Полный текст (2 140 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
يَقُول ثِنْتَا عشرَة بَنَى ثِنْتَا على مِثَال جِذْع كَمَا قَالَ بِنْتَ فألحقها بجِذْعٍ وَتقول ثِنْتَانِ كَمَا تَقول بِنْتَانِ وَلم تدخل هَذِه التَّاء على تَقْدِير أَن يكون مَا قبلهَا مذكراً لِأَنَّهَا لَو دخلت على سَبِيل ذَلِك لأوجَبَت فتح مَا قبلهَا وَالْكَلَام فِي تغير الْألف فِي ثِنْتَانِ وَاثْنَتَانِ إِذا قلت ثنتا عشرَة وثنتي عشرَة وَأما ثَمَانِي عشرَة فَإِن أَكثر الْعَرَب يَقُولُونَ ثَمَانِي عَشْرَةَ كَمَا يَقُولُونَ عَشْرَةَ وأرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِنْهُم من يسكن الْيَاء فَيَقُول ثمانيْ عشرَة قَالَ الشَّاعِر:
(صَادَفَ من بَلَائِهِ وَشِقْوتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِيْ عَشْرَةٍ من حَجَّتِهِ)
وَإِنَّمَا أسكن الْيَاء كَمَا أسكن فِي معديكرب وقَالِي وأيادي سَبَا لِأَن الْيَاء أثقل من غَيرهَا وَغَيرهَا من الصَّحِيح إِنَّمَا يفتح إِذا جعل مَعَ غَيره اسْما وَاحِدًا فسكنت الْيَاء إِذْ لم يبْق بعد الْفَتْح إِلَّا التسكين وَفِي عشرَة لُغَتَانِ إِذا قلت ثلاثَ عشرةَ فَأَما بَنو تَمِيم فيفتحون الْعين ويكسرون الشين ويجعلونها بِمَنْزِلَة كَلِمَة وَأهل الْحجاز يفتحون الْعين ويسكنون الشين ويجعلونها مثل ضَرْبَةَ وَهَذَا عكس مَا عَلَيْهِ لُغَة أهل الْحجاز وَبني تَمِيم لِأَن أهل الْحجاز فِي غير هَذَا يُشْبِعُون عامةَ الْكَلَام وَبَنُو تَمِيم يُخففون فَإِن قَالَ قَائِل فَلم قَالُوا عَشِرَة فكسروا الشين قيل لَهُ من قَبَلِ أَن عشر فِي قَوْلك عشر نسْوَة مُؤَنّثَة الصِّيغَة فَلم يَصح دُخُول الْهَاء عَلَيْهَا فَاخْتَارُوا لَفْظَة أُخْرَى يَصح دُخُول الْهَاء عَلَيْهَا وخفف أهل الْحجاز ذَلِك كَمَا قَالَ فَخِذٌ وفَخْذ وعَلِمَ وعَلْمَ وَنَحْو ذَلِك وعَلى هَذَا الحكم يجْرِي من الْوَاحِد إِلَى التِّسْعَة فَإِذا ضاعفت أدنى الْعدَد كَانَ لَهُ اسْم من لَفظه وَلَا يثنى العقد وَيجْرِي ذَلِك الِاسْم مجْرى الْوَاحِد الَّذِي لحقته الزِّيَادَة للْجمع وَيكون حرفُ الْإِعْرَاب الواوَ والياءَ وبعدهما النُّون وَيكون لفظُ الْمُذكر والمؤنث فِي ذَلِك سَوَاء ويُفَسَّرُ بِوَاحِد منكور وَذَلِكَ قَوْلهم عشرُون درهما فَإِن قَالَ قَائِل مَا هَذِه الكسرة الَّتِي لحقت أول الْعشْرين وهلا جرت على عَشِرة فَقَالَ عَشِرين أَو على عَشْرِ فَيُقَال عَشْرِين وَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن عِشْرِين لما كَانَت وَاقعَة على الذّكر وَالْأُنْثَى كسر أَولهَا للدلالة على التَّأْنِيث وَجمع بِالْوَاو وَالنُّون للدلالة على التَّذْكِير فَيكون آخِذا من كل وَاحِد مِنْهُمَا بشبهين فَإِن قَالَ قَائِل فقد كَانَ يَنْبَغِي على هَذَا الْقيَاس أَن يجْعَلُوا هَاتين العلامتين فِي الثَّلَاثِينَ إِلَى التسعين قيل: قد يجوز أَن تكون الثَّلَاث من الثَّلَاثِينَ هِيَ الثَّلَاث الَّتِي للمؤنث وَيكون الْوَاو وَالنُّون لوُقُوعه على التَّذْكِير فَيكون قد جمع للثلاثين لفظ التَّذْكِير والتأنيث فَيكون على قِيَاس الْعلَّة الأولى مطرداً وَيجوز أَن يكون اكتفوا بِالدّلَالَةِ فِي الْعشْرين عَن الدّلَالَة فِي غَيره من الثَّلَاثِينَ إِلَى التسعين فَجرى على مثل مَا جرى عَلَيْهِ الْعشْرُونَ فَإِذا وَقع الْعشْرُونَ على الْمُذكر والمؤنث كَانَ الثَّلَاثُونَ مثله وَاكْتفى بعلامة التَّأْنِيث فِي الْعشْرين عَن عَلامَة فِي الثَّلَاثِينَ وَدَلِيل آخر فِي كسر الْعين من عشْرين وَهُوَ أَنا رأيناهم قَالُوا فِي ثَلَاث عشرات ثَلَاثُونَ وَفِي أَربع عشرات أَرْبَعُونَ فكأنهم جعلُوا ثَلَاثِينَ عَشْرَ مرارٍ ثَلَاثَة وَأَرْبَعين عَشْرَ مرار أربعةٌ إِلَى تسعين فاشتقوا من لفظ الْآحَاد مَا يكون لعشر مراتٍ ذَلِك الْعدَد فَكَانَ قِيَاس الْعشْرين من الثَّلَاثِينَ أَن يُقَال اثْنَيْنِ واثْنُونَ لِعَشْر مرارِ اثنَيْنِ إِلَّا أَنهم تجنبوا ذَلِك لِأَن اثْنَيْنِ لَا يكون إِلَّا مثنى فَلَو قُلْنَا اثْنَيْنِ كُنَّا قد نَزعنا اثْناً من الِاثْنَيْنِ وأدخلنا عَلَيْهِ الْوَاو وَالنُّون واثْنٌ لَا يسْتَعْمل إِلَّا مَعَ حُرُوف التَّثْنِيَة فَبَطَل استعمالُه فِي مَوضِع الْعشْرين فَلَمَّا اضطروا لهَذِهِ الْعلَّة إِلَى اسْتِعْمَال الْعشْرين كسروا أوّله لِأَن اثْنَيْنِ مكسور الأول فكسروا أول الْعشْرين كَذَلِك وأدخلوا الْوَاو وَالنُّون لِأَنَّهُ يَقع على الْمُذكر وَإِذا اخْتَلَط الْمُذكر والمؤنث فِي لفظ غلب التَّذْكِير انْفَرد اللَّفْظ بِهِ وَدَلِيل آخر وَهُوَ أَنهم يَقُولُونَ فِي الْمُؤَنَّث إِحْدَى عَشِرَةَ وتسعَ عَشْرَةَ فَلَمَّا جاوزها إِلَى الْعشْرين نقلوا كسرة الشين الَّتِي كَانَت للمؤنث إِلَى الْعين كَمَا يَقُولُونَ فِي كَذِبٍ كِذٍبٌ وَفِي كَبِدٍ كِبْدٌ وجمعوه بِالْوَاو وَالنُّون كَمَا يَفْعَلُونَ فِي الْأَشْيَاء المؤنثة الْمَحْذُوف مِنْهَا الهاآت عوضا من الْمَحْذُوف كَقَوْلِهِم فِي سنة سِنِين وسنون وَفِي أَرْضٍ أَرَضُون وَفِي ثُبَة ثُبون وثِبُون وَهَذَا كثير جدا وَالْجمع بِالْوَاو وَالنُّون لَهُ مزية على غَيره من الجموع فَجعل
стр. 2102
عوضا من الْمَحْذُوف وَاعْلَم أَن عشْرين وَنَحْوهَا رُبمَا جُعِلَ إعرابُها فِي النُّون وَأكْثر مَا يَجِيء ذَلِك فِي الشّعْر فَإِذا جعل كَذَلِك ألزمت الْيَاء لِأَنَّهَا أخف من الْوَاو كَمَا فعلوا ذَلِك فِي سِنين إِذا جعلُوا إعرابها فِي النُّون قَالُوا: أتَتْ عَلَيْهِ سِنينٌ قَالَ الشَّاعِر:
(وإِنَّ لَنَا أَبا حَسَنٍ عَلِيًّا ... أَبٌ بَرٌ ونحنُ لَهُ بَنِينُ)
وَأنْشد لغيره:
(أَرَى مَرُّ السَّنِينَ أَخَذَنْ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السِّرارُ من الهِلَالِ ... )
وَقَالَ سُحَيْمٌ:
(وماذا تَدَّرِي الشَّعراءُ مِنِّي ... وَقد جاوزتُ رأسَ الأَرْبَعِينِ)
(أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمَعٌ أَشُدَّي ... وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّؤُونِ)
هَذَا عَامَّة قَول الْبَصرِيين أَنه مَتى لزم النُّون الإعرابُ لزم الياءُ وَصَارَ بِمَنْزِلَة قِنِّسْرين وغِسْلِينٍ وَأكْثر مَا يَجِيء هَذَا فِي الشّعْر وَقد زعم بَعضهم أَنه قد يجوز أَن يلْزم الواوُ وَإِن كَانَ الإعرابُ فِي النُّون وَزعم أَن زَيْتُوناً يجوز أَن يكون فَيْعُولاً وَيجوز أَن يكون فَعْلُوناً وَهُوَ إِلَى فَعْلُونٍ أقربُ لِأَنَّهُ من الزَّيْتِ وَقد لزم الْوَاو وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَو سمي رجل بمُسْلِمين كَانَ فِي وَجْهَان: إِن جعلت الإعرابَ فِي الْوَاو فتحتَ النونَ على كل حَال وجعلتَ فِي حَال الرّفْع واواً فِي حَال النصب والجر يَاء كَقَوْلِك جَاءَنِي مُسلمُونَ وَرَأَيْت مُسلمين ومررت بمسلمين فَهَذَا مَا ذكره وَلم يزدْ عَلَيْهِ شَيْئا وَقد رَأينَا فِي كَلَام الْعَرَب وَأَشْعَارهَا بالرواية الصَّحِيحَة وَجها آخر وَهُوَ أَنهم إِذا سموا بِجمع فِيهِ وَاو وَنون فقد يلزمون الواوَ على كل حَال ويفتحون النونَ وَلَا يحذفونها فِي الْإِضَافَة فكأنهم حكوا لفظ الْجمع الْمَرْفُوع فِي حَال التَّسْمِيَة وألزموه طَريقَة وَاحِدَة قَالَ الشَّاعِر:
(ولَهَا بالماطِرُونَ إذَا ... أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا)
فَفتح نُونَ الماطرونَ وَأثبت الْوَاو وَهُوَ فِي مَوضِع جر وَالْعرب تَقول اليَاسَمُونَ فِي حَال الرّفْع وَالنّصب والجر وَيَقُولُونَ ياسَمُونَ البَرِّ فيثبتون النُّون مَعَ الْإِضَافَة ويفتحونها وَمِنْهُم من يرويهِ بالمَاطِرون ويُعَرِبُ الياسَمُونَ وَكَذَلِكَ الزَّيْتُونَ وَهُوَ الأجود فَإِذا زِدْت على الْعشْرين نَيِّفاً أعربته وعطفتَ العِشْرِين عَلَيْهِ كَقَوْلِك أخذتُ خَمْسَة وَعشْرين وَهَذِه ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يبْنى اسْم مَعَ اسْم وَأَحَدهمَا مُعرب وَلم يَقع الآخر فِي شَيْء مِنْهُ كوقوع عَشر فِي مَوضِع النُّون من اثْنَي عشر وتنصب مَا بعد الْعشْرين إِلَى تسعين وتوحد وتنكر وَالَّذِي أوجب نَصبه أَن عشْرين جمعٌ فِيهِ نون بِمَنْزِلَة ضاربين وَيجوز إِسْقَاط نونه إِذا أضيف إِلَى مَالك كَقَوْلِك هَذِه عشر زيد وَعِشْرُونَ تطلب مَا بعْدهَا وتقتضيه كَمَا أَن ضاربين يطْلب مَا بعده ويقتضيه فتنصب مَا بعد الْعشْرين كَمَا نصبت مَا بعد الضاربين من الْمَفْعُول الَّذِي ذَكرْنَاهُ إِلَّا أَن عشْرين لَا يعْمل إِلَّا فِي منكور وَلَا يعْمل فِيمَا قبله لِأَنَّهُ لم يقو قوَّة ضاربين فِي كل شَيْء لِأَنَّهُ اسْم غير مُشْتَقّ من فعل فَلم يتَقَدَّم عَلَيْهِ مَا عمل فِيهِ لِأَنَّهُ غير متصرف فِي نَفسه وَلم يعْمل إِلَّا فِي نكرَة من قِبَلِ أَن الْمَعْنى فِي عشْرين درهما عشرُون من الدَّرَاهِم فاسْتَخَفُّوا وَأَرَادُوا الِاخْتِصَار فحذفوا مِنْ وجاؤوا بِوَاحِد منكور شَائِع فِي الْجِنْس فَدَلُّوا بِهِ على النَّوْع وَلَا يجوز أَن يكون التَّفْسِير إِلَّا بِوَاحِد إِذْ كَانَ الْوَاحِد دَالا على نوع مُسْتَغْنًى بِهِ فَإِذا أردْت أَن تجمع جماعاتٍ مختلفةٌ جَازَ أَن تفسر الْعشْرين وَنَحْوهَا بِجَمَاعَة فَتكون عشرُون كلُّ وَاحِد مِنْهَا جماعةٌ ومثلُ ذَلِك قولُك قد التقى الخَيْلَانِ فَكل وَاحِد مِنْهُمَا جمَاعَة خيل فعلى قَوْلك هَذَا تَقول التقى عشرُون خيلاً على أَن كل وَاحِد من الْعشْرين خيلٌ قَالَ الشَّاعِر:
стр. 2103
(تَبَقَّلَتْ مِنْ أَوَّلِ التَّبَقُّلِ ... بَيْنَ رِمَاحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ)
لِأَن مالكاُ ونَهْشَلاً قبيلتان وكل وَاحِدَة مِنْهُمَا لَهَا رماح فَلَو جمعتَ على هَذَا لقلتَ عشرُون رِماحاً قد الْتَقَتْ تُرِيدُ عشْرين قَبيلَة لكل مِنْهَا رماح وَلَو قلت عشرُون رُمْحاً كَانَ لكل وَاحِد مِنْهَا رُمْح قَالَ الشَّاعِر:
(سَعَى عِقَالاً فَلم يَتْرُكُ لَنَا سَبَداً ... فكيفَ لَو قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ)
(لأَصْبَحَ القومُ قد بادُوا وَلم يَجِدُوا ... عِنْدَ التَّفَرُّقِ فِي الهَيْجَا جَمَالَيْنِ)
أَرَادَ جِمالاً لهَذِهِ الفِرقَة وجمالاً لهَذِهِ الْفرْقَة فَإِذا بلغتَ المائةَ جئتَ بِلَفْظ يكون للذّكر وَالْأُنْثَى وَهُوَ مائَة كَمَا كَانَ عشرُون وَمَا بعْدهَا من العُقود وبينتَ الْمِائَة بإضافتها إِلَى وَاحِد منكور فَإِن قَالَ قَائِل مَا الْعلَّة الَّتِي لَهَا أُضِيفَتْ إِلَى وَاحِد منكور فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَنَّهَا شابهت الْعشْرَة الَّتِي حكمُها أَن تُضَاف إِلَى جمَاعَة وَالْعِشْرين الَّتِي حكمهَا أَن تميز بِوَاحِد منكور فأُخِذَ من كل وَاحِد مِنْهُمَا شَبَهٌ فأضيف بِشَبَهِ الْعشْرَة وجُعِلَ مَا يضافُ إِلَيْهِ وَاحِدًا بِشَبَهِ الْعشْرين لِأَنَّهَا يُضَاف إِلَيْهَا نوع يبينها كَمَا يُبَيِّنُ النوعُ المُمَيِّزُ الْعشْرين فَإِن قَالَ قَائِل وَمَا شَبَهُهَا من الْعشْرَة وَالْعِشْرين قيل لَهُ أما شَبَهُها من الْعشْرَة فَلِأَنَّهَا عَقْدٌ كَمَا أَن الْعشْرَة عقد وَأما شبهها من الْعشْرين فَلِأَنَّهَا تلِي التسعين وحكمُ عَشْرَةِ الشيءِ كَحكم تِسْعَتِهِ أَلا ترى أَنَّك تَقول تِسْعَة أَثوَاب وَعشرَة أَثوَاب فَتكون العشرةُ كالتسعة والمائةُ من التسعين كالعشرة من التِّسْعَة وَذَلِكَ قَوْلك مِائَتَا دِرْهَم وَمِائَتَا ثوب وَنَحْو ذَلِك وَيجوز فِي الشّعْر إدخالُ النُّون على الْمِائَتَيْنِ ونصبُ مَا بعْدهَا قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا عَاشَ الفتَى مائتينِ عَاما ... فقد ذَهَبَ اللَّذاذةُ والفَتَاءُ)
وَقَالَ آخر أَيْضا
(أَنْعَتُ عَيْراً مِنْ حَمِير خَنْزَرهْ ... فِي كُلِّ عَيْرٍ مائتانِ كَمْرَهْ)
فَإِذا أردْت تَعْرِيف الْمِائَة والمائتين أدخلتَ الألفَ واللامَ فِي النَّوْع وأضفتَها إِلَيْهِ كَقَوْلِك مائةُ الدِّرْهَم وَمِائَتَا الثَّوْب فَإِذا جمعتَ الْمِائَة أضفت الثلاثَ فَقلت ثَلَاثمِائَة إِلَى تِسْعمائَة فَإِن قَالَ قَائِل هَلَاّ قُلْتُمْ ثلاثُ مِئينَ أَو مِئَاتٍ كَمَا قُلْتُمْ ثلاثُ مسلماتٍ وتِسْعُ تَمَرَاتٍ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَنا رَأينَا الثلاثَ المضافة إِلَى الْمِائَة قد أشبهت الْعشْرين فِي وَجه وأشبهت الثَّلَاث الَّتِي فِي الْآحَاد من وَجه فَأَما شبهها بالعشرين فِلأَنَّ عَقْدَها على قِيَاس الثلاثِ إِلَى التِّسْعِ لِأَنَّك تَقول ثلاثُمائَةٍ وتسعمائةٍ ثمَّ تَقول ألفٌ وَلَا تَقول عَشْرُ مائةٍ فَصَارَ بِمَنْزِلَة قَوْلك عشرُون وَتسْعُونَ ثمَّ تَقول مائةٌ على غير قِيَاس التسعين وَتقول فِي الآحَادِ ثلاثُ نِسْوَةٍ وعَشْرُ نِسْوَةٍ فَتكون العَشْرُ بِمَنْزِلَة التَّأْنِيث فَأَشْبَهت ثلاثُمائةٍ الْعشْرين فَبُيِّنَتْ بواحدٍ وأشبهت الثلاثَ فِي الْآحَاد فَجعل بيانُها بِالْإِضَافَة وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا أَنهم قَالُوا ثلاثةُ آلَاف فَإِنَّمَا أضافوا الثلاثةَ إِلَى جمَاعَة لأَنهم يَقُولُونَ عشرةُ آلافٍ فَلَمَّا كَانَ عَشَرَتُه على غير قِيَاس ثلاثته أَجْرَوْهُ مُجْرَى ثلاثةِ أثوابٍ لأَنهم قَالُوا عشرةُ أثوابٍ فَإِذا قلت ثلاثمائةٍ فَحكم الْمِائَة بعد إِضَافَة الثَّلَاث إِلَيْهَا أَن تُضَاف إِلَى واحدٍ منكور كحكمها حِين كَانَت مُنْفَرِدَة وَيجوز أَن تُنَوَّنَ وتُمَيَّزَ بواحدٍ كَمَا قيل مائتانِ عَاما فَأَما قولُ الله : ﴿ثَلاثَمائةٍ سِنِينَ وازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الْكَهْف: ٢٥] فَإِن أَبَا إِسْحَاق الزّجاج زعم أَن سِنِين منتصبةٌ على الْبَدَل من ثلاثِمائةٍ وَلَا يَصح أَن تُنْصَب على التَّمْيِيز لِأَنَّهَا لَو انتصبت بذلك فِيمَا قَالَ لوَجَبَ أَن يَكُونُوا قد لَبِثُوا تِسْعَمائَة وَلَيْسَ ذَلِك بِمَعْنى الْآيَة وقبيحٌ أَن يُجْعَل سِنين نعتاً لَهَا لِأَنَّهَا جامدة لَيْسَ فِيهَا معنى فِعْلٍ وَقَالَ الْفراء يجوز أَن تكون سِنِين على التَّمْيِيز كَمَا قَالَ عنترة فِي بَيت لَهُ:
(فِيهَا اثْنَتَانِ وأربعونَ حَلَوبَةٌ ... سُوداً كَخَافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحِمِ)
стр. 2104
ويروى سُودٌ فقد جَاءَ فِي التَّمْيِيز سُوداً وَهِي جمَاعَة قَالَ أَبُو سعيد: وَلأبي إِسْحَاق أَن يفصل بَين هَذَا وَبَين سِنِين بأنَّ سُوداً إِنَّمَا جَاءَت بعد الْمُمَيز فَيجوز أَن يُحْمَل على اللَّفْظ مرةٌ وعَلى الْمَعْنى مرةٌ كَمَا تَقول كُلُّ رجل ظَرِيف عِنْدِي وَإِن شئتَ قلتَ ظريفٌ فتحمله مرّة على اللَّفْظ وَمرَّة على الْمَعْنى وَلَيْسَ قبل سِنِين شَيْء وَقَعَ بِهِ التَّمْيِيز فَيكون سِنِين مثل سُودًا وَاعْلَم أَن مائَة ناقصةٌ بِمَنْزِلَة رِئَةٍ وإِرَةٍ فلك أَن تجمعها مِئُونَ فِي حَال الرّفْع ومِئينَ فِي حَال النصب والجر وَإِن شئتَ قلتَ مِئينٌ فجعلتَ الإعرابَ فِي النُّون وألزمته الْيَاء وَإِن شِئْت قلت مِئَاتٌ كَمَا تَقول رِئَاتٌ وَأما قَول الشَّاعِر:
(وَحَاتِمُ الطَّائِيُّ وَهَّابُ المِئِي ... )
فقد اخْتلف النحويون فِي ذَلِك فَقَالَ بَعضهم أَرَادَ جمع الْمِائَة على الْجمع الَّذِي بَينه وَبَين واحده الْهَاء كَقَوْلِك تَمْرَة وتمر فَكَأَنَّهُ قَالَ مائةٌ ومِئٌ ثمَّ أطلق القافية للجر وَقَالَ بَعضهم أَرَادَ المِيءَّ وَكَانَ أَصله المَئيَّ على مِثَال فَعِيل لِأَن الذَّاهِب من الْمِائَة إِمَّا وَاو وَإِمَّا يَاء فَإِن كَانَت يَاء فَهِيَ مِئيٌ وَإِن كَانَت واواً انقلبت أَيْضا يَاء وَصَارَ لَفظهَا وَاحِدًا ثمَّ تُكْسَر الْمِيم وَذَلِكَ أَن بني تَمِيم يكسرون الْفَاء من فَعِيل إِذا كَانَت الْعين أحد الْحُرُوف السِّتَّة وَهِي حُرُوف الْحلق كَقَوْلِهِم شِعِير ورَحِيم فَيَقُولُونَ فِي ذَلِك مِيٌ وَأَصله مِئِيٌ وَمِمَّا جَاءَ على هَذَا الْمِثَال من الْجمع مَعِيزٌ جمع مَعَزٍ وكَلِيبٌ وعَبِيد وَغير ذَلِك مِمَّا جَاءَ على فعيل فعلى هَذَا القَوْل مِيٌ مشدد وَيجوز تخفيفها فِي القافية الْمقيدَة كَمَا ينشد بَعضهم قَول طرفَة فِي بَيت لَهُ:
(أَصَحَوْتَ اليومَ أَمْ شَاقَتْكَ هِرْ ... ومِنَ الحُبِّ جُنُونٌ مُسْتَعِرُّ)
وَقَالَ بعض النَّحْوِيين إِنَّمَا هُوَ مِئِينٌ فاضْطُرَّ إِلَى حَذْفِ النُّون كَمَا قَالَ:
(قَوَاطِناً مَكَّةَ مِنْ وُرْقِ الحَمِي ... )
فَإِذا بلغتَ الألفَ أضفته إِلَى واحدٍ فَقلت ألف دِرْهَم كَمَا أضفت الْمِائَة إِلَى وَاحِد حِين قلت مائَة دِرْهَم وَالْعلَّة فِيهِ كالعلة فِيهَا من قِبَلِ أَن الألفَ إِلَى غير قِيَاس مَا قبله لِأَنَّك لم تقل عشر مائَة كَمَا قلت تِسْعمائَة وضعت لفظا يدل على العقد الَّذِي بعد تِسْعمائَة غَيْرَ جارٍ على شَيْء قبله كَمَا فعلتَ ذَلِك بِالْمِائَةِ حِين لم تُجْرِها على غير قِيَاس التسعين فَإِذا جمعت الْألف جمعته على حد مَا تجمع الواحدَ وتَضِيف ثلاثتَه إِلَى جمَاعَة نوعِهِ فَتَقول ثلاثةُ آلافِ وعشرةُ آلَاف كَمَا قلت ثَلَاثَة أثوابٍ وعَشْرَةُ أثوابٍ وَإِنَّمَا خَالف جمعُ الْألف فِي الْإِضَافَة جمعَ الْمِائَة لِأَن الألفَ عشرتُه كثلاثته فَصَارَ بِمَنْزِلَة الْآحَاد الَّتِي عشرتُها كثلاثتها وَلَيْسَ عشرَة الْمِائَة كثلاثتها وَقد بَينا هَذَا فِيمَا تقدم وَلَيْسَ بعد الأَلَفِ شَيْء من الْعدَد على لفظ الْآحَاد فَإِذا تضاعفت أُعِيد فِيهِ اللفظُ بالتكرير كَقَوْلِك عشرةُ آلافٍ ألف وَمِائَة ألفٍ وألفٍ وَنَحْو ذَلِك وَإِنَّمَا قلت عشرةُ آلافٍ لِأَن الألفَ قد لزم إضافتُه إِلَى وَاحِد فِي تبيينه وَكَذَلِكَ جماعتُه كواحده فِي تبيينه بِالْوَاحِدِ من النَّوْع وَاعْلَم أَن الْألف مُذَكّر تَقول أخذتُ مِنْهُ ألفا وَاحِدًا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بَثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ [آل عمرَان: ١٢٤] فَأدْخل الْهَاء على الثَّلَاثَة فَدلَّ على تذكير الْألف وَرُبمَا قيل هَذِه ألفُ درهمٍ يُرِيدُونَ الدراهمَ
١ - بَاب ذكرك الِاسْم الَّذِي تُبَيِّنُ بِهِ العِدَّةَ كم هِيَ مَعَ تَمامهَا الَّذِي هُوَ من ذَلِك اللَّفْظ
فبناءُ الِاثْنَيْنِ وَمَا بعده إِلَى الْعشْرَة فاعلٌ وَهُوَ مُضَاف إِلَى الِاسْم الَّذِي يُبَيِّنُ بِهِ العَدَدُ ذكر سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْبَاب من كِتَابه ثانِي اثْنَيْنِ وثالثَ ثلاثةٍ إِلَى عَاشر عشرَة فَإِذا قلت هَذَا ثَانِي اثْنَيْنِ أَو ثالثُ ثلاثةٍ أَو رابعُ أَرْبَعَة
стр. 2105
فَمَعْنَاه أحدُ ثلاثةٍ أَو بعضَ ثلاثةٍ أَو تمامُ ثلاثةٍ وقولُنا فِي تَرْجَمَة الْبَاب الِاسْم الَّذِي تُبَيِّنُ لَهُ العِدَّةُ كمْ هِيَ نعني ثَلَاثَة وقولُنا مَعَ تَمامهَا الَّذِي هُوَ من ذَلِك اللَّفْظ نعني ثَالِثا لِأَنَّهُ تمامُ ثلاثةٍ وَهَذَا التمامُ يُبْنَى على فَاعل كَمَا قُلْنَا فَيُقَال ثَانِي اثْنَيْنِ وثالثُ ثلاثةٍ وتُجْرَى الأوَّلَ مِنْهَا بِوُجُوه الْإِعْرَاب إِلَى عَاشر عشرةِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثةٍ﴾ [الْمَائِدَة: ٧٣] وَقَالَ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ﴾ [التَّوْبَة: ٤٠] وَقد كنتُ ذكرتُ فِي المبنيات من أحدَ عَشَرَ إِلَى تسعةَ عَشَرَ مَا فِيهِ كِفَايَة وَلَكِنِّي أذكر هَاهُنَا مِنْهُ جملَة فِيهَا مَا لم أذكرهُ هُنَاكَ إِذْ كَانَ هَذَا بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى هَذَا الْبَاب يشْتَمل على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا: وَهُوَ الْأَكْثَر فِي كَلَام الْعَرَب على مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ أَن يكون الأولُ من لفظ الثَّانِي على معنى أَنه تمامُه وبعضُه وَهُوَ قَوْلك هَذَا ثني اثْنَيْنِ وثالث ثَلَاثَة وعاشر عشرَة وَلَا ينوّن هَذَا فينصب مَا بعده فَيُقَال ثالثٌ ثَلَاثَة لِأَن ثَالِثا فِي هَذَا لَيْسَ يَجْرِي مَجْرَى الْفِعْل فَيصير بِمَنْزِلَة ضاربٍ زيدا وَإِنَّمَا هُوَ بعضُ ثلاثةٍ وأنتَ لَا تَقول بعضٌ ثَلَاثَة وَقد اجْتمع النحويون على ذَلِك إِلَّا مَا ذكره أَبُو الْحسن بن كَيْسَانَ عَن أبي الْعَبَّاس ثَعْلَب أَنه أجَاز ذَلِك قَالَ أَبُو الْحسن: قلتُ لَهُ إِذا أجزتَ ذَلِك فقد أجريته مُجْرى الْفِعْل فَهَل يجوز أَن تَقول ثَلَثْتُ ثَلَاثَة قَالَ نعم على معنى أتممت ثَلَاثَة والمعروفُ قَول الْجُمْهُور وَقَالَ بَعضهم سَبَعْتُ القومَ وأسبعتُهم - صَيَّرْتُهُم سَبْعَة وسَبَعْتث الحبلَ أَسْبَعَهُ - فتلتُه على سبع قُوًى وَكَانُوا ستَّةً فَأَسْبَعُوا - صَارُوا سَبْعَة وأسبعتُ الشيءَ وسَبَعْتُه - صيَّرتُه سبعةَ ودراهمُ وَزْنُ سبعةٍ لأَنهم جعلُوا عشرةَ دَرَاهِم وَزْنَ سَبْعَة مثاقيلَ وسُبعِ المولودُ - حُلِقَ رَأسه وذُبِحَ عَنهُ لسبعةٍ وسَبَّعَ اللهُ لَك - رَزَقَكَ سبعةَ أولادٍ وسَبَّعَ اللهُ لَك - ضَعَّفَ مثاقيلَ وسُبعِ المولودُ - حُلِقَ رَأسه وذُبِحَ عَنهُ لسبعةٍ وسَبَّعَ اللهُ لَك - رَزَقَكَ سبعةَ أَبَنْتُها فِي موَاضعهَا فَإِذا زدتَ على الْعشْرَة فَالَّذِي ذكره سِيبَوَيْهٍ بناءُ الأول وَالثَّانِي وَذَلِكَ حادي عشر وَثَانِي عشر وثالث عشر فَفتح الأول وَال ثَانِي وجعلهما اسْما وَاحِدًا وَجعل فتحهما كفتح ثَلَاثَة عشر وَذكر أَن الأصلَ أَن يُقَال حادِي عَشَرَ أَحَدَ عَشَرَ وثالِثَ عَشَرَ ثَلَاثَة عَشَر فَيكون حادي بِمَنْزِلَة ثالثٍ لِأَن الثَّالِث قد استغرق حروفَ ثَلَاثَة وَبني مِنْهَا فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يسْتَغْرق حادي عشر حروفَ أَحَدَ عشر وَقد حَكَاهُ أَيْضا فَقَالَ: وَبَعْضهمْ يَقُول ثالثَ عَشَرَ ثلَاثَةَ عَشَر وَهُوَ القياسُ وَقد أنكر أَبُو الْعَبَّاس هَذَا وَذكر نه غير مُحْتَاج إِلَى أَن يَقُول ثالثَ عَشَرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَأَن الَّذِي قَالَه سِيبَوَيْهٍ خلافُ مَذْهَب الْكُوفِيّين وكأَنَّ حجَّة الْكُوفِيّين فِيمَا يتَّجهُ فِيهِ أَن ثَلَاثَة عشر لَا يُمكن أَن يبْنى من لَفْظهمَا فَاعل وَإِنَّمَا يَبْنِي من لفظ أَحدهمَا وَهُوَ الثَّلَاثَة فَذكر عشر مَعَ ثَالِث لَا وَجه لَهُ وَقد قدَّمنا احتجاجَ سِيبَوَيْهٍ لذَلِك مَعَ حكايته إِيَّاه عَن بَعضهم وَيجوز أَن يُقَال: إِنَّه لما لم يُمكن أَن يبْنى مِنْهُمَا فَاعل وَبني من أَحدهمَا احْتِيجَ إِلَى ذكر الآخر لينفصلَ عَن مَا هُوَ أحدُ ثلاثةٍ مِمَّا هُوَ أحدُ ثلاثةَ عَشَرَ فَأتى بِالْفَظِّ كُله وَالضَّرْب الثَّانِي: من الضربين أَن يكون التَّمام يجْرِي مجْرى اسْم الْفَاعِل الَّذِي يعْمل فِيمَا بعده وَيكون لفظ التَّمام من عدد هُوَ أَكثر من المتمم بِوَاحِد كَقَوْلِك ثالثُ اثْنَيْنِ ورابعُ ثلاثةٍ وعاشرُ تسعةٍ وَيجوز أَن ينون الأولُ فَيُقَال رابعٌ ثَلَاثَة وعاشرٌ تِسْعَة لِأَنَّهُ مأخوذٌ من الْفِعْل تَقول كَانُوا ثَلَاثَة فَرَبَعْتُهُمْ وَتِسْعَة فعشرتهم فَنًّا عاشرُهم كَقَوْلِك ضربتُ زيدا فَنًّا ضارِبٌ زيدا وضاربُ زيد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَاّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ فِيمَا زادَ على الْعشْرَة فِي هَذَا الْبَاب: هَذَا رابعٌ ثَلَاثَة عَشرَ كَمَا قلت خامِسُ أَرْبَعَةٍ وَلم يحكه عَن الْعَرَب والقياسُ عِنْد النَّحْوِيين أَن لَا يجوز ذَلِك وَقد ذكره الْمبرد عَن نَفسه وَعَن الْأَخْفَش نهم لم يجيزوه لِأَن هَذَا الْبَاب يَجْرِي مَجْرَى الْفَاعِل الْمَأْخُوذ من الْفِعْل وَنحن لَا نقُول رَبَعْتُ ثلاثةَ عَشَرَ وَلَا أعلم أحدا حَكَاهُ فَإِن صَحَّ أَن الْعَرَب قالته فقياسه مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ وَأما قَوْلهم حادي عَشَرَ وَلَيْسَ حادي من لفظِ واحدٍ وَالْبَاب أَن يكون اسمُ الْفَاعِل الَّذِي هُوَ تمامٌ من لفظِ مَا هُوَ تمامُه فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا: أَن حادِي مقلوبٌ من وَاحِد استثقالاً للواو فِي أول اللَّفْظ فَلَمَّا قُلِبَ صَار حادِوٌ
стр. 2106
فَوَقَعت الْوَاو طَرَفاً وَقبلهَا كسرة فقلبوها يَاء كَمَا قَالُوا غازِي وَهُوَ من غزوت وَأَصله غازِوٌ وَذكر السكائي: أَنه سمع من الأَسْدِ أَبُو بعضِ عبد الْقَيْس واحِدَ عَشَرَ يَا هَذَا وَقَالَ بعض النَّحْوِيين وَهُوَ الْفراء حادِي عَشَرَ من قَوْلك يَحْدُو أَي يَسُوقُ كأَنَّ الواحدَ الزائدَ يَسُوق العَشَرَة وَهُوَ مَعهَا وَأنْشد:
(أَنْعَتُ عَشْراً والظَّلِيمُ حَادِي ... كأَنَّهُنَّ بِأَعَالِي الوَادي)
(يَرْفُلْنَ فِي مَلَاحِفَ جِيَادِ ... )
وَفِي ثالثَ عَشَر وبابِها ثلاثةُ أوجه فَإِن جئتَ بهَا على التَّمام على مَا ذكره سِيبَوَيْهٍ فَقلت ثالثَ عَشَر ثلاثةَ عَشَرَ فتحتَ الأوَّلين والآخرين لَا يجوز غير ذَلِك وَإِن حذفتَ فقلتَ ثالثَ ثلاثةَ عَشَر أَعْربتَ ثَالِثا بِوُجُوه الْإِعْرَاب وَفتحت الآخرين فقلتَ هَذَا ثالِثُ ثلاثةَ عَشَرَ ورأيتُ ثالثَ ثلاثةَ عَشَرَ ومررتُ بثالثِ ثلاثةَ عَشَر لَا يجوز غير ذَلِك عِنْد النَّحْوِيين كُلِّهم وَإِن حذفتِ مَا بَين ثالثَ وعَشَرَ الْأَخير فَالَّذِي ذكره سِيبَوَيْهٍ فتحهما جَمِيعًا وَذكر الْكُوفِيُّونَ أَنه يجوز أَن يُجْرى ثالثٌ بِوُجُوه الْإِعْرَاب وَيجوز أَن يُفْتَح فَمن أجراهُ بوجُوه الإعرابِ أَرَادَ هَذَا ثالِثُ ثلاثَة عَشَرَ ومررت بثالثِ ثلاثةَ عَشَرَ ثمَّ حَذَفَ ثَلَاثَةً تَخْفِيفًا وبَقَّى ثَالِثا على حكمه وَمن بنى ثَالِثا مَعَ عشر أَقَامَهُ مُقَامَ ثلاثةٍ حِين حَذَفَهَا وَهَذَا قَول قريب لم يُنكره أَصْحَابنَا وَقَالَ الْكسَائي: سَمِعت الْعَرَب تَقول هَذَا ثَالِثُ عَشَرَ وثالثَ عَشَرَ فَرفعُوا ونصبوا قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول هَذَا حادي أَحَدَ عَشَر إِذا كُنّ عشر نِسْوَةٍ مَعَهُنَّ رجل لِأَن الْمُذكر يغلب الْمُؤَنَّث ومثلُ ذَلِك قَوْلك خامِسُ خَمْسَةٍ إِذا كنَّ أَربع نسْوَة فِيهِنَّ رجل كَأَنَّك قلتَ هُوَ تَمامُ خمسةٍ وَتقول هُوَ خامسُ أَربع إِذا أردتَ أَنه صَيَّرَ أربَعَ نِسْوَةٍ خمْسا قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما بَضْعَةَ عَشَر فبمنزلة تسعةَ عَشَر فِي كل شَيْء وبِضْعَ عَشِرَة َ كتِسْعَ عَشِرَة فِي كل شَيْء قَالَ الْفَارِسِي: بضعَة بِالْهَاءِ عددٌ مُبْهَم من ثَلَاثَة إِلَى تِسْعَة من الْمُذكر وبَضْعٌ بِغَيْر الْهَاء عدد مُبْهَم من ثَلَاث إِلَى تسع من الْمُؤَنَّث وَهِي تُجْرَى مفردةٌ وَمَعَ الْعشْرَة مَجْرَى الثَّلَاثَة إِلَى التِّسْعَة فِي الْإِعْرَاب وَالْبناء تَقول هَؤُلَاءِ بِضْعَةُ رجال وبَضْعُ نِسْوَةٍ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بَضْعِ سِنِينَ﴾ [الرّوم: ٣] وَفِيمَا زَاد على الْعشْرَة: هَؤُلَاءِ بضعَة عَشَر رجلا ويضعَ عَشْرَةَ امرأةٌ وَهِي مُشْتَقَّة وَالله أعلم من بَضَعْتُ الشَّيْء إِذا قَطَعْته كَأَنَّهُ قِطْعَةٌ من العَدَدِ وَقد كَانَ حَقه أَن يذكر فِي الْبَاب الأول لِأَن هَذَا البابَ إِنَّمَا ذُكَر فِيهِ العَددُ المتممُ نَحْو ثالثُ ثلاثةٍ ورابعُ أربعةٍ وَلكنه ذَكَرها هُنَا لِتَرَى أَنه لَيْسَ بِمَنْزِلَة ثالثَ عَشَرَ أَو ثالثةَ عَشْرَةُ فاعلمه وَمن قَول الْكسَائي: هَذَا الْجُزْء العاشِرُ عشْرِين وَمن قَول سِيبَوَيْهٍ وَالْفراء: هَذَا الجزءُ العِشْرُون وَهَذِه الورَقَةُ العشرونَ على معنى تمامِ الْعشْرين فَتَحْذِفُ التمامَ وتُقيم الْعشْرين مُقامَه وَكَذَلِكَ تَقول: هَذَا الجزءُ والواحدُ وَالْعشْرُونَ والأحَدُ وَالْعشْرُونَ وَهَذِه الورقةُ الإِحْدَى وَالْعشْرُونَ والواحدةُ وَالْعشْرُونَ وَكَذَلِكَ الثَّانِي وَالْعشْرُونَ والثانيةُ وَالْعشْرُونَ وَمَا بعده إِلَى قَوْلك التاسِعُ وَالتِّسْعُونَ وَتقول: هُوَ الأوّل وَالثَّانِي وَالثَّالِث وَالرَّابِع وَالْخَامِس وَقد قَالُوا الخامي قَالَ أَبُو عَليّ: وَهُوَ من شَاذ المحوّل كَقَوْلِهِم أَمْلَيْتُ فِي أَمْلَلْتُ وَلَا أَمْلَاهُ يُرِيدُونَ لَا أمَلُّه إِلَّا أَن هَذَا حُوِّلَ للتضعيف وخامسٌ لَيْسَ فه تَضْعِيف فَإِذا هُوَ من بَاب حَسَيْتُ وأَحَسْتُ فِي حَسَسْتُ وأَحْسَسْتُ وَقَالُوا سادِسٌ وسادٍ على حدِّ خامٍ وَأنْشد ابْن السّكيت:
(إِذا مَا عُدَّ أَربع " ٌ فِسَالٌ ... فزوجُكِ خامِسٌ وحَمُوكِ سادِي)
وَفِي هَذِه ثَلَاث لُغَات جَاءَ سَادِساً وساتًّا فَمن قَالَ سادساً أخرجه على الأَصْل وَمن قَالَ ساتًّا فعلى اللَّفْظ وَمن قَالَ سادِياً فعلى الْإِبْدَال والتحويل الَّذِي قدّمنا وَأنْشد ابْن السّكيت:
(بُوَيْزِلُ أَعْوَامٍ أذاعتْ بخمسةٍ ... وَتَجْعَلُنِي إِن لم يَقِ اللهُ سادِيا)
стр. 2107
وَأنْشد أَيْضا:
(مَضَى ثَلَاثُ سِنِين] مُنْذُ حُلَّ بهَا ... وَعامُ حُلَّتْ وَهَذَا التَّابِعُ الخامي)
يُرِيد الْخَامِس قَالَ أَبُو عَليّ: فِي الْعُقُود كلهَا هُوَ المُوَفِّي كَذَا وَهِي المُوَفِّيةُ كَذَا كَقَوْلِك المُوَفِّي عشْرين والمُوَفِّيَة عشْرين
١ - هَذَا بَاب الْمُؤَنَّث الَّذِي يَقع عل الْمُؤَنَّث والمذكر وَأَصله التَّأْنِيث
اعْلَم أَن الْمُذكر قد يعبر عَنهُ بِاللَّفْظِ الْمُؤَنَّث فَيجْرِي حكمُ اللَّفْظ على التَّأْنِيث وَإِن كَانَ الْمعبر عَنهُ مذكراً فِي الْحَقِيقَة وَيكون ذَلِك بعلامةِ التأنيثِ وَبِغير علامةٍ فَأَما مَا كَانَ بعلامة التَّأْنِيث فقولُك هَذَا شَاة وَإِن أردْت تَيْساً وَهَذِه بقرة وَإِن أردْت ثوراً وَهَذِه حمامة وَهَذِه بَطَّةٌ وَإِن أردْت الذَّكَر وَأما مَا كَانَ بِغَيْر عَلامَة فقولك عِنْدِي ثلاثٌ من الْغنم وثلاثٌ من الْإِبِل وَقد جعلت الْعَرَب الْإِبِل وَالْغنم مؤنثين وَجعلت الْوَاحِد مِنْهُمَا مؤنث اللَّفْظ كأّنَّ فِيهَا هَاء وَإِن كَانَ مذكراً فِي الْمَعْنى كَمَا جعلت الْعين وَالْأُذن وَالرجل مؤنثات بِغَيْر عَلامَة فَإِن قَالَ قَائِل فَلم لَا يُقَال هَذِه طلحةُ لرجل يُسمى طَلْحَة لتأنيث اللَّفْظ كَمَا قَالُوا هَذِه بقرة للثور فَالْجَوَاب أَن طَلْحَة لقب وَلَيْسَ باسم مَوْضُوع لَهُ فِي الأَصْل وأسماءُ الْأَجْنَاس مَوْضُوعَة لَهَا لَازِمَة [ ... ] فَرَقَتِ الْعَرَب بَينهمَا وَقد ذكر سِيبَوَيْهٍ فِي الْبَاب أَشْيَاء مَحْمُولَة على الأَصْل الَّذِي ذكرته وَأَشْيَاء قريبَة مِنْهَا وَأَنا أسوق ذَلِك وأفسر مَا أحتاج مِنْهُ إِلَى تَفْسِيره قَالَ سيبوه: فَإِذا جئتَ بالأسماء الَّتِي تُبَيِّنُ بهَا العِدَّةُ أجريتَ الْبَاب على التَّأْنِيث فِي التَّثْلِيث إِلَى تسعَ عشرةَ وَذَلِكَ قَوْلك لَهُ ثلاثُ شياةٍ ذكورٌ وَله ثلاثةٌ من الشاءِ فأجريتَ ذَلِك على الأَصْل لِأَن الشَّاء أَصْلهَا التَّأْنِيث وَإِن وَقعت على الْمُذكر كَمَا أَنَّك تَقول هَذِه غَنم ذُكُور فالغنم مُؤَنّثَة وَقد تقع على الْمُذكر قَالَ أَبُو سعيد: يَعْنِي أَنَّهَا تقع على مَا فِيهَا من الْمُذكر من التيوس والكباش وَيُقَال هَذِه غَنَم وَإِن كَانَت كلُّها كِباشاً أَو تُيوساً وَكَذَلِكَ عِنْدِي ثَلَاث من الْغنم وَإِن كَانَت كباشاً أَو تيوساً لِأَنَّهُ جعل الْوَاحِد مِنْهَا كَأَن فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث كَمَا جعلت الْعين والرِجل كَأَن فيهمَا عَلامَة التَّأْنِيث وَقَالَ الْخَلِيل: قولُك هَذَا شاةُ بِمَنْزِلَة قَوْلك هَذَا رَحْمَة من رَبِّي قَالَ أَبُو سعيد: يُرِيد أَن تذكير هَذَا مَعَ تَأْنِيث شَاة كتذكير هَذَا مَعَ تَأْنِيث رَحْمَة والتأويل فِي ذَلِك كَأَنَّك قلت هَذَا الشَّيْء شاةٌ وَهَذَا الشَّيْء رحمةٌ من رَبِّي قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول لَهُ خمسٌ من الْإِبِل ذكورٌ وخمسٌ من الْغنم ذُكُور من قِبَلِ أَن الْإِبِل وَالْغنم اسمان مؤنثان كَمَا أَن مَا فِيهِ الْهَاء مؤنث الأَصْل وَإِن وَقع على الْمُذكر قَلما كَانَ الْإِبِل وَالْغنم كَذَلِك جَاءَ تثليثها على التَّأْنِيث لِأَنَّك إِنَّمَا أردْت التَّثْلِيث من اسْم مؤنث بِمَنْزِلَة قَدَم وَلم يكسر عَلَيْهِ مُذَكّر للْجمع فالتثليث مِنْهُ كتثليث مَا فِيهِ الْهَاء كَأَنَّك قلت هَذِه ثَلَاث غنم فَهَذَا يُوضح وَإِن كَانَ لَا يتَكَلَّم بِهِ كَمَا تَقول ثلاثُمائةٍ فتدع الْهَاء لِأَن الْمِائَة أُنْثَى قَالَ أَبُو سعيد: قَول سِيبَوَيْهٍ الْغنم وَالْإِبِل وَالشَّاء مؤنثات يُرِيد أَن كل وَاحِد مِنْهَا إِذا قرن بِمَنْزِلَة مؤنث فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث أَو مؤنث لَا عَلامَة فِيهِ كَقَوْلِك هَذِه ثلاثٌ من الْغنم وَلم تقل ثَلَاثَة وَإِن أردْت بهَا كباشاً أَو تيوساً وَكَذَلِكَ ثَلَاث من الْإِبِل وَإِن أردْت بهَا مذكراً أَو مؤنثاً وَقَوله بِمَنْزِلَة قَدَم لِأَن القَدَمَ أُنْثَى بِغَيْر عَلامَة وَكَذَلِكَ الثَّلَاث فقولك ثَلَاث من الْإِبِل وَالْغنم لَا يفرد لَهَا وَاحِد فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث وَقَوله: وَلم يكسر عَلَيْهِ مُذَكّر للْجمع يَعْنِي لم يقل ثَلَاثَة ذُكُور فَيكون ذُكُور جمعا مكسراً لذكر فَتذكر ثَلَاثَة من أجل ذَلِك وَقَوله كَأَنَّك قلت هَذِه ثَلَاث غنم يُرِيد كأنَّ غنما تكسير للْوَاحِد الْمُؤَنَّث
стр. 2108
كَمَا تَقول ثَلَاثمِائَة فَتتْرك الْهَاء من ثَلَاث لِأَن الْمِائَة مُؤَنّثَة وَمِائَة وَاحِد فِي معنى جمع لمؤنث قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول ثلاثٌ من البَطِّ لِأَنَّك تُصَيِّره إِلَى بَطَّةٍ قَالَ أَبُو سعيد: يُرِيد كَأَنَّك قلت لَهُ ثلاثُ بَطَّاتٍ من البَطِّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وتوقل لَهُ ثَلَاثَة ذكورٍ من الْإِبِل لِأَنَّك لم تجئ بِشَيْء من التَّأْنِيث وَإِنَّمَا ثَلَّثْتَ الذَّكَر ثمَّ جئتَ بالتفسير من الْإِبِل لَا تذْهب الهاءُ كَمَا أَن قَوْلك ذكورٌ بعد قَوْلك من الْإِبِل لَا تثبت الْهَاء قَالَ أَبُو سعيد: يُرِيد أَن الحكم فِي اللَّفْظ للسابق من لفظ الْمُؤَنَّث أَو الْمُذكر فَإِذا قلت ثَلَاث من الْإِبِل أَو الْغنم ذُكُور نزعتَ الْهَاء لِأَن قَوْلك من الْإِبِل أَو من الْغنم يُوجب التَّأْنِيث وَإِنَّمَا قلت ذُكُور بعد مَا يُوجب تَأْنِيث اللَّفْظ فَلم تغير وَكَذَلِكَ إِذا قلت ثَلَاثَة ذُكُور من الْإِبِل فقد لزم حكمُ التَّذْكِير بِقَوْلِك ثَلَاثَة ذُكُور فَإِذا قلت بعد ذَلِك من الْإِبِل لم يتَغَيَّر اللَّفْظ الأول قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول ثَلَاثَة أَشْخُصٍ وَإِن عَنَيْتَ نسَاء لِأَن الشَّخْص اسْم مُذَكّر قَالَ أَبُو سعيد: هَذَا ضد الأوّل لأنّ الأول تؤنثه للفظ وَهُوَ مُذَكّر فِي الْمَعْنى وَهَذَا تذكره للفظ وَهُوَ مؤنث فِي الْمَعْنى قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمثله قَوْلهم ثلاثُ أَعْيُنٍ وَإِن كَانُوا رجَالًا لِأَن الْعين مُؤَنّثَة قَالَ أَبُو سعيد: وَهَذَا يُشْبِه الأولَ وَإِنَّمَا أنثوا لأَنهم جعلُوا الرِّجَال كَأَنَّهُمْ أعينُ من ينظرُونَ لَهُم قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقَالُوا ثلاثةُ أَنْفُسٍ لِأَن النَّفس عِنْدهم إنسانٌ أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ نَفْسٌ واحدٌ وَلَا يدْخلُونَ الْهَاء قَالَ أَبُو سعيد: النَّفس مؤنث وَقد حمل على الْمَعْنى فِي قَوْلهم ثَلَاثَة أنفس إِذا أُرِيد بِهِ الرِّجَال قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ الْخَطِيئَة:
(ثلاثةُ أَنْفُسٍ وثَلَاثُ ذَوْدٍ ... لقد جَار الزَّمانُ عَلَى عِيَالِي)
يُرِيد ثَلَاثَة أَنَاسِيَّ قَالَ: وَتقول ثلاثةُ نَسَّاباتٍ وَهُوَ قَبِيح وَذَلِكَ أَن النسابة صفة فَكَأَنَّهُ لفظ بمذكره ثمَّ وَصَفَّهُ وَلم يَجْعَل الصفةَ تَقْوَى قُوَّةَ الِاسْم فَإِنَّمَا يَجِيء كَأَنَّك لَفَظْتَ بالمذكر ثمَّ وَصفته كَأَنَّك قلت ثلاثةُ رجالٍ نَسَّاباتٍ وَتقول ثلاثةُ دوابَّ إِذا أردتَ الْمُذكر لِأَن أصلَ الدَّابَّة عِنْدهم صفةٌ وَإِنَّمَا هِيَ من دَبَبْتَ فأجْرُوهَا على الأَصْل وَإِن كَانَ لَا يُتَكَلَّمُ بهَا إِلَّا كَمَا يتَكَلَّم بالأسماء كَمَا أَن أبطحَ صفة واسْتُعْمِلَ استعمالَ الْأَسْمَاء قَالَ أَبُو سعيد: الأَصْل أَن أَسمَاء الْعدَد تفسر بالأنواع فَيُقَال ثلاثةُ رجال وَأَرْبَعَة أثوابٍ فَلذَلِك لم يعْمل على تَأْنِيث مَا أضيف إِلَيْهِ إِذْ كَانَ صفة وقُدِّرَ قبله الْمَوْصُوف وَجعل حكم تذكير الْعدَد على ذَلِك الْمَوْصُوف فَيكون التَّقْدِير: ثَلَاثَة رجال نسَّابات وَثَلَاثَة ذُكُور دوابَّ وَإِن كَانُوا قد حذفوا الْمَوْصُوف فِي دَابَّة لكثرته فِي كَلَامهم كَمَا أَن أبطح صفة فِي الأَصْل لأَنهم يَقُولُونَ أبطحُ وبَطْحَاء كَمَا يُقَال أَحْمَر وحمراء وهم يَقُولُونَ كُنَّا فِي الأبطح ونزلنا فِي الْبَطْحَاء فَلَا يذكرُونَ الموصوفَ كَأَنَّهُمَا اسمان قَالَ سيبيوه: وَتقول ثلاثُ أَفْرَاس إِذا أردْت الْمُذكر لِأَن الْفرس قد ألزموه التَّأْنِيث وَصَارَ فِي كَلَامهم للمؤنث أَكثر مِنْهُ للمذكر حَتَّى صَار بِمَنْزِلَة القَدَم كَمَا أَن النَّفس فِي الْمُذكر أَكثر قَالَ أَبُو سعيد: أنث ثَلَاث أَفْرَاس فِي هَذَا الْموضع لِأَن لفظ الْفرس مؤنث وَإِن وَقع على مُذَكّر وَقد ذكره فِي الْبَاب الأول حَيْثُ قَالَ خمسةُ أَفْرَاس إِذا كَانَ الْوَاحِد مذكراً وَهَذَا الْمَعْنى قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول سَار خمسَ عَشْرةَ من بينِ يَوْمٍ وَلَيْلَة لِأَنَّك أَلْقَيْتَ الاسمَ على اللَّيَالِي ثمَّ بيّنت فَقلت من بَين يَوْم وَلَيْلَة أَلا تَرَى أَنَّك تَقول لخمسِ بَقِينَ أَو خَلَوْنَ وَيعلم المخاطبُ أَن الأيامَ قد دخلتْ فِي اللَّيَالِي فَإِذا ألْقى الِاسْم على اللَّيَالِي اكْتفى بذلك عَن ذكر الْأَيَّام كَمَا أَنه يَقُول أَتَيْته ضحوة وبكرة فَيعلم الْمُخَاطب أَنَّهَا ضحوة يَوْمه وبكرة يَوْمه وأشباهُ هَذَا فِي الْكَلَام كثيرٌ فَإِنَّمَا قولُه من بَين يَوْم وَلَيْلَة توكيدٌ بَعْدَمَا وَقع على اللَّيَالِي لِأَنَّهُ قد علم أَن الْأَيَّام دَاخِلَة مَعَ اللَّيَالِي وَقَالَ الشَّاعِر وَهُوَ الْجَعْدِي:
(فَطافَتْ ثَلَاثًا بَين يَوْمٍ ولَيْلَةٍ ... وَكَانَ النكيرُ أَن تُضِيفَ وتَجْأَرا)
قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن الْأَيَّام والليالي إِذا اجْتمعت غُلِبَ التأنيثُ على التَّذْكِير وَهُوَ على خلاف الْمَعْرُوف
стр. 2109
من غَلَبَة التَّذْكِير على التَّأْنِيث فِي عَامَّة الْأَشْيَاء وَالسَّبَب فِي ذَلِك أَن ابْتِدَاء الْأَيَّام والليالي لِأَن دُخُول الشَّهْر الْجَدِيد من شهور الْعَرَب بِرُؤْيَة الْهلَال والهلالُ يُرَى فِي أول اللَّيْل فَتَصِير اللَّيْلَة مَعَ الْيَوْم الَّذِي بعْدهَا يَوْمًا فِي حِسَاب أَيَّام الشَّهْر وَاللَّيْلَة هِيَ السابقةُ فَجرى الحكم لَهَا فِي اللَّفْظ فَإِذا أبهمتَ وَلم تذكر الْأَيَّام وَلَا اللَّيَالِي جرى اللَّفْظ على التَّأْنِيث فَقلت أقامَ زيدٌ عندنَا ثَلَاثًا تُرِيدُ ثَلَاثَة أَيَّام وثلاثَ لَيَال قَالَ الله : ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْراً﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٤] يُرِيد عشرةَ أَيَّام مَعَ اللَّيَالِي فأًجْرِيَ اللفظُ على اللَّيَالِي وأنث وَلذَلِك جرت الْعَادة فِي التواريخ بالليالي فَيُقَال: لخمسٍ خَلَوْنَ ولخمسٍ تَقَيْنَ يُرِيد لخمسِ ليالٍ وَكَذَلِكَ لاثْنَتَيْ عشرةَ لَيْلَة خَلَتْ فَلذَلِك قَالَ سارَ خمسَ عَشْرَةً فجَاء بهَا على تَأْنِيث اللَّيَالِي ثمَّ وَكَّد بقوله من بَيْنِ يَوم وَلَيْلَة ومثلُه قولَ النَّابِغَة:
(فَطَافَتْ ثَلَاثًا بَيْنَ يومٍ وليلةٍ ... )
وَمعنى الْبَيْت أَنه يَصِفُ بقرة وحَشِيَّةً فَقَدَتْ ولدَها فطافت ثَلَاث لَيَال وأيامَها تَطْلُبُهُ وَلم تَقْدِرْ أَن تُنْكِر من الْحَال الَّتِي دُفِعَتْ إِلَيْهَا أَكثر من أَن تَضِيفَ وَمَعْنَاهُ تَشْفِقُ وتَحْذَرُ وتَجْأَرُ - مَعْنَاهُ تَصْيحُ فِي طلبَهَا لَهُ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول أعطَاهُ خمسةَ عشَرَ من بَين عبد وَجَارِيَة لَا يكون فِي هَذَا إِلَّا هَذَا لِأَن المتكلمَ لَا يجوز أَن يَقُول لَهُ خَمسَةَ عَشَرَ عَبْداً فَيعلم أَن من الْجَوَارِي بعدَّتهم وَلَا خمس عشرَة جَارِيَة فَيعلم أَن ثُمَّ من العبيد بعدتهنَّ فَلَا يكون هَذَا إِلَّا مختلطاً يَقع عَلَيْهِم الِاسْم الَّذِي بُيِّنَ بِهِ العددُ قَالَ أَبُو سعيد: بَيَّنَ الفرقَ بَين هَذَا وَبَين خمس عشرَة لَيْلَة لِأَن خمس عشرَة لَيْلَة يعلم أَن مَعهَا أَيَّامًا بعدَّتها وَإِذا فَإِذا قلت خمس عشرَة بَين يَوْم عشرَ عَبيدٌ وبعضُها جوَار فاختلط الْمُذكر والمؤنث وَلَيْسَ ذَلِك فِي الْأَيَّام فَوَجَبَ التَّذْكِير قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَقد يجوز فِي الْقيَاس خَمْسَة عشر من بَين يَوْم وَلَيْلَة وَلَيْسَ بِحَدّ كَلَام الْعَرَب قَالَ أَبُو سعيد: إِنَّمَا جَازَ ذَلِك لأَنا قد نقُول ثَلَاثَة أَيَّام وَنحن نريدها مَعَ لياليها كَمَا تَقول ثَلَاث لَيَال وَنحن نريدها مَعَ أَيَّامهَا قَالَ الله تَعَالَى لزكريا ﵇: ﴿آيَتُكَ أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثلاثةَ أيَّامٍ إِلَاّ رَمْزاً﴾ [آل عمرَان: ٤١] وَقَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿آيَتُكَ أَنْ لَا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مَرْيَم: ١٠] وَهِي قصَّة وَاحِدَة قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول ثلاثُ ذَوْدٍ لِأَن الذَّوْد أُنْثَى وَلَيْسَ باسم كُسِّرَ عَلَيْهِ مُذَكَّرٌ قَالَ أَبُو سعيد: ثَلَاث ذَوْدٍ يجوز أَن تُرِيدُ بِهن ذُكُورا وتؤنث اللَّفْظ كَقَوْلِك ثَلَاث من الْإِبِل فالذَّوْدُ بِمَنْزِلَة الْإِبِل وَالْغنم قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما ثَلَاثَة أَشْيَاء فقالوها لأَنهم جعلُوا أَشْيَاء بِمَنْزِلَة أَفعَال لَو كَسَّرُوا عَلَيْهَا فَعْلاً وَصَارَ بَدَلا من أَفعَال قَالَ أَبُو سعيد: يُرِيد أَن أَشْيَاء وَإِن كَانَ مؤنثاً لَا يُشْبِه الذَّوْدَ وَكَانَ حق هَذَا على مَوْضُوع سِيبَوَيْهٍ الظَّاهِر أَن يُقَال ثَلَاث أَشْيَاء لِأَن أَشْيَاء اسْم مؤنث وَاحِد مَوْضُوع للْجمع على قَوْله وَقَول الْخَلِيل لِأَن وَزنه عِنْده فَعْلَاء وَلَيْسَ بمكسر كَمَا أَن غنما وإبلاً وذَوْداً أَسمَاء مُؤَنّثَة وَلَيْسَت بجموع مكسرة فَجَعَلَ واحدَ كُلِّ اسمٍ من هَذِه الأسماءِ كَأَنَّهُ مؤنث فَقَالُوا جَعَلُوا أَشْيَاء هِيَ الَّتِي لَا تَنْصَرِف ووزنُهَا فَعْلَاء نائبةٌ عَن جمع شَيْء لَو كسر على الْقيَاس وَشَيْء إِذا كسر على الْقيَاس فحقه أَن يُقَال أَشْيَاء كَمَا يُقَال بَيْتٌ وأَبْيَاتٌ وشَيْخٌ وأَشْيَاخٌ فَقَالُوا ثَلَاثَة أَشْيَاء كَمَا يُقَال ثَلَاثَة أَشْيَاء لَو كسروا شَيْئا على الْقيَاس قَالَ سِيبَوَيْهٍ: ومثلُ ذَلِك ثلاثةُ رَجْلَة فِي جمع رَجُل لِأَن رَجْلَة صَار بَدَلا من أَرْجَال قد أَبُو سعيد: أَرَادَ أ، هم قَالُوا ثَلَاثَة رَجْلَة ورَجْلَة مؤنث وَلَيْسَ بِجمع مكسر لِأَن فَعْلَةٌ لَيْسَ فِي الجموع المكسرة لأَنهم جعلُوا رَجْلَة نَائِبا أعْجَازٍ وأَعْضَادٍ وَلَيْسَت الإبلُ وَالْغنم والذَّوْدُ من ذَلِك لِأَنَّهُ لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم يُونُس عَن رؤبة أَنه قَالَ: ثَلَاث أنْفُسٍ على تَأْنِيث النَّفْسِ كَمَا يُقَال ثَلَاث أَعْيُنٍ للعَيْنِ من النَّاس وكما يُقَال ثلاثةُ
стр. 2110
أَشْخُص فِي النِّسَاء قَالَ الشَّاعِر:
(وإِنَّ كِلَاباً هَذِهِ عَشْرُ أَبْطُنٍ ... وأَنْتَ بَرِيءٌ من قَبَائِلِهَا العَشْرِ)
يُرِيد عشرَ قبائلَ لِأَنَّهُ يُقَال للقبيلة بَطْنٌ من بُطُون الْعَرَب وَقَالَ الْكلابِي:
(قَبَائِلُنَا سَبْعٌ وَأَنْتُم ثلاثةٌ ... وللَسَّبْع خَيْرٌ من ثلاثٍ وأكْثَرُ)
فَقَالَ وَأَنْتُم ثَلَاثَة فذكَّر على تأَويل أَبْطُن أَو ثَلَاثَة أحْياء ثمَّ رَدَّهَا إِلَى معنى الْقَبَائِل فَقَالَ وللسبع خير من ثَلَاث على معنى ثلاثِ قبائلَ وَقَالَ عمر بن أبي ربيعَة:
(فكانَ نَصِيري دُونَ من كُنْتُ أَتَّقِي ... ثلاثُ شُخُوصٍ كاعِبَانِ ومُعْصِر)
فأنث الشخوص لِأَن الْمَعْنى ثلاثُ نِسْوَة وَمِمَّا يُقَوي الْحمل على الْمَعْنى وَإِن لم يكن من العدَدِ مَا حَكَاهُ أَبُو حَاتِم عَن أبي زيد أَنه سَمِعَ من الْأَعْرَاب من يَقُول إِذا قيل أَيْن فلانةُ وَهِي قريبَة هاهُوَذِه قَالَ فأنكرتُ ذَلِك عَلَيْهِ فَقَالَ قد سمعتُه من أَكثر من مائَة من الْأَعْرَاب وَقَالَ قد سمعتُ من يفتح الذَّال فَيَقُول هاهوذا فَهَذَا يكون مَحْمُولا مرّة على الشَّخْص وَمرَّة على الْمَرْأَة وَإِنَّمَا الْمَعْرُوف هاهي ذِه والمذكر هاهوذا وَزعم أَبُو حَاتِم أَن أهل مَكَّة يَقُولُونَ هوذا وأهلُ مَكَّة أفصحُ من أهل العراقٍ وأهلُ الْمَدِينَة أفْصح من أهل مَكَّة فَهَذَا شَيْء عَرَضَ ثمَّ نعود إِلَى بَاب الْعدَد وَكَانَ الْفراء لَا يُجِيز أَن يُنْسَقَ على الْمُؤَنَّث بالمذكر وَلَا على الْمُذكر بالمؤنث وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت: عِنْدِي سِتَّة رجال وَنسَاء فقد عَقَدْتُ أَن عِنْدِي سِتَّة رجال فَلَيْسَ لي أَن أجعَل بَعضهم مذكراً وبعضَهم مؤنثاً وَقد عقدتُ أَنهم مذكرون وَإِذا قلتَ عِنْدِي ثلاثُ بناتِ عُرْسٍ وأربعُ بناتِ آوى كَانَ الاختيارُ أَن تُدْخل الهاءَ فِي الْعدَد فَتَقول عِنْدِي ثَلَاثَة بَنَات عُرْسٍ وَأَرْبَعَة بَنَات آوى الِاخْتِيَار أَن تدخل الْهَاء فِي الْعدَد لِأَن الواحدَ ابنُ عُرْسٍ وابنُ آوى وَقَالَ الْفراء: كَانَ بعضُ مَنْ مَضَى من أهل النَّحْو يَقُول ثلاثُ بناتِ عُرْسٍ وَثَلَاث بناتِ أَوَى وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا يجمع بِالتَّاءِ من الذُّكْرانِ وَيَقُولُونَ لَا يجْتَمع ثَلَاثَة وَبَنَات وَلَكنَّا نقُول ثلاثُ بناتِ عُرْس ذُكُورٌ وثلاثُ بناتِ آوى وَمَا أشبه ذَلِك وَلم يصنعوا شَيْئا لِأَن الْعَرَب تَقول لي حماماتٌ ثلاثةٌ والطلحاتُ الثلاثةُ عندنَا يُرِيد رجَالًا أَسمَاؤُهُم الطَّلحات
١ - بَاب النّسَب إِلَى الْعدَد
قَالَ الْفراء: إِذا نسبت إِلَى ثَلَاثَة أَو أَرْبَعَة فَإِن كَانَ يُرَاد من بَنِي ثَلَاثَة أَو أُعْطِيَ ثَلَاثَة قلت ثَلَايِيٌ وَإِن كَانَ ثوبا أَو شَيْئا طولُه ثلاثُ أذْرُع قلت ثُلَاثِيٌ إِلَى العَشْرِ المذكرُ فِيهِ كالمؤنث والمؤنثُ كالمذكر أَرَادوا بذلك أَن يفرقُوا بَين الشَّيْئَيْنِ أَعنِي النسبتين لاختلافهما كَمَا نسبوا إِلَى الرجل الْقَدِيم دَهْرِيٌ وَإِن كَانَ من بني دَهْرٍ من بني عَامر قلت دُهْرِيٌ لَا غير فَإِذا نسبتَ إِلَى عِشْرِين فأنتَ تقولُ هَذَا عِشْرِيٌّ وثَلَاثِيٌّ إِلَى آخر الْعدَد وَذَلِكَ أَنهم أَرَادوا أَن يفرقُوا بَين الْمَنْسُوب إِلَى ثَلَاثِينَ وثلاثةٍ فَجعلُوا الْوَاو يَاء كَمَا جعلت فِي السَّيْلَحِين وَأَخَوَاتهَا إِذا احتاجوا إِلَى ذَلِك قَالَ أَبُو عَليّ: فعلوا ذَلِك لِئَلَّا يجمعوا بَين إعرابين: وَقَالَ الْفراء: إِذا نسبت إِلَى خمسةَ عَشَرَ وَإِلَى خمسةٍ وَعشْرين فالقياسُ أَن تَنْسُبَ إِلَيْهِ خَمْسِيٌ أَو سِتِّيٌ وَإِنَّمَا نسبت إِلَى الأول وَلم تنْسب إِلَى الآخر لِأَن الآخر ثَابت وَالْأول يخْتَلف فَكَانَ أدلَّ على الْمَعْنى وَكَانَ مُخَالفا للَّذي نُسِبَ إِلَى خمس فِي خَمْسَة لِأَن ذَلِك يُنْسَب إِلَيْهِ خُمَاسِيٌّ وَذَلِكَ بِمَنْزِلَة نسبتك إِلَى ذِي العِمَامَة عِمَامِيٌّ وَلَا تَقول ذَوَوِيٌّ لِأَن ذُو ثَابت يُضَاف إِلَى كلّ شَيْء مختلفٍ وغيرِ مختلفٍ وَإِذا نسبتَ ثوباُ إِلَى أَن طوله وَعرضه اثْنَا عشر ذِرَاعا قلتَ هَذَا ثوب ثَنَوِيٌ وَهَذَا ثوبٌ اثْنِيٌ وَقَالَ أَبُو عبيد: قَالَ
стр. 2111
الْأَحْمَر إِن كَانَ الثَّوْب طُولُهُ أَحَدَ عَشَرَ ذِرَاعا لم أَنْسُبَ إِلَيْهِ كَقَوْل من يَقُول أَحَدَ عَشَرِيٌ بِالْيَاءِ وَلَكِن يُقَال طوله أحَدَ عَشَرَ ذارعاً وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ طوله عشْرين فَصَاعِدا مثله وَقد غلط أَبُو عبيد هَاهُنَا حِين ذَكَّرَ الذِّرَاع فَقَالَ أحد عشر ذِرَاعا وَلَا يُذَكِّرُهَا أحد وَقَالَ السِّجِسْتاني: لَا يُقَال حَبْلٌ أَحَدَ عَشَرِيٌ وَلَا مَا جَاوز ذَلِك وَلَا مَا ينْسب إِلَى اسْمَيْنِ جعلا بِمَنْزِلَة اسْم وَاحِد وَإِذا نسبت إِلَى أَحدهمَا لم يُعْلَم أَنَّك تُرد الآخرَ وَإِن اضْطُررت إِلَى ذَلِك نسبته إِلَى أَحدهمَا ثمَّ نسبته إِلَى الآخر كَمَا قَالَ الشَّاعِر لما أَرَادَ النَّسَبَ إِلَى رَامَ هُرْمُزَ:
(تَزَوَّجْتُهَا رامِيَّةٌ هُرْمُزِثَّةٌ ... بِفَضْلِ الَّذِي أَعْطَى الأميرُ من الرِّزْقِ)
وَإِذا نسبتَ ثوبا إِلَى أَن طوله أحد عَشَرَ قلتَ أَحْدِيٌ عَشَرِيٌ وَإِن كَانَ طوله إحْدَى عَشْرَة قلت إحَدَوِيٌ عَشْرِيٌ وَإِن كنت مِمَّن يَقُول عَشِرَة قلت إحْدَوِيٌ عَشْرِيٌ فتفح الْعين والشين كَمَا تَقول فِي النِّسْبَة إِلَى النَّمِر نَمَرِيُّ وَقَالَ: لَا يَقْبَحُ هَذَا التكرير مخافةَ أَن لَا يُفْهَمَ إِذْ أُفْرِدَ أَلا تراهم يَقُولُونَ اللهُ رَبِّي ورَبُّ زيد فيكررون لخفاء المكنى المخفوض إِذا وَقع موقع التَّنْوِين
١ - بَاب ذكر المعدول عَن جِهَته من عدد الْمُذكر والمؤنث
اعْلَم أَن المعدول عَن جِهَته من الْعدَد يَمْنَعُ الإجراءَ وَيكون للمذكر والمؤنث بِلَفْظ وَاحِد تَقول ادخُلُوا أُحَادَ وَأَنت تَعْنِي وَاحِدًا وَاحِدًا أَو وَاحِدَة وَاحِدَة وأدخلوا ثُنَاءَ ثُنَاء وَأَنت تَعْنِي اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَو اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَكَذَلِكَ أدخلُوا ثُلاثَ ثُلاثَ ورُباع رُباع قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلت الْخَلِيل عَن أُحاد وثُنَاء ومَثْنَى وثَلاثَ ورُبَاع فَقَالَ: هُوَ بِمَنْزِلَة أُخر إِنَّمَا حدُّه وَاحِدًا وَاحِدًا فجَاء محدوداً عَن وَجهه فتُرك صَرْفُه قلت أفتَصْرِفه فِي النكرَة قَالَ: لَا لِأَنَّهُ نكرَة تُوصَف بِهِ نكرَة قَالَ أَبُو سعيد: اعْلَم أَن أُحادَ وثُناء قد عُدِل لَفظه وَمَعْنَاهُ وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلت مَرَرْت بِوَاحِد أَو اثْنَيْنِ أَو ثلاثةٍ فَإِنَّمَا تُرِيدُ تِلْكَ العِدَّة بِعَينهَا لَا أقَلَّ مِنْهَا وَلَا أَكثر فَإِذا قلت جَاءَنِي قوم أُحَادَ أَو ثُنَاءَ أَو ثُلاثَ أَو رُباعَ فَإِنَّمَا تُرِيدُ أَنهم جاؤني وَاحِدًا واحِداً أَو اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَو ثلاثةٌ ثلاثةٌ أَو أربعةٌ أربعةٌ وَإِن كَانُوا ألوفاً وَالْمَانِع من الصّرْف فِيهِ أربعةُ أَقَاوِيلَ: مِنْهُم من قَالَ إِنَّه صفةٌ ومَعْدُولٌ فاجتمعت علتنان مَنَعَتَاهُ الصَّرْفَ وَمِنْهُم من قَالَ إِنَّه عُدلَ فِي اللَّفْظ وَفِي الْمَعْنى فَصَارَ كأّنَّ فِيهِ عَدْلَيْنِ وهم علتانِ فإمَّا عَدْل اللَّفْظ فَمن واحدٍ إِلَى أُحَادَ وَمن اثْنَيْنِ إِلَى ثُنَاءَ وَأما عدل الْمَعْنى فَتغير العِدَّةِ المحصورة بِلَفْظ الِاثْنَيْنِ والثلاثةِ إِلَى اكثر من ذَلِك مِمَّا لَا يُحْصى وَقَول ثَالِث إِنَّه عُدِل وأنَّ عَدْلَه وَقع من غير جِهَة الْفِعْل لِأَن بَاب العَدْل حَقُّه أَن يكونَ للمعارف وَهَذَا للنكرات وَقَول رَابِع أَنه مَعْدُول وَإنَّهُ جمع لِأَنَّهُ بِالْعَدْلِ قد صَار أَكثر من العِدَّةِ الأُولَى وَفِي ذَلِك كُلِّهِ لُغَتَانِ فُعَالُ ومَفْعَلُ كَقَوْلِك أُحَادُ ومَوْحَدُ وثُنَاء ومَثْنَى وثُلَاثُ ومَثْلَثُ ورُبَاع ومَرْبَعُ وَقد ذكر الزّجاج أَن الْقيَاس لَا يمْنَع أَن يبْنى مِنْهُ إِلَى الْعشْرَة على هذَيْن البناءين فَيُقَال خُمَاسُ ومَخْمَس وسُداسُ ومَسْدَس وسُباعُ ومَسْبَع وثُمان ومَثْمَنُ وتُساع ومَتْسَع وعُشَار ومَعْشَرُ وَقد صرح بِهِ كثير من اللغويين مِنْهُم ابْن السّكيت وَالْفراء وَبَعض النَّحْوِيين يَقُولُونَ إِنَّه معرفَة فاستدل أَصْحَابنَا على تنكيره بقوله تَعَالَى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وثُلَاثَ ورُبَاع﴾ [فاطر: ١] فوصف أجْنِحَةً وَهِي نكرَة بِمَثْنَى وثُلاث ورُباع قَالَ أَبُو عَليّ الْفَارِسِي: قَالَ أَبُو إِسْحَاق فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وثُلَاثَ ورُبَاعَ﴾ [النِّسَاء: ٣] مثنى وثُلاث ورُباع بَدَلٌ من مَا طَابَ لكم وَمَعْنَاهُ اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وأربعاً أَرْبعا إِلَّا أَنه لم ينْصَرف لجهتين لَا أعلم أَحَداً من النَّحْوِيين ذكرهمَا وَهِي أَنه اجْتمع فِيهِ عِلَّتَانِ أَنه معدول عَن اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وثلاثٍ ثلاثٍ وَأَنه عُدِلَ عَن تَأْنِيث قَالَ وَقَالَ أَصْحَابنَا إِنَّه اجْتمع فِيهِ عِلَّتَانِ أَنه عُدِلَ عَن تَأْنِيث وَأَنه نَكِرَةٌ والنكرة أصلُ الْأَشْيَاء فَهَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن
стр. 2112
يخففه لِأَن النكرَة تخفف وَلَا تُعَدّ فرعا وَقَالَ غَيرهم هُوَ معرفَة وَهَذَا محَال لِأَنَّهُ صفة للنكرة قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وثُلَاثَ ورُبَاع﴾ [فاطر: ١) فَمَعْنَاه اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ قَالَ الشَّاعِر:
(وَلَكِنَّمَا أَهْلِي بوادٍ أنِيسُهُ ... سِبَاعٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنَى ومَوْحَدُ)
وَقَالَ فِي سُورَة الْمَلَائِكَة فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وثُلَاثَ ورُبَاع﴾ [فاطر: ١] فتح ثُلاث ورُباع لِأَنَّهُ لَا ينْصَرف لعلتين إِحْدَاهمَا أَن معدول عَن ثلاثةٍ ثلاثةٍ وأربعةٍ أَرْبَعَة واثنين اثْنَيْنِ وَالثَّانيَِة أنَّ عَدْلَة وَقع فِي حَال النكرَة فَأنْكر هَذَا القولَ فِي النِّسَاء على من قَالَه فَقَالَ العَدْل عَن النكرَة لَا يُوجد أَن يُمْنَع من الصّرْف لَهُ قَالَ أَبُو عَليّ رادًّا عَلَيْهِ: اعْلَم أَن العَدْلَ ضَرْبٌ من الِاشْتِقَاق ونوعٌ مِنْهُ فَكل مَعْدُولٍ مشتقٌ وَلَيْسَ كلُّ مشتقٍ معدوً وَإِنَّمَا صَار ثِقَلاً وَثَانِيا أَنَّك تلفظ بِالْكَلِمَةِ وتريد بهَا كلمة على لفظ آخر فَمن هَاهُنَا صَار ثقلاً وَثَانِيا أَلا ترى أَنَّك تُرِيدُ بِعُمَر وزُفَر فِي الْمعرفَة عَامِرًا وزافراً معرفتين فَأَنت تلفظ بِكَلِمَة وتريد أُخْرَى وَلَيْسَ كَذَلِك سائرُ المشتقات لِأَنَّك تريدُ بِسَائِر مَا تشتقه نفسَ الْفظ المشتقِّ المسموع ولستَ تُحِيلُ بِهِ على لفظ آخر يدل على ذَلِك أَن ضَارِبًا ومَضْرُوباً ومُسْتَضرباً ومُضْطَرِباً وَنَحْو ذَلِك لَا تُرِيدُ بِلَفْظ شَيْء مِنْهُ لفظَ غَيره كَمَا تُرِيدُ بِعُمَر عامِراً وبَزُفَر زَافِراً وبَمَثْنى اثْنَيْنِ فَصَارَ المعدول لِما ذكرنَا من مُخَالفَته لسَائِر المشتقات ثِقَلاً إِذْ لَيْسَ فِي هَذَا الْجِنْس شَيْء على حَده فَلَمَّا كَانَ الْعدْل فِي كَلَامهم مَا وصفناه لم يجز أَن يكون العدلُ فِي الْمَعْنى على حدّ كَونه فِي اللفظِ لِأَنَّهُ لَو كَانَ فِي الْمَعْنى على حدّ كَونه فِي اللَّفْظ لوَجَبَ أَن يكون الْمَعْنى فِي حَال العَدْلِ غيرَ الْمَعْنى الَّذِي كَانَ قبل الْعدْل كَمَا أَن لفظَ الْعدْل غيرُ اللَّفْظ الَّذِي كَانَ قبل الْعدْل وَلَيْسَ الأمرُ كَذَلِك أَلا ترى أنَّ الْمَعْنى فِي عُمر هُوَ الْمَعْنى الَّذِي كَانَ فِي عَامر وَالْمعْنَى الَّذِي فِي مَثْنَى هُوَ الْمَعْنى الَّذِي كَانَ فِي اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ على أَن العَدْلَ فِي الْمَعْنى لَو كَانَ ثِقَلاً عِنْدهم وَثَانِيا فِي هَذَا الضَّرْبِ من الِاشْتِقَاق لوَجَبَ أَن يكون ثَانِيًا فِي سَائِر الِاشْتِقَاق الَّذِي لَيْسَ بِعدْل كَمَا أنَّ التَّعْرِيف لما كَانَ ثَانِيًا كَانَ مَعَ جَمِيع الْأَسْبَاب الْمَانِعَة من الصَّرف ثَانِيًا فَلَو كَانَ العدلُ فِي الْمَعْنى ثِقَلاً لَكَانَ فِي سَائِر الِاشْتِقَاق كَذَلِك كَمَا أَن التعريفَ لما كَانَ ثِقَلاً كَانَ مَعَ سَائِر الْأَسْبَاب الْمَانِعَة للصرف كَذَلِك وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ يجب من هَذَا مَتى انْضَمَّ إِلَى بعض المشتقات من أَسمَاء الفاعِلين أَو المَفْعُولِين أَو المكانِ أَو الزَّمانِ أَو غيرِ ذَلِك التعريفُ أَن لَا يَنْصَرَفَ لحُصُول الْمَعْنيين فِيهِ وهما عَدْل الْمَعْنى والتعريفُ كَمَا لَا ينْصَرف إِذا انْضَمَّ إِلَى عدل اللَّفْظ التعريفُ وَلَيْسَ الأمرُ كَذَلِك فَإِذا كَانَ الحكم بِالْعَدْلِ فِي الْمَعْنى يُؤَدِّي إِلَى هَذَا الَّذِي هُوَ خطأ بِلَا إِشْكَال عَلِمْتَ أَنه فَاسد وَأَيْضًا فإنَّ العَدْلَ فِي الْمَعْنى فِي هَذِه الْأَشْيَاء لَا يَصِحُّ كَمَا صحَّ الْعدْل فِي اللَّفْظ لأنَّ المعانِيَ الَّتِي كَانَت أسماءُ المعدولِ عَنْهَا تَدُلُّ عَلَيْهَا مرادةٌ مَعَ الْأَلْفَاظ المعدولة كَمَا كَانَت المرادةَ فِي الْأَلْفَاظ المعدول عَنْهَا هِيَ فَكيف يجوز أَن يُقَال إِنَّه معدولٌ عَنْهَا كَمَا يُقَال فِي الْأَلْفَاظ وَهِي مُرَادَةٌ مَقْصُودَة أَلا ترى أَنَّك تُرِيدُ من قَوْلك عُمَر الْمَعْنى الَّذِي كَانَ يدل عَلَيْهِ عَامر
стр. 2113
فَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يكن قولُ من قَالَ إِن مَثْنَى ونَحْوَهُ أَنه لم ينْصَرف لِأَنَّهُ عَدِلَ فِي اللَّفْظ وَالْمعْنَى بِمُسْتَقِيم وَإِذا كَانَ الْعدْل مَا ذَكرْنَاهُ من أَنه لَفْظٌ يُرَاد بِهِ لَفْظٌ آخَرُ لم يمتنِع أَن يكونَ العدلُ وَاقعا على النكرَة كَمَا يَقع على الْمعرفَة وَلم يجز أَن يتَكَرَّر الْعدْل فِي اسْم وَاحِد وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَقَوْل أبي إِسْحَاق فِي مَثْنَى وثُلاثَ ورُبَاعَ لم ينْصَرف بجهتين لَا أعلم أحدا من النَّحْوِيين ذكرهمَا وهما أَنه اجْتمع فِيهِ عِلَّتَانِ معدول عَن اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَأَنه عدل عَن تَأْنِيث خطأ وَذَلِكَ أَنه لَا يَخْلُو أَن يكون لَهَا عدل عَن اثْنَتَيْنِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا وَعدل عَن التَّأْنِيث تكَرر فِيهِ الْعدْل كَمَا تكَرر الْجمع فِي أكالب ومساجد أَو يكون لما عدل عَن التَّأْنِيث كَانَ ذَلِك ثقلاً آخر من حَيْثُ كَانَ المعدول عَنهُ مؤنثاً وَلم يكن الأول الْمُذكر فَلَا يجوز أَن يكون الْعدْل متكرراً فِي هَذَا كَمَا تكَرر الْجمع فِي أكالب ومساجدَ والتأنيثُ فِي بُشْرَى وَنَحْوه لما قدمْنَاهُ من أَن الْعدْل إِنَّمَا هُوَ أَن يُرِيد بِاللَّفْظِ لفظا آخر وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يجز ن يتَكَرَّر هَذَا الْمَعْنى لَا فِي المعدول عَنهُ وَلَا فِي المعدول أَلا ترى أَنه لَا يَسْتَقِيم أَن يكون معدولاً عَن اسْمَيْنِ كَمَا لَا يجوز أَن يكون المعدول اسْمَيْنِ وَلَا يُوهِمَنَّكَ قَول النَّحْوِيين أَنه عدل عَن اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ أَنهم يُرِيدُونَ بمثنى العَدْلَ عَنْهُمَا إِنَّمَا ذَلِك تَمْثِيل مِنْهُم للفظه المعدول عَنْهَا كَمَا يفسرون قَوْلهم هُوَ خير رجل فِي النَّاس وَهُوَ خير اثْنَيْنِ فِي النَّاس أَن الْمَعْنى هما خير اثْنَيْنِ إِذا كَانَ النَّاس اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَخير النَّاس إِذا كَانُوا رجلا رجلا وَكَذَلِكَ يُرِيدُونَ بقَوْلهمْ مثنى معدول عَن اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ يُرِيدُونَ بِهِ اثْنَيْنِ الَّذِي يُرَاد بِهِ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ لَا عَن اللفظتين جَمِيعًا فَأَما المعدول فَإِنَّهُ لَا يكون إِلَّا اسْما وَاحِدًا مُفردا كَمَا كَانَ المعدول عَنهُ كَذَلِك أَلا ترى أَن جميعَ المعجدولات أسماءٌ مفردةٌ كَمَا أَن المعدول عَنْهَا كَذَلِك وَالْمعْنَى فِي المعدول الَّذِي هُوَ مَثْنَى وثُلَاثَ هُوَ الْمَعْنى الَّذِي فِي اثْنَيْنِ وثَلَاثٍ فِي أَنَّك تُرِيدُ بعد الْعدْل اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ كَمَا أردْت قبله فَلَا يَسْتَقِيم إِذا أَن يكون تكَرر اثْنَيْنِ هُنَا كتكرر الْجمع فِي أكالب وَنَحْوه لظُهُور هَذَا الْمَعْنى فِي هَذَا الضَّرْب من الْجمع وَخُرُوجه بِهِ عَن أبنية الْآحَاد الأوّلِ إِلَى مَا لَا يُكَسَّرُ للْجمع وَلَا يجوز أَيْضا أَن يكون مَثْنَى لَمَّا عُدِلَ عَن التَّأْنِيث كَانَ ثِقَلاً آخر لما لم يكن المعدولُ عَنهُ هُوَ الأوّل الْمُذكر فَصَارَ ذَلِك ثقلاً انْضَمَّ إِلَى الْمَعْنى الأوّل فَلم ينْصَرف وعَلى هَذَا الْوَجْه قصد أَبُو إِسْحَاق فِيمَا علمناه من فَحْوَى كَلَامه لِأَن الْعدْل إِن سلمنَا فِي هَذَا الْموضع أَنه عَن تَأْنِيث لم يكن ثقلاً مَانِعا من الصّرْف أَنَّهَا معدولة وعدلها عَن تَأْنِيث وَلم يمْنَعهَا من الصّرْف أَنَّهَا معدولة وَأَنَّهَا عدلت عَن التَّأْنِيث إِنَّمَا امْتنعت من للعدل والتعريف أَلا ترى أَن سِيبَوَيْهٍ يصرف جُمَعَ إِذا سميَ بِهِ رجلٌ فِي النكرَة فَإِن كَانَ لَا يصرف أَحْمد إِذا سميَ بِهِ فَذَلِك جُمَعُ لم ينْصَرف فِي التَّأْكِيد للعدل والتعريف والمعدول غير مؤنث ويدلك على أَن الْعدْل عَن التَّأْنِيث لَا يعْتد بِهِ ثقلاً وَإِنَّمَا المُعْتَدُّ بِهِ نفسُ الْعدْل وَهُوَ أَن يُرِيد ببناءٍ أَو لفظٍ بِنَاء ولفظاً آخر أَن التَّعْرِيف ثَان كَمَا أَن التَّأْنِيث كَذَلِك وَلم يكن الْعدْل عَن التَّعْرِيف ثقلاً معتدًّا بِهِ فِي منع الصّرْف أَلا ترى أَن لَو كَانَ معتدًّا بِهِ لوَجَبَ أَن لَا ينْصَرف عمر فِي النكرَة لِأَنَّهُ لَو كَانَ يكون فِي حَال النكرَة معدولاً ومعدولاً عَن التَّعْرِيف وَفِي صرف عمر فِي النكرَة فِي قَول جَمِيع النَّاس دلَالَة على أَن الْعدْل عَن التَّعْرِيف غير مُعْتَد بِهِ ثقلاً وَإِذا لم يعْتد بِهِ ثقلاً لم يجز أَيْضا أَن يعتدّ بِالْعَدْلِ عَن التَّأْنِيث ثقلاً وَإِنَّمَا لم ينْصَرف عمر فِي التَّعْرِيف للعدل والتعريف كَمَا لم ينْصَرف جُمَعُ لَهما فَإِذا زَالَ التعريفُ انْصَرف عُمَر وَلم يعتدَّ بِالْعَدْلِ فِيهِ عَن التَّعْرِيف ثقلاً فَذَلِك يَنْبَغِي أَن يكون المعدول عَن التَّأْنِيث لِأَن هَذَا إِنَّمَا هُوَ تَأْنِيث جَمْع وَلَا يدل جَرْيهُ على الْمُؤَنَّث إِذا كَانَ جمعا على أَن واحدَه مؤنث أَلا ترى أَنه جَاءَ فِي التَّنْزِيل: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وثُلَاثَ ورُبَاعَ﴾ [فاطر: ١] فَجرى فِي هَذَا الْموضع على جَمْع واحدُه مُذَكّر فَلَو جَازَ لقَائِل أَن يَقُول إنّ مثنى وبابه معدول عَن مؤنث لما جرى على النِّسَاء وإحداهن مُؤَنّثَة لآخر أَن يَقُول إِنَّه مُذَكّر لِأَنَّهُ جَرَى صفةٌ على الأجنحة وواحدُها مُذَكّر وَهَذَا هُوَ القَوْل وَالْوَجْه وَإِنَّمَا جرى على النِّسَاء من حَيْثُ كَانَ تأنيثُها تأنيثَ
стр. 2114
الْجمع وَهَذَا الضَّرْب من التَّأْنِيث لَيْسَ بحقيقي أَلا ترى أَنَّك تَقول هِيَ الرجالُ كَمَا تَقول هِيَ النِّسَاء فَلَمَّا كَانَ تأنيثُ النِّسَاء تَأْنِيث جمع جرت عَلَيْهِ هَذِه الْأَسْمَاء كَمَا جرت إِلَى غير النِّسَاء مِمَّا تأنيثه تَأْنِيث جمع لِأَن تَأْنِيث الْجمع لَيْسَ بحقيقي وَإِنَّمَا هُوَ من أجل اللَّفْظ فَهُوَ مثل الدَّار وَالنَّار وَمَا أشبهَ ذَلِك وَقد جرت هَذِه الْأَسْمَاء على الْمُذكر الْحَقِيقِيّ قَالَ الشَّاعِر:
(أَحَمَّ اللهُ ذلكَ مِنْ لِقَاءٍ ... أُحَادَ أًحَادَ فِي شَهْرٍ حَلَالِ)
فَأُخَادَ أًحَادَ جَار على الفاعلين فِي الْمصر حَالا وَقَالَ الشَّاعِر أَيْضا:
(وَلَقَدْ قَتَلْتُكُمْ ثُنَاءَ وَمَوْحَداً ... )
وبيتُ الْكتاب جَرَى فِيهِ مَثْنَى ومَوْحَد على ذئاب وَهُوَ جمعٌ فَإِنَّمَا نَرى أَن النَّحْوِيين رَغِبُوا عَن هَذَا القَوْل الَّذِي ذهب إِلَيْهِ أَبُو إِسْحَاق لهَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ مِمَّا يدْخل عَلَيْهِ فَأَما مَا ذكره من قَوْله قَالَ أَصْحَابنَا إِنَّه اجْتمع فِيهِ عِلَّتَانِ أَنه عدل عَن تَأْنِيث وَأَنه نكرَة والنكرة أصل الْأَشْيَاء فَهَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَن يخففه لِأَن النكرَة تخفف وَلَا تعدّ فرعا فَاعْلَم أَنه غلط بَيِّنٌ فِي الْحِكَايَة عَنْهُم وَلم يَقُلْ فِيمَا علمت أحدٌ مِنْهُم فِي ذَلِك مَا حَكَاهُ عَنْهُم وَإِنَّمَا يذهبون فِي امتناعهم من الِانْصِرَاف إِلَى أَنه معدول وَأَنه صفة قَالَ وَقَالَ أَبُو الْحسن وَغَيره من أَصْحَابنَا: النكرةُ وَإِن كَانَت الأصلَ فَإِذا عدل عَنْهَا الِاسْم كَانَ فِي حكم الْعدْل عَن الْمعرفَة فِي الْمَنْع من الصّرْف إِذا انْضَمَّ إِلَيْهِ غَيره لمساواته فِي الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ المعرفةَ يدلك على ذَلِك امتناعُه من الصّرْف فِي النكرَة عِنْدهم وَلَيْسَ يَصح أَن يمْنَع من صرفه إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ عَنْهُم من الْعدْل وَالصّفة وَقَالَ الْفراء الْعَرَب لَا تجَاوز رُباعَ غير أَن الْكُمَيْت قد قَالَ:
(فَلَمْ يَسْتَرِيثُوكَ حَتَّى رَمَيْتَ ... فَوْقَ الرِّجَالِ خِصالاً عُشاراً)
فَجعل عُشَار على مَخْرَج ثُلاثَ وَهَذَا مِمَّا لَا يُقَاس عَلَيْهِ وَقَالَ فِي مَثْلَثْ ومَثْنَى ومَرْبَعُ إِن أردْت بِهِ مذهبَ الْمصدر لَا مَذْهَب الصَّرْفِ جَرَى كَقَوْلِك ثَنْيْتُهُم مَثْنًى وثَلَثْتُهُمْ مَثْلَثاً ورَبَعْتُهُمْ مَرْبَعاً
١ - بَاب تَعْرِيف الْعدَد
قد اخْتلف النحويون فِي تَعْرِيف الْعدَد فَقَالَ البصريون: مَا كَانَ من ذَلِك مُضَافا أدخلنا الْألف وَاللَّام فِي
стр. 2115
آخِره فَقَط صَار آخِره معرفةٌ بِالْألف وَاللَّام ويتعرَف مَا قبل الْألف وَاللَّام بِالْإِضَافَة إِلَى الْألف وَاللَّام فَإِذا زَاد على وَاحِد وَأكْثر أضفتَ بَعْضًا إِلَى بعض وجعلتَ آخِره بِالْألف وَاللَّام تَقول فِي تَعْرِيف ثَلَاثَة أثوب ثلاثةُ الأثواب وَفِي مائَة دِرْهَم مائةُ الدرهمِ وَفِي مائَة ألف دِرْهَم مائةُ ألف الدّرهم وَلَيْسَ خلافٌ فِي أَن هَذَا صَحِيح وَأَنه من كَلَام الْعَرَب قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ ذُو الرمة:
(وَهَلْ يَرْجَعُ التسليمَ أَو يَكْشِفُ العَمَى ... ثَلَاثُ الأَثَافِي والدِّيَارُ البَلَاقِعُ)
وَأَجَازَ الْكُوفِيُّونَ إدخالَ الْألف وَاللَّام على الأوّل وَالثَّانِي وشبهوا ذَلِك بالحَسَنِ الْوَجْه فَقَالُوا الثلاثةُ الأثوابِ والخمسة الدَّرَاهِم كَمَا تَقول هَذَا الحسنُ الْوَجْه وقاسُوا هَذَا بِمَا طَال أَيْضا فَقَالُوا الثلاثُ المائةِ الألفِ الدِّرهمِ وَإِذا كَانَ الْعدَد مَنْصُوبًا فالبصريون يدْخلُونَ الْألف وَاللَّام على الأوّل فَتَقول فِي أحَدَ عَشَرَ درهما الأَحَدَ عَشَر درهما والعِشْرُونَ درهما وَالتِّسْعُونَ رجلا وَمَا جَرَى مَجْرَاه وَإِن طَال وَيَقُولُونَ فِي عِشْرِين ألفَ درهمٍ العشرونَ ألفَ دِرْهَمٍ لَا يزِيدُونَ غير الْألف وَاللَّام فِي أوَّله والكوفيون يُدْخِلون الْألف واللامَ فيهمَا جمعياً فَيَقُولُونَ العِشْرُونَ الدرهمَ والأَحَدَ عَشَر الدرهمَ وَمِنْهُم من يُدْخِل الألفَ وَاللَّام فِي ذَلِك كُله فَيَقُولُونَ الأَحَدَ العَشَرَ الدرهمَ وَاخْتلفُوا أَيْضا فِيمَا كَانَ من أَجزَاء الدِّرْهَم كنِصْفٍ وثُلْثٍ ورُبُع إِذا عَرَّفُوهُ فأهلُ البَصْرَةِ يَقُولُونَ: نصفُ الدرهمِ وَثلث الدِّرْهَم وَربع الدِّرْهَم يُدْخِلُون الألفَ واللامَ فِي الْأَخِيرَة والكوفيون أجْرَوْهُ مُجْرَى الْعدَد فَقَالُوا: النصفُ الدِّرْهَم شبهوه بالحَسَنَ الوجهِ وَقَالَ أهل الْبَصْرَة إِذا جعلتَ الجميعَ نَفْساً للمقدار جَازَ وأتبعتَ الجميعَ إعرابَ الْمِقْدَار كَقَوْلِك الخمسةُ الدراهمُ ورأيتُ الخمسةَ الدراهمَ ومررت بالخمسةِ الدراهمِ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا فَأَما الْفَارِسِي فَقَالَ رَوَى أَبُو زيد فِيمَا حَكَاهُ أَبُو عمر عَنهُ أَن قوما من الْعَرَب غَيْرَ فُصحاء يَقُولُونَهُ وَلم يَقُولُوا النصفُ الدرهمُ وَلَا الثلثُ الدرهمُ فامتناعُه من الاطِّرَادِ يدل على ضعفه فَإِذا بلغ المائةَ أُضِيفَ إِلَى الْمُفْرد فَقيل مائةُ دِرْهَم فَاجْتمع فِي الْمِائَة مَا افترق فِي عشر وَتِسْعين من حَيْثُ كَانَ عَشْرَ عَشَراتٍ وَكَانَ العَقْدُ الَّذِي بعد التسعين وَكَذَلِكَ مِائَتَا دِرْهَم وَمَا بعده إِلَى الْألف فَإِذا عُرِّفَ فَقيل مائةُ الدرهمِ وَمِائَتَا الدرهمِ وثلاثُ مائةِ الدِّرْهَم تَعَرَّفَ المضافُ إِلَيْهِ كَمَا تقدم
١ - بَاب ذكر الْعدَد الَّذِي يُنْعَبُ بِهِ الْمُذكر والمؤنث
وَذَلِكَ قَوْلك رأيتُ الرِّجَال ثلاثَتَهُمْ وَكَذَلِكَ إِلَى العَشْرِ وَرَأَيْت النساءَ ثلاثَتَهَّنَّ وَكَذَلِكَ إِلَى الْعشْرَة تنصبه على الْوَصْف وَإِن شئتَ على الْمصدر لذَلِك جعله سِيبَوَيْهٍ من بَاب رأيتُه وحدَه ومررتُ بِهِ وحدَه ومَثَّلَ الجميعَ بقوله ليُرِيكَ كَيفَ وُضِعَ موضعَ الْمصدر وَإِن لم يكن لَهُ فعل بِمَا يجْرِي على الْهَاء وَأَبُو حَاتِم يرى الْإِضَافَة فِيمَا جَاوز العشرةَ والعَشْرَ فَيَقُول رَأَيْتهمْ أحدَ عَشَرَهم وَكَذَلِكَ إِلَى تِسْعَة عشر ورأيتهنَّ إِحْدَى عَشَرَتهنَّ وَكَذَلِكَ إِلَى التسعَ عشرَة وَقَالَ رأيتُهم عِشْرِيهم ورأيتهنَّ عِشْريهنَّ ورأيتُهم أحَدَهم وعِشرِيهم وإحْداهنَّ وعِشْرِيهِنَّ وَكَذَلِكَ الثَّلَاثِينَ وَمَا بعْدهَا وَالْأَرْبَعِينَ وَمَا بعْدهَا إِلَى الْمِائَة وَتَقَع الْإِضَافَة فِي الْمِائَة وَالْألف على ذَلِك الحَسْب
١ - هَذَا بَاب مَا لَا يَحْسُن أَن تُضيفَ إِلَيْهِ الأسماءَ الَّتِي تُبَيِّنُ بهَا العددَ إِذا جاوزتَ الِاثْنَيْنِ إِلَى الْعشْرَة
وَذَلِكَ الوصفُ تَقول: هؤلاءِ ثلاثةٌ قُرَشِيُّونَ وثلاثةٌ صَالِحُونَ فَهَذَا وَجْهُ الْكَلَام كراهيةَ أَن تَجْعَلَ الصفةُ كالاسم إِلَّا أَن يُضْطَّر شاعرٌ وَهَذَا يدلك إِلَى أَن النساباتِ إِذا قلتَ ثلاثةٌ نَسَّابات إِنَّمَا يَجِيء كَأَنَّهُ
стр. 2116
وصف لمذكر لِأَنَّهُ لَيْسَ موضعا يَحْسُن فِيهِ الصفةُ كَمَا لَا يَحْسُنُ الاسمُ فَلَمَّا لم يَقع إِلَّا وَصفا الْمُتَكَلّم كَأَنَّهُ قد لفظ بمذكرين ثمَّ وَصَفَهم بهَا قَالَ الله : ﴿مَنْ جَاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الْأَنْعَام: ١٦٠] قَالَ أَبُو عَليّ: قد تقدم من الْكَلَام أَن العدَدَ حَقُّه أَن يُبَيِّنَ بالأنواع لَا بِالصِّفَاتِ فَلذَلِك لم يَحْسُنَ أَن تَقول ثلاثةُ قُرَشِيِّينَ لأَنهم لَيْسُوا بِنَوْع وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن تَقول ثلاثةُ رجال قُرَشِيِّينَ وَلَيْسَ إقامةُ الصّفة مُقَامَ الْمَوْصُوف بالمُسْتَحْسَنة فِي كل مَوضِع وَرُبمَا جرت الصفةُ لكثرتها فِي كَلَامهم مَجْرَى الْمَوْصُوف فيُستغنى بهَا لكثرتها عَن الْمَوْصُوف كَقَوْلِك: مررتُ بمثلِك وَلذَلِك قَالَ ﴿فَلهُ عشر أَمْثَالهَا﴾ [الْأَنْعَام: ١٦٠] أَي عَشْرُ حَسَنَاتٍ أمثالِها
بَاب التَّارِيخ
التَّارِيخ فَإِنَّهُم يَكْتُبُونَ أوّل لَيْلَة من الشَّهْر كتبتُ مُهَلَّ شهر كَذَا ومُسْتَهَلَّ شهرِ كَذَا وَكَذَا وغُرَّةِ شهر كَذَا وَكَذَا ويكتبون فِي أول يَوْم كَذَا ويكتبون فِي أول يَوْم من الشَّهْر وَكُتِبَ أوَّلَ يَوْم من شهر كَذَا أَو لليلة خَلَتْ وَمَضَتْ من شهر كَذَا وَلَا يَكْتُبُونَ مُهَلاًّ وَلَا مُسْتَهَلاًّ إِلَّا فِي أول لَيْلَة وَلَا يكتبونه بنهار لِأَنَّهُ مُشْتَقّ من الهلَالِ والهلالُ مُشْتَقّ من قَوْلهم أهَلَّ بِالْعُمْرَةِ وَالْحج إِذا رفع صَوته فيهمَا بِالتَّلْبِيَةِ فَقيل لَهُ هِلَالٌ لِأَن النَّاس يُهِلُّون إِذا رَأَوْهُ يُقَال أُهِلَّ الهلالُ واسْتُهِلَّ وَلَا يُقَال أَهَلَّ وَيُقَال أَهْلَلْنَا - إِذا دَخَلْنَا فِي الْهلَال وَقَالَ بعض أهل اللُّغَة يُقَال لَهُ هِلَالٌ لليلتين ثمَّ يُقَال بعدُ قَمَرٌ وَقَالَ بَعضهم يُقَال لَهُ هِلَالٌ إِلَى أَن يَكْمُلَ نورُه وَذَلِكَ لسبع لَيَال والأوّلُ أشبه وَأكْثر وَقد أبنتُ ذَلِك فِي بَاب أَسمَاء الْقَمَر وَصِفَاته، ويكتبون لثلاث خلون ولأربع خلون وَيَقُولُونَ قد صُمْنَا مُذْ ثلاثٍ فَيُغَلِّبَونَ اللياليَ على الْأَيَّام لِأَن الْأَهِلّة فِيهَا إِذا جَاوَزت العَشْرَ خَلَوْنَ ومَضَيْنَ لِأَن مَا بعد الْعشْرَة يُبَيِّنُ بِوَاحِد أَو وَاحِدَة وَمَا قبل الْعشْرَة يُضَاف إِلَى جَمِيع وَاخْتَارَ أهل اللُّغَة أَن يُقَال لِلنِّصْفِ شهر كَذَا فَإِذا كَانَ يَوْم سِتَّة عشر قَالُوا أربعَ عشرةَ لَيْلَة بقيت وخالفَهم أهلُ النّظر فِي هَذَا وَقَالُوا تَقول لخمس عشرَة لَيْلَة خلت ولِسِتَّ عشرةَ لَيْلَة مَضَتْ لِأَن الشَّهْر قد يكون تِسْعَة وَعشْرين وَهَذَا هُوَ الْحق لِأَن أهل اللُّغَة قد قَالُوا لَو قَالَ لِسِتَّ عشرَة لَيْلَة مضتْ لَكَانَ صَوَابا فقد صَار هَذَا إِجْمَاعًا ثمَّ اخْتَارُوا مَا لم يوافقهم عَلَيْهِ أهل النّظر ويكتبون آخر لَيْلَة من الشَّهْر وكُتِبَ آخرَ لَيْلَة من شهر كَذَا وَكَذَا وَكَذَلِكَ عَن كَانَ آخر يَوْم من الشَّهْر كَتَبُوا وكُتِبَ آخرَ يَوْم من شهر كَذَا وسَلْخَ شهر كَذَا فَإِذا بِقِيَتْ من الشَّهْر لَيْلَة قَالُوا كتبنَا سَلْخَ شهر كَذَا وَلم يكتبوا لليلة بقيت كَمَا لم يكتبوا لليلةٍ خلت وَلَا مَضَت وهم فِي اللَّيْلَة جعلُوا الخاتمة فِي حكم الْفَاتِحَة حَيْثُ قَالُوا غُرَّة شهر كَذَا وَلم يَقُولُوا لليلةٍ خلتْ وَلَا مضتْ لأَنهم فِيهَا بعدُ وَلم تَمْصِ فَقَالُوا سَلْخَ شهرِ كَذَا قَالَ أَبُو زيد: سَلَخْنا شهر كَذَا سَلَخْنا فَسَلْخَ فِيمَا يؤرَّخ مصدر أقيم مقَام اسْم الزَّمَان
بَاب الْأَفْعَال المشتقة من أَسمَاء الْعدَد
أَبُو عبيد: كَانَ القومُ وَتْراً فَشَفَعْتُهُمْ شَفْعاً وَكَانُوا شَفْعاً فَوَتَرْتُهُمْ وَتْراً ابْن السّكيت: الوَتْرُ والوِتْرُ وَقد أَوْتَرْتُ وَوَتَّرْتُ من الوِتْر والخَسَا - الفَرْدُ والزَّكَا - الزَّوْجُ قَالَ الْكُمَيْت:
стр. 2117
(بِأَدْنَى خَسَا أَو زَكَا مِنْ سِنِيكْ ... إِلَى أَربع فبَقَوْكَ انتظارا)
بقوك - انتظروك يُقَال بَقَيْتُه اَبْقِيهِ - إِذا راعَيْتَهُ وَنَظَرْتَهُ وَيُقَال ابْقِ لِي الآذَانَ - أَي ارْقُبْهُ لي وَقَالَ الشَّاعِر:
(فَمَا زِلْتُ أَبْقِي الظُّعْنَ حَتَّى كأَنَّها ... أَوَاقِي سَدىً تَغْتَالُهُنَّ الحَوَائِكُ)
وَقَالَ آخر خَساً وذَكَرَ قِدْراً:
(ثَبَتَتْ قَوَائِمُهَا خَساً وتَرَنَّمَتْ ... غَضَباً كَمَا يَتَرَنَّمُ السَّكْرَانُ)
عَنَى بالقوائم هَاهُنَا الأَثَافِي ابْن دُرَيْد: تَخَاسَى الرجلانِ تَلَاعَبَا بالزَّوْجِ والفَرْد وَيُقَال ثَلَثْتُ القومَ أَثْلِثُهُمْ ثَلْثاً بِكَسْر اللَّام إِذا كنتَ لَهُم ثالثاُ أَبُو عبيد: كَانُوا ثَلَاثَة فرَبَعْتُهُم - أَي صِرْتُ رابعَهُم وَكَانُوا أَرْبَعَة فَخَمَسْتُهُم إِلَى الْعشْرَة وَكَذَلِكَ إِذا أخذتَ الثُّلُثَ من أَمْوَالهم قلتَ ثَلَثْتُهُم ثَلْثاً وَفِي الرُّبُع رَبَعْتُهُم إِلَى العُشْرِ مِثْلُهُ فَإِذا جئتَ إِلَى يَفْعَلُ قلتَ فِي العَدَدِ يَثْلِثُ وَيَخْمِسُ إِلَى العَشرة وَفِي الأموالِ يَثْلُثُ وبَخْمُسُ إِلَى العُشْرِ إِلَّا ثَلَاثَة أحرف فَإِنَّهَا بالفتحِ فِي الحَدَّيْنِ جَمِيعًا يَرْبَعُ ويَسْبَعُ ويَتْسَعُ وَقَالَ: تَقولُوا كَانُوا ثلاثةٌ فأَرْبَعُوا - أَي صَارُوا أربعةٌ وَكَذَلِكَ أخْمَسُوا وأَسْدَسوا إِلَى العَشرة على أَفْعَلَ وَمَعْنَاهُ أَن يصيروا هم كَذَلِك وَلم يَقُولُوا أَرْبَعَتُهُمْ أَو رَبَعَهُمْ فُلانٌ ابْن السّكيت: عِنْد عَشَرَةٌ فَأَحِّدْهُنَّ وآحِدْهُنَّ - أَي صَيَّرْهن أحدَ عَشَر وَحكى بعضُهم فأحْدُهُنَّ فإمَّا أَن يكون على القَلْب كَمَا قَدَمْنَا فِي حادي عشر وَإِمَّا أَن يكون على مَا قَدَّمنا من الْحِكَايَة عَن الْكسَائي من أَنه سَمِعَ الأَسْدَ تَقول حادي عشْرين أَبُو عبيد: كَانُوا تِسْعَة وَعشْرين فَثَلَثْتُهُمْ - أَي صِرْتُ لَهُم تمامَ ثَلاثين وَكَانُوا تِسْعَة وَثَلَاثِينَ فَرَبَعْتُهم مثلُ لفظ الثَّلَاثَة وَالْأَرْبَعَة وَكَذَلِكَ جَمِيع العُقُود إِلَى الْمِائَة فَإِذا بلغتَ المائةَ قلتَ كَانُوا تسعةٌ وتِسْعِينَ فأَمْأَيْتُهُمْ مثالُ أَفْعَلْتُهُمْ وَكَانُوا تِسْعَمائة وتسعةٌ وَتِسْعين فأَلَفْتُهُمْ ممدودة وَكَذَلِكَ إِذا صَارُوا هم كَذَلِك قلتَ قد أَمْأَوْا وآلَفُوا مِثَال أَفْعَلُوا أَي صَارُوا مائَة وألفاً
١ - بَاب الأبعاض والكسور
ابْن السّكيت: عُشْرٌ وتُسْعٌ وثُمُنٌ وسُبُعٌ وسُدُسٌ وخُمُسٌ ورُبُعٌ وثُلُثٌ وجَمْعُ كُلِّ ذَلِك أفعالٌ وَقد تقدَّم تصريفُ فِعْلِ جَمِيع هَذِه الْأَفْعَال صَاحب الْعين: النِّصْفُ أحَدُ جُزْءَي الكمالِ الْأَصْمَعِي: نِصْفٌ فَأَما نَصْفٌ فلغةُ العامَّة صَاحب الْعين: نَصْفٌ لُغَة رَدِيئَة فِي نِصْفٍ ابْن السّكيت: نِصْفٌ ونَصْفٌ لغتانِ وَالْكَسْر أَعلَى صَاحب الْعين: وَالْجمع أَنْصَاف وَقد نَصَّفْتُ الشيءَ - جعلتُه نِصْفَيْنِ وَقد تقدم تَنْصِيفُ الإناءِ والشَّرابِ وَالشَّجر فِي مَوْضِعه والشَّطْرُ - النِّصْفُ والجميع شُطُورٌ وَقد تقدَّم التَّشْطِيرُ فِي الْإِنَاء والشِّطارُ فِي الطَلِيِّ وَنَحْوه
١ - ذكر العَشِير وَمَا جَاءَ على وَزنه من أَسمَاء الكسور
أَبُو عبيد: يُقَال ثَلِيثٌ وخَمِيسٌ وسَدِيسٌ وسَبِيعٌ وَالْجمع أَسْبَاع وثَمِينٌ وتِسِيعٌ وعَشِيرٌ يرد الثُّلُثَ والخُمْسَ والسُّدُسَ والسُّبُع والثُمُنَ والتُّسْعَ والعُشْر قَالَ: وَقَالَ أَبُو زيد لم يعرفوا الخَمِيس وَلَا الرَّبِيعَ وَلَا الثَّلِيثَ غَيره: السَّبِيعُ - السابعُ وَأنْشد أَبُو عبيد:
(وأَلْقَيْتُ سَهْمِي وَسْطَهُمْ حِينَ أَوخَشُوا ... فَمَا صَارَ لي فِي الْقَسْمِ إِلَّا ثَمِينُهَا)
وأَوْخَشُوا خَلَطُوا وَقَالَ فِي النَّصِيفِ:
(لَم يَغْذُهَا مُدُّولاً نَصِيفُ ... )
стр. 2118
فَأَما ابْن دُرَيْد فَقَالَ النَّصِيفُ هَاهُنَا مِكْيَالُ
١ - وَمن الْأَسْمَاء الْوَاقِعَة على الْأَعْدَاد
الإِسْتَار - أَرْبَعَة من كُلِّ عددٍ قَالَ جرير:
(إِنَّ الفَرَزْدَقَ والبَعِيثَ وَأُمَّهُ ... وَأَبا البَعِيثِ لَشَرُّ مَا إسْتَارِ)
والنَّواةُ - خَمْسَةٌ والأُوقِيَّةُ - أَرْبَعُونَ والنَشُّ - عِشْرُونَ والفَرَقُ - سِتَّة عشر
الْمَقَادِير والألفاظ الدَّالَّة على الْأَعْدَاد من غير مَا تقدم
الشِّيْعُ - مقدارٌ من الْعدَد تَقول أقمتُ شَهْراً أَو شَيْعَ شهرٍ وَمَعَهُ مائةُ رجلٍ أَو شَيْعُ ذَلِك وآتيك غَداً أَو شَيْعَهُ - أَي بَعْدَهُ لَا يُسْتَعْمَل إِلَّا فِي الْوَاحِد
١ - بَاب الْأَلْفَاظ الدَّالَّة على الْعُمُوم وَالْخُصُوص
وَهِي كُلُّ وأجمعون أكْتَعُون أبْصَعُونَ وبَعضٌ وأَيٌ وَمَا أُبَيِّنُ هَذِه بِقِسْطِهَا من الْأَعْرَاب واللغة حَتَّى آتِي على جَمِيع ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى فأَوَّلُ ذَلِك كُلُّ لَفْظَة صيغت للدلالة على الإحاطةِ وَالْجمع كَمَا أَن كِلَا لَفْظَة صِيغَتْ للدلالة على التَّثْنِيَة وَلَيْسَ كِلَا من لفظ كُلّ وسأُريك ذَلِك كلَّه إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبَعض - لَفْظَة صيغت للدلالة على الطَّائِفَة لَا على الْكل فهاتانِ اللفظتانِ دالتان على معنى الْعُمُوم وَالْخُصُوص وكُلُّ نهايةٌ فِي الدّلَالَة على الْعُمُوم وبَعْضٌ لَيست بنهاية فِي الدّلَالَة على الْخُصُوص أَلا ترى أَنَّهَا قد تقع على نصف الْكل وعَلى ثَلَاثَة أَرْبَاعه وعَلى معظمه وَأَكْثَره وبالعموم فَإِنَّهَا تقع على الشَّيْء كُله مَا عدا أَقَل جُزْءٍ مِنْهُ وَقد بَعَّضْتُ الشيءَ - فَرَّقْتُ أَجزاءَهُ وتَبَعَّضَ وَهُوَ يكون بعضٌ بِمَعْنى كُلٍّ كَقَوْلِه:
(أَو يَعْتَلِق بعضَ النُّفُوسِ حمامُها)
فالموتُ لَا يَأْخُذ بَعْضًا ويَدَعُ بَعْضًا وَمن الْعَرَب من يَزِيدُ بَعْضًا كَمَا يزِيد مَا كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غَافِر: ٢٨] حَكَاهُ صَاحب الْعين وَهَذَا خطأ لِأَن بَعْضًا اسْم والأسماء لَا تزاد فَأَما هُوَ وَأَخَوَاتهَا الَّتِي للفصل فَإِنَّمَا زيدت لمضارعة الضَّمِير الحرفَ وَقد أنعمتُ شَرْحَ هَذَا عِنْد الردِّ على أبي إِسْحَاق فِي قَوْله ﴿مَثَلُ الجَنِّةِ﴾ [الرَّعْد: ٣٥] ونحنُ آخذون فِي تَبْيِين كُلِّ ومُقَدِّمون لَهَا على بَعْضٍ لفَضْلِ الأَعَمِّ على الأَخَصِّ فَأَقُول: إِن كُلاًّ لفظٌ وَاحِد وَمَعْنَاهُ جميعٌ وَلِهَذَا يحمل مرّة على اللَّفْظ وَمرَّة على الْمَعْنى فَيُقَال كُلُّهم ذاهبٌ وَكلهمْ ذاهبون وكل ذَلِك قد جَاءَ بِهِ الْقُرْآن والشعرُ ويُحْذَفُ المضافُ إِلَيْهِ فَيُقَال كُلُّ ذاهبٌ وَهُوَ بَاقٍ على مَعْرفَته وبَعْضٌ يجْرِي هَذَا المجرى وإليهما أَوْمَأ سِيبَوَيْهٍ حِين قَالَ هَذَا بَاب مَا ينْتَصب خَبره لِأَنَّهُ قَبِيح أَن يكون صفة وَهِي معرفةٌ لَا تُوصَف وَلَا تكون وَصفا وَذَلِكَ قَوْلك مررتُ بكلِّ قَائِما وببعضٍ جَالِسا وَإِنَّمَا خُروجهما من أَن يَكُونَا وَصفا أَو موصوفين لِأَنَّهُ لَا يَحْسُنُ لَك أَن تَقول مَرَرْت بكلِّ الصَّالِحين وَلَا بِبَعْضِ الصَّالِحين قَبُحَ الوصفُ حِين حذفوا مَا أضافوا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ مُخَالفٌ لما يُضَاف إِلَيْهِ شاذٌّ مِنْهُ فَلم يجر فِي الْوَصْف مجْرَاه كَمَا أَنهم حِين قَالُوا يَا الله فخالفوا مَا فِيهِ الْألف وَاللَّام لم يصلوا أَلفه وأثبتوها وَصَارَ معرفَة لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى معرفَة كَأَنَّك قلتَ مررتُ بكُلِّهم وببعضهم وَلَكِنَّك حذفتَ ذَلِك المضافَ إِلَيْهِ فَجَاز ذَلِك كَمَا جَازَ لَاهِ أَبُوكَ فحذفوا الألفَ واللامين وَلَيْسَ هَذَا طريقةَ الْكَلَام وَلَا سبيلَه لِأَنَّهُ لَيْسَ من كَلَامهم أَن يُضْمِرُوا الْجَار وجملةُ
стр. 2119
هَذَا وتحليلُه أَنَّك لَا تَقول مررتُ بكلِّ قَائِما وَلَا ببعضٍ جالِساً مُبْتَدِئاً وَإِنَّمَا يتَكَلَّم بِهِ إِذا جَرَى ذكرُ قوم فَتَقول مَرَرْت بكلِّ أَي مررتُ بكلِّهم ومررتُ ببعضٍ أَي مَرَرْت ببعضهم فيستغنى بِمَا جَرَى من الْكَلَام ومعرفةِ الْمُخَاطب بِمَا يُعْنَى عَن إِظْهَار الضَّمِير وَصَارَ مَا يَعْرِفُ المخاطبُ مِمَّا يُعْنَى بِهِ مُغْنِياً عَن وَصفه وَلم يُوصَفُ بِهِ أَيْضا لأَنهم لما أقاموه مُقامَ الضَّمِير وَالضَّمِير لَا يُوصف بِهِ إِذا لم يكن تَحْلِيَةً وَلَا فِيهِ معنى تحليةٍ لم يَصِفُوا بِهِ لَا يُقَال مررتُ بالزَّيدين كُلِّ كَمَا لَا يُقَال مررتُ بكلِّ الصَّالِحين فَإِن قَالَ قَائِل لَمَ لَمْ يُبْنَ كُلٌ حِين حذفوا المضافَ إِلَيْهِ قيل لَيْسَ فِي كُلٍّ من الْمعَانِي الَّتِي توجِبُ البناءَ شيءٌ وأصلُ الأسماءِ الإعرابُ وَإِنَّمَا يَحْدُثُ البناءُ لعارِض مَعْنىً فَكَانَ اتّباعُ الأصلِ أَوْلَى وَمن هَاهُنَا قَالُوا إنَّها لَا يجوز بناؤها لِأَنَّهَا جُزْء فأتبعنا الجُزْء الكلَّ إِذا كَانَ كُلٌ معرباً لأنهُ أسبقُ لعمومه من اتِّباعِ الكُلِّ البَعْضَ فَلَمَّا أُجْرِيَ مُجْرَى خلافِهِ لم يُضَمَّنْ معنى الحرفِ وَلما لم يُضَمَّنْ مَعْنَاهُ لم يجب فِيهِ البناءُ وجَرَى على أصلِ الإعرابِ ككُلِّ وَهَذَا من أقرب مَا سمعناه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة وَقد ذُكِرَ فِيهَا غيرُ الَّذِي قُلْنَا فتركناه لِأَنَّهُ لم يَصح عندنَا وَهَذَا كُله تَعْلِيل الْفَارِسِي وَحكى سِيبَوَيْهٍ فِي كُلٍّ التأنيثَ فَقَالَ كُلَّتُهُنَّ منطلقةٌ وَلم يَحْكِ ذَلِك فِي بعض فَأَما كِلَا فَلَيْسَ من لفظ كُلٍّ، كُلٌ مضاعفٌ وكِلَا معتلٌ كمِعاً أَلفه منقلبة عَن وَاو بِدلَالَة قَوْلهم كِلْتَا إِذا بدلُ التَّاء من الْوَاو أَكثر من بدلهَا من الْيَاء وَقد أَبَنْتُ ذَلِك فِي بَاب بِنْتٍ وَأُخْت بنهاية الْبَيَان وأجْمَعُ معرفةٌ تَقول رأيتُ المالَ أجمعَ ورأيتَ المالَيْنِ أَجْمَعَينَ وَقَالُوا رَأَيْت القومَ أَجْمَعِينَ وَلَيْسَ أجْمَعُونَ وَمَا جَرَى مَجْراه بِصفة عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَكَذَلِكَ واحدُه ومذكرُه ومؤنثه وَإِنَّمَا هُوَ اسْم يجْرِي على مَا قبله على إعرابه فيُعَمُّ بِهِ ويُؤَكَّدُ فَلذَلِك قَالَ النحويون: إِنَّه صفة وَلَو كَانَ صفة لما جرى على الْمُضمر لَان الْمُضمر لَا يُوصف وَمِمَّا يدلك على أَنه لَيْسَ بِصفة أَنه لَيْسَ فِيهِ معنَى إشارةٍ وَلَا نَسَبٍ وَلَا حِلْيَةٍ وَقد غَلِط قومٌ فَتَوَهَّمُوهُ صِفَةً وَقد صرح سِيبَوَيْهٍ أَن لَيْسَ بِصفة أَنه لَيْسَ فِيهِ معنَى إشارةٍ وَلَا نَسَبٍ وَلَا حِلْيَةٍ وَقد غَلِط قومٌ فَتَوَهَّمُوهُ صِفَةً وَقد صرح سِيبَوَيْهٍ أَنه لَيْسَ بِصفة وَقَالَ فِي بَاب مَا لَا ينْصَرف إِذا سميته بأَجْمَعَ صرفته فِي النكرَة وَقد غلط الزجاجُ فِي كِتَابه فِي بَاب مَا لَا ينْصَرف وردَّ عَلَيْهِ الْفَارِسِي بعد أَن حكى قولَه فَقَالَ: وَقد أغْفَلَ أَبُو إِسْحَاق فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من جُمَعَ فِي كِتَابه فِيمَا لَا ينْصَرف وَهَذَا لَفظه قَالَ: الأَصْل فِي جَمْع جَمْعَاء جُمْعٌ مثل حَمْرَاء وحُمْرٌ وَلَكِن حُمْر نكرَة فأرادوا أَن يُعْدَلَ إِلَى لفظ الْمعرفَة فعُدِلَ فُعْلٌ إِلَى فُعَل قَالَ أَبُو عَليّ: وَلَيْسَ جَمْعَاء مثلَ حَمْرَاء فَيلْزم أَن يُجْمَعَ على حُمْرٍ كَمَا أَن أَجْمَعَ لَيْسَ مثلَ أَحْمَرَ وَإِنَّمَا جَمْعَاءُ كَطَرْفَاءَ وصَحْرَاءَ كَمَا أَن أَجْمَعَ كأَحْمَد بِدلَالَة جَمْعِهِمْ لَهُ على حَدِّ التَّثْنِيَة فقد ذهب فِي هَذَا القَوْل عَن هَذَا الِاسْتِدْلَال وَعَن نَص سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْجِنْس أَنه لَا يجمعُ هَذَا الضربَ من الجَمْعِ وَعَما نَصَّ على هَذَا الْحَرْف بِعَيْنِه حَيْثُ قَالَ وَلَيْسَ واحدٌ مِنْهُمَا يَعْنِي من قَوْلك أجمع وأكتع فِي قَوْلك مَرَرْت بِهِ أجمع وأكتع بِمَنْزِلَة الأَحْمَرَ لِأَن أَحْمَرَ صفة للنكرة وأجمعُ وأكتعُ إِنَّمَا وُصِفَ بهما معرفةٌ فَلم ينصرفا لِأَنَّهُمَا معرفةٌ وأجمعُ هُنَا معرفةٌ بِمَنْزِلَة كُلُّهُمْ، انْقَضى كَلَام سِيبَوَيْهٍ وَمَا يَجْرِي هَذَا المَجْرَى مِمَّا يَتْبَعُ أَجْمَعُونَ كَقَوْلِك أكتعون وأبْصَعون وأبتعون وَكَذَلِكَ المؤنثُ والاثنانِ والجميعُ فِي ذَلِك حُكْمُه سواءٌ والقولُ فِيهِ كالقول فِي أَجْمَعِينَ وكلُّه تابعٌ لأجمعين لَا يتَكَلَّم بواحدٍ مِنْهُنَّ مُفْرداً وكُلُّها تَقْتَضِي معنى الْإِحَاطَة، وَمِمَّا يدل على معنى الإحاطةِ قاطبةً وطُرًّا والجَمَّاءَ الغَفِيرَ وَنحن آخذون فِي تَبْيِين ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى: اعْلَم أَن الجَمَّاء هِيَ اسْم والغَفِير نعتٌ لَهَا وَهُوَ بِمَنْزِلَة قَوْلك فِي الْمَعْنى الجَمُّ الْكثير لِأَنَّهُ يُرَاد بِهِ الكثرةُ والغَفِيرَ يرادُ بِهِ أَنهم قَد غَطّوا الأَرْض من كثرتهم غَفَرْتُ الشيءَ إِذا غَطَّيْتُهُ وَمِنْه المِغْفَرُ الَّذِي يوضع على الرَّأْس لِأَنَّهُ يُغَطِّيهِ ونصبه فِي قَوْلك مررتُ بهم الجَمَّاءَ الغفيرَ على الْحَال وَقد علمنَا أَن الْحَال إِذا كَانَ اسْما غير مصدر لم يكن بِالْألف وَاللَّام فأَخرَجَ ذَلِك سِيبَوَيْهٍ والخليلُ أَن جَعَلَا الغفيرَ فِي مَوضِع العِراكِ كَأَنَّك قلتَ مررتُ بهم الجُمُومَ الغُفْرَ على معنى مَرَرْت بهم جامِّين غافِرِين للْأَرْض أَي مُغَطِّينَ لَهَا وَلم يذكر البصريون أَنَّهُمَا يستعملان فِي غير الْحَال وَذكر غَيرهم شِعْراً فِيهِ الجَمَّاءُ الغفِيرُ مَرْفُوع وَهُوَ قَول الشَّاعِر:
стр. 2120
(صَغِيرُهُمْ وشَيْخُهُمْ سَوَاءٌ ... هُمُ الجَمَّاءُ فِي اللُّؤْمِ الغَفِيرِ)
وَأما قولُهم مررتُ بهم قاطبةً ومررت بهم طُرًّا فعلى مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ والخليل هما فِي مَوضِع مصدرين وَإِن كَانَا اسْمَيْنِ وَذَلِكَ أَن قاطبةَ وَإِن كَانَ لفظُها لفظَ الصِّفَات كَقَوْلِنَا ذَاهِبَة وقائمة وَمَا أشبه ذَلِك وطُرًّا وَإِن كَانَ لفظُها لفظَ صُفْراً وشُهْباً وَمَا أشبه ذَلِك فَإِن لَا يجوز حملُها إِلَّا على الْمصدر وَقَالَ إِنَّا رَأينَا المصادر قد يَخْرُجْنَ عَن التَّمَكُّن حَتَّى يستعملن فِي مَوضِع لَا تتجاوزه كَقَوْلِنَا سُبْحَانَ الله وَلَا يكون إِلَّا مَنْصُوبًا مصدرا فِي التَّقْدِير ولَبَّيْكَ وحَنَانَيْكَ وَمَا جَرَى مجراهما مصادرُ لَا يستعملنَ إِلَّا منصوباتِ وَلم نَرَ الصِّفَات يخْرجن عَن التَّمَكُّن فَلذَلِك حمل سِيبَوَيْهٍ قاطبةٌ وطُرًّا على الْمصدر وصارا بِمَنْزِلَة مصدر اسْتُعْمِلَ فِي مَوضِع الْحَال وَلم يَتَجَاوَزَا ذَلِك الموضِعَ كَمَا لم يتَجَاوَز مَا ذَكرْنَاهُ من المصادر إِن شَاءَ الله تَعَالَى
اشتقاق أَسمَاء الله
أَبْدَأُ بشرح مَا اسْتَفْتَحْتُ بِهِ ثمَّ أُتْبعُ ذَلِك سائرَ أَسْمَائِهِ الحُسْنَى وصفاتِه العُلَى قيل فِي اشتقاق اسْم قَولَانِ: إِنَّه مُشْتَقّ من السُّمُوّ، وَالثَّانِي من السِّمة وَالْأول الصَّحِيح من قبل أَن جمعه أسماءٌ على ردِّ لَام الْفِعْل وَكَذَلِكَ تصغيره سُمَّيُّ وَلِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ شَيْءٌ إِذا حذفت فاؤه دخله ألف الْوَصْل إِنَّمَا تدخله تَاء التَّأْنِيث كالزِّنَة والعِدَةِ والصِّفَةِ وَمَا أشبه ذَلِك وَيُقَال سَمَا يَسْمُو سُمُوًّا إِذا علا وَمِنْه السماءُ والسَّمَاوَةُ وَكَأَنَّهُ قيل اسْم أَي مَا علا وظهَرَ فَصَارَ عَلَماً للدلالة على مَا تَحْتَهُ من الْمَعْنى وَنَظِير الاسْمِ السِّمَةُ والعلامةُ وكل مَا يَصح أَن يُذْكَرُ فَلهُ اسْم فِي الْجُمْلَة لِأَن لَفظه شيءٌ يلْحقهُ وَأما فِي التَّفْصِيل كزيد وَعَمْرو وَمِنْهَا مَا لَا اسْم لَهُ فِي التَّفْصِيل وَهُوَ بِالْجُمْلَةِ كل مَا لم يكن لَهُ اسْم عَلَمٌ يخْتَص بِهِ كالهَواء وَالْمَاء وَمَا أشبه ذَلِك والاسْمُ - كلمة تدل على الْمُسَمّى دلَالَة الإشارةِ دون الإفادةِ وَذَلِكَ أَنَّك إِذا قلتَ زيد فكأنك قلت هَذَا وَإِذا قلت الرجل فكأنك قلت ذَاك فَأَما دلالةَ الإفادة فَهُوَ مَا كَانَ الْغَرَض أَن تفِيد السَّامع بِهِ معنى أَو أخرجته ذَلِك الْمخْرج كَقَوْلِك قَامَ وَذهب فَأَما الأول فَإِنَّمَا الْغَرَض فِيهِ أَن تُشِير إِلَيْهِ ليتنبه عَلَيْهِ أَو تُخْرجَه ذَلِك الْمخْرج وَأَنا أكره أَن أُطِيلَ الكتابَ بِذكر مَا قد أُولِعَتْ بِهِ عامَّةٌ الْمُتَكَلِّمين من رسم الِاسْم أَو حِدِّةِ والتكلم على المُسَمَّى هُوَ الاسمُ أم غير الِاسْم والفعلُ المُصَرَّفُ من الِاسْم قولُكَ أَسْمَيْتُ وسَمَّيْتُ مُتَعَدٍّ بِحرف الْجَرّ وَبِغير حرف جر تَقول سَمَّيْتُهُ زيدا وسميته بزيد قَالَ سِيبَوَيْهٍ: هُوَ كَمَا تَقول عَرَّفْتُه بِهَذِهِ الْعَلامَة وأوضحتُه بهَا وَحكى أَبُو زيد اِسْمٌ واُسْمٌ وسِمٌ وسُمٌ وَأنْشد:
(بِسْمِ الَّذِي فِي كُلِّ سُورَةٍ سُمُهْ ... )
والاسمُ منقوصٌ قد حذفت مِنْهُ لَام الْفِعْل وغُيِّرَ ليكونَ فِيهِ بعضُ مَا فِي الْفِعْل من التَّصَرُّف إِذْ كَانَ أَشْبَهَ بِهِ من الْحَرْف وَقيل إِن ألف الْوَصْل إِنَّمَا لحقتْهُ عِوَضاً من النَّقْصِ فَأَما الْبَاء فِي بِسم الله فَإِنَّمَا كسرت للْفرق ين مَا يَجُرُّ وَهُوَ حرف وبيْن مَا يجر مِمَّا يجوز أَن يكون اسْما ككاف التَّشْبِيه وموضعُ بِسْمِ نصبٌ كَأَنَّك قلت أبدأ بِسم الله وَلم يحْتَج إِلَى ذكر أبدا لِأَن المُسْتَفْتِحَ مُبْتَدِئٌ فالحال المشاهِدَةُ دَالَّة على الْمَحْذُوف وَيصْلح أَن يكون موضُعه رفعا على ابتدائي بِسم الله الفِعْلَ المَتروك لِأَن جَمِيع حُرُوف الْجَرّ لابد أَن تتصل بِفعل إِمَّا مَذْكُور وَإِمَّا مَحْذُوف وبسم الله يجوز أَن يكون الفعلُ المحذوفُ العاملُ فِي مَوْضِعه لفظا صيغتُه صيغةُ الْأَمر ولفظاً صيغتُه صيغةُ الْخَبَر وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَمَعْنَاه معنى الْأَمر وهم مِمَّا يَضَعُون الخبرَ موضعَ الْأَمر كَقَوْلِه: اتَّقَى اللهِ امْرُؤٌ فَعَلَ خيرا يُثَبْ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ يضعون الْأَمر مَوضِع الْخَبَر كَقَوْلِهِم أَكْرِمْ بزيد والغَرَضُ فِي بِسم الله التعليمُ لما يُسْتَفْتَحُ بِهِ الأمورُ للتبرك وَبِذَلِك والتعظيم لله وَهُوَ تَعْلِيم وتأديبٌ وشِعَارٌ وعَلَمٌ من أَعْلَام الدّين وعَلى
стр. 2121
ذَلِك جرى فِي شَرِيعَة الْمُسلمين يُقَال عِنْد المأكل والمَذْبَحِ وَابْتِدَاء كُلِّ فعل خلافًا لمن كَانَ يذكر اسْم اللاتِ والعُزَّى من الْمُشْركين (الله) الأَصْل فِي قَوْلك الله الاْلَهُ حذفت الْهمزَة وَجعلت الْألف وَاللَّام عوضا لَازِما وَصَارَ الِاسْم بذلك كالعَلَم هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وحُذَّاقُ النَّحْوِيين وَقيل الاله هُوَ الْمُسْتَحق لِلْعِبَادَةِ وَقيل هُوَ الْقَادِر على مَا تَحِقُّ بِهِ العيادةُ وَمن زعم أَن معنى إِلَه معنى معبود فقد أَخطَأ وَشهد بخطئه الْقُرْآن وشريعةُ الْإِسْلَام لِأَن جَمِيع ذَلِك مُقِرٌ بِأَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَلَا شكّ أَن الْأَصْنَام كَانَت معبودةً فِي الْجَاهِلِيَّة على الْحَقِيقَة إِذا عبدوه وَلَيْسَ بإلهٍ لَهُم فقد تبين أَن الاِلَهَ هُوَ الَّذِي تِحِقُّ لَهُ العبادةُ وَتجب وَقيل فِي اسْم الله أَنه علم لَيْسَ أصلُه الاله على مَا بَينا أوّلاً وَهُوَ خطأ من وَجْهَيْن أَحدهمَا: أَن كُلَّ اسمٍ عَلَمٍ فَلَا بُدَّ من أَن يكون لَهُ أَصلٌ نُقِلَ مِنْهُ أَو غُيِّرَ عَنهُ والآخَرُ أَن أسماءَ اللهِ كُلَّها صِفَاتٌ إِلَّا شيءٌ فَإِنَّهُ صَحَّ لَهُ من حيثُ كَانَ أعَمَّ العمومِ لَا يجوز أَن يكون لَهُ اسْم على جِهَة التلقيب والأسماءُ الأعلامُ إِنَّمَا أجراها أهلُ اللُّغَة على ذَلِك فَسَمُّوا بكَلْبٍ وقِردٍ ومازِنٍ وظالِم لأَنهم ذَهَبُوا بِهِ مذهبَ التلقيب لَا مذهبَ الوصفِ قَالَ أَبُو أسْحَاق إِبْرَاهِيم ابْن السَّرِيِّ الزَّجَّاجُ: وَإِذا ذكرنَا أَبَا إِسْحَاق فِي هَذَا الْكتاب فإياه نُرِيد أكره أَن أذكر مَا قَالَ النحويون فِي هَذَا الِاسْم تَنْزِيها الِاسْم الله هَذَا قَوْله فِي أول كِتَابه فِي مَعَاني الْقُرْآن وَإِعْرَابه ثمَّ قَالَ فِي سُورَة الْحَشْر فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى﴾ [الْحَشْر: ٢٤] جَاءَ فِي التَّنْزِيل أَنَّهَا تِسْعَة وَتسْعُونَ اسْما وَنحن نبين هَذِه الْأَسْمَاء واشتقاقَ مَا يَنْبَغِي أَن يُبَيِّن بهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فَبَدَأَ بتفسير هَذَا الاسمِ فَقَالَ قَالَ سِيبَوَيْهٍ سألتُ الْخَلِيل عَن هَذَا الِاسْم فَقَالَ إلَهٌ فأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ الألفُ وَاللَّام [ ... .] فَهَذَا مُنْتَهى نَقله وحكايته عَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ أَبُو عَليّ الْحسن بن أَحْمد بن عبد الْغفار الْفَارِسِي النَّحْوِيّ: رادًّا على الزّجاج فِي سَهْوه مَا حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاق عَن الْخَلِيل سَهْو وَلم يحك سِيبَوَيْهٍ عَن الْخَلِيل فِي هَذَا الِاسْم إِن إلهٌ وَلَا قَالَ إِنَّه سَأَلَهُ عَنهُ لَكِن قَالَ إِن الْألف وَاللَّام بدل من الْهمزَة فِي حد النداء فِي الْبَاب المترجم هَذَا بابُ مَا ينْتَصب على الْمَدْح والتعظيم أَو الذَّم والشتم لِأَنَّهُ لَا يكون وَصفا للأوَّل وَلَا عطفا عَلَيْهِ قَالَ وأوَّلُ الْفَصْل اعْلَم أَنه لَا يجوز لَك أَن تُنَادِي اسْما فِيهِ الْألف وَاللَّام ألبتةَ إِلَّا أَنهم قَالُوا يَا اللهُ اغْفِر لي وَهُوَ فصل طَوِيل فِي هَذَا الْبَاب إِذا قرأتَه وقفتَ عَلَيْهِ مِنْهُ على مَا قُلْنَا قَالَ: والقولُ الآخر الَّذِي حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاق فَقَالَ وَقَالَ مرّة أُخْرَى وَلم ينْسبهُ سِيبَوَيْهٍ أَيْضا إِلَى الْخَلِيل وَلَكِن ذكره فِي حد الْقسم فِي أوَّل بَاب مِنْهُ قَالَ وَرُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله جلّ وَعز: ﴿وَيَذَرَكُ وألِهَتَكَ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٢٧] قَالَ عِبَادَتَك فقلونا إلَهٌ من هَذَا كَأَنَّهُ ذُو الْعِبَادَة أَي إِلَيْهِ يُتَوَجَّهُ بهَا ويُقْصَدُ قَالَ أَبُو زيد تأَلَّهَ الرجلُ إِذا تَنَسَّكَ وَأنْشد:
(سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلُّهِي ... )
ونظيرُ هَذَا فِي أَنه اسْم حَدَثٍ ثمَّ جرى صفة للقديم سُبْحَانَهُ قولُنا السَّلَامُ وَفِي التَّنْزِيل: ﴿السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ﴾ [الْحَشْر: ٢٤] والسَّلَامُ من سَلَّمَ كَالْكَلَامِ من كَلَّمَ وَالْمعْنَى ذُو السَّلَامِ أَي يُسَلِّمُ من عَذَابه من لم يَسْتَحِقَّه كَمَا أَن الْمَعْنى فِي الأول أَن الْعِبَادَة تَجِبُ لَهُ فَإِن قلتَ فأَجِزِ الحالَ عَنهُ وتَعَلُّقَ الظرفِ بِهِ كَمَا يجوز ذَلِك فِي المصادر فَإِن ذَلِك لَا يلْزم أَلا ترى أَنهم قد أَجْرَوْا شَيْئا من الْمصدر واسمِ الْفَاعِل مُجْرَى الْأَسْمَاء الَّتِي
стр. 2122
لَا تُنَاسِبُ الفعلَ وَذَلِكَ قولُكَ لِلهِ دَرُّكَ وزيدٌ صاحبُ عَمْرو وَأما مَا حَكَاهُ أَبُو زيد من قَوْلهم: تَأَلَّهَ الرجل فَإِنَّهُ يحْتَمل أَن يكون على ضَرْبَيْنِ من التَّأْوِيل يجوز أَن يكون كَمُتَعَبِدٍ والتَّعَبُدِ وَيجوز أَن يكون مأخوذاً من الِاسْم دون الْمصدر على حدّ قَوْلك اسْتَحْجَرَ الطينُ واسْتَنْوَقَ الجَمَلُ فَيكون الْمَعْنى أَنه يفعل الأفعالَ المُقَرِّبَةِ إِلَى الإِلَهِ والمُسْتَحق بهَا الثَّوَاب وَتسَمى الشمسُ الإِلَاهَةَ وإلَاهَةَ وروى لنا ذَلِك عَن قُطْرُب وَأنْشد قَول الشَّاعِر:
(تَرَوَّحْنَا من اللَّعْبَاءِ قَصْراً ... وأَعْجَلْنَا إِلَاهَةَ أَنْ تَؤُوبا)
فكأنهم سَموهَا إلَاهَةَ على نَحْو تعظيمهم لَهَا وعبادتهم إِيَّاهَا وَعَن ذَلِك نَهَاهُم الله وَأمرهمْ بالتوجه فِي الْعِبَادَة إِلَيْهِ دون مَا خَلَقَهُ وأَوْجَدَهُ بعد أَن لم يكن فَقَالَ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ والنَّهَارُ والشَّمْسُ والقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا للشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت: ٣٧] ويدلك على مَا ذكرنَا من مَذْهَب الْعَرَب فِي تسميتهم الشَّمْس إلاهَةَ أَنه غير مَصْرُوف فقوى ذَلِك لِأَنَّهُ مَنْقُول إِذْ كَانَ مَخْصُوصًا وَأكْثر الْأَسْمَاء المختصة الْأَعْلَام منقولةٌ نَحْو زيد وأسدُ مَا يَكْثُر تعدادُه من ذَلِك فَكَذَلِك إلهَةٌ تكون منقولة من إلاهَةَ الَّتِي هِيَ الْعِبَادَة لما ذكرنَا وَأنْشد الْبَيْت الْمُتَقَدّم الذّكر:
(وأَعْجَلْنَا إلَاهَةَ أَنْ تَؤُوبَا ... )
غير مَصْرُوف بِلَا ألف وَلَام فَهَذَا معنى الإِلَه فِي اللُّغَة وَتَفْسِير ابْن عَبَّاس لقراءةَ من قَرَأَ ﴿ويَذَرَكَ وألَهَتَكَ﴾ قد جَاءَ على هَذَا الحدّ غير شَيْء قَالَ أَبُو زيد: لَقِيْتُهُ نَدَرَى وَفِي النَّدَرَى وفَيْنَةً والفَيْنَة بعدَ الفَيْنَة وَفِي التَّنْزِيل: ﴿وَلَا يَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْراً﴾ [نوح: ٢٣] وَقَالَ الشَّاعِر:
(أما ودِمَاءٍ لَا تَزالُ كَأَنَّهَا ... على قُنَّةِ العُزَّى وبالنَّسْرِ عَنْدَما)
قَالَ فَهَذَا مِثْلُ مَا ذكرنَا من إلَهَةَ والإِلَهَةَ والإِلَهَةَ فِي دُخُول اللَّام الْمعرفَة الِاسْم مرّة وسقوطها أُخْرَى فَأَما من قَرَأَ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ فَهُوَ جمع إلَهٍ كَقَوْلِك إزارٌ وآزِرَةٌ وإناءٌ وآنيةٌ وَالْمعْنَى على هَذَا أَنه كَانَ لفرعون أصنام يَعْبُدهَا شِيعَتُهُ وأتْبَاعُهُ فَلَمَّا دعاهم مُوسَى ﵇ إِلَى التَّوْحِيد حَضُّوا فرعونَ عَلَيْهِ وعَلى قومه وأَغْرَوْهُ بهم فَمَا قَوْلنَا اللهُ جلّ وَعز فقد حمله سِيبَوَيْهٍ على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا: أَن يكون أصلُ الِاسْم إلَهاً ففاء الْكَلِمَة على هَذَا همزَة وعينها لَام وَالْألف ألف فِعَال الزَّائِدَة وَاللَّام هَاء والقولُ الآخر أَن يكون أصلُ الِاسْم إلَهاً ففاء الْكَلِمَة على هَذَا همزَة وعينها لَام وَالْألف ألف فِعَال الزَّائِدَة وَاللَّام هَاء والقولُ الآخر أَن يكون أصلُ الِاسْم لَاهاً ووزنه فَعَلٌ فَأَما إِذا قَدَّرْتَ أَن الأَصْل إِلَه فَيذْهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أَنه حُذفت الفاءُ حَذْفاً لَا على التَّخْفِيف القياسي إِذْ تَقْدِير ذَلِك سَائِغ فِيهِ غير مُمْتَنع مِنْهُ والحملُ على الْقيَاس أولى من الْحمل على الْحَذف الَّذِي لَيْسَ بِقِيَاس قيل لَهُ أَن ذَلِك لَا يَخْلُو من أَن يكون على الْحَذف كَمَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ أَو على تَخْفيف الْقيَاس فِي أَنه إِذا تحرَّكت الْهمزَة وَسكن مَا قبلهَا حذفت وألقيت حركتُها على السَّاكِن فَلَو كَانَ طرحُ الْهمزَة على هَذَا الْحَد دون الْحَذف لما لزم أَن يكونَ مِنْهَا عِوَضٌ لِأَنَّهَا إِذا حُذِفَتْ على هَذَا الحدِّ فَهِيَ وَإِن كَانَت مُلْقَاةً من اللَّفْظ مُبَقَّاةٌ فِي النِّيَّة ومُعامَلَةٌ المُثْبتَةِ غير المحذوفة يدلك على ذَلِك تركُهم الياءَ مصححة فِي قَوْلهم جَيْأَل إِذا خَفَّفُوا فَقَالُوا جَيَل وَلَو كَانَت محذوفة فِي التَّقْدِير كَمَا أَنَّهَا محذوفة من اللَّفْظ للَزِمَ قلبُ الْيَاء ألفا فَلَمَّا كَانَت الياءُ فِي نِيَّة سكونٍ لم تُقَلَبْ كَمَا قُلِبَتْ فِي بابٍ وَنَحْوه وَيدل على ذَلِك تحريكُهُم الواوَ فِي ضَوٍ وَهِي طَرَفٌ إِذا خففت وَلَو لم تكن فِي نِيَّة سُكُون لقلبت وَلم تثبت آخرا وَيدل عَلَيْهِ أَيْضا تبيينهم فِي نُويٍ إِذا خفف نُؤْيٌ وَلَوْلَا نِيَّة الْهمزَة لقلبت يَاء وأدغمت كَمَا فعل فِي مَرْمِيِّ وَنَحْوه فَكَمَا أَن الْهمزَة فِي هَذِه الْمَوَاضِع لما كَانَ حذفهَا على
стр. 2123
التَّخْفِيف القياسي كَانَت منويةَ الْمَعْنى كَذَلِك لَو كَانَ حَذفُها فِي اسْم الله تَعَالَى على هَذَا الحَدِّ لما لَزِمَ أَن يكون من حَذْفِها عوضٌ لِأَنَّهَا فِي تَقْدِير الْإِثْبَات للدلالة الَّتِي ذَكرنَاهَا وَفِي تَعوِيضِهِم من هَذِه الْهمزَة مَا عَوَّضُوا مَا يدل على أَن حذفهَا عِنْدهم لَيْسَ على حدِّ القِيَاسِ كَجَيَلٍ فِي جَيْأَلٍ وَنَحْو ذَلِك بل يدل العِوَضُ فِيهَا على أَنهم حَذَفُوهَا حَذْفاً على غير هَذَا الحَدِّ فَإِن قَالَ فَمَا العِوَضُ الَّذِي عُوِّضَ من هَذِه الْهمزَة لما حُذِفَتْ على الحدّ الَّذِي ذكرتَ وَمَا الدلالةُ على كَونه عوضا قيل أما العِوَضُ مِنْهَا فَهُوَ الْألف وَاللَّام فِي قَوْلهم الله وَأما الدلالةُ على أَنَّهَا عوض فاستجازتُهم لقطع الْهمزَة الموصولة الدَّاخِلَة على لَام التَّعْرِيف فِي القَسَم والنداء وَذَلِكَ قولُهم تَأَللَّهِ لَيَفْعَلَنَّ وَيَا أللهُ اغْفِرْ لي أَلا تَرضى أَنَّهَا لَو كانتْ غَيْرَ عِوَضٍ لم تَثْبُتْ كَمَا لم تَثْبُتْ فِي غيرِ هَذَا الِاسْم فَلَمَّا قُطِعَتْ هُنَا اسْتُجِيزَ ذَلِك فِيهَا وَلم يُسْتَجَزْ فِي غَيرهَا من الهَمَزَاتِ المَوْصُولَةِ عَلِمْنَا أَن ذَلِك لِمَعْنىً اخْتَصَّتْ بِهِ لَيْسَ فِي غَيرهَا وَلَا شيءَ أَوْلَى بذلك المَعْنَى من أَن يكون العِوَضَ من الحَرْفِ المحذوفِ الَّذِي هُوَ الْفَاء فَإِن قَالَ قَائِل مَا أنْكَرْتَ أَن لَا يكون ذَلِك الْمَعْنى العِوَضَ وَإِنَّمَا يكون الِاسْتِعْمَال فغُيِّرَ بِهَذَا كَمَا يُغَيِّرُ غيرُه مِمَّا يكثر فِي كَلَامهم عَن حَال نَظَائِره وَحَدِّهِ قيل لَا يَخْلُو من أَن يكونَ العوضَ كَمَا ذَكرْنَاهُ أَو يكونَ كثرةَ الاستعمالِ أَو يكون لِأَن الحرفَ ملازِمٌ للاسم لَا يُفَارِقهُ فَلَو كَانَ كثرةُ الاستعمالِ هُوَ الَّذِي أوجَبَ ذَلِك دونَ العِوَض لوَجَبَ أَن تُقْطَعَ الهمزةُ أَيْضا فِي غير هَذَا مِمَّا يكثر استعمالُه وَلَو كَانَ للُزُوم الْحَرْف لوجَبَ أَن تُقْطَعَ همزةُ الَّذِي للزومها ولكثرةِ اسْتِعْمَالهَا أَيْضا ولَزِمَ قطعُ هَذِه الْهمزَة فِيمَا كثر اسْتِعْمَاله هَذَا فَاسد لِأَنَّهُ قد يكثُر استعمالُ مَا فِيهِ الهمزةُ وَلَا تُقْطَعُ فَإِذا كَانَ كَذَلِك ثَبَتَ أَنه للعِوَضِ وَإِذا كَانَ للعِوَضِ لم يَجُزْ أَن يكون حذفُ الْهمزَة من الِاسْم على الحَدِّ القياسي لما قدمْنَاهُ فَلهَذَا حمله سِيبَوَيْهٍ على هَذَا الْوَجْه دون الْوَجْه الآخر قَالَ: كَانَ الِاسْم وَالله أعلم إلَهٌ فَلَمَّا أَدخل فِيهِ الألفُ واللامُ حذفوا الْهمزَة وَصَارَت الْألف وَاللَّام خَلَفاً مِنْهَا فَهَذَا أَيْضا مِمَّا يقوّي أَن يكون بِمَنْزِلَة مَا هُوَ من نفس الحرفِ فَإِن قَالَ قَائِل أَفَلَيْسَ قد حُذِفَتِ الهمزَةِ من النَّاس كَمَا حُذِفَتْ من هَذَا الِاسْم فَهَل تَقول إِنَّهَا عوض مِنْهَا كَمَا أَن الْألف وَاللَّام عِوَضٌ من الْهمزَة المحذوفة فِي اسْم الله قيل لَهُ: لَيْسَ الْألف واللامُ عِوَضاً فِي النَّاس كَمَا كَانَا عِوَضاً مِنْهَا فِي هَذَا الِاسْم وَهُوَ كَانَ عوضا لَفُعِلَ بِهِ مَا فُعِلَ فِي الْهمزَة فِي اسْم الله لَمَا جُعِلَتْ فِي الكلمةِ الَّتِي دخلت عَلَيْهَا عِوِضاً من الْهمزَة المحذوفة فَإِن قلت أفليس قد قَالَ سِيبَوَيْهٍ بعد الْكَلَام الَّذِي ذكرته لَهُ ومِثْلُ ذَلِك أُنَاسٌ فَإِذا أدخلت الألأف وَاللَّام قلتَ الناسُ قيل قد قَالَ هَذَا وَمعنى قَوْله ومثلُ ذَلِك أُنَاسٌ أَي مثلُه فِي حذف الْهمزَة مِنْهُ فِي حَال دُخُول الْألف وَاللَّام عَلَيْهِ لَا أَنه بدلُ المحذوفِ كَمَا كَانَ فِي اسْم الله تَعَالَى بَدَلاً ويُقَوِّي ذَلِك مَا أنْشدهُ أَبُو الْعَبَّاس عَن أبي عُثْمَان:
(إِنَّ المَنَايَا يَطَّلِعْنَ ... عَلَى الأُنَاسِ الآمِنِينَا)
فَلَو كَانَ عِوَضاً لم يكن ليجتمعَ مَعَ المُعَوَّضِ مِنْهُ فَإِذا حُذِفَتِ الهمزةُ مِمَّا لَا تكونُ الألفُ واللامُ عِوَضاً مِنْهُ كانَ حَذْفُها فِيمَا ثَبَتَ أَن الألفَ واللامَ عِوَضٌ مِنْهُ أَوْلَى وأَجْدَرُ فَبُيِّنَ من هَذَا أَن الْهمزَة الَّتِي هِيَ فاءٌ محذوفةٌ من هَذَا الِاسْم فَإِن قَالَ قَائِل مَا أنكرتَ أَن يكون قطعَ الْهمزَة فِي الِاسْم فِي هَذَا الْوَصْل لَا لشَيْء مِمَّا ذكرتَ من العِوَضِ وكثرةِ الاستعمالِ وَلَا للُزُوم الِاسْم وَلَكِن لشَيْء آخر غير ذَلِك كُلِّهِ وَهُوَ أَنَّهَا همزَة مَفْتُوحَة وَإِن كَانَت مَوْصُولَة والهمزات الموصولة فِي أَكثر الأَمر على ضَرْبَيْنِ مكسور ومضموم فَلَمَّا خَالف هَذَا مَا عَلَيْهِ الجمهورُ والكثرةَ اسْتُجِيرَ فِي الْوَصْل قطعُهَا لمشابهتها إِيَّاهَا فِي انفتاحها لَا لغير ذَلِك قيل لَهُ إِن كَونهَا مَفْتُوحَة لَا يُوجب فِي الْوَصْل قَطْعُهَا وَإِن شابهتها فِي الزِّيَادَة أَلا ترى أَن الْهمزَة فِي قَوْلهم إيم وإيمن همزَة وصل وَأَنَّهَا مَفْتُوحَة مثل المصاحبة للام التَّعْرِيف وَلم تقطع فِي مَوضِع من مَوَاضِع وَصلهَا كَمَا قُطِعَتْ هَذِه فَهَذَا يدل على
стр. 2124
أَن قطعهَا لَيْسَ لانفتاحها وَلَو كَانَ لوَجَبَ أَن تقطع فِي غير هَذَا الْموضع لدُخُول الانفتاح فَلَمَّا لم تُقْطَع فِي الْحَرْف الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَهُوَ ايم الله وايمن الله وَلم تقطع فِي غير هَذَا الِاسْم علمنَا أَن الانفتاح لَيْسَ بعلة مُوجبَة للْقطع وَإِذا لم يكن ذَلِك ثَبت أَنه مَا ذَكرْنَاهُ من الْعِوَض فَإِن قدرته على التَّخْفِيف القياسي فَكَانَ الأَصْل الاله ثمَّ خففت الْهمزَة وَمَا قبلهَا سَاكن فحذفتها وألقيت حركتها على السَّاكِن فَاجْتمع مثلان فسكنت الأولى فأدغمت وعَلى هَذَا التَّقْدِير قَوْله جلّ وَعز: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللهُ رَبِّي﴾ [الْكَهْف: ٣٨] إِلَّا أَن توجبه الِاسْم على مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ القولُ لما ذكرتُ وَذكر أَبُو بكر عَن أبي الْعَبَّاس أَن الْكسَائي أجَاز بِمَا أُنْزِلَّيْكَ فِي قَوْله: ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك﴾ [الْبَقَرَة: ٤] وأدغمَ اللامَ الأولى فِي الثَّانِيَة وَشبهه بقوله: ﴿لكنَّا هُوَ الله رَبِّي﴾ [الْكَهْف: ٣٨] وَهَذَا خطأ لِأَن مَا قبل الْهمزَة من لكنْ أَنا ساكنٌ فَإِذا خففتَ حذفتَ فألقيتَ الحركةَ على السَّاكِن وَمَا قبل الْهمزَة فِي أُنْزِلَ إِلَيْك مُتَحَرِّكٌ فَإِذا خففت لم يجز الحذفُ كَمَا جَازَ فِي الأوّل لَكِن تجْعَل الْهمزَة بَيْنَ بَيْنَ فَإِذا لم يجزِ الحذفُ لم يجز الإدغامُ لِحَجْزِ الحَرْفِ بَين المِثْلَيْنِ وَهَذَا الَّذِي قَالَه أَبُو الْعَبَّاس ظاهِرٌ بَيِّنٌ فَإِن قَالَ قَائِل: تحذف الْهمزَة حذفا كَمَا حذفتْ من النَّاس قيل أما الْخَطَأ فِي التَّشْبِيه فحاصل إِذْ شُبِّهَ بَين مُخْتَلفين من حيثُ شُبِّهَ فَأَما هَذَا الضربُ من الْحَذف فَلَا يَسُوغُ تَجْوِيزُه حَتَّى يتقدمه سَمَاعٌ أَلا ترى أَنه لَا يجوز حذفُ الْهمزَة من الاِبَاءِ والاِيَابِ كَمَا جَازَ فِي النَّاس وَلَيْسَ كَذَلِك الْحَذف فِيمَا كَانَ من الهمزات مَا قبله ساكِنٌ لِأَن حذفَ ذَلِك قياسٌ مطرد وأصل مستمرّ فَإِن قَالَ: أفليس الهمزةُ قد حُذِفَتْ من قَوْلهم ويْلُمِّهِ وَفِي قَوْلهم ناسٌ وَفِي اسْم الله وكلُّ ذَلِك قد حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ وَذهب إِلَى حذف الْهمزَة فِيهِ فَمَا أنْكرت أَن يكون حذفُ الْهمزَة والمبتدأة كثيرا يجوز حملُ القياسِ عَلَيْهِ ورَدُّ غَيره إِلَيْهِ وَقد ذهب الْخَلِيل إِلَى حذف الْهمزَة من لَنْ فِي قَوْلهم لَنْ أَفْعَلَ وَقَالَ هُوَ لَا أنْ قيل لَهُ ليستْ هَذِه الحروفُ من الْكَثْرَة والسَّعَةِ بِحَيْثُ يُقَاس غيرُها عَلَيْهَا إِنَّمَا هِيَ حُرُوف كثر اسْتِعْمَالهَا فَحذف بَعْضُهَا وعُوِّضَ من حَذْفِها وَلَيْسَت الهمزةُ فِي الْآيَة إِذا حُذِفَتْ عِنْد الْكسَائي بِمُعَوَّض مِنْهَا شيءٌ يُحْذَفَ مِنْهَا غيرُهَا من الْكَلَام للإدغام والقياسُ على هَذِه الحروفُ لَا يُوجب حذفَهَا إِذْ لَا عِوَضَ مِنْهَا كَمَا حُذِفَ من هَذِه الْحُرُوف لَمَّا عُوِّض مِنْهَا فَإِن قلت: فإنَّ قولَهم ويْلُمِّهِ حُذِفَ وَلم يُعَوَّض مِنْهُ شيءٌ فَإِن القياسَ على هَذَا الفذِّ الشاذِّ غيرُ سَائِغ وَلَا سِيمَا إِذا كَانَ فِي الْمَقِيس عَلَيْهِ معنى أوجبه شَيْء لَيْسَ فِي الْمَقِيس مثلُه وَهُوَ كثرةُ الِاسْتِعْمَال أَلا ترى أَنَّك تَقول لَا أَدْرِ وَلم أُبَلْ فَتَحذفُ لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال وَلَا تَقِيسُ عَلَيْهِ غَيره إِذا كَانَ مُتَعَرِّياً من الْمَعْنى المُوجِبِ فِي هَذَا الحذفِ فَلذَلِك لَا تقيس على ويْلُمِّه مَا فِي الْآيَة من حذفِ الْهمزَة إِذْ لَا يَخْلُو الحذفُ فِيهَا من أَن يكون لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال كَمَا ذكرنَا أَو لِأَنَّهَا همزةٌ مبتدأةٌ فَلَو كَانَ الحذفُ لِأَنَّهَا همزَة مُبتَدأَة لوَجَبَ حذفُ كُلِّ همزةٍ مبتدأةٍ وَذَلِكَ ظاهرُ الْفساد فَثَبت مَا ذَكرْنَاهُ وَيفْسد حذف هَذَا من جِهَة أُخْرَى وَهُوَ أ، هـ إِذا سَاغَ الْحَذف فِي بعض الْأَسْمَاء أَو الْأَفْعَال لِكَثْرَة الِاسْتِعْمَال أَو الاستثقال أَو ضَرْبٍ من الضروب لم يجز حذفُ الحروفِ قياساُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّهُ قَبِيلٌ غَيرهمَا ونوعٌ سواهُمَا فحكمُه غيرُ حكمِهما إِلَّا أَن الحذفَ لم يَجِيء فِي شَيْء من الْحُرُوف إِلَّا فِي بعض مَا كَانَ مضاعفاً نَحْو رُبَّ وأنَّ وكأنَّ وَلم يَجِيء فِي كل ذَلِك لم نعلمهُمْ حذفوا من ثُمَّ وَلَيْسَ إِلَى مُضاعفاً فَيجوز ذَلِك وَلها ذهب أهلُ النّظر فِي الْعَرَبيَّة إِلَى تَغْلِيب معنى الِاسْم على مُذْ لمَكَان الْحَذف وتغليب معنى الْحَرْف على مُنْذُ لتمامها فَلَو جَازَ الحذفُ فِي الْأَسْمَاء وَفِي نَحْو ذَا لم يجز الْحَذف من الْحُرُوف قِيَاسا عَلَيْهَا لقلَّة الْحَذف من الْحُرُوف وَلم نعلم الحروفَ حَذِفَ مِنْهَا شَيْء إِلَّا مَا ذَكرْنَاهُ والألفَ من هَا الَّتِي للتّنْبِيه من قَوْلهم هَلُمَّ وَذَلِكَ لِكَثْرَة استعمالهم وبنائه مَعَ غَيره وَلَيْسَ فِي الْحَرْف الَّذِي فِي الْآيَة شَيْء من ذَلِك فتجويز هَذَا فَاسد فِي الْعَرَبيَّة وقياسِها لما ذكرتُ فَأَما مَا ذهب إِلَيْهِ الخليلُ فِي لَنْ يتبعهُ فِي ذَلِك سِيبَوَيْهٍ وَلَا كثير من أَصْحَابه وَيفْسد قياسُ حذف الْهمزَة من إِلَى على الَّتِي فِي
стр. 2125
وَيْلُمِّه وعَلى الْألف فِي هَلُمَّ من جِهَة أُخْرَى وَهِي أَن هذَيْن الحرفين لما ضُمَّا إِلَى غَيرهمَا وَكثر استعمالُها صَارا بِمَنْزِلَة الْكَلِمَة الْوَاحِدَة الْمُتَّصِلَة من أجل اللُّزُوم والحذفُ وسائرُ ضروب التَّغْيِير والاعتلالِ إِلَى المتصلِ أَسْوَغُ وأَوْجَهُ مِنْهُ إِلَى الْمُنْفَصِل فالحذفُ فِي هذَيْن الحرفين لَا يُسَوِّغُ مَا لَا يَسُوغُ فِي غَيرهمَا لما ذَكرْنَاهُ من شدَّة الِاتِّصَال ويَدُلُّكَ على شِدَّةِ اتصالِهما أَنهم اشْتَقُّوا مِنْهُمَا وهما مركبان كَمَا يُشْتَقُّ من المفردين قَالَ أَبُو زيد: يُقَال رجل وَيْلُمَّةٌ والوَيْلُمَّة من الرِّجَال الداهية وَقَالَ الْأَصْمَعِي: إِذا قَالَ لَك هَلُمَّ فقلْ لَا أَهْلُمَّ فَهَذَا يدل على إجرائهم الْكَلِمَتَيْنِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مُجْرَى الْمُفْرد فاشْتُقَّ مِنْهُمَا كَمَا اشْتُقَّ من الْمُفْرد فعلى حَسَبِ هَذَا حَسُنَ الْحَذف مِنْهُمَا كَمَا يحسن من الْكَلم المُفْرَدِ والمفرد والمتصل وَمَا جرى مجراهما يكون فيهمَا من الْحَذف مَا لَا يكون فِي غَيرهمَا من الْمُنْفَصِل فِي جَمِيع أَبْوَاب الْعَرَبيَّة أَلا ترى أَنَّك تُدْغِمُ مثلَ مَدَّ وفَرَّ وَمَا أشبه ذَلِك لَا يكون فِيهِ غير الْإِدْغَام وأنتَ فِي جَعَلَ لَكَ وفَعَلَ لبيد مُخَيّر بَين الْإِدْغَام وَالْبَيَان وَكَذَلِكَ مَا فِي الْآيَة يمْتَنع الحذفُ من الْحَرْف فِيهِ لِأَنَّهُ مُنْفَصِل فَهَذِهِ جِهَة أُخْرَى يمْتَنع لَهَا الْحَذف من الْحَرْف ويَضْعُفُ فَأَما مثل: ﴿ولكَن انْظُر إِلَى الجبَلِ﴾ [الْأَعْرَاف: ١٣٣] و ﴿فانْظُر إِلَى آثارِ رَحْمَةِ اللهِ﴾ [الرّوم: ٥٠] و ﴿فاذْهَبْ أَنْتَ ورَبُّكَ﴾ [الْمَائِدَة: ٢٤] فحذفُه مطردٌ قياسيٌ وَلَيْسَ من هَذَا الْبَاب فَهَذَا شيءٌ عَرض فِي هَذَا الْمَسْأَلَة مِمَّا يتَعَلَّق بِهِ ثمَّ نعود إِلَيْهَا فَأَما القولُ الَّذِي قَالَه سِيبَوَيْهٍ فِي اسْم الله فَهُوَ: أَن الِاسْم أَصله لَاهٌ ووزنه على هَذَا فَعَلٌ اللَّام فَاء الْفِعْل وَالْألف منقلبة عَن الْحَرْب الَّذِي هُوَ الْعين وَالْهَاء لَام وَالَّذِي دلهم على ذَلِك أَن بَعضهم يَقُول لَهْيَ أَبُوكَ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فَقلت الْعين وَجعل اللَّام سَاكِنة إِذْ صَارَت مَكَان الْعين كَمَا كَانَت الْعين سَاكِنة وَتركُوا آخر الِاسْم مَفْتُوحًا كَمَا تركُوا آخر أَيْنَ مَفْتُوحًا وَإِنَّمَا فعلوا ذَلِك حَيْثُ غيروه لكثرته فِي كَلَامهم فغيروا إعرابه كَمَا غيروه فالألفُ على هَذَا القَوْل فِي الِاسْم منقلبةٌ عَن الْيَاء لظهورها فِي مَوضِع اللَّام المقلوبة إِلَى مَوضِع الْعين وَهِي فِي الْوَجْه الأول زائدةٌ لفِعالٍ غيرُ منقلبة عَن شَيْء واللفظتان على هَذَا مُخْتَلِفَتَانِ وَإِن كَانَ فِي كل وَاحِدَة مِنْهُمَا بعضُ حروفِ الْأُخْرَى وَذكر أَبُو الْعَبَّاس فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فِي كِتَابه المترجم بالغلط فَقَالَ: قَالَ سِيبَوَيْهٍ فِيهِ: إِن تَقْدِيره فِعَالٌ لِأَنَّهُ اِلَهٌ والألفُ واللامُ فِي الله بدلٌ من الْهمزَة فَلذَلِك لزمتا الاسمَ مثل أُناسٍ والناسِ ثمَّ قَالَ: إِنَّهُم: يَقُولُونَ لَهْيَ أَبوك فِي معنى لِلِّهِ أبوكَ فَقَالَ: يُقَدِّمُونَ اللامَ ويؤخرون الْعين قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: وَهَذَا نَقْضٌ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ أوَّلاً إِن الْألف زائدةٌ لِأَنَّهَا ألفُ فِعالٍ ثمَّ ذكر ثَانِيَة أَنَّهَا عين الْفِعْل وَهَذَا الَّذِي ذكره أَبُو الْعَبَّاس من أَن هَذَا القَوْل نَقْضٌ مُغالَطَةٌ وإ، مَا كَانَ يكون نَقْضاً لَو قَالَ فِي حرف وَاحِد من كلمة وَاحِدَة وَتَقْدِير وَاحِد إِنَّه زِيَادَة ثمَّ قَالَ فِيهَا نَفسهَا إِنَّه أصلٌ فَهَذَا لَو قَالَه فِي كلمة بِهَذِهِ الصّفة لَكَانَ لَا محَالة فَاسِدا كَمَا أَن قَائِلا لَو قَالَ فِي تُرْتُبٍ إِن التَّاء مِنْهُ زَائِدَة ثمَّ قَالَ فِي تُرْتَب إِنَّهَا أصل والكلمة بِمَعْنى وَاحِد من حُرُوف بِأَعْيَانِهَا فِي الْكَلِمَة الأولى لَكَانَ فَاسِدا منتقضاً لِأَنَّهُ جعل حرفا وَاحِدًا من كلمة وَاحِدَة فِي تَقْدِير وَاحِد فَلَا يَسْتَقِيم لذَلِك أَن يحكم بهما عَلَيْهِ فَأَما إِذا قدَّر الْكَلِمَة مُشْتَقَّة من أصلين مُخْتَلفين لم يمْتَنع أَن يحكم بِحرف فِيهَا أَنه أصل وَيحكم على ذَلِك الْحَرْف أَنه زَائِد لِأَن التَّقْدِير فيهمَا مُخْتَلف وَإِن كَانَ اللَّفْظ فيهمَا مُتَّفقا أَلا ترى أَنَّك تَقول مَصِيرٌ ومُصْرانٌ ومَصَارِين ومَصِيرٌ من صَارَ يَصِيرُ فَتكون الْيَاء من الأولى زَائِدَة وَمن الثَّانِيَة أصلا فَلَا يمْتَنع لاتِّفَاقهمَا فِي اللَّفْظ أَن يحكم على هَذَا بِالزِّيَادَةِ وَكَذَلِكَ مَسِيلٌ إِن أَخَذته من سَالَ يَسِيلُ أَو أَخَذته من مَسَلَ كَانَ فَعِيلاً وَكَذَلِكَ مَوْأَلَةٌ أَن جعلته مَفْعَلَةٌ من وَأَلَّ وَإِن جعلته من قَوْلهم رجل مَأْلٌ أَي خَفِيف وَامْرَأَة مَأْلَةٌ كَانَ فَوْعَلَة وَكَذَلِكَ أُثْفِيَّة إِن أَخَذته من تَأَثُّفنا بالمكانِ وَكَذَلِكَ أَرْوَى إِن توّنثَه جَازَ أَن يكون أَفْعَلَ مثل أَفْكَلَ وَأَن يكون فَعْلَى مثل أَرْطَى وَإِن لم تنونه كَانَ فَعْلَى وَالْألف فِيهِ مثل حُبْلَى وَكَذَلِكَ أُرْبِيَّة لأصل الفَخِذِ إِن أَخَذته من التأريب الَّذِي هُوَ التوفير من قَوْلك أَرَّبْتُ الشيءَ إِذا وَفَّرْته وَقَوْلهمْ أَرِيبٌ إِذا أَرَادوا بِهِ ذُو تَوَفُّرٍ وكَمَالٍ فَإِن
стр. 2126
أَخَذته من رَبَا يَرْبُو إِذا ارْتَفع لِأَنَّهُ عُضْو مُرْتَفع فِي النِّصْبَةِ والخِلْقةِ فاللفظانِ متفقانِ والمعنيانِ مختلفانِ وَهَذَا كثير جدا تتفق الألفاظُ فِيهِ وَيخْتَلف الْمَعْنى وَالتَّقْدِير فَكَذَلِك هَذَا الِاسْم الَّذِي تَقول لَهْيَ عِنْد سيبوه تَقْدِيره مقلوباً من لَاهِ ولَاهِ على هَذَا الألفُ فِيهِ عينُ الْفِعْل وَهِي غير الَّتِي فِي الله إِذا قَدَّرْتَهُ محذوفاً مِنْهُ الْهمزَة الَّتِي هِيَ فاءُ الْفِعْل فَحكم بِزِيَادَة الْألف من غير الْموضع الَّذِي حكم فِيهِ بِأَنَّهَا أصل فَإِذا كَانَ كَذَلِك سَلِمَ قولُه من النَّقْضِ وَلم يجز فِيهِ دَخَلٌ فَإِن قَالَ قَائِل: مَا تُنْكِرُ أَن يكون لَاهِ فِي قَول من قَالَ لَهْيَ أَبوك هُوَ أَيْضا من قَوْلك إِلَه وَلَا يكون كَمَا قدّره سيبوه من أَن الْعين يَاء لكَي تكون الْألف فِي لهي منقلبة عَن الْألف الزَّائِدَة فِي إِلَه قيل الَّذِي يمْتَنع لَهُ ذَلِك ويَبْعُدُ أَن الْيَاء لَا تنْقَلب عَن الْألف الزَّائِدَة على هَذَا الْحَد إِنَّمَا تنْقَلب واواً فِي ضَوَاربَ وهمزة فِي كنائن وياء فِي دَنَانِير فَأَما أَن تنْقَلب ياءٌ على هَذَا الحدّ فبعيد لم يَجِيء فِي شَيْء علماه فَإِن قَالَ قَائِل: فقد قَالُوا زَبَانِيّ وطائي فأبدلوا الْألف من ياءين زائدتين فَكَذَلِك تبدل الْيَاء من الْألف الزَّائِدَة فِي لَهْيَ فَالْجَوَاب أَن إبدالهم الْألف من الْيَاء فِي زَبَانِي لَيْسَ بإبدال يَاء من الْألف فِي نَحْو قَوْله:
(لَنَضْرِباً بِسَيْفِنَا قَفِيْكا ... )
لم يَنْبع لَك أَن تجيز هَذَا قِيَاسا عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك لُغَة لَيست بالكثيرة وَلِأَن مَا قبل الْمُبدل قد اخْتلف أَلا ترى أَن الْعين فِي قفيكا متحركة وَمَا قبل الْيَاء فِي لهي سَاكن وَمِمَّا يبعد ذَلِك أَن القَلْبَ ضَرْبٌ من التصريف تُرَدُّ فِيهِ الْأَشْيَاء إِلَى أُصُولهَا أَلا ترى أَنَّك لَا تكَاد تَجِد مقلوباً محذوفاً مِنْهُ بل قد يُرَدُّ فِي بعض المقلوب مَا كَانَ محذوفاً قبل الْقلب كَقَوْلِهِم هارٍ وَذَلِكَ أَنه لما أزيلت حُرُوف الْكَلِمَة فِيهِ عَن نظمها وقصدها كَمَا فعل ذَلِك بالتكسير والتصغير أشبههما فَإِذا أشبههما فِيمَا ذكرنَا وَجب من أجل هَذَا الشّبَه ردّ الْمَحْذُوف إِلَيْهِ كَمَا ردّ إِلَيْهِمَا فلهذه المضارعة الَّتِي فِي الْقلب بالتحقير والتكسير يرجح عندنَا قولُ من قَالَ فِي أَيْنُق إِنَّهَا أَعْفُل قلبت الْعين فِيهَا يَاء على غير قِيَاس على قَول من قَالَ إِنَّهَا أيفل فَذهب إِلَى الْحَذف وتعويض الْيَاء مِنْهَا ويُقَوَّي الوجهَ الأول ثباته فِي التكسير فِي قَوْلهم أيانق أنْشد أَبُو زيد:
(لَقَدْ تَعَلَّلْتُ عَلَى أَيَانِقِ ... صُهْبٍ قَلِيلَاتِ القُرَادِ اللازِقِ)
فَإِن قلت فَإِذا كَانَ الِاسْم على هَذَا التَّفْسِير فَعَلاً بِدلَالَة انقلاب الْعين ألفا فَهَلا كَانَ فِي الْقلب أَيْضا على زنته قبل الْقلب قيل: إِن المقلوب قد جَاءَ فِي غير هَذَا الْموضع غير زنة المقلوب عَنهُ أَلا ترى أَنهم قَالُوا لَهُ جاهٌ عِنْد السُّلْطَان فجاءَ على فَعَلٍ وَهُوَ مقلوب من الوَجْهِ فَهَذَا وَإِن كَانَ عكسَ مَا ذَكرْنَاهُ من الْقلب الَّذِي ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ فِي الِاسْم والزنة فَإِنَّهُ مثله فِي اخْتِصَاص المقلوب ببناءٍ غير بناءِ المقلوب عَنهُ وَهَذَا يُؤَكد مَا ذَكرْنَاهُ من مشابهةِ الْقلب والتحقير والتكسير أَلا ترى أَن البناءين اخْتلفَا كَمَا اخْتلف التكسير والتصغير فَأَما بناءُ الِاسْم فَإِنَّهُ تَضَمَّنَ معنَى لامِ المعرفةِ كَمَا تضمنها أَمْسِ فَبُنِيَ كَمَا بُنِيَ وَلم يَجْعَل فِي الْقلب على حدّ مَا كَانَ قبل الْقلب فَكَمَا اخْتلف البنااآن كَذَلِك اخْتلف الحذفان فَكَانَ فِي الْقلب على حَده فِي أَمْسِ دون سَحَرَ وقبْلَ الْقلب على حد الْحَذف من اللَّفْظ للتَّخْفِيف لِاجْتِمَاع الْأَمْثَال وَتَقْدِير الثَّبَات فِي اللَّفْظ نَحْو تذكرُونَ فِيمَن خفف ويَسْطِيعَ وَمَا أشبهه وَحكى أَبُو بكر أَن أَبَا الْعَبَّاس اخْتَار فِي هَذَا الِاسْم أَن يكون أصلُه لَاهاً وَأَن يكون لَهْيَ مقلوباً وَأَن القَوْل الآخر الَّذِي لسيبويه فِيهِ من أَنه من قَوْلهم إِلَهٌ وتشبيه سِيبَوَيْهٍ إِيَّاه بأناس لَيْسَ كَذَلِك وَذَلِكَ أَنه يُقَال أنَاس فَإِذا دخل الْألف وَاللَّام بقيت الْهمزَة أَيْضا قَالَ وَأنْشد أَبُو عُثْمَان:
(إِنَّ المَنَايَا يَطَّلِعْنَ ... على الأُنَاسِ الآمِنِينَا)
стр. 2127
فَكَذَلِك تثبت الْهمزَة فِي الإلِهِ وَقد قدَّمْتُ فِي هَذَا الْفَصْل مَا يُسْتَغْنَى بِهِ عَن الْإِعَادَة فِي هَذَا الْموضع وصحةَ مَا ذهب إِلَيْهِ سِيبَوَيْهٍ من حذف الْهمزَة الَّتِي هِيَ فاءٌ وكونِ الْألف وَاللَّام عِوَضاً مِنْهَا أَلا ترى أَنَّك إِذا أثبت الْهمزَة فِي الْإِلَه وَلم تحذف لم تكن الألفُ واللامُ فِيهِ على حَدِّها فِي قَوْلنَا الله لِأَن قطع همزَة الْوَصْل لَا يجوز فِي الْإِلَه كَمَا جَازَ فِي قَوْلنَا ألله لِأَنَّهُمَا ليسَا بعوض من شَيْء كَمَا أَنَّهُمَا فِي اسْم الله عِوَضٌ بِالدّلَالَةِ الَّتِي أَرَيْنَا فَأَما قولُهم لَاهِ أبُوك فحذفوا لامَ الْإِضَافَة واللامَ الْأُخْرَى وَذكر أَبُو بكر عَن أبي الْعَبَّاس أَنه قَالَ إِن بَعضهم قَالَ: الْمَحْذُوف من اللامين الزَّائِدَة، وَقَالَ آخَرُونَ: الْمَحْذُوف الأَصْل والمبقى الزَّائِدَة خلافَ سِيبَوَيْهٍ قَالَ: فَمن حجتهم أَن يَقُولُوا إِن الزَّائِد جَاءَ لِمَعْنى فَهُوَ أولى بِأَن يتْرك فَلَا يحذف إِذا الزَّائِد لِمَعْنى إِذا حذف زَالَت بحذفه دلَالَته الَّتِي لَهَا جَاءَ وَقد رَأَيْتهمْ يحذفون من نفس الْكَلِمَة فِي تحو لَمْ يَكُ وَلَا أَدْرِ وَلم أُبَلْ إِذا كَانَ مَا أُبْقِيَ يدل على مَا أُلْقِيَ فَكَذَلِك يكون المحذوفُ من هَذَا الِاسْم مَا هُوَ من نفس الحرفِ وَيكون المُبْقَى الزَّائِد وَأَيْضًا فَمَا يحذف من هَذِه المكررات إِنَّمَا يحذف للاستثقال فِيمَا يتَكَرَّر لَا فِي المبدوء بِهِ الأوّل فَالْأولى أَن يحذف الَّذِي بِهِ وَقَعَ الاستثقالُ وَهُوَ الْفَاء وَيبقى حرفُ الْجَرّ أَلا ترى أَنهم يُبْدِلون الثَّانِي من تَقَضَّيْتُ ونحوِه وآدَمَ وشِبْهِهِ وَكَذَلِكَ حذفُ النونِ الَّتِي تكون عَلامَة للمنصوب فِي كأَنِّي لما وَقعت بعد النُّون الثقلية، وَأَيْضًا فَإِن الحرفين إِذا تكررا فَكَانَ أحدُهما لِمَعْنى وَذَلِكَ نَحْو تُكَلَّمُ فالمحذوف تَاء تَفَعَّلُ لَا التَّاء الَّتِي فِيهَا دليلُ المضارعة فَكَذَلِك يكون قولُهم لاهِ أَبوك انْتَهَت الْحِكَايَة عَن أبي الْعَبَّاس الْجَواب عَن الْفَصْل الأول أَن حرف الْمَعْنى قد حذف حذفا مطرداً فِي نَحْو قَوْلهم واللهِ أَفْعَلُ إِذا أردتَ وَالله لَا أَفْعَلُ وَحذف أَيْضا فِي قَوْلهم لأَضْرِبَنَّهُ ذهَبَ ومَكَثَ وَحذف أَيْضا فِي قَول كثير من النَّحْوِيين فِي نَحْو هَذَا زيد قَامَ تُرِيدُ قد قَامَ و (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ) وَلَيْسَ فِي هَذِه الضروب المُطَّرِدةِ الْحَذف دلالةٌ تدل عَلَيْهَا من اللَّفْظ فَإِذا ساغَ هَذَا فحذفُ الَّذِي يَبْقَى فِي اللَّفْظ دلالةٌ عَلَيْهِ مِنْهُ أَسْوَغُ وَقد حذفتْ همزةُ الاستفهامِ فِي نَحْو قولِ عِمْرَانِ بْنِ حِطَّانَ:
(فَأَصْبَحْتُ فيهِمْ آمِناً لَا كَمَعْشَرٍ ... أَتْونِي فَقَالُوا من رَبِيعَةَ أَو مُضَرْ)
وحذفت اللامُ الجازمة فِي نَحْو قَول الشَّاعِر:
(مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إِذا مَا خِفْتَ مِنْ شَيْءٍ تَبَالَا)
وَأنْشد أَبُو زيد:
(فَتُضْحِي صَرِيعاً مَا تَقُومُ لِحَاجَةٍ ... وَلَا تُسْمِعُ الدَّاعِي ويُسْمِعْكَ مَنْ دعَا)
وَأنْشد البغداديون:
(وَلَا تَسْتَطِلْ مِنِّي بَقَائِي وَمُدَّتِي ... وَلَكِن يَكُنْ للخَيْرِ مِنْكَ نَصِيبُ)
وأنشدوا أَيْضا:
(فقلتُ ادَّعِي وأَدْعُ فَإِنَّ أَنْدَى ... لِصَوْتٍ أَن يُنَادِي داعِيَانِ)
стр. 2128
وَقَالَ الْكسَائي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤] إِنَّمَا هُوَ لِيَغْفِرُوا فَحذف اللَّام وقياسُ قَوْله هَذَا عِنْدِي أَن تكون اللَّام محذوفةً من هَذَا الْقَبِيل نَحْو قَوْله : ﴿قُلْ لِعِبَادِي الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إِبْرَاهِيم: ٣١] وَقَالُوا أَللَّهِ لأَفْعَلَنَّ وحُذِفَ الحرفُ فِيمَا كَانَ من نَحْو مَا كَانَ ليفعلَ وَمَعَ الْفَاء وَالْوَاو وأو وَحَتَّى فَإِذا حذف فِي هَذِه الْأَشْيَاء لم يمْتَنع حذفُه فِي هَذَا الْموضع أَيْضا لِأَن الدّلَالَة على حذفه قائمةٌ أَلا ترى أَن انْجرار الِاسْم يدل عَلَيْهِ كَمَا أَن انتصابَ الفعلِ فِي الْمَوَاضِع الَّتِي ذكرنَا يدل عَلَيْهِ فالحذفُ فِي هَذَا الْحَرْف الزَّائِد كالحذف فِي الْحُرُوف الْأَصْلِيَّة للدلالة على حذفه كالدلالة على الْحَذف من الأَصْل نَحْو لم أُبَلْ لِأَن الجرَّ فِي الِاسْم يدل على الجارّ الْمَحْذُوف وَقد حُذِفَ الحرفُ الزَّائِد كَمَا حُذِفَ الأصلُ نَحْو إِنِّي ولعليِّ كحذفهم التَّاء من اسْتَطَاعَ وَكَذَلِكَ يَسُوغُ حذفُ هَذَا الزَّائِد الجارِّ وَقد حذفوا الجارَّ أَيْضا فِي قَوْلهم مَرَرْت بِرَجُل إِن صَالح وَإِن طالح فَلَيْسَ فِي شَيْء ذَكرُوهُ فِي الْفَصْل الأول مَا يمْتَنع لَهُ حذف الْحَرْف من قَوْلهم لاهِ أَبوك، وَأما مَا ذكرُوا فِي الْفَصْل الثَّانِي مِنْهَا وَذَلِكَ قَوْلهم ظِلْتُ ومِسْتُ وَنَحْو ذَلِك فَإِن قلت وَمَا الدليلُ على أنّ الْمَحْذُوف الأوّل وَمَا تنكر من أَن يكونَ الثَّانِي فالدليلُ على أَنه الأوّل قولُ من قَالَ فِي ظَلِلْتُ ظِلْتُ وَفِي مَسِسْتُ مِسْتُ فألقَى حركةَ العينِ المحذوفة على الْفَاء كَمَا أَلْقَاهَا عَلَيْهَا فِي خِفْتُ وهِبْتُ وظُلْتُ وَيدل أَيْضا سكونُ الْحَرْف قبل الضَّمِير فِي ظِلْتُ وظَلْتُ كَمَا سكن فِي ضَرَبْتُ وَلَو كَانَ المحذوفُ اللامَ دون الْعين لتحرّك مَا قبل الضَّمِير وَلم يسكن فقد دَلَّكَ هَذَا على أَن المحذوفَ الأوّل لَا المتكررُ وَقَالُوا عَلْمَاء بَنُو فُلَان يُرِيدُونَ عَلَى الماءِ بَنو فلَان ويَلْحَارِث فحذفوا الأول وَأما مَا ذَكرُوهُ فِي الْفَصْل الثَّالِث من أَن التَّخْفِيف وَالْقلب يلْحق الثَّانِي من المكرر دون الأوّل فقد يَلْحَقُ الأوّلَ كَمَا يَلْحَقُ الثَّانِي وَذَلِكَ قولُهم دِينَارٌ وقِيراطٌ ودِيوانٌ وَنَحْو ذَلِك أَلا تَرَى أَن الْقلب لَحِقَ الأوَّلَ كَمَا لحق الثَّانِي فِي تَقَضَّيْتُ وأَمْلَيْتُ وَنَحْو ذَلِك وَقد خُفِّفَتْ الْهمزَة الأُولى كَمَا خُفِّفَتْ الثانيةُ فِي نَحْو فقد جَاءَ أشراطُها وَنَحْو ذَلِك فَأَما مَا ذَكرُوهُ من قَوْلهم كأَنِّي فقد حذف غير الآخر من الْأَمْثَال إِذا اجْتمعت نَحْو قَوْلهم إِنَّا نَفْعل فالمحذوف يَنْبَغِي أَن يكون الأوسطَ دون الآخرَ أَلا ترى أَن النُّون الثَّانِيَة قد حذفت من أنَّ فِي نَحْو علم أَن سيكونُ مِنْكُم وَالنُّون من فعلنَا لم تحذف فِي مَوضِع فَلذَلِك جعلنَا المحذوفة الوُسْطَى وعملت المخففةُ فِي الْمُضمر على حَدِّ مَا عملتْ فِي المُظْهَر فِي نَحْو إنَّ زيدا مُنْطَلِقٌ ولَمنطلقٌ وَقد أجَازه سِيبَوَيْهٍ وَزعم أَنَّهَا قِرَاءَة وَقد يَجِيء على قِيَاس مَا أجَازه فِي الظَّاهِر هَذَا البيتُ الَّذِي يُنْشِدُهُ البغداديون:
(فَلَوْ أَنَّكِ فِي يومِ الرَّخَاءِ سَأَلْتِنِي ... فِرَاقَكِ لَمْ أَبْخَلْ وأنتِ صَدِيقُ)
إِلَّا أَن هَذَا القياسَ إِن رُفِضَ كَانَ وَجْهاً لِأَن مَا يحذف مَعَ المظهرة أَو يُبدل إِذا وُصِلَ بالمضمر رُدَّ إِلَى الأَصْل أَلا تَرَى أَنهم يَقُولُونَ: من لَدُ الصلاةِ، فَإِذا وَصَلُوا بالمضمر قَالُوا من لَدُنِهٍ وَمن لَدُنَنيَّ وَقَالُوا واللهِ لأَفْعَلَنَّ فَلَمَّا وصل بالمضمر قَالُوا بِهِ لأَفْعَلَنَّ وَيذْهب سِيبَوَيْهٍ إِلَى أنَّ الْمَفْتُوحَة إِذا خُفِّفَتْ أُضْمِرَ مَعهَا القصةُ والحديثُ وَلم يَظْهَر فِي مَوضِع فَلَو كَانَ اتصالُ الضَّمِير بهَا مُخَفّفَة سائغاً لَكَانَ خليقاً أَن تتصلَ بالمفتوحة مُخَفّفَة وَقَالُوا ذَيَّا وَتَيَّا فِي تحقير ذواتا فَاجْتمعُوا على حذف الأول من الْأَمْثَال الثَّلَاثَة فَلَيْسَ فِي هَذَا الْفَصْل أَيْضا شَيْء يمْنَع جوازَ قَول سِيبَوَيْهٍ وَمَا قَالُوهُ من الحذفِ فِي تَكَلَّمُ وتَذَكَّرُ فَلَمَّا كَانَ الحذفُ فِي الثَّانِي دون الأول لِأَنَّهُ يَعْتَلُّ بِالْإِدْغَامِ فِي نَحْو تَذَكَّرُ لِأَنَّهُ لَو حذف حرف المضارعة لوَجَبَ إدخالُ ألف الْوَصْل فِي ضَرْبٍ من الْمُضَارع نَحْو
стр. 2129
تَذَكَّرُ ودخولُ ألف الْوَصْل لَا مساغَ لَهُ هُنَا كَمَا لَا يدْخل على أَسمَاء الفاعلين والمفعولين وَلِأَن حرفَ الجرّ أقوى من حرف المضارعة للدلالة عَلَيْهِ بالجرّ الظَّاهِر فِي اللَّفْظ فَلهَذَا حذف الثَّانِي فِي هَذَا النَّحْو دون حرف المضارعة لَا لِأَن الْحَذف غير سَائِغ فِي الأول فِيمَا يتَكَرَّر لِأَنَّك قد رأيتَ مساغَ الْحَذف فِي الأول فِي هَذِه المتكررة فَلَيْسَ فِي شَيْء مِمَّا احْتَجُّوا بِهِ فِي أَن الْمَحْذُوف الآخَرُ دون الأوّل حجَّةٌ ويَثْبُتُ قُولُ سِيبَوَيْهٍ إِن المحذوفَ الأوَّلُ بِدلَالَة وَهِي أَن اللَّام منفتحةٌ وَلَو كَانَت اللامُ فِي الْكَلِمَة لامَ الْجَرّ لوَجَبَ أَن تنكسر لِأَن الِاسْم مظهر وَهَذِه اللَّام مَعَ المظهرة تكسر فِي الْأَمر الْأَكْثَر فَكَمَا لَا يجوز لتحرك اللَّام أَن يُقَال إِنَّهَا لامُ التَّعْرِيف لِأَن تِلْكَ سَاكِنة كَذَلِك لَا يجوز لتحرّكها بِالْفَتْح أَن يُقَال إِنَّهَا الجارةُ لِأَن تِلْكَ تكسر مَعَ المظهرة وَلَا تفتح فَإِن قلت فقد فُتِحَتْ فِي قَوْلهم يَا لَبَكْرٍ وَنَحْوه فَمَا تُنْكِرُ أَن تكون فِي هَذَا الْموضع أَيْضا فَالْجَوَاب أَن ذَلِك لَا يجوز هَاهُنَا من حَيْثُ جَازَ فِي قَوْلهم يَا لبَكْر وَإِنَّمَا جَازَ فِيهِ لِأَن الِاسْم فِي النداء وَاقع موقع الْمُضمر وَلذَلِك بُنِي المفردُ المعرفةُ فِيهِ فَكَمَا جَازَ بِنَاؤُه جَازَ انفتاحُ اللَّام مَعَه وَلَيْسَ الاسمُ هَاهُنَا وَاقعا موقع مُضْمر كالنداء فَيجوز فتح اللَّام مَعَ فَإِن قلتَ تكون اللامُ الجارة هَاهُنَا مَفْتُوحَة لمجاورتها الألفَ لِأَنَّهَا لَو كُسِرَتْ كَمَا تكسر مَعَ سَائِر المظهرة لَقُلِب الْحَرْف الَّذِي بعْدهَا قيل هَذَا القَوْل لَا يَسْتَقِيم لقائله أَن يقولَه لحكمه فِيمَا يتنازع فِيهِ بِمَا لَا نَظِير لَهُ وَلَا دلَالَة عَلَيْهِ وسائرُ مَا لحقته هَذِه اللامُ فِي المُظْهَرَة يُدْفَعُ بِهِ مَا قَالَه لمُخَالفَته لَهُ وَيمْتَنع من وَجه آخر وَهُوَ أَنه إِذا جعل هَذِه اللَّام هِيَ الجارَّة فَهِيَ غير لَازِمَة للكلمة وَإِذا لم تكن مُلَازمَة لم يعتدّ بهَا فَكَأَنَّهُ قد ابْتَدَأَ بساكن فَمن حَيْثُ يمْنَع الِابْتِدَاء بالساكن يمْتَنع مَا ذهب إِلَيْهِ فِي هَذَا وَمِمَّا يُؤَكد ذَلِك أَن أهل التَّخْفِيف لم يخففوا الهمزَة المبتدأةَ لِأَن التَّخْفِيف تقريبٌ من السَّاكِن فَإِذا رَفَضُوا ذَلِك لتقريبه من السَّاكِن مَعَ أَنه فِي اللَّفْظ وَوزن الشّعْر بِمَنْزِلَة المتحرِّك فَأن لَا يُبْتَدأ بالساكن المَحْضِ ويُرْفَض كلامُهم أَجْدَرُ أَلا ترى أَن من كَانَ من قَوْله تخفيفُ الأولى من الهمزتين إِذا التقتا وَافق الَّذين يخففون الثَّانِيَة فَترك قَوْله فِي نَحْو ﴿آلِدُ وَأَنا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢] لِمَا كانَ يلْزمه من الِابْتِدَاء بالحرف المُقَرَّب من السَّاكِن فَإِذا كَانُوا قد حذفوا الْألف من هَلُمَّ لِأَن اللازمَ الَّتِي هِيَ فاءٌ لما كَانَت متحركة بحرَكةٍ غَيرهَا صَار كَأَنَّهُ فِي تَقْدِير السَّاكِن فحُذِف كَمَا يحذف مَعَ السَّاكِن مَعَ أَن الْحَرْف بُنِيَ مَعَ الْفِعْل حَتَّى صَار كالكلمة الْوَاحِدَة فَأن تكون اللامُ فِي لاهِ الجارَّة أَبْعَدُ لِأَنَّهُ يلْزم أَن يبد بساكن لِأَن اتِّصَال الجارّ بِهِ لَيْسَ كاتصال حرف التَّثْنِيَة بذلك الْفِعْل أَلا ترى أَنه قد بُنِيَ مَعَه على الْفَتْح كَمَا بُنِيَ مَعَ النُّون فِي لأَفْعَلَنَّ على الْفَتْح فَإِذا قَدَّرُوا المتحرك فِي اللَّفْظ تقديرَ السَّاكِن فِيمَا هُوَ مُتَّصِل بِالْكَلِمَةِ لمَكَان الْبناء مَعهَا فالساكنُ الَّذِي لَيْسَ بمتحرّك مَعهَا فِي تَقْدِير الِانْفِصَال مِنْهُ أَجْدَرُ أَن يَبْعُدَ فِي الْجَوَاز فَأَما مَا أنْشدهُ بعض الْبَصرِيين من قَول الشَّاعِر:
(أَلَا لَا بَارَكَ اللهُ فِي سُهَيْلٍ ... إِذا مَا اللهُ بَاركَ فِي الرِّجالِ)
فعلى مَا يجوز فِي الشّعْر دون الْكَلَام وَيَنْبَغِي أَن يُوَجَّهُ هَذَا على أَنه أخرجه على قَول سِيبَوَيْهٍ أَن أصل الِاسْم إِلَه فَحذف الْألف الزَّائِدَة كَمَا يقصر الْمَمْدُود فِي الشّعْر وَلَا يحملهُ على الْوَجْه الآخر فَيلْزم فِيهِ أَنه حذف الْعين لِأَن ذَلِك غير مُسْتَقِيم وَلَا مَوْجُود إِلَّا فِي شَيْء قَلِيل فَهَذَا مِمَّا يبين لَك أَن الْأَوْجه من الْقَوْلَيْنِ هُوَ أَن يكون أصلَ الِاسْم إِلهٌ فَأَما الإمالة فِي الْألف من اسْم الله تَعَالَى فَجَائِز فِي قِيَاس الْعَرَبيَّة وَالدَّلِيل على جَوَازهَا فِيهِ أَن هَذِه الْألف لَا تَخْلُو من أَن تكون زَائِدَة لِفِعَالٍ كَالَّتِي فِي إِزَار وعِمَاد أَو تكونَ عين الْفِعْل فَإِن كَانَت زَائِدَة لِفِعَالٍ جَازَت فِيهَا الإمالة من وَجْهَيْن أَحدهمَا: أَن الْهمزَة المحذوفة كَانَت مَكْسُورَة وكسرُها يُوجب الإمالةَ فِي الْألف كَمَا أَن الكسرةَ فِي عِمَادٍ توجب إمالةَ ألفِه فَإِن قلت كَيفَ تُمالُ الألفُ من أجلِ الكسرةِ وَهِي محذوفةٌ فَالْجَوَاب أَن الكسرة وَإِن كَانَت محذوفة مُوجِبَةٌ للإمالة كَمَا كَانَت توجيها قبل الْحَذف لِأَنَّهَا وَإِن كَانَت
стр. 2130
محذوفةً فَهِيَ من الْكَلِمَة ونظيرُ ذَلِك مَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ من أَن بضعَهم يميلُ الألفَ فِي مادٍّ وشاذٍّ للكسرة المنوية فِي عين فاعِلِ المدغمة وَمِنْهُم من يقولُ هَذَا ماش فِي الْوَقْف فيميل الألفَ فِي الْوَقْف وَإِن لم يكن فِي لفظ الْكَلِمَة كسرة فَكَذَلِك الألفُ فِي الله تجوز إمالتُها وَإِن لم تكن الكسرة ملفوظاً بهَا، وَتجوز إمالتُها من جِهَة أُخْرَى وَهِي أَن لامَ الْفِعْل مُنْجَرَّة فَتجوز الإمالة لانجرارها قَالَ سِيبَوَيْهٍ: سمعناهم يَقُولُونَ من أهل عادٍ ومررت بِعِجْلَاتِكَ فأمالوا للجر فَكَذَلِك أَيْضا تجوز الإمالة فِي الْألف من اسْم الله فَإِن كَانَت الْألف فِي الِاسْم عينا لَيست بزائدة جَازَت إمالَتُهَا وَحَسُنَتْ فِيهَا إِذا كَانَ انقلابها عَن الْيَاء بِدلَالَة قَوْلهم: لَهْيَ أَبوك وظهورِ الْيَاء لَمَّا قُلبتْ إِلَى مَوضِع اللَّام فَإِذا لم تَخْلُ الألفُ من الْوَجْهَيْنِ اللَّذين ذكرنَا كَانَ جوازُ الإمالةِ فِيهِ على مَا رَأينَا عُلمَتْ صحتُه فَإِن ثَبَتَتْ بِهِ قِرَاءَة فَهَذِهِ جهةُ جوازِها إِن شَاءَ الله قَالَ أَبُو إِسْحَاق: وَأما ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ [الْفَاتِحَة: ١] فالرَّحْمنُ اسمُ اللهِ خَاصَّة لَا يُقَال لغير الله رَحْمنُ وَمَعْنَاهُ المبالغ فِي الرَّحْمَة أرْحم الرَّاحِمِينَ وفَعْلَانُ من بِنَاء الْمُبَالغَة تَقول للشديد الامتلاء ملآنُ وللشديد الشِّبِع شَبْعَانُ وَرُوِيَ عَن أَحْمد بن يحيى أَنه قَالَ هُوَ عِبْرانِيّ وَهَذَا مَرْغُوب عَنهُ وَلم يحك هَذَا أَبُو إِسْحَاق فِي كِتَابه قَالَ: والرحيم هُوَ اسْم الْفَاعِل من رَحِيمَ فَهُوَ رَخِيمٌ وَهُوَ أَيْضا للْمُبَالَغَة قَالَ غَيره: أصلُ الرَّحْمَةِ النعمةُ من قَوْله: ﴿هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الْكَهْف: ٩٨] أَي نِعْمَةٌ وَقد يُقَال فِي قلب فلَان رحمةٌ لفُلَان على معنى الرِّقَّةِ وَلَيْسَ بِأَصْل ويَدُلُّكَ على أَن أصلَه النِّعْمَة دون الرِّقَّة قولُهم رَحِمَهُ الطبيبُ بِأَن استقصَى علاجَه أَي أحسن إِلَيْهِ بذلك وأنعم عَلَيْهِ وَإِن كَانَ قد آلمه بالبَطِّ وَمَا جرى مجْرَاه من الجَبْرِ وَغَيره والصفتانِ جَمِيعًا من الرَّحْمَة النعمةُ من قَوْله: ﴿هذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [الْكَهْف: ٩٨] أَي نِعْمَةٌ وَقد يُقَال فِي قلب فلَان رحمةٌ لفُلَان على معنى الرِّقَّةِ وَلَيْسَ بِأَصْل ويَدُلُّكَ على أَن أصلَه النِّعْمَة دون الرِّقَّة قولُهم رَحِمَهُ الطبيبُ بِأَن استقصَى علاجَه أَي أحسن إِلَيْهِ بذلك وأنعم عَلَيْهِ وغن كَانَ قد آلمه بالبَطِّ وَمَا جرى مجْرَاه من الجَبْرِ وَغَيره والصفتانِ جَمِيعًا من الرَّحْمَة وهما للْمُبَالَغَة إِلَّا أَن فَعْلَانَ أَشَدُّ مُبَالغَة عِنْدهم من فعيل كَذَا قَالَ الزّجاج: وحقيقةُ الرحمةِ الإنعام على الْمُحْتَاج يدل على ذَلِك أَن إنْسَانا لَو أهْدى إِلَى مَلَكٍ جوهراً لم يكن ذَلِك رَحْمَة مِنْهُ وَإِن كَانَ نعْمَة يسْتَحق بهَا الْمُكَافَأَة والشُّكْرَ وَإِنَّمَا ذُكِرَتِ الصفتان جَمِيعًا للْمُبَالَغَة فِي وصف الله تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ ليُدَلَّ بذلك أَن نِعَمهُ على عباده أَكثر وَأعظم من كل مَا يجوز أَن يُنْعِمَ بِهِ سواهُ وَأَنه قد أنعم بِمَا لَا يقدر أحدٌ أَن يُنْعِم بِمثلِهِ وَيُقَال لم قَدَّم ذِكْرَ الرَّحْمنِ وَهُوَ أشدُّ مُبَالغَة وَإِنَّمَا يبْدَأ فِي نَحْو هَذَا بِالْأَقَلِّ ثمَّ يُتْبَعُ الأكثرَ كَقَوْلِهِم فلانٌ جوادٌ يُعْطِي العَشَراتَ والمِئِينَ والأُلوفَ وَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَنه بُدِئَ بِذكر الرَّحْمَن لِأَنَّهُ صَار كَالْعلمِ إِذْ كَانَ لَا يُوصف بِهِ إِلَّا اللهُ جَلَّ وَعز وحُكْمُ الأَعْلَامِ وَمَا كَانَ من الْأَسْمَاء أعرفَ أَن يُبْدَأ بِهِ ثمَّ يتبعَ الأَنْكَرَ وَمَا كَانَ فِي التَّعْرِيف أنقصَ هَذَا مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَغَيره من النَّحْوِيين فجَاء على منهاج كَلَام الْعَرَب وَقيل الرحمنُ صفة لله تَعَالَى وَجل وَعز قيل مَجِيء الْإِسْلَام وأنشدوا لبَعض شعراء الْجَاهِلِيَّة:
стр. 2131
وَقَالَ الْحسن الرحمنُ اسمٌ ممنوعُ أَن يتسمى بِهِ أحدٌ والإجماعُ على ذَلِك وَإِنَّمَا تسمى بِهِ مُسَيْلمَة الكذابُ جهلا مِنْهُ وَخطأ وَقيل الرَّحْمَن وَذُو الْأَرْحَام من الرَّحْمَن لتعاطفهم بِالْقَرَابَةِ و (الأَحَدُ) أَصله الوَحَدُ بِمَعْنى الْوَاحِد وَهُوَ الواحدُ الَّذِي لَيْسَ كمثله شَيْء وَإِذا أجري هَذَا الِاسْم على الْقَدِيم سُبْحَانَهُ أَن يكون الَّذِي هُوَ وصف كالعالم والقادر وَجَاز أَن يكون الَّذِي هُوَ اسْم كَقَوْلِنَا شَيْء ويقوِّي الأوّل قَوْله تَعَالَى: ﴿وإلَهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ [الْبَقَرَة: ١٦٣] قَالَ وَفِي التَّنْزِيل: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدّ﴾ [الْإِخْلَاص: ١] بعد ذكره أَن الْهمزَة مبدلة من الْوَاو على حد إبدالها مِنْهَا فِي وَنَاةٍ حَيْثُ قَالُوا أَنَاةٌ لِأَن الْوَاو مَكْرُوهَة أوّلا فقلبت إِلَى حرف مُنَاسِب لَهَا بِأَنَّهُ أوّل المخارج كَمَا هِيَ كَذَلِك وَأَنَّهَا حرف عِلّة مَعَ قُوَّة الْهمزَة أوَّلاً وَيُقَال مَا حَقِيقَة الْوَاحِد فَالْجَوَاب شيءٌ لَا يَنْقَسِم فِي نَفسه أَو مَعْنَى صفِته وَذَلِكَ أَنه إِذا قيل الْجُزْء الَّذِي لَا يتَجَزَّأ واحدٌ فِي نَفسه فَإِذا جرى على مَوْصُوف فَهُوَ وَاحِد فِي نَفسه وَإِذا قيل هَذَا الرجلُ إنسانٌ واحدٌ فَهُوَ وَاحِد فِي معنى صفته وَقد تقدم ذكر أَحَدٍ وواحدٍ مَعَ تصاريفهما فِي بَاب العددِ (الصَّمد) فِيهِ قَولَانِ الأوّل السَّيِّد الْمُعظم كَمَا قَالَ الْأَسدي:
(أَلَا بَكَرَ الناعِي بَخَيْرَيْ بَنِي أْسَدْ ... بِعَمْرو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ)
وَالثَّانِي الَّذِي يُصْمَدُ إِلَيْهِ فِي الْحَوَائِج لَيْسَ فَوْقه أحد صَمَدْتُ إِلَيْهِ أَصْمُدُ - قَصَدْتُ إِلَّا فِي الصّفة معنى التَّعْظِيم كَيفَ تصرفتِ الحالُ قَالَ أَبُو إِسْحَاق: وتأويلُ صُمودِ كُلِّ شَيْء لله أَن فِي كل شَيْء أثَر صَنْعَة الله قَالَ غَيره: وَقيل الصَّمد الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ (البَارئ) يُقَال بَرَأ اللهُ الخلقَ يَبْرَؤُهُمْ ويَبْرُؤُهم - أَي خَلَقَهُمْ والبَرِيَّةُ الخَلْقُ مِنْهُ تخفيفُه تخفيفٌ بَدَلِيٌ وَلَو كَانَ قياسيًّا لَخُفِّفَ مرّة وحُقِّقَ أُخْرَى وَلكنه تخفيفٌ بَدَلِيٌ فَلَا يُقَال بَرِيئةٌ إِلَّا على استكراه وخلافٍ لِلْجُمْهُورِ كَمَا أَن تَخْفيف النَّبِيِّ تَخْفيف بَدَلِيٌّ إِذْ لَا يُقَال النَّبِي بِالْهَمْز إِلَّا على اللُّغَة الرَّديئَة الَّتِي نَسَبهَا سِيبَوَيْهٍ إِلَى الْحِجَازِيِّينَ قَالَ أَبُو عبيد: ثَلَاثَة أحرف تركت العربُ الهمزَ فِيهَا وَأَصلهَا الْهَمْز فَقَوله تركت الْعَرَب الْهَمْز فِيهَا وَأَصلهَا الْهَمْز دَلِيل أَنه تَخْفيف بدلي وَلَيْسَ بقياسي إِذْ لَا يحصر مَا تَخْفيف الْهَمْز فِيهِ قياسي لاطراده ثمَّ عَدَّدَ الأحرفَ الَّتِي هَذَا أمرهَا فَقَالَ: النبيُّ أَصْلهَا من النبأ وَقد نَبَّأْتُ أَخْبَرْتُ والخابيةُ أَصْلهَا الهمزُ من خَبَأْتُ والبَرِيَّةُ أَصْلهَا من بَرَأَ اللهُ الْخلق وَقد صرح سِيبَوَيْهٍ بِأَن تَخْفيف النَّبِي والبرية تخفيفٌ بدليٌ بِدلَالَة ضُروبُ تصريفها وَقد تقدم ذكر هَذَا فِي مَوْضِعه من التَّخْفِيف البدلي الحِفْظِيَّ قَالَ أَبُو عبيد: قَالَ يُونُس أهلُ مَكَّة يخالفون غَيرهم من الْعَرَب يهمزون النبيء والبريئة وَذَلِكَ قَلِيل فِي الْكَلَام (القَيُّوم) المبالغ فِي الْقيام بِكُل مَا خَلَقَ وَمَا أَرَادَ فَيْعُولٌ من القيامِ على مِثَال دَيُّورٍ وعيُّوقٍ وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَيْوُومٌ فسَبَقَت الياءُ بِسُكُون فقلبوا الْوَاو المتحركة يَاء وأدغموا هَذِه فِيهَا وَلَا يكون فَعُّولاً لِأَنَّهُ لَو كَانَ كَذَلِك لقيل قَوُّوم و (الوَلِيُّ) المُتَوَلِّي للْمُؤْمِنين (اللَّطِيفُ) الَّذِي لَطَفَ لِلْخلقِ من حَيْثُ لَا يعلمُونَ وَلَا يقدرُونَ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَطَفَ بِهِ وأَلْطَفَهُ وَحكى غَيْرُهُ اللُّطْفَ واللَّطَفَ والتَّلَطُّفُ العامُّ من التَّحَفِّي العامّ وَكَذَلِكَ التَّلْطِيفُ (الوَدُودُ) المُحِبُّ الشَّديد الْمحبَّة (الشُّكُورُ) الَّذِي يُرِيحُ الخَيْرَ أَي يُزْكِيهِ (الظاهِر الباطِنُ) الَّذِي يعلم مَا ظَهَرَ وَمَا بَطَنَ (البَدِئُ) الَّذِي ابْتَدَأَ كُلَّ شَيْء من غير شَيْء يُقَال بَدَأَ الْخلق يَبْدَؤُهُمْ بَدْءاً وأَبْدَأَهُمْ وَمِنْه بِئْر بَدِيءٌ أَي جَدِيد (البَدِيع) الَّذِي ابْتَدَعَ الخلقَ على غير مِثَال يُقَال ابْتَدَعَ اللهُ الخَلْقَ وَمِنْه قيل بِدْعَةٌ لِلْأَمْرِ المُخْتَلَقَ الَّذِي لم تَجْرِ بِهِ
стр. 2132
عادةٌ وَلَا سُنَّةٌ يُقَال هَذَا من فِعْلِهِ بَدِيعٌ وبِدْعٌ وبِدَعٌ وَفِي التَّنْزِيل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدَعاً من الرُّسُلِ﴾ [الْأَحْقَاف: ٩] وَقَالُوا بِئْر بَدِيعٌ كَمَا قَالُوا بَدِئٌ (القُدُّوس) وَقد رويت القَدُّوسُ بِفَتْح الْقَاف وَجَاء فِي التَّفْسِير أَنه الْمُبَارك وَمن ذَلِك أَرض مُقَدَّسَةٌ مباركة وَقيل الطَّاهِر أَيْضا و (الذَّارئ) أَيْضا مَهْمُوز الَّذِي ذَرَأَ الخَلْقَ أَي خَلَقَهُمْ وَقد ذَرَأَهُمْ يَذْرَؤُهُمْ ذَرْأً قَالَ الْفَارِسِي: وَيجوز أَن يكون اشتقاق الذُّرِّيَّةِ مِنْهُ فَيكون وَزنه على هَذَا فُعُّولَة (الفاصِلُ) الَّذِي فَصَلَ بَين الْحق وَالْبَاطِل (الغَفُور) الَّذِي يغْفر الذُّنُوب وَتَأْويل الغفران فِي اللُّغَة التغطية على الشَّيْء وَمن ذَلِك المِغْفَرُ مَا غُطِّيَ بِهِ الرَّأْس وَقَالُوا اصْبُغْ ثوبَك فَإِنَّهُ أَغْفَرُ للطَّبَع أَي أسْتَرُ لَهُ وَقَالُوا الغِفَارَةُ للسَّحابة تكون فَوق السحابة لِسَتْرهِا إِيَّاهَا وَقَالُوا للخْرْقَة الَّتِي تَضَعُهَا الْمَرْأَة على رَأسهَا لِتَقِيَ بهَا الخِمارَ من الدُّهْنِ غِفَارَةٌ أَيْضا لذَلِك وَكَذَلِكَ الْخِرْقَة الَّتِي تكون على مَقْبِضِ الْقوس (المَجِيد) الْجَمِيل الفِعَالِ (الشَّهِيدُ) الَّذِي لَا يَغِيبُ (والرَّبُّ) مالِكُ كُلِّ شَيْء وَقيل الرب السيدُ وَقيل الرَّب المُدَبِّر قَالَ لُبَيدْ بن رَبِيعة:
(وأَهْلَكْنَ يَوْماً رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَهُ ... ورَبَّ مَعَدٍّ بَيْنَ خَبْتٍ وعَرْعَرِ)
يَعْنِي سيد كِنْدَة وَيُقَال رَبُّ الدَّار وربُّ الْفرس أَي مَالك وَقَالَ عَلْقَمَة:
(وكنتَ امْرَأٌ أفْضَتْ إِلَيْك رِبَابَتِي ... وَقَبْلَكَ رَبَّتْنِي فَضِعْتُ رُبُوبُ)
رُبُوبٌ جمع رَبِّ أَي المُلوكُ الَّذين كَانُوا قَبْلَكَ ضَيَّعُوا أَمْرِي وَقد صَارَت الآنَ رَبَابَتِي إِلَيْك أَي تَدْبِير أَمْرِي وإصلاحُه فَهَذَا رَبُّ بِمَعْنى مَالك كَأَنَّهُ قَالَ الَّذين كَانُوا يملكُونَ أَمْرِي قبلك ضيعوه ويروى عَن بعض الفصحاء لأَنْ يَرُبَّنِي رجلٌ من قُرَيْش أحبُّ إليَّ من أَن يَرُبَّني رجلٌ من هَوْازِنَ أَي لأَن يَمْلِكَنِي واللهُ الرَّبُّ بِمَعْنى الممالِكِ السيِّد وَقَالَ : ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ [يُوسُف: ٤١] أَي سَيّده وَأَصله فِي الِاشْتِقَاق من التَّرْبِيَةِ وَهِي التَّنْشِئَةِ يُقَال رَبِّيْتُهُ ورَبَّيْتُهُ بِمَعْنى وَقيل للْمَالِك رَبٌّ لِأَنَّهُ يملك تَنْشِئَةَ المَرْبُوبُ يُقَال للحاضنة الرَّبِيبةُ والرَّبِيبُ ابنُ امْرَأَة الرجل وَأنْشد أَبُو عبيد لِمَعْنِ بن أوْسِ المُزَنِي يَذْكُرُ امرأتَه وَيذكر أَرضًا كَانَت بهَا فَقَالَ:
стр. 2133
(إِنَّ لَهَا جارَيْنِ لم يَغْدِرا بهَا ... رَبِيبَ النَّبِيِّ وابْنَ خَيْرِ الخَلَائِف)
يَعْنِي عُمر بن أبي سَلَمَة وَهُوَ ابْن أُمِّ سَلَمَة زوجُ النَّبِيِّ ﷺ والرَّابُ - هُوَ زوجُ الأُمِّ قَالَ: ويروى عَن مُجَاهِد أَنه كَرِهَ أَن يتَزَوَّج الرجلُ امْرَأَة رابَّةً وَقَالُوا طالتْ مَرَبَّتُهُمْ الناسَ كَمَا قَالُوا طَالَت مملكتُهم الناسَ والمَرَبُّ - الأرضُ الَّتِي لَا يزَال بهَا الثَّرَى وَيُقَال رَبَّبْتُ الوَلَد وَرَبَّبْتُهُ وَيُقَال رَبَّبْتُ الشيءَ بالعسل أَو بالخل ورَبَيَّتُهُ وَكَذَلِكَ الجِرْو يُرَبَّبُ فَيَضْرَى والرُّبَّى - الشاةُ الَّتِي قد وَلَدَتْ حَدِيثا كَأَنَّهَا تُرَبِّي المولودَ وَمِنْه رَبُّ النِّعْمَةِ يَرُبُّهَا رَبًّا ورَبَّبْتُ الولدَ والمُهْرَ يُقَال بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد وَمن ذَلِك قولُ الْأَعْشَى:
(تَرْتَبّ سُخَاماً تَكُفُّه بِخلَالِ ... )
إِنَّمَا يَعْنِي أَنَّهَا تُرَبِّي شعرَها وَمِنْه رُبَّان السَّفِينَة لِأَنَّهُ يُنْشِئُ تدبيرها وَيقوم عَلَيْهِ والرَّبابُ السَّحابُ الَّذِي فِيهِ مَاء واحدتُه رَبَابَةٌ لِأَنَّهُ يُنْشِئُ الماءَ أَو يَنْشَأُ بِمَا فِيهِ من الماءِ والرُّبُّ سُلَافُ الخاثِر من كل شَيْء لأنَّ تَصْفِيَتَهُ تَنْشَأ حَالا بعد حَال وَوَصْفُ القَديمِ جَلَّ وعَزَّ بِأَنَّهُ رَبٌّ وَبِأَنَّهُ مالكٌ وَبِأَنَّهُ سَيِّدٌ يرجع إِلَى معنى قادِرٍ إِلَّا أَنه يُفِيدُ فوائدَ مُخْتَلفَة فِي المَقْدُورِ فالرَّبُّ الْقَادِر على مَاله أَن يُنْشِئَهُ من غير جِهَة الِاسْتِعَارَة وَذَلِكَ أَن الوكيلَ والمُسْتَعِير لَهما أَن يُنْشِئَا الشيءَ إِلَّا أَنه على طَريقَة الْعَارِية وَهِي مُخَالفَة لطريقة المِلْكِ (والصَّفُوحُ) المتجاوز عَن الذُّنُوب يَصْفَحُ عَنْهَا (والحَنَّانُ) ذُو الرَّحْمَة والتَّعَطُّفِ (والمَنَّانُ) الْكثير المَنِّ على عباده بمظاهرته النِّعَمَ (والفتَّاحُ) الْحَاكِم (والدَّيَّانُ) المُجَازَي والدِّينُ بِمَعْنى الْجَزَاء مَعْرُوف فِي اللُّغَة يُقَال كَمَا تَدِينُ تُدَان - أَي كَمَا تَجْزِي تُجْزَى وَقَالَ الشَّاعِر:
(واعْلَمْ وأَيْقِنْ أَنْ مُلْكَكَ زَائشلٌ ... واعْلَمْ بِأَنَّ كَمَا تَدِينُ تُدَانُ)
كَأَنَّهُ قَالَ كَمَا تَصْنَعُ يُصْنَعُ بِكَ وَقَالَ كَعْبُ بن جُعَيْل:
(إِذا مَا رَمَوْنَا رَمَيْنَاهُمْ ... ودِنَّاهُمُ مِثْلَ مَا يُقْرِضُونَا)
وَقَالَ : ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيَرَ مَدِينِينَ﴾ [الْوَاقِعَة: ٨٦] أَي غير مُجْزِيِّينَ وَقَالَ: ﴿كَلَاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بالدِّينِ﴾ [الإنفطار: ٩] أَي بالجزاء وَمِنْه: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: ٦] أَي الجَزَاءَ وقدي قَالَ الدِّينُ بِمَعْنى الدَّأَبِ والعادةِ قَالَ الشَّاعِر:
(تَقُولُ إِذَا دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي ... أَهَذَا دِينُهُ أَبَداًودِيني﴾
أَي عادتُه وعادتي والدِّينُ - المِلَّة من قَوْلك دِينُ الإسلامِ خَيْرُ الأَديانِ والدِّينُ - الانْقِيَادُ والاستسلامُ من قَول الْعَرَب بَنُو فلانٍ لَا يَدِينُونَ للمُلُوكِ وَقيل فِي دِينِ المَلِكِ - فِي طَاعَة الْملك وتصريفه دانَ يَدِينُ دِيْناً وتَدَيَّنَ تَدَيُّناً ودِيَانَةً واسْتَدَانَ من الدَّيْنِ اسْتِدَانَةً ودَايَنَةُ مُدَايَنَةً قَالَ الشَّاعِر:
(دَايَنْتُ أَرْوَى والدُّيُونُ تُقْضَى ... فَمَطَلَتْ بَعْضاً وأَدَّتْ بَعْضَا)
أَي مَنَحَتُهَا وُدِّي لِتَجْزِيني عَلَيْهِ فَهَذَا يدل أَن أصلَ الدِّين الجَزَاءُ وَقيل أصلُ الدِّينِ الانقيادُ والاستسلامُ وَقيل أَصله العادةُ وَإِنَّمَا بَنُو فلانٍ لَا يَدِينُونَ للملوك أَي لَا يَدْخُلُونَ تَحْتَ جَزَائِهِمْ وَقَوله:
(أَهَذا دِينُهُ أَبَداً ودِينِي ... )
أَي عادتُه فِي جَزَائي وعادتي فِي جَزائه ويومُ الدِّينُ هَاهُنَا يومُ الْقِيَامَة سمي بذلك لِأَنَّهُ يَوْم الْجَزَاء (الرَّقِيبُ) الحافِظُ الَّذِي لَا يغيب عَنهُ شَيْء (المَتِينُ) الشديدُ القُوَّةِ على أَمْرِهِ (الوَكِيلُ) الَّذِي تَوَكَّلَ بالقيامِ بِجَمِيعِ
стр. 2134
مَا خَلَقَ (الزَّكِيُّ) الْكثير الْخَيْر (السُّبُّوحُ) الَّذِي تنزه عَن كل سُوءٍ و (المُؤْمِنُ) الَّذِي آمَنَ الْعباد من ظُلْمِهِ لَهُم إِذْ قَالَ: (لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة) وَقيل الْمُؤمن الَّذِي وَحَّد نَفْسَهُ بقوله (شَهِدَ اللهُ أَنه لَا إِلَه إلَاّ هُوَ والملائكةُ) و (المُهَيْمِنُ) جَاءَ فِي التَّفْسِير أَنه الأمينُ وَزعم بعضُ أهل اللُّغَة أَن الْهَاء بدل من الْهمزَة وَأَن أصلَه المُؤَيْمِنُ كَمَا قَالُوا إيَّاكَ وهَيَّاكَ وَالتَّفْسِير يشْهد بِهَذَا القَوْل لِأَنَّهُ جَاءَ أَنه الأَمِينُ وَجَاء انه الشَّهِيدُ فتأويلِ الشهيدِ أَنه الأمينُ فِي شهادَتِهِ وَقَالَ بَعضهم: معنى الْمُهَيْمِن معنى المُؤْمنِ إِلَّا أَنه أَشَدُّ مُبَالغَة فِي الصِفَّة لِأَنَّهُ جَاءَ على الأَصْل فِي المُؤَيْمِنِ إِلَّا أَنه قبلت الْهمزَة هَاء وفُخِّمَ اللفظُ لتفخيم الْمَعْنى قَالَ أَبُو عَليّ: أما قَوْلنَا فِي وصف الْقَدِيم سُبْحَانَهُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ فَإِنَّهُ يحْتَمل تأويلين أَحدهمَا: أَن يكون من أَمِنَ المعتدي إِلَى مفعول فَنقل بِالْهَمْز فتعدى إِلَى مفعولين فَصَارَ من أَمِنَ زيدٌ العذابَ وآمَنْتُهُ العذابَ فَمَعْنَاه المُؤْمِنُ عذابَه من لَا يسْتَحقّهُ وَفِي هَذِه الصّفة وَصْفُ الْقَدِيم بالعَدْلِ كَمَا قَالَ: (قَائِما بالقِسْطِ) وَأما قَوْله تَعَالَى المُهَيْمِنُ فَقَالَ أَبُو الْحسن فِي قَوْله: (مُهَيْمِناً عَلَيْهِ) أَنه الشَّاهِد وَقد رُوِيَ فِي التَّفْسِير أَنه الأَمِينُ قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن مُحَمَّد قَالَ: سَأَلت الْحسن عَن قَوْله تَعَالَى: ﴿مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِناً علَيْهِ﴾ [الْمَائِدَة: ٤٨] قَالَ: مُصَدِّقاً بِهَذِهِ الكُتُبِ وأَمِيناً عَلَيْهَا والمعنيان مُتقاربانِ أَلا ترى أَن الشَّاهِد أَمِينٌ فِيهَا شَهِدَ بِهِ فَهَذَا التَّأْوِيل مُوَافق لما جَاءَ فِي التَّفْسِير من أَنه الأَمِينُ وَإِن جعلتَ الشاهدَ خلافَ الغائبِ كَانَ بِمَنْزِلَة قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يَخْفَى علىَ اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ [غَافِر: ١٦] و ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السمواتِ﴾ [سبأ: ٣] وَقَالَ: ﴿وكُنَّا لِحُكْمِهِم شاهِدِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاء: ٧٨] وَقَالُوا إِنَّه مُفَيْعَلٌ مثل مُبَيْطَرٌ وأبدلت من الْفَاء الَّتِي هِيَ هَمزةٌ الهاءُ كَمَا أبدلت مِنْهَا فِي غير هَذَا الْموضع وروى اليَزِيدِيُّ أَبُو عبد الله عَن أبي عُبَيْدَةَ قَالَ: لَا يُوجد هَذَا البناءُ إِلَّا فِي أَرْبَعَة أَشْيَاء مُبَيْطِرٍ ومُسَيْطِرٌ ومُبَيْقِرٌ ومُهَيْمِنٌ قَالَ أَبُو عَليّ: وَلَيْسَت الْيَاء للتصغير إِنَّمَا هِيَ الَّتِي لَحِقَتْ فَعَلَ فألحقته بالأربعة نَحْو دَحْرَجَ وَإِن كَانَ اللفظُ قد وَافَقَ اللفظَ إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَوله (العَزِيزُ) أَي الْمُمْتَنع الَّذِي لَا يغلبه شَيْء و (الجَبَّارُ) تأويلُه الَّذِي جَبَر الخَلقَ على مَا أرادَ من أمره وَقيل الجَبَّارُ العظيمُ الشأنِ فِي الْملك والسُّلْطانِ وَلَا يسْتَحق أَن يُوصَفَ بِهِ على هَذَا الإطلاقِ إِلَّا الله تَعَالَى فَإِن وُصِفَ بِهِ العبدُ فَإِنَّمَا هُوَ على وضع نَفسه فِي غير موضعهَا وَهُوَ ذَمٌّ على هَذَا الْمَعْنى (المُتَكَبِّرُ) الَّذِي تَكَبَّرَ عَن ظلم عباده وَقيل المُتَكَبِّرُ الَّذِي تكبَّر عَن كل سوءٍ عَن قَتَادَة والمُتَكَبِّرُ الْمُسْتَحق لصفات التَّعْظِيم (السَّلَامُ) اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى وَقيل السَّلامُ الَّذِي سَلِمَ الخلقُ من ظُلْمِهِ و (القَدِيرُ) القادرُ على كل شَيْء من القَدْرِ والقَدَرِ وَهُوَ القضاءُ والجمعُ أَقْدَارٌ وقَدَرَ على خلقه الأَمْرَ يَقْدِرُهُ ويَقْدُرُه قَدْراً وَقَدَراً وقَدَّرَهُ لَهُ وَعَلِيهِ وَقَدَرَ لَهُ الرِّزق والقَدَرِيَّة قوم يَجْحَدُون القدَرَ و (مَلِك يَوْمِ الدِّينِ) قَالَ أَبُو عَليّ: هُوَ من المُلْكِ وَمَالك من المِلْكِ وَقيل أصلُه فِي الِاشْتِقَاق من الشَّدِّ والرَّبْطِ وَقيل من القُدْرَةِ والأوّل قولُ ابنِ السِّرَّاجِ وَالثَّانِي قَول أبي بكر أَحْمد بن عَليّ والتصريفُ يَطَّرِدُ فِي كلا الأَصْلَيْنِ فَمِنْهُ الاِمْلَاكُ ومَلَكْتُ بُضْعَ المرأةِ وَمِنْه قولُهم مَلَكْتُ العجينَ - إِذا شَدَدْتُهُ وقَوَّيْتُهُ وَمِنْه قَوْله:
(مَلَكْتُ بهَا كَفِّي فأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا ... يَرَى قَائمٌ من دُونِهَا مَا وَرَاءَهَا)
فَإِن قَالَ قَائِل لم قطعتَ على أَنه من القُدْرَةِ وَهُوَ يطرد فِي كلا الْأَصْلَيْنِ فَالْجَوَاب أَن هَذَا معنى قد اشْتَقَّ لله مِنْهُ صفاتٌ فالوَجْهُ أَخْذَهُ من أشرف الْمَعْنيين إِذا اطَّرَدَ على الأَصْلَيْنٍ وَهُوَ الْقُدْرَة دون الْمَعْنى الآخر وَاخْتلفُوا فِي أيِّ الصفتين أَمْدَخُ فَقَالَ قومٌ مَلِكٌ أَمْدَحُ لِأَنَّهُ لَا يكون إِلَّا مَعَ التَّعْظِيم والاحْتِوَاء على الْجمع الْكثير وَقد يملك الشيءَ الصَّغِير والجُزْءَ الحقير وَقَالَ قوم مالِكٌ أَمدح لِأَنَّهُ يجمع الاسمَ والفعلَ كَأَنَّهُمْ يذهبون إِلَى أَنه لَا يكون مَالِكًا لشَيْء لَا يملكهُ كَقَوْلِك مَلِكُ الْعَرَب ومَلِكُ الرُّوم وَقد تَقول مَالك المَال وَلَا تَقول مَلِكُ
стр. 2135
المَال قَالَ وصفةُ مَلِك عِنْدِي أمدحُ لِأَنَّهَا متضمنة للمدح والتعظيم من غير إِضَافَة وَلَيْسَ كَذَلِك مَالك وَلِأَنَّهَا متضمنة معنى الْفِعْل أَيْضا إِذْ كَانَ لَا يكون مَلِكاً إِلَّا من قد مَلَكَ أَشْيَاء كثيرةٌ وحَوَى مَعَ ذَلِك أموراً عَظِيمَة وكلا الْقِرَاءَتَيْن مُنْزَلٌ وَالدَّلِيل على ذَلِك أَن التَّواخُذ جَاءَ بهما مَجيئاً وَاحِدًا فَلَو ساغَ جَحْدُ نُزول إِحْدَاهمَا لساغَ جَحْدُ نزولِ الأُخْرَى فَإِن قَالَ قَائِل مَا تنكر أَن تكون إِحْدَاهمَا مُنْزَلَة وَالْأُخْرَى معتبرةٌ استحنسها الْمُسلمُونَ وقَرَؤُوا بهَا إِذْ كَانَت لَا تَخْرُجُ عَن معنى المُنْزَلَة قيل لَهُ: لَا يجوز ذَلِك من قِبَل أَنه أُخِذَ على النَّاس أَن يُؤَدُوا لفظَ الْقُرْآن وَمَا أُخِذَ عَلَيْهِم أَن يُؤُدُّوا مَعْنَاهُ وَلم يُسَوِّغُوا الْقِرَاءَة على الْمَعْنى يَدُلُّكَ على ذَلِك أَنه لَو سَاغَ أَن يُقْرأ على الْمَعْنى لساغَ أَن يُقْرأ ذُو المِلْكَة يومَ الدِّين وذُو المَلكوت يَوْمَ الدّين وذُو مِلْكِ يَوْم الدّين فَلَمَّا كَانَ مَعْلُوما أَن ذَلِك لَا يسوغُ وَلَا يجوز عِنْد الْمُسلمين صَحَّ أَنه لَا يجوز مَا كَانَ مثلَه ونظيرَه وَقَرَأَ مالِكِ بألِفٍ عصامٌ والكسائيُّ وَقَرَأَ بَاقِي السبعةِ بِغَيْر ألف قَالَ وَالِاخْتِيَار مَلِك لِأَنَّهُ أمدح والمالِكُ هُوَ القادرُ على مَاله أَن يَصَرِّفه وَإِذا قيل للصَّبِيّ أَو الْعَاجِز فَإِنَّمَا هُوَ مَالك لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة الْقَادِر الَّذِي لَهُ أَن يصرف الشَّيْء وَإِذا قيل فِي الْوَكِيل أَنه لَا يملك الشَّيْء الَّذِي لَهُ أَن يتَصَرَّف فِيهِ فلأنهم لم يعتدوا بِتِلْكَ الْحَال لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَة الْعَارِية والمَلِكُ القادرُ الواسِعُ الْمَقْدُور الَّذِي لَهُ السّياسة وَالتَّدْبِير قَالَ: فَمَا حَكَاهُ أَبُو بكر محمدُ بنُ السَّرِيُّ عَن بعض من اخْتَار القراءةَ مَلِكِ من أَن الله سُبْحَانَهُ قد وَصَف نفسَه بِأَنَّهُ مالكُ كل شَيْء بقوله رب الْعَالمين فَلَا فائدةَ فِي تَكْرِير مَا قد مَضَى فَإِنَّهُ لَا يرجح قِرَاءَة مَلِك على مَالك لِأَن فِي التَّنْزِيل أشياءَ على هَذِه الصُّورَة قد تَقَّدمها العامُّ وذُكِرَ بعد العامِّ الخاصُّ كَقَوْلِه : ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق﴾ [العلق: ١] فَالَّذِي وَصْفٌ للمضاف إِلَيْهِ دون الأوّل الْمُضَاف لِأَنَّهُ كَقَوْلِه: ﴿هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ﴾ [الْحَشْر: ٢٤] ثمَّ خَصَّ ذِكْرَ الْإِنْسَان تَنْبِيها على تأَمُلِ مَا فِيهِ من إتقانِ الصَّنْعَة ووُجُوهِ الْحِكْمَة كَمَا قَالَ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] وَقَالَ: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق: ٢] وَكَقَوْلِه: ﴿وبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [الْبَقَرَة: ٤] بعد قَوْله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [الْبَقَرَة: ٣] والغيبُ يَعُمُّ الآخرةَ وغيرَها فَخُصُّوا بالمدح بِعِلْمِ ذَلِك والتَّيَقُّنِ تَفْضِيلاً لَهُم على الْكفَّار المنكرين لَهَا فِي قَوْلهم: ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاَعةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣] وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿مَا تَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنَّ إِلَاّ ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [الجاثية: ٣٢] وَكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَاّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرّحِيمِ﴾ [الْفَاتِحَة: ١] الرَّحْمنُ أبلغُ من الرَّحِيم بِدلَالَة أَنه لَا يُوصف بِهِ إِلَّا الله تَعَالَى ذكره وَذكر الرَّحِيم بعده لتخصيص الْمُسلمين بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ [الْأَحْزَاب: ٤٣] وكما ذُكِرَتْ هَذِه الأمورُ الخاصةُ بعد الْأَشْيَاء العامَّةِ لَهَا ولغيرها كَذَلِك يكون قولُه: ﴿مَالك يَوْم الدّين﴾ فِيمَن قَرَأَهَا بِالْألف بعد قَوْله: ﴿الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ [الْفَاتِحَة: ٢] أثبت فَلِمَنْ قَرَأَ مَالك من التَّنْزِيل قولُه: ﴿وَالأمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] لأنَّ مِلْك الأَمْرِ لِلَّهِ وَهُوَ مالِكُ الْأَمر بِمَعْنى أَلا ترى أَن لامَ الجَرِّ مَعْنَاهَا المِلْكُ والاستحقاقُ وَكَذَلِكَ قَوْله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لنفسٍ شَيئاً والَامْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ [الإنفطار: ١٩] يقوِّي ذَلِك وَالتَّقْدِير: ﴿مالِك يَوْم الدّين﴾ من الْأَحْكَام مَا لَا تملكه نفَسٌ لنفسٍ فَفِي هَذَا دلَالَة وتقويةٌ لقِرَاءَة من قَرَأَ مَالك وَإِن كَانَ قولُه: ﴿لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ﴾ [غَافِر: ١٦] أوضح دلالةٌ على قِرَاءَة من قَرَأَ مَلِكِ من حَيْثُ كَانَ اسمُ الْفَاعِل من المُلْكِ المَلِك فَإِذا قَالَ المُلْكُ لَهُ ذَلِك اليومَ كَانَ بِمَنْزِلَة هُوَ مِلكُ ذَلك هَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ﴾ [طه: ١١٤] والمَلِكُ القَدُّوسُ ومَلِكِ الناسِ
ورُوِي فِي الحَدِيث:
(إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةٌ وتِسْعِينَ اسْماً مَنْ أَحْصَاهَا دَخَل الجَنَّةَ) قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج روى أَبُو هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ قَالَ:
(لله تَعَالَى مائةُ اسْمٍ غَيْرَ واحدٍ من أحصاها دَخَلَ الجَنَّةَ هُوَ: اللهُ الواحِدُ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ الأَحَدُ الصَّمَدُ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ الخَالِقُ البارِئُ
стр. 2136
المُصَوِّرُ الحَيُّ القَيُّومُ العَلِيُّ الكَبيرُ الغَنِيُّ الكَرِيمُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ العَلِيمُ اللَّطِيفُ السَّمِيعُ البَصيرُ الوَدُودُ الشَّكُورُ الظَّاهِرُ البَاطِنُ الأَوَّلُ الآخِرُ المُبْدِئُ البَديعُ المَلِكُ القُدُّوسُ الذَّارِئُ الفَاصِلُ الغَفُورُ المَجِيدُ الحَلِيمُ الحَفِيظُ الشَّهِيدُ الرَّبُّ القَدِيرُ التَّوَّابُ الحَافظُ الكَفِيلُ القَريبُ المُجِيبُ العَظِيمُ الجَلِيلُ العَفُوُّ الصَّفُوحُ الحَقُّ المُبِينُ المَعِزُّ المُذِلُّ القَوِيُّ الشَّدِيدُ الحَنَّانُ المَنَّان الفَتَّاح الرَّؤُوفُ القَابِضُ البَاسِطُ البَاعِثُ الوَارِثُ الخَبِيرُ الرَّقِيبُ الحَسِيبُ المَتِينُ الوَكِيلُ الزَّكِيُّ الطَّاهِرُ المُحْسِنُ المُجْمِلُ المُبَارَكُ السُّبُوحُ الحَكِيمُ البَرُّ الرَّازِقُ الهَادِي المَوْلَى النَّصِيرُ الأَعْلَى الأَكْبَرُ الأَكْرَمُ الوَّهَّابُ الجَوَادُ الوَفِيُّ الوَاسِعُ الرَّزَّاقُ الخَلَاّقُ الوِتْرُ وَمعنى الوِتْر الأَحَدُ فَهَذَا كتسميتهم إِيَّاه الفَرْدُ وَأما المُصَوِّرُ فَمَعْنَاه الَّذِي صَوَّرَ جميعَ الموجوداتِ الحامِلَة للصورة وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ الَّذِي صَوَّرَ آدمَ ﵇ فَأَما قِرَاءَة من قَرَأَ المُصَوَّرُ على لفظ الْمَفْعُول فَلَا تصح إِذْ لَا معنى لَهَا لِأَن المُصَوَّرُ يَقْتَضِي مُصَوِّراً وَأَيْضًا فَإِن المُصَوَّرُ ذُو صُورَة وَهَذَا يَقْتَضِي أقدمَ مِنْهُ وَلَا أَقْدَمَ مِنْهُ جَلَّ وَعز وَقد فَسَّرْتُ من هَذِه الْأَسْمَاء وَالصِّفَات مَا يَحتاجُ إِلَى التَّفْسِير وتَحَرَّيْتُ أقاويلَ الثِّقَاتِ أهل المعرفةِ بالإِصْدَارِ والإيرادِ وَالله الموفقُ للصَّوَاب
وَأَنا أذكر أَجْمَعَ آيَة فِي الْقُرْآن لأسمائه وَصِفَاته وأفسر مَا تضمنته من الْحِكْمَة وَهِي: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هذَا القُرْآنَ على جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خِشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلهَ إِلَاّ هُوَ عَالِمُ الغَيْبِ والشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيم هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلهَ هُوَ المَلِكُ القُدُّوسِ السَّلَامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللهُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمواتِ والأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [الْحَشْر: ٢١ - ٢٤] وَقد تَضَمَّنت الآياتُ البيانَ عَمَّا يجب اعتقادُه من أَن منزلَةَ القرآنِ منزلَةُ مَا لَو أُنْزِلَ على جبل يَشْعُرُ بِعِظَمِ شأنِهِ لَخَشَعَ للَّذي أنزلهُ ولَتَصَدَّعَ مِنْ خِشْيَتِهِ مَعَ ضَرْبِ هَذَا المثلِ ليتفكر الناسُ فِيهِ وللبيان عَمَّا يجب اعتقادُه من تَوْحِيد الْإِلَه وَأَنه عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة الَّذِي عمَّ كُلَّ شيءٍ مِنْهُ الرحمةُ وكُلُّ شيءٍ مِنْهُ نِعْمَةٌ وتضمنت أَيْضا الحكمةَ والبيانَ عَمَّا يجب من تَعْظِيم الله بصفاته من أَنه الْإِلَه الْملك القدوس السَّلَام الْمُؤمن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار المتكبر المنزه عَن الْإِشْرَاك بِهِ وَعَن كل صفة لَا تجوز عَلَيْهِ فالبيانُ عَمَّا يجب أَن يعظم بِهِ من أَنه الخالقُ البارئ المصوّر وَأَنه المُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَنه الْعَزِيز الْحَكِيم
فَإذْ قد ذكرنَا مَا حَضَرنا من أَسْمَائِهِ الحُسْنَى وصفاتِه العُلَى فلْنَحْمَدُهُ على مَا ألهمنا إِلَيْهِ من مَعْرفَته وَالْعلم بِهِ ثمَّ لْنُصَلِّ على نَبينَا مُحَمَّد ﷺ ثمَّ لْنَأْخُذَ فِي ذكر الْأَلْفَاظ الَّتِي يُنَزَّهُ بهَا اللهُ من تقديس أَو تَعْظِيم أَو تبرئة عَمَّا يَلْحَقُ المخلوقين من ضُروبِ العيوبِ والذُّمُومِ والأَعْرَاضِ وَنَذْكُرُ الألفاظَ الَّتِي بهَا يُدْعَى إِلَيْهِ أَيْضا وَالَّتِي تُسْتَعْمَلُ عِنْد الِاسْتِعَاذَة ونَبْدَأُ بِالْكَلِمَةِ الَّتِي تَقْتَضِي حمدَه على نعمه وَبهَا افْتَتَحَ كِتَابَهُ فَقَالَ : ﴿الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [الْفَاتِحَة: ٢] وَجعلهَا آخرَ دُعَاء أوليائه فِي جِوَارِهِ وَجَنَّتِهِ فَقَالَ: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وتَحِيِّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وآخِرُ دَعْوَاهُم أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾ [يُونُس: ٢] الحمدُ نقيضُ الذَّمِّ والحمدُ والشكرُ والمدحُ والثناءُ نَظَائِر وَبَين الْحَمد وَالشُّكْر فرقٌ يظْهر بالنقيض فنقيضُ الشُّكْر الكفرُ ونقيضُ الْحَمد الذَّمُّ وأصلُ الْحَمد الوصفُ بالجميل كَمَا أَن أصلَ المَدْحِ كَذَلِك وَقد يُقَال للأَخْرَسِ حَمِدَ فُلاناً إِذا أظهر مَا يقوم مقامَ الْوَصْف بالجميل وَرُبمَا قَالُوا قد وَصفه بالجميل فيُوقعونه مَوْقِعَ مَدْحِهِ بذلك والحمدُ - هُوَ
стр. 2137
الوَصْفُ بالجميل على جهةِ التفضيلِ وَقد شَرَطَ قومٌ بِأَن قَالُوا بالجميل عِنْد الواصف لِأَن اليهوديَّ قد يصف إنْسَانا بِأَنَّهُ متمسك باليهودية على جِهَة الْمَدْح بذلك وَهُوَ يجوز أَن يُسْتَعار لَهُ اللفظُ إِذا قيل قد مَدَحَهُ والأصلُ فِي هَذَا أَن يُمَيَّزَ بَين من لَا يسْتَحق الحمدَ وَبَين من يسْتَحقّهُ فَأَما من يكون ممدوحاً مِمَّن لَا يكون ممدوحاً فطريقُه طريقُ الْعِبَادَة وَمَا يجْرِي فِي عَادَة أهل [ ... ] فاليهودي لَا يسْتَحق أَن يُوصف بالجميل على جِهَة التَّفْضِيل فَهُوَ [ ... ] الْحَمد وَالْحَمْد والمدح فِي هَذَا سواءٌ وَالشُّكْر لَا يكون إِلَّا على نعْمَة والحمدُ قد يكون على نعْمَة وعَلى غير نعْمَة كَمَا قد يكون المدحُ فَنحْن نحمد الله على أنعامنا عَلَيْهِ ونحمده على أَفعاله الجميلة من طَرِيق حسنها كَمَا حمدناه من طَرِيق النِّعْمَة بهَا وَإِنَّمَا نحمده جلّ وَعز على جِهَة التَّفْضِيل لأفعاله على كل فِعْلٍ لنا وعَلى التَّعْظِيم لإنعامه علينا وإحسانه إِلَيْنَا وَقد يُقَال الأخلاقُ المحمودةُ فَيجْرِي ذَلِك على جِهَة الِاسْتِعَارَة والتشبيه بِحَمْد من كَانَ مِنْهُ فِعْلٌ حَسَنٌ أَو قَبِيح فقد صَار الحمدُ بِمَنْزِلَة المشتَرك وَإِن كَانَ الأَصْل مَا بدأنا بِهِ من الْمُخْتَص وَقد قَالَ قوم إِن كلا الْأَمريْنِ أصلٌ وَلَو كَانَ كَمَا قَالُوا لجَاز أَن يُحْمَدَ اليهوديُّ على قوَّته وشدَّة بدنه وَإِن صرف ذَلِك إِلَى الْفساد وَمَا هُوَ كفر مِنْهُ وإشراك والحمدُ مصدر لَا يثنى وَلَا يُجْمَعُ تَقول أعجبني حمدُكُمْ زيدا والحمدُ لله خبرٌ وَفِيه معنى الْأَمر كَأَنَّهُ قيل لنا احْمُدُوا الله أَو قُولُوا الحمدُ لله والغَرَضُ من الْحَمد لله الإقرارُ بِمَا يسْتَحقّهُ اللهُ من الْمَدْح وَالثنَاء فَإِن قَالَ قَائِل إِذا كَانَ فِي الْفِعْل دلالةٌ عَلَيْهِ فَمَا الفائدةُ فِيهِ قيل لَهُ الْفَائِدَة فِيهِ من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: التنبيهُ كَمَا قد اجْتمع على قَول أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ قِيمَةُ كُلِّ امْرِئٍ مَا يُحْسِنُهُ وَقَوله تَكَلَّمُوا تُعْرَفُوا وَقَوله المَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحت لسانِه وَقَول الآخر إيَّاكَ والرَّأْيَ الفَطِير وَقَول الْحسن: اجْعَلِ الدَّنْيا قَنْطَرَةٌ تَعْبُرها وَلَا تَعْمُرها وَقَول الْحجَّاج آمِراً اتَّقِي اللهَ امرُؤٌ حاسَبَ نَفْسَهُ وأَخَذَ بِعَنَانِ عَقْلِهِ فَعَلِمَ مَا يُرَادُ بِهِ وَقَوْلهمْ الفِتْنَةُ يَنْبُوعُ الأَحْزانِ قَالَ أَبُو عَليّ: وَقَول الأَوَّلِ العُمْرُ قَصِير والصِّنَاعَةُ طَوِيلَةٌ والتَّجْرِبَةُ خَطَرُ والقَضَاءُ عَسِيرٌ فكلُّ هَذَا وَإِن كَانَ فِي الْعقل عَلَيْهِ دلَالَة فَفِي التَّنْبِيه عَلَيْهِ فَائِدَة عَظِيمَة فالحاجة إِلَيْهِ شَدِيدَة فَكَذَلِك كُلُّ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن مِمَّا فِي العقلِ عَلَيْهِ دلَالَة فَأحَدُ وُجُوهِ الفائدةِ فِيهِ التنبيهُ عليهِ والوَجْهُ الآخَرُ أَن العقلَ وَإِن كَانَ فِيهِ دلَالَة لمن طلبَهَا فقد يَغْلطُ غَالِطٌ فَيَصْدِفُ عَنْهَا كَمَا غَلِطَ عَبَدَةُ الأَوْثَانِ فَقَالُوا اللهُ أَجَّلُ من أَن يُقْصَدَ بالعِبَادَةَ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَن نتخذَ وَاسِطَة تَجْعَلُ لنا عِنْده المنزلةَ فعبدوا لذَلِك الأوثانَ وَاتَّخذُوا الأنداد فَكَذَلِك قد يَغْلَطُ غَالطٌ فيقولِ اللهُ أَجَلُّ من أَن يُقْصَدُ بالعبادةِ والثناءِ كَمَا غلط هَؤُلَاءِ فَقَالُوا الله أجل من أَن يُقْصَد بِالْعبَادَة فجَاء السمعُ مؤكداً لما فِي الْعقل وَقد أُجْمِعَ على قِرَاءَة الحمدُ للهِ بِالرَّفْع وَيجوز بِالْعَرَبِيَّةِ الحمدَ للهِ بالنصبِ والفرقُ بَين وَالرَّفْع وَالنّصب أَن النصبَ إِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن الْمُتَكَلّم أَنه حَامِد كَأَنَّهُ قَالَ أحْمَدُ اللهَ الحمدَ فَأَما الرفعُ فَهُوَ إِخْبَار أَن الحمدَ كُلَّهُ لِلّهِ كَأَنَّهُ لم يُعْتَدَّ بِمَا كَانَ من ذَلِك لغيره على مَا تقدم بياننا لَهُ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِلَّا أَنه قد تدَاخل ذَلِك على جِهَة التَّوَسُّع فَاسْتعْمل كل وَاحِد على معنى الآخر وحُذَّاقُ أهل النَّحْو يُنكرُونَ مَا جَاءَ بِهِ القُرَّاءُ من الضَّم وَالْكَسْر فِي الحمدُ للهِ والحمدِ لله والكسرُ أبعد الْوَجْهَيْنِ إِذْ كَانَ فِيهِ إبطالُ الْإِعْرَاب وَإِنَّمَا فسد الضمُّ من قِبَلَ أَنه مَا كَانَ الإتباعُ فِي الْكَلِمَة الْوَاحِدَة أُخُوك وأُبُوك ضَعِيفا قَلِيلا كَانَ مَعَ الْكَلِمَة خطأ لَا يجوز البتةَ إِذا كَانَ المنفصلُ لَا يلْزم لزومَ الْمُتَّصِل فَإِذا ضَعُفَ فِي الْمُتَّصِل لم يجز فِي الْمُنْفَصِل إِذْ لَيْسَ بعد الضعْف إِلَّا امتناعُ الْجَوَاز وَمَعَ ذَلِك فَإِن حركةَ الْإِعْرَاب لَا تلْزم فَلَا يكون لإجلها إتباعٌ كَمَا لَا يجوز فِي امْرُؤٌ وابْنُمٌ أَن يضم الألفُ للإتباع وكما لَا يجوز فِي دَلْو الْهمزَة لِأَن ضمةَ الْإِعْرَاب لَا تلْزم وَكَذَلِكَ: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [الْبَقَرَة: ٢٣٧] لَا يهمز لِأَن حَرَكَة التقاء الساكنين لَا تلْزم وكما قَالُوا
стр. 2138
فِي الْمُنْفَصِل لم تَخَفِ الرجلَ فَلم يَرُدُّوا الألفَ إِذْ الْمُنْفَصِل لَا يلْزم والحمدُ لَا يُسْتَحَقُ إِلَّا على فِعْل إِنَّمَا يُسْتَحَقُ بعد أَن لم يكن يُسْتَحَقُ وَإِن العقلَ يَقْتَضِي أَن الْمُسْتَحق للحمد لَا يسْتَحقّهُ إِلَّا من أجل إِحْسَان كَانَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ الذَّمُ لَا يسْتَحقّهُ إِلَّا الْمُسِيء على إساءته وَكَذَلِكَ الثوابُ والعقابُ فكُلُّ مُسْتَحِقِّ الثَّوَاب مُحْسِنٌ وكُلُّ مُسْتَحِقِّ العقابِ مُسِيءٌ وَالَّذِي لم يكن مِنْهُ إحسانٌ وَلَا إساءة على وَجه من الْوُجُوه لَا يجوز أَن يَسْتَحِقَّ حمداً وَلَا ذماً وَلَا ثَوابًا وَلَا عِقاباً وَلَيْسَ يجوز أَن يَسْتَحقَّ أحدٌ الحمدَ والذَّمَّ فِي حَال وَاحِدَة كَمَا لَا يكون وَلِيًّا عَدُوًّا فِي حَال وَاحِدَة وَلَا عَدْلاً فَاسِقًا فِي حَال وَاحِدَة وَلَا بَرًّا وَلَا فَاجِرًا فِي حَال وَاحِدَة وَأما حاشَ لله فَمَعْنَاه بَرَاءَةً لِلَّهِ ومَعاذاً لِلَّهِ قَالَ أَبُو عَليّ: حذفت مِنْهُ اللَّام كَمَا قَالُوا وَلَو تَرَ يَا أهلُ مَكَّة وَذَلِكَ لِكَثْرَة استعمالهم لَهُ وَأما سبحانَ اللهَ فَأرى سبحانَ مصدرَ فِعْلٍ لَا يسْتَعْمل كَأَنَّهُ قَالَ سَبَحَ سُبْحاناً كَمَا تَقول كَفَر كُفْراناً وَشَكَرَ شُكْراناً وَمَعْنَاهُ معنى التَّنْزِيه والبراءة وَلم يتَمَكَّن فِي مَوَاضِع المصادر لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي إِلَّا مصدرا مَنْصُوبًا مُضَافا وَغير مُضَاف وَإِذا لم يُضَفْ تُرِكَ صَرْفُه فَقيل سُبْحَانَ من زيد أَي براءةٌ مِنْهُ كَمَا قَالَ فِي الْبَيْت:
(سُبْحَانَ مِنْ عَلْقَمَةَ الفاخِرِ ... )
وَإِنَّمَا مُنِعَ الصرفَ لِأَنَّهُ معرفةٌ فِي آخِره ألفٌ ونونٌ زائدتان مثل عُثْمان وَمَا جرى مجْرَاه فَأَما قولُهم سَبَّحَ يُسَبِّحُ فَهُوَ فَعَّلَ ورد على سُبْحَانَ بعد أَن ذُكِّرَ وعُرِّفَ وَمعنى سَبَّح زيد أَي قَالَ سُبْحَانَ الله كَمَا تَقول بَسْمَلَ إِذا قَالَ بِسم الله وَقد يجيءُ سُبْحَانَ فِي الشّعْر منوَّناً كَقَوْلِه أُميَّة:
(سُبْحَانَهُ ثمَّ سُبْحاناً يَعُودُ لَهُ ... وقَبْلَنَا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ)
فِيهِ وَجْهَان يجوز أَن يكون نكرَة فَصَرفهُ وَيجوز أَن يكون صرفه [ ... ] وَحكى صَاحب الْعين: سَبَحَ فِي سَبَّحَ وَقَالَ سُبُحات وَجْهِ اللهِ كِبْرِيَاؤُه وجلالُه واحدتُه سُبْحَةٌ وَقَالَ جبريلُ إِن الله دُونَ العرشِ سبعين بَابا لَو دَنَوْنَا من أحدِها لأَحَرَقَّتْنَا سُبُحاتُ وَجْهِ اللهِ والسُّبْحَةُ - الخَرَزُ الَّذِي يُسَبِّحُ بعَدَدِها وَقيل السُّبْحَة الدعاءُ وصلاةُ التَّطَوُّع وعَمَّ بِهِ بعضُهم الصلاةَ وَفِي التَّنْزِيل: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ للَبَثَ﴾ [الصافات: ١٤٣ - ١٤٤] أَي الْمُصَلِّين قبل ذَلِك وَأما مَعاذ اللهِ فَإِنَّهُ يسْتَعْمل مَنْصُوبًا كَمَا ذكر سِيبَوَيْهٍ مُضَافا والعياذُ الَّذِي هُوَ فِي مَعْنَاهُ يسْتَعْمل مَنْصُوبًا وَمَرْفُوعًا ومجروراً وبالألف وَاللَّام فَيُقَال العِياذُ بِاللَّه واللَّجَأُ إِلَى العِيَاذِ بِاللَّه وَأما رَيْحَانَ اللهِ فَفِي معنى الاسْتِرْزَاقِ فَإِذا دَعَوْتَ بِهِ كَانَ مُضَافا وَقد أدخلهُ سِيبَوَيْهٍ فِي جملَة مَا لَا يتَمَكَّن من المصادر وَلَا يتَصَرَّف وَلَا يدْخلهُ الرّفْع والجر وَالْألف وَاللَّام وَقد ذكر فِي معنى قَوْله جلّ وَعز: ﴿والحَبُّ ذُو العَصْفِ والرَّيْحَانِ﴾ [الرَّحْمَن: ١٢] أَنه الرِّزْقُ وَهُوَ مخفوض بِالْألف وَاللَّام وَقَالَ النمر بن تولب:
(سَلَامُ الإِلهِ وَرَيْحَانُه ... ورَحْمَتُهُ وَسَمَاءٌ دَرَرْ)
فرفَعه وَلَعَلَّ سِيبَوَيْهٍ أَرَادَ إِذا ذُكِرَ رَيْحَانَه مَعَ سُبْحَانَهُ كَانَ غيرَ مُتَمَكن كسُبْحان وَأما عَمْرَك اللهَ فَهُوَ مصدر ونصبُه على تَقْدِير فعل وَقد يُقَدِّرُ ذَلِك الْفِعْل على غير وَجهه مِنْهُم من يقدر أَسأَلك بِعَمْرِكَ الله وبتَعْمِيرَكَ اللهَ أَي بوصفك اللهَ بِالْبَقَاءِ وَهُوَ مَأْخُوذ من العَمْرِ والعُمُرَ فِي معنى الْبَقَاء أَلا تَرَى أَن العربَ تَقول لعمر الله فَتَخْلِفُ ببقاءِ اللهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(إِذا رَضِيْتَ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْر ... لَعَمْرُ اللهَ أعْجَبَنِي رِضاها)
стр. 2139
وَمِنْهُم من يُقَدِّر أَنْشُدُكَ بِعَمْرِكَ اللهَ فَيجْعَل الفعلَ أَنْشُدَكَ وهم يستعملون الْبَاء فِي هَذَا الْمَعْنى فَيَقُولُونَ أَنْشُدُكَ باللهِ فَإِذا حُذِفَ الباءُ وَصَلَ الفِعْلُ ويُصَرِّفُونَ مِنْهُ الفعلَ فَيَقُولُونَ عَمَّرْتُكَ اللهَ على معنى ذَكَّرْتُكَ اللهَ وسألتُكَ بِاللَّه قَالَ الشَّاعِر:
(عَمَّرْتُكِ اللهَ إِلَاّ مَا ذَكَرْتِ لَنَا ... هَلْ كُنْتِ جارَتَنَا أَيَّامَ ذِي سَلَم)
وَقَالَ آخر:
(عَمَّرْتُكَ اللهَ الجَلِيلَ فَإِنَّنِي ... أَلْوِي عَلَيْكَ لَو أنَّ لُبَّكَ يَهْتَدِي)
وَأما نصب اسْم الله الْجَلِيل بعد عَمْرَكَ اللهَ فَلِأَنَّهُ مفعول الْمصدر كَأَنَّهُ قَالَ أَسأَلك بتذكيرك اللهَ أَو بوصفك اللهَ بِالْبَقَاءِ وَقد أجَاز الْأَخْفَش رَفعه على أَن الْفَاعِل للتذكير هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ أَسأَلك بِمَ أُذَكِّرُكَ اللهَ بِهِ وقِعْدَك بِمَعْنى عَمْرَك وَفِيه لُغَتَانِ يُقَال قِعْدَكَ اللهَ وَقَعِيدَكَ قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ مُتَمِّم بن نُوَيْرَة:
(فَقِعْدكِ أَن لَا تُسْمِعِينِي مَلَامَةً ... وَلَا تَنْكَئِي قَرْحَ الفُؤَادِ فَيِيجَعَا)
وَقَالَ آخر:
(قَعِيدَكُمَا اللهَ الَّذِي أَنْتُمَا لَهُ ... أَلَمْ تَسْمَعَا بالبَيْضَتَيْنِ المُنَاديَا)
وَمَعْنَاهُ أَسأَلك بِقِعْدِكَ اللهَ وبِقَعِيدِكَ اللهَ وَمَعْنَاهُ بِوَصْفِكَ اللهَ بالثَبَاتِ والدَّوامِ وَهُوَ مَأْخُوذ من الْقَوَاعِد الَّتِي هِيَ الْأُصُول لما يَلْبَثُ ويَبْقى وَلم يُصَرَّفْ مِنْهُ فَيُقَال قَعَّدْتُكَ اللهَ كَمَا يُقَال عَمَّرْتُكَ اللهَ لِأَن العَمْرَ فِي كَلَام الْعَرَب مَعْرُوف وَهِي كَثِيرَة الِاسْتِعْمَال لَهُ فِي الْيَمين فَلذَلِك تَصرَّفَ وكثرتْ موَاضعه وَأما جوابُ عَمْرَك اللهَ وقِعْدَكَ اللهَ ونَشَدْتُكَ الله فَإِنَّهَا تكون بِخَمْسَة أَشْيَاء: بالاستفهام وَالْأَمر وَالنَّهْي وأنْ وإِلَاّ ولَمَّا وَالْأَصْل فِي ذَلِك نَشْدْتُكَ اللهَ أَي سأَلتُكَ بِهِ وطلبتُ مِنْك بِهِ لِأَنَّهُ يُقَال نَشَدَ الرجلُ الضَّالَّةَ إِذا طلبَهَا كَمَا قَالَ الشَّاعِر:
(أَنْشُدُ والباغِي يُحِبُّ الوِجْدَانْ ... )
أَي أطلبُ الضالَّة والطالبُ يحب الْإِصَابَة وجُعِلَ عَمْرَكَ الله وقِعْدَكَ اللهَ فِي معنى الطَّلَبِ وَالسُّؤَال كنَشَدْتُكَ اللهَ فَكَانَ جوابُها كُلِّها مَا ذكرتُ لَك لِأَن الْأَمر وَالنَّهْي والاستفهام كلهَا بِمَعْنى السُّؤَال والاستدعاء وَكَذَلِكَ أَن لِأَنَّهُ صلَة الطَّلَبِ كَقَوْلِك نَشَدْتُكَ اللهَ أَن تقوم وَكَذَلِكَ تقُولُ نَشَدْتُكَ اللهَ قُمْ ونَشَدْتُكَ اللهَ لَا تَقُم قَالَ الشَّاعِر:
(عَمْرَكِ اللهَ ساعةَ حَدِّثِينَا ... ودَعِينَا مِنْ ذِكْرِ مَا يُؤْذِينَا)
وَقد مر: " فَقِعْدَكِ أَن لَا تُسْمِعِيني " فَجعل الْجَواب بِأَن لِأَنَّهُ فِي معنى الطّلب وَالْمَسْأَلَة وعَمَّرْتُكَ اللهَ إلَاّ كَمَا تَقول باللهِ إِلَاّ فَعَلَتْ كَذَا وَكَذَا ومثلُ مَا ينْتَصب من ذَلِك قَوْلُكَ للرجل سَلَاماً أَي تَسَلُّماً مِنْك وعَلى هَذَا قولُه : ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاما﴾ [الْفرْقَان: ٦٣] مَعْنَاهُ بَرَاءَة مِنْكُم لِأَن هَذِه الْآيَة فِي
стр. 2140
سُورة الْفرْقَان وَهِي مَكِّيَّة وَالسَّلَام فِي سُورَة النِّسَاء وَهِي مَدَنِيَّة وَلم يُؤْمَرِ الْمُسلمُونَ بِمَكَّة أَن يُسَلِّمُوا على الْمُشْركين وَإِنَّمَا هَذَا على معنى بَرَاءَة مِنْكُم وتَسَلُّماً لَا خير بَيْننَا وَبَيْنكُم وَلَا شَرَّ وَمن ذَلِك قَول أُميَّة:
(سَلَامَكَ رَبَّنَا فِي كُلِّ فِجْرٍ ... بَرِيئاً مَا تَغَنَّثُكَ الذُّمُومُ)
أَي تَبْرِئَةً لَك من السُّوء وَمعنى مَا تَغَنَّثُك الذمومُ أَي لَا يَلْصَقُ بِهِ صفةُ ذَمٍّ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَكَانَ أَبُو ربيعَة يَقُول إِذا لَقيتَ فلَانا فقُلْ سَلاما وسُئِلَ ففسَّرَ للسَّائِل معنى بَرَاءةٌ مِنْك قَالَ فكلُّ هَذَا ينْتَصب انتصاب حَمْداً وشُكراً إِلَّا أَن هَذَا يَتَصَّرفُ وَذَاكَ لَا يتَصَرَّف قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَنَظِير سُبْحَانَ من المصادرِ فِي الْبناء والمجزى لَا فِي الْمَعْنى غَفْران لِأَن بعض الْعَرَب يَقُول غُفْرَانُكَ لَا كُفْرَانَكَ يُرِيد اسْتِغْفَارًا لَا كُفْراً قَالَ فَجعله فِيمَا ل يتَمَكَّن لِأَنَّهُ لَا يسْتَعْمل على هَذَا إِلَّا مَنْصُوبًا مُضَافا وَكَذَلِكَ قَوْله : ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ [الْفرْقَان: ٢٢] أَي حَرَامًا مُحَرَّماً عَلَيْهِم الغفرانُ أَو الْجنَّة أَو نَحْو ذَلِك من التَّقْدِير على معنى حَرَّمَ اللهُ ذَلِك تَحْرِيماً أَو جعلَ اللهُ ذَلِك مُحَرَّماً عَلَيْهِم وَيَقُول الرجلُ للرجل أتفعل كَذَا وَكَذَا فَيَقُول حِجْراً أَي سِتْراً وبَراءةٌ وكل ذَلِك يَؤُل إِلَى معنى الْمَنْع كَأَنَّهُ مَأْخُوذ من الْبناء الَّذِي يحْجر فَيمْنَع من وُصُول مَا يصل إِلَى دَاخله وَمن الْعَرَب من يرفع سَلاما إِذا أَرَادَ معنى المبارأةِ كَمَا رَفَعُوا حَنَانَ قَالَ سمعنَا بعضَ الْعَرَب يَقُول لرجل لَا تَكُونَنَّ مِني فِي شيءٍ إِلَاّ سَلَامٌ بِسَلَامٍ أَي أَمْري وأَمْرُكَ المُسَالَمَةُ وَتَرَكُوا لفظَ مَا يرفع كَمَا تركُوا فِيهِ لفظَ مَا ينصب قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما سُبُوحاً قَدُّوساً رَبَّ الْمَلَائِكَة والرُّوح فعلى شَيْء يَخْطُرُ على باله أَو يَذْكُرُه ذاكِرٌ فَقَالَ سُبُّوحاً - أَي ذكرت سُبُوحاً كَمَا تَقول أهلَ ذاكَ إِذا سمعتَ رَجُلاً يذكر رَجُلاً بثناءٍ أَو بِذَمِّ كَأَنَّك قلتَ ذكرتَ أهْلَ ذَاكَ أَو اذْكُرْ أَهْلَ ذَاكَ وَنَحْو هَذَا مِمَّا يَلِيق بِهِ وخَزَلُوا الفعلَ الناصبَ لِسُبْحَانَ لِأَن المصدَرَ صَار بَدَلا مِنْهُ وَمن الْعَرَب من يَرْفَعُ فَيَقُول سُبُوحٌ قُدُّوسٌ على إِضْمَار وَهُوَ سُبُوح وَنَحْو ذَلِك مِمَّا مضى قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمِمَّا ينْتَصب فِيهِ المصدرُ على إِضْمَار الْفِعْل المتروكِ إظهارُه وَلكنه فِي معنى التَّعَدِّي قولُكَ كَرَماً وصَلَفاً كَأَنَّهُ يَقُول أَكْرَمَكَ اللهُ وأدامَ اللهُ لَك كَرَماً وأَلْزَمَتْ صَلَفاً وَفِيه معنى التَّعَجُّب فَيصير بَدَلا من قَوْلك أَكْرِمَ بِهِ وأَصْلِفْ بِهِ قَالَ أَبُو مُرْهِب: كَرَماً وطُولَ أَنْفِ أَي أَكْرِم بِكَ وأَطْوِلْ بِأَنْفِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ التعجبَ وأَضْمَرَ الفعلَ الناصبَ كَمَا انْتَصَبَ مَرْحَباً بِمَا ذُكِرَ قبلُ
وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ﷺ على مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله وَسلم تَسْلِيمًا آخر اشتقاق أَسْمَائِهِ وبتمامه تمّ جَمِيع الدِّيوَان