحدةُ بِزِيَادَة الهاءِ على مصدرِ المستعملِ لَا غيرُ كالاسْتِغْفارة والإعْطاءَةِ والتَّكْبيرة يُرَاد بذلك كلِّه مرَّةً وَاحِدَة وَقَالُوا غَزاة فأرادوا عملَ وَجْهٍ واحدٍ وَقَالُوا حِجَّة يُرِيدُونَ عملَ سنةٍ واحدةٍ وَلم يجيؤا بِهِ على الأَصْل أَي إِنَّه كَانَ حقُّه للمرةِ الواحدةِ غَزْوَةً وحَجَّةً وَلكنه جُعل اسْما لعملِ سنةٍ واحدةٍ فِي الْحَج وغَزْوٍ فِي وَجْهٍ واحدٍ وَقَالُوا قَنمةٌ وسَهَكَةٌ وخَمَطةٌ جَعَلُوهُ اسْما لبَعض

стр. 1710

الرِّيح كالبَنَّة والشَّهْدة والعَسَلة وَلم يُرَد بِهِ فَعَلَ فَعْلَة أَعنِي أَن القنمة اسمٌ للرائحة الْمَوْجُودَة فِي الْوَقْت والخَمَطة تغيُّر الشَّراب إِلَى الحُموضة والبنَّة رائحةُ موضعِ الغَنَم وأبعارِها. هَذَا بابُ نَظائرِ مَا ذكرْنا من بَناتِ الياءِ والواوِ الَّتِي الياءُ والواوُ منهنَّ فِي موضِع اللامات ِ فمذهبُ أبي الْعَبَّاس أَن فَاء الْفِعْل سقطتْ فِي الْمصدر كسُقوطها فِي الْفِعْل وأنَّ التاءَ الباقيةَ هِيَ تاءُ افتعلَ فَلهَذَا وَزنه بتُعَلٍ، وَقَالَ الزّجاج: هُوَ فُعَلٌ وَكَانَ يقولُ إِن تَقَي الَّذِي هَذَا مصدرُه لَا يتعدَّى وَإنَّهُ يُقَال فِيهِ تَقَي يَتْقي وَإِن قَوْلهم تَقَي يَتَقي مُخفَّف من اتَّقى يتَّقي وَهُوَ متعدٍّ وَكَانَ يزْعم أَن سِيبَوَيْهٍ إِنَّمَا قَالَ فِي هُدىً إِنَّه لم يَجِيء غيرُه يُرِيد فِي الْفِعْل المتعدِّي وَأَن سُرىً مصدر فعلٍ غير متعدٍّ فَحَمله ذَلِك أَن قَالَ تُقىً مصدر فعل لَا يتعدَّى وَالَّذِي قَالَه غير معروفٍ لِأَنَّهُ لَا يُعرف تَقَي يَتْقِي وَلَا يُؤمر مِنْهُ باتْقِ كَمَا يُقَال ارْمِ وبُكاً فِيهِ لُغَتَانِ المدُّ

стр. 1711

والقصرُ وَكَأن القَصْر تخفيفٌ وَالْأَصْل المدُّ لِأَنَّهُ صوتٌ والصَّوتُ بَابه أَن يجيءَ على فُعال فِي المصادر وَقد مضى الكلامُ على نَحْو ذَلِك، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَذَلِكَ لِأَن الفعلَ لَا يكونُ مصدرا فِي هَدَيْت فَصَارَ هَذَا عِوَضاً مِنْهُ وَفِي النَّاس من قَالَ لِأَن الْفِعْل لَا يكونُ مصدرا فِي هَدَيْت فَصَارَ هَذَا عِوَضاً من الْفِعْل لِأَن الْفِعْل يكثر فِي المصادر وَقَالُوا قَلَيته قِلىً وقَرَيْته قِرىً فأشْركوا بَينهمَا يَعْنِي بَيْنَ فِعَلٍ فِي قِلىً وبينَ فُعَلٍ فِي هُدىً فَصَارَ هَذَا البِناآن عوضا من الْفِعْل فِي الْمصدر لِأَن الأَصْل الفَعْل وَكَانَ حَقه أَن يُقَال فِي الأَصْل هَدَيْته هَدْيَاً وقَلَيْته قَلْيَاً وقَرَيْته قَرْيَاً فَدخل كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا على صَاحبه كَمَا قَالُوا كِسْوةٌ وكُساً وجِذْوةٌ وجُذاً وصُوَّة وصُوىً وفَعِلٌ وفُعَلٌ أَخَوان لِأَنَّك إِذا جمعتَ فِعْلةً قلت فَعِلٌ وَإِذا جمعت فُعْلة قلت فُعَلٌ فَلم تَزِدْ على فتْح الثَّانِي فيهمَا وَكَذَلِكَ إِذا جمعتها بِالتَّاءِ جَازَ فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا ثلاثُ لُغَات الِاتِّبَاع وَفتح الثَّانِي وتسكينُه تَقول فِي ظُلْمة ظُلُمات وظُلَمات وظُلْمات وَفِي كِسْرة كِسِرات وكِسَرات وكِسْرات فهما يجريان مَجْرَىً وَاحِدًا وَفِي المعتلِّ يُقَال رُشْوة ورُشاً ورِشاً ورِشْوةٌ ورُشاً ورِشاً وَكَذَلِكَ فِي كِسْوة وجِذْوة، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا شَرَيْته شِراً ورَضيته رِضاً فالمعتل يختصُّ بأشياءَ واختصاصُ المعتلِّ وفُعَلٌ لَا يُوجد فِي غير المعتلِّ وَقَالُوا عَتا يَعْتُو عُتُوَّاً ودَنا يَدْنو دُنُوَّاً وثَوى يَثْوي ثُوِيَّاً ونَمى يَنْمى نَماءً وبَدا يبْدو بَداءً ونَثا يَنْثو نَثاءً وقَضى يَقْضي قَضاءً وَقد قُصِر بَداً ونَثا وَإِنَّمَا كثُرا الفَعال فِي هَذَا كَراهيةَ الياآت مَعَ الكسرة والواوات مَعَ الضمَّة يُرِيد أَنهم عدَلوا عَن فُعول إِلَى فَعال لأَنهم لَو جاؤا بِهِ على فُعول قَالُوا بَدا بُدُوَّاً ونَثا نُثُوَّاً وقَضى قُضِيَّاً كَمَا قَالُوا ثَوى ثُوِيَّاً ودَنا دُنُوَّاً على أَن الفَعال جَاءَ فِي غير المعتلِّ نَحْو الذَّهاب والثَّبات والصَّواب وَقَالُوا جَرى جَرْيَاً كَمَا قَالُوا سَكَتَ سَكْتَاً وَقَالُوا زَنا زِناً وشَرى يَشْري شِرىً والتُّقى فَصَارَ عِوَضاً من فِعَلٍ أَيْضا فعلى هَذَا يَجْري المعتلُّ الَّذِي حرفُ الاعتلالِ فِيهِ لازمٌ وَقد جَاءَ المدُّ فِي زِناً وشِراً لِأَنَّهُ فِعل يَقع من اثْنَيْنِ كلُّ واحدٍ مِنْهُمَا يفْعَل مثلَ فِعْل الآخر فَصَارَ بِمَنْزِلَة ضاربْتُه ضِراباً وقاتَلْته قِتالاً وَقَالُوا قومٌ غُزَّاً وبُدَّاً وعُفَّىً كَمَا قَالُوا ضُمَّر وشُهَّد وقُرَّح وَقَالُوا السُّقَّاء والجُنَّاء كَمَا قَالُوا الجُلَاّس والعُبَّاد والنُّسَّاك، قَالَ أَبُو عَليّ: ذكر سِيبَوَيْهٍ جمعَ الْفَاعِل فِي هَذَا الْموضع وَلَيْسَ ببابٍ لَهُ شَاهدا على مَا جَاءَ من المصادر مَقْصُورا وممدوداً كَقَوْلِهِم بَداً وبَداءٌ وَمَا جَاءَ على فَعَلٍ وفَعال فالفَعَل نَحْو الحَلَب والسَّلَب والجَلَب والفَعال نَحْو الذَّهاب والثَّبات وَمثله فِي أَسمَاء الفاعلين فُعَّلٌ وفُعَّال بثبات الألفِ قبل آخِره وسُقوطِها والجُنَّاء جمع الْجَانِي الَّذِي يَجْني الثمَرة وَقَالُوا بَهُو يَبْهو بَهاءً وَهُوَ بَهِيٌّ وسَرو يَسْرو سَرْوَاً وَهُوَ سَرِيٌّ كَمَا قَالُوا ظَرُفَ يَظْرُف ظَرْفَاً وَهُوَ ظَريف وبَذو يَبْذُو بَذاءً وَهُوَ بَذِيٌّ كَمَا قَالُوا سَقُمَ سَقاماً وَهُوَ سَقيم وَبَعض الْعَرَب يَقُول بَذِيت كَمَا تَقول شَقِيت ودَهُوت وَهُوَ دَهِيٌّ والمصدر الدَّهاء كَمَا قَالُوا سَمُحَ سَماحاً وَقَالُوا اداهٍ كَمَا قَالُوا عاقلٌ ومثلهُ فِي اللَّفْظ عَقُر وَهُوَ عاقِرٌ وَقد مضى الكلامُ على فَعُل فَهُوَ فاعلٌ وَقَالُوا دَهِيٌّ كَمَا قَالُوا لَبيب، ثمنذكر المعتلَّ الْعين وَالَّذِي مضى المعتلُّ اللامِ: تَقول بِعْتُه بَيْعَاً وكِلْتُه كَيْلاً وسُقْته سَوْقَاً وقُلْتُه قَوْلاً وَقَالُوا زُرْته زِيارةً وعُدته عِيادةً وحُكْته حِياكةً كَأَنَّهُمْ أَرَادوا الفُعول ففرُّوا إِلَى هَذَا كراهيةَ الواوات والضَّمَّات وَمَعَ هَذَا أَنهم قَالُوا فِي الصَّحِيح عَبَدَ عِبادة وعَمَرَ عِمارةً وَلَو أَتَوا بِهِ على فُعول لقالوا زُرْته زُؤوراً وعُدْته عُؤوداً وَقد جَاءَ مثلُ ذَلِك على إِلَيْهِ أنكْقَاً وقُلْتُه قَوْلاً وَقَالُوا زُرْته زِيارةً وعُدته عِيادةً وحُكْته حِياكةً كَأَنَّهُمْ أَرَادوا الفُعول ففرُّوا إِلَى هَذَا كراهيةَ الواوات والضَّمَّات وَمَعَ هَذَا أَنهم قَالُوا فِي الصَّحِيح عَبَدَ عِبادة وعَمَرَ عِمارةً وَلَو أَتَوا بِهِ على فُعول لقالوا زُرْته زُؤوراً وعُدْته عُؤوداً وَقد جَاءَ مثلُ ذَلِك على إِلَيْهِ أَنَّك ارتفعْتَ إِلَيْهِ وَقَالُوا غارَ يَغور غُؤوراً: إِذا غابَ، قَالَ الأخطل: لما أَتَوْها بمِصْباحٍ ومِبْزَلِهِمْ سارتْ إِلَيْهِم سُؤُور الأَبْجَلِ الضَّاري

стр. 1712

وَقَالُوا خِفْته فَأَنا أخافه خَوْفَاً وَهُوَ خائِف كَمَا تَقول لَقِمته أَلْقَمه لَقْمَاً وَهُوَ لاقِمٌ وهِبْتُه أَهابُه هَيْبَة وَهُوَ هائبٌ كَمَا قَالُوا خَشِيته خَشْيَةً وَهُوَ خاشٍ وَقَالُوا رجل خافٌ وَأَصله خَوِفٌ انقلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاحِ مَا قَبْلِها وخَوِفٌ بِمَنْزِلَة فَزِعٍ وفَرِقٍ وَالْمعْنَى وَاحِد وَقَالُوا ذِمْته أَذيمه ذاماً وعِبْته أَعيبه عاباً كَمَا تَقول سَرَقَه سَرَقَاً ووزْن الذَّام والعابِ فَعَلٌ وسُؤْته سُوءاً وقُتُّه قُوتاً وَقد قُلْنَا قبل هَذَا قُتُّه قَوْتَاً فِي الْمصدر وَجعلُوا القُوت اسْما لما يُقتات وعِفْته عِيافةً فَأَنا أعافه وَهُوَ عائفٌ وَقَالُوا غابَتِ الشمسُ تَغيبُ غُيوباً وبادَتْ تَبيد بُيوداً وقامَ يَقوم قِياماً وصامَ يَصومُ صِياماً كَرَاهِيَة للفُعول لَو قلت قُؤوماً وصُؤوماً وَنَظِيره من الصَّحِيح نَفَرَ نِفاراً وَقَالُوا آبَتِ الشمسُ إياباً وَقَالَ بَعضهم أُيوباً كَمَا قَالُوا الغُؤور والسُّؤور ونظيرهما من غير المعتلِّ الرُّجوع وَمَعَ هَذَا أَنهم أدخلُوا الفِعال مَعَ الفُعول فِي الصَّحِيح قَالُوا النِّفار والنُّفور وشَبَّ شِباباً وشُبوباً فَهَذَا نظيرٌ مَعَ الْعلَّة وَقَالُوا ناحَ يَنوح نِياحةً وقافَ يَقوف قِيافةً وصاحَ صِياحاً وغابتِ الشمسُ غِياباً كَرَاهِيَة للفُعول فِي بَناتِ الياءِ وَقد ذكر الغُيوب والبُيود وقالوه على اسثقالهم إِيَّاه وَقَالُوا دامَ يَدوم دَوماً وَهُوَ دائمٌ وزالَ يَزول زَوالاً وَهُوَ زائلٌ وراحَ يَروح رَواحاً وَهُوَ رائحٌ كَرَاهِيَة للفُعول وَقَالُوا حاضَتِ المرأةُ حَيْضَاً وصامَتْ صَوْمَاً وجال الرجلُ جَوْلاً كَمَا تَقول سَكَتَ سَكْتَاً وعَجَزَ عَجْزَاً وَقَالُوا لِعْت تَلاع لاعاً وَهُوَ لاعٌ كَمَا قَالُوا جَزِعَ يَجْزَع جَزَعاً وَهُوَ جَزِعٌ وَقَالُوا دِئْتَ تَداء وَهُوَ داءٌ وَقَالُوا وَجِعَ يَوْجَعُ وَجَعَاً وَهُوَ وَجِعٌ وَقَالُوا لِعْت وَهُوَ لائعٌ مثل بِعْتَ وَهُوَ بائعٌ ولاعٌ أكثرُ وَمعنى لِعْت فَزِعْت. هَذَا بَاب نَظَائِر مَا ذكرْنا من بَناتِ الواوِ الَّتِي الواوُ فيهنَّ فاءٌ تَقول وَعَدْته أَعِدُه وَعْدَاً ووَزَنْته أَزِنُه وَزْنَاً ووَأَدْته أَئِدُه وَأْدَاً والوأْد: قتلُ الْبَنَات كَمَا قَالُوا كَسَرْته أَكْسِره كَسْرَاً وَلَا يَجِيء فِي هَذَا الْبَاب يَفْعُل لأَنهم استثقلوا الواوَ مَعَ الياءِ وَكَانَ أَصله يَوْعِدُ ويَوْزِن وَالدَّلِيل على استثقالهم الياءَ مَعَ الواوِ أَنهم يَقُولُونَ ياجَلُ ويَبْجَل فِي يَوْجَل فحذفوا لوُقوعها بينَ ياءٍ وكسرةٍ وألزموا هَذَا البابَ يَفْعِل إِذا كَانَ الْمَاضِي على فَعَلَ لأَنهم إِذا حذفوا الواوَ كَانَت الياءُ مَعَ كسرةٍ أخَفَّ من الياءِ مَعَ ضمَّةٍ وَالْيَاء مَعَ الْوَاو والكسرة فِي تقديرنا يَوْعِدُ الَّذِي هُوَ أصلُ يَعِدُ أخَفُّ من الْيَاء والواوِ فِي يَوْعِد ويَوْزِن لَو جَاءَ على يَفْعُل فصرَفوه إِلَى يَفْعِل وحذفوا الواوَ لوقوعها بَين ياءٍِ وكسْرةٍ والكوفيُّون يَقُولُونَ إِن الواوَ سَقَطَتْ فَرْقَاً بَين مَا يتعدَّى من هَذَا الْبَاب وَبَين مَا لَا يتَعَدَّى، وَمَا يتَعَدَّى مِنْهُ نَحْو: وَعَدَه يَعِدُه ووَزَنَه يَزِنُه ووَقَمَه يقِمُه. وَمَا لَا يتعدَّى نَحْو قَوْلنَا: وَحِلَ يَوْحَل ووَجِلَ يَوْجَل ووَهِمَ يَوْهَم. وَالَّذِي قَالُوا من ذَلِك باطلٌ من غير وَجه من ذَلِك أنَّ مَا جَاءَ على فَعَلَ يَفْعِل أَو فَعِلَ يَفْعِل من هَذَا الْبَاب تسْقط واوُه وَإِن كَانَ لَا يتعدَّى وَذَلِكَ كثير كَقَوْلِك وَكَفَ البيتُ يَكِفُ ووَجَبَ الشيءُ يَجِبُ ووَنَمَ الذُّبابُ يَنِم: إِذا ذَرَقَ، ووَخَدَ البعيرُ يَخِدُ ووَجِدَ عَلَيْهِ فِي المَوْجِدة يَجِد وَهُوَ أَكثر من أَن يُحْصى وَمن الدَّلِيل أَيْضا على ذَلِك أَنا رَأينَا بعضَ الْأَفْعَال من هَذَا الْبَاب يَجِيء ... . قَالُوا وَحِرَ صَدْرُه يَحِر ووَغِرَ يَغِر وَقَالُوا يَوْغَر ويَوْحَر فأثبتوا الْوَاو فِي بعض وأسقطوها من يَفْعِل فوضَح من ذَلِك أَن سقوطَ الْوَاو فِي يَعِدُ ويَزِن من أجل وُقوعها بَين ياءٍ وكسرةٍ لَا من أجل التعدِّي، فَإِن قَالَ قَائِل فَإِذا كَانَ سُقوطُ الْوَاو لوقوعها بَين ياءٍ وكسرةٍ فلمَ أسقطوها من يَهَبُ ويَضَع ويَقَعَ قيل الأَصْل فِي ذَلِك يَفْعِل وَكَانَ يَوْهِب ويَوْضِع ويَوْقِع مِنْهُ على فَعِلَ يَفْعِل نَحْو حَسِبَ يَحْسِب وَفِي المعتل وَثِقَ يَثِقُ فَسَقَطت الواوُ لوُقوعها بَين ياءٍ وكسرةٍ فَصَارَت يَهِبُ ويَضِع ويَقِع ثمَّ فُتح من اجل حرف الْحلق كَمَا قَالُوا صَنَعَ يَصْنَع وقَرَأَ يَقْرَأ من أجل حرف الْحلق

стр. 1713

وَمَا لم يكن فِيهِ حرفُ الْحلق فِي مَوضِع عينِه أَو لامِه لم يَجُزْ فِيهِ ذَلِك، فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا قُلْتُمْ إنَّ الواوَ تسْقط لوقوعها بَين ياءٍ وكسرةٍ استِثقالاً لذَلِك فهَلَاّ أسقطتموها لوقوعها بينَ ياءٍ وضَمَّة وَهِي أثقلُ فِي قَوْلك وَضُؤَ الرجلُ يَوْضُؤُ ووَسُم يَوْسُم: إِذا صَار وَسيماً، ووَقُحَ الخافِرُ يَوْقُح قيل لَهُ إِنَّمَا أتمُّوا هَذَا البابَ لِأَنَّهُ لزم طَرِيقا وَاحِدًا لَا يمكنُ فِيهِ التغييرُ فِي وَزْنِه فلمَّا لَزِمَهم ذَلِك التزَموا التمامَ فِيهِ وَهُوَ أَن بابَ وَعَدَ ووَزَنَ هُوَ على فَعَلَ وفَعَلَ يَجِيء مستقبلُه على يَفْعِل ويَفْعُل فأقْصَروا على يَفْعِل مِنْهُ لما ذكرنَا من العَّلة فَكَانَ اقتصارهم على يَفْعِل تغييراً لما يوجِبه القياسُ فِي مستقبَلِ فَعَلَ فَحَمَلهم التغييرُ فِي ذَلِك أَن حذفوا الواوَ أَيْضا وَهُوَ تغييرٌ آخَرُ لما فِيهِ من الاستثقال فكأنهم أتْبَعوا التغييرَ التغييرَ وَهَذَا الطريقُ يسلُكه سِيبَوَيْهٍ كثيرا وَأما وَسُم يَوْسُم فَإِنَّهُ على فَعُلَ ويلزَم مستقبَل فَعُل يَفْعُل فلمَّا لم يُغيَّر مستقبَله الَّذِي هُوَ واجِب فِي الصَّحِيح فِي مثل ظَرُف وكَرُم لم تحذف الواوُ مِنْهُ لِأَن الأَصْل هُوَ يَفْعُل فِيهِ وَإِن ثبتَتْ الْوَاو فَلَمَّا لم يُغيَّر أحدُهما لم يغيَّر الآخرُ وَمِمَّا يقوِّي ذَلِك أَن فَعَلَ لَا يَأْتِي ... . إِذا كَانَ فِي موضعِ عينِه أَو لامِه حرفٌ من حُرُوف الحلقِ فيجعلُ على يَفْعَلُ كَمَا يُجعَل على مَا كَانَ ماضيه على فَعِلَ وَإِن قَالَ قَائِل فقد تقع الواوُ بينَ ياءٍ وكسرةٍ فِي مثل يُوقِنُ ويُوصِل فهَلَاّ حُذفَت فالجوابُ فِيهِ نحوُ مَا ذكرنَا أنَّ مستقبلَ أفعلَ لَا يتغيَّر عَن يَفْعِلُ كَمَا أنَّ مُستقبلَ فَعُلَ لَا يتغيَّر عَن يَفْعُلُ وَمَعَ ذَلِك فإنَّ الواوَ الساكنةَ إِذا كَانَ مَا قبلهَا ضمةٌ فَهِيَ كالإشباع للضمة والاستثقال لَهَا أقلُّ وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ أَن من الْعَرَب من يقولُ يَجُدُ وَذَلِكَ قليلٌ وحذفوا الواوَ من يَجُدُ لِأَن الأصلَ فِيهِ يَجِدُ فسقطتِ الواوُ من أجلِه وَقَالُوا وَرِمَ يَرِمُ ووَرِعَ يَرِعُ وَرَعَاً ووَرَمَاً ويَوْرَعُ لُغَة ووَغِرَ صَدره يَغِرُ ووَحِرَ يَحِرُ وَحَرَاً ووَغَرَاً ويَوْغَرُ ويَوْحَر أَكثر ووَلِيَ يَلِي ووَثِقَ يَثِقُ ووَمِقَ يَمِقُ ووَرِثَ يَرِثُ ووَفِقَ يَفِقُ ووَرِيَ الزَّنْدُ يَرِي، قَالَ الْفَارِسِي: وَقد قرئَ فَمَا وَهِنُوا والمستقبلُ يَهِنُ فَهُوَ من هَذَا البابِ إِذْ لم نَسْمَعْ يَوْهَن فَأَما قَوْلهم: إِذا عَزَّ أخوكَ فَهِنْ. فَهُوَ من هانَ يَهينُ يُقَال هانَ الرجلُ يَهينُ مثلُ لانَ يَلينُ يَرويه عَن الزَّجَّاج وَلَا يكون من وَهِنَ يَهِن لِأَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ ضعفٌ وضدُّه القُوَّة وَلَيْسَ ضِدُّ اللِّين القُوَّة إِنَّمَا ضِدُّه الصَّلابة فَكَذَلِك عَزَّ اشتدَّ وصَلُبَ وَلَو كَانَ عَزَّ قَوِيَ وَكَانَ فِي الْكَلَام مَوْجُودا لقلنا إِن هِنْ من وَهِنَ يَهِن فَهَذَا نقلُ أبي عَليّ، وَقد حكى أَبُو عبيد: وَهَنْت فِي أمرِكَ ووَهِنْتَ وَقد كَثُر فِي المعتَلِّ من هَذَا الْبَاب فَعِلَ يَفْعِل على قِلَّته فِي الصَّحِيح والسببُ فِي ذَلِك كراهَتُهم الجمعَ بينَ واوٍ وياءٍ لَو قَالُوا وَلِيَ يَوْلِي ووَرِثَ يَوْرِث ووَثِقَ يَوْثِق فَحَمَلُوهُ على بناءٍ تسقطُ فِيهِ الواوُ وَمَا كَانَ من الياءِ فَإِنَّهُ لَا يسقطُ مِنْهُ الياءُ لوقوعها بَين يَاء وكسرةٍ كَقَوْلِهِم يَئِسَ يَيْئِس ويَبِسَ يَيْبِس وَيسر ييْسِر من المَيسرِ ويَمَنَ يَيْمِنُ من اليُمن لِأَن الْيَاء أخفُّ من الْوَاو لأَنهم يفِرُّون من الواوِ إِلَى الياءِ وَلَا يفِرُّون من الياءِ إِلَى الواوِ فَلَمَّا كَانَت الياءُ أخفّ سلَموه إِذا كَانَت فاءَ الفِعلِ وَمن الْعَرَب من يجْرِي الْيَاء مُجْرى الْوَاو وَهُوَ قَلِيل فَيَقُول: يَئِسَ يَئِسُ وَالْأَصْل يَيْئِسُ فَسَقَطت الياءُ الثَّانِيَة لوقوعها بَين ياءٍ وكسرةٍ كسقوطِ الواوِ فِي يَعِدُ ويَزِنُ. هَذَا بَاب افْتراقِ فَعَلْتُ وأَفْعَلتُ فِي الْمَعْنى تَقول دخلَ وَخرج وجلسَ فَإِذا أخْبرت أَن غَيره صيَّره إِلَى شَيْء من هَذَا قلت أدخلهُ وأخرَجه وأجلَسه وَتقول فَزِعَ وأفْزَعته وخافَ وأَخفْته وجال وأَجَلْته فَأكْثر مَا يكون على فَعَلَ إِذا أردتَ أَن غَيره أدخلهُ فِي ذَلِك يبْنى الفعلُ مِنْهُ على أفْعلْت وَمن ذَلِك أَيْضا مكُث وأمكثْته وَقد يَجِيء الشَّيْء على فعَّلْت فتشرَك أفعلْت كَمَا أَنَّهُمَا قد يَشْتَرِكَانِ فِي غير هَذَا وَذَلِكَ قَوْلك فَرِحَ وأفرحْته وَإِن شِئْت قلتَ وفرَّحته وغرِمَ وغرَّمته وأغْرَمته إِن شِئْت كَمَا تَقول أفزعته وَقَالُوا

стр. 1714

ظَرُفَ وظَرَّفته ونَبُلَ ونبَّلْته وَلَا يستنكر أفعَلْت فيهمَا وَلَكِن هَذَا أَكثر فاستُغْنِي بِهِ، وَمثل أَفرحت وفرَّحت أنزلْت ونزَّلت قَالَ الله تَعَالَى: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيةٌ من ربِّه قل إنَّ الله قادرٌ على أنْ يُنَزِّلَ آيَة) ، وَيُقَال نجا زَيدٌ وأَنْجَيْتُه ونَجَّيْته وكثَّرَهم وأكثَرَهم وَيدخل فِي ذَلِك عرَفَ زيدٌ أَمرَه وعرَّفت زيدا أمرَه. قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن هَذَا الْبَاب يُسمى بَاب نَقْل الفِعْل عَن فَاعله وتصييره مَفْعُولا وَذَلِكَ أَن الْفِعْل الثُّلاثي إِذا أردتَ أَن تجعَلَ الفاعلَ فِيهِ مَفْعُولا جِئتَ بفاعلٍ أدخَلَه فِي ذَلِك الْفِعْل فَيصير مَفْعُولا وعلامة نقْل الْفِعْل أَن تَزيدَ همزَة فِي أوّله أَو تُشَدِّدَ عين الْفِعْل وَزِيَادَة الْهمزَة فِي أوَّله أكثرُ وأَعمُّ، فَإِذا كَانَ الْفِعْل غير مُتَعَدٍّ تعَدَّى إِلَى واحدٍ كَقَوْلِك ذهب زيدٌ وأَذهبَ عمروٌزيداً وَجلسَ زيدٌ وأجلس عَمروٌ زيدا، وَإِن كَانَ الْفِعْل متعدِّياً إِلَى مفعول صَار بالنَّقل متعدِّياً إِلَى مفعولين لأنَّ فَاعله يصير مَفْعُولا كَقَوْلِه لبسَ زيدٌ الثَّوبَ وألبست زيدا الثوبَ وَدخل زيدٌ الدارَ وَأدْخل عمروٌ زيدا الدَّار، وَإِن كَانَ متعدِّياً إِلَى مفعولين تعدَّى بِالنَّقْلِ إِلَى ثَلَاثَة وَلَا يكون أَكثر من ذَلِك وَذَلِكَ قَوْلك علمَ زيدٌ عَمراً خارِجاً ثمَّ تَقول أعلَم اللهُ زيدا عَمْراً خارِجاً، وَقد يجوز أَن يكون الْفِعْل يصيرُ فَاعله مَفْعُولا على غير لفظ النَّقل الَّذِي ذكرت لَك وَذَلِكَ قَوْلك زادَ مالُكَ وزادَ اللهُ مالَكَ ونقَصَ مالُكَ ونقَصَ الله مالَكَ وشَحا فُو زَيْدٍ وشَحا عَمروٌ فَا زَيْدٍ، وَقد يجوز أَن يدْخل أَفْعَلَ وفَعَّلَ على غير وَجه النَّقْل وسيتبيَّن لَك تصرُّف وُجُوه ذَلِك وَهَذَا أَيْضا تَحْلِيل أبي سعيد، وَأما طَرَدته فنَحَّيْته وأطرَدْته جعلته طَريداً أَعنِي أَن أطْرَدْته، وطَرَدَتِ الكلابُ الصَّيْدَ: أَي جعلَتْ تُنَحِّيه، وَيُقَال طَلَعْت أَي بَدَوْت، وطَلَعَت الشَّمْس: أَي بدَت، وأطْلَعْت عَلَيْهِم: أَي هجمْت عَلَيْهِم، وشَرَقت الشمسُ: بَدَتْ، وأشْرَقَتْ: أَضَاءَت، وأسْرَعَ: عَجِلَ، وأبطأَ: احتبَسَ، وَأما سَرُعَ وبَطُؤَ فكأنهما غريزة كَقَوْلِك خَفَّ وثَقُلَ وَلَا تُنْفِذهما إِلَى شيءٍ كَمَا تَقول طَوَّلت الأمرَ وعجَّلته يَعْنِي أَن أسْرع وأبطأَ لَا يعدَّيان وَإِن كَانَا على أفْعَلَ وفصَّل سِيبَوَيْهٍ بَينهمَا وَبَين سَرُعَ وبَطُؤَ وَإِن كَانَ ذَلِك كُله لَا يتعدَّى بِأَن قَالَ سَرُعَ وبَطُؤَ كَأَنَّهُمَا غريزة: أَي صَار طبعه السُّرعة والبُطْءَ وَفِي أسْرَعَ وأبطأَ لَيْسَ بطبعٍ، وَقَوْلنَا لَا تُنفِذهما إِلَى شَيْء يَعْنِي لَا تُعَدِّي أسرعَ وأبطأَ كَمَا تُعدِّي طوَّلتِ الأمرَ وعجَّلته، وَيَقُولُونَ فَتَنَ الرَّجلُ وفَتَنْته وحَزِنَ وحَزَنته. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم الْخَلِيل أَنَّك حَيْثُ قلت فتَنْته وحَزَنته لم ترد أَن تَقول جعلته حَزينًا وَجَعَلته فاتناً كَمَا أَنَّك حِين قلت أدخلْته أردْت جعلْته دَاخِلا وَلَكِنَّك أردْت أَن تَقول جعلت فِيهِ حزنا وفتنةً فَقلت فتنْته كَمَا قلت كَحَلْته: أَي جعلت فِيهِ كُحْلاً، ودَهَنته جعلتَ فِيهِ دُهْناً. قَالَ أَبُو سعيد: مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ أَن أفعَلْته الَّذِي للنَّقْل مَعْنَاهُ جعَلْته فَاعِلا للْفِعْل الَّذِي كَانَ لَهُ أَي صيَّرته وفَعَلته أَي جعلْت فِيهِ ذَلِك الفعلَ فَإِذا قلت أدخَلْته: أَي جعلته دَاخِلا، وَإِذا قلت ضرَبْته: أَي جعلت فِيهِ ضَرْبا، وَإِذا قلت بنيته جعلت فِيهِ بِنَاء، وَإِذا قلت أَبْنَيت زيدا الدّارَ مَعْنَاهُ جعلته بانياً لَهَا وَلذَلِك قَالُوا فتنْت الرجلَ وأفْتنته، فَمن قَالَ فتَنْته أَرَادَ جعلت فِيهِ فِتْنةً، وَمن قَالَ أفْتنته أَي جعلته فاتنا، يُقَال فَتَنَ الرَّجل فَهُوَ فاتِنٌ، ويسمي سِيبَوَيْهٍ النَّقل الَّذِي قدَّمنا ذكره التَّغييرَ فَلذَلِك قَالَ فِي فتَنْته وكَحَلته وحَزَنته لم ترد بفَعْلَته هَهُنَا تغييرَ قَوْله حَزْن وفَتَن من فتَنْته كحَزِنَ من حَزَنته وَمثله شَتِرَ الرجلُ وشَتَرتُ عينَه فَإِذا أردْت تَغْيِير شَتِر لم تقل إلاّ أشْترته كَمَا تَقول فَزِعَ وأفزَعته وَإِذا قلتن شَترتُ عينَه لم تَعرِض لشَتِر الرجُلُ وَإِنَّمَا جَاءَ بِبِنَاء على حِدَةٍ كَأَنَّهُ قَالَ جعلْت فِيهِ شَتَرا كَمَا أَنَّك إِذا قلت طَرَدْته وأطْرَدْته فهما مُخْتَلِفَانِ وَمثل ذَلِك عَوِرَتْ عَيْنه وعُرْتها، وعُرْتها لَيْسَ بتغيير عَوِرَتْ عينُه، وَقد قَالُوا حِين أَرَادوا التَّغْيِير وَالنَّقْل لعَوِرتْ عينُه أعورْت عينه، وَمثله سَوِدْت أَي اسوَدَدْتُ هَذَا مَعْنَاهُ، وسُدْت غَيْرِي وسَوِدْت أَنا وسُدْت غَيْرِي أَي سَوَّدته قَالَ نُصيْب: تَقول فَزِعَ وأفزَعته وَإِذا قلتن شَترتُ عينَه لم تَعرِض لشَتِر الرجُلُ وَإِنَّمَا جَاءَ بِبِنَاء على حِدَةٍ كَأَنَّهُ قَالَ جعلْت فِيهِ شَتَرا كَمَا أَنَّك إِذا قلت طَرَدْته وأطْرَدْته فهما مُخْتَلِفَانِ وَمثل ذَلِك عَوِرَتْ عَيْنه وعُرْتها، وعُرْتها لَيْسَ بتغيير عَوِرَتْ عينُه، وَقد قَالُوا حِين أَرَادوا التَّغْيِير وَالنَّقْل لعَوِرتْ عينُه أعورْت عينه، وَمثله سَوِدْت أَي اسوَدَدْتُ هَذَا مَعْنَاهُ، وسُدْت غَيْرِي وسَوِدْت أَنا وسُدْت غَيْرِي أَي سَوَّدته قَالَ نُصيْب: سَوِدْتُ فَلم أَمْلِكْ سَوادي وتَحْتَه قَميصٌ من القُوهيِّ بيضٌ بَنائقُهْ

стр. 1715

وَقَالَ بَعضهم سُدْت يُرِيد فَعُلْت تَحْصِيل هَذَا أَنه يُقَال اسوادَدْت واسْوَدَدْت وسَوِدْت وسُدْت بِمَعْنى واحدٍ وَلَك كُله غير متعَدٍّ يُقَال من لَفْظَة سُدْت سَاد يسود فِي معنى اسوَدَّ يسْوَدُّ فَإِذا أردْت المتعدِّي جَازَ أَن تَقول سُدْته وسَوَّدْته فَأَما سُدْته فَجعلت فِيهِ سواداً وَأما سَوَّدْته فَجَعَلته أسودَ. قَالَ أَبُو عَليّ: وَقد رُوي بيتُ نُصيب سُدْت على احْتِمَال الثَّرْم وَقَالُوا عوَّرْته كَمَا قَالُوا فرَّحته وَقَالُوا جَبَرت يدُه وجَبَرْتها، وركَضَت الدّابَّة ورَكَضْتها ونزَحَت الرَّكِيَّة ونَزَحتها وسارَ الدّابَّةُ وسِرتُه، وَقَالُوا رَجُسَ الرجل ورَجَسْته، وَبَعض يَقُول رَجُسَ: إِذا صَار نَجِساً، ونَقَص الدِّرْهَم ونَقَصْته وغاضَ الماءُ وغِضْته وَقد ذكر نَحْو هَذَا وسأُفرد لهَذَا بَابا إِن شَاءَ الله تَعَالَى، والمتعدّي مِنْهُ لَيْسَ على طَرِيق النّقل والتغيير لما لَا يتعدّى وَلَكِن على معنى جعلْت ذَلِك الفعلَ فِيهِ، وَقد جَاءَ فعَّلته إِذا أردْت أَن تَجْعَلهُ مُفْعِلاً وَذَلِكَ فطَّرْته فأَفطَرَ وبشَّرْته فأبشَرَ وَهَذَا النَّحْو قَلِيل وَمعنى ذَلِك أَنه جعل فعَّلْته نقْلا لأفعلتُ وَالْبَاب أَن يكون نقلا لفَعَلْت كَمَا يُقَال عَرَفَ وعرَّفته ونبُلَ ونبَّلته وفَرِح وفرَّحته وَأما خطَّأْته فَإِنَّمَا أردتَ سمَّيته مُخْطِئاً، كَمَا أَنَّك حَيْثُ قلتَ فسَّقته وزَنَّيْته: أَي سمَّيته بالزِّنا والفِسق، كَمَا تَقول حيَّيْته أَي استقبلته بحَيَّاك الله كَقَوْلِك سقَّيته ورَعَّيته أَي قلت لَهُ سقاك الله ورعاك، وَالْبَاب فِيمَا نسبته إِلَى الشَّيْء أَن يكون على فعَّلت كَقَوْلِك لحَّنته وخطَّأته وصوَّبْته وجَهَّلْته وَمثله مَا يدعى بِهِ لَهُ أَو عَلَيْهِ كَقَوْلِك جدَّعته وعقَّرته: أَي قلت لَهُ جدَعَك الله وعقَرَك الله، وأَفَّفْت بِهِ: أَي قلت لَهُ أُفّ، وَقَالُوا أَسْقيتُه فِي معنى سقَّيْته يَعْنِي بِهِ الدّعاء لَهُ فدخلَتْ أفْعَلْت على فعَّلْت كَمَا تدخل فعَّلْت عَلَيْهَا لِأَن الْبَاب فِي نقل الْفِعْل وتغييره أفْعَلْتُ وَقد استعملوا فِيهِ فَعَّلت كفَرَّحت وفزَّعت، وَالْبَاب فِي الدُّعَاء وَالتَّسْمِيَة فَعَّلت وَقد أدخلُوا عَلَيْهِ أفعَلْت فَقَالُوا أَسْقَيْت لَهُ فِي معنى دَعَوْت لَهُ بالسُّقيا قَالَ ذُو الرّمّة: وقفْتُ على رَبْعٍ لِمَيَّةَ نَاقَتي فَمَا زِلتُ أبْكِي حَولَه وأُخاطِبُهُ وأُسقِيهِ حَتَّى كَاد مِمَّا أُبِثُّه تُكلِّمُني أحجارُهُ وملاعِبُهُ وَيَجِيء أفْعَلتهُ على أَن تُعَرِّضهُ لأمر وَذَلِكَ أقتَلْتُهُ: أَي عَرَّضته للْقَتْل وَيَجِيء مثل قَبَرتُهُ وأقْبرتُهُ فَقَبَرتُهُ: دفَنتُهُ وأقْبَرتُه: جعلتُ لَهُ قبراً ويُقال سَقَيتُهُ فَشَرِبَ وأسقَيتُهُ: جعلت لَهُ مَاء وسُقياً. قَالَ الْخَلِيل: سَقَيتُهُ مثل كَسَوتُهُ وسَقَّيتُهُ مثل ألبَستُهُ وَقَالَ بعض أهل الُّلغة لَا فرقَ بَينهمَا، وَأنْشد للبيد: سَقَى قَوميِ بنيِ مَجدِ وأسْقَى نُمَيراً والقَبَائِلَ من هِلَالِ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول أَجْرَب الرجلُ وأَنْحَزَ وأحال: أَي صَار صَاحب جَرَب وحِيالٍ ونُحازٍ فِي مَاله، وَهَذَا الْبَاب يَجِيء على أربعةِ أوجهٍ مِنْهَا أَن يكونَ الرجلُ صاحبَ شَيْء بتلكَ الصّفة كَقَوْلِنَا رجلٌ مُشِدٌّ ومُقْطِف ومُقْوٍ: أَي صاحبُ إبلٍ قَوِيَّة وخَيْلٍ تَقطُفُ وإبلٍ شَدَّاد وعَلى هَذَا يُقَال امرأةٌ مُطْفِل: أَي لَهَا أَطْفَال، وظَبيةٌ مُشْدِنٌ ومُغْزِل: أَي ولَدُها غَزال وشادِنٌ وَمن ذَلِك يُقَال فلانٌ خبيثٌ مُخْبِث: أَي هُوَ خَبِيث فِي نَفْسه وَله أصحابٌ خُبثاء وعَلى هَذَا قِرَاءَة من قَرَأَ لِتُرْبوا أَي لتصيروا ذَوي رِباً وَمِنْهَا أَن يُقَال لمن يُصادف الشيءَ على صفةٍ أَفْعَلْته: أَي صادَفْته كَذَلِك كَقَوْلِك أَبْخَلْت الرجلَ: أَي وجدتُه بَخِيلًا وَرُوِيَ أَن عَمْرو بنَ معدي كَرِبَ سَأَلَ مُجاشع بنَ مَسْعُود السًّلَميَّ بِالْبَصْرَةِ فَأعْطَاهُ فمدحَ بني سُلَيْم فَقَالَ: سألْناكم فَمَا أَبْخَلْناكم وقاتَلْناكم فَمَا أجْبَنَّاكم وهاجَيْناكم فَمَا أَفْحَمناكم: أَي مَا وَجَدْناكم بُخلاءَ وَلَا جبناءَ وَلَا مُفْحَمين وَمِنْهَا أَن يأتيَ وقتٌ يُستَحقُّ فِيهِ شيءٌ فَيُقَال لمستحقِّه ذَلِك كَقَوْلِك أَصْرَم النخلُ وأَمْضَغ وأَحْصَد الزرعُ وأجَزَّ النخلُ وأَقْطَعَ: أَي قد استحقَّ أَن يُصرَم ويُمضغ ويُحصد وَيُقَال فِي قَوْلهم أَلامَ الرجلُ: أَي صَار صاحبَ لائمةٍ وألامَ: أَي صاحَبَ من يلُومه فَإِذا صَار لَهُ لُوَّام قيل مُليم كَمَا يُقَال لصَاحب الإبلِ الجَرْباء مُجْرِب وَيُقَال إِنَّه قيلَ لَهُ أَلامَ لِأَنَّهُ استحقَّ أَن يُلام

стр. 1716

فَصَارَ بِمَنْزِلَة قولِهم أَصْرَم النخلُ، وَالرَّابِع أَن يُقَال أَفْعَلَ من الدُّخُول فِي الشيءِ كَقَوْلِهِم أَفْجَرْنا: أَي دَخَلْنا فِي وقتِ الْفجْر وأَمْسَيْنا وأَصْبَحْنا وأَظْهَرْنا: دَخَلْنا فِي الْمسَاء والصَّباح والظُّهر وَمِنْه يُقَال أَشْمَلنا وأَجْنَبنا وأَصْبَينا وأَدْبَرنا: إِذا دَخَلنَا فِي الشمَال والجَنوب والصَّبا والدَّبور وَيُقَال أَشْهَرنا: إِذا دَخَلْنا فِي الشَّهر، قَالَ الشَّاعِر: مَا زِلتُ مُذْ أَشْهَرَ السُّفَّارُ أَنْظُرُهُم مثلَ انْتِظَار المُضَحِّي راعيَ الإبلِ وَإِنَّمَا يُستعمل ذَلِك فِي الْأَوْقَات وَمَا جرى مَجراها، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول لما أَصَابَهُ هَذَا نَحِزٌ وجَرِبٌ وحالَتِ الناقةُ يَعْنِي أَنه لَيْسَ للبعير الَّذِي أَصَابَهُ الجَرَب فِي نفْسِه مُجْرِب وَلَا الَّذِي أَصَابَهُ النُّحاز مُنْحِز إِنَّمَا يُقَال مَنْحُوز والمُنْحِز صاحبُه والنُّحاز: السُّعال وَفِي غير ذَلِك إِذا لم يكن على الْوَجْه الَّذِي ذكرنَا لامَ الرجلُ صاحبَه وصَرَمَ النخلَ وجزَّه وقَطَعَه وَمَا أشبه ذَلِك وَمثل ذَلِك: أَسْمَنتَ وأَكْرَمتَ فاربِط. يُقَال ذَلِك للرجل إِذا وجد شَيْئا نَفيساً يُرغبُ فِيهِ أَن يتمسّك بِهِ فَمَعْنَى أَسْمَنت: أَي وَجَدْت سَميناً وأَكْرَمت: أَي وجدت فَرَساً كَرِيمًا وغيرَ فَرَس فاربِط: أَي اتخِذه وَأما أَحْمَدته فوجَدْته مستحقَّاً للحَمْد مني، قَالَ: وَقَالُوا أَرابَ كَمَا قَالُوا أَلامَ: أَي صَار صاحبَ رِيبةٍ كَمَا قَالُوا أَلامَ: استحقَّ أَن يُلام وأمَّا رابَني فَتَقول جَعَلَ فِيَّ رِيبةً كَمَا تَقول قَطعت النخلَ: أَي أَوْصَلت إِلَيْهِ القَطْع فأَرابَ غيرُ متعدٍّ ورابَ متَعدٍّ، لَا تقُل أَرابني لِأَنَّك لم تفعل بِهِ الإرابة وَإِنَّمَا اسْتَوْجَبت الرِّيبة أَو صِرت صاحبَ ريبةٍ، وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة: رابَني: إِذا تَبَيَّنَتْ مِنْهُ وأَرابَ: إِذا اتُّهِمَ بهَا وَلم تتبَيَّن وَلذَلِك قَالَ بعض الشُّعَرَاء: أخوكَ الَّذِي إنْ رِبْته قَالَ إنَّما أَرَبْتَ وَإِن عاتَبْتَه لانَ جانِبُه فَمَعْنَاه إِن تبيَّن مِنْك رِيبَة قَالَ لم أتبَيَّنْ بعدُ وَمثل ذَلِك أبَقَّتِ المرأةُ وأبَقَّ الرجلُ: إِذا كَثُر أولادُهما وَهُوَ يدْخل فِي بَاب المُنْحِز والمُجْرِب أَي لَهما أولادٌ كثير وَإِن جِئْت بِالْفِعْلِ من ذَلِك قلت بَقَّت المرأةُ وَلَدَاً وبَقَقْتُ كلَاما كَقَوْلِك نَثَرْت ولَداً ونَثَرْت كلَاما وَمثل المُجْرِب والمُقْطِف المُعْسِر والموسِر والمُقِلُّ وَأما عَسَّرته: فَمَعْنَاه ضَيَّقت عَلَيْهِ، ويسَّرْته: وسَّعت عَلَيْهِ. وَقد يكون فَعَلْت وأَفْعَلت بِمَعْنى واحدٍ كأنَّ كل وَاحِد مِنْهُمَا لغةٌ لقوم ثمَّ تختلط فتُستعمَل اللُّغتان كَقَوْلِك قِلْتُه البيعَ وأَقَلْته وشَغَلَه وأَشْغَله وصَرَّ أُذُنَيْه وأَصَرَّ: إِذا أقامهما وبَكَرَ وأَبْكَر وَقَالُوا بَكَّر فأدخلوها مَعَ أَبْكَرَ فبَكَّر أُدخِل مَعَ أَبْكَرَ كَمَا قَالُوا أَدْنَف فَبَنَوه على أَفْعَلَ وَهُوَ من الثَّلَاثَة وَلم يَقُولُوا دَنِفَ وَهَذَا عَقْد سِيبَوَيْهٍ وأُحَلِّله يُرِيد أَن البابَ فِي الأمراضِ أَن تجيءَ على فَعِلَ وَلم يستعملوا مَا يوجبهُ البابُ وَهُوَ دَنِفَ واستعملوا أَدْنَفَ وَقَالُوا أَشْكَلَ أمرُك وَلم يستعملوا غَيْرَه وَقَالُوا حَرَثْتُ الظَّهْرَ: أَي أَتْعَبته، والظَّهر: المَرْكوب، وأَحْرَثت. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمثل أَدْنَفت أَصْبَحْنا وأَفْجَرْنا وأَمْسَيْنا شبَّهوه بِهَذِهِ الَّتِي تكونُ فِي الأحيان كأنَّ مَعْنَاهُ دَخَلْت فِي وَقْتِ الدَّنَف كَمَا دَخَلْت فِي وقتِ السحَر. قَالَ: وَمثل ذَلِك نَعِمَ اللهُ بكَ عَيْنَاً وأَنْعَم اللهُ بكَ عَيْنَاً فَهَذَا من بَاب فَعَلْت وأَفْعَلت بِمَعْنى وَاحِد يُقَال إِن قوما من الفُقهاء كَانُوا يَكْرَهون استعمالَ هَذِه اللفظةِ وَهِي نَعِمَ الله ُبك عَيْنَاً لِأَنَّهُ لَا يُستعمَل فِي الله نَعِمَ اللهُ وللقائل أَن يَقُول الْبَاء فِي بك بِمَنْزِلَة التعدِّي أَلا ترى أَنَّك تَقول ذَهَبَ الله بِهِ وأَذْهَبه ومعناهما واحدٌ وزُلْت بِهِ من مكانِه وأَزَلْته وَتقول غَفَلْت: أَي صِرت غافلاً وأَغْفَلت الْإِنْسَان: إِذا وَجَدْته غافلاً كَمَا تَقول أَجْبَنته: إِذا وجدته جَباناً وعَلى ذَلِك يحمل قَوْله تَعَالَى: (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قلبَه عَن ذِكْرِنا) . أَي وَجَدْنَاهُ غافلاً وغَفَلْت عَنهُ بِمَعْنى أَغْفَلته إِذا تَرَكْته وَمثل ذَلِك لَطَفَ لَهُ وأَلْطَف غَيْرَه ولَطَفَ بِهِ كغَفَلَ عَنهُ وأَلْطَفه كأَغْفَلَه ولَطَفَ لَهُ بِمَعْنى تَلَطَّف لَهُ ورَفَقَ بِهِ وَيُقَال بَصُرَ الرجلُ فَهُوَ بَصير: إِذا خَبَّرْت عَن وُجود بَصَره وصِحَّتِه لَا على معنى وُقُوع الرُّؤْية مِنْهُ لِأَنَّهُ قد يُقَال بَصير لمن غَمَّض عَيْنَه وَلم يرَ شَيْئا لصِحَّة بَصَره

стр. 1717

فَإِذا قلت أَبْصَره أَخْبَرت بِوُقُوع رُؤْيَته على الشَّيْء وَتقول وَهَمَ يَهِمُ وأَوْهَم يُوهِم ووَهِمَ يَوْهَم فَأَما وَهِمَ يَوْهَم فَهُوَ الغَلَط فِي الشَّيْء تَقول وَهِمْت فِي الحِساب أَوْهَمُ وَهَمَاً: إِذا غَلِطْت فِيهِ، ووَهَمْت إِلَى الشَّيْء: إِذا ذهبَ قلبِي إِلَيْهِ أَهِمُ وَهْمَاً وأَوْهَمت الشيءَ أُوهِمُه إيهاماً: إِذا تَرَكْته كلَّه وَقد يَجِيء فَعَّلت وأَفْعَلت فِي معنى وَاحِد مشترِكَيْن كَمَا جَاءَ فِيمَا صيَّرته فَاعِلا وَذَلِكَ وَعَّزت إِلَيْهِ وأَوْعَزت وخَبَّرت وأَخْبَرت وسمَّيْت وأَسْمَيت فقد اشْتَركَا فِي هَذَا كَمَا اشْتَركَا فِي بابِ نقْل الْفَاعِل إِلَى المفعولِ فِي قَوْلك غَرَّمته وأَغْرَمته وفرَّحته وأَفْرَحته وَلَيْسَ هَذَا من ذَاك وَقد يجيآن مفترقَيْن من معنى وَاحِد فَيكون لكل وَاحِد مِنْهُمَا غيرُ معنى الآخر كَقَوْلِك علَّمته وأَعْلَمته فعلَّمت أدَّبت، وأَعْلَمت آذَنْت، وَتقول آذَنْت أَعْلَمت، وأذَّنت: إِذا ناديتَ للصَّلَاة، وبعضُ الْعَرَب يُجري أذَّنت وآذَنت مُجْرى سمَّيت وأَسْمَيت وَتقول أَمْرَضْتُه: أَي جعلته مَرِيضا، ومرَّضته: أَي قمتُ عَلَيْهِ وولِيتُه وَمثله أَقْذَيتُ عينَه: أَي طَرِحَت فِيهَا القذى وجعلتها قَذِيَّةً، وقذَّيْتُها: نظَّفْتها وَقد قيل فِي قَول الله تَعَالَى: (حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَن قُلوبِهِم) . أُذْهِبَ الفَزَعُ عَنْهَا على معنى مرَّضْته: أَي أَزَلْت مرضَه، وَتقول أَكْثَرَ اللهُ فِينَا مثلك كثيرا وَأما كثَّر فَمَعْنَاه جعلَ القليلَ كثيرا وَكَذَلِكَ أَقْلَلْت وقَلَّلت: أَي جَعَلْت الْكثير قَلِيلا، وَهُوَ فِي معنى صَيَّرت وَقد يُقَال أَقْلَلت وأَكْثَرت فِي معنى قلَّلت وكثَّرت وَتقول أَصْبَحنا وأَمْسَينا وأَسْحَرنا وَذَلِكَ إِذا صِرت فِي حينِ صُبحٍ ومساءٍ وسَحَر وَقد مضى نَحْو ذَلِك وَأما صبَّحناه ومَسَّيْناه وسَحَّرْناه فَمَعْنَاه أَتَيْناه صَباحاً وَمَسَاء وسِحراً وَمثله بَيَّتْناه: أَتْيَناه بَياتاً، وَمَا بُني على يُفَعَّلُ يُشَجَّع ويُجَبَّن ويُقَوَّي: أَي يُرمى بذلك مَعْنَاهُ أَنه يُذْكَر ويُنسَب إِلَيْهِ كَمَا تَقول يُفَسَّق ويُضَلَّل وَمثله قد شُيِّعَ الرجلُ أَي قد رُمي بذلك والمُشَيِّع: الشُّجاع كَأَنَّهُ نُسب إِلَى الشجَاعَة، وقِيْلت فِيهِ وَقَالُوا أَغْلَقْت البابَ وغلَّقْت الأبوابَ حينَ كثَّروا العملَ وستَرى ذَلِك فِي بَاب فَعَّلت وَإِن قلت أَغْلَقْت الأبوابَ كَانَ عربيَّاً جيِّداً، قَالَ الفرزدق: حرا وَمثله بَيَّتْناه: أَتْيَناه بَياتاً، وَمَا بُني على يُفَعَّلُ يُشَجَّع ويُجَبَّن ويُقَوَّي: أَي يُرمى بذلك مَعْنَاهُ أَنه يُذْكَر ويُنسَب إِلَيْهِ كَمَا تَقول يُفَسَّق ويُضَلَّل وَمثله قد شُيِّعَ الرجلُ أَي قد رُمي بذلك والمُشَيِّع: الشُّجاع كَأَنَّهُ نُسب إِلَى الشجَاعَة، وقِيْلت فِيهِ وَقَالُوا أَغْلَقْت البابَ وغلَّقْت الأبوابَ حينَ كثَّروا العملَ وستَرى ذَلِك فِي بَاب فَعَّلت وَإِن قلت أَغْلَقْت الأبوابَ كَانَ عربيَّاً جيِّداً، قَالَ الفرزدق: مَا زِلتُ أُغلِقُ أبواباً وأَفْتَحُها حَتَّى أَتَيْتُ أَبَا عمروِ بنَ عَمَّارِ قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن اللَّفْظ الَّذِي يُدلُّ بِهِ على التكثير هُوَ تشديدُ عينِ الفعلِ فِي الفعلِ وَإِن كَانَ قد يَقَع التشديدُ لغير التكثير كَقَوْلِنَا حَرَّكته وَلَا تُريد تكثيراً فمما يُدَلُّ بِهِ على التكثير أَنَّك تَقول أَغْلَقتُ البابَ الواحدَ وَلَا تَقول غَلَّقْته وَتقول ذَبَحْتُ الشاةَ وَلَا ذَبَّحْتُها وَتقول ذَبَّحْتُ الغنَم، وَأما سائرُ الْأَفْعَال فَلَيْسَ فِيهَا دِلالةٌ على أحدِهما وَهِي تقعُ للكثير والقليل فَمن أجل ذَلِك يجوز أَن تستعملها للكثير فتريد بهَا مَا تُرِيدُ بالمشدد وَمن أجل ذَلِك أُغْلِق أبواباً وَقَوله أَفْتَحُها بِمَعْنى أُفَتِّحُها وَقد أعَاد سِيبَوَيْهٍ هَذَا الْبَيْت بعَيْنه فِي بابِ فَعَّلت شَاهدا فِي أَن أَفْتَحُها فِي معنى أُفَتِّحُها وَفِي هَذَا الْموضع أُغلِق فِي معنى أُغَلِّق وَقد استعملوا أَنْزَل ونَزَّل فِي معنى واحدٍ وَقد يسْتَعْمل نزَّل فِي معنى التكثير فَأَما أَنْزَل ونزَّل بِمَعْنى واحدٍ غير التكثير فقولُه : (ويقولُ الَّذين آمنُوا لَوْلَا نُزِّلتْ سورةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورةٌ) . وَقَالَ : (لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيةٌ من ربِّه،

стр. 1718

قُل إنَّ اللهَ قادرٌ على أَن يُنَزِّل آيَة) . فَهَذَا لغير التكثير لِأَن آيَة وَاحِدَة لَا يَقع فِيهَا تَكْثِير الْإِنْزَال وَكَانَ أَبُو عَمْرو يخْتَار التَّخْفِيف فِي كل مَوضِع لَيْسَ فِيهِ دلَالَة من الحضِّ على التثقيل إِلَّا فِي موضِعين أَحدهمَا قَوْله : (وإنْ منْ شيءٍ إلاّ خَزائِنُه وَمَا نُنَزِّلُهُ إلاّ بقدرٍ مَعْلُوم) . اخْتَار التثقيل فِي هَذَا لِأَنَّهُ تَنْزِيل بعد تَنْزِيل فَصَارَ من بَاب التكثيرِ والموضِعُ الآخر: (وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عليهِ آيةٌ من ربِّه قل إنَّ اللهَ قادرٌ على أَن يُنَزِّل آيَة) . فَاخْتَارَ التَّشْدِيد فِي يُنَزِّل حَتَّى يشاكل نُزِّل لِأَن الْمَعْنى واحدٌ فَالْأول الَّذِي فِي الحِجْر للتكثير وَهَذَا للمُطابقة وَلَيْسَ للمطابقة تكثيرٌ وَقد يجوز أَن يكونَ بيِّنَ فِي معنى أبانَ وَيجوز أَن يكونَ للتكثير. هَذَا بَاب دُخُول فَعَّلت على فَعَلْت لَا يَشْرَكُه فِي ذَلِك أَفْعَلت تَقول كَسَرْته وقَطَعْته فَإِذا أردْت كَثْرَةَ العمَل قلت كَسَّرته وقَطَّعته ومزَّقته وَإِنَّمَا يدُلُّك على ذَلِك قَوْلهم عَلَّطْت الإبلَ وإبلٌ مُعَلَّطَة وبَعيرٌ مَعْلوط وَلَا يُقَال مُعَلَّط لأنَّ الإبلَ كثير فقد تَكَرَّر فِيهِ العِلاط وعَلى هَذَا شاةٌ مذبوحٌ وغنم مُذَبَّحَة وبابٌ مُغْلَق وأبوابٌ مُغَلَّقة وجَرَحْت الرجلَ: إِذا جَرَحْته مرَّة أَو أَكثر وجَرَّحته: إِذا أَكْثَرت الجِراحاتِ فِي جسدِه وَقَالُوا ظلَّ يُفَرِّسُها السَّبُع ويُؤَكِّلُها: إِذا أَكثر ذَلِك فِيهَا وَقَالُوا موَّتَت وقَوَّمَت: إِذا أردْت جماعةَ الإبلِ أَنَّهَا مَاتَت وَقَامَت وَقَالُوا وَلَدَت الشاةُ ووَلَّدَّت الغنمُ لِأَنَّهَا كثيرةٌ وَقَالُوا يُجَوِّل ويُطَوِّف: يُكْثِر الجَوَلان والطَّواف. وَاعْلَم أَن التَّخْفِيف فِي هَذَا كلِّه جائزٌ عربيٌّ إِلَّا أَن فَعَّلْت إدخالُها هُنَا أجودُ ليبَيِّنَ الكثيرَ وَقد يدْخل فِي هَذَا التخفيفُ كَمَا أَن الرِّكْبَة والجِلْسَة قد يكون مَعْنَاهُمَا فِي الرُّكوب والجُلوس وَلَكِن بيَّنوا بهَا الضربَ فَصَارَ بِنَاء خَاصّا لَهُ كَمَا أَن هَذَا بناءٌ خاصٌّ للتكثير أَعنِي أَن التخفيفَ قد يجوزُ أَن يُراد بِهِ القليلُ والكثيرُ فَإِذا شَدَّدْتَ دَلَلت بِهِ على الْكثير وَقد مضى هَذَا كَمَا أَن الرُّكوبَ وَالْجُلُوس قد يَقع لقَلِيل الفعلِ وكثيرِه وَلِجَمِيعِ صُنوفه فَإِذا قلت الرِّكْبة والجِلْسة دلَّ على هَيئته وحالِه وَإِذا قلت الرَّكْبة والجَلْسة دلَّ على مرَّةٍ واحدةٍ وَالْجُلُوس قد يجوز أَن يُرَاد بِهِ المرَّة وَقد يجوز أَن يُراد بِهِ الْمصدر الَّذِي تقع عَلَيْهِ الجِلْسة فَصَارَ اختصاصُ الجِلْسة بشيءٍ خاصٍّ كاختصاص يُطَوِّف ويُجَوِّل بشيءٍ خاصٍّ وَصَارَ الرُّكوب وَالْجُلُوس بِمَنْزِلَة يَجول ويَطوف فِي أَنه يصْلُح للأمرين. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وكما أَن الصَّرْف والرِّيح قد يكون فِيهِ معنى صَرْفَة ورائِحة يُرِيد أَنَّك إِذا قلت صَرَفْته صَرْفَاً فقد يجوز أَن تُرِيدُ بِهِ المرةَ وَهِي الصَّرْفة وَإِذا قلت شَمِمْت ريحًا فَيجوز أَن تُرِيدُ بِهِ معنى الرَّائحة كَأَنَّهُ جعل الرائحةَ للواحدةِ والرِّيحَ للْجِنْس وَهَذَا فِي أَكثر الِاسْتِعْمَال، قَالَ الله : (ولسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهرٌ ورَوَاحُها شَهْرٌ) . فَعبر عَنْهَا بالرِّيح وَهُوَ الْكثير وَأما الرائحةُ فَأكْثر مَا يُستعمَل مِمَّا يفوح فِي دُفْعَةٍ وَاحِدَة، ثمَّ أنْشد: مَا زِلتُ أَفْتَحُ أبواباً وأُغْلِقُها ثمَّ قَالَ وفَتَّحت فِي هَذَا أحسنُ كَمَا أَن القِعْدة فِي ذَلِك أحسنُ لِأَن اللفظَ الخاصَّ الموضوعَ لِمَعْنى أَكْشَفُ لذَلِك الْمَعْنى من أَن تأتيَ بمُبْهَم وَقد قَالَ الله : (جناتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُم الأبوابُ) . وَقَالَ: (وفَجَّرْنا الأرضَ عُيوناً) . فَهَذَا وَجه فَعَلْت وفَعَّلِْت مبَيَّناً فِي هَذِه الْأَبْوَاب وَهَكَذَا صفتُه وَهَذَا الْبَاب جُمهوره أَو عامَّته تحليلُ أبي عَليّ وَأبي سعيد. ثمَّ نذكرُ بناءَ مَا طاوَع: فَالَّذِي يكون فِعْلُه على فَعَلَ يكون على انْفَعَل وافْتَعل وَالْبَاب فِيهِ انْفَعل وافْتَعَل قليلٌ تَقول كَسَرْته فانْكَسَر وحَطَمْته فانْحَطم وحَسَرْته فانْحَسر ودَفَعْته فانْدَفع وَمعنى قَوْلنَا مُطاوَعة أَن المفعولَ بِهِ لم يمْتَنع ممَّا رامه الفاعلُ أَلا ترى أَنَّك تَقول فِيمَا امْتنع مِمَّا رمتَه دَفَعْته فَلم يَنْدَفِع وكَسَرْته فَلم يَنْكَسِر أَي أَوْرَدْتَ أسبابَ الْكسر عَلَيْهِ فَلم تُؤَثِّر وَتقول شَوَيْته فانْشَوى وَبَعْضهمْ فاشْتَوى بِمَعْنى انشَوى وَقد يُقَال اشْتَوَيْته فِي معنى شَوَيْته: أَي اتَّخْذته مَشْوِياًً وَكَذَلِكَ اطَّبَخْت فِي معنى طَبَخْت: أَي اتَّخذت طَبيخاً وَتقول غَمَمْته فاغْتم وانْغَمِّ عربيَّةٌ وصَرَفْته فانْصَرف. وَأما أَفْعَلت الشيءَ فمطاوعه هُوَ الفِعل الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ أَفْعَلت كَقَوْلِك أَدْخَلته فدَخَل وأَخْرَجته فخَرَج غير أَن الأَصْل دَخَلَ وقولك أَدْخَلته أَي صيَّرته

стр. 1719

دَاخِلا وَرُبمَا استُغني عَن انْفَعَل فِي هَذَا البابِ فَلم يسْتَعْمل وَذَلِكَ قولُهم طَرَدْته فذَهَب وَلَا يَقُولُونَ انْطَرد وَلَا فاطَّرَد كَمَا استغنوا بتَرَك عَن وَدَعَ ونظيرُ هَذَا من المُطاوَعة فَعَّلْته فتَفَعَّل كَقَوْلِك كَسَّرته فتَكَسَّر وعَشَّيْته فتَعَشَّى وغَدَّيته فتَغَدَّى وَفِي فاعَلْته تفاعَل كَقَوْلِك ناوَلْته فتَناوَل وفُتحت التاءُ لِأَن مَعْنَاهُ معنى الافْتِعال والانْفِعال يَعْنِي تاءَ تَفاعل فُتحت لِأَنَّهَا أوَّلُ فعلٍ ماضٍ سمِّي فاعلُه وَإِن كَانَت زَائِدَة للمطاوَعة كالانْفِعال والافْتِعال وَلَيْسَت بألفِ وصْل دخولُها لسكون مَا بعدَها وَنَظِير ذَلِك فِي بَناتِ الْأَرْبَعَة على مِثالِ تَفَعْلَلَ نَحْو دَحْرَجْته فَتَدَحْرَج وقَلْقَلْته فَتَقَلْقَل ومَعْدَدتُه فَتَمَعْدَد وصَعْرَرته فَتَصَعرر وَمعنى مَعْدَدته أَي حَمَلْته على الخشونة والصَّلابة، قَالَ الشَّاعِر: رَبَّيْته حتَّى إِذا تَمَعْددا وآض نَهْدَاً كالحِصانِ أَجْرَدا كانَ جزائي بالعَصا أَن أُجْلَدا وصَعْرَرْته: دَوَّرته. قَالَ: وَأما تَقَيَّس وتَنَزَّر وتتَمَّم فَإِنَّمَا يجْرِي على نَحْو كَسَّرته كَأَنَّهُ قَالَ تُمِّم فتَتَمَّمَ وقُيِّسَ فتَقَيَّس ونَزَّرهم فتَنَزَّروا وَمعنى قُيِّس: أَي نُسِب إِلَى قَيْس بنِ عَيْلَان بنِ مُضَر وتُمِّم: نُسب إِلَى تَميم بنِ مُرٍّ، ونُزِّر: نُسب إِلَى نِزار، وتَقَيَّس: انتسَب إِلَى قَيْس، وتَتَمَّم: انتسب إِلَى تَمِيم، وتنَزَّر: انتسب إِلَى نزار، وَقَالَ ذُو الرمة: إِذا مَا تَمَضَّرْنا فَمَا الناسُ غَيْرُنا ونُضْعِف إضعافاً وَلَا نتَمَضَّر أَي انتسَبنا إِلَى مُضَر، قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَكَذَلِكَ كلُّ شيءٍ كَانَ على زِنة فَعْلَلةٍ عددُ حُروفه أربعةٌ مَا خَلا أَفْعَلت فَإِنَّهُ لم يُلحَق ببناتِ الأربعةِ يُرِيد أَن كلَّ شيءٍ من الْفِعْل كَانَ ماضيه على أَرْبَعَة أحرفٍ يجوز أَن يُزاد فِي أوَّله التاءُ مَا خلا أَفْعَلت فَإِنَّهُ لَا يُزاد فِيهِ التَّاء وَالَّذِي تُزاد فِيهِ التَّاء ثَلَاثَة أَبْنِية فَعْلَلْت وَمَا أُلحِق بِهِ نَحْو دَحْرَجْت وسَرْهَفْت وعَذْلَجْت تَقول فِيهِ تَسَرْهف وتَعَذْلج وفاعَلْت كَقَوْلِك عالَجْته فتعالَج وفَعَّلت كَقَوْلِك كَسَّرته فتَكَسَّر وَلَا تقع زيادةُ التَّاء فِي بَاب أَفْعَلت لَا تَقول أَكْرَمْته فتَأَكْرَم، وَلَا يجوز ذَلِك. هَذَا بابُ مَا جَاءَ فُعِل مِنْهُ على غير فَعَلْت وَذَلِكَ نَحْو جُنَّ وسُلَّ وزُكِمَ ووُرِدَ، وَمعنى وُردَ حُمَّ، وَكَذَلِكَ رُعِدَ ومَرْعود ومَورود ومحموم بِمَعْنى وَاحِد، وَقَالُوا على هَذَا مَجْنُون ومَسلول ومَحْموم ومورود، وَإِنَّمَا جَاءَت هَذِه الْحُرُوف على جَنَنْت وسَلَلْت وَإِن لم يسْتَعْمل فِي الْكَلَام كَمَا أَن رجلٌ أقطعُ جَاءَ على قَطِعَ كَمَا يُقَال أعوَرُ من عَوِرَ وَلَا يسْتَعْمل قَطِع استُغني عَنهُ بقُطِعَ، وَقَالَ بَعضهم رجلٌ محبوبٌ وَكَانَ حَقه أَن يُقَال فِي فِعْله حَبَبْته فَهُوَ مَحْبُوب، كَمَا يُقَال ودِدْته فَهُوَ مَودود والمستعمل أحببته وَقد قَالَ بَعضهم حَبَبْته قَالَ الشَّاعِر: فوَاللَّه لَوْلَا تَمْرُه مَا حَبَبْته وَلَا كَانَ أدنى من عُبَيْدٍ ومُشْرِقِ ويُروى: وَكَانَ عِياضٌ مِنْهُ أدنى ومُشْرِق. وَقد ذكر أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد الْمبرد فِي الْكَامِل أَن أَبَا رَجَاء العُطاردي قَرَأَ: (قُلْ إِن كنتُم تُحِبّونَ اللهَ فاتَّبعوني يُحِبُّكُم الله) وَذكر أَن فِيهِ شَيْئَيْنِ من الْمُخَالفَة أَحدهمَا أَنه فتح الْيَاء من يُحِبُّكم وَالْآخر أَنه أدغَم، وَذكر غير سِيبَوَيْهٍ أَن هَذِه الْأَشْيَاء الَّتِي لَيست من أَفعَال الْآدَمِيّين وَقد جَاءَت على مفعول وفِعْله مِمَّا لم يُسَمَّ فَاعله إِذا نُسِب الْفِعْل إِلَى الله كَانَ على أفْعَلَ نَحْو أجنَّه الله وأسَلَّه وأزكمَه وأورَدَه: أَي فَعَل الله بِهِ ذَلِك، وَمِمَّا أورَدَه غير سِيبَوَيْهٍ من هَذَا النَّحْو مَحْزون ومَزْكوم ومَكْزوز ومَقْرور. قَالَ أَبُو عبيد: وَإِنَّمَا ذَلِك لأَنهم يَقُولُونَ فِي هَذَا كُله قد فُعل ثمَّ بُنِي مفعول على هَذَا، قَالَ وَلَا

стр. 1720

يَقُولُونَ حَزَنَه الأمرُ وَيَقُولُونَ يحْزُنه وَهَذَا خُلْف من نقْله وَإِنَّمَا أوردته للتحذير من اعْتِقَاده وَقد قدّمت من كَلَام سِيبَوَيْهٍ مَا دلَّ على ذَلِك، وحَزَنه مَقولة كثيرةٌ. أَبُو عبيد: وكل هَذَا يُقَال فِيهِ مفعول وَلَا يُقَال مُفْعَل إِلَّا حرفٌ واحدٌ وَهُوَ قَول عنترة: وَلَقَد نَزَلْتِ فَلَا تَظُنِّي غيرَه منِّي بمَنزِلة المُحِبِّ المُكْرَمِ وَقَالَ أزْعَقْته فَهُوَ مزعوق على هَذَا الْقيَاس حَكَاهَا عَن الْأمَوِي. وَقَالَ غَيره: زعَقْته بِغَيْر ألف فانزَعَق: أَي فَزِعَ فَإِذا كَانَ هَذَا فمزعوق على الْقيَاس وَأنْشد: تعلَّمْنَ أنَّ عَلَيْك سائقاً لَا مُبطِئاً وَلَا عنيفاً زاعقا لَبَّا بأَعْجازِ المَطِيِّ لاحِقا الُّلبُّ: اللَّازِم لَهَا لَا يفارقها، يُقَال رجل لبٌّ وامرأةٌ لَبَّة: لَطِيفَة قريبَة من النَّاس. قَالَ: وَقَالَ الفرّاء بُرَّ حَجُّكَ فَهُوَ مَبرور، فَإِذا قَالُوا أَبَرَّ الله حجَّك قَالُوا بِالْألف فَهُوَ مبرور، وَقَالُوا المبروز من أَبْرَزْتُ وأنشَد: أوْ مُذْهَبٌ جُدَدٌ على أَلواحِنَّ الناطِق المَبروز والمَختوم وَقَالَ المضعوف من أَضْعَفْت قَالَ لبيد: وعالَيْنَ مَضْعوفاً ودُرّاً سُموطُه جُمانٌ ومَرْجانٌ يَشُدُّ المَفاصِلا أَبُو عَليّ: يَشُكُّ ويشُدُّ وَقد قدمت تَفْسِير معنى الْبَيْت فِي بَاب الحَلي، وَمن هَذَا الْبَاب أَمرَضه الله من المَرض، وآرَضَه من الأَرْض: وَهُوَ الزُّكام، وأملأَه من المُلاءَة، وأَضأدَه من الضُّؤْدَة وَكله الزُّكَام وكل هَذَا يُقَال فِيهِ مَفعول وَلَا يُقَال مُفْعَل وَكَذَلِكَ مهموم من أَهمَّه الله تَعَالَى. هَذَا بَاب دُخُول الزِّيادة فِي فَعَلْت اعْلَم أَنَّك إِذا قلت فاعَلْته فقد كَانَ من غَيْرك إِلَيْك مثلُ مَا كَانَ منكَ إِلَيْهِ حِين قلت فاعَلْته وَمثل ذَلِك ضارَبته وفارَقْته وعازَّني وعازَرْته وخاصَمْته وَكَذَلِكَ سَائِر مَا يكون الْفِعْل فِيهِ بَين اثْنَيْنِ كقاتَلْته وشاتمته وَمَا أشبه ذَلِك فَإِن غلبَ أَحدهمَا كَانَ فعلُه على فَعل يفْعُل وَإِن كَانَ الْمُسْتَعْمل فِي الأَصْل على يفعِل وَلذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ وَاعْلَم أَن يفعُلُ من هَذَا الْبَاب على مِثَال يَخْرُجُ، تَقول خاصَمَني فخَصَمْته أَخْصُمُه وَتقول غالَبني فغَلَبته أغْلُبه وشاتمني فشَتَمْته أَشْتُمُه إِلَّا أَن يكون فِيهِ من الْحُرُوف مَا يلْزم فِيهِ يفعِل أَو يفعَل فَيجْرِي عَلَيْهِ فَمن ذَلِك مَا لامُه أَو عينُه ياءٌ أَو فاؤُه واوٌ فَإِنَّهُ يَجِيء على فَعَل يفعِل لِأَن ذَلِك يلْزم فِيهِ فِي الأَصْل قِيَاس لَا ينكسر فَتَقول بايَعَني فبِعْته أَبيعُه وراماني فرمَيْته أَرْميه وواعَدَني فوَعَدْته أَعِده وواخَدَني فوَخَدْته أَخِدُه. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَيْسَ فِي كل شَيْء يكون هَذَا أَلا ترى أَنَّك لَا تَقول نَازَعَنِي فنزَعْته استُغْنِي عَنْهَا بغَلَبْته وَأَشْبَاه ذَلِك. وَمِمَّا جَاءَ من هَذَا الْبَاب قَوْلك طاوَلْته فطُلْتُه أَطولُه، وَتقول طَالَ زيدٌ عمرا إِذا غلبَه فِي الطّول فغلَبَه وَيكون الْفِعْل متعدِّياً فَإِن لم تُرِدْ هَذَا لم يتعدَّ فعله وَكَانَ على فَعُلَ يفعُل كَقَوْلِك طَال يطول فَهُوَ طويلٌ قَالَ الشَّاعِر: إنَّ الفرزدَقَ صَخْرَةٌ عادِيَّةٌ طَالَتْ فَلَا تستطيعُها الأَوْعالا مَعْنَاهُ طَالَتْ الأوعالَ على معنى غلبَتْها فِي الطّول وَكَذَلِكَ من الطَّول الَّذِي هُوَ الْفضل هَذَا عقد سِيبَوَيْهٍ. وَزَاد أَبُو عبيد: أَن كل مَا كَانَ فِيهِ حرفٌ من حُرُوف الْحلق من هَذَا الْبَاب فإنَّ قَوْلك أفعَلُه مِنْهُ بِالْفَتْح كَقَوْلِك
следующие страницы →