← Гариб и словари

Гариб и словари · id 3590

المخصص

ابن سيده

Полный текст (2 140 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

(أُولَئِكَ أَوْلَى من يَهُودَ بِمَدْحَةٍ ... إِذا أنتَ يَوْمًا قُلْتَها لم تُؤَنَّبِ) وَلَو سميت بمجوس أَو يهود أَو عُمانَ لم تصرفه لِاجْتِمَاع التَّأْنِيث والتعريف فِيهَا كَمَا أَنَّك لَو سميته بعقرب أَو عَناق لم تصرفه وَاعْلَم أَن يهودَ ومَجُوسَ قد يأتيان على وَجه آخر وَهُوَ أَن تجعلها جمعا لِيَهُودِيّ ومجوسيّ فتجعلهما من الجموع الَّتِي بَينهَا وَبَين وَاحِدهَا يَاء النِّسْبَة كَقَوْلِهِم زِنْجِيٌ وزِنْجٌ ورُومِيّ ورُومٌ وأعْرابيّ وأعرابٌ فَزِنْجِيٌ واحدٌ وزَنْج جمع وأعرابي وَاحِد وأعراب جمع فَكَذَلِك يهوديّ وَاحِد ويهودٌ جمع فَهَذَا مَصْرُوف وَهُوَ نكرَة وتدخله الْألف وَاللَّام للتعريف فَيُقَال الْيَهُود وَالْمَجُوس كَمَا يُقَال الْأَعْرَاب والزنج وَالروم وَهَذَا الْجمع الَّذِي بَينه وَبَين واحده الْيَاء كالجمع الَّذِي بَينه وَبَين واحده الْهَاء كَقَوْلِنَا تَمْرَة وتمر وشَعيرة وشَعِير وَقد مضى الْكَلَام فِي نَحوه وَأما نَصَارَى فَهُوَ عِنْد سِيبَوَيْهٍ جمع نصران للمذكر ونصرانة للمؤنث والغالبُ فِي الِاسْتِعْمَال النسبةُ نصرانيّ ونصرانية وَالْأَصْل نَصْرَانٌ مثل نَدْمَانٍ ونَدْمَانَةٍ فَإِذا جمع رَدّ إِلَى الأَصْل فَيُقَال نَصَارى كَمَا يُقَال نَدَامَى قَالَ الشَّاعِر: (فَكِلْتَاهُمَا خَرَّتْ وأَسْجَدَ رَأْسُها ... كَمَا سَجَدَتْ نَصْرَانَةٌ لم تَحَنَّفِ) فجَاء نَصارَى على هَذَا وَإِن كَانَ غير مُسْتَعْمل فِي الْكَلَام كَمَا جَاءَ مَذاكيرُ ومَلَامِحُ فِي جمع ذَكَرٍ ولَمْحَةٍ وَلَيْسَ بِجمع لَهما فِي الْحَقِيقَة وتقديرهما أَنَّهُمَا جمعُ مِذْكِيرِ ومَلْمَحَةٍ وَإِن كَانَا غير مستعملين وَقَالَ غير سِيبَوَيْهٍ نَصَارَى جمع نَصْرِيِّ ونَصْرِيَّة كَمَا أَن مَهَارَى من الْإِبِل جمع مَهْرِيِّ ومَهْرِيِّة وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ فِي أَن نَصَارَى جمعٌ نكرةٌ لَيْسَ مثلَ يهودَ ومجوسَ فِي التَّعْرِيف قولَ الشَّاعِر: (صَدَّتْ كَمَا صَدَّ عَمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ ... ساقِي نَصَارَى قُبَيْلَ الفَصْحِ صُوَّامِ) فوصف نَصارى بِصُوَّام وَهُوَ نكرَة وَقد يَقُول هم اليهودُ والمجوسُ والنَّصارَى وهم يَهُودٌ ومَجُوسٌ كُلُّ ذَلِك على الْمَعْنى وَمن هَذَا الْبَاب الرُّومُ والعُرْبُ والعَربُ والعُجْمُ والعَجَمُ لِأَنَّهَا أَسمَاء فأنثتْ على ذَلِك وَكَذَلِكَ يَأْجُوجُ ومَأْجُوجُ وَقَالُوا هم الأبْنَاء لأبناءِ فارسَ والنَّسَبُ إِلَيْهِ أبْنَاوِيٌ وَلم يَرُّدُوه إِلَى واحده لِأَنَّهُ غَلَبَ فَصَارَ كاسم الْوَاحِد كَمَا قَالُوا فِي الْأَنْصَار أنصاريّ وَقَالُوا أبناوِيٌّ لأَنهم توهموه قَبيلَة فِي حَدِّ النَّسَبِ (وَمن الْأَنْوَاع) الإنسُ والجِنُّ مؤنثان وَفِي التَّنْزِيل: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الإنسُ والجِنُّ﴾ [الْإِسْرَاء: ٨٨] وَفِيه: ﴿تَبَيَّنَتِ الجِنُّ﴾ [سبأ: ١٤] فَأَما قَوْلهم جِنَّة فقد يكون الجُنُونَ وَقد يكون جمع جِنِّ كحِجَارٍ وحِجَارة وَقَالُوا جِنِّيٌ وجِنٌ وإنْسِيٌ وإنْسٌ على حَدِّ زِنْجِيٍّ وزَنْج وَالْأُنْثَى بِالْهَاءِ ١ - هَذَا بَاب تَسْمِيَة الْأَرْضين إِذا كَانَ اسمُ الأرضِ على ثَلَاثَة أحرف خَفِيفَة وَكَانَ مؤنثاً أَو كَانَ الغالبَ عَلَيْهِ المؤنثُ كعُمَانَ فَهُوَ بِمَنْزِلَة قِدْرٍ وشَمْسٍ ودَعْدٍ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وبَلَغَنَا عَن بعض الْمُفَسّرين أَن قَوْله ﵎: ﴿اهْبِطُوا مِصْرَاً﴾ [الْبَقَرَة: ٦١] إنام أَرَادَ مِصْرَ بِعَينهَا قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو سعيد: اعْلَم أَن تَسْمِيَة الْأَرْضين بِمَنْزِلَة تَسْمِيَة الأناسِيّ فَمَا كَانَ مِنْهَا مؤنثاً فسميت باسم فَهِيَ بِمَنْزِلَة امْرَأَة سميت بذلك الِاسْم وَمَا كَانَ مِنْهَا مذكراً فَهُوَ بِمَنْزِلَة رجل سمي بذلك الِاسْم وَإِنَّمَا يَجْعَل مؤنثاً ومذكراً على تَأْوِيل مَا تَأَوَّلُ فِيهِ فَإِن تأَوَّلُ فِيهِ أَنه بلد أَو مَكَان فَهُوَ مُذَكّر وَقد يغلب فِي كَلَام الْعَرَب فِي بعض ذَلِك التأنيثُ حَتَّى لَا يسْتَعْمل التَّذْكِير وَفِي بعضه يغلب التَّذْكِير ويقلُّ فِيهِ استعمالُ التَّأْنِيث وَفِي بعضه يُسْتَعمل التأنيثُ والتذكيرُ وَرُبمَا كَانَ التأنيثُ الأغلبَ فمما غلب فِيهِ التأنيثُ وَلم

стр. 2067

يسْتَعْمل فِيهِ التذكي عُمَانَ كَأَنَّهُ اسْم مؤنث كسُعَاد وَزَيْنَب وَمِنْهَا حِمْصُ وجُورُ وماهُ وَهِي غير منصرفة وَإِن كَانَت على ثَلَاثَة أحرف لِأَنَّهُ اجْتمع فِيهَا التَّأْنِيث والتعريف والعُجْمَة فعادلت العجمةُ سُكُون الْأَوْسَط فَلم يُصْرَف فَكَذَلِك كل مؤنث من الْآدَمِيّين إِذا سميتها باسم أعجمي على ثَلَاثَة أحرف وأوسُطها سَاكن لم تصرفها فِي الْمعرفَة وصرفتها فِي النكرَة نَحْو خَان ودلّ وخُسّ وَمَا أشبه ذَلِك إِذا سميت بهَا امْرَأَة أَو غَيرهَا من الْمُؤَنَّث وَلم يجز فِيهَا من الصّرْف مَا جا فِي هِنْد وَكَذَلِكَ إِن سميت امْرَأَة بحِمْصَ أَو جُور أَو ماه لم تصرفها كَمَا لَا تصرفها إِذا سميتها بدَلّ أَو خَان لِأَن ذَلِك كُله أعجمي وَمن أجل ذَلِك لَا تُصرف فارسُ ودِمَشْقُ لِأَنَّهُمَا أعجميان على أَكثر من ثَلَاثَة أحرف قَالَ الشَّاعِر: (لِحَلْحَلَةِ القَتِيلِ وابْنِ بَدْرٍ ... وأهلُ دِمَشْقَ أنْدِيَةٌ تَبِينُ) أردا أعجبوا لحلحلة وَمن ذَلِك واسِط التَّذْكِير غلب عَلَيْهِ وَالصرْف لِأَن اشتقاقه يدل على ذَلِك لِأَنَّهُ مكانٌ وَسَطَ البَصْرَة والكوفةَ فَهُوَ وَاسِط لَهما وَلَو كَانَ مؤنثاً لقيل وَاسِطَة وَمن الْعَرَب من يَجْعَلهَا اسْمَ أَرض فَلَا يصرف كَأَنَّهُ سمى الأَرْض بِلَفْظ مُذَكّر كامرأة يسميها بواسِطٍ وَقد كَانَ يَنْبَغِي على قِيَاس الْأَسْمَاء الَّتِي تكون صِفَات فِي الأَصْل أَن تكون فِيهِ الْألف وَاللَّام كَمَا يُقَال الحَسَنُ والحارِثُ وَمَا أشبه ذَلِك دخلت الألفُ واللامُ لِأَنَّهَا صفاتٌ غالبة وَلَكِن سمى الْمَكَان بِصفتِهِ وَالْعرب قد تفعل هَذَا لأَنهم رُبمَا قَالُوا الْعَبَّاس وعَبَّاسَ والحسنُ وحَسَنٌ وَقد قَالَ الشَّاعِر: (ونَابِغَةُ الجَعْدِيُّ بالرَّمْلِ بَيْتُه ... عَلَيْهِ تُرابٌ من صَفِيح مُوَضَّعُ) وَهُوَ النَّابِغَة بِالْألف وَاللَّام على أَنه صفة غالبة وَلكنه سَمَّاهُ بنابغةَ الَّذِي هُوَ صفة فَخرج عَن بَاب الصّفة الْغَالِبَة وَلم يذكر سِيبَوَيْهٍ واسطاً آخرَ غير الَّذِي بَين الْبَصْرَة والكوفة وَقد حَكَى غيرُه واسطاً بِنَجْدٍ وَقيل مَوضِع بِالشَّام قَالَ الشَّاعِر فِيهِ وَهُوَ الأخطل: (عَفَا وَاسِطٌ من آلِ رَضْوَى فَنَبْتَلُ ... فَمُجْتَمَعُ الحُرِّيْنِ فالصَّبْرُ أَجْمَلُ) وَيجوز أَن يكون واسطٌ بَين مكانين آخَرين وَقد حكى بَعضهم فِيهِ التأنيثَ وَمِمَّا يغلب فِيهِ التَّذْكِير وَالصرْف دابِقٌ قَالَ الراجز: (ودابِقٌ وأَيْنَ مِني دابِقُ ... ) وَكَذَلِكَ مِنًى الصّرْف والتذكير فِيهِ أَجود وَإِن شِئْت أنثت وهَجَرُ يؤنث وَيذكر قَالَ الفرزدق: (مِنْهُنَّ أيامُ صِدْقٍ قد بُلِيَتْ بهَا ... أيامُ فارسَ والأيامُ من هَجَرَا) فَهَذَا أنث قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَمعنَا من الْعَرَب من يَقُول كجالِبِ التَّمْر إِلَى هَجَر يَا فَتى قَالَ أَبُو حَاتِم: هُوَ فَارسي معرّب إِنَّمَا هُوَ أَكَّرُ وَمثل للْعَرَب: " سِطِي مَجَرّ تُرْطِبْ هَجَرْ " يُرِيد تَوَسَّطِي السماءَ يَا مَجَرَّةُ وَلم يقل يُرْطِبْ بِالْيَاءِ وَذَلِكَ أَن المَجَرَّة إِذا تَوَسَّطَتْ السماءَ فَذَلِك وقتُ إرْطابِ النّخل وَأما حَجَرُ الْيَمَامَة وَهُوَ قَصَبَةُ الْيَمَامَة فيذكر ويُصْرف مِنْهُم من يؤنث فيُجْريه مُجْرى امرأةس سميت بِعَمْروٍ لِأَن حجرا شَيْء مُذَكّر سمي بِهِ الْمُذكر قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فَمن الأَرَضِينَ مَا لَا يكون إِلَّا على التَّأْنِيث نَحْو عُمَانَ والزَّابِ ومنهما مَا لَا يكون إِلَّا على التَّذْكِير نَحْو فَلْجٍ وَمَا وَقع صفة كواسط ثمَّ صَار بِمَنْزِلَة زيد وَعَمْرو وأخُرج الألفُ وَاللَّام مِنْهُ وَجعل كنابغةَ الجَعْدِيِّ وَأما قُبَاءٌ وحِرَاءٌ فقد اخْتلف فيهمَا الْعَرَب فَمنهمْ من يذكر وَيصرف وَذَلِكَ أَنهم جعلوها اسْمَيْنِ

стр. 2068

لمكانين كَمَا جعلُوا واسطاً بَلَدا ومكاناً وَمِنْهُم من أنث وَلم يصرف وجعلهما اسْمَيْنِ لبُقْعَتَيْنِ من الأرق قَالَ الشَّاعِر: (سَتَعْلَمُ أَيُّنَا خَيْرٌ قَدِيماً ... وأعْظَمُنَا بِبَطْنِ حِرَاءَ نَارا) وَكَذَلِكَ أُضَاخُ فَهَذَا أنَّثَ وَقَالَ غَيره فَذكر: (ورُبَّ وَجْهٍ مِنْ حِرَاءٍ مُنْحَنِي ... ) قَالَ أَبُو حَاتِم: التَّذْكِير أعرف قَالَ وقُبَاءٌ بِالْمَدِينَةِ وقُبَاءٌ آخر فِي طَرِيق مَكَّة فَأَما قَول الشَّاعِر: (فَلأَ بغِيَنَّكُمُ قُباً وعُوَارِضَا ... ) فَهُوَ مَوضِع آخر وَهُوَ مَقْصُور وَرِوَايَة سِيبَوَيْهٍ قِنَا وَهُوَ مَوضِع أَيْضا قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وسألتُ الْخَلِيل فَقلت أرأيتَ من قَالَ هَذِه قُبَاءُ يَا هَذَا كَيفَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يَقُول سمي بِهِ رجل قَالَ يَصْرِفُه وَغَيْرُ الصرفِ خطأ لِأَنَّهُ لَيْسَ بمؤنث مَعْرُوف فِي الْكَلَام لكنه مُشْتَقّ كجُلَاّسٍ وَلَيْسَ قد غَلَبَ عِنْدهم عَلَيْهِ التأنيثُ كسُعَادَ وزينبَ وَلكنه مُشْتَقّ يحْتَملهُ الْمُذكر وَلَا ينْصَرف فِي الْمُؤَنَّث كهَجَرَ وواسط أَلا ترى أَن الْعَرَب قد كفتك ذَلِك لما جعلُوا واسطاً للمذكر صرفوه فَلَو علمُوا أَنه شَيْء للمؤنث كعَناقٍ لم يصرفوه أَو كَانَ اسْما غلب عَلَيْهِ التأنيثُ لم يصرفوه وَلكنه اسْم كغُرَابٍ يَنْصَرِفُ فِي الْمُذكر وَلَا ينْصَرف فِي الْمُؤَنَّث فَإِذا سميتَ بِهِ الرجلَ فَهُوَ بِمَنْزِلَة المكانِ وكَبْكَبُ اسْم جبل مؤنث معرفَة قَالَ الْأَعْشَى: (يَكُنْ مَا أساءَ النارَ فِي رأسِ كَبْكَبَا ... ) وَقيل هُوَ مُذَكّر وَإِنَّمَا أنث على إِرَادَة الثَّنيَّة أَو الصَّخْرَة فَترك صرفه لذَلِك وشَمَامٍ مَبْنِيَّة على الْكسر اسْم جبل مؤنث معرفَة وَكَذَلِكَ وَبَارِ وَسَيَأْتِي ذكرهمَا وسَلْمَى وأَجَأُ جبلانِ لطَيِّيء معروفان مؤنثان قَالَ: (أَبتْ أَجَأُ أَن تُسْلِمَ العامَ جارَها ... فَمن شاءَ فَلْيَنْهَضْ لَهَا مِنْ مُقَاتِلِ) قَالَ أَبُو حَاتِم: أَجَأُ تهمز وَلَا تهمز وَقد يجوز أَن يكون حَمله على ذَلِك قولُ أبي النَّجْم: (قد حَيَّرتْهُ جِنُّ سَلْمَى وأَجا ... ) فَإِن كَانَ ذَلِك فَلَيْسَ بِدَلِيل قَاطع لِأَنَّهُ خفف همزَة أَجَأُ لإِقَامَة الرَّوِيٍّ فَأَما ثَبِيرٌ فمذكر قَالَ أَبُو حَاتِم: لُبْن - اسْم جبل مؤنث فَلذَلِك لم يصرف فِي أشعار الفصحاء قَالَ الرَّاعِي: (كَعَنْدَلِ لُبْنَ تَطَّرِدُ الصَّلَالَا ... ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاس: لُبْنان - جبل فِي الشَّام ولُبْنَى آخَرُ بِنَجْدٍ ولُبْنُ محذوفة مِنْهُمَا وَإِنَّمَا ذهب طُفَيْلٌ والراعي إِلَى التَّرْخِيم فِي غير النداء اضطراراً وَقد يجوز صرفه على قَول أبي حَاتِم من أَنه اسْم مؤنث لِأَنَّهُ اسْم على ثَلَاثَة أحرف سَاكن الْأَوْسَط كهند وحَوْرَانُ مُذَكّر قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: (فَلَمَّا بَدَا حَوْرَانُ والآلُ دُونَهُ ... نَظَرْتَ فَلم تَنْظُرْ بِعَيْنَيْكَ مَنْظَرَا) فَقَالَ دونه وَلم يقل دونهَا وَترك الصّرْف لِأَن فِي آخِره ألفا ونوناً زائدتين وَلَيْسَ قَول من زعم أَن كل اسْم بَلْدَة فِي آخِره ألف وَنون يذكر وَيُؤَنث بصواب والعِرَاقُ مُذَكّر عِنْد أَكثر الْعَرَب قَالَ الشَّاعِر:

стр. 2069

(إنَّ العِرَاقَ وأَهْلَه ... عُنُقٌ إِلَيْكَ فَهَيْتَ هَيْتَ) والشأم مُذَكّر فِي أَكثر كَلَام الْعَرَب قَالَ الشَّاعِر: (كَأَنَّمَا الشامُ فِي أَجْنَادِهِ البَغَرُ ... ) وَكَذَلِكَ الحجازُ واليَمَنُ ونَجْدٌ والغَوْرُ والحِمَى فَأَما نَجْرَانُ وَبَيْسَانُ وحَرَّانُ وخُراسانُ وسِجِسْتَانُ وجُرْجَانُ وحُلْوَانُ وهَمَذَانُ وبابِيلُ وبابلُ والصِّينُ فَكلهَا مُؤَنّثَة والفَرْجَانِ مذكران وهما السِّنْد وخُراسانُ قَالَ: (عَلَى أَحَدِ الفَرْجَيْنِ كانَ مُؤَمِّرِي ... ) وَلم يقل إِحْدَى ١ - هَذَا بَاب تَسْمِيَة الْحُرُوف والكلم الَّتِي تسْتَعْمل وَلَيْسَت ظروفاً وَلَا أَسمَاء غير ظروف وَلَا أفعالاً فالعربُ تخْتَلف فِيهَا يؤنثها بعض ويذكرها بعض كَمَا أَن اللِّسَان تذكر وتؤنث زعم ذَلِك يُونُس وَأنْشد: (كافاً ومِيمَيْنِ وَسِيناً طاسِمَا ... ) فَذكرهَا وَلم يقل طاسمة وَقَالَ الرَّاعِي: (كَمَا بُيِّنَتْ كافٌ تلُوحُ ومِيمُهَا ... ) فَقَالَ بُيِّنَتْ فَأَنت وَزعم الْأَصْمَعِي وَأَبُو زيد أَن التَّأْنِيث فِيهَا أَكثر والمعتمدُ بِهَذَا الْبَاب الكلامُ على الْحُرُوف إِذا جعلت أَسمَاء أَو جعلُها أَسمَاء على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا: أَن يخبر عَنْهَا فِي نَفسهَا وَالْآخر أَن يُسمى بهَا رجل أَو امْرَأَة أَو غير ذَلِك فَأَما إِن خُبِّرَ عَنْهَا وجُعِلَت أَسمَاء فَفِي ذَلِك مذهبان أَحدهمَا التَّأْنِيث على تَأْوِيل الْكَلِمَة والتذكير على تَأْوِيل حرف وعَلى ذَلِك جملةُ حروفِ التَّهَجِّي وَتدْخل فِي ذَلِك الْحُرُوف الَّتِي هِيَ أدواتٌ نَحْو إنَّ وليتَ وَلَو وَنَعَمْ وَمَا أشبه ذَلِك فَإِذا سميت بِشَيْء من ذَلِك مذكراً صرفته وَإِن سميت بِهِ مؤنثاً وَقد جعلته فِي تَأْوِيل كلمة أوسطها سَاكن صرفهَا من يصرف هنداً وَمَنَعَ صرفَها من يمْنَع صرفَ هِنْد كامرأة سميتها بليت أَو أنَّ وَمَا أشبه ذَلِك وَإِن تأوَّلتها تَأْوِيل الْحَرْف وَسميت بهَا مؤنثاً كَانَ الْكَلَام فِيهَا كَالْكَلَامِ فِي امْرَأَة سُمِّيَتْ بزيد وَإِن خَبَّرْتَ عَنْهَا فِي نَفْسِها فَفِيهَا مذهبان إِن شِئْت حكيتها على حَالهَا قبل التَّسْمِيَة فَقلت هَذِه ليتَ وليتَ تنصب الأسماءَ وترفع الأخبارَ وإنَّ تنصبَ الْأَسْمَاء وَإِن شِئْت أعربتها فَقلت ليتٌ تنصب الأسماءَ وترفع الْأَخْبَار فَمن تَركهَا على حَالهَا حَكَاهَا كَمَا يَحْكِي فِي قَوْلك دَعْنِي من تَمْرَتَانِ - أَي دَعْنِي من هَذِه اللَّفْظَة وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ لَيْت تنصب فَكَأَنَّهُ قَالَ هَذِه الصِّيغَة تَنْصِب وَمَا كَانَ من ذَلِك على حرفين الثَّانِي مِنْهُمَا يَاء أَو وَاو أَو ألف إِذا حيكتَ لم تُغَيِّرْ فقلتَ لَو فِيهَا معنى الشَّرْط وأو للشَّكّ وَفِي للوعاء فَلم تغير شَيْئا مِنْهَا وَإِن جَعلتهَا أَسمَاء فِي إخبارك عَنْهَا زِدْت عَلَيْهَا فصيرتَها ثلاثية لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاء اسْم على حرفين وَالثَّانِي مِنْهُمَا يَاء وَلَا وَاو وَلَا ألف لِأَن ذَلِك يُجْحِفُ بِالِاسْمِ لِأَن التنوينَ يدْخلهُ بحَقِّ الاسمية والتنوينُ يُوجِبُ حذفَ الْحَرْف الثَّانِي مِنْهُ فيبقَى الاسمُ على حرف وَاحِد مثالُ ذَلِك أَنا إِذا جعلنَا لَو اسْما وَلم نَزِدْ فِيهِ شَيْئا وَلم نَحْكِ اللفظَ الَّذِي لَهَا فِي الأَصْل أعربناها فَإِذا أعربناها تحركت الْوَاو وَقبلهَا فَتْحة فانْقَلَبَتْ ألفا فَتَصِير لَا ثمَّ يدْخلهُ التَّنْوِين بحقِّ الصّرْف فَتَصِير لَا يَا هَذَا فَيبقى حرف وَاحِد وَهُوَ اللَّام والتنوينُ غير معتدّ بِهِ وَإِذا سمينا بِأَو أَو بِلَا لَزِمَهَا ذَلِك أَيْضا فقلتَ أَولاً وَإِذا سميتَ بفِي وَلم تَحْكِ وَلم تزد فِيهَا شَيْئا وَجب أَن تَقول فٍ يَا هَذَا كَمَا تَقول قاضٍ يَا هَذَا فَلَمَّا

стр. 2070

كَانَ فِيهَا هَذَا الاجحاف لَو لم يُزَدْ فِيهَا شيءٌ زادوا مَا يُخْرِجه عَن حد الاحجاف فَجعلُوا مَا كَانَ ثَانِيَة واواً يُزاد فِيهِ مثلُها فيشدّد وَكَذَلِكَ الْيَاء كَقَوْلِك فِي لَوْلَوُّ وَفِي كَيْ كَيُّ وَفِي فِي فِي وَمَا كَانَ الْحَرْف الثَّانِي مِنْهُ ألفا زادوا بعْدهَا همزَة وَالتَّقْدِير أَنهم يزِيدُونَ ألفا من جِنْسهَا ثمَّ تقلب همزَة فَيُقَال فِي لَا لاءٌ وَفِي مَا ماءٌ قَالَ الشَّاعِر: (عَلِقَتْ لَوًّا تُرَدِّدُهُ ... إِنَّ لَوَّا ذاكَ أعْيانا) وَقَالَ غَيره أَيْضا: (لَيْتَ شِعْرِي وأَيْنَ مِنِّي لَيْتٌ ... إِنَّ لَيْتاً وإِنَّ لَوًّا عَنَاءُ) فَإِن قَالَ قائِلٌ فَمَا قَوْلكُم فِي امْرَأَة سميت بِشَيْء من هَذِه الْحُرُوف على مَذْهَب من لَا يصرف هَل يلْزم التشديدُ والزيادةُ أم لَا فَالْجَوَاب أَن التَّشْدِيد وَالزِّيَادَة لازمان فَإِن قَالَ فَلم زدتم وَلَيْسَ فِيهِ تَنْوِين وَمن قَوْلكُم إِن الزِّيَادَة وجبتْ لِأَن التَّنْوِين يُذْهب الْحَرْف فَيكون إحدافاً فَالْجَوَاب أَن الْمَرْأَة إِذا سميت بذلك يجوز أَن تنكر فيدخلها التَّنْوِين وَلَا يجوز أَن يكون الِاسْم يتَغَيَّر فِي التنكير عَن لَفظه وبنيته فِي التَّعْرِيف وَاسْتشْهدَ سِيبَوَيْهٍ فِي أَن هَذِه الْحُرُوف تؤنث بقول الشَّاعِر: (لَيْتَ شِعْرِي مُسَافِرَ بْنَ أبِي عَمْرٍو ... ولَيْتٌ يَقُولُها المَحْزُونُ) فأنث يَقُولهَا وَقد أنْشدْنَا قولَ النَّمِرِ بنْ تَوْلَبٍ: (عِلِقَتْ لَوًّا تُرَدِّدُهُ ... ) فَذكره وَقَالَ أعيانا فَذكر أَيْضا ويُنْشَدُ مُسافِرُ بْنُ أبي عَمْروٍ بِالرَّفْع وَالنّصب فَمن رفع فتقدير لَيتَ شِعْرِي خَبَرُ مسافِرِ بن أبي عَمْرو فَحذف الْخَبَر وَأقَام مُسَافر مُقامه فِي الْإِعْرَاب وَمن نصب نَصبه بشِعْرِي وَحذف الْخَبَر قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلت الْخَيل عَن رجل سمي بأنَّ مَفْتُوحَة فَقَالَ لَا أَكْسِرُه لِأَن أنَّ غير إِن وَإِنَّمَا ذكر هَذَا لِأَن أنِّ فِي الْكَلَام لَا تقع مُبتَدأَة قبل التَّسْمِيَة وَإِنَّمَا تقع الْمَكْسُورَة مُبتَدأَة فَذكر ذَلِك لِئَلَّا يَظُنَّ الظانُّ أَنَّهَا إِذا سمي بهَا رجل كُسِرَتْ مُبتَدأَة وَإِنَّمَا سَبِيل اسْم وسبيل إِن سَبِيل فِعْلِ فَإِذا سمينا بِوَاحِد مِنْهُمَا لم يَقع الآخرُ موقعه بعد التَّسْمِيَة كَمَا أَن نقُول هَذَا ضَارب زيدا وَهَذَا يضْرب زيدا ومعناهما وَاحِد وَأحد اللَّفْظَيْنِ يَنُوب عَن الآخر فِي الْكَلَام فَلَو سمينا رجلا بيضرب لم يَقع موقعه ضَارب وَبَعض الْعَرَب يهمز فِي مثل لَوْ فَيجْعَل الزِّيَادَة المحتاجَ إِلَى اجتلابها همزَة فَيَقُول لَوْءٌ وماجرى مجْرى هَذِه الْحُرُوف من الْأَسْمَاء غير المتمكنة فَحكمه حكم الْحُرُوف نَحْو هِيَ وهُوَ إِذا سمينا بِوَاحِد مِنْهُمَا أَو أخبرنَا عَن اللَّفْظ فجعلناه اسْما فِي الْأَخْبَار فَنَقُول هُوٌّ ونقول هِيٌّ فَإِن سمينا مؤنثاً بهي فمنزلتها منزلَة هِنْد إِن شِئْنَا صرفنَا وَإِن شِئْنَا لم نصرف لِأَنَّهَا مُؤَنّثَة سمي بهَا مؤنث وَكَانَ سِيبَوَيْهٍ يذهب فِي الْحُرُوف الَّتِي ذَكرنَاهَا كَلَوْ وَفِي وليت وَمَا أشبه ذَلِك وَفِي حُرُوف المعجم أَنَّهَا تؤنث وتذكر كَمَا أَن اللِّسَان يؤنث وَيذكر وَلم يَجْعَل أحدَ الْأَمريْنِ أولى من الآخر وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد فِيمَا ذُكِرَ عَنهُ يَذْهَبُ إِلَى أَن لَيْت وَمَا جرى مجْراهَا من الْحُرُوف مذكرات وَأَن قَوْله: (وليتٌ يقولُها المحزونُ ... ) إِنَّمَا أنث على تَأْوِيل الْكَلِمَة والقولُ هُوَ الأولُ سميتَ رجلا ذُو وذُون تذكر وتؤنث فَإِن سِيبَوَيْهٍ يذهب إِلَى أَن يُقَال هَذَا ذَواً وَرَأَيْت ذَواً ومررت بذواً بِمَنْزِلَة عَصًى ورحاً وَيذكر أَن أَصله فَعَلٌ فِي البنية ويستدل على ذَلِك بقَوْلهمْ هاتانِ ذَوَاتا مالٍ كَمَا يُقَال أَبَوانِ وأَبٌ فَعَلٌ وَكَانَ الْخَلِيل يَقُول هَذَا ذَوٌ فَيَجْعَلهُ فَعْلاً سكين

стр. 2071

الْعين وَكَانَ الزّجاج يذهب مذهبَ الْخَلِيل وَمن حجَّة الْخَلِيل أَن الْحَرَكَة غير مَحْكُوم بهَا إِلَّا بثَبَتٍ وَلم يقم الدَّلِيل على أَن الْعين متحركة وذَكَرَ من يَحْتَجُّ لَهُ أنَّ الِاسْم إِذا حُذِفَ لامه ثمَّ ثُنِّيَ فَرُدَّ إِلَيْهِ اللامُ حركت الْعين وَإِن كَانَ أصل بنيتها السّكُون كَقَوْلِه: (يَدَيَانِ بالمَعْرُوفِ عِنْد مُحَرِّقِ ... قَدْ تَمْنَعَانِكَ أَنْ تُضَامَ وَتُضْهَدَا) ويدٌ عِنْدهم فَعْلٌ فِي الأَصْل وَلكنهَا لما حذفت لامُ فَعلٍ فَوَقع الْإِعْرَاب على الدَّال ثمَّ رَدُّوا الْمَحْذُوف لم يَسْلُبوا الدالَ الحركةض قَالَ وَسَأَلته عَن رجل اسْمه فُو فَقَالَ الْعَرَب قد كفتنا أَمْرَ هَذَا لَمّضا أفردوه قَالُوا فَمٌ فأبدلوا الْمِيم مَكَان الْوَاو وَلَوْلَا ذَلِك لقالوا فَوْه لِأَن الأَصْل فِي فَم فَوْه لأَنهم يَقُولُونَ أَفْوَاهٌ كَمَا يَقُولُونَ سَوْطٌ وأَسْوَاطٌ فمذهبه إِذا سمى بفُو أَن يُقَال فَمٌ لَا غير وَكَانَ الزّجاج يُجيز فَمق وفَوْةٌ على مَذْهَب سَوْط وأسواط وحَوْض وأَحْوَاض وَإِنَّمَا ذكرنَا فُو فِي هَذَا الْبَاب وَإِن لم يكن من الْحُرُوف لمشاكلته لَهَا فِي الْحَذف والقلة قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما البا والتا والثا واليا والحا والخا والرا والطا والظا والفا فَإِذا صرن أَسمَاء أُمدِدْنَ كَمَا مُدَّت لَا إِلَاّ أَنَّهُنَّ إِذا كُنَّ أَسمَاء فهن يجرين مجْرى رجل وَنَحْوه ويكنَّ نكرَة بِغَيْر الْألف وَاللَّام ودخولُ الْألف وَاللَّام فِيهِنَّ يدلك على أنهنّ نكرَة إِذا لم يكن فيهنَّ ألفٌ وَلَام فأُجْرِيَتْ هَذِه الحروفُ مُجْرَى ابْن مَخَاض وَابْن لَبُون وأجريت الْحُرُوف الأول مُجْرَى سامٍّ أَبْرَصَ وأُمِّ حُبَيْنٍ وَنَحْوهمَا أَلا ترى أَن الْألف وَاللَّام لَا يدخلَانِ فِيهِنَّ قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن حُرُوف التهجي إِذا أردْت التهجي مبنياتٌ لِأَنَّهُنَّ حِكَايَة الْحُرُوف الَّتِي فِي الْكَلِمَة والحروفُ فِي الْكَلِمَة إِذا قُطِّعَت كلُّ حرف مِنْهَا مبنيٌّ لِأَن الْإِعْرَاب إِنَّمَا يَقع على الِاسْم بِكَمَالِهِ فَإِذا قصدنا إِلَى كل حرف مِنْهَا بنيناه وَهَذِه الْحُرُوف الَّتِي ذكرهَا من الْبَاء إِلَى الْفَاء إِذا بنيناها فَكل وَاحِد مِنْهَا على حرفين الثَّانِي مِنْهُمَا ألف فَهِيَ بِمَنْزِلَة لَا وَمَا فَإِذا جعلناهما أسماءاً مددنا فَقُلْنَا بَاء وتاء كَمَا نقُول لاءٌ وماءٌ إِذا جَنَحْنَا إِلَى جعلهَا أسماءاً وَتدْخلهَا الْألف وَاللَّام فتتعرف وَتخرج عَنْهَا فتتنكر وَمَا مضى من الْحُرُوف نَحْو لَيْت وَلَوْلَا يدخلهَا الْألف وَاللَّام فَجعل سِيبَوَيْهٍ حُرُوف التهجي نكرات إِلَّا أَن يدْخل عَلَيْهَا الْألف وَاللَّام فَجرى مجْرى ابْن مَخَاض وَابْن لبون فِي التنكير وَجعل لَو وليت معارف فَجرى مجْرى سَام أَبْرَصَ وأُمٍّ حُبَيْنٍ لِأَنَّهُنَّ مشتركات فِي الِامْتِنَاع من دُخُول الْألف وَاللَّام وَالْفرق بَينهمَا أَن الْبَاء قد تُوجد فِي أَسمَاء كَثِيرَة فَيكون حكمهَا وموضعها فِي كل وَاحِد من الْأَسْمَاء على خلاف حكمهَا فِي الآخر كَقَوْلِنَا بَكْرٌ وضَرْبٌ وحِبْرٌ وَغير ذَلِك من الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال والحروف فَلَمَّا كثرت موَاضعهَا وَاخْتلفت صَار كل وَاحِد مِنْهَا نكرَة وَأما لَيْت وَلَو وَمَا أشبه ذَلِك فهن لَوَازِم فِي مَوضِع وَاحِد وَمعنى وَاحِد وَمَا اسْتعْمل مِنْهَا فِي أَكثر من مَوضِع فَذَلِك لَيْسَ بالشائع الْكثير ومواضعه تتقارب فَيصير كالمعنى الْوَاحِد وَمثل ذَلِك أَسمَاء الْعدَد فَإِذا عددتَ فَقتل وَاحِد اثْنَان ثَلَاثَة أَرْبَعَة تبنيها لِأَنَّك لست تخبر عَنْهَا بِخَبَر تَأتي بِهِ وَإِنَّمَا تَجْعَلهُ فِي الْعبارَة عَن كل وَاحِد من الْجمع الَّذِي تعدّه كالعبارة عَن كل وَاحِد من حُرُوف الْكَلِمَة إِذا قطَّعتها وَذكر سِيبَوَيْهٍ أَن يُقَال وَاحِد اثْنَان فُيُشَمُّ الواحدُ الضَّمَّ وَإِن كَانَ مَبْنِيا لِأَنَّهُ مُتَمَكن فِي الأَصْل وَمَا كَانَ مُتَمَكنًا إِذا صَار فِي مَوضِع غير مُتَمَكن جعل لَهُ فَضِيلَة على مَا لم يكن مُتَمَكنًا قطّ قَالَ: وَزعم من يوثق بِهِ أَنه سمع من الْعَرَب ثَلَاثَة أَرْبَعَة فَطرح همزَة أَرْبَعَة على الْهَاء من ثَلَاثَة وَلم يحوّلها مَعَ التحريك وَمثل ذَلِك قَول الشَّاعِر: (خَرَجْتُ من عِنْدِ زِيادٍ كالخَرِفْ ... تَخُطُّ رِجْلَايِ بِخَطٍّ مُخْتَلِفْ) (تُكْتِّبَانِ فِي الطِّرِيقِ لَامَ ألِفْ ... ) فَألْقى حَرَكَة ألف على مِيم لَام وَكَانَت سَاكِنة فَفَتحهَا وَلَيْسَت هَذِه الْحَرَكَة حَرَكَة يُعْتَدُّ بهَا وَإِنَّمَا هِيَ

стр. 2072

تَخْفيف الْهَمْز بإلقاء الْحَرَكَة على مَا قبلُ من أجل ذَلِك قَالُوا ثلاثةَ آربعة لِأَن النِّيَّة أَنَّهَا سَاكِنة وَإِنَّمَا استعيرت الْهَاء لحركة الْهمزَة وَذكر عَن الْأَخْفَش إِنَّه كَانَ لَا يُشِمُّ فِي وَاحِد اثْنَان وَذكر أَبُو الْعَبَّاس وَنسبه إِلَى الْمَازِني أَنه لَا يُحَرِّك الْهَاء من ثَلَاثَة بإلقاء حَرَكَة الْهمزَة عَلَيْهَا من أَرْبَعَة قَالَ الْفَارِسِي: وَهَذَا إِن كَانَ صَحِيحا عَنهُ فَهُوَ بَيِّنُ الفسَاد لِأَن سِيبَوَيْهٍ حكى عَن الْعَرَب ثلاثةَ أَرْبَعَة وَأنْشد: (فِي الطَّرِيق لَامَ ألِفْ ... ) وَقد ألْقى حَرَكَة الْهمزَة على مَا قبلهَا قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما زَاي فَفِيهَا لُغَتَانِ مِنْهُم من يَجْعَلهَا فِي التهجي ككَيْ فَيَقُول زَيْ وَمِنْهُم من يَقُول زايٌ فيجعلها بِمَنْزِلَة وَاو قَالَ أَبُو عَليّ: أما من قَالَ زَيْ فَهُوَ إِذا جعلهَا اسْما شَدَّدَ فَقَالَ زَيُّ وَإِذا جعلهَا حرفا قَالَ زَيْ على حرفين مثل كَيْ وَأما زايٌ فَلَا تَتَغَيَّر صيغته وَأما مَنْ ومِنْ وأنْ وإنْ ومُذْ وَعَن وَلم ونحوُهن إِذا كنَّ أَسمَاء لم تغير لِأَنَّهَا تشبه الْأَسْمَاء كيَدٍ ودَم تَقول فِي رجل سميناه مِنْ هَذَا مِنْ وَلم ومُذْ وَلَا تزيد فِيهَا شَيْئا لِأَن فِي الْأَسْمَاء المتمكنة مَا يكون على حرفين كيدٍ ودَم وَمَا كَانَ على ثَلَاثَة فَهُوَ أولى أَن لَا يُزَاد فِيهَا نَحْو نَعَمْ وأَجَلْ وَكَذَلِكَ الْفِعْل الَّذِي لَا يتَمَكَّن نَحْو نِعْمَ وَبئسَ ١ - هَذَا بَاب تسميتك الْحُرُوف بالظروف وَغَيرهَا من الْأَسْمَاء اعْلَم أَنَّك إِذا سميت كلمة بِخَلْفَ أَو فَوْقَ أَو تَحْتَ لم تصرفها لِأَنَّهَا مذكرات وجملةُ هَذَا أَن الظروف وَغَيرهَا فِيهَا مذكرات ومؤنثات وَقد يجوز أَن يُذْهَب بِكُل كلمة مِنْهَا إِلَى معنى التَّأْنِيث بِأَن تَتَأَوَّلَ أَنَّهَا كلمة وَإِلَى معنى التَّذْكِير بِأَن تُتَأَوَّلَ أَنَّهَا حرف فَإِن ذهبتَ إِلَى أَنَّهَا كلمةٌ فسميتها باسم مُذَكّر على أَكثر من ثَلَاثَة أحرف أَو ثَلَاثَة أحرف أوسطها متحرّك لم تَصْرف كَمَا لَا تصرف امْرَأَة سميتها بذلك وَإِن سميتها بِشَيْء مُذَكّر على ثَلَاثَة أحرف أوسطُها ساكنٌ وَقد جَعلتهَا كلمة فحكمُها حكمُ امْرَأَة سميتها بزيد فَلَا تصرفها على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وَمَا كَانَ على حرفين فَهُوَ بِمَنْزِلَة مَا كَانَ على ثَلَاثَة أحرف أوسطُها ساكنٌ فَمن الْمُذكر تَحْتُ وَخَلْفُ وقَبْلُ وَبَعْدُ وأينَ وكيلَ وثَمَّ وَهُنَا وَحَيْثُ وكُلُّ وأَيُّ ومُنْذُ وَمُذْ وَقَطُّ وقَطْ وعِنْدَ ولَدَي ولَدُنْ وجميعُ مَا لَيْسَ عَلَيْهِ دلالةٌ للتأنيث بعلامة أَو فِعْل لَهُ مؤنث وَمن الظروف المؤنثة قُدَّام ووراء لِأَنَّهُ يُقَال فِي تصغيرها قُدَيْدِيمَة وَوُرَيِّئَة مثلُ وُرِيَّعَةٍ وَمِنْهُم من يَقُول وُرَيِّة مِثْل جُرَيَّة فَلَمَّا أدخلُوا الْهَاء فِي هذَيْن الحرفين وَلم يُدْخلوا فِي تُحَيْتَ وخُلَيْف ودُوَيْن وقُبَيْل وبُعَيْد علمنَا أَن مَا دخل عَلَيْهِ الهاءُ مؤنث وَالْبَاقِي مُذَكّر إِن قَالَ قَائِل فيكف جَازَ دُخُول الْهَاء فِي التصغير على مَا هُوَ أَكثر من ثَلَاثَة أحرف قيل لَهُ الْمُؤَنَّث قد يدل فعله على التَّأْنِيث وَإِن لم يصغر وَلم يتكن فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث كَقَوْلِنَا لَسَبَتِ العقربُ وطارتِ العُقَابُ والظروف لَا يخبر عَنْهَا بِإِخْبَار يدل على التَّأْنِيث فَلَو لم يدخلُوا عَلَيْهَا الْهَاء فِي التصغي لم يكن على تأنيثها دلَالَة وَإِن أخبرنَا عَن خَلْف وفَوْقَ وَسَائِر مَا ذكرنَا من الْمُذكر وَقد جعلناها كلمة لم نصرفها على قَول سِيبَوَيْهٍ وعَلى قَول عِيسَى بن عمر مَا كَانَ أوسطُه سَاكِنا وَهُوَ على ثَلَاثَة أحرف جَازَ فِيهِ الصرفُ وتَرْكُ الصرفِ كهندٍ فعلى مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ نقُول: هَذِه خُلْفُ وفوقُ وثَمُّ وقَطُّ وأَيْنُ وجِئْتُهُ من خَلْفَ وَمن تَحْتَ وَمن فَوْقَ وَذَلِكَ أَنَّهَا معارفُ ومؤنثاتٌ وَإِن جعلنَا هَذِه الْأَشْيَاء حروفاً وَقد سميناها بِهَذِهِ الْأَسْمَاء المذكرة الَّتِي ذَكرنَاهَا فَإِنَّهَا مصروفة لِأَن كل وَاحِد مِنْهَا مُذَكّر سمي بمذكر وَأما قُدَّام ووَرَاء فسواءٌ جعلتهما اسْمَيْنِ لكلمتين أَو لحرفين فَإِنَّهُمَا لَا ينصرفان لِأَنَّهُمَا مؤنثان فِي أَنفسهمَا وهما على أَكثر من ثَلَاثَة أحرف فَإِن جعلناهما اسْمَيْنِ لمذكرين أَو لمؤنثين لم ينصرفا وصارا بِمَنْزِلَة عَناق وعَقْرَب إِن سمينا بهما رجلَيْنِ أَو امْرَأتَيْنِ لم ينصرفا هَذَا قَول جَمِيع النَّحْوِيين فِي الظروف فَأَما أَبُو حَاتِم فَقَالَ: الظروف كلهَا

стр. 2073

مذكرة إِلا قُدَّام ووراءَ بِالدَّلِيلِ الَّذِي قدمنَا من التصغير قَالَ: وَزعم بعض من لَا أَثِق بِهِ أَن أمامَ مُؤَنّثَة وَمَا كَانَ من ذَلِك مَبْنِيا فلك أَن تَدَعَه على لَفظه وَلَا تَنْقُلَه إِلَى الْإِعْرَاب كَقَوْلِك ليتَ غير نافعة ولوْ غير مُجْدِيَةٍ وَلَك أَن تَقول ليتُ غيرُ نافعةٍ وَلوُّ غير مُجْدِيَةٍ إِذا جعلتهما اسْما للكلمتين تضم لَيْت وَلَو بِغَيْر تَنْوِين وَلَا تصرفه على مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ وعَلى مَذْهَب عِيسَى لَيْتٌ ولَوٌّ ولَيْتُ ولَوُّ منونةٌ وغيْرَ منونة وَإِن قلت ليتٌ وَلوٌّ غير نافعين وَقد جعلتهما للحرفين صرفتهما بِإِجْمَاع ونَكَّرْتَ فَقلت لَيْتٌ وَلوٌّ غير نافعين وَتقول إِن اللهَ يَنْهَاكُمْ عَن قِيلٍ وقالٍ وَمِنْهُم من يَقُول عَن قِيلَ وقالَ لَمَّا جَعَلَه اسْما وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ: (أَصْبَحَ الدَّهْرُ وَقد أَلْوَى بِهِمْ ... غَيَر تَقْوَالِكَ مِنْ قِيلٍ وَقَالِ) قَالَ سِيبَوَيْهٍ: والقوافي مجرورة وَقد أنكر المبردُ احتجاجَ سِيبَوَيْهٍ بجر القوافي على خفض قيل فَذكر أَنه يجوز أَن تكون القافية مَوْقُوفَة وَتَكون اللَّام من قِيلَ مَفْتُوحَة فَتَقول من قِيلَ وقالٌ وَقد رَدَّ الزجاجُ عَلَيْهِ ذَلِك فَقَالَ لَا يجوز الخبنُ فِي فاعلان من الرمل فغذا قُلْنَا قيلَ وقالْ وَجَعَلنَا اللَّام مَوْقُوفَة فقد صَار فِعْلَانُ مَكَان فاعِلَانْ وَإِذا أطلقناها صَار فاعلاتن وَمن قَالَ يَنْهَاكُم عَن قيلَ وقالَ قَالَ، لم أسمع بِهِ قِيلاً وَقَالا وَفِي الْحِكَايَة قَالُوا مُذْ شُبَّ إِلَى دُبَّ وَإِن جعلتهما اسْمَيْنِ قلتَ: مُذْ شُبِّ إِلَى دُبِّ وَهَذَا مَثَلٌ كَأَنَّهُ قَالَ مُذْ وَقْتِ الشبابِ إِلَى أَن دَبَّ على الْعَصَا من الكِبَرِ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَتقول إِذا نظرتَ إِلَى الكتابِ هَذَا عمروٌ إِنَّمَا الْمَعْنى اسمُ عَمْرو وَهَذَا ذِكْرُ عمْرٍو وَنَحْو هَذَا إِلَّا أَنه يجوز على سَعَةِ الْكَلَام كَمَا تَقول جَاءَت القريةُ وَأَنت تُرِيدُ أَهلهَا وَإِن شِئْت قلت هَذِه عَمْرو أَي هَذِه الْكَلِمَة اسْم عَمْرو كَمَا تَقول هَذِه ألْفٌ وَأَنت تُرِيدُ هَذِه الدراهمُ ألْفٌ وَإِن جعلته اسْما للكلمة لم تصرف وَإِن جعلته للحرف صرفته قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأَبُو جادٍ وهَوَّازٌ وحُطِيٌ بياء مُشَدّدَة كعمرو فِي جَمِيع مَا ذكرنَا وحالُ هَذِه الْأَسْمَاء حالُ عَمْرو وَهِي أَسمَاء عَرَبِيَّة وَأما كَلَمُون وصَعْفَصُ وقُرَيسياتُ فَإِنَّهُنَّ أعجميات لَا ينصرفن ولكنهن يقعن مواقع عَمْرو فِيمَا ذكرنَا إِلَّا ان قُرَيْسيات بِمَنْزِلَة عَرَفَاتٍ وأذْرِعَاتٍ قَالَ أَبُو سعيد: فصل سِيبَوَيْهٍ بَين أبي جادٍ وهَوَّاز وحُطِّيِّ فجعلهنَّ عربياتٍ وَبَين الْبَوَاقِي فجعلهن أعجميات وَكَانَ أَبُو الْعَبَّاس يُجيز أَن يكنَّ كُلُهُنِّ أعجياتٍ وَقَالَ بعض المحتجين لسيبويه أَنه جَعلهنَّ عربيات لِأَنَّهُنَّ مفهوماتُ الْمعَانِي فِي كَلَام الْعَرَب وَقد جَرَى أَبُو جادٍ على لفظ لَا يجوز أَن يكون إِلَّا عَرَبيا تَقول هَذَا أَبُو جاد وَرَأَيْت أَبَا جاد وعجيبت من أبي جاد قَالَ الشَّاعِر: (أتَيْتُ مُهَاجِرِينَ فَعَلَّمُونِي ... ثلاثةَ أَحْرفٍ مُتتابعاتِ) (وخَطُّوا لي أَبَا جادٍ وَقَالُوا ... تَعَلَّمْ صَعْفَضاً وقُرَيْسِياتِ) قَالَ أَبُو سعيد: وَالَّذِي يَقُول إنَّهُنَّ أعجمياتٌ غير مُبْعِدٍ عِنْدِي إِن كَانَ يُرِيد بذلك أَن الأَصْل فِيهَا العُجْمَة لِأَن هَذِه الْحُرُوف عَلَيْهَا يَقع تعليمَ الخَطِّ بالسُّرياني وَهِي معارف وَكَذَلِكَ جيمع مَا ذَكرْنَاهُ من الْحُرُوف مِمَّا لَا يدْخلهُ الألفُ وَاللَّام وَمَا كَانَ يدْخلهُ اللف وَاللَّام فَإِنَّهُ يكون معرفةٌ بهما ونكرةٌ عِنْد عدمهَا كالألف وَالْبَاء وَالتَّاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى ١ - وَمن الْمُؤَنَّث الْمُضمر من غير تقدم ظَاهر يعود إِلَيْهِ وَلَيْسَ من الْمُضمر قبل الذّكر على الشريطة التفسيرية وَلَكِن للْعلم بِهِ وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالحِجَابِ﴾ [ص: ١٣٢] يَعْنِي الشَّمْس و ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَان﴾

стр. 2074

[الرَّحْمَن: ٢٦] يَعْنِي الأَرْض وَزعم الْفَارِسِي أَن قَوْله تَعَالَى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ [العاديات: ٥] من هَذَا الْبَاب أَبُو حَاتِم: وَقَول النَّاس لَا يُفلح فلَان بعْدهَا يُرِيدُونَ بعد فَعْلته الَّتِي فَعَلَ أَو بعد هَذِه المرَّة وَكَذَلِكَ قَوْلهم لَا تَذْهَب بهَا أَي بفَعْلَتِكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَمثل ذَلِك قَوْلهم وَالله لَتُتْخَمِنَّها يَعْنِي هَذِه الأُكْلَة والفَعْلة وَأما قولُهم أصبحتْ حارَّةٌ وأصبحت باردةٌ وأمْسَتْ مُقْشَعِرَّة فَإِنَّهُم يُرِيدُونَ الرّيح أَو الدُّنْيَا أَو الأَرْض أَو الْبَلدة أَو الْبقْعَة وَنَحْو ذَلِك وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا تَرَكَ علَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النَّحْل: ٦١] يُرِيد ظهر الأَرْض وَكَذَلِكَ مَا بهَا مثلُك أَي بالبلدة ومَلأْتها عَدْلاً أَي هَذِه الْبَلدة أَو هَذِه الأَرْض أَو هَذِه الْبقْعَة وَمثل ذَلِك مَا يَمْشِي فوقَها مِثْلُكَ ١ - هَذَا بَاب تَسْمِيَة الْمُذكر بالمؤنث اعْلَم أَن كل مُذَكّر سميته بمؤنث على أَرْبَعَة أحرف فَصَاعِدا لم ينْصَرف وَذَلِكَ أَن أصلَ الْمُذكر عِنْدهم أَن يُسمى بالمذكر لِأَنَّهُ شَكْلُه وَالَّذِي يلائمه فَلَمَّا عدلوا عَنهُ مَا هُوَ لَهُ فِي الأَصْل وجاؤوا بِمَا لَا يلائمه وَلم يَك مُتَمَكنًا فِي تَسْمِيَة الْمُذكر فعلوا ذَلِك بِهِ كَمَا فعلوا ذَلِك بتسميتهم إِيَّاه بالمذكر فتركوا صرفه كَمَا تكروا صَرْفَ الأعجمي فَمن ذَلِك عَنَاق وعَقْرَب وعُقَاب وعَنْكَبوت وأشباهُ ذَلِك وَهَذَا الْبَاب مُشْتَمل على أَن مَا سمي بمؤنث على أَرْبَعَة أحرف فَصَاعِدا لم ينْصَرف فِي الْمعرفَة وَانْصَرف فِي النكرَة وشرطُ ذَلِك الْمُؤَنَّث أَن يكون اسْما مَوْضُوعا للْجِنْس أَو مصروفاً لتعريف الْمُؤَنَّث وَلم يكن مَنْقُولًا إِلَى الْمُؤَنَّث عَن غَيرهَا فَإِذا كَانَ من الْمُؤَنَّث اسْما لجنس نَحْو عنَاق وعقرب وعُقاب وعنكبوت إِذا سميت بِشَيْء مِنْهُنَّ أَو مَا يشبههن رجلا أَو سواهُ من الْمُذكر لم ينْصَرف فِي الْمعرفَة وَانْصَرف فِي النكرَة وَأما مَا صِيغ لتعريف الْمُؤَنَّث وَلم يكن قبل ذَلِك اسْما فنحو سُعَاد وَزَيْنَب وجَيْأل وتقديرها جيعل إِذا سميت بِشَيْء من هَذَا رجلا لم ينْصَرف فِي الْمعرفَة لِأَن سعاد وَزَيْنَب اسمان للنِّسَاء وَلم يوضعا على شَيْء يعرف مَعْنَاهُ فصارا لاخْتِصَاص النِّسَاء بهما بِمَنْزِلَة اسْم الْجِنْس الْمَوْضُوع على الْمُؤَنَّث وجَيْأَل اسْم معرفَة مَوْضُوع على الضَّبُع وَهِي مؤنث وَلم يوضع على غَيرهَا فَهِيَ كزينبَ وسعادَ فَإِذا كَانَت صفة للمؤنث على أَرْبَعَة أحرف فَصَاعِدا وَلم يكن فِيهِ علامةُ التَّأْنِيث فسميت بِهِ مذكراً لم يُعْتَدَّ بالتأنيث فَانْصَرف وَجعله سِيبَوَيْهٍ مذكراً وصف بِهِ مؤنث وَإِن كَانَت تِلْكَ الصّفة لَا تكون إِلَّا لمؤنث وَذَلِكَ أَن تَسْمِيَة بحائض أَو طامث أَو مُتْئِم وَذكر أَن تَقْدِيره إِذا قلت مَرَرْت بِامْرَأَة حَائِض وطامث ومُتئم بِشَيْء حَائِض وَكَذَلِكَ مَا وُصف من الْمُذكر بمؤنث كَقَوْلِهِم رجل نُكَحة وَرجل رَبْعَةٌ وجَمَلٌ خُجَأَة أَي كثير الضِّراب وَكَأن هَذِه الصّفة وصفٌ لمؤنث كَأَنَّك قلت هَذِه نفس خُجْأة وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: (لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَاّ نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ) وَذَلِكَ وَاقع على الذّكر وَالْأُنْثَى وَقد قدَّمْتُ مذهبَ الْكُوفِيّين فِي هَذَا الْفَصْل عِنْد ذكري لنعوت الْمُؤَنَّث الَّتِي تكون على مِثَال فَاعل وَمن الدَّلِيل على مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ أَنا لَا ندخل على حَائِض الْهَاء إِذا أردنَا بهَا الِاسْتِقْبَال فَتَقول هَذِه حائضة غَدا فَلَمَّا احْتمل حَائِض دُخُول الْهَاء عَلَيْهَا علمنَا أَنَّهَا مُذَكّر وعَلى أَنَّهَا قد تؤنث لغير الِاسْتِقْبَال قَالَ الشَّاعِر: (رأيتُ خُتُونَ العامِ والعامِ قَبْلَهُ ... كحائِضَةٍ يُزْنَى بِها غَيْر طاهِرِ) وَكَذَلِكَ يُقَال امْرَأَة طالِقٌ وطالقةٌ فَلَمَّا كَانَت الْهَاء تَدْخُلُ على هَذَا النَّحْو علمنَا أَنَّهَا إِذا أُسْقِطَ الهاءُ مِنْهَا صَار مذكراُ وَذكر سِيبَوَيْهٍ أَنه سَأَلَ الخليلَ عَن ذِراع فَقَالَ كَثُر تسميتهم بِهِ الْمُذكر وتَمَكَّن فِي الْمُذكر وَصَارَ من أَسْمَائِهِ خاصَّة عِنْدهم وَمَعَ هَذَا إِنَّهُم يصفونَ بِهِ الْمُذكر فَيَقُولُونَ هَذَا ثَوْبٌ ذِراعٌ فقد تمكن هَذَا الِاسْم فِي الْمُذكر هَذَا قَول الْخَلِيل وَكَانَ القياسُ أَن لَا يصرف لِأَن ذِرَاعا اسْم مؤنث على أَرْبَعَة أحرف فقياسُه أَن لَا

стр. 2075

ينْصَرف فِي الْمعرفَة وَقد كَانَ أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد يَقُول إِن الأجود فِيهِ أَن لَا يصرف وكأنَّ الْخَلِيل ذَهَبَ بِهِ مذهبَ الصّفة وَلَا عَلامَة فِيهِ وَقَالَ فِي كُراعٍ اسْم رجل قَالَ من الْعَرَب من يصرفهُ يُشبههُ بِذِرَاع والأجودُ ترك الصّرْف وصرفُه أَخْبَثُ الْوَجْهَيْنِ وكأنَّ الَّذِي يصرفهُ إِنَّمَا يصرفهُ لِأَنَّهُ كثر بِهِ تسميةُ الرِّجَال فَأشبه الْمُذكر فِي الأَصْل لِأَن الأَصْل أَن يُسمى الْمَذْكُور بالمذكر وَإِن سميت رجلا بثَمانٍ لم تصرفه لِأَن ثمانٍ اسْم مؤنث فَهُوَ كَثَلَاثٍ وعَنَاقٍ إِذا سميت بهما قَالَ الْفراء هُوَ مَصْرُوف لِأَنَّهُ جَمْعٌ وتصغيره عِنْده ثُلَيْثٌ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَو سميت رجلا حُبَارَى لم تصرفه لِأَنَّهُ مؤنث وَفِيه عَلَم التَّأْنِيث الألفُ المقصورةُ فَإِن حَقَّرته حَذَفْتَ الألفَ فَقلت حُبَيِّر لم تصرفه أَيْضا لِأَن حُبَارَى فِي نَفسهَا مؤنث فَصَارَ بِمَنْزِلَة عُنَيِّق وَلَا علامةَ فِيهَا للتأنيث قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَزعم الخليلُ أَن فَعُولاً ومِفْعالاً إِنَّمَا امتنعا من الْهَاء لِأَنَّهُمَا وقعتا فِي الْكَلَام على التَّذْكِير وَلكنه يُوصف بِهِ الْمُؤَنَّث كَمَا يُوصف بَعْدلٍ ورِضاً وَإِنَّمَا أَرَادَ بفَعُول ومِفْعَال قولَنا امرأةٌ صَبُور وَشَكُور ومِذْكَار ومِئْنَاث إِذا سميت رجلا بِشَيْء من ذَلِك صرفته لِأَنَّهَا صِفَات مذكرة لمؤنث كطامِثٍ وحائض وَقد مضى الْكَلَام فِي ذَلِك وَكَذَلِكَ إِن سميت رجلا بقاعد تُرِيدُ الْقَاعِد الَّتِي هِيَ صفة الْمَرْأَة الْكَبِيرَة القاعِد عَن الزَّوْج وَكَذَلِكَ إِن سميت بعاقِرٍ صفة الْمَرْأَة كل ذَلِك منصرف على مَا شرحته لَك لِأَنَّهُ مُذَكّر وَإِن وَقع لمؤنث كَمَا يَقع الْمُؤَنَّث للمذكر كَقَوْلِنَا عَيْنُ الْقَوْم وَهُوَ رَبِيئَتُهمْ أَي الَّذِي يَحْفَظُهُم فوَقَعَتْ عَلَيْهِ عينٌ وَهُوَ رجل ثمَّ شبه سِيبَوَيْهٍ حَائِضًا صفةٌ لشَيْء وَإِن لم يستعملوه بقَوْلهمْ أَبْرَقُ وأَبْطَحُ وأَجْزَعُ وأَجْدَلُ فِيمَن تَرَكَ الصرفَ لِأَنَّهَا صِفَات وَإِن لم يستعملوا الموصوفاتِ قَالَ وَكَذَلِكَ جَنُوبٌ وشَمَالٌ وقَبُولٌ ودَبُورٌ وحَرُورٌ وسَمُومٌ إِذا سمتَ رجلا بِشَيْء مِنْهَا صَرَفْتَهُ لِأَنَّهَا صِفَات فِي أَكثر كَلَام الْعَرَب سمعناهم يَقُولُونَ هَذِه ريحٌ حَرُورٌ وَهَذِه ريح شَمَالٌ وَهَذِه الريحُ الجنوبُ وَهَذِه ريحٌ جَنُوبٌ سمعنَا ذَلِك من فُصحاء الْعَرَب لَا يعْرفُونَ غَيره قَالَ الْأَعْشَى: (لَهَا زَجَلٌ كَحَفِيفِ الحَصَادِ ... صَادفَ بالليلِ ريحًا دَبُوراً) وَمعنى قَول سِيبَوَيْهٍ سمعنَا ذَلِك من فصحاء الْعَرَب أَي من جمَاعَة مِنْهُم فُصحاء لَا يعْرفُونَ غَيره قَالَ ويُجْعَلُ اسْما وَذَلِكَ قَلِيل قَالَ الشَّاعِر: (حَالَتْ وحِيلَ بِهَا وغَيَّرَ آيهَا ... صَرْفُ البِلَى تَجْرِي بِهِ الرِّيحانِ) (رِيحُ الجَنُوبِ مَع الشَّمالِ وتارةٌ ... رِهَمُ الرَّبِيعِ وصَائِبُ التَّهْتَانِ) فَمن أضَاف إِلَيْهَا جعلهَا أسماءٌ وَلم يصرف شَيْئا اسْمَ رَجُلٍ وَصَارَت بِمَنْزِلَة الصَّعُود والهَبُوطِ والحَدُورِ والعَرُوضِ وَهَذِه أسماءُ أماكنَ وَقعت مُؤَنّثَة وَلَيْسَت بصفاتٍ فَإِذا سميتَ بِشَيْء مِنْهَا مذكراً لم تصرفه وَلَو سميت رجلاٍ برَبابٍ أَو ثَوابٍ أَو دَلَالٍ انْصَرف وَإِن كَثُرَ رَبَابٌ فِي أَكثر الناء وَلَيْسَت كَسُعَادَ وَأَخَوَاتهَا لِأَن رباباً اسمٌ مَعْرُوف مُذَكّر للسحاب سميت المرأةُ بِهِ وسُعادُ مؤنث فِي الأَصْل وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ فِي سُعَادَ وَأَخَوَاتهَا: إِنَّهَا اشْتُقَّت فجعلتْ مُخْتَصًّا بهَا الْمُؤَنَّث فِي التَّسْمِيَة فَصَارَت عِنْدهم كعَناقٍ وَكَذَلِكَ تسميتُك رجلا بِمثل عُمَانَ لِأَنَّهَا لَيست بِشَيْء مُذَكّر مَعْرُوف وَلكنهَا مُشْتَقَّة لم تقع إِلَّا علما للمؤنث قَالَ الْفَارِسِي: قَالَ أَبُو عُمَر الجَرْمِيُّ معنى قَوْله مُشْتَقَّة أَي مُسْتأنفة لهَذِهِ الْأَسْمَاء لم تكن من قبلُ أَسمَاء لِأَشْيَاء أخر فنقلت إِلَيْهَا وَكَأَنَّهَا اشْتقت من السَّعادة أَو من الرَّبَبِ أَو الجَأْلِ وزِيدَ عَلَيْهَا مَا زِيدَ من ألف أَبُو يَاء لتُوضَع أَسمَاء لهَذِهِ الْأَشْيَاء كَمَا أَن عَناقاً أَصله من العَنَقِ وزيدت فِيهِ الألفُ فُوضِعَ لهَذَا الْجِنْس وَمَا كَانَ من الجموع المكسرة الَّتِي تأنيثها بالتكسير إِذا سمينا بِهِ مذكراً انْصَرف نَحْو خُروقٍ وكِلابٍ وجَمَالٍ وَالْعرب قد صرفتْ أنْماراً وكلاباً اسْمَيْنِ لِرجلَيْنِ لِأَن هَذِه

стр. 2076

الْمَجْمُوع تقع على المذكرين وَلَيْسَت باسم يخْتَص بِهِ وَاحِد من الْمُؤَنَّث فَيكون مثلثه أَلا ترى أَنَّك تَقول هم رجالٌ فتُكر كَمَا ذَكَّرْتَ فِي الْوَاحِد فَلَمَّا لم يكن فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث وَكَانَ يُخْرج إِلَيْهِ المكرُ ضارَعَ المُذَّكرَ الَّذِي يُوصف بِهِ الْمُؤَنَّث وَكَانَ هَذَا مُستوجباُ للصرف وَكَذَلِكَ لَو سمي رجل بعُنُوق جمع عَنَاقِ فَهُوَ بِمَنْزِلَة خُرُوقٍ وَيَسْتَوِي فِيهِ مَا كَانَ واحده مذكراً ومؤنثا وَلَو سميت رجلا بنساء لصرفته لِأَن نِسَاءَ جمعُ نِسْوَة فَهِيَ جمع مُكَسَّر مثلُ كِلَابٍ جَمْع كَلْب فَإِن سميته بطَاوغُوت لم ينْصَرف أَن الطاغوت اسْم وَاحِد مؤنث يقعل على الْجمع وَالْوَاحد وَلَيْسَ لَهُ وَاحِد من لَفظه فيكسر عَلَيْهِ فَصَارَ بِمَنْزِلَة عَنَاق وَإِذا كَانَ جمعا فَهُوَ بِمَنْزِلَة إبِلٍ وغَنَم لَا واحدَ لَهُ من لَفظه ١ - هَذَا بَاب تَسْمِيَة الْمُؤَنَّث اعْلَم أَن كل مؤنث سميته بِثَلَاثَة أحرف متوال مِنْهُ حرفان بالتحرك لَا ينْصَرف فَإِنَّهُ سميته بِثَلَاثَة أحرف فَكَانَ الْأَوْسَط مِنْهَا سَاكِنا وَكَانَت شَيْئا مؤنثاً أَو اسْما الغالبُ عَلَيْهِ الْمُؤَنَّث كسُعَاد فأنتَ بِالْخِيَارِ إِن شِئْت صرفته وَإِن شِئْت لم تصرفه وتركُ الصرفُ أجودُ وَتلك الأسماءُ نَحْو قِدْرٍ وعَنْزٍ ودَعْدٍ وجُمْلٍ ونُغْمٍ وهِنْدٍ وَهَذَا الْبَاب مُشْتَمل على ثَلَاثَة أَشْيَاء مِنْهَا أَن تسمي الْمُؤَنَّث باسم على ثَلَاثَة أحرف وأوسطُها متحركق وَلَيْسَ الحرفُ الثالثُ مِنْهَا بعَلَم تَأْنِيث وَذَلِكَ لَا خلاف بَين النَّحْوِيين أَنه لَا ينْصَرف فِي الْمعرفَة وينصرف فِي النكرَة كامرأة سميتها بقَدَم أَو حَجَر أَو عِنَبٍ وَمَا أشبه ذَلِك مِمَّا أوسطه متحرك وَالثَّانِي أَن تُسَمِّي المؤنثَ باسم كَانَ مؤنثاً قبل التَّسْمِيَة أَو الغالبُ عَلَيْهِ أَن تُسَمِّي بِهِ الْمُؤَنَّث وأوسطُه سَاكن فالاسم الْمُؤَنَّث قبل التَّسْمِيَة نَحْو قِدْرٍ وعَنْزٍ والاسمُ الغالبُ عَلَيْهِ أَن يُسمى بِهِ المؤنثُ وَإِن لم يعرف قبل التَّسْمِيَة دَعْدٌ وجُمْلٌ وهِنْدٌ فَهَذِهِ الْأَسْمَاء لَا خلاف بَين الْمُتَقَدِّمين أَنَّهَا يجوز فِيهَا الصّرْف وَمنع الصّرْف والأقيسُ عِنْد سِيبَوَيْهٍ منعُ الصّرْف لِأَنَّهُ قد اجْتمع فِيهَا التَّأْنِيث والتعريفُ ونقصانُ الْحَرَكَة لَيْسَ مِمَّا يُغَيِّرُ الحكم وَإِنَّمَا صَرَفَهث من صَرَفَهُ لِأَن هَذَا الِاسْم قد بلغ نِهَايَة الخِفَّة فِي قلَّة الْحُرُوف والحركات فقاومت خِفَّتُها أحدَ الثَّقْليْنِ وَكَانَ الزجاجُ يُخَالف من مضى وَلَا يُجِيز الصرفَ فِيهَا وَيَقُول قد أَجمعُوا على أَنه يجوز فِيهَا تركُ الصّرْف وسيبويه يرى أَن ترك أَجْوَدُ فقد جَوَّزُوا منعَ الصّرْف واستَجَادُوهُ ثمَّ ادَّعَوا الصَّرفَ بِحجَّة لَا تثبت لِأَن السّكُون لَا يُغير حكما أوجبه اجتماعُ علتين تمنعانِ الصَّرْفِ قَالَ أَبُو عَليّ: وَالْقَوْل عِنْدِي مَا قَالَه من مضى وَلَا أعلم خلافًا بَين مَا مضى من الْكُوفِيّين والبصريين وَمَا أجمعواعلى ذَلِك عِنْدِي إِلَّا لشهرة ذَلِك فِي كَلَام الْعَرَب والعلةُ فِيهِ مَا ذكرتُ وَقد رأيناهم أَسْقَطُوا بِقِلَّةِ الحُرُوفِ أحد الثَّقْلَيْنِ وَذَلِكَ إجماعُهُم فِي نُوح ولُوط أَنَّهُمَا مصروفان وَإِن كَانَت أعجميين معرفتين لنُقْصان الْحُرُوف فَمن حيثُ كَانَ نقصانُ الْحُرُوف مسوِّغاً للصرف فِيمَا فِيهِ عِلَّتَانِ سُوِّغَ بنُقْصانِ الْحُرُوف والحركةِ فِي الْمُؤَنَّث والثالثُ مِمَّا ذكرنَا اشتمالَ الْبَاب عَلَيْهِ أَن تُسَمِّيَ المؤنثَ باسم مُذَكّر على ثَلَاثَة أحرف وأوسطُها ساكنٌ نَحْو امْرَأَة سميت بزيد أَو عَمْرو أَو بكر قَالَ الْفَارِسِي: قد اخْتلف فِي هَذَا من مضى فَكَانَ قَول أبي إِسْحَاق وَأبي عَمْرو وَيُونُس والخليل وسيبويه أَنه لَا ينْصَرف ورَأَوْهُ أثقلَ من هِنْد ودَعْد قَالَ سِيبَوَيْهٍ: لِأَن الْمُؤَنَّث أَشد ملاءمة للمؤنث وَالْأَصْل عِنْدهم أَن يُسَمَّى الْمُؤَنَّث بالمؤنث كَمَا أَن أصلَ تَسْمِيَة الْمُذكر بالمذكر قَالَ أَبُو سعيد: كأَنَّ سِيبَوَيْهٍ جعل نَقْل الْمُذكر إِلَى الْمُؤَنَّث مَا كَانَ خِلَاف الْمَوْضُوع فِي كَلَام الْعَرَب والمعتادِ ثِقَلاً يُعادل نهايةَ الخِفَّة الَّتِي بهَا صَرَفَ من صَرَفَ هِنْداً وَكَانَ عِيسَى بن عمر يَرَى صرفَ ذَلِك أولى وَإِلَيْهِ يذهب أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بن يزِيد المَبَرّدُ لِأَن زيدا وأشباهه إِذا سمينا بِهِ الْمُؤَنَّث فأثقلُ أحوالِه أَن يصير مؤنثاً فَيَثْقُلَ بالتأنيث وكونُه فِي الأَصْل لَا يُوجب لَهُ ثِقَلاً أَكثر من الثِّقَل الَّذِي كَانَ فِي الْمُؤَنَّث فاعلمه

стр. 2077

١ - هَذَا بَاب مَا جَاءَ معدولاً عَن حَده من الْمُؤَنَّث كَمَا جَاءَ الْمُذكر معدولاً عَن حَده نَحْو فُسَقَ ولُكُعَ وزُفَر وَهَذَا الْمُؤَنَّث نَظِير ذَلِك الْمُذكر اعْلَم أَن هَذَا الْبَاب يشْتَمل على مَا كَانَ من فَعَالٍ مَبْنِيا وَذَلِكَ على أَرْبَعَة أضْرب أَولهَا وَهُوَ الأَصْل لباقيها مَا كَانَ من فَعَالٍ وَاقعا موقعَ الْأَمر كَقَوْلِهِم حَذَار زيدا - أَي احْذَرْهُ وَمَنَاعٍ زيدا - أَي امنعه قَالَ الشَّاعِر: (مَنَاعِها مِنْ إبِلٍ مَنَاعِهَا ... أَلَا تَرَى الموتَ لَدَى رِباعِها) وَقَالَ أَيْضا فِي نَحوٍ مِنهُ: (تَراكِها من إبِلٍ تَراكِها ... أَلا تَرَى المَوْتَ لَدَى أَوْرَاكِهَا) وَقَالَ رؤبة أَيْضا: (نَظَارِ كَيْ أَرْكَبَهَا نَظَارِ ... ) وَيُقَال نَزَالِ - أَي انْزِلْ وَيُقَال للضَّبُع دَبابِ - أَي دِبِّي قَالَ الشَّاعِر: (نِعَاء ابْن لَيْلَى للسَّمَاحَةِ والنَّدَى ... وأيْدِي شَمَالٍ بارداتِ الأَنَامِلِ) وَقَالَ أَيْضا جرير: (نَعَاءِ أَبَا لَيْلَى لِكُلِّ طِمِرِّةٍ ... وَجَرْدَاءَ مِثْلِ القَوْسِ سَمْحٍ حُجولَها) والحَدُّ فِي جَمِيع ذَا افْعَلْ وَهُوَ معدول عَنهُ وَكَانَ حَقُّه أَن يُبْنَى على السّكُون فَاجْتمع فِي آخِره ساكنانِ الحرفُ الْأَخير المبنيُّ على السّكُون والألفُ الَّتِي قبله وحُرِّكَ بِالْكَسْرِ لِأَن الْكسر مِمَّا يؤنث بِهِ لِأَن الْمُؤَنَّث فِي المخاطبة يكسر آخِره فِي قَوْلك إنكِ ذاهبةٌ وأنتِ قَائِمَة وَيُؤَنث بِالْيَاءِ فِي قَوْلك أنتِ تقومين وهَذِي أَمَةُ اللهِ وَلم يقل سِيبَوَيْهٍ أَنه كُسِر لِاجْتِمَاع الساكنين على مَا يُوجِبهُ اجتماعُهما من الكسرة لِأَنَّهُ يذهب إِلَى أَن السَّاكِن الأوَّلَ إِذا كَانَ ألفا فالوجهُ فَتْحُ السَّاكِن الثَّانِي لِأَن الألفَ قبلهَا فَتحةٌ وَهِي أَيْضا أَصْلُ الْفَتْح فحملوا السَّاكِن الباقيَ على مَا قبله من أجل هَذَا قَالَ فِي اسْحارَّ إِذا كَانَ اسْم رجل ورَخَّمْنَاهُ يَا اسْحَارَّ أَقْبِلْ بِفَتْح الرَّاء لِأَن قبلهَا فَتْحة الْحَاء وَالْألف بَينهمَا سَاكِنة وَهِي تؤكد الْفَتْح أَيْضا وحَمَلَه على قَوْلهم عَضَّ يَا فَتَى بِفَتْح الْعين وَلم يَحْفِل بالضاد الساكنة المدغمة فَإِن قَالَ قائِل فهم يَقُولُونَ رُدَّ وفِرَّ قيل لَهُ الحُجَّة فِي عَضَّ من قَول من يَقُول رُدَّ ورُدُّ وفِرِّ وَيَقُول فِي عَضِّ عَضَّ فيفصل بَينهمَا وَيفتح من أجل فَتْحة الْعين وَمِمَّا يدلك على ذَلِك قولُهم انْطَلْقَ يَا زَيْدُ فَيفتح الْقَاف لانفتاح الطَّاء وَإِنَّا حَرَّك الْقَاف لالتقاء الساكنين وَقَول الشَّاعِر: (عَجِبْتُ لِمَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أبٌ ... وذِي وَلَدٍ لم يَلْدَهُ أَبَوانِ) فَفتح الدَّال لانفتاح الْيَاء وَالْوَجْه الثَّانِي مَا كَانَ من وصف الْمُؤَنَّث مُنادًى أَو غير منادًى فالمنادَى قولُك يَا خَبَاثِ وَيَا لَكَاعِ وَيَا فَسَاقِ وَإِنَّمَا تُرِيدُ الخبيثَة والفاسقَة واللَّكْعَاءَ وَمثله للمذكر إِذا ناديته معدولاً يَا فُسَقُ وَيَا لُكَع وَيَا خُبَثُ وَيُقَال يَا جَعارِ للضبع وَإِنَّمَا هُوَ اسْم للجاعرةِ يُقَال ذَلِك فِي النداء وَغير النداء للضبع وَيُقَال لَهَا أَيْضا قَثَامِ وَمَعْنَاهَا تَقْثِمُ كُلَّ شَيْء تَجُرُّهُ للْأَكْل وتَجْرُفُه قَالَ الشَّاعِر:

стр. 2078

(فلِلْكُبَرَاءِ أَكْلٌ كيفَ شاؤوا ... وللصُغْرَاءِ أَخْذٌ واقتثامُ) وَقَالَ الشَّاعِر وَهُوَ الجَعْدِيُّ: (فَقُلْتُ لَهَا عِيثي جَعَارِ وَجَرِرِي ... بِلَحْمِ امْرِئِ لم يَشْهَدِ اليَوْمَ نَاصِرُهُ) وَيُقَال للمَنِيَّة حَلَاقِ وَهِي معدولة عَن الحالقة لِأَنَّهَا تَحْلِقُ كُلَّ شَيْء وتَذْهَبُ بِهِ قَالَ الشَّاعِر: (لَحِقَتْ حَلَاق بهمْ على أكْسَائِهِمْ ... ضَرْبَ الرِّقَابِ وَلَا يُهِمُّ المَغْنَمُ) والأكساءُ المآخِيرُ واحدُها كُسْءٌ وَقَالَ آخر: (مَا أُرَجِّي بالعَيْشِ بَعْدَ نَدَامَى ... قَدْ أَرَاهُمْ سُقُوا بِكَأْسِ حَلَاقِ) وَالْوَجْه الثَّالِث مَا كَانَ من المصادر معدولاً من مصدر مؤنث معرفَة مَبْنِيا على هَذَا الماثل كَقَوْل الذبياني: (إِنَّا اقْتَسَمْنَا خُطَّتَيْنَا بَيْنَنَا ... فحملتُ بَرَّةَ واحْتَمَلْتَ فَجَارِ) ففَجَارِ معدولةٌ عَن الفَجْرَةِ وَقَالَ الشَّاعِر: (فَقَالَ امْكُثِي حَتَّى يَسَارِ لَعَلَّنَا ... نَحُجُّ مَعاً قالتْ أعاماً وقابِلَهْ) فَهِيَ معدولة عَن المَيْسَرَةِ وَقَالَ الجَعْدِيُّ: (وذَكَرْتَ مِنْ لَبَن المُحَلَّقِ شَرْبَةً ... والخيلُ تَعْدُو بالصَّعِيدِ بِدَادِ)

стр. 2079

فبدَادِ فِي مَوضِع الْحَال وَهُوَ فِي معنى مصدر مؤنث معرفَة وَقد فسره سِيبَوَيْهٍ فَقَالَ مَعْنَاهُ تَعْدُو بَدَداً غير أَن بَدَادِ لَيست بمعدولة عَن بَدَدٍ لِأَن بَدَداً نكرَة وَإِنَّمَا هِيَ معدولة عَن البَدَّةِ أَو المُبَادَّةِ أَو غير ذَلِك من أَلْفَاظ المصادر الْمعرفَة المؤنثات قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَالْعرب تَقول لَا مَسَاسِ مَعْنَاهُ لَا تَمَسُّنِي وَلَا أَمَسُّكَ ودَعْنِي كَفَافِ وتقديرها لَا المُمَاسَّةَ ودَعْنِي المُكَافَّة وَإِن كَانَ ذَلِك غيرَ مُسْتَعْمل أَلا تَراهم قَالُوا مَلَامِحُ ومَشَابِهُ ولَيَالٍ وهُنَّ جَمْع لَيْسَ لَهَا واحدٌ من لَفظهَا لأَنهم لَا يَقُولُونَ مُلْمَحَةٌ وَلَا لَيْلاٍةٌ وَلَا مَشْبَهَةٌ وَقَالَ الشَّاعِر: (جَمَادِ لَهَا جَمَادِ وَلَا تَقُولِي ... طُوالَ الدَّهْر مَا ذُكِرَتْ حَمَادِ) وَإِنَّمَا يُرِيد جُمُوداً وَحَمْداً غير أَن اللَّفْظ الَّذِي عُدِلَ عَنهُ هَذَا اللَّفْظ كَأَنَّهُ الجَمْدَةُ والحَمْدَةُ أَو مَا جَرَى مَجْرَى هَذَا من الْمُؤَنَّث الْمعرفَة وَقد جعل سِيبَوَيْهٍ فَجَارِ فِي قَول النَّابِغَة من المصادر المعدولة وجَرَى على ذَلِك النحويون بعده والأَشْبَهُ عِنْدِي أَن تكونَ صفة غالبةٌ وَالدَّلِيل على ذَلِك أَنه قَالَ فِي شعره: (فَحَمَلْتُ بَرَّةَ واحْتَمَلْتَ فَجَارِ ... ) فَجَعلهَا نقيضَ بَرَّةَ وبَرَّةُ صفةٌ تَقول رجل بَرٌ وَامْرَأَة بَرَّةٌ وجعلُهما صفة للمصدر كَأَنَّهُ قَالَ فحملتُ الخَصْلَة البَرَّةَ وحملتَ الخصلةَ الفاجرةَ كَمَا تَقول الخَصْلة القبيحة والحَسَنَة وهما صفتانِ وَجعل بَرَّةٌ معرفةٌ عُرِّفَ بهَا مَا كَانَ جميلاً مستحسناً وَأما مَا جَاءَ معدولاً عَن حدّه من بَنَات الْأَرْبَعَة فَقَوله: (قالتْ لَهُ رِيحُ الصَّبا قَرْقَارِ ... ) وَبعده من غير إنشاد سِيبَوَيْهٍ: (واخْتَلَطَ المَعْرُوفُ بالإِنْكَارِ ... ) فَإِنَّمَا يُرِيد بذلك قَالَت لَهُ قَرْقِرْ بالرعد للسحابِ وَكَذَلِكَ عَرْعَارِ يه بِمَنْزِلَة قَرْقارِ وَهِي لُعْبة وَإِنَّمَا هِيَ من عَرْعَرْتُ ونظيرها من الثَّلَاثَة خَرَاج أَي اخْرُجُوا وَهِي لعبة ايضاً وَقَالَ الْمبرد غَلِطَ سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا وَلَيْسَ فِي بَنَات الْأَرْبَعَة من الفِعْل عَدْلُ وَإِنَّمَا قَرْقَارِ وعَرْعَارِ حِكَايَة للصوت كَمَا يُقَال غَاقِ غَاقِ وَمَا أشبه ذَلِك من الْأَصْوَات وَقَالَ لَا يجوز أَن يَقع عَدْلٌ فِي ذَوَات الْأَرْبَعَة لِأَن الْعدْل إِنَّمَا وَقع فِي الثلاثي لِأَنَّهُ يُقَال فِيهِ فاعَلْتُ إِذا كَانَ من كل وَاحِد من الفاعلين فِعْلٌ مثلُ فِعلِ الآخر كَقَوْلِك ضاربتُه وشاتمته وَيَقَع فِيهِ تَكْثِير الْفِعْل كَقَوْلِك ضَرَبْتُ وقَتَّلْتُ وَمَا أشبه ذَلِك وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الزّجاج: بابُ فَعالِ فِي الْأَمر يُراد بِهِ التوكيدُ والدليلُ على ذَلِك أَن أَكثر مَا يَجِيء مِنْهُ مَبْنِيٌ مكرّر كَقَوْلِه: (حَذَارِ من أَرْمَاحِنَا حَذارِ ... ) وَقَوله: (تَركِها مِنْ إبِلٍ تَراكِهَا ... ) وَذَلِكَ عِنْد شدَّة الْحَاجة إِلَى هَذَا الْفِعْل وحَكَى محمدُ بن يزِيد عَن الْمَازِني مثلَ قَوْله وَحكى عَن الْمَازِني عَن الْأَصْمَعِي عَن أبي عَمْرو مثل ذَلِك والأقوى عِنْدِي أَن قَول سِيبَوَيْهٍ أصح وَذَلِكَ أَن حِكَايَة الصَّوْت إِذا حَكَوْا وكَرَّرُوا لَا يُخالِفُ الأوَّلُ الثانيَ كَمَا قَالُوا غَاقِ غاقِ وحاءِ حاءِ وحَوْبِ حَوْبِ وَقد يُصَرِّفُونَ الفعلَ من الصَّوْت المكرر فَيَقُولُونَ عَرْعَرْتُ وقَرْقَرْتُ وَإِنَّمَا الأَصْل فِي الصَّوْت عارِ عارِ وقَار قَارِ فَإِذا صَرَّفُوا الْفِعْل مِنْهُ غَيَّرُوه إِلَى

стр. 2080

وزن الْفِعْل فَلَمَّا قَالَ قَرْقَارِ وعَرْعَارِ فَخَالف اللفظُ الأوّل الثَّانِي علمنَا أَنه مَحْمُول على قَرْقِر وعَرْعِر لَا على حِكَايَة عَارِ عَارِ وقَارِ قَارِ وعَرْعَار - لعبة للصبيان كَمَا قَالَ النَّابِغَة: (يَدْعُو وَلِيدُهُم بهَا عَرْعَارِ ... ) وَمعنى قَوْله أَيْضا: (واخْتَلَطَ المعروفُ بالإِنْكَارِ ... ) يُريدُ المطرَ أصابَ كُلَّ مكانٍ مِمَّا كَانَ يَبْلُغه المطرُ وَيعرف وَمِمَّا كَانَ لَا يبلغهُ المطرُ وَيَتْلُو بُلُوغهُ إِيَّاه وَالْوَجْه الرابعُ إِذا سميت بِشَيْء من الْوُجُوه الثَّلَاثَة امرأةٌ فَإِن بني تَمِيم ترفعه وتنصبه وتُجْرِيه مجْرى اسْم لَا ينْصَرف وَهُوَ القياسُ عِنْد سِيبَوَيْهٍ وَاحْتج بِأَن نَزَالِ فِي معنى انْزِل وَلَو سمينا بانْزِلْ امرأةٌ لَكنا نَجْعَلهَا معرفَة وَلَا نصرفها فَإِذا عدلنا عَنهُ نَزال وَهِي اسْم فَهِيَ أَخَفُّ أَمْراً من الْفِعْل الَّذِي هُوَ أفْعَل وَقد ردَّه أَبُو الْعَبَّاس الْمبرد فَقَالَ القياسُ قولُ أهل الحجازِ لِأَن أهل الحجازِ يُجْرُونَ ذَلِك مُجْراه الأوَّل فيكسرون وَيَقُولُونَ فِي امْرَأَة اسْمه حَذَامِ هَذِه حَذامِ وَرَأَيْت حَذَامِ ومررت بِحَذَامِ وَبَنُو تيميم يَقُولُونَ هَذِه حَذَامُ وَرَأَيْت حذامَ ومررتُ بحذامَ وَذكر الْمبرد أَن التَّسْمِيَة بنَزَال أقوى فِي الْبناء من التَّسْمِيَة بانْزِلْ لِأَن انْزِل هُوَ فِعْل فَإِذا سمينا بِهِ وَقد نَقَلْنَاهُ عَن بَابه فَلَزِمَهُ التَّغْيِير كَمَا أَنا نقطع ألف الْوَصْل مِنْهُ فنغيره عَن حَال الْفِعْل وفَعَالِ هِيَ اسمٌ فَإِذا سمينا بهَا لم نغيرها لأَنا لم نخرجها عَن التَّسْمِيَة كَمَا أَنا لَو سمينا بانطلاقٍ لم نقطع الْألف لِأَن انْطلاقاً اسمٌ فَلَمَّا لم نخرجهُ عَن الاسمية أجرينا عَلَيْهِ لَفظه الأوَّل فَأَما الكسرُ فِي لُغَة أهل الْحجاز فالعلةُ فِيهِ عِنْد سِيبَوَيْهٍ أَنه محمولٌ على نَزَالِ وتَرَاكِ للعدل والنباء والتعريف والتأنيث فَلَمَّا اجْتمعَا فِي هَذِه الْأَشْيَاء حمل عَلَيْهِ وَقد أجْرى زُهَيْر نَزَالِ هَذَا المَجْرَى حِين أخبر عَنْهَا وَجعلهَا اسْما فَقَالَ: (ولأَنْتَ أَشْجَعُ من أُسامَةَ إِذْ ... دُعِيَتْ نَزَالِ ولُجَّ فِي الذُّعْرِ) قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما مَا كَانَ آخِره رَاء فَإِن أهل الْحجاز وَبني تَمِيم متفقون ويختار بَنو تَمِيم فِيهِ لُغَة أهل الْحجاز كَمَا اتَّفقُوا فِي يَرَى والحجازيةُ هِيَ اللُّغَة القُدْمَى قَالَ أَبُو سعيد: اعْلَم أَن بني تَمِيم تركُوا لغتهم فِي قَوْلهم هَذِه حَضَارِ وسَفَارِ وتبعوا لُغَة أهل الْحجاز بِسَبَب الرَّاء وَذَلِكَ أَن بني تَمِيم يختارون الإمالةَ وَإِذا ضمُّوا الرَّاء ثَقُلَتْ عَلَيْهِم الإمالةُ وَإِذا كسروها خَفَّتِ الإمالةُ أَكثر من خفتها فِي غير الرَّاء لِأَن الرَّاء حرف مُكَرر والكسرة فِيهَا مكررة كَأَنَّهَا كسرتان فَصَارَ كسرُ الرَّاء أقوى فِي الإمالة من كسر غَيرهَا وَصَارَ ضم الرَّاء فِي منع الإمالة أشدَّ من منع غَيرهَا من الْحُرُوف فَلذَلِك اخْتَارُوا موافقةَ أهل الْحجاز كَمَا وافقوهم فِي يَرَى وَبَنُو تَمِيم من لغتهم تحقيقُ الْهَمْز وأهلُ الْحجاز يخففون فوافقوهم فِي تَخْفيف الْهمزَة من يرى قَالَ سيبوين: وَقد يجوز أَن يُرْفَعَ ويُنْصَبَ مَا كَانَ فِي آخِره الرَّاء قَالَ الْأَعْشَى: (مَرَّ دَهْرٌ على وبَارِ ... فَهَلَكَتْ جَهْرَةٌ وَبَارُ) والقوافي مرفوعةٌ وأولَّل القصيدة: (ألم تَرَوْا إرَماً وعاداً ... أَوْدَى بهَا الليلُ والنهارُ) قَالَ سِيبَوَيْهٍ: فمما جَاءَ وَآخره الرَّاء سَفَارِ - وَهُوَ اسْم ماءٍ وحَضَارِ - وَهُوَ اسْم كَوْكَب ولكنهما مؤنثان كمَاوِيَّة والشِّعْرَى كَأَنَّ تِلْكَ اسمُ الماءَةِ وَهَذِه اسمُ الكَوْكَبَةِ قَالَ أَبُو سعيد: أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ أَن سَفَارِ وَإِن كَانَ اسْم

стр. 2081

ماءٍ والماءُ مُذَكّر فَإِن الْعَرَب قد تؤنث بعضَ مياهها فَيَقُولُونَ ماءةُ بني فلَان وَهُوَ كثير فِي كَلَامهم فكأنَّ سَفَارِ اسمُ الماءَة وحَضَارِ وَإِن كَانَ اسْم كَوْكَب والكوكبُ ذَكَرٌ فَكَأَنَّهُ اسْم الكَوْكَبَةِ فِي القتدير لِأَن الْعَرَب قد أنثت بعضَ الْكَوَاكِب فَقَالُوا الشِّعْرَى والزُّهْرَة إِذْ كَانَ مَبْنَى هَذَا الْبَاب أَن يكون معرفَة مؤنثاً معدولاً وَأما قَوْله كماوِيَّة فَإِنَّمَا أَرَادَ أَن سَفَارِ وحَضَارِ مؤنثان كماوِيَّة والشَّعْرَى فِي التَّأْنِيث والأغلبُ أَن التَّمْثِيل بماوِيَّة غَلَطٌ وَقع فِي الْكتاب وَإِن كَانَت النّسخ متفقةٌ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا هُوَ كماءةٍ وَهُوَ أشبهُ لِأَن سَفَارِ ماءٌ وَالْعرب قد تَقول للْمَاء المورود ماءةٌ قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ الفرزدق: (مَتَى ماتَرِدْ يَوْمًا سَفَارِ تَجِدْ بهَا ... أُدَيْهِمَ يَرْمِي المُسْتَجِيزَ المُعَوَّرا) وَاسْتدلَّ سِيبَوَيْهٍ على أَن نَزَالِ وَمَا جرى مجْراهَا مُؤَنّثَة بقوله دُعِيَتْ نَزَالِ وَلم يقل دُعِيَ وَكَانَ الْمبرد يحتد بِكَسْر قَطَامِ وحَذَامِ وَمَا أشبه ذَلِك إِذا كَانَ اسْما علما لمؤنث أَنَّهَا معدولة عَن قاطمة وحاذِمَة عَلَمَيْنِ وأنهما لم تكن تَنْصَرِف قبل الْعدْل لاجماع التَّأْنِيث والتعريف فِيهَا فَلَمَّا عُدِلَت ازدادتْ بِالْعَدْلِ ثِقَلاً فَحُطَّت عَن منزلَة مَا لَا ينْصَرف وَلم يكن بعدَ منع الصّرْف إِلَّا البناءُ فبنيت وَهَذَا قَول يفْسد لِأَن الْعِلَل المانعةَ للصرف يَسْتَوِي فِيهَا أَن تكون عِلَّتَانِ أَو ثلاثٌ لَا يُزَاد مَا لَا ينْصَرف بورود عِلّة أُخْرَى على منع الصّرْف وَلَا يُوجب لَهُ الْبناء لأَنا لَو سمينا رجلا بأحمر لَكنا لَا نصرفه لوزن الْفِعْل والتعريف وَلَو سمينا بِهِ أمْرَأَة لَكنا لَا نصرفه أَيْضا وَإِن كُنَّا قد زدناه ثقلاً وَاجْتمعَ فِيهِ وزنُ الْفِعْل والتعريفُ والتأنيثُ وَكَذَلِكَ لَو سمينا امْرَأَة بِإِسْمَاعِيل أَو يقعوب لَكنا لَا نزيدها على منع الصّرْف وَقد اجْتمع فِيهَا التَّأْنِيث والتعريف والعُجْمَة قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَاعْلَم ان جَمِيع مَا ذكرنَا فِي هَذَا الْبَاب من فَعَالِ مَا كَانَ مِنْهُ بالراء وَغير ذَلِك إِذا كَانَ شَيْء مِنْهُ اسْما لمذكر لم يَنْجَرَّ أبدا وَكَانَ الْمُذكر فِي ذَلِك بِمَنْزِلَتِهِ إِذا سمي بعَنَاق لِأَن هَذَا الْبناء لَا يَجِيء معدولاً عَن مُذَكّر قَالَ أَبُو سعيد: يُرِيد ان فَعَالِ فِي الْوُجُوه الْأَرْبَعَة الَّتِي ذكرنَا مُؤَنّثَة وَأَنا إِن سمينا بهَا رجلا أَو شَيْئا مذكراً كَانَ غير منصرف ودخله الإعرابُ وَكَانَ بِمَنْزِلَة رجل سمي بعَنَاقِ وَهُوَ لَا ينْصَرف لِاجْتِمَاع التَّأْنِيث والتعريف فِيهِ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلَو جَاءَ شَيْء على فَعَالِ وَلَا تَدْرِي مَا أَصله أمعدولٌ أم غير معدول أم مُذَكّر أم مؤنث فالقياسُ فِيهِ أَن تصرفه لِأَن الْأَكْثَر من هَذَا الْبَاب مصروفٌ غير معدول مثلُ الذّهاب والفَسَادِ والصَّلاحِ والرَّبابِ وَذَلِكَ كلُّه منصرفٌ لِأَنَّهُ مُذَكّر فَإِذا سميتَ بِهِ رجلا فَلَيْسَ فِيهِ من الْعِلَل إِلَّا التَّعْرِيف وَحده وَهُوَ أَكثر فِي الْكَلَام من المعدول وجملةُ ذَلِك لَا يَجْعَلُ شَيْئا من ذَلِك معدولاً إِلَّا مَا قَامَ دليلُه من كَلَام الْعَرَب قَالَ أَبُو سعدي: سِيبَوَيْهٍ يرى ان فَعَالِ فِي الْأَمر مطردٌ قياسُها فِي كل مَا كَانَ فِعْلُه ثلاثياً من فَعَلَ أَو فَعُلَ أَو فَعِلَ فَقَط وَلَا يجوز الْقيَاس فِيمَا جَاوز ذَلِك إِلَّا فِيمَا سمع من الْعَرَب وَهُوَ قَرْقَارِ وعَرْعَارِ وَمَا كَانَ من الصِّفَات المصادر فَهُوَ أَيْضا عِنْده غير مطرد إِلَّا فِيمَا سمع مِنْهُم نَحْو حَلَاقِ وفَجَارِ ويَسَار وتطرد هَذِه الصفاتُ فِي النداء كَقَوْلِك يَا فَساقِ وَيَا خَبَاثِ وجميعُ مَا يطرد فِيهِ الْأَمر من الثلاثي والنداءُ فِيمَا كَانَ أصلُه ثلاثةَ أحرف فَصَاعِدا وبعضُ النَّحْوِيين لَا يَجْعَل الْأَمر مطرداً من الثلاثي وأذكر مَا حَكَاهُ أهل اللُّغَة مِمَّا لَا يطرد قَالَ أَبُو عبيد: سَبَبْتُهُ سُبَّةً تكون لَزامِ - أَي لازِمَةً وَقَالَ: كَوَيْتُه وَقَاعِ - وَهِي الدَّارةُ على الجاعِرَتَيْنِ وحيثما كَانَت وَلَا تكون إِلَّا دارةً وَأنْشد: (وَكُنْتُ إِذا مُنِيتُ بِخَصْمِ سَوْءٍ ... دَلَفْتُ لَهُ فَأَكْوِيهِ وَقَاعِ)

стр. 2082

وَحكى انْصَبَّتْ عَلَيْهِ من طَمَارِ - يَعْنِي الْمَكَان الْمُرْتَفع مَجْرَى وغيرَ مُجْرَى هَذِه حكايته وَقد أَسَاء إِنَّمَا وَجهه مَبْنِيٌ وغيرُ مُجْرَىً وَأنْشد: (وَإِن كنتِ لَا تَدْرِينَ مَا الموتُ فانظُرِي ... إِلَى هاِنئِ فِي السُّوقِ وابنِ عَقِيلِ) (إِلَى بَطَلٍ قَدْ عَقَّرَ السَّيْفُ وَجْهَهُ ... وآخَرَ يَهْوِي من طَمَارِ قَتِيلِ) وَحكي عَن الْأَحْمَر نَزَلَتْ بَلَاءِ على الكُفَّارِ يَعْنِي الْبلَاء وَأنْشد: (قُتِلَتْ فَكَانَ تَباغِياً وتَظَالُماً ... إِنَّ التَّظَالُمَ فِي الصِّدِيقِ بَوَارِ) وَقَالَ: لَا هَمَامِ لَا أَهُمُّ وَأنْشد قَول الْكُمَيْت: (لَا هَمَامِ لي لَا هَمامِ ... ) قَالَ: ورَكِبَ فلانٌ هَجَاجِ رأسِهِ وهَجَاجَ غَيْرَ مُجرَى إِذا ركب رأسَه وَأنْشد: (وَقد رَكِبُوا علَى لَوْمِي هَجَاجِ ... ) قَالَ عليّ: قد قَلَبَ أَو عبيد إِنَّمَا حكمُه رَكِبَ فُلانٌ هَجَاج رأسِه معرباً مُضَافا إِلَى مَا بعده لِأَنَّهُ قد أضيف وَإِذا أضيف الْمَبْنِيّ رُدَّ إِلَى أَصله لِأَن الْبناء يُحْدِثُ فِي المَبْنِيِّ شَبَه الحروفِ فَمن حَيْثُ لَا تُضَاف الحروفُ لَا تُضَاف المبنياتُ إِلَّا بِزَوَال شَبَهَ الْحُرُوف وَقَالَ: حَضَارِ والوَزْنُ مُحْلِفانِ وهما نَجْمَانِ يُطْلُعَانِ قبل سُهَيْلٍ فيظنّ الناسُ بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا أَنه سُهَيْلٌ وكُلُّ شَيْئَيْنِ مُخْتَلفين فهما مُحْلِفانِ وَأما حِيدِي حَيَادِ وفِيحِي فَيَاحِ - أَي اتَّسِعِي عَلَيْهِم وحِيدِي عَنْهُم فَمن القِسْمِ المُطِّرَدِ وَأنْشد: (وقُلْنَا بالضُّحَى فِيحِي فَيَاحِ ... ) وَقَالَ صَاحب الْعين: حَدَادِ أَي احْدُد يَعْنِي امْنَع وَمن غير الْأَمر جَداعِ - السَّنةُ الشَّدِيدَة وَيُقَال لَهَا الجَدَاعُ وشَمَامِ - اسْم جبل مَعْرُوف وَكَذَلِكَ شَرَاءِ وَسَبَاطِ من أسماءِ الحُمَّى مؤنث وَمن الرباعي حكى ابْن دُرَيْد: أَنه يُقَال هَل بَقِيَ من الطَّعَام فَيُقَال حَمْحَامِ وَمَحْمَاحِ - أَي لم يبْق شَيْء ١ - بَاب مَا ينْصَرف فِي الْمُذكر البته مِمَّا لَيْسَ فِي آخِره حرف التَّأْنِيث كُلُّ مُذَكّر سُمِّيَ بِثَلَاثَة أحرف لَيْسَ فِيهِ حرف التَّأْنِيث فَهُوَ مَصْرُوف كَائِنا مَا كَانَ أعْجَمِيًّا أَو عَرَبِيًّا أَو مؤنثاً إِلَّا فُعَلَ مشتقاً من الْفِعْل أَو يكون فِي أوَّلِهِ زيادةٌ فَيكون كَيَجِدُ ويَضَعُ ونَضَعُ وأضَع أَو يكونُ كضُرِبَ - وَذَلِكَ كَرجل سميته بقَدَمٍ أَو فِهْرٍ أَو أُذنٍ وهُنَّ مؤنثات أَو سميته بخُشٍّ أَو دلًّ أَو خانٍ وَمَا أشبه ذَلِك وَإِنَّمَا انْصَرف الْمُسَمّى بالمؤنث على ثَلَاثَة أحرف لِأَنَّهُ قد أَشْبَه المذكرَ وَذَلِكَ أَن مَا كَا ن على ثَلَاثَة أحرف من الْمُؤَنَّث إِذا صغرناه قبل التَّسْمِيَة ألحقنا هَاء التَّأْنِيث وَإِن لم يكن فِي الِاسْم هَاء كَقَوْلِنَا عَيْنٌ وعُيَيْنَة وأُذُن وأُذَيْنَة وقَدَم وقُدَيْمَة وَإِذا سمينا بهنَّ رجلا قُلْنَا قُدَيْمٌ وعُيَيْنٌ وأُذَيْنٌ فَلَمَّا كُنَّا نَرُدُّ الهاءَ فِي الثَّلَاثَة كَانَ تَقْدِير الِاسْم أَن فِيهِ هَاء محذوفة فَإِذا سمينا بِهِ لم نَرُدَّ الهاءَ لِأَن الِاسْم صَار مذكراً وأزيلت الْهَاء الَّتِي فِي التَّقْدِير فَإِن قَالَ قَائِل قد وجدنَا فِي

стр. 2083

أَسمَاء الرِّجَال عُيَيْنَة وأُذَيْنة قيل لَهُ إِنَّمَا سميا بِالتَّصْغِيرِ بعد دُخُول الْهَاء وَلَو سميا بعَيْنٍ وأُذُنٍ ثمَّ صُغِّرَا لم يجز دُخُول الْهَاء أَلا ترى أَن لَو سمينا الْمَرْأَة ثمَّ صغرناها لقلنا عُمَيْر وَأما مَا كَانَ من العجمي على ثَلَاثَة أحرف فَإِنَّهُ مَصْرُوف إِذا سمي بِهِ الْمُذكر سَوَاء سكن أوسطه أَو تحرَّك وَإِنَّمَا دخل فِي ذَلِك مَا تحرَّك أوسطُه وَلم يكن بِمَنْزِلَة الْمُؤَنَّث الَّذِي يفرق فِيهِ مَا بَين مَا سكن أوسطه كهند ودعد فأجيز صرفه وَبَين قَدَمٍ وجَمَلٍ اسْم امْرَأَة فَلم يجز صرفُه لِأَن المؤنثَ أثقل من العَجمي وَذَلِكَ أَن التَّأْنِيث قد يكون بعلامة يُلْزِمُونَها الاسمَ للْفرق بَين الْمُذكر والمؤنث فِي الْخلقَة حِرْصاً على الْفَصْل بَينهمَا لاخْتِلَاف الْمُذكر والمؤنث فِي أصل الْخلقَة وَلِأَنَّهُم لَا يعتّدون بالعُجْمَة فِيمَا اسْتعْمل منكوراً نَحْو سَوْسَنٍ وابْريْسَم وآجِرٍّ إِذا سمي بِشَيْء من ذَلِك كَانَ مَنْزِلَته منزلةَ الْعَرَبِيّ وانصرفَ وَظهر بذلك أَن العجمة عِنْدهم أَيْسَرُ من التَّأْنِيث قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَإِن سميت رجلا ببنت أَو أُخْت صَرَفْتَهُ لِأَنَّك بنيت الاسمَ على هَذِه التَّاء وألحَقْتَهَا ببنات الثَّلَاثَة كَمَا ألْحقوا سَنْبَتَةً ببنات الْأَرْبَعَة وَلَو كَانَت كالهاء لما أسكنوا الحرفَ الَّذِي قبلهَا فَإِنَّمَا هَذِه التَّاء فِيهَا كتاء عِفْريتٍ وَلَو كَانَت كألف التَّأْنِيث لم تَنْصَرِف فِي النكرَة وَلَيْسَت كالهاء لما ذكرتُ لَك وَلَو أَن الْهَاء الَّتِي فِي دَجَاجَةٍ كهذه التَّاء انصرفَت فِي الْمعرفَة قَالَ أَبُو سعيد: التاءُ فِي بنت وَأُخْت منزلتُها عِنْد سِيبَوَيْهٍ منزلَة التَّاء فِي سَنْبَتَةٍ وعِفْرِيتٍ لِأَن التَّاء فِي سَنْبَتَةٍ زَائِدَة لإلحاقها بسَلْهَبَة وحَرْقَفَة وَمَا أشبه ذَلِك والسَّنْبَتَةُ - المُدَّة من الدَّهْر وَالدَّلِيل على زِيَادَة التَّاء أَنهم يَقُولُونَ سَنْبَتٌ والتاءُ فِي عِفْرِيت زَائِدَة لأَنهم يَقُولُونَ عَفْرٌ وعِفْرِيَةٌ وعِفْرِيتٌ مُلْحَقٌ بقِنْدِيل وحِلْتِيتٍ وَمَا أشبه ذَلِك وَكَذَلِكَ بِنْتٌ وأُخْتٌ مُلْحَقَتَانِ بِجِذْعٍ وقفْلٍ والتاءُ فيهمَا زَائِدَة للإلحاق فَإِذا سمينا بِوَاحِدَة مِنْهُمَا رجلا صرفناه أَنه بِمَنْزِلَة مؤنث على ثَلَاثَة أحرف لَيْسَ فِيهَا عَلامَة التَّأْنِيث كَرجل سميناه بفِهْرٍ وعَيْنٍ والتاءُ الزَّائِدَة الَّتِي للتأنيث هِيَ الَّتِي يلْزم مَا قبلهَا الفتحةُ وَيُوقف عَلَيْهَا بِالْهَاءِ كَقَوْلِنَا دَجَاجَة وَمَا أشبه ذَلِك قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَإِن سميت رجلا بهَنْتٍ قلت هَنَةُ يَا فَتى تُحرِّك النُّون وتُثْبِت الْهَاء لِأَنَّك لم تَرَ مُخْتَصًّا مُتَمَكنًا على هَذِه الْحَال الَّتِي تكون عَلَيْهَا هَنْتٌ وَهِي قبل أَن تكون اسْما تسكن النُّون مِنْهَا فِي الْوَصْل وَذَا قَلِيل فَإِذا حوَّلته إِلَى الِاسْم لزمَه الْقيَاس قَالَ: وَاعْلَم ان هُنَا وهَنَةً يكنى بهما عَمَّن لَا يذكر اسْمه وَرُبمَا أدخلُوا فيهمَا الْألف وَاللَّام وأكثرُ مَا يسْتَعْمل للنَّاس وأصل هِنٍ هَنَوٌ وَكَانَ حَقه أَن يُقَال هَناً كَمَا يُقَال قفاً وعصاً وَأنْشد: (أَرَى ابْنِ نِزَارٍ قَدْ جَفَانِي ومَلَّنِي ... عَلَى هَنَوَاتٍ كُلُّهَا مُتَتابِعُ) وحذفوا آخرهَا فَقَالُوا هَنٌ وهَنَةٌ كَمَا قَالُوا أبٌ وأَخٌ وهما اسمان ظاهران كني بهما عَن اسْمَيْنِ ظَاهِرين فَلذَلِك أُعْرِبا وَفِيهِمَا معنى الْكِنَايَة والعربُ تَقول فِي الْوَقْف هَنَهْ وَفِي الْوَصْل هَنْتٌ فَتَصِير التَّاء فِيهَا إِذا وصلت كالتاء فِي اُخْتٍ وبِنْتٍ فَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: إِذا سميت بهَنْتٍ وَجب أَن تَقول فِي الْوَصْل وَالْوَقْف هَذَا هَنَهُ وهَنَةُ قد جَاءَنِي فَتحَرك النُّون وَلَا تسكنها فِي الْوَصْل كَمَا كَانَت مُسَكَّنَةٌ قبل التَّسْمِيَة لِأَن إسكانها لَيْسَ بِالْقِيَاسِ وَلِأَنَّهُم لم يلزموها الإسكان فيكونُ بِمَنْزِلَة بنتٍ وأختٍ وَتَكون التَّاء للإلحاق وَإِنَّمَا يسكنونها وهم يُرِيدُونَ الكنايةَ فَإِذا سمينا بهَا رددناها إِلَى الْقيَاس فَلَا نصرفها وَتَكون منزلتُها منزلةَ رجلٍ سميناه بسَنَةٍ أَو ضَعَةٍ فِي الْوَقْف والوصل قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَإِن سميتَ رجلا بضَرَبَتْ وَلَا ضمير فِيهَا قلتَ هَذَا ضَرَبَهْ فِي الْوَقْف لِأَنَّهُ قد صَار اسْما فَجرى مجْرى شَجَرَةٍ ١ - بَاب مَا يذكر من الْجمع فَقَط وَمَا يؤنث مِنْهُ فَقَط وَمَا يذكر وَيُؤَنث مَعًا أما الجموعُ الَّتِي على لفظ الْوَاحِد الْمُذكر كتَمْرَةٍ وتَمْرٍ وشَعِيرَةٍ وشَعِير فقد قدَّمتُ أَنه يذكر وَيُؤَنث وأذكر هَاهُنَا من أَسمَاء الْأَجْنَاس مَا يذكر وَيُؤَنث وَمَا لَا يكون إِلَّا مذكراً وَمَا لَا يكون غلا مؤنثاً: الرُّمَّانُ والعِنَبُ

стр. 2084

والمَوْزُ لم يسمع فِي شَيْء مِنْهَا التَّأْنِيث وَكَذَلِكَ السِّدْرُ هَذَا إِذا كَانَ اسْما للْجِنْس قَالَ الشَّاعِر: (تَبَدَّلَ هَذَا السِّدْرُ أَهْلاً وَلَيْتَنيِ ... أَرَى السِّدْرَ بَعْدِي كَيفَ كانَتْ بَدَائِلُه) فَأَما من جعله جمع سِدْرة فقد قدّمت ذكر الْقيَاس فِيهِ وَكَذَلِكَ التمرة وَالتَّمْر فِيمَن ذهب بهما مَذْهَب الْجِنْس والخيلث مؤنثةٌ جماعةٌ لَا واحدَ لَهَا من لَفظهَا وَقَالَ أَبُو عبيد: واحدُها خائِلٌ وَذَلِكَ لاخْتِيَالِهِ فِي مَشيِهِ الطَّيْرُ مؤنث وَيذكر والتأنيث أَكثر وَالْوَاحد طَائِر الْأُنْثَى طائرة وَقد شرحتُ هَذَا الْفَصْل وَفِي التَّنْزِيل: ﴿والطَّيْرُ صاَفَّاتٍ﴾ [النُّور: ٤١] وَقَالَ الشَّاعِر فِي التَّذْكِير: (فَلَا يَحْزُنْكَ أَيَّامٌ تَوَلَّى ... تَذَكُّرُهَا وَلَا طَيْرٌ أَرَنَّا) والوَحْشُ جَمَاعةٌ مُؤَنّثَة وَالْجمع وُحُوشٌ وَأنْشد قَول الشَّاعِر: (إِذا الوَحْشُ ضَمَّ الوَحْشَ فِي ظَلَلَاتِهَا ... سَوَاقِطَ من حَرِّ وَقد كانَ أَظْهَرَا) وَكَذَلِكَ الشَّاءُ عِنْد الْأَكْثَر والهمزة بدل من الْهَاء وَقد بَين ذَلِك بِحَقِيقَة تصريفه وَمن أنثه فعلى معنى الغَنَم الإِبِلُ جمعٌ مؤنث لَا وَاحِد لَهُ من لَفْظَة والجمعُ الآبالُ والتصغير أُبَيْلَة والغَنَم والمعَزُ مؤنثان وَهِي المِعْزَى والمَعِيزُ والأُمْعُوزُ الثلاثُونَ من الظِّباءِ إِلَى مَا زادتْ والمعز تكون من الْغنم والظباء وكل ذَلِك مؤنث العَنْزُ مؤنث والجميعُ أعْنُزُ وَهُوَ يكون من الْغنم والظباء أَيْضا وجمعُ العَنْز من الظباء أعْنُزٌ وعِنَازٌ وَلَا يجمع عَنْزُ الغَنَم على عِنَازٍ وَكَذَلِكَ الضَّأْنُ والضَّأَنُ وَزعم الْفراء أَنه مطرد فِي كل مَا كَانَ ثَانِيه حرفا من حُرُوف الْحلق وَيُقَال فِي تَصْغِير الضَّأْن والمعز ضَؤَيْنٌ ومَعَيْزٌ والغَنَمُ لَا وَاحِد لَهَا من لَفظهَا وَقَالَ الْكسَائي: الغَنَم بِالْهَاءِ وَبِغير الْهَاء وَكَذَلِكَ الشَّوْلُ فِيمَن لم يَجْعَلْ لَهُ وَاحِدًا اسْم للْجمع مؤنث وَذهب بَعضهم إِلَى أَن وَاحِدهَا شائِلٌ كطامِثٍ وحائِضٍ الْفَارِسِي: النَّبْلُ مُؤَنّثَة قَالَ وَقَالَ أَبُو عمر والنَّبْلُ واحدٌ لَا جمَاعَة لَهُ وَلَا يُقَال نَبْلَةٌ إِنَّمَا يُقَال نَبْلٌ للْجَمَاعَة فَإِذا أفردوا الْوَاحِد قَالُوا سَهْمٌ كَمَا قَالُوا إبِلٌ فَإِذا أفردوا قَالُوا نَاقَة أَو جمل وغنم فَإِذا أفردوا قَالُوا شَاة وَكَذَلِكَ كل جمع لَا وَاحِد لَهُ والمذكر النَّعَامُ والثُّمامُ والسَّمَامُ والكَلِمُ يذكر وَيُؤَنث تَقول هُوَ الْكَلم وَهِي الْكَلم وَفِي التَّنْزِيل: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَواضِعِهِ﴾ [النِّسَاء: ٤٦] والمَعِدُ مؤنث وَكَذَلِكَ الحَلَقُ حَكَاهُ أَبُو حَاتِم وَقَالَ قد سمعته مذكراً فِي رجز دُكَيْن قَالَ أَبُو عَليّ: لَا يؤنث الحَلَقُ على أَنه جمع حَلْقة لِأَن فَعَلاً لَيْسَ مِمَّا يكسر عَلَيْهِ فَعْلَةٌ إِنَّمَا هُوَ اسْم للْجمع كَقَوْلِنَا فَلَكٌ جمعُ فَلْكَةٍ وَقد يجوز تذكير الحَلَقِ وتأنيثه وَذَلِكَ أَن اللحياني حكى حَلَقَةٌ وجمعُه حَلَقٌ ثمَّ قَالَ لَا يُعجبنِي وَكَانَ قَلِيلا مَا يُعْجبه نقلُ اللحياني وَقد صرح ابْن الكسيت بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَلَام حَلَقَة بتحريك اللَّام إِلَّا جَمْعَ حالق كقاتل وقَتَلَة وفاجِرٍ وفَجَرَة وَمَا جَاءَ من الحَلَقِ فِي الشّعْر مُذَكّر قَالَ الراجز: (يَمْشُونَ تَحْتَ الحَلَقِ المُلَبَّسِ ... ) وَقَالَ غَيره أَيْضا: (يَنْفُضْنَ صَفُرَ الحَلَقِ المَفْتُولِ ... ) وَأنْشد الْفَارِسِي بَيْتَ دُكَيْن: (فَصَبَّحْتُهُ سِلَقٌ تَبَرْنَسَ ... تَهْتِكُ خَلَّ الحَلَقِ المُلَسْلَس)

стр. 2085

قَالَ فَأَما مَا أنْشدهُ بعض البغداديين وَنسبه إِلَى الفرزدق: (يَا أَيُّها الجَالِسُ وَسْطَ الحَلَقَة ... أَفِي زِنًى أُخِذْتَ أَم فِي سَرِقه) فَإِنَّهُ مَصْنُوع وَلَو صَحَّ لقلنا إِن الحَلَقَة هُنَا جمعُ حالِقٍ الكَمْءُ واحدٌ وَهُوَ مُذَكّر وَالْجمع كَمْأَةٌ وَهُوَ اسْم للْجمع وَقد أَنْعَمْتُ شرح هَذَا وَوَقَفْتُكَ على حَقِيقَته وأَرَيْتُكَ وَجْهَ الاختلافِ فِيهِ فِي أوَّلِ هَذَا الضَّرْبِ فَأَما الجَبْأَةُ فتأنيثُه طاهرٌ والفَقْعُ مُذَكّر والهَامُ مُؤَنّثَة لم يُؤَثَر على الْعَرَب فِيهَا تذكير قَالَ أَبُو عَلَيْك الْجمع كُلُّهُ مؤنث إِلَّا مَا كَانَ اسمَ جَمع كالحَلَقِ والفَلَكِ أَو جِنْسا كالخَزِّ والحَرِيرِ والوَشْيِ فَأَما القُطْنُ والقُطُنُّ والصُّوفُ فيذكر وَيُؤَنث لِأَن واحدته قُطْنةٌ وقُطُنَّةٌ وصُوفة قَالَ: وَكَذَلِكَ الشَّامُ جمعُ شامَةٍ والسَّاعُ جمعُ ساعةٍ والرَّاح جمعُ راحةٍ والرَّايُ جمعُ رَايَةٍ قَالَ وَأنْشد سِيبَوَيْهٍ: (وَخَطَرَتْ أَيْدِي الكُماةِ وَخطَرْ ... رَايٌ إِذا أَوْرَدَهُ الطَّعْنُ صَدَرْ) وَكَذَلِكَ اللَاّبُ جَمْعُ لابَةٍ وَهِي الحَرَّةُ وَكَذَلِكَ اللُّوبُ والسُّوسُ والدُّودُ والطِّينُ والتِّين واللِّيفُ لِأَن وَاحِد ذَلِك كُله بِالْهَاءِ فَهُوَ يذكر وَيُؤَنث قَالَ: وَهَكَذَا وَجَدْناَهُ فِي أشعارهم تَارَة مذكراً وَتارَة مؤنثاً وَأما مَا بهَا أَحَدٌ وَلَا عَرِيبٌ وَلَا كَتِيعٌ وأخواتُه فكله للْوَاحِد والجميع والمؤنث بِلَفْظ وَاحِد وَقد أَبَنْتُ كَقَوْلِك أفضل مِنْك أَو ناقصٌ مَحْذُوف كَقَوْلِك خَيْرٌ مِنْك وشَرٌ مِنْك وبابُ حَسْبُكَ وَأَخَوَاتهَا فكله للْجَمِيع وَالْوَاحد والمؤنث بِلَفْظ وَاحِد وبابُ مِثْلِك وَأَخَوَاتهَا وأفْعلُ تُحْمَلُ مَرَّةٌ على اللَّفْظ وَمرَّة على الْمَعْنى وَكَذَلِكَ غَيْرك ١ - بَاب مَا يحمل مرّة على اللَّفْظ وَمرَّة على الْمَعْنى مُفردا أَو مُضَافا فَيجْرِي فِيهِ التَّذْكِير والتأنيث بِحَسب ذَلِك فَمن الْمُفْرد مَنْ وَمَا وأَيٌ وكُلُّ وكِلْتَا وبعْضٌ وَغير ومِثْلٌ وَأَنا آخِذ فِي شرح ذَلِك كُله وبادئ بالمفرد ومُتْبِعُه بالمضاف، اعْلَم ان مَنْ وَمَا لَهما لَفْظٌ ومَعْنًى فالألفاظُ الْجَارِيَة عَلَيْهِمَا تكون مَحْمُولَة على لَفْظهمَا ومعناهما فَإِذا جرت على لَفْظهمَا كَانَ مذكراً موحَّداً كَقَوْلِك مَنْ قَامَ سَوَاء أردتَ وَاحِدًا أَو اثْنَيْنِ أَو جمَاعَة من مُذَكّر ومؤنث وَكَذَلِكَ مَا أصابَكَ سَوَاء أردتَ بِهِ شَيْئا أَو شَيْئَيْنِ من مُذَكّر ومؤنث وَيجوز أَن تَحْمِلَ الْكَلَام على مَعْنَاهُمَا فتقولَ من قامتْ إِذا أردْت مونثاً وفيكُمْ مَنْ يَخْتَصِمَانِ ومَنْ يَخْتَصِمُونَ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وتَعْمَلَ صَالِحاً﴾ [الْأَحْزَاب: ٣١] فذكَّر وأنَّث وَلَو ذَكَّرَهما على اللَّفْظ أَو أَنَّثَهَما على الْمَعْنى جَازَ وبعضُ الْكُوفِيّين يَزْعَمُ أَنه لَا يجوز تذكير الانث لِأَنَّهُ قد ظَهَرَ تأنيثُ الْمَعْنى بقوله مِنْكُنَّ وَهَذَا غَلَطٌ لأَنا إِنَّمَا نَرُدُّهُ إِلَى لفظ مَنْ وَقَالَ الله تَعَالَى فِي جمع من على الْمَعْنى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يُونُس: ٤٢] وعَلى اللَّفْظ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الْأَنْعَام: ٢٥] قَالَ الفرزدق فِي التَّثْنِيَة على الْمَعْنى: (تَعَشَّ فإنْ عَاهَدْتَنِي لَا تَخُونُنِي ... تَكُنْ مِثْلَ مَنْ ذِئْبُ يَصْطَحِبَانِ) وَكَذَلِكَ هَذَا الحكم فِي مَا تَقول مَا نُتِجَ من نُوقِكَ على اللَّفْظ وَمَا نُتِجَتَا على معنى التَّثْنِيَة وَمَا نُتِجَتْ على معنى الْجمع وَأما قَول الْعَرَب مَا جاءتْ حاجَتَكَ فَإِن جاءتْ فِيهِ بِمَعْنى صَارَت وَلَا يكون جَاءَ بِمَنْزِلَة صَار إِلَّا فِي هَذَا الْموضع وَهُوَ من الشاذ كَمَا أَن عَسَى لَا تكون بِمَعْنى كانَ إِلَّا فِي قَوْله:

стр. 2086

(عَسَى الغُوَيْرُ أَبْوسَا ... ) ورُبَّ شيءٍ هَكَذَا وَإِنَّمَا ذكرنَا شرح جاءتْ وَإِن لم يكن دَاخِلا تَحت تَرْجَمَة الْبَاب لأُرِيكَ كَيفَ يجْرِي هَاهُنَا على الْمَعْنى قَالَ أَبُو عَليّ وَأَبُو سعيد: أما قولُهُم مَا جاءَتْ حاجَتَكَ فقد أَجْرَوْهَا مُجْرَى صارتْ وَجعلُوا لَهَا اسْما وخبراً كَمَا كَانَ ذَلِك فِي بَاب كَانَ وَأَخَوَاتهَا فَجعلُوا مَا مُبْتَدأ وَجعلُوا فِي جاءتْ ضَميرَ مَا وَجعلُوا ذَلِك الضميرَ اسمَ جاءتْ وجَعلَوا حاجَتَك خَبَرَ جاءَتْ فَصَارَ بِمَنْزِلَة هِنْدٌ كَانَت أُخْتَكَ وأنثوا جاءتْ غير مَعْرُوف إِلَّا فِي هَذَا وَهُوَ مَثَلٌ وَلم يُسْمَع إِلا بتأنيث جاءتْ وأَجْرَوْهُ مُجْرَى صارتْ وَيُقَال إِن أوّل مَا شُهِرَتْ هَذِه الكملة من قَول الخوراج لِابْنِ عَبَّاس حِين أَتَاهُم يَسْتَدْعي مِنْهُم الرجوعَ إِلَى الْحق من قِبَل عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وأدخلوا التَّأْنِيث على مَا حَيْثُ كَانَت الحاجةَ يَعْنِي أنث جاءتْ بِمَعْنى التَّأْنِيث فِي مَا لِأَن مَعْنَاهَا أيَّةُ حَاجَة وَلَو حَمَلَ جَاءَ على لفظ مَا لقَالَ ماجاء حاجَتَكَ إِلَّا أَن الْعَرَب لَا تسْتَعْمل هَذَا المثلَ إِلَّا مؤنثاً والأمثالُ إِنَّمَا تُحْكَى وقولُ العربِ: مَنْ كانتْ أُمَّكَ جعلُوا مَنْ مُبتَدأَة وَجعلُوا فِي كَانَ ضميراً لَهَا وَجعلُوا ذَلِك الضَّمِير اسْم كَانَ وَجعلُوا أُمَّكَ خَبَرهَا وأنثوا كَانَت على معنى مَنْ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أيَّةُ امْرَأَة كَانَت أُمَّكَ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمن يَقُول من الْعَرَب مَا جاءتْ حاجَتُكَ كثيرٌ كَمَا تَقول من كَانَت أُمُّكَ يَعْنِي من الْعَرَب من يَجْعَل حاجتُك اسمَ جَاءَت وَيجْعَل خَبَرهَا مَا كَانَ يَجْعَل مَنْ خَبَرَ كَانَت وَيجْعَل أُمُّكَ اسْمَها وهما فِي مَوضِع نصب كَأَنَّك قلت أيَّةُ حَاجَة جاءَتْ حاجَتُكَ قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَلم يَقُولُوا مَا جَاءَ حاجَتُكَ يَعْنِي أَنه لم يسمع هَذَا المَثَلُ إِلَّا بالتأنيث وَلَيْسَ بِمَنْزِلَة من كَانَ أمَّكَ لِأَن قَوْلهم من كَانَ أَمَّك لَيْسَ بمَثَل فألزموا التَّاء فِي مَا جاءتْ حاجَتَكَ كَمَا اتفوقا على لَعَمْرُ اللهِ فِي الْيَمين وَمثل قَوْلهم: مَا جاءتْ حاجَتُكَ إِذا صارتْ تقع على مؤنث قراءةُ بعض القُرِّاء: ﴿ثُمَّ لَمْ تكُنْ فِتْنَتَهُمْ إِلَاّ أَنْ قَالُوا﴾ و ﴿يَلْتَقِطْه بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ يَعْنِي أنَّ تكن مُؤَنّثَة وَاسْمهَا أنْ قَالُوا فَلَيْسَ فِي أَن قَالُوا تأنيثُ لفظ وَإِنَّمَا جعل تأنيثه على معنى أَن قَالُوا إِذا تأوَّلته تأويلَ مقالةٍ كَأَنَّهُ قَالَ ثمَّ لم تكن فِتْنَتَهم إِلَّا مَقَالَتَهُمْ وحُمِلَ تَلْتَقِطُه على الْمَعْنى فِي التَّأْنِيث لِأَن لفظ الْبَعْض الَّذِي هُوَ فاعلُ الالتقاطِ مُذَكّر وَلَكِن بعضُ السيارة فِي الْمَعْنى سَيَّارةٌ أَلا ترى أَنه يجوز أَن تَقول تَلْتَقِطْه السَّيَّارةُ وَأَنت تَعْنِي البعضَ فَهَذَا مثلُ مَا جاءتْ حاجَتَكَ حِين أنث فعلهَا على الْمَعْنى وَرُبمَا قَالُوا فِي بعض الْكَلَام: ذهبتْ بعضُ أصابِعه وَإِنَّمَا أنَّثَ البعضَ لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى مؤنث هُوَ مِنْهُ وَلم لم يكن مِنْهُ لم يؤنثه لِأَنَّهُ لَو قَالَ: ذَهَبَتْ عَبْدُ أُمِّكَ لم يَحْسُن يَعْنِي لم يجز قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن الْمُذكر الَّذِي يُضَاف إِلَى الْمُؤَنَّث على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا: مَا تصح الْعبارَة عَن مَعْنَاهُ بِلَفْظ الْمُؤَنَّث الَّذِي أضيف إِلَيْهِ وَالثَّانِي: مَا لَا تصح الْعبارَة عَن مَعْنَاهُ بِلَفْظ الْمُؤَنَّث فَأَما مَا يَصح بِلَفْظِهِ فقولك: أَضَرَّتْ بِي مَرُّ السنين وآذَتْنِي هُبُوب الرِّيَاح وذَهَبَتْ بعضُ أصابعي واجتمعتْ أهلُ اليَمَامَةِ وَذَلِكَ أَنَّك لَو أسقطتَ الْمُذكر فَقلت أضَرَّتْ بِي السنون وآذَتْنِي الرياحُ وذهبتْ أصابعي وَاجْتمعت اليمامَةُ وَأَنت تُرِيدُ ذَلِك الْمَعْنى لجَاز وَأما مَا لَا تصح العبارةُ عَن مَعْنَاهُ بِلَفْظ الْمُؤَنَّث فقولك ذهَبَ عَبْدُ أُمِّكَ لَو قتلتَ ذهبتْ عَبْدُ أمك لم يجز لِأَنَّك لَو قلت ذهبتْ أُمُّك لم يكن مَعْنَاهُ معنى قَوْلك ذهب عبدُ أمك كَمَا كَانَ معنى اجْتمعت الْيَمَامَة كمعنى اجْتمعت أهلُ اليامة وَهَذَا البابُ الأول الَّذِي أجزنا فِيهِ تَأْنِيث فعل الْمُذكر الْمُضَاف إِلَى الْمُؤَنَّث الَّذِي تصح العبارةُ عَن مَعْنَاهُ بلفظها الاختيارُ فِيهِ تذكيرُ الْفِعْل إِذْ كَانَ الْمُذكر فِي اللَّفْظ فقولك اجْتمع أهل الْيَمَامَة وَذهب بعض أَصَابِعه أَجود من اجتمعتْ وذهبتْ والتأنيثُ على الْجوَار ومثلُ تأنيثِ مَا ذكرنَا قولُ الشَّاعِر وَهُوَ الْأَعْشَى:

стр. 2087

(وتشرَقُ بالقَوْلِ الَّذِي قد أَذَعْتَهُ ... كَمَا شَرِقَتْ صَدْرُ القناةِ من الدمِ) كَأَنَّهُ قَالَ شَرَقَتِ القَنَاةُ لِأَنَّهُ يجوز أَن تَقول شَرِقَتِ القناةُ وَإِن كَانَ شَرِقَ صَدْرُها وَمثل ذَلِك قَول جرير: (إِذا بعضُ السنينَ تَعَرَّقَتْنَا ... كفَى الأَيْتامَ فَقْدُ أبي اليَتِيم) فَأَنت تعَرَّقَتْنَا والفعلُ للْبَعْض إِذْ كَانَ يَصح أَن يقولَ إِذا السِّنُونَ تَعَرَّقَتْنَا وَهُوَ يُرِيد بعض السنين وَقَالَ جرير أَيْضا: (لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضعتْ ... سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّع) فأنَّث تواضعتْ والفعلُ للسُّور لِأَنَّهُ لَو قَالَ تواضعت المدينةُ لصَحَّ الْمَعْنى الَّذِي أَرَادَهُ بِذكر السُّور وَأَبُو عُبَيْدَة مَعْمَرُ بن المُثَنَّى يقولُ: إِن السُّورَ جمع سُورةٍ وَهِي كلُّ مَا علا وَبهَا سُمِّيَ سُورُ القرآنِ سُوراً فَزعم أَن تَأْنِيث تواضعت لِأَن السُّورَ مؤنث إِذْ كَانَ جمعا لَيْسَ بَينه وَبَين واحده إِلَّا الْهَاء وَإِذا كَانَ الْجمع كَذَلِك جَازَ تأنيثه وتذكيره قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [الْقَمَر: ٢٠] فَذَكَّرَ وقالك ﴿والنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ﴾ [ق: ١٠] قأنث وَأما قَوْله والجبالُ الخُشَّعُ فَمن النَّاس من يرفع الجبالَ بِالِابْتِدَاءِ وَيجْعَل الخُشَّع خَبرا كانه قَالَ: والجبالُ خُشَّعٌ وَلم يرفعها بتواضعت لِأَنَّهُ إِذا رَفعهَا بتواضعت ذهب معنى الْمَدْح لِأَن الخُشَّع هِيَ المتضائلة وَإِذا قَالَ تواضعتْ الجبالُ المُتَضَائِلةُ لمَوْته لم يكن ذَلِك طريقَ الْمَدْح إِنَّمَا حكمُه أَن يَقُول تواضعت الْجبَال الشوامخ وَقَالَ بَعضهم: الْجبَال مرتفة بتواضعت والخُشَّع نعتٌ لَهَا وَلم يُرِدْ أَنَّهَا كَانَت خُشَّعاً من قبلُ وَإِنَّمَا هِيَ خُشَّعٌ لمَوْته فَكَأَنَّهُ قَالَ تواضعت الجبالُ الخُشَّعُ لمَوْته كَمَا قَالَ رؤبة: (والسَّبُّ تَخْرِيقُ الأَدِيمِ الأَخْلَقِ ... ) وَقَالَ ذُو الرمة أَيْضا: (مَشَيْنَ كَمَا اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ... أَعَالِيها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ) فأنث والفعلُ للمَرّ لِأَنَّهُ لَو قَالَ تَسَفَّهَتْ أعاليها الرياحُ لجَاز وَقَالَ العجاج: (طُولُ اللَّيَالِي أَسْرَعَتْ فِي نَقْضِي ... ) وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ وَسَمعنَا من الْعَرَب من يَقُول مِمَّن يوثق بِهِ: اجْتمعت أهلُ الْيَمَامَة لِأَنَّهُ يَقُول فِي كَلَامه اجْتمعت الْيَمَامَة وَجعله للفظ الْيَمَامَة فترَك اللفظَ على مَا يكون عَلَيْهِ فِي سَعَةِ الْكَلَام يَعْنِي ترك لفظ التَّأْنِيث فِي قَوْلك اجْتمعت أهل الْيَمَامَة على قَوْلك اجتمعتِ اليمامةُ لما قدَّمنا وَقَالَ الْفراء: لَو كَنَيْتَ عَن الْمُؤَنَّث فِي هَذَا الْبَاب لم يجز تأنيثُ فِعْلِ الْمُذكر الَّذِي أُضِيفَ إِلَيْهِ فَلَو قلتَ: إِن الرياحَ آذَتْنِي هُبُوبُها لم يجز أَن تؤنث آذَتْنِي إِذا جعلتَ الْفِعْل للهُبُوبِ وَاحْتج بِأَنا إِذا قُلْنَا آذتني هُبوبُ الرِّيَاح فَكَأَنَّمَا قُلْنَا آذتني الرِّيَاح وَجَعَلنَا الهُبوبَ لَغْواً وَإِذا قلتَ آذَتْنِي هُبوُبُها لم يَصْلُح أَن تَجْعَلَ الهُبُوبَ لَغْواً لِأَن الْكِنَايَة لَا تقومُ بِنَفسِهَا فتجعل الهبوب لَغوا وَالصَّحِيح عندنَا جوازُه وَذَلِكَ أَن التَّأْنِيث الَّذِي ذَكرْنَاهُ فَإِنَّمَا ذَكرْنَاهُ لأنْ تَجُوزَ العبارةُ عَنهُ بِلَفْظ الْمُؤَنَّث الْمُضَاف إِلَيْهِ لَا لِأَنَّهُ لَغْوٌ وَقد تَجُوزُ العبارةُ بِلَفْظ الْمُؤَنَّث عَن ذَلِك الْمُذكر وَإِن كَانَ لفظُها مَكْنِيًّا أَلا ترى أَنا نقُول إنّ الرِّيَاح آذَتْنِي وَإِن أصابعي ذهبتْ وَأَنا أُرِيد البعضَ والهُبُوبَ ١ - هَذَا بَاب جمع الِاسْم الَّذِي آخِره هَاء التَّأْنِيث اعْلَم أَن لَا خلاف بَين النَّحْوِيين أَن الرجل إِذا سمي باسم فِي آخِره هَاء التَّأْنِيث ثمَّ أردْت جَمْعَهُ جمعتَه

стр. 2088

بِالتَّاءِ وَاسْتَدَلُّوا على ذَلِك بقول الْعَرَب رجل رَبْعَةٌ وَرِجَال رَبَعَاتُ وبقولهم طَلْحَةُ الطَّلَحاتِ وَقَالَ الشَّاعِر: (رَحِمَ اللهُ أَعْظُماً دَفَنُوها ... بِسجِسْتَانِ طَلحَةَ الطَّلَحَاتِ) وَتقول الْعَرَب مَا أَكْثَرَ الهُبَيْرَاتِ يُرِيدُونَ جمع الهَبَيْرَةِ وَلم نسْمع رجال رَبْعُونَ وَلَا طَلْحَة الطَّلْحِين وَلم نسْمع مَا أَكْثَرَ الهِبَيْرِين وَلَا جمعَ شَيْء من ذَلِك بِالْوَاو وَالنُّون وَأَجَازَ الْكسَائي والفَرَّاءُ جمعَ ذَلِك بِالْوَاو وَالنُّون فَإِذا جمع بِالْوَاو وَالنُّون سكنوا اللَّام من طَلْحَةَ لأَنهم يُقَدِّرُونَ جمعَ طَلْح فَلَا يُحَرِّكُونَ اللامَ وَكَانَ أَبُو الْحسن ابْن كَيْسَانَ يذهب إِلَى جَوَاز ذَلِك ويُحَرِّك اللامَ فَيَقُول الطَّلَحُونَ فيفتحها كَمَا فتحُوا أَرْضُونَ حَمْلاً على أرَضياتٍ لَو جمع بِالْألف وَالتَّاء لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة تَمَراتٍ والقولُ الصَّحِيح مَا قَالَه غَيره لِأَنَّهُ قَول الْعَرَب الَّذِي لم يُسْمَع مِنْهُم غيرُه وَلِأَنَّهُ الْقيَاس وَلِأَن طَلْحَة فِيهِ هَاء التَّأْنِيث وَالْوَاو وَالنُّون من عَلَامَات التَّذْكِير وَلَا يجْتَمع فِي اسْم وَاحِد علامتان مُتَضَادَتانِ وَمِمَّا احْتج بِهِ ابْن كَيْسَان أَن التَّاء تسْقط فِي الطلحات فَمن أجل سُقُوطهَا وبقاءِ الِاسْم بِغَيْر التَّاء جَازَ جمعهَا بِالْوَاو وَالنُّون وَهَذَا لَا يلْزم لِأَن التَّاء مقدرَة وَإِنَّمَا دخل فِي عَلامَة الْجمع التَّاء وَسَقَطت التَّاء الَّتِي كَانَت فِي الْوَاحِد لِأَن تَاء الْجمع عوض وَلِئَلَّا يجْتَمع تاآن فَصَارَ بِمَنْزِلَة مَا يقسط لِاجْتِمَاع الساكنين وَهُوَ مقدّر وَإِذا جمع بِالْألف وَالتَّاء مَا كَانَ فِي آخِره ألف تَأْنِيث مَقْصُورَة فَإنَّك تقلب ألف التَّأْنِيث يَاء فَتَقول فِي حُبْلَى حُبْلَيات وَفِي حُبَارى حُبَارَيات وَفِي جَمْزَى جَمَزَيات فَإِن قَالَ قَائِل أَنْتُم تَقولُونَ إِنَّا حذفنا التَّاء فِي طَلَحات وتَمَرَات لِئَلَّا يُجْمَع بَين علامَتَيْ تَأْنِيث لَو جمعناه تَمَرات فقد جمعتم بَين الْألف الَّتِي فِي حُبْلَى وَالتَّاء الَّتِي فِي الْجمع قيل لَهُ لَيْسَ سبيلُ الْألف سبيلَ التَّاء لِأَن الْألف لَا تثبت على لفظ التَّأْنِيث وَإِنَّمَا تنْقَلب يَاء وَلَيْسَت الْيَاء للتأنيث فَإِذا قُلْنَا حُبْليات لم نجمع بَين لَفْظَي تأنيثٍ والتاءُ فِي تَمرة لَو قُلْنَا إِنَّهَا هِيَ علامةُ التَّأْنِيث وَإِن الْهَاء بدلٌ مِنْهَا فِي الْوَقْف للْفرق بَين الِاسْم وَالْفِعْل وَالْوَاحد وَالْجمع إِذْ عَلامَة التَّأْنِيث فِي الْفِعْل تَاء لَا غير فِي الْوَقْف والوصل وَكَذَلِكَ فِي جمع مسلمات وَمَا أشبه ذَلِك وَأَيْضًا فَإِن التَّاء دُخُولهَا على بِنَاء صَحِيح للمذكر وَدخُول ألف التَّأْنِيث على بِنَاء لَو نزعت مِنْهُ لم يكن لَهُ معنى أَلا ترى أَنا لَو قُلْنَا فِي حُبْلَى حُبَلٌ لم يكن لَهُ معنى وَإِذا قُلْنَا فِي مُسْلِمة مُسْلِم كَانَ للمذكر فَصَارَ ألفُ التَّأْنِيث بِمَنْزِلَة حرف من نفس الِاسْم مُخَالف للعلامة الدَّاخِلَة على الِاسْم بِكَمَالِهِ وَإِذا جمعتَ الْمَقْصُور بِالْوَاو وَالنُّون حذفت الْألف لِاجْتِمَاع الساكنين وبَقَّيْتَ مَا قبله على الْفَتْح فَقلت فِي مُوسَى وَعِيسَى وحبلى مُوسَوْنَ وعِيسَوْنَ وحُبْلَوْنَ لَا يجوز غير ذَلِك عِنْد جَمِيع النَّحْوِيين وَهُوَ القياسُ وكلامُ الْعَرَب فَأَما كَلَام الْعَرَب فَقَوْلهم المُصْطَفَوْن والأَعْلَوْنَ وَرَأَيْت المُصْطَفيْن والأَعْلَيْنَ وَأما القياسُ فَلِأَن الحرفَ الثابتَ فِي الْوَاحِد لَيْسَ لنا حذفُه من الْكَلِمَة إِلَّا لضَرُورَة عِنْد اجْتِمَاع ساكنين وَهُوَ مقدَّر كَقَوْلِنَا راضُونَ ورامُونَ فَلَو قُلْنَا عِيسُونَ ومُوسَونَ لَكنا نقدّر حذفَ الْألف فيهمَا من قَبْل دُخُول عَلامَة الْجمع وَلَو جَازَ هَذَا لجَاز أَن نقُول فِي حُبْلَى حُبْلات وَفِي سَكْرَى سَكْراتٌ وَلَيْسَ أحدٌ يَقُول هَذَا فموجب أَن علامةَ الْجمع إِنَّمَا تدخل على عِيسَى ومُوسَى والألفُ فيهمَا ثمَّ تسْقط الْألف لِاجْتِمَاع الساكنين وَيبقى مَا قبلهَا مَفْتُوحًا فَإِن قَالَ قَائِل إِنَّمَا تحذف هَذِه الْألف تَشْبِيها بِحَذْف هَاء التَّأْنِيث قيل لَو جَازَ ذَلِك لجَاز أَن تَقول حُبْلاتٌ وَقد ذكرنَا السَّبَب فِي حذف هَاء التَّأْنِيث وَأما الْمَمْدُود فَإنَّك تقلب الْهمزَة واواً فِيهِ إِذا كَانَت الْمدَّة للتأنيث كَمَا قلبت فِي التَّثْنِيَة فَتَقول فِي حَمْرَاء حَمْرَاوَات وَفِي وَرْقَاء ورْقَاوات كَمَا قَالُوا خَضْرَاوات وَإِن كَانَ اسمَ رجل جمعتَه بِالْوَاو وَالنُّون وقلبت الْهمزَة واواً وَأَيْضًا فَقلت وَرْقَاوُون وحَمْراوُون ورأيتُ ورْقَاوِينَ وحَمْرَاوِينَ وَذكر أَن الْمَازِني كَانَ يَجِيزِ فِي وَرْقاوُون الهمزَ لانضمام الْوَاو بعْدهَا وَهَذَا سَهْو لِأَن انضمامهما لواو الْجمع بعْدهَا فَهِيَ بِمَنْزِلَة ضمة الْوَاو للإعراب أَو لالتقاء الساكنين كَقَوْلِك هؤلاءِ ذَوُوكَ وَهَؤُلَاء مُصْطَفُو البلدِ

стр. 2089

وَلَا يجوز فِيهِ الْهَمْز وَتقول فِي زَكَرِيَّاءَ فِيمَن مَدَّ زَكَرِيَّاوُونَ كوَرْقَاوُون وفيمن قَصر زَكَرِيَّوْنَ بِمَنْزِلَة عِيْسَوْنَ ومُوسَوْنَ وَفِيه لُغَات لَيْسَ هَذَا موضعَ ذِكْرَهَا وَقد قدَّمتها ١ - بَاب جمع الرِّجَال وَالنِّسَاء اعْلَم أَن هَذَا الْبَاب يشْتَمل على جمع الْأَسْمَاء الْأَعْلَام والبابُ فِيهَا أَن كُلَّ اسمٍ سميتَ بِهِ مذكراً يَعْقِل وَلم يكن فِي آخِره هَاء جَازَ جمعه بِالْوَاو وَالنُّون على السَّلامَة وَجَاز تكسيره سَوَاء كَانَ الِاسْم قبل ذَلِك مِمَّا يجمع بِالْوَاو وَالنُّون أَو لَا يجمع وَكَذَلِكَ إِن سميتَ بِهِ مؤنثاً جَازَ جمعه بِالْألف وَالتَّاء على السَّلامَة وَجَاز تكسيره وَإِذا كسر شَيْء من ذَلِك وَكَانَت الْعَرَب قد كَسَّرَتْه اسْما قبل التَّسْمِيَة على وَجه من الْوُجُوه وَإِن لم يكن ذَلِك بِالْقِيَاسِ المطرد فَإِنَّهُ يكسر على ذَلِك الْوَجْه وَلَا يعدل عَنهُ وَإِن كَانَ لَا يعرف تكسيره فِي الْأَسْمَاء قبل التَّسْمِيَة بِهِ حمل على نَظَائِره وَقد ذكرنَا جمع مَا كَانَ من ذَلِك فِي آخِره الْهَاء بِمَا أغْنى عَن إِعَادَته فَمن ذَلِك إِذا سميت رجلا بزيد أَو عَمْرو أَو بكر على السَّلامَة قلت الزيدون والعمرون وَإِن كَسَّرْتَ قلت أزْيادٌ فِي أدْنَى الْعدَد وزُيُود فِي الْكثير وقلتَ فِي بكر وَعَمْرو فِي أَدْنَى العددِ الأَعْمُرُ والأَبْكُرُ وَفِي الْكثير العُمُور وأَدْنَى الْعدَد أَن تَقول ثَلَاثَة أَعْمُرٍ وَعشرَة أَبْكُرٍ وَإِن سميته ببِشْرٍ أَو بُرْدٍ أَو حَجْرٍ قلتَ فِي أدنى الْعدَد ثلاثةُ أَبْراد وَعشرَة أَبْشَار وتسعةُ أَحْجَار وَيَنْبَغِي أَن يُقَال فِي الْكثير بُرُودٌ وحجارة قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ زيد الْخَيل: (أَلَا أَبْلِغِ الأَقْيَاسَ قيسَ بْنَ نَوْفَلٍ ... وقَيْسَ بْنَ أُهْبَانٍ وقَيْسَ بْنَ جَابِرٍ) وَقَالَ أَيْضا غَيره: (رأيْتُ سُعوداً من شُعُوبٍ كثيرةٍ ... فَلَمْ أَرَ سَعْداً مِثْلَ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ) وَقَالَ الفرزدق: (وَشَيَّدَ لِي زُرَارَةُ باذِخَاتٍ ... وعَمْرُو الْخَيْر إِذْ ذُكِر العُمُورُ) وَقَالَ أَيْضا غَيره: (رَأَيْتُ الصَّدْعَ من كَعْبٍ وكانُوا ... مِنَ الشَّنْآنِ قد صارُوا كَعَابا) قَالَ أَبُو سعيد: مَعْنَاهُ أَنهم قَبيلَة أبوهم كَعْبٌ فهم كَعْبٌ واحدٌ إِذا كَانُوا مُتَأَلِّفِينَ فَإِذا تَفَرَّقُوا وعادَى بَعضهم بَعْضًا صَار كُلُّ فرقة مِنْهُم تُنْسَبُ إِلَى كَعْبٍ وَهِي تُخالف فكأنهم كِعَابٌ جَمَاعَةٌ وَقَالَ فِي قوم من العَرَب اسمُ كُلُّ واحدٍ مِنْهُم جُنْدُبٌ الجَنَادِبُ وَإِذا سميتَ امْرَأَة بِدِعْدٍ فجمعتَ قلتَ دَعَدَاتُ لِأَنَّك لما أدخلتَ الألفَ وَالتَّاء صَار بِمَنْزِلَة تَمَرَاتٍ وَإِن لم يكن فِي الْوَاحِد الهاءُ لِأَن الْهَاء تسْقط يَدُلك على ذَلِك قولُهم أَرَضَاتٌ وَإِن لم يكن فِي أَرض هاءٌ لِأَن الْجمع لما كَانَ الْألف وَالتَّاء صَار كجمع فَعْلَةٍ وَإِن جمعت جُمْلاً بِالْألف وَالتَّاء جَازَ أَن تقولَ جُمُلَاتٌ وجُمَلَاتٌ وجُمْلَات بمنزلةِ جمع ظُلْمَة وَتقول فِي هِنْدٍ هِنْداتٍ وهِنِدَاتٍ وهِنَدات بِمَنْزِلَة كِسْرة إِذا جُمِعَتْ على هَذِه الْوُجُوه وَإِن كَسَّرْتَ كَمَا كَسِّرتَ بُرْداً وبِشْراً قلت هَذِه أهْناد وأَجْمَالٌ فِي الْجمع الْقَلِيل وتقولُ فِي الْكثير هُنُودٌ كَمَا قَالُوا الجُذُوع قَالَ جرير: (أَخَالِدَ قَدْ عَلِقْتُكِ بَعْدَ هِنْدٍ ... فَشَيَّبَنِي الخَوَالِدُ والهُنُودُ) وَإِن سميت امْرَأَة بِقَدَمٍ فجمعتَ بِالْألف وَالتَّاء قلتَ قَدَمَات وَلَا يجوز تسكين الدَّال بهَا وَإِن كَسَّرْتَ

стр. 2090

فَالَّذِي يُوجِبهُ مَذْهَب سِيبَوَيْهٍ أَن تَقول أَقْدَامٌ فِي الْقَلِيل وَالْكثير لِأَن الْعَرَب قد جمعتْ قَدَماً قبل التَّسْمِيَة على أَقْدام فِي الْقَلِيل وَالْكثير وَإِن سميت رَجُلاً بأحْمَرَ ثمَّ جمعته فَإِن شِئْت قلت أَحْمَرُون على السَّلامة وَإِن شئتَ قلتَ أَحَامِرُ على التكسير وكلا هذَيْن الجمعين لم يكن جَائِزا فِي أحْمَرَ قبل التَّسْمِيَة لِأَن أَحْمَرَ وبابَهُ لَا يجوز فِيهِ أَحْمَرُونَ وَلَا أَحَامِرُ إِذا كَانَ صفة وَإِنَّمَا يجمع على حُمْرٍ وَنَظِيره بِيضٌ وشُهْبٌ وَمَا أشبه ذَلِك فَإِذا سميت بِهِ فَحكم الِاسْم الَّذِي على أَفْعَل يخالفُ حكمَ الصّفة الَّتِي على أفْعَل والاسمُ جَمْعُه أفاعلُ مثل الأرانبِ والأباطِح والأَرامِلِ والأَدَاهِم وَإِن سميت امْرَأَة بأَحْمَرَ قلتَ فِي السَّلامَة أَحْمَرَات وَفِي التكسير أَحَامِرُ وَقد قَالَت الْعَرَب الأَجَارِب والأَشَاعِر لِبَنِي أَجْرَبَ كَأَنَّهُمْ جعلُوا كُلَّ واحدٍ مِنْهُم أَجْرَبَ على اسْم أَبِيه ثمَّ جَمَعُوهُ كَمَا قَالُوا فِي أَرْنَبٍ أَرانِبُ وَإِن سميت رجلا بَوَرْقاء أَو مَا جَرَى مجْرَاه فجمعتَه بِالْوَاو وَالنُّون قلتَ وَرْقَاوُون وَإِن سميت بهَا امْرَأَة وجمعتها جمع السَّلامَة قلتَ وَرْقاوات وَإِن جمعتها جمع التكسير فِي الرجل وَالْمَرْأَة قلت وَرَاقٍ كَمَا قيل فِي صَلْفَاءَ صَلَافٍ وَفِي خَبْراء خَبَارٍ وَإِن سميت رجلا أَو امْرَأَة بِمُسْلِمٍ أَو بِخَالِد وَلم تجمعها جمعَ السَّلامَة قلتَ فيهمَا خَوَالَدُ كَمَا تَقول فِي قَادِمِ الرَّحْل وآخِره القَوَادِمُ والأَواخِرُ وجمعُ التكسير يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذكر والمؤنث وَمَا يَعْقِلُ وَمَا لَا يَعْقِلُ أَلا تَراهم قَالُوا غُلَام وغِلْمَان كَمَا قَالُوا غُراب وغِرْبان وَقَالُوا صَبِيُّ وصُبْيانٌ كَمَا قَالُوا قَضِيبٌ وقُضْبَان وَمِمَّا يُقَوِّي خَوَالِدَ جمعَ رجل اسْمه خَالِد أَنهم قَالُوا فِي الصّفة فارِسٌ وفَوَارِسٌ وَإِذا كَانَ هَذَا فِي الصّفة فَهُوَ فِي الأَسماء أَجْدَرُ والقياسُ أَن يُقالَ فِي فاعِل فَواعل لِأَنَّهُ على أَرْبَعَة أحرف وعلامةُ الْجمع تنظيم فِيهِ على طَرِيق انتظام علامةِ التصغير فِيهِ لِأَنَّك تَقول خُوَيْلِدٌ وحُوَيْتِمْ فتُدْخِل يَاء التصغير ثَالِثَة وتَكْسرُ مَا بعْدهَا وَكَذَلِكَ تُدْخِل ألفَ الْجمع ثَالِثَة وتكسير مَا بعْدهَا وَلَو سميت رجلا بشَفَةٍ أَو أَمَةٍ ثمَّ كَسَّرْتَ لقلتَ آمٍ فِي الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة وَفِي الْكثير إِمَاءٌ وَيجوز إمْوَانٌ قَالَ الشَّاعِر: (أَمَّا الإِمَاءُ فَلَا يَدْعُونَنِي وَلَداً ... إِذا تَرَامَى بَنُو الإِمْوانِ بالعارِ) وَتقول فِي شَفَةٍ شِفَاهٌ لَا يجوز غير ذَلِك وَإِنَّمَا جَازَ فِي أمة إِذا سميت بهَا رجلا أَو امْرَأَة الوجوهُ الَّتِي ذكرتُ لِأَن العربَ تجمعها على هَذِه الْوُجُوه وَهِي اسْم قبل التَّسْمِيَة بهَا شَيْئا بِعَيْنِه فاستعملنا بعد التَّسْمِيَة مَا استعملته الْعَرَب قبلهَا إِذا لم تَتَغَيَّر الاسْمِيَّةُ وَلَا يُقَال فِيهَا شَفَاتٌ وَلَا أَمَاتٌ لِأَن الْعَرَب تجتنب ذَلِك فِيهَا قبل التَّسْمِيَة وَإِن سميت رجلا بَتَمْرَةٍ أَو قَصْعَةٍ قلتَ قَصَعَاتٌ وتَمَرَاتٌ وَإِن كَسرته قلتَ قِصاعٌ وتَمَارٌ وَإِن سميت رجلا أَو امْرَأَة بعَبْلَة لقلتَ فِي الْجمع العَبَلَاتُ وفتحتَ الْبَاء وَقد كَانَ قبل التَّسْمِيَة يُقَال امرأةٌ عَبْلَةٌ وَنسَاء عَبْلَاتٌ لِأَنَّهَا كَانَت صفة فَلَمَّا سميتَ بهَا صارتْ بِمَنْزِلَة تَمْرَةِ وتَمَرَاتٍ وَلَا يجوز أَن تَقول فِي جمع رجل اسْمه تَمْرَة تَمْرٌ لِأَن تَمرا اسْم للْجِنْس وَلَيْسَ بِجمع مكسر وَلَو سميت رجلا أَو امْرَأَة بسَنَةٍ لكنتَ بِالْخِيَارِ إِن شئتَ قلت سَنَوَات وَإِن شئتَ قلتَ سِنُون لَا تعدو جمعَهم إِيَّاهَا قبل ذَلِك وهم يجمعُونَ السَّنَةَ قبل التَّسْمِيَة على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَلَو سميته ثُبَةً لقلتَ ثُبَاتٌ وثُبُونَ وَإِن شئتَ كَسَرْتَ الثاءَ كَذَلِك نَظَائِر ثُبَةٍ وَإِن سميته بِشِيَةٍ أَو ظُبَةٍ لم تُجَاوِزْ شِيَاتٍ وظُبَاتٍ لِأَن الْعَرَب لم تجمعه قبل التَّسْمِيَة إِلَّا هَكَذَا فَإِن سميتَه بابْنِ جمعتَ بِالْوَاو وَالنُّون قلتَ بَنُونَ وَإِن كَسَّرْتَ قلتَ أبناءٌ وَإِن سميتَ المرأةَ بأُمِّ ثمَّ جَمَعْتَ جَازَ أُمَّهَاتٌ وأُمَّاتٌ لِأَن الْعَرَب قد جمعتها على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ قَالَ الشَّاعِر: (كَانَتْ نَجَائِبُ مُنْذِرٍ ومُحَرِّقٍّ ... أُمَّاتُهُنَّ وطَرْقُهُنَّ فَحِيلَا) وَلَو سميتَ بِهِ رجلا لَقُلْتَ أُمُّونَ وَإِن كسَّرْتَه فَالْقِيَاس أَن تَقول إمامٌ وَإِن سميتَه بأبٍ قلت أَبوانِ فِي التَّثْنِيَة

стр. 2091

لَا تجَاوز ذَلِك يَعْنِي لَا تقل أَبانِ وَإِذا سميت رجلا باسم فجمعتَ جمعَ السَّلامَة لم تحذف ألفَ الْوَصْل وقلتَ أَسْمُونَ وَإِن كَسَّرْتَ قلتَ أَسْمَاءٌ وَكَانَ القياسُ أَن تَقول أبْنُونَ غير أَنهم جَمَعُوهُ قبل التَّسْمِيَة على بَنِينَ وحذفوا الْألف لِكَثْرَة استعمالهم إِيَّاه وحركوا الْبَاء كمَنِين وهَنِينَ وَلَو سميت رجلا بامْرِئٍ قلتَ امْرُؤُنَ فِي السَّلامة وَإِن سميت بِهِ امْرَأَة قلت امْرَآتٌ وَإِن كسَّرْتَ قلتَ أمْرَاءٌ كَمَا قَالُوا أَبْنَاءٌ وأسْمَاءٌ وأسْتَاه وَلَو سميت بشاةٍ لم تَجْمَعْ بِالتَّاءِ وَلم تقل الإِشِيَاهٌ لِأَن هَذَا الِاسْم قد جمعته العَرَبُ مكسَّراً على شِياهٍ وَلم يَجْمَعُوهُ جمع السَّلَامَة بل لَا يحْتَمل ذَلِك لأَنا إِذا حذفنا الْهَاء بَقِي الِاسْم على حرفين الثَّانِي مِنْهُمَا من حُرُوف الْمَدّ واللين وَلَا يجوز مثل ذَلِك إِلَّا أَن يكون بعْدهَا هَاء فَإِن قَالَ قَائِل فقد قَالُوا شَاءٌ وشَوِيٌ لِأَن الشَاءَ والشَّوِيَّ جمعانِ للشاةِ قيل لَهُ هما اسمان للْجمع يجريان مجْرى الْوَاحِد فَإِذا سمينا بِهِ احتجنا أَن نُكَسِّرَ على شِيَاهٍ وَإِن سميت رجلا بَضَرْبٍ قلتَ ضَرْبُونَ وضُرُوبٌ بِمَنْزِلَة عَمْرٍو وعُمُور وَقد جمعت الْعَرَب المصادرَ من قَبْلِ التَّسْمِيَة بهَا فَقَالُوا أَمْرَاضٌ وأَشْغَالٌ وعَقُولٌ وأَلْبَابٌ فَإِذا صَار اسْما فَهُوَ أَجْدَرُ أَن يجمع بتكسير وَلَو سميت رجلا برُبَتَ فِي لُغَة من خَفَّفَ فَقَالَ رُبَتَ رَجُلٍ قُلْتَ رُبَاتٌ ورُبُونَ ورِبونَ أَيْضا وَإِنَّمَا جَازَ فِي رُبَتَ هَذِه الوُجُوه لِأَنَّهَا لم تجمع قبل التَّسْمِيَة فَلَمَّا سُمِّيَ وَجُمِعَ حُمِلَ على نَظَائِره الْكَثِيرَة وَمِمَّا كَثُرَ فِي هَذَا الْبَاب من النواقص أَن تَجِيء بِالْألف وَالتَّاء وَالْوَاو وَالنُّون نَحْو ثُبات وثُبُونَ وكُرات وكُرُون وعِزات وعِزُونَ وَإِن سميته بِعَدَةٍ قلتَ عَدَاتٌ وَإِن شِئْت قلتَ عَدُونَ إِذا صَارَت اسْما كَمَا قلت لِدُون وَإِن سميته بِبُرَةٍ وكَسَّرْتَ قلتَ بُرًى لِأَن الْعَرَب قد كَسَّرَتْهُ على ذَلِك وَإِن جَاءَ مثل بُرَةٍ مِمَّا لم تكسره العربُ لم تجمعه إِلَّا بِالْألف وَالتَّاء وَالْوَاو وَالنُّون لِأَن هَذَا هُوَ الْكثير وَإِذا سميت بِصِفَة مِمَّا يخْتَلف جمعُ الِاسْم وَالصّفة فِيهِ جمعتَه جمع نَظَائِره من الْأَسْمَاء وَلم تُجْرِه على مَا جَمَعُوهُ حِين كَانَ صفةٌ إِلَّا أَن يَكُونُوا جَمَعُوهُ جمعَ الْأَسْمَاء فتُجْرِيه على ذَلِك كَرجل سميته بَسَعِيدٍ أَو شَرِيفٍ تَقول فِي أدنى الْعدَد ثلاثةُ أشْرِفَةٍ وأَسْعِدَةٍ وَتقول فِي الْكثير سُعْدَانٌ وشُرْفَانٌ وسُعُدٌ وشُرُفٌ لِأَن هَذَا هُوَ الْكثير فِي الْأَسْمَاء فِي جمع هَذَا الْبناء تَقول رَغِيفٌ وأَرْغِفَةٌ وجَرِيبٌ وأَجْرِبَةٌ وَقَالُوا رُغْفَانٌ وجُرْبَانٌ وَقَالُوا قُضُبُ الرَّيْحَانِ فِي جمعِ قَضِيبٍ وَقَالُوا الرُّغُفُ فِي جمع رَغِيف قَالَ الشَّاعِر: (إِنَّ الشِّواءَ والنَّشِيلٍ والرُّغُف ... ) (والقَيْنَةُ الحَسْنَاءَ والكَأْسَ الأُنُفْ ... للضَّارِبينَ الهامَ والخَيْلُ قُطُفْ) وَقَالُوا سَبِيلٌ وسُبُلٌ وأَمِيلٌ وأُمُلٌ فَهَذَا هُوَ الْكثير فِيهِ وَرُبمَا قَالُوا الأَفْعِلَاءَ فِي الْأَسْمَاء نَحْو الأَنْصِبَاءِ والأَخْمِسَاءِ وَلَيْسَ بالكثير فَلَو سميتَ رجلا بنصِيبٍ أَو خَمِيسٍ لَقلت أَنْصِبَاء وأَخْمِسَاء وغن سميته بنَسِيب وَهُوَ صفة ثمَّ كَسَّرْتَهُ لَقلت أنْسِبَاءُ لِأَن الْعَرَب قد جمعته وَهُوَ صفة على ذَلِك وَهُوَ من جمع بعض الْأَسْمَاء كَنَصيبٍ وأنْصِبَاءَ فَلم يُغيرُوا قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَأما والِدٌ وصَاحِبٌ فَإِنَّهُمَا لَا يجمعان ونحوُهما كَمَا لَا يجمع قادِمُ النَّاقَةِ يَعْنِي الخِلْفَ المُقَدَّمَ من ضَرْعِهَا لن هَذَا وَإِن تُكُلِّم بِهِ كَمَا يُتَكَلَّمُ بالأسماء فَإِن أصلَه الصفةُ وَله مؤنث قَالَ أَبُو سعيد: ذكر سِيبَوَيْهٍ والِداً وصاحِباً قبل التسميةَ بهما فَأرى أَن صاحباً إِذا جمعناه لم نقل فِيهِ صَوْاحِبُ وَكَذَلِكَ وَالِد لَا نقُول فِيهِ أَوَالِدُ لِأَن هَاتين صفتان من حَيْثُ يُقَال وَالِد ووالدة وَإِذا كَانَت الصّفة على فَاعل للمذكر لم يجمع على فواعل وَإِنَّمَا يُقَال فِيهِ فاعِلُون وَهَذَا الاسمان قد كثرا فَجَرَيَا مَجْرَى الْأَسْمَاء فَلم يجب لَهما بذلك أَن يُقَال صَوَاحِبُ وَأَوْلَاد إِذْ كَانَ يُقَال فِي مؤنتهما صَاحِبَة ووالدة وَلَو سمينا رجلا بِصَاحِب لقلنا فِي التكسير صَوَاحِبُ وَأما وَالِد فَقَالَ الجَرْمِيُّ إِذا سمينا بِهِ لم نقل إِلَّا والِدُونَ وَإِن سمينا بِهِ مؤنثاً لم نقل إِلَّا والدات وَإِن سمينا بوالدة قُلْنَا والدات لِأَن الْعَرَب تنكبت فِي جمع ذَلِك التكسير قبل

стр. 2092

التَّسْمِيَة فَقَالُوا والِدٌ ووالِدُون ووالِدَةٌ ووالِدَاتٌ وَلم يَقُولُوا أَوَالِدٌ فِي الوالدة وَإِن كَانُوا يَقُولُونَ قاتلة وقَوَاتِل وجالسة وَجَوالس لِأَن الأَصْل ووالِدُ قلب إِحْدَى الواوين فاقتصروا فِيهِ على السَّلامَة وَلَو سميتَ رجلا بفَعَالٍ نَحْو جَلَالٍ لَقلت أَجِلَّةٌ على حدِّ قَوْلك أَجْوِبة فَإِذا جاوزتَ قلتَ جِلَاّنٌ كَقَوْلِك غِرْبَانٌ وغِلْمَانٌ وَاعْلَم أَن الْعَرَب تجمع شجاعاً على خَمْسَة أوجه مِنْهَا ثَلَاثَة من جَمِيع الْأَسْمَاء وَهِي شُجْعَانٌ مثل قَوْلنَا زُقاقٌ وزُقَّانٌ وشِجعان مثل غُراب وغِربان وشِجْعَة مثل غُلَام وغِلْمَةفإذا سميت رجلا بشُجَاع جَازَ أَن تجمعه على هَذِه الْوُجُوه الثَّلَاثَة وَقد يجمع شُجَاع على شِجَاع وشُجْعَاء نَحْو كريم وكِرَام وكُرَماء وظَرِيف وظِرَافٍ وظُرَفَاء فَإِذا سميت بِشُجَاع لم يجز جمعه على هذَيْن الْوَجْهَيْنِ وَرُبمَا جمعت العربُ الاسمَ الَّذِي أصلُه صفة على لفظ الصِّفَةِ كَأَنَّهُمْ يَذْهَبُونَ بِهِ إِلَى أَنه صفة غَلَبَتْ كَمَا سَمَّوْا بِمَا فِيهِ الألفُ واللامُ وَتركُوا لألفَ وَاللَّام بعد التَّسْمِيَة كالحَسَنِ وَالْعَبَّاس والْحَارث كَأَنَّهُمْ قَدَّرُوا فِيهِ الصِّفَةَ وَقَالُوا فِي بني الأَشْعَرِ الأَشاعِرُ على مَا تَوْجِيه الاسمية وَقَالُوا الشَّقْر والشُّقْران على الوَصْف وَلَو جمع إنسانٌ الحارثَ على مَا تُوجبه الصفةُ فَقَالَ الحُرَّاثُ لجازَ لِأَنَّهُ صفة غلبت وَمن قَالَ الحَوَارِث فعلى مَا ذكرنَا من جَمْع الْأَسْمَاء وَلَو سميتَ رجلا بفَعِيلَةٍ ثمَّ كَسَّرْتَهُ قلتَ فَعَائِل كَرجل سميته بِكَتِيبَةٍ أَو قَبِيحَةٍ أَو ظَرِيفَةٍ لَقلت فَعائِل لَا غير وَقد جمعت الرعبُ فَعِيلَة على فُعُل فِي الْأَسْمَاء وَلَيْسَ بِقِيَاس مُطَّرِد فَقَالُوا سَفِينة وسُفُنٌ وصَحِيفَةٌ وصُحُفٌ وَلَيْسَ بالكثير فَإِن سميتَ رجلا بسفينة أَو صحيفَة جَازَ جمعه على سُفُن وصُحُف وَإِن سميت رجلا بِعَجُوز فَكَسَّرْتَهُ قلتَ فِيهِ العُجُز وَلم تقل العَجَائِز وَكَذَلِكَ لَو سميته بقَلُوص قلت فِيهِ القُلُص وَلم تقل القَلَائِص وَإِنَّمَا جمعت العربُ عَجُزاً وقَلُوصاً على عَجَائِز وَكَذَلِكَ لَو سميته بقَلُوص قلت فِيهِ القُلُص وَلم تقل القَلَائِص لِأَنَّهُمَا مؤنثان فَإِذا سميتَ بهما رجلا زَالَ التأنيثُ وَصَارَ بِمَنْزِلَة عَمُود وعُمُد وجَزُور وجُزُر قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَسَأَلته عَن أَبٍ فَقَالَ إِن أَلْحَقْتَ فِيهِ النُّونَ والزيادةَ الَّتِي قبلهَا قلتَ أَبُونَ وَكَذَلِكَ أَخٌ تَقول أَخُونَ وَلَا تُغَيِّر البناءَ إِلأَّ أَن تُحْدِثَ العربُ شَيْئا كَمَا تَقول بَنُونَ وَلَا تُغَيِّر بناءَ الْأَب على حَال الحرفين إِلَّا أَن تُحَدِثَ شَيْئا كَمَا بَنَوْهُ على بناءِ الحرفين قَالَ الشَّاعِر: (فَلَمَّا تَبَيَّنَ أَصْوَاتَنَا ... بَكَيْنَ وَفَدَّيْنَنَا بِالأَبِينَا) أنشدناه مَنْ نَثِقُ بِهِ وَزعم أَنه جاهليّ وَإِن شئتَ كَسَّرْتَ فقلتَ آبَاء وآخاء فَأَما عُثْمَانُ ونحوُه فَإنَّك تعتبره بِالتَّصْغِيرِ فَمَا كَانَ فِي آخِره ألفٌ وَنون زائدتان وَكَانَت الْعَرَب تصغره بقلب الْألف يَاء كَسَّرْتَهُ وقلبتَ الألفَ يَاء وَإِن شئتَ جمعتَ جمع السَّلَامَةِ وَمَا كَانَ من ذَلِك تُصَغِّرُ العربُ الصَّدْرَ مِنْهُ وتُبْقِي الألفَ والنونَ لم يَجُزْ فِي جمعه التكسيرُ وجمعتَه جمعَ السَّلامَة بِالْوَاو وَالنُّون فَأَما مَا صَغَّرَتْهُ العربُ وقلبت الْألف فِيهِ يَاء نَحْو سِرْحَانٍ وضِبْعانٍ وسُلْطانٍ إِذا سميتَ بِشَيْء من ذَلِك رجلا جَازَ أَن تجمعه جمع السَّلامَة فَتَقول سُلْطانُون وسِرْحَانُونَ وضِبْعَانُون وَجَاز أَن تكسر فَتَقول: ضَبَاعِينَ وسَلَاطِينَ وسَرَاحِينَ وَإِن سميته بعُثْمَانَ أَو غَضْبَانَ أَو نَحوه قلت فِي جمعه عُثْمَانُونَ وغَضْبَانُونَ لِأَنَّهُ يُقَال فِي صغيره عُثَيْمَانُ وغُضَيْبَان وَكَذَلِكَ تَقول فِي جمع عُرْيَان وسَعْدَان ومَرْوَانَ عُرْبَانُونَ وسَعْدَانُونَ ومَرْوَانُون وَإِذا ورد شيءٌ من ذَلِك وَلَا يُعْرَف هَل تقلب العربُ الألفَ يَاء فِي التصغير أم لَا حَمَلْتَه على بَاب عُثْمَان وغضبان لِأَنَّهُ الْأَكْثَر فَإِن كَانَ فُعْلَان جمعا لم يكن سبيلُه سبيلَ الْوَاحِد لِأَن فُعْلاناً فِي الْجمع رُبمَا كُسِّرَ فَقيل فَعَالِينُ كَقَوْلِهِم مُصْرَانٌ ومَصَارين وَيُقَال فِي التصغير مُصَيْران لِأَن الْألف للْجمع وَإِذا كانتْ ألفا حَادِثَة للْجمع لم تغير فِي التصغير كَقَوْلِهِم أَجْمَالٌ وأُجِيمال وعَلى هَذَا لَو سيمت رجلا بمُصْران أَو بأنعام أَو بأقوال ثمَّ صغرته لقلتَ مُصَيْران لقلتَ مُصَيْران وأُنَيْعَام وأُقَيَّال وَلم تلْتَفت إِلَى قَوْلهم فِي الْجمع مَصَارين

стр. 2093

القَوْل فِي بنت وَأُخْت وهَنْتِ وتكسيرها وَذكر كِلْتَا وثنتين وإبانة وَجه الِاخْتِلَاف فِيهِ إِذا كَانَ فصلا دَقِيقًا من فُصُول التَّذْكِير والتأنيث قَالَ أَبُو عَليّ: بنْتق من ابْن لَيْسَ كصَعْبَةٍ من صَعْب لِأَن الْبناء صِيغ للتأنيث على غير بِنَاء التكذير فَهُوَ كحَمْرَاء من أَحْمَر وَلَيْسَ كصعبة من صَعب وَغير الْبناء عَمَّا كَانَ يجب أَن يكون عَلَيْهِ فِي أصل التَّذْكِير وأبدل التَّاء من الْوَاو وأُلْحِقَ الاسمُ بِهِ بشِكْس ونِكْسِ وَمَا أشبه ذَلِك وَبِهَذَا ردّ على من قَالَ إِن الدَّلِيل على أَن الْبَاء من ابْن مَكْسُورَة كَسْرُهُم الباءَ فِي بِنْت وشيءٌ آخر يدل على أَن بِنْتا لَا يدل على أَن أصل ابْن فِعْلٌ وَهُوَ أَنا وجدناهم يَقُولُونَ أُخْتٌ فَلَو كَانَ ابنٌ فِعْلاً لقَولهم بِنْتٌ لَكَانَ أَخٌ فُعْلاً لقَولهم أُخْتٌ فَكَمَا لَا يجوز أَن يكون أَخٌ فُعْلاً لقَولهم أُخْتٌ فَكَمَا لَا يجوز أَن يكون أَخٌ فُعْلاً وَإِن جَاءَ أُخْتٌ كَذَلِك لَا يجوز أَن يكون ابنٌ فِعْلاً وَإِن جَاءَ بِنْتٌ فَأَما قولُهم بَناتٌ فِي الْجمع فمما يدل على أَن أصل الْبَاء فِي ابْن الْفَتْح ورُدِّ فِي الْجمع إِلَى أصلِ بناءِ المذكرِ كَمَا رُدَّ أُخْتٌ إِلَى أصل بِنَاء الْمُذكر فَقيل بناتٌ كَمَا قيل أخواتٌ وَهَذَا الضَّرْبُ من الْجمع أ، ي الْجَمِيع بِالْألف وَالتَّاء قد يُرَدُّ فِيهِ الشَّيْء إِلَى أَصله كثيرا كَرَدِّهِمْ اللامات الساقطةَ فِي الْوَاحِد لَهُ نَحْو قَوْلهم فِي عِضَةٍ عِضَواتٍ فَكَمَا رُدُّوا الحرفَ الأصليَّ فِيهِ كَذَلِك رُدَّت الحركةُ الَّتِي كَانَت الأصلَ فِي بِنَاء الْمُذكر والمحذوف من أُخْت وَبنت الْوَاو أما فِي أُخْت فدليلُه قولُهم إخْوَة وأُخُوَّة وَإِمَّا بِنْتٌ فحمولة عَلَيْهِ وَأَيْضًا فَإِن بدل التَّاء من الْوَاو أَكثر من بدلهَا من الْيَاء وَهَذِه التَّاء لَا تَخْلُو من أَن تكون بَدَلا من لَام الْفِعْل أَو عَلامَة للتأنيث فَلَو كَانَت عَلامَة للتأنيث لَا نفتح مَا قبلهَا كَمَا ينفتح مَا قبلهَا فِي غير هَذَا الْموضع فَلَمَّا لم ينفتح علمنَا أَنه بدل وَأَنه لَيْسَ على حد طَلْحَة وثُبَة وَإِذا كَانَ بَدَلا فَلَا بُد أَن بِكَوْن من يَاء أَو وَاو وَلَا يجوز أَن يكون من الْيَاء لأَنا لم نجدهم أبدلوا التَّاء من الْيَاء إِلَّا فِي افتعل من اليَسَار وَنَحْوه وَفِي حرف وَاحِد كَقَوْلِهِم أَسْنَتُوا فَأَما أصلُ إِبْدَال التَّاء من الْوَاو دون الْيَاء فَذَلِك كثير جدًّا فَعلمنَا بذلك أَن التَّاء فِي بنتْ بدل من وَاو كَمَا كَانَت فِي أُخْت كَذَلِك وكما كَانَت فِي هَنْتٍ كَذَلِك والدليلُ على أَن التَّاء فِي هَنْتٍ بَدَلٌ من الْوَاو قولُه: (عَلَى هَنَوَاتٍ شأْنُهَا مُتَتابِعُ ... ) فالتاء بدل من الْوَاو وَذَلِكَ فِيهِ وَفِي أُخْت بَيِّنٌ لأخوات وهَنَوَاتٍ وَكَذَلِكَ فِي بنت تَقول فِي التَّاء أَنَّهَا بدل من الْوَاو وَأَن الْألف فِي كلا منقلبة عَن وَاو لإبدالك التاءَ مِنْهَا فِي كلتا وَلذَلِك مثله سِيبَوَيْهٍ بَشرْوَى فَإِن قَالَ قَائِل إِذا كَانَت التَّاء فِي أُخْت وَمَا أشبهه للإلحاق كَمَا ذكرتَ دون التَّأْنِيث فَلَا أَثْبَتَّهَا فِي الْجمع بِالتَّاءِ نَحْو أَخَوَات وَبَنَات وَلم تحذف كَمَا لَا تحذف سَائِر الْحُرُوف الملحقة فِي هَذَا الْجمع وَلَا فِي الْإِضَافَة فَالْجَوَاب أَن هَذِه التَّاء للإلحاق كَمَا قُلْنَا وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا قدمنَا وَإِنَّمَا حذف للإضافة وَهَذَا الضَّرْب من الْجمع لِأَن الْبناء الَّذِي وَقع الْإِلْحَاق فِيهِ إِنَّمَا وَقع فِي بِنَاء الْمُؤَنَّث دون الْمُذكر وَصَارَ الْبناء بِمَا اختصَّ بِهِ الْمُؤَنَّث بِمَنْزِلَة مَا فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث فحذفت التَّاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ لذَلِك لَا لِأَنَّهُ للتأنيث وغُيِّرَ البناءُ فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ ورُدَّ إِلَى التَّذْكِير من حَيْثُ حُذِفَتْ علامةُ التَّأْنِيث فِي هذَيْن الْمَوْضِعَيْنِ لِأَن الصِّيغَة قَامَت مقَام الْعَلامَة فَكَمَا غُيِّرَ مَا فِيهِ عَلامَة بحذفها كَذَلِك غُيِّرَتْ هَذِه الصِّيغَة بردّها إِلَى الْمُذكر إِذا كَانَت الصِّيغَة قد قَامَت مقَام الْمُذكر فَمن حَيْثُ وَجب أَن يُقَال طَلَحَات وطَلَحِيُّ وَجب أَن يُقَال أَخَوات وأَخَوِيُّ فَأَما قَول يُونُس فِي الْإِضَافَة إِلَى أُخْتٍ أُخْتِيٌ فَلَا يجوز كَمَا لَا فِي الْإِضَافَة إِلَى طَلْحَة إِلَّا الحذفُ لمعاقبة الياءين تاءَ التَّأْنِيث فِي مثل قَوْلهم زِنْجِيٌ وزَنْجٌ ورُومِيٌ ورُوم صَار بِمَنْزِلَة تَمْر لِأَن حذفهَا يدل التكثير وإثباتها يدل على التَّوْحِيد فَلهَذَا لم تثبت التَّاء مَعَ ياءَيِ

стр. 2094

الْإِضَافَة وألحقت علامتا التَّأْنِيث الأخريان بِالتَّاءِ فأزيلتا فِي الْإِضَافَة كَمَا حذفت هِيَ فَأَما حذف هَذِه العلامات فِي الْجمع بِالْألف وَالتَّاء فلئلا يجْتَمع علامتان للتأنيث فَإِن قيل فقد قَالُوا ثِنْتَيْنِ وَقد أنْشد سِيبَوَيْهٍ: (ظَرْفُ عَجُوزٍ فيهِ ثِنْتَا حَنْظَلِ ... ) فأبدلوا التَّاء من الْيَاء الَّتِي هِيَ لَام لِأَنَّهَا من ثنيت فَهَلا جَازَ عنْدك على هَذَا أَن يكون التَّاء فِي بنت بَدَلا من الْيَاء وكما أَنَّهَا فِي أسنتوا بدل مِنْهَا فَالْجَوَاب أَنه لَا يلْزم أَن تكون التَّاء فِي بنت بَدَلا من الْيَاء كَمَا كَانَ فِي ثِنْتَيْنِ بَدَلا مِنْهَا فَإِذا أجَازه مجير لهَذَا كَانَ غير مُصِيب لتَركه الأكثرَ إِلَى الْأَقَل والشائعَ إِلَى النَّادِر أَلا ترى أَن إِبْدَال التَّاء من الْوَاو قد كثر فحملُ بنت على الْأَكْثَر أولَى من حمله على الأقَلِ أَلا ترى أَن الْقيَاس يجب أَن يكون على الْأَكْثَر حَتَّى يمْنَع مِنْهُ شَيْء وَلم يمْنَع شَيْء فِي بنت من حمل لامه على أَنه وَاو بل قَوَّاه قولُهم أُخْت وهَنْتٌ وكِلْتَا وكثرةُ إِبْدَال التَّاء من الْوَاو فِي غير هَذَا الْموضع فَأَما أسنتوا فالتاء مبدلة من يَاء منقلبة عَن وَاو فَلَيْسَ إِبْدَال التَّاء من الْيَاء بِكَثِير فيسوغ أَن يحمل عَلَيْهِ هَذَا الحرفُ فَإِن قيل: فقد قَالُوا كَانَ من الْأَمر كَيَّةُ وكَيَّةٌ وذَيَّةُ وذَيَّةُ ثمَّ خففوا فَقَالُوا كَيْتَ وكَيْتَ فأبدلوا التَّاء من الْيَاء فَهَلا أَخَذْتَهُ فِي بِنْتٍ على هَذَا فَالْجَوَاب أَن ذَلِك لَا يجوز من أَجله فِي بنت إبدالُ التاءِ من الْيَاء لِأَن هَذِه أَسمَاء لَيست متمكنةً والأسماءُ الَّتِي ذَكرنَاهَا من أُخْت وهَنْتٍ مُتَمَكَّنَةٌ فحملُ المتمكن على المتمكن أولى من حمله على غير المتمكن لِأَنَّهُ أقرب إِلَيْهِ وأشبه بِهِ فاعلمه بَاب تحقير الْمُؤَنَّث اعْلَم أَن مَا كَانَ على ثَلَاثَة أحرف من الْمُؤَنَّث إِذا صغرته زِدْت فِيهِ هَاء إِلَّا أحرفاً شَذَّتْ وَذَلِكَ قولُك فِي قَدَم قُدَيْمَة وَفِي يَدٍ يُدَيَّةٍ وَفِي فِهرٍ فُهَيْرَة وَفِي رِجل رُجَيْلَة وَهُوَ أَكثر من أَن يُحْصَى وَإِذا صغروا من الْمُؤَنَّث مَا كَانَ على أَكثر من ثَلَاثَة أحرف مِمَّا لَيْسَ فِيهِ هَاء التَّأْنِيث لم يُدْخِلُوا الهاءَ كَقَوْلِك فِي عَنَاق عُنَيِّقٌ وَفِي عُقَابٍ عُقَيِّبٌ وَفِي عَقْرَب عُقَيْرِب وَغنما أدخلُوا الْهَاء فِي الْمُؤَنَّث إِذا كَانَ على ثَلَاثَة أحرف لِأَن أصل التَّأْنِيث أَن يكون بعلامة وَقد يُرَدُّ فِي التصغير الشيءُ إِلَى أَصله فَرَدُّوا فِيهِ الهاءَ لما صغروه وَأَصله الْهَاء ورَدُّوها بِالتَّصْغِيرِ وَلم يدخلُوا ذَلِك فِي بَنَات الْأَرْبَعَة لِأَنَّهَا أثقل فَصَارَ الْحَرْف الرَّابِع مِنْهَا كهاء التَّأْنِيث فَيصير عِدَّةُ عُنَيِّقٍ وعُقَيْرِبٍ بِغَيْر هَاء كعِدَّةِ قُدَيْمَةٍ ورُجَيْلَة بالهاءفاجتمع فِي الثلاثي الخِفَّةُ وَأَن أصل التأنيثُ بالعلامة وَإِن كَانَ فِي الرباعي الْمُؤَنَّث مَا يُوجب التصغيرُ حذفَ حرف مِنْهُ حَتَّى يصير على لفظ الثلاثي وَجَبَ رَدُّ الْهَاء كَقَوْلِك فِي تَصْغِير سَمَاءٍ سُمَيَّة لِأَنَّهُ كَانَ الأَصْل سُمَيِيٌ بِثَلَاث ياآت فَحذف وَاحِد مِنْهَا كَمَا قَالُوا فِي تَصْغِير عَطَاءٍ عُطَيٌّ بِحَذْف يَاء فَلَمَّا صَار ثلاثيَّ الْحُرُوف زادوا الْهَاء وَكَذَلِكَ لَو صغرنا عُقاباً وعَنَاقاً وسُعَاد اسْم امْرَأَة وزَيْنَبَ على ترخيم التصغير فحذفنا الزَّائِد من سُعاد وَهُوَ الْألف وَمن زَيْنَبَ وَهُوَ الْيَاء لقلنا سُعَيْدَة وزُنَيْبَة وَإِنَّمَا حقرت امْرَأَة اسْمهَا سَقَّاءُ سُقَيْقِيٌ وَلم تدخل الْهَاء لِأَنَّهُ لم يرجع فِي التصغير إِلَى مثل عِدَّةِ مَا كَانَ على ثَلَاثَة أحرف وَقَالُوا فِي تَصْغِير حُبَارَى ثلاثةَ أَقْوَال مِنْهُم: من حذف ألف التَّأْنِيث فَقَالَ حُبَيِّر لِأَنَّهُ يبْقى حُبَار مثل عُقَاب وتصغيره حُبَيِّر مثل عُقيِّب وَمِنْهُم من حذف الْألف الثَّالِثَة فيبقي حُبَرَى مثل جَمَزَى فَتَقول حُبَيْرَى مثل حُبَيْلَى وَمِنْهُم من إِذا حذف عَلامَة التَّأْنِيث وَصغر عَوَّضَ هاءَ التَّأْنِيث من ألف التَّأْنِيث فَيَقُول حُبَيِّرة وَلَا يَقُول عُنَيِّقَة وعُقَيِّبَة لِأَنَّهُ لم يكن فِي عَنَاق وعُقاب علامةُ التَّأْنِيث فَإِن قَالَ قَائِل: لمَ كَانَت الْهَاء تثبت فِي التصغير وَلَا يُعْتَدُّ بهَا والألفُ الْمَقْصُورَة يُعْتَدُّ بهَا فيحذفونها من ذَوَات الخَمْس فقد تقدم الجوابُ عَن هَذَا فِي بَاب ألف التَّأْنِيث الْمَقْصُورَة

стр. 2095

وألفُ التَّأْنِيث المقصورةُ كحرف من حُرُوف الِاسْم أَلا ترى أَنَّهَا قد تعود فِي الْجمع المُكَسَّر كَقَوْلِك حُبْلَى وحَبَالى وسَكْرَى وسَكَارَى فَمن أجل ذَلِك لم نقل حُبَيِّرَى وكادوا لَا يصغرون مَا كَانَ على خَمْسَة أحرف من هَذَا الْبناء إِلَّا بِحَذْف وَمن قَالَ حُبَارَى حُبَيِّرَة فعَوَّضَ هَاء من الْألف قل فِي لُغَّيْزَى لُغَيْغيزةٌ لِأَن الْهَاء قد تلْحق مثلَ هَذَا الْبناء فِي التصغير أَلا ترى أَنا لَو صغرنا كِرْبَاسَةٌ وهِلْبَاجَةً لَقُلْنَا كُرَيبْبِيسَةٌ وهُلَيْبِيجِية وَاعْلَم أَن الْمُؤَنَّث قد يُوصف بِصفة الْمُذكر فَإِذا صغرت الصّفة جرت مجْرى الْمُذكر فِي التصغير وَإِن كَانَت صفة للمؤنث كَقَوْلِك هَذِه امْرَأَة رِضاً عَدْلٌ وناقة ضامِرٌ فَتَقول فِي تَصْغِير رضَا هَذِه امْرَأَة رَضِيٌ وعُدَيْلٌ وَهَذِه نَاقَة ضُوَيْمِرٌ وَإِن صغرتها تَصْغِير التَّرْخِيم فَقلت هَذِه نَاقَة ضُمَيْرٌ وَلم تقل ضُمَيْرَة وَقد حكى الْخَلِيل مَا يُصَدِّق ذَلِك من قَول الْعَرَب قَالُوا فِي الخَلَقِ خُلَيْقٌ وَإِن عَنَوا المؤنثَ يَقُولُونَ مِلْحَقةٌ خَلَقٌ كَمَا يَقُولُونَ رِدَاءٌ خَلَق فخَلق مُذَكّر يُوصف بِهِ الْمُذكر والمؤنث وَقد شذت أسماءٌ ثلاثيةٌ فصغروها بغر هَاء مِنْهَا ثلاثةُ أسماءٍ ذكرهَا سبيويه وَهِي: النَّابُ المُسِنَّةُ من الْإِبِل يُقَال فِي تصغيرها نُيَيْبٌ وَحكى أَبُو حَاتِم نُوَيْبٌ، وَفِي الحَرْبِ حُرَيْبٌ، وَفِي فَرَسٍ وَهُوَ يَقع على الْمُذكر والمؤنث فُرَيْسٌ فَأَما النابُ من الْإِبِل فَإِنَّمَا قَالُوا نُيَيْبٌ لِأَن النابَ من الْإِنْسَان مُذَكّر والمُسِنَّةٌ من الْإِبِل إِنَّمَا يُقَال لَهَا نابٌ لطول نابها فكأنهم جعلوها النابَ من الْإِنْسَان أَي هُوَ أَعْظَمُ مَا فِيهَا كَمَا يُقَال للْمَرْأَة إِنَّمَا أنتِ بَطِينٌ إِذا كَبِرَ بَطْنُهَا وَتقول أَنْتَ عَنْزُ القَوْمِ والعَنْزُ مؤنثٌ فقد يُخْبَر عَن الْمُؤَنَّث بالمذكر وَعَن الْمُذكر بالمؤنث وَأما الحَرْبُ فَهُوَ مصدر جعل نعتاً مثل العَدْلِ والرِّضا وكأَنَّ الأَصْل هَذِه مقاتلةُ حَرْبٍ أَي حاربةٌ تَحْرُبُ المالَ والنَّفْسَ كَمَا تَقول عَدْلٌ على معنى عادلة ثمَّ أُجْرِيَتْ مُجْرَى الِاسْم وأسقطوا المنعوتَ كَمَا قَالُوا الأَبْطَحُ والأَبْرَقُ والأَجْدَلُ وَأما الفَرَسُ فَهُوَ فِي الأَصْل اسْم مُذَكّر يَقع للمذكر فِي الْخَيل كَمَا وَقع إِنْسَان وبَشَرٌ للرجل وَالْمَرْأَة فصغر على التَّذْكِير الَّذِي هُوَ لَهُ فِي الأَصْل وَأما قَوْلهم امْرَأَة فُوَيْتٌ للمنفردة برأيها فعلى الْمصدر كعُدَيلٍ ورُضَيٍّ وَقد قَالُوا فِي الْمُذكر فَأَما خَمْسٌ وسِتٌ وسَبْعٌ وتِسْعٌ وعَشْرٌ فِي عدد الْمُؤَنَّث فتصغيره بِغَيْر هَاء لِئَلَّا يلتبس بِعَدَد الْمُذكر إِذا صغرته وَمَا كَانَ من صِفَات الْمُؤَنَّث بِغَيْر هَاء فَهُوَ يجْرِي هَذَا المجرى كَقَوْلِنَا امْرَأَة حَائِض وطامِثٌ وعازِبٌ وحَرَضٌ ووَجِلٌ لَو صغرت شَيْئا من ذَلِك تَصْغِير التَّرْخِيم لَقلت حُرَيْضٌ وطُمَيْثٌ وَنَحْو ذَلِك وَقد ذكر أَبُو عمر الجَرْمِيُّ من الْأَسْمَاء الثلاثية دِرْعُ الحديدِ والعُرْس والقَوْسِ أَنَّهَا تصغر بِغَيْر هَاء وَهِي أَسمَاء مؤنثات قَالَ الشَّاعِر: (إِنَّا وَجَدْنَا عُرُسَ الحَنَّاطِ ... لَئِيمَةً مَذْمُومَةَ الحُوَّاطِ) والمذهبُ فِيهِنَّ كمذهب مَا ذَكرْنَاهُ من المصادر وَذكر غَيره الذَّوْدَ والعَرَبَ وهما مِمَّا يصغر بِغَيْر الْهَاء وَكَذَلِكَ الضُّحَى لِئَلَّا يُشْبِهَ ضَحْوَةً فَإِن قَالَ قَائِل: إِذا سميت امْرَأَة بحَجَر أَو جَبَل أَو جَمَل أَو مَا أشبه ذَلِك من الْمُذكر ثمَّ صغرته أدخلتَ الْهَاء فقلتَ حُجَيْرَة وجُبَيْلَة فَهَلَاّ فعلتَ ذَلِك بالنُّعُوتِ قيل لَهُ: الأسماءُ لَا يُرَاد بهَا حقائقُ الْأَشْيَاء أَو التشبيهُ بحقائق الْأَشْيَاء أَلا تَرى أَنا إِذا سمينا شَيْئا بحَجَر أَو رجلا سميناه بحَجَرَ فَلَيْسَ الْغَرَض أَن نجعله حجرا وَإِنَّمَا أردنَا إبانته كَمَا سمينا بإبراهيم وَإِسْمَاعِيل ونوح وَمَا أشبه ذَلِك وَإِذا وَصفنَا بِهِ وأخْبَرْنَا بِهِ غيرَه فَإِنَّمَا نُرِيد الشيءَ بِعَيْنِه والتشبيهَ فَصَارَ كأنَّهُ المذكرَ لم يَزُلْ أَلا ترى أَنا إِذا قُلْنَا امرأةٌ عَدْلٌ فَفِيهَا عدالةٌ وَإِذا قُلْنَا للْمَرْأَة مَا أَنْت إِلَّا رجل فَإِنَّمَا نُرِيد مثل رجل وَكَذَلِكَ تَقول أنتِ حَجر إِذا لم يكن اسْما لَهَا تريدُ مثلَ حَجَر فِي الصلابة والشدة فَإِن سميت رجلا باسم مؤنث على ثَلَاثَة أحرف وَلَيْسَ فِي آخِره هَا التَّأْنِيث ثمَّ صغرته لم تُلْحِق الهاءَ كَرجل سميته باُذُنٍ أَو عَيْنٍ أَو رِجْلٍ ثمَّ صغرته تَقول أُذَيْنٌ وعُيَيْن ورُجَيْل هَذَا قَول سِيبَوَيْهٍ وَعَامة الْبَصرِيين، وَيُونُس يُدْخِلُ الهاءَ ويحتج بأُذَيْنَة اسْم رجل وَهَذَا عِنْد النَّحْوِيين إِنَّمَا سمي بالصمغر وَكَذَلِكَ عُيَيْنَةُ

стр. 2096

كَأَنَّهُمْ سَمَّوْهُ باسمٍ مُصَغَّرٍ وَلم يُسَمُّوه باسم مكبر ثمَّ يصغر وَلم سميت امْرَأَة باسم ثلاثي مِمَّا ذكرنَا أَنه لَا تدخل فِي تصغيره الهاءُ كحَرْب وناب ثمَّ صغرته لأَدْخَلْتَ فِيهِ الْهَاء فقلتَ حُرَيْبَة ونُيَيْبَة لِأَنَّهُ قد صَار اسْما لَهَا كَحَجر إِذا صغرته قلت حُجَيْرة وَقد جَاءَ من الْمُؤَنَّث مَا هُوَ على أَكثر من ثَلَاثَة أحرف وَقد ألحقت الْهَاء بِهِ فِي التصغير كَقَوْلِك زيد قُدَيْدِيمَةُ عَمْرو ووُرِيِّئَةُ عَمْرو وَهُوَ تَصْغِير قُدَّامَ ووَرَاءَ لَا يُخْبَر عَنْهُمَا بِفعل يَتَبَيَّنُ تأنيثُهما فِيهِ لِأَنَّهُمَا ظَرْفان كخلف وَإِنَّمَا يتَبَيَّن تأنيثُ المؤنثِ الَّذِي لَا علامةَ فِيهِ بِمَا يُخْبر عَنهُ من الْفِعْل كَقَوْلِك لَسَبَتْهُ العقربُ وَهَذِه العقربُ والعقربُ رَأَيْتهَا وَمَا أشبه ذَلِك من الضمائر الَّتِي تدل على الْمُؤَنَّث فَلَمَّا لم يُخْبَر عَن قُدَّام ووراء بِمَا يَدُل ضميرها عَلَيْهِ من التَّأْنِيث جعلُوا عَلامَة التَّأْنِيث فِي التصغير قَالَ الْكسَائي: اعْلَم أَن الْعَرَب تُصغر مَا كَانَ من أَسمَاء النِّسَاء على ثَلَاثَة أحرف بِالْهَاءِ وَبِغير الْهَاء فَمن صغر بِالْهَاءِ لم يُجْرِ وَمن صغر بِغَيْر الْهَاء لم يُجْرِ وأجْرَى وَقَالَ أرى أَن من صغر بِغَيْر الْهَاء أَرَادَ الفعلَ فَيجوز أَن يُجْري وَلَا يُجْري وَهَذَا الْقيَاس فِي كل مؤنث أَن تدخله الْهَاء لِأَنَّهُ اسْم مؤنث وَأَصله الْفِعْل سمي بِهِ وَمن لم يدْخل الْهَاء بناه على الْفِعْل فَكَأَنَّهُ يُريدهُ فيجريه وَقد يُرِيد الْفِعْل وَلَا يجْرِي للتعلق على الْمُؤَنَّث قَالَ: وَأما الْأَسْمَاء الَّتِي لَيست للأناسي فَأكْثر مَا جَاءَت بِالْهَاءِ لِأَنَّهَا لمؤنثات وَقعت قَالَ الْفراء: إِنَّمَا أدخلُوا التَّاء فِي يَدَيْهِ وقديديمة لِأَنَّهُ مَبْنِيّ عِنْدهم على التَّأْنِيث لم تكن الْيَد وَالرجل والفخذ اسْما لشَيْء غير الْفَخْذ فَكَأَنَّهَا فِي التَّسْمِيَة وَقعت هِيَ والأسماءُ مَعًا فَلَمَّا صغروا قَالُوا: قد كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون رِجْلة وفَخِذَة وَلَكنهُمْ أسقطوا مِنْهُ الْهَاء فَلَمَّا صغروا أظهرُوا الْهَاء كَمَا قَالُوا فِي دَمٍ دُمَيّ وَقَالَ الْفراء: فَإِن قَالَ قَائِل إِن دَماً رُد إِلَيْهِ لامُ الْفِعْل وَالْهَاء لَا تكون من الْفِعْل قلت لَو كَانَ هَذَا على مَا تَقول مَا صغروا خيرا مِنْك وشراً مِنْك بِإِخْرَاج الْألف قَالَ وَمثله تَصْغِير الْعَرَب الجَذْل أُجَيْذِل رَدُّوا إِلَيْهِ ألفا زَائِدَة وَقَالُوا فِي العَطِشِ العُطَيْشان فَرَدُّوا إِلَيْهِ ألفا ونوناً وهما زائدتان وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي يُقَال فِي تَصْغِير العَقْرَب عُقَيْرِب فَأَما مَيزتَ الذّكر من الْأُنْثَى فَقلت رأيتُ عقرباً على قلتَ فِي التصغير رَأَيْت عُقَيْرباً على عُقَيْربَة وَقَالَ إِذا سميت امْرَأَة باسم مُذَكّر كَقَوْلِك هَذِه لَهْوٌ وبَرْقٌ وَكَذَلِكَ طَلَل وطَرَبٌ وَمَا أشبههن فلك فِي تصغيره وَجْهَان إِن نويتَ أَنَّك سميتها بجُزء من اللَّهْوِ صغرتها بِالْهَاءِ فَقلت هَذِه لُهَيَّةٌ قد جاءْت وَهَذِه بُرَيْقَةٌ وَإِنَّمَا أدخلت الْهَاء فِي اللَّهْو وَقد عَرفته مذكراً ثمَّ سميت بِهِ مؤنثاً لِأَنَّهُ إِذا كَانَ بَعْضًا من اللَّهْو فِي النِّيَّة فَكَأَنَّهُ قد كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَن يكون بِالْهَاءِ أَلا ترى أَنا قُلْنَا الضَّرْب والنَّظَر إِنَّمَا يُقَال فِي الْوَاحِدَة نَظْرَة وضَرْبة وَإِن شِئْت قلت هَذِه لُهَيٌ قد جَاءَت بِغَيْر الْهَاء لِأَنَّهُ مُذَكّر فِي الأَصْل فصغرته على أَصله وَلَو نَوَيْت أَن تسميها باللهو الَّذِي يَقع على الْكثير لم يكن تصغيره إِلَّا بطرح الْهَاء أَلا ترى أَنه مُذَكّر وانك لم تنو فِيهِ تقليلاً تنوي فِيهِ فَعْلة فَكَانَ بِمَنْزِلَة امْرَأَة سميتها بزيد فَقلت هَذِه زُبَيْدُ قد جَاءَت لَا غير فَإِن قَالَ لَك إِذا سميت امْرَأَة باسم مُذَكّر من أَسمَاء الرِّجَال على ثَلَاثَة أحرف فَقلت: هَذِه حَسَنٌ وَهَذِه زيد وَهَذِه فَتْحٌ وَهَذِه عَمْرو، كَيفَ تصغره فَقل: اخْتلف فِي هَذَا أهل الْعَرَبيَّة فَقَالَ الْفراء تصغره بِغَيْر الْهَاء فَتَقول هَذِه زُبَيْدُ وَهَذِه عُمَيْر وَهَذِه حُسَيْنُ وَاحْتج بنك نويتَ بزيد أَن يكون فِي معنى فُلان نقلته إِلَى امْرَأَة وَأَنت تنوي اسْما من أَسمَاء الرِّجَال وَلم تَتَوَهَّمِ الْمصدر فَذَلِك الَّذِي منع من إِدْخَال الْهَاء قَالَ الْفراء: فَإِن قلت أَتُجيز أَن تَقول زُيَيْدَة على وَجه قلت نعم إِذا سميتها بِالْمَصْدَرِ كَقَوْلِك زِدْتُه زَيْداً فهاهنا يَسْتَقِيم دُخُول الْهَاء وخروجها فِي تصغيره لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَة لَهْو فِي الْقلَّة وَالنِّيَّة وَجَاء فِي الحَدِيث فِي وصف رجل: (ذِي الثُّدَيَّة) وَإِنَّمَا حُقِّر الثَّدْيُ بِالْهَاءِ وَهُوَ مُذَكّر لِأَنَّهُ أَرَادَ لَحْمَة من الثَّدْي أَو قِطْعَة وَبَعْضهمْ يروي الحَدِيث ذِي اليُدَيَّةِ على تَصْغِير الْيَد قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: وَإِذا صغرت بَعْلَبَكَّ وَأَنت تجعلها اسْما وَاحِدًا قلت بُعَيْلِبُ وَقَالَ الْفراء رُبمَا حذفوا فَقَالُوا هَذِه بُعَيْلَة وَقَالَ بَعضهم يَقُول فِي التصغير بُكَيْكَة فيحذف بَعْلاً وَمن قَالَ هَذِه بَعْلُ بَكَّ فَلم يُجْر بَكَّ قَالَ فِي التصغير بَعْلُ بُكَيْكَة وَمن قَالَ هَذِه بَعْلُ بَكِّ فَأجرى

стр. 2097

بكا قَالَ فِي التصغير هَذِه بُعَيْلَةُ بَكٍّ وَإِن شَاءَ قَالَ بَعْلُ بُكَيْكٍ فَيجْعَل بكاً مذكراً وَمن قَالَ هَذِه حَضْرَمَوْتَ قَالَ فِي التصغير هَذِه خُضَيْرِمُ وحَضيرة ومُوَيْتَة وَمن قَالَ هَذِه حَضْرُمَوْتَ قَالَ فِي التصغير هَذِه حُضَيْرُمَوْتَ قَالَ الْفراء: أحب إليَّ من ذَلِك أَن تَقول حَضْرُمُوَيْتَةَ لِأَن الْعَرَب إِذا أضافت مؤنثاً إِلَى مُذَكّر لَيْسَ بالمعلوم جعلُوا الآخِرَ كَأَنَّهُ هُوَ الِاسْم أَلا ترى أَن الشَّاعِر قَالَ: (وَإِلَى ابْنِ أُمٍّ أُنَاسَ تَعْمِدُ نَاقَتِي ... عَمْروٍ لَتَنْجَحَ حَاجَتِي أَو تَتْلَفُ) فَلم يُجْرِ أناسَ والاسمُ هُوَ الأول وَمن قَالَ هَذِه حَضْرُمَوَّتٍ قَالَ فِي التصغير هَذِه حُضَيْرَةُ مَوْتٍ وَهَذِه حَضْرَمُوَيْتَة وَإِذا صغرت حَوْلَايَا وَجَرْجَرَايَا كَانَت لَك ثلاثةُ أوجه أَحدهَا: أَن تجْعَل حَوْلَايَا بِمَنْزِلَة حَضْرَمَوْت وبَعْلَ بَكَّ فتصغر الأوَّل وَلَا تصغر الثَّانِي فَتَقول حُوَيْلايا وجُرَيْجَرايا قَالَ الْفراء: فَلَا يصغر آخِره لِأَنَّهُ مَجْهُول كنَهْرَبَيْنَ ونَهْرَبِيْنَ إِذا صغرته قلت نُهَيْرِبَيْنِ فصغرت النَّهر لِأَنَّهُ مَعْرُوف وَلم تصغر آخِره لِأَنَّهُ مَجْهُول فَكَذَلِك فعلت بحَوْلَايا وجَرْجَرَايَا الوجهُ الثَّانِي: أَن تجْعَل الزِّيَادَات الَّتِي فِي حَوْلَايَا وجَرْجَرَايَا كالهاء وَالْألف وَالنُّون فِي غضبانة فَتَقول فِي تصغيرهما: حُوَيْلَايَا وجُرَيْجِرَايَا كَمَا تَقول فِي تَصْغِير غَضْبَانَة غُضَيبَانَة وَالْوَجْه الثالثُ: أَن تَقول فِي تصغيرهما: حُوَيْلِيَّا وجُرَيْجِيَّا فتحط الألْفَ إِلَى الْيَاء وتترك الْآخِرَة يَاء لِأَنَّهَا كياء حُبْلى وسَكْرَى وغَضْبَى وَإِذا صغرت السَّفَرْجلَة كَانَت لَك أوجه أَحدهَا: أَن تَقول سيفرجة فتحذف اللَّام فِي التصغير وَإِن شِئْت قلتَ سُفَيْرِلَة فتحذف الجيمَ وَإِن شِئْت قلت سُفَيْرجِلَة فَكسرت الرَّاء وَالْجِيم لمجيئهما بعد يَاء التصغير فَلم تحذف شَيْئا وَإِن شِئْت قلت سفيرجْلة فسكنَت الْجِيم استثقالاً لهَؤُلَاء الحركات وَقَالَ الْفراء تسكين الْجِيم أشبه بمذاهب الْعَرَب من تحريكها لأَنهم يَقُولُونَ: أنُلْزِمْكُمُوهَا: فيسكنون الْمِيم طلبا للتَّخْفِيف لما توالت الحركات وَإِذا صغرت الكُمَّثْراة كَانَ لَهُ أوجه أَحدهَا: أَن تَقول كُمَيْثِرة فتحذف فِي تصغيرها إِحْدَى الميمين وَالْألف وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن تَقول فِي تصغيرها كُمَّيْثِرْيَة فتبنيه على قَوْلهم فِي الْجمع كُمَّثْرِيَات فَلَا تحذف شَيْئا وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن تَقول فِي تصغيرها كُمَّيَّثِراة كَمَا قَالَت الْعَرَب نَاقَة حَلْبَاة رَكْبَاةٌ ثمَّ صغروها فَقَالُوا حُلَيْبَاةٌ ورُكَيْبَاةٌ وحُلَيبْبَةٌ ورُكَيْبَةٌ وَإِذا صغرت المِرْعِزَّى والباقِلَّى قلت مُرَيْعِزَّة وبُوَيْقِلَّة على قَول من قَالَ فِي تَصْغِير الكُمَّثراة كُمَّيْثِرة وَمن قَالَ فِي التصغير الكمثرات كُمَيثرةَ قَالَ فِي تَصْغِير الباقلي والمِرْعِزَّى بُوَيْقلَة ومُرَيْعِزَة وَقَالَ الْفراء الْعَرَب تكره التَّشْدِيد فِي الْحَرْف يطول فيتركون تشديده وَهُوَ لَازم فَمن صغَر الباقِلَّي بُوَيْقِلة قَالَ فِي الْجمع بواقِلَ وَمن قَالَ فِي الْجمع بَوَاقِيل قَالَ فِي التصغير بُوَيْقِيلَة وَإِن شِئْت قلت فِي تَصْغِير الباقِلَّى والمِرْعِزَّى بُوَيْقِلْيَة فتخفف اللَّام وَأَصلهَا التَّشْدِيد استثقالاً للتشديد مَعَ طول الْحَرْف وَمن زَاد الْألف وَالْهَاء فَقَالَ باقِلَاّة قَالَ فِي التصغير بُوَيْقِلَاّةٌ ويشدد اللَّام لِأَن التصغير لم يحط الْألف إِلَى الْيَاء وَمن مَدَّ الباقِلَاءِ قَالَ فِي التصغير البُوَيْقلَاء وَإِذا صغرت آجُرَّة وقَوْصَرَّة ودَوْخَلَّة صغرتها بترك التَّشْدِيد لِأَن الْعَرَب تجمعاه دَوَاخِلَ وأواجِرَ وقَوَاصِرَ فَتَقول أُوَيْجِرضة وأُوَيْجِيرَة وقُوَيْصِرة وقُوَيْصِيرة ودُوَيْخِلة ودُوَيخِيلة ١ - بَاب الْعدَد قَالَ صَاحب الْعين: العدُّ - إحْصاء الشَّيْء عَدَدْتُه أَعُدُّه عَدًّا وتَعْدَاداً وعَدَّدْتُه والعَدَدُ - مِقْدَار مَا يُعَدُّ وَالْجمع أَعْدَاد وَكَذَلِكَ العِدَّة وَقيل العدَّة مصدر كالعَدِّ والعِدَّة - الْجَمَاعَة قَلَّت أَو كَثُرت والعَدِيدُ - الكَثْرَةُ وَهَذِه الدَّرَاهِم عَدِيدُ هَذِه - إِذا كَانَت فِي العِدَّة مثلَها وهم عديد الحَصَى والثَّرَى أَي بعَدَدِ هَذَيْنِ الكثيرين وهم يَتَعَادُّون ويَتَعَدُّونَ على كَذَا أَي يَزِيدُونَ عَلَيْهِ أَبُو عبيد: عَدَدْتُكَ وعَدَّدْتُ لَكَ غَيره: عادَّهُم الشيءُ - إِذا تَسَاهَمُوه بَينهم وهم يَتَعَادُّونَ - إِذا

стр. 2098

اشْتَركُوا فِيمَا يُعَادُّ بعضُهم بَعْضًا من مَكَارِم أَو غير ذَلِك من الْأَشْيَاء كلهَا وَقَالَ أَبُو عبيد فِي قَول لبيد: (تَطِيرُ عَدَائِدُ الأَشْرَاكِ شَفْعاً ... ) العدائدُ من يُعادُّه فِي الْمِيرَاث غَيره: عِدادُك فِي بني فُلانٍ أَي تُعَدُّ مَعَهم فِي ديوانهم وَمَا ألْقاهُ إِلا عِدَّة الثُّريا القمرَ والإِعدادَ الثُّريا القمرَ وعِدادَ الثُّرَيَّا من القَمَرِ - أَي إِلَّا مَرَّةٌ فِي السّنة وَقيل هِيَ لَيْلَة من الشَّهْر تلتقي فِيهَا الثريا والقَمَر وَبِه مَرَضٌ عِدَادٌ مِنْهُ وَقد قدَّمْتُه وَقَالَ صَاحب الْعين: الحِسابُ عَدُّكَ الأشياءَ حَسَبْتُ الشيءَ أَحْسَبُهُ حِساباً وحِسَابَةً وحِسْبَةٌ وحُسْباناً وحُسْبَانُكَ على الله - أَي حِسَابُك وَقَوله : ﴿يَرْزُقُ من يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمرَان: ٣٧] اخْتلف فِي تَفْسِيره فَقَالَ بَعضهم بِغَيْر تَقْدِير على أحد بِالنُّقْصَانِ وَقَالَ بَعضهم بِغَيْر محاسبة مَا يخَاف أحدا أَن يحاسبه عَلَيْهِ وَرجل حاسِبٌ من قوم حُسَّب وحُسَّاب غَيره: الْوَاحِد - أوَّلُ الْعدَد وَكَذَلِكَ الوَحَدُ والأَحَدُ قَالَ أَبُو عَليّ: اعْلَم أَن قَوْلهم واحِدٌ اسْم جرى فِي كَلَامهم على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا: أَن يكون اسْما وَالْآخر أَن يكون وَصفا فالاسم الَّذِي لَيْسَ بِصفة قَوْلهم واحدٌ المستعملُ فِي الْعدَد نَحْو وَاحِد اثْنَان ثَلَاثَة فَهَذَا اسْم لَيْسَ بِوَصْف كَمَا أَن سَائِر الْعدَد كَذَلِك فَلَا يجْرِي شَيْء مِنْهَا على مَوْصُوف على حَدٍّ جَرْيَ الصّفة عَلَيْهِ وَأما كَونه صفة نَحْو قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّما يُوحَى إِلَيَّ أنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ﴾ [الْكَهْف: ١١٠] وَلما جَرَى على الْمُؤَنَّث لحقته علامةُ التَّأْنِيث فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِلَاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لُقْمَان: ٢٨] كقائم وقائمة وَمن ذَلِك قَوْله: (فقد رَجَعُوا كَحَيٍّ واحِدِينَا ... ) فَأَما تكسيرهم لَهُ على فُعْلان فِي قَوْله: (أما النهارُ فأُحْدانُ الرِّجَالِ لَهُ ... صَيْدٌ ومُجْتَرِيءٌ باللَّيْلِ هَمَّاسُ) فَلِأَنَّهُ وَإِن كَانَ صفة قد يسْتَعْمل استعمالَ الْأَسْمَاء فكسَّروه على فُعْلَان كَمَا قَالُوا الأَباطِحُ بِمَنْزِلَة الأرامل وَقد استعملوا أحدا بِمَعْنى وَاحِد الَّذِي هُوَ اسْم وَذَلِكَ قولُهم أَحَدٌ وَعِشْرُونَ فِي التَّنْزِيل: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَد﴾ [الْإِخْلَاص: ١] وَقد أنثوه على غير بنائِهِ فَقَالُوا إحْدَى وَعِشْرُونَ وإحْدَى عشرَة فاستعملوه مضموماً إِلَى غَيره قَالَ أَبُو عَمْرو: وَلَا يَقُولُونَ رَأَيْته إحْدى وَلَا جاءَ فِي إحْدَى حَتَّى يضم إِلَى غَيره وَقَالَ أَحْمد بن يحيى: واحِدٌ وأَحَدٌ ووَحَدٌ بِمَعْنى وَالْحَادِي فِي الْحَادِي عَشَر كَأَنَّهُ مقلوب الْفَاء إِلَى مَوضِع اللَّام وَإِذا أُجْرِيَ هَذَا الاسمُ على الْقَدِيم سُبْحَانَهُ جَازَ أَن يكون الَّذِي هُوَ اسْم كَقَوْلِنَا شَيْء وَيُقَوِّي الأول قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ واحِدٌ﴾ [الْبَقَرَة: ١٦٣] وَقَوله: (يَحْمِي الصَّرِيمَةُ أُحْدانُ الرِّجالِ لَهُ ... صَيْدٌ ومُسْتَمِعٌ باللَّيْلِ هَمَّاسُ) قَالَ ابْن جني: همزَة أُحْدانٍ بَدَلٌ من وَاو لِأَنَّهُ جمع وَاحِد الَّذِي بِمَنْزِلَة من لَا نَظِير لَهُ وَلَيْسَ أُحْدانٌ جمع وَاحِد الَّذِي يُراد بِهِ العددُ لِأَن ذَلِك لَا يثنى وَلَا يُجْمَع أَلا ترى أَنهم قد اسْتَغْنَوْا عَن تثنيته بِاثْنَيْنِ وَعَن جماعته بِثَلَاثَة وَقد قَالَ الشَّاعِر: (وَقد رَجَعُوا كَحَيٍّ واحِدِينَا ... ) أَي مُنْفَرِدِين وفاءُ أُحدانٍ واوٌ فاما قَوْلنَا مَا فِي الدَّار أحد فهمزتُه عندنَا أصلٌ وَلَيْسَت بِبَدَل أَلا ترى أَن

стр. 2099

مَعْنَاهُ العمومُ والكثرةُ وَلَيْسَ فِي معنى الِانْفِرَاد بِشَيْء بل هُوَ بضده صَاحب الْعين: الوَحْدَة - الانفرادُ وَرجل وَحِيد ابْن السّكيت: وَحِدَ فَرِدَ وَوَحُدَ فَرُدَ أَبُو زيد: وَقد أَوْحَدْتُهُ سِيبَوَيْهٍ: جاؤوا أُحادُ أُحَادَ ومَوْحَدَ مَوْحَدَ معدولٌ عَن قَوْلهم وَاحِدًا وَاحِدًا وَسَيَأْتِي ذكر هَذَا الضَّرْب من المعدول فِي هَذَا الْفَصْل الَّذِي نَحن بسبيله وَقَالَ: مررتُ بِهِ وَحْدَهُ مصدر لَا يثنى وَلَا يجمع وَلَا يُغير عَن الْمصدر إِلَّا أَنهم قد قَالُوا نَسِيجُ وَحْدِه وجُحَيْشُ وَحْدِهِ وَزَاد صَاحب الْعين قَرِيعُ وَحْدِهِ للمصيب الرَّأْي أَبُو زيد: حِدَةُ الشَّيْء - تَوَحُّدُه يُقَال هَذَا الأَمْرُ على حِدَتِهِ وعَلى وَحْدِهِ وَقُلْنَا هَذَا الأَمْرُ وَحْدِينا وقَالَتَاهُ وَحْدَيْهِما صَاحب الْعين: الوحدانيةُ لله والتوحيدُ الإقرارُ بهَا والمِيحادُ جُزْءُ كالمِعْشَارِ ابْن السّكيت: لَا واحدَ لَهُ - أَي لَا نَظِير وَقد تقدَّم عَامَّة كل ذَلِك غَيره: وَحُدَ الشَّيْء صَار على حِدَتِهِ والرجلُ الوحيدُ - لَا أحَدَ لَهُ يُؤْنِسُه وَحُدَ وَحَادَةً وَوَحْدَةً وَوَحِدَ وَتَوَحَّدَ قَالَ أَبُو عَليّ: وَقَوْلهمْ اثنانِ محذوفُ مَوْضِعَ اللامِ كَمَا أَن قَوْلهم ابْنانِ كَذَلِك وللمؤنث اثْنَتَانِ كَمَا تَقول ابْنَتَانِ وَإِن شئتَ بِنْتَانِ وَقَالُوا فِي جمع الاثْنَيْنِ أثْنَاء غير وَاحِد: ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة وَسِتَّة وَسَبْعَة فَأَما الأُسْبُوعُ والسُّبُوعُ فسبعة أَيَّام لَا تقع على غير هَذَا النَّوْع وَثَمَانِية وَتِسْعَة عشرَة وَسِتِّينَ تصاريف هَذِه الْأَسْمَاء بِالْفِعْلِ وَأَسْمَاء الفاعلين وَمَا بعد الِاثْنَيْنِ من أَسمَاء الْعدَد من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة تلْحقهُ هاءُ التَّأْنِيث إِذا كَانَ للمذكر لِأَن أصل الْعدَد وأوّله بِالْهَاءِ والمذكرُ أوَّلُ فَحَمَلُوهُ على مَا يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ فِي كَلَامهم من المشاكلة وتنزع مِنْهَا الْهَاء إِذا كَانَ للمؤنث فيُجْرَى الاسمُ مُجْرَى عَنَاقٍ وعُقَابٍ وَنَحْوهمَا من الْمُؤَنَّث الَّذِي لَا عَلامَة فِيهِ للتأنيث فَتَقول ثلاثةُ رجالٍ وخَمْسَةُ حَمِيرٍ وَخَمْسُ نساءٍ وسبْعُ أُتُنٍ وثَمَانِي أَعْقُبٍ تثبت الْيَاء فِي ثَمَانِي فِي اللَّفْظ وَالْكتاب لِأَن التَّنْوِين لَا يلْحق مَعَ الْإِضَافَة وَتسقط الْيَاء لاجتماعها مَعَه كَمَا تسْقط من هَذَا قَاض فَاعْلَم فَهَذَا عقد أبي عَليّ فِي كِتَابه الموسوم بالإيضاح قَالَ أَبُو سعيد: اعْلَم أَن أدنى الْعدَد الَّذِي يُضَاف إِلَى أدنى الجموع مَا كَانَ من ثَلَاثَة إِلَى عشرَة نَحْو ثَلَاثَة وَأَرْبَعَة وَخَمْسَة وَعشرَة وَأدنى الْجمع على أَرْبَعَة أَمْثِلَة وَهِي: أَفْعُلٌ وأَفْعَالٌ وأَفْعِلةٌ وفِعْلَةٌ فافَعُلٌ نَحْو ثلاثةُ أَكْلُبٍ وأربعةُ أَفْلُس وأفعالٌ نَحْو: خمسةُ أجمالس وسبعةُ أَجْذَاع وأَفْعِلَة نَحْو ثلاثةُ أَحْمِرَة وتسعةُ أَغْرِبضة وفِعْلَة نَحْو: عَشْرَةُ غِلْمَةٍ وَخَمْسُ نِسْوَةٍ فأَدْنَى العَدد يُضَاف إِلَى أدنى الجموع وَإِنَّمَا أضيف إِلَيْهِ من قِبَلِ أَن أدنى الْعدَد بعضُ الْجمع لِأَن الْجمع أَكثر مِنْهُ وأضيفَ غليه كَمَا يُضَاف الْبَعْض إِلَى الْكل كَقَوْلِك خاتَمُ حَديدٍ وثوبُ خَزِّلأنِ الحَدِيدَ والخَزَّ جِنسانِ والثوبُ والخاتمُ بعضُهما فَإِن قَالَ قَائِل فَكيف صارتْ إضافةُ أدنَى العددِ إِلَى أَدْنَى الْجمع أولى من إِضَافَته إِلَى الْجمع الْكثير قيل لَهُ من قِبَلِ أَن العَدَدَ عددَانِ عدد قَلِيل وَعدد كثير فالقليل مَا ذَكرْنَاهُ من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة إِلَى الْجمع وَالْكثير مَا جَاوز ذَلِك وَالْجمع جَمْعَان جمع قَلِيل وَهُوَ مَا ذَكرْنَاهُ من الأبْنِيَة الَّتِي قدمنَا وَجمع كثير وَهُوَ سَائِر أبنية الْجمع فَاخْتَارُوا إضافةَ أدنَى الْعدَد إِلَى أدنى الْجمع للمشاكلة والمطابقة وَقد يُضَاف إِلَى الْجمع الْكثير كَقَوْلِهِم ثلاثةُ كِلَابٍ وثلاثةُ قُرُوءٍ لِأَن القليلَ وَالْكثير قد يُضَاف إِلَى جنسه فعلى هَذَا إضافتُهم العددَ القليلَ إِلَى الْجمع الْكثير وَلذَلِك قَالَ الْخَلِيل: إِنَّهُم قَالُوا ثلاثةُ كِلَابٍ فكأنهم قَالُوا ثَلَاثَة من الْكلاب فحذفوا وأضافوا اسْتِخْفَافًا ويَنْزَعُونَ الهاءَ من الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة فِي الْمُؤَنَّث ويُثْبِتُونَها فِي الْمُذكر كَقَوْلِهِم ثَلَاث نسْوَة وَعشر نسْوَة وَثَلَاثَة رجال وَعشرَة رجال فَإِن قَالَ قَائِل: فلمَ أثبتوا الْهَاء فِي الْمُذكر ونزعوها من الْمُؤَنَّث فَفِي ذَلِك جوابان أَحدهمَا: أَن الثَّلَاث من الْمُؤَنَّث إِلَى الْعشْر مؤنثان الصِّيغَة فالثلاث مثل عَنَاق والأَرْبَعُ مثل عَقْرَب وَكَذَلِكَ إِلَى الْعشْر قد صيغت ألفاظُها للتأنيث مثل عَنَاقِ وأَتَانٍ وعَقْرَبٍ وقِدْر وفِهْر وَيَدٍ ورِجْلٍ وأشباهٍ لذَلِك كَثِيرَة فصيغت هَذِه الألفاظُ للتأنيث فَصَارَت بِمَنْزِلَة مَا فِيهِ عَلامَة التَّأْنِيث وَغير جَائِز أَن تدخل هاءُ التَّأْنِيث على مؤنث تأنيثُها بعلامة أَو غَيرهَا وَهَذَا القَوْل يُوجب أَنه مَتى سمي رجل بِثَلَاث لم يضف إِلَى الْمعرفَة لِأَنَّهُ قد صَار محلُّها مَحل عَنَاقٍ إِذا سمي بهَا رجلٌ فَأَما الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة فِي الْمُذكر فَإِنَّمَا أدخلت الْهَاء فِيهَا لِأَنَّهَا

стр. 2100

وَاقعَة على جمَاعَة وَالْجَمَاعَة مُؤَنّثَة وَالثَّلَاث من قَوْلنَا ثَلَاثَة مُذَكّر فأدخلت الْهَاء عَلَيْهِ لتأنيث الْجَمَاعَة وَلَو سمي رجل بِثَلَاث من قَوْلك ثَلَاثَة لانصرف فِي الْمعرفَة والنكرة لِأَنَّهُ يصير محلُّها محلَّ سَحابةٍ وسَحَابٍ وَإِذا سمي بسحابٍ رجلٌ انْصَرف فِي الْمعرفَة والنكرة وَالْقَوْل الثَّانِي أَنه فصل بَين الْمُؤَنَّث والمذكر بِالْهَاءِ ونزعها لتدل على تَأْنِيث الْوَاحِد وتذكيره فَإِن قَالَ قَائِل فَهَلا أَدْخَلُوا الْهَاء فِي الْمُؤَنَّث ونزعوها من الْمُذكر فَالْجَوَاب فِي ذَلِك: أَن الْمُذكر أخف فِي واحده من الْمُؤَنَّث فثُقِّلَ جمعُه بِالْهَاءِ وخُفِّفَ جمعُ الْمُؤَنَّث ليعتدلا فِي الثِّقَلِ واعم أَن الثَّلَاثَة إِلَى الْعشْرَة من حكمهَا أَن تُضَاف إِلَّا أَن يضْطَر شَاعِر فينوّن وينصبَ مَا بعده فَيَقُول ثَلَاثَة أثواباً وَنَحْو ذَلِك وَالْوَجْه مَا ذَكرْنَاهُ وتعرف الثَّلَاثَة بِإِدْخَال الْألف وَاللَّام على مَا بعْدهَا فَتَقول ثلاثةُ الأثواب وخمسةُ الأَشْبَارِ قَالَ الشَّاعِر وَهُوَ ذُو الرمة: (وَهل يَرْجِعُ التسليمَ أَو يَكْشِفُ العَمَى ... ثَلَاثُ الأثافِي والديارُ البَلَاقِعُ) فَإِن قَالَ قَائِل: فلمَ قَالُوا ثلاثةُ أثوابٍ وعَشْرُ نِسْوَةٍ وَلم يَقُولُوا واحدُ أثوابٍ واثْنَتَا نسوةٍ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن الْوَاحِد والاثنين يكون لَهما لفظ يدل على الْمِقْدَار وَالنَّوْع فيستغنى بذلك اللَّفْظ عَن ذكر الْمِقْدَار الَّذِي يُضَاف إِلَى النَّوْع كَقَوْلِك ثوب وَامْرَأَتَانِ فَدلَّ ثوب على الْوَاحِد من هَذَا الْجِنْس ودلت امْرَأَتَانِ على ثِنْتَيْنِ من هَذَا الْجِنْس فاستغنى بذلك عَن قَوْلك واحدُ أَثوَاب وثنتا نسْوَة وَقد جَاءَ فِي الشّعْر قَالَ الراجز: (كَأَنَّ خُصْيَيْهِ من التَّدَلْدُلِ ... ظَرْفُ عَجُوزٍ فيهِ ثِنْتَا حَنْطَلِ) أَرَادَ ثِنْتَانِ فأضاف ثنتا إِلَى نوع الحنظل وَأما ثَلَاثَة إِلَى الْعشْرَة فَلَيْسَ فِيهِ لفظ يدل على النَّوْع والمقدار جَمِيعًا فأضيف الْمِقْدَار الَّذِي هُوَ الثَّلَاثَة إِلَى النَّوْع وَهُوَ مَا بعْدهَا وَاعْلَم أَنَّك إِذا جَاوَزت العشرةَ بنيت النَّيِّفَ والعشرةَ إِلَى تِسْعَة عشر فَجَعَلتهمَا اسْما وَاحِدًا كَقَوْلِك أحد عشر وَتِسْعَة عشر وَفتحت الِاسْم الأوّل وَالَّذِي أوجب بناءهما أَن مَعْنَاهُ أحد وَعشرَة وَتِسْعَة وَعشرَة فنزعت الْوَاو وَهِي مقدّرة وَالْعدَد مُتَضَمّن لمعناها فَبُنيا لتضمنهما معنى الْوَاو وَجعلا كاسم وَاحِد فاختير الْفَتْح لَهما لِأَن الثَّانِي حِين ضم إِلَى الأول صَار بِمَنْزِلَة تَاء التَّأْنِيث يفتح مَا قبلهَا وَفتح الثَّانِي لِأَن الْفَتْح أخف الحركات وَلِأَن يكون مثل الأول لِأَنَّهُمَا اسمان جعلا اسْما وَاحِدًا فَلم يكن لأَحَدهمَا على الآخر مزيةٌ فَجَرَيا مجْرى وَاحِدًا فِي الْفَتْح وَقد قُلْنَا إِن الَّذِي أوجب فتح الأول هُوَ ضم الثَّانِي إِلَيْهِ وإجْراء الثَّانِي مُجْراه لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحدهمَا أولى بِشَيْء من الحركات من الآخر وانتصب مَا بعدهمَا من قبل أَن فيهمَا تَقْدِير التَّنْوِين وَلَا يَصح إِلَّا كَذَلِك إِذْ تَقْدِيره خَمْسَة وَعشرَة فالخمسة لَيْسَ بعْدهَا شَيْء أضيفت إِلَيْهِ فَوَجَبَ أَن تكون منونة وَالْعشرَة مَحَلُّها محلُّ الخمسةِ فَكَانَت منونةً مثلهَا وَأَيْضًا فَإِذا لم نر شَيْئَيْنِ جعلا اسْما وهما مضافان أَو أَحدهمَا مُضَاف فَوَجَبَ نصب مَا بعدهمَا للتنوين الْمُقدر فيهمَا وَجعل مَا بعدهمَا وَاحِدًا منكوراً أما جعلنَا لَهُ وَاحِدًا فلأنهما قد دلا على مِقْدَار الْعدَد وَبَقِي الدّلَالَة على النَّوْع فَكَانَ الواحدُ مِنْهُ كَافِيا إِذْ كَانَ مَا قبله دلّ على الْمِقْدَار وَالْعدَد وَأما جعلنَا إِيَّاه منكوراً فَلِأَن النكرَة شائعة فِي جِنْسهَا وَلَيْسَت بِبَعْض الْجِنْس أولى مِنْهُ بِبَعْض فَكَانَت أشكلَ بِالْمَعْنَى الَّذِي أريدت لَهُ من الدّلَالَة على الْجِنْس وأدخَل فِيهِ من غَيرهَا فَبُيِّنَ بهَا النوعُ الَّذِي احْتِيجَ إِلَى تبيينه وَذَلِكَ قولُك أَحَدَ عَشَرَ رجلا وخمسَ عشرةَ امْرَأَة فَأَما الْمُذكر فَإنَّك تَقول أَحَدَ عَشَر رجلا وَاثنا عشر رجلا وثلاثَةَ عَشَر رَجلاً إِلَى تسعةَ عَشَر رَجلاً فَأَما أحد فالهمزة فِيهِ منقلبة من وَاو وَقد أبنتُ ذَلِك وأوضحته بشرح الْفَارِسِي وَكَذَلِكَ إِحْدَى عشرَة وَقد أبنتها هُنَاكَ وَأما اثْنَا عشر فَمَا بعْدهَا فقد أبنتها فِي المبنيات بغاية الشَّرْح فَلَا حَاجَة بِنَا إِلَى إِعَادَتهَا هُنَا وَأما ثنتا عشرَة فَفِيهَا لُغَتَانِ ثِنْتَا عَشْرَةَ واثنتا عشرَة فَالَّذِي قَالَ اثْنَتَا عشرَة بناه على الْمُذكر فَقَالَ للمذكر اثْنَان وللمؤنث اثْنَتَانِ كَمَا تَقول ابْنَانِ وابنان وَالَّذِي

стр. 2101

يَقُول ثِنْتَا عشرَة بَنَى ثِنْتَا على مِثَال جِذْع كَمَا قَالَ بِنْتَ فألحقها بجِذْعٍ وَتقول ثِنْتَانِ كَمَا تَقول بِنْتَانِ وَلم تدخل هَذِه التَّاء على تَقْدِير أَن يكون مَا قبلهَا مذكراً لِأَنَّهَا لَو دخلت على سَبِيل ذَلِك لأوجَبَت فتح مَا قبلهَا وَالْكَلَام فِي تغير الْألف فِي ثِنْتَانِ وَاثْنَتَانِ إِذا قلت ثنتا عشرَة وثنتي عشرَة وَأما ثَمَانِي عشرَة فَإِن أَكثر الْعَرَب يَقُولُونَ ثَمَانِي عَشْرَةَ كَمَا يَقُولُونَ عَشْرَةَ وأرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِنْهُم من يسكن الْيَاء فَيَقُول ثمانيْ عشرَة قَالَ الشَّاعِر: (صَادَفَ من بَلَائِهِ وَشِقْوتِهْ ... بِنْتَ ثَمَانِيْ عَشْرَةٍ من حَجَّتِهِ) وَإِنَّمَا أسكن الْيَاء كَمَا أسكن فِي معديكرب وقَالِي وأيادي سَبَا لِأَن الْيَاء أثقل من غَيرهَا وَغَيرهَا من الصَّحِيح إِنَّمَا يفتح إِذا جعل مَعَ غَيره اسْما وَاحِدًا فسكنت الْيَاء إِذْ لم يبْق بعد الْفَتْح إِلَّا التسكين وَفِي عشرَة لُغَتَانِ إِذا قلت ثلاثَ عشرةَ فَأَما بَنو تَمِيم فيفتحون الْعين ويكسرون الشين ويجعلونها بِمَنْزِلَة كَلِمَة وَأهل الْحجاز يفتحون الْعين ويسكنون الشين ويجعلونها مثل ضَرْبَةَ وَهَذَا عكس مَا عَلَيْهِ لُغَة أهل الْحجاز وَبني تَمِيم لِأَن أهل الْحجاز فِي غير هَذَا يُشْبِعُون عامةَ الْكَلَام وَبَنُو تَمِيم يُخففون فَإِن قَالَ قَائِل فَلم قَالُوا عَشِرَة فكسروا الشين قيل لَهُ من قَبَلِ أَن عشر فِي قَوْلك عشر نسْوَة مُؤَنّثَة الصِّيغَة فَلم يَصح دُخُول الْهَاء عَلَيْهَا فَاخْتَارُوا لَفْظَة أُخْرَى يَصح دُخُول الْهَاء عَلَيْهَا وخفف أهل الْحجاز ذَلِك كَمَا قَالَ فَخِذٌ وفَخْذ وعَلِمَ وعَلْمَ وَنَحْو ذَلِك وعَلى هَذَا الحكم يجْرِي من الْوَاحِد إِلَى التِّسْعَة فَإِذا ضاعفت أدنى الْعدَد كَانَ لَهُ اسْم من لَفظه وَلَا يثنى العقد وَيجْرِي ذَلِك الِاسْم مجْرى الْوَاحِد الَّذِي لحقته الزِّيَادَة للْجمع وَيكون حرفُ الْإِعْرَاب الواوَ والياءَ وبعدهما النُّون وَيكون لفظُ الْمُذكر والمؤنث فِي ذَلِك سَوَاء ويُفَسَّرُ بِوَاحِد منكور وَذَلِكَ قَوْلهم عشرُون درهما فَإِن قَالَ قَائِل مَا هَذِه الكسرة الَّتِي لحقت أول الْعشْرين وهلا جرت على عَشِرة فَقَالَ عَشِرين أَو على عَشْرِ فَيُقَال عَشْرِين وَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَن عِشْرِين لما كَانَت وَاقعَة على الذّكر وَالْأُنْثَى كسر أَولهَا للدلالة على التَّأْنِيث وَجمع بِالْوَاو وَالنُّون للدلالة على التَّذْكِير فَيكون آخِذا من كل وَاحِد مِنْهُمَا بشبهين فَإِن قَالَ قَائِل فقد كَانَ يَنْبَغِي على هَذَا الْقيَاس أَن يجْعَلُوا هَاتين العلامتين فِي الثَّلَاثِينَ إِلَى التسعين قيل: قد يجوز أَن تكون الثَّلَاث من الثَّلَاثِينَ هِيَ الثَّلَاث الَّتِي للمؤنث وَيكون الْوَاو وَالنُّون لوُقُوعه على التَّذْكِير فَيكون قد جمع للثلاثين لفظ التَّذْكِير والتأنيث فَيكون على قِيَاس الْعلَّة الأولى مطرداً وَيجوز أَن يكون اكتفوا بِالدّلَالَةِ فِي الْعشْرين عَن الدّلَالَة فِي غَيره من الثَّلَاثِينَ إِلَى التسعين فَجرى على مثل مَا جرى عَلَيْهِ الْعشْرُونَ فَإِذا وَقع الْعشْرُونَ على الْمُذكر والمؤنث كَانَ الثَّلَاثُونَ مثله وَاكْتفى بعلامة التَّأْنِيث فِي الْعشْرين عَن عَلامَة فِي الثَّلَاثِينَ وَدَلِيل آخر فِي كسر الْعين من عشْرين وَهُوَ أَنا رأيناهم قَالُوا فِي ثَلَاث عشرات ثَلَاثُونَ وَفِي أَربع عشرات أَرْبَعُونَ فكأنهم جعلُوا ثَلَاثِينَ عَشْرَ مرارٍ ثَلَاثَة وَأَرْبَعين عَشْرَ مرار أربعةٌ إِلَى تسعين فاشتقوا من لفظ الْآحَاد مَا يكون لعشر مراتٍ ذَلِك الْعدَد فَكَانَ قِيَاس الْعشْرين من الثَّلَاثِينَ أَن يُقَال اثْنَيْنِ واثْنُونَ لِعَشْر مرارِ اثنَيْنِ إِلَّا أَنهم تجنبوا ذَلِك لِأَن اثْنَيْنِ لَا يكون إِلَّا مثنى فَلَو قُلْنَا اثْنَيْنِ كُنَّا قد نَزعنا اثْناً من الِاثْنَيْنِ وأدخلنا عَلَيْهِ الْوَاو وَالنُّون واثْنٌ لَا يسْتَعْمل إِلَّا مَعَ حُرُوف التَّثْنِيَة فَبَطَل استعمالُه فِي مَوضِع الْعشْرين فَلَمَّا اضطروا لهَذِهِ الْعلَّة إِلَى اسْتِعْمَال الْعشْرين كسروا أوّله لِأَن اثْنَيْنِ مكسور الأول فكسروا أول الْعشْرين كَذَلِك وأدخلوا الْوَاو وَالنُّون لِأَنَّهُ يَقع على الْمُذكر وَإِذا اخْتَلَط الْمُذكر والمؤنث فِي لفظ غلب التَّذْكِير انْفَرد اللَّفْظ بِهِ وَدَلِيل آخر وَهُوَ أَنهم يَقُولُونَ فِي الْمُؤَنَّث إِحْدَى عَشِرَةَ وتسعَ عَشْرَةَ فَلَمَّا جاوزها إِلَى الْعشْرين نقلوا كسرة الشين الَّتِي كَانَت للمؤنث إِلَى الْعين كَمَا يَقُولُونَ فِي كَذِبٍ كِذٍبٌ وَفِي كَبِدٍ كِبْدٌ وجمعوه بِالْوَاو وَالنُّون كَمَا يَفْعَلُونَ فِي الْأَشْيَاء المؤنثة الْمَحْذُوف مِنْهَا الهاآت عوضا من الْمَحْذُوف كَقَوْلِهِم فِي سنة سِنِين وسنون وَفِي أَرْضٍ أَرَضُون وَفِي ثُبَة ثُبون وثِبُون وَهَذَا كثير جدا وَالْجمع بِالْوَاو وَالنُّون لَهُ مزية على غَيره من الجموع فَجعل

стр. 2102

عوضا من الْمَحْذُوف وَاعْلَم أَن عشْرين وَنَحْوهَا رُبمَا جُعِلَ إعرابُها فِي النُّون وَأكْثر مَا يَجِيء ذَلِك فِي الشّعْر فَإِذا جعل كَذَلِك ألزمت الْيَاء لِأَنَّهَا أخف من الْوَاو كَمَا فعلوا ذَلِك فِي سِنين إِذا جعلُوا إعرابها فِي النُّون قَالُوا: أتَتْ عَلَيْهِ سِنينٌ قَالَ الشَّاعِر: (وإِنَّ لَنَا أَبا حَسَنٍ عَلِيًّا ... أَبٌ بَرٌ ونحنُ لَهُ بَنِينُ) وَأنْشد لغيره: (أَرَى مَرُّ السَّنِينَ أَخَذَنْ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السِّرارُ من الهِلَالِ ... ) وَقَالَ سُحَيْمٌ: (وماذا تَدَّرِي الشَّعراءُ مِنِّي ... وَقد جاوزتُ رأسَ الأَرْبَعِينِ) (أَخُو خَمْسِينَ مُجْتَمَعٌ أَشُدَّي ... وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّؤُونِ) هَذَا عَامَّة قَول الْبَصرِيين أَنه مَتى لزم النُّون الإعرابُ لزم الياءُ وَصَارَ بِمَنْزِلَة قِنِّسْرين وغِسْلِينٍ وَأكْثر مَا يَجِيء هَذَا فِي الشّعْر وَقد زعم بَعضهم أَنه قد يجوز أَن يلْزم الواوُ وَإِن كَانَ الإعرابُ فِي النُّون وَزعم أَن زَيْتُوناً يجوز أَن يكون فَيْعُولاً وَيجوز أَن يكون فَعْلُوناً وَهُوَ إِلَى فَعْلُونٍ أقربُ لِأَنَّهُ من الزَّيْتِ وَقد لزم الْوَاو وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: لَو سمي رجل بمُسْلِمين كَانَ فِي وَجْهَان: إِن جعلت الإعرابَ فِي الْوَاو فتحتَ النونَ على كل حَال وجعلتَ فِي حَال الرّفْع واواً فِي حَال النصب والجر يَاء كَقَوْلِك جَاءَنِي مُسلمُونَ وَرَأَيْت مُسلمين ومررت بمسلمين فَهَذَا مَا ذكره وَلم يزدْ عَلَيْهِ شَيْئا وَقد رَأينَا فِي كَلَام الْعَرَب وَأَشْعَارهَا بالرواية الصَّحِيحَة وَجها آخر وَهُوَ أَنهم إِذا سموا بِجمع فِيهِ وَاو وَنون فقد يلزمون الواوَ على كل حَال ويفتحون النونَ وَلَا يحذفونها فِي الْإِضَافَة فكأنهم حكوا لفظ الْجمع الْمَرْفُوع فِي حَال التَّسْمِيَة وألزموه طَريقَة وَاحِدَة قَالَ الشَّاعِر: (ولَهَا بالماطِرُونَ إذَا ... أَكَلَ النَّمْلُ الَّذِي جَمَعَا) فَفتح نُونَ الماطرونَ وَأثبت الْوَاو وَهُوَ فِي مَوضِع جر وَالْعرب تَقول اليَاسَمُونَ فِي حَال الرّفْع وَالنّصب والجر وَيَقُولُونَ ياسَمُونَ البَرِّ فيثبتون النُّون مَعَ الْإِضَافَة ويفتحونها وَمِنْهُم من يرويهِ بالمَاطِرون ويُعَرِبُ الياسَمُونَ وَكَذَلِكَ الزَّيْتُونَ وَهُوَ الأجود فَإِذا زِدْت على الْعشْرين نَيِّفاً أعربته وعطفتَ العِشْرِين عَلَيْهِ كَقَوْلِك أخذتُ خَمْسَة وَعشْرين وَهَذِه ثَلَاثَة وَعِشْرُونَ لِأَنَّهُ لَا يَصح أَن يبْنى اسْم مَعَ اسْم وَأَحَدهمَا مُعرب وَلم يَقع الآخر فِي شَيْء مِنْهُ كوقوع عَشر فِي مَوضِع النُّون من اثْنَي عشر وتنصب مَا بعد الْعشْرين إِلَى تسعين وتوحد وتنكر وَالَّذِي أوجب نَصبه أَن عشْرين جمعٌ فِيهِ نون بِمَنْزِلَة ضاربين وَيجوز إِسْقَاط نونه إِذا أضيف إِلَى مَالك كَقَوْلِك هَذِه عشر زيد وَعِشْرُونَ تطلب مَا بعْدهَا وتقتضيه كَمَا أَن ضاربين يطْلب مَا بعده ويقتضيه فتنصب مَا بعد الْعشْرين كَمَا نصبت مَا بعد الضاربين من الْمَفْعُول الَّذِي ذَكرْنَاهُ إِلَّا أَن عشْرين لَا يعْمل إِلَّا فِي منكور وَلَا يعْمل فِيمَا قبله لِأَنَّهُ لم يقو قوَّة ضاربين فِي كل شَيْء لِأَنَّهُ اسْم غير مُشْتَقّ من فعل فَلم يتَقَدَّم عَلَيْهِ مَا عمل فِيهِ لِأَنَّهُ غير متصرف فِي نَفسه وَلم يعْمل إِلَّا فِي نكرَة من قِبَلِ أَن الْمَعْنى فِي عشْرين درهما عشرُون من الدَّرَاهِم فاسْتَخَفُّوا وَأَرَادُوا الِاخْتِصَار فحذفوا مِنْ وجاؤوا بِوَاحِد منكور شَائِع فِي الْجِنْس فَدَلُّوا بِهِ على النَّوْع وَلَا يجوز أَن يكون التَّفْسِير إِلَّا بِوَاحِد إِذْ كَانَ الْوَاحِد دَالا على نوع مُسْتَغْنًى بِهِ فَإِذا أردْت أَن تجمع جماعاتٍ مختلفةٌ جَازَ أَن تفسر الْعشْرين وَنَحْوهَا بِجَمَاعَة فَتكون عشرُون كلُّ وَاحِد مِنْهَا جماعةٌ ومثلُ ذَلِك قولُك قد التقى الخَيْلَانِ فَكل وَاحِد مِنْهُمَا جمَاعَة خيل فعلى قَوْلك هَذَا تَقول التقى عشرُون خيلاً على أَن كل وَاحِد من الْعشْرين خيلٌ قَالَ الشَّاعِر:

стр. 2103

(تَبَقَّلَتْ مِنْ أَوَّلِ التَّبَقُّلِ ... بَيْنَ رِمَاحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ) لِأَن مالكاُ ونَهْشَلاً قبيلتان وكل وَاحِدَة مِنْهُمَا لَهَا رماح فَلَو جمعتَ على هَذَا لقلتَ عشرُون رِماحاً قد الْتَقَتْ تُرِيدُ عشْرين قَبيلَة لكل مِنْهَا رماح وَلَو قلت عشرُون رُمْحاً كَانَ لكل وَاحِد مِنْهَا رُمْح قَالَ الشَّاعِر: (سَعَى عِقَالاً فَلم يَتْرُكُ لَنَا سَبَداً ... فكيفَ لَو قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ) (لأَصْبَحَ القومُ قد بادُوا وَلم يَجِدُوا ... عِنْدَ التَّفَرُّقِ فِي الهَيْجَا جَمَالَيْنِ) أَرَادَ جِمالاً لهَذِهِ الفِرقَة وجمالاً لهَذِهِ الْفرْقَة فَإِذا بلغتَ المائةَ جئتَ بِلَفْظ يكون للذّكر وَالْأُنْثَى وَهُوَ مائَة كَمَا كَانَ عشرُون وَمَا بعْدهَا من العُقود وبينتَ الْمِائَة بإضافتها إِلَى وَاحِد منكور فَإِن قَالَ قَائِل مَا الْعلَّة الَّتِي لَهَا أُضِيفَتْ إِلَى وَاحِد منكور فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَنَّهَا شابهت الْعشْرَة الَّتِي حكمُها أَن تُضَاف إِلَى جمَاعَة وَالْعِشْرين الَّتِي حكمهَا أَن تميز بِوَاحِد منكور فأُخِذَ من كل وَاحِد مِنْهُمَا شَبَهٌ فأضيف بِشَبَهِ الْعشْرَة وجُعِلَ مَا يضافُ إِلَيْهِ وَاحِدًا بِشَبَهِ الْعشْرين لِأَنَّهَا يُضَاف إِلَيْهَا نوع يبينها كَمَا يُبَيِّنُ النوعُ المُمَيِّزُ الْعشْرين فَإِن قَالَ قَائِل وَمَا شَبَهُهَا من الْعشْرَة وَالْعِشْرين قيل لَهُ أما شَبَهُها من الْعشْرَة فَلِأَنَّهَا عَقْدٌ كَمَا أَن الْعشْرَة عقد وَأما شبهها من الْعشْرين فَلِأَنَّهَا تلِي التسعين وحكمُ عَشْرَةِ الشيءِ كَحكم تِسْعَتِهِ أَلا ترى أَنَّك تَقول تِسْعَة أَثوَاب وَعشرَة أَثوَاب فَتكون العشرةُ كالتسعة والمائةُ من التسعين كالعشرة من التِّسْعَة وَذَلِكَ قَوْلك مِائَتَا دِرْهَم وَمِائَتَا ثوب وَنَحْو ذَلِك وَيجوز فِي الشّعْر إدخالُ النُّون على الْمِائَتَيْنِ ونصبُ مَا بعْدهَا قَالَ الشَّاعِر: (إِذا عَاشَ الفتَى مائتينِ عَاما ... فقد ذَهَبَ اللَّذاذةُ والفَتَاءُ) وَقَالَ آخر أَيْضا (أَنْعَتُ عَيْراً مِنْ حَمِير خَنْزَرهْ ... فِي كُلِّ عَيْرٍ مائتانِ كَمْرَهْ) فَإِذا أردْت تَعْرِيف الْمِائَة والمائتين أدخلتَ الألفَ واللامَ فِي النَّوْع وأضفتَها إِلَيْهِ كَقَوْلِك مائةُ الدِّرْهَم وَمِائَتَا الثَّوْب فَإِذا جمعتَ الْمِائَة أضفت الثلاثَ فَقلت ثَلَاثمِائَة إِلَى تِسْعمائَة فَإِن قَالَ قَائِل هَلَاّ قُلْتُمْ ثلاثُ مِئينَ أَو مِئَاتٍ كَمَا قُلْتُمْ ثلاثُ مسلماتٍ وتِسْعُ تَمَرَاتٍ فَالْجَوَاب فِي ذَلِك أَنا رَأينَا الثلاثَ المضافة إِلَى الْمِائَة قد أشبهت الْعشْرين فِي وَجه وأشبهت الثَّلَاث الَّتِي فِي الْآحَاد من وَجه فَأَما شبهها بالعشرين فِلأَنَّ عَقْدَها على قِيَاس الثلاثِ إِلَى التِّسْعِ لِأَنَّك تَقول ثلاثُمائَةٍ وتسعمائةٍ ثمَّ تَقول ألفٌ وَلَا تَقول عَشْرُ مائةٍ فَصَارَ بِمَنْزِلَة قَوْلك عشرُون وَتسْعُونَ ثمَّ تَقول مائةٌ على غير قِيَاس التسعين وَتقول فِي الآحَادِ ثلاثُ نِسْوَةٍ وعَشْرُ نِسْوَةٍ فَتكون العَشْرُ بِمَنْزِلَة التَّأْنِيث فَأَشْبَهت ثلاثُمائةٍ الْعشْرين فَبُيِّنَتْ بواحدٍ وأشبهت الثلاثَ فِي الْآحَاد فَجعل بيانُها بِالْإِضَافَة وَالدَّلِيل على صِحَة هَذَا أَنهم قَالُوا ثلاثةُ آلَاف فَإِنَّمَا أضافوا الثلاثةَ إِلَى جمَاعَة لأَنهم يَقُولُونَ عشرةُ آلافٍ فَلَمَّا كَانَ عَشَرَتُه على غير قِيَاس ثلاثته أَجْرَوْهُ مُجْرَى ثلاثةِ أثوابٍ لأَنهم قَالُوا عشرةُ أثوابٍ فَإِذا قلت ثلاثمائةٍ فَحكم الْمِائَة بعد إِضَافَة الثَّلَاث إِلَيْهَا أَن تُضَاف إِلَى واحدٍ منكور كحكمها حِين كَانَت مُنْفَرِدَة وَيجوز أَن تُنَوَّنَ وتُمَيَّزَ بواحدٍ كَمَا قيل مائتانِ عَاما فَأَما قولُ الله : ﴿ثَلاثَمائةٍ سِنِينَ وازْدَادُوا تِسْعاً﴾ [الْكَهْف: ٢٥] فَإِن أَبَا إِسْحَاق الزّجاج زعم أَن سِنِين منتصبةٌ على الْبَدَل من ثلاثِمائةٍ وَلَا يَصح أَن تُنْصَب على التَّمْيِيز لِأَنَّهَا لَو انتصبت بذلك فِيمَا قَالَ لوَجَبَ أَن يَكُونُوا قد لَبِثُوا تِسْعَمائَة وَلَيْسَ ذَلِك بِمَعْنى الْآيَة وقبيحٌ أَن يُجْعَل سِنين نعتاً لَهَا لِأَنَّهَا جامدة لَيْسَ فِيهَا معنى فِعْلٍ وَقَالَ الْفراء يجوز أَن تكون سِنِين على التَّمْيِيز كَمَا قَالَ عنترة فِي بَيت لَهُ: (فِيهَا اثْنَتَانِ وأربعونَ حَلَوبَةٌ ... سُوداً كَخَافِيَةِ الغُرَابِ الأَسْحِمِ)

стр. 2104

ويروى سُودٌ فقد جَاءَ فِي التَّمْيِيز سُوداً وَهِي جمَاعَة قَالَ أَبُو سعيد: وَلأبي إِسْحَاق أَن يفصل بَين هَذَا وَبَين سِنِين بأنَّ سُوداً إِنَّمَا جَاءَت بعد الْمُمَيز فَيجوز أَن يُحْمَل على اللَّفْظ مرةٌ وعَلى الْمَعْنى مرةٌ كَمَا تَقول كُلُّ رجل ظَرِيف عِنْدِي وَإِن شئتَ قلتَ ظريفٌ فتحمله مرّة على اللَّفْظ وَمرَّة على الْمَعْنى وَلَيْسَ قبل سِنِين شَيْء وَقَعَ بِهِ التَّمْيِيز فَيكون سِنِين مثل سُودًا وَاعْلَم أَن مائَة ناقصةٌ بِمَنْزِلَة رِئَةٍ وإِرَةٍ فلك أَن تجمعها مِئُونَ فِي حَال الرّفْع ومِئينَ فِي حَال النصب والجر وَإِن شئتَ قلتَ مِئينٌ فجعلتَ الإعرابَ فِي النُّون وألزمته الْيَاء وَإِن شِئْت قلت مِئَاتٌ كَمَا تَقول رِئَاتٌ وَأما قَول الشَّاعِر: (وَحَاتِمُ الطَّائِيُّ وَهَّابُ المِئِي ... ) فقد اخْتلف النحويون فِي ذَلِك فَقَالَ بَعضهم أَرَادَ جمع الْمِائَة على الْجمع الَّذِي بَينه وَبَين واحده الْهَاء كَقَوْلِك تَمْرَة وتمر فَكَأَنَّهُ قَالَ مائةٌ ومِئٌ ثمَّ أطلق القافية للجر وَقَالَ بَعضهم أَرَادَ المِيءَّ وَكَانَ أَصله المَئيَّ على مِثَال فَعِيل لِأَن الذَّاهِب من الْمِائَة إِمَّا وَاو وَإِمَّا يَاء فَإِن كَانَت يَاء فَهِيَ مِئيٌ وَإِن كَانَت واواً انقلبت أَيْضا يَاء وَصَارَ لَفظهَا وَاحِدًا ثمَّ تُكْسَر الْمِيم وَذَلِكَ أَن بني تَمِيم يكسرون الْفَاء من فَعِيل إِذا كَانَت الْعين أحد الْحُرُوف السِّتَّة وَهِي حُرُوف الْحلق كَقَوْلِهِم شِعِير ورَحِيم فَيَقُولُونَ فِي ذَلِك مِيٌ وَأَصله مِئِيٌ وَمِمَّا جَاءَ على هَذَا الْمِثَال من الْجمع مَعِيزٌ جمع مَعَزٍ وكَلِيبٌ وعَبِيد وَغير ذَلِك مِمَّا جَاءَ على فعيل فعلى هَذَا القَوْل مِيٌ مشدد وَيجوز تخفيفها فِي القافية الْمقيدَة كَمَا ينشد بَعضهم قَول طرفَة فِي بَيت لَهُ: (أَصَحَوْتَ اليومَ أَمْ شَاقَتْكَ هِرْ ... ومِنَ الحُبِّ جُنُونٌ مُسْتَعِرُّ) وَقَالَ بعض النَّحْوِيين إِنَّمَا هُوَ مِئِينٌ فاضْطُرَّ إِلَى حَذْفِ النُّون كَمَا قَالَ: (قَوَاطِناً مَكَّةَ مِنْ وُرْقِ الحَمِي ... ) فَإِذا بلغتَ الألفَ أضفته إِلَى واحدٍ فَقلت ألف دِرْهَم كَمَا أضفت الْمِائَة إِلَى وَاحِد حِين قلت مائَة دِرْهَم وَالْعلَّة فِيهِ كالعلة فِيهَا من قِبَلِ أَن الألفَ إِلَى غير قِيَاس مَا قبله لِأَنَّك لم تقل عشر مائَة كَمَا قلت تِسْعمائَة وضعت لفظا يدل على العقد الَّذِي بعد تِسْعمائَة غَيْرَ جارٍ على شَيْء قبله كَمَا فعلتَ ذَلِك بِالْمِائَةِ حِين لم تُجْرِها على غير قِيَاس التسعين فَإِذا جمعت الْألف جمعته على حد مَا تجمع الواحدَ وتَضِيف ثلاثتَه إِلَى جمَاعَة نوعِهِ فَتَقول ثلاثةُ آلافِ وعشرةُ آلَاف كَمَا قلت ثَلَاثَة أثوابٍ وعَشْرَةُ أثوابٍ وَإِنَّمَا خَالف جمعُ الْألف فِي الْإِضَافَة جمعَ الْمِائَة لِأَن الألفَ عشرتُه كثلاثته فَصَارَ بِمَنْزِلَة الْآحَاد الَّتِي عشرتُها كثلاثتها وَلَيْسَ عشرَة الْمِائَة كثلاثتها وَقد بَينا هَذَا فِيمَا تقدم وَلَيْسَ بعد الأَلَفِ شَيْء من الْعدَد على لفظ الْآحَاد فَإِذا تضاعفت أُعِيد فِيهِ اللفظُ بالتكرير كَقَوْلِك عشرةُ آلافٍ ألف وَمِائَة ألفٍ وألفٍ وَنَحْو ذَلِك وَإِنَّمَا قلت عشرةُ آلافٍ لِأَن الألفَ قد لزم إضافتُه إِلَى وَاحِد فِي تبيينه وَكَذَلِكَ جماعتُه كواحده فِي تبيينه بِالْوَاحِدِ من النَّوْع وَاعْلَم أَن الْألف مُذَكّر تَقول أخذتُ مِنْهُ ألفا وَاحِدًا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿بَثَلَاثَةِ آلَافٍ﴾ [آل عمرَان: ١٢٤] فَأدْخل الْهَاء على الثَّلَاثَة فَدلَّ على تذكير الْألف وَرُبمَا قيل هَذِه ألفُ درهمٍ يُرِيدُونَ الدراهمَ ١ - بَاب ذكرك الِاسْم الَّذِي تُبَيِّنُ بِهِ العِدَّةَ كم هِيَ مَعَ تَمامهَا الَّذِي هُوَ من ذَلِك اللَّفْظ فبناءُ الِاثْنَيْنِ وَمَا بعده إِلَى الْعشْرَة فاعلٌ وَهُوَ مُضَاف إِلَى الِاسْم الَّذِي يُبَيِّنُ بِهِ العَدَدُ ذكر سِيبَوَيْهٍ فِي هَذَا الْبَاب من كِتَابه ثانِي اثْنَيْنِ وثالثَ ثلاثةٍ إِلَى عَاشر عشرَة فَإِذا قلت هَذَا ثَانِي اثْنَيْنِ أَو ثالثُ ثلاثةٍ أَو رابعُ أَرْبَعَة

стр. 2105

فَمَعْنَاه أحدُ ثلاثةٍ أَو بعضَ ثلاثةٍ أَو تمامُ ثلاثةٍ وقولُنا فِي تَرْجَمَة الْبَاب الِاسْم الَّذِي تُبَيِّنُ لَهُ العِدَّةُ كمْ هِيَ نعني ثَلَاثَة وقولُنا مَعَ تَمامهَا الَّذِي هُوَ من ذَلِك اللَّفْظ نعني ثَالِثا لِأَنَّهُ تمامُ ثلاثةٍ وَهَذَا التمامُ يُبْنَى على فَاعل كَمَا قُلْنَا فَيُقَال ثَانِي اثْنَيْنِ وثالثُ ثلاثةٍ وتُجْرَى الأوَّلَ مِنْهَا بِوُجُوه الْإِعْرَاب إِلَى عَاشر عشرةِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلَاثةٍ﴾ [الْمَائِدَة: ٧٣] وَقَالَ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الغَارِ﴾ [التَّوْبَة: ٤٠] وَقد كنتُ ذكرتُ فِي المبنيات من أحدَ عَشَرَ إِلَى تسعةَ عَشَرَ مَا فِيهِ كِفَايَة وَلَكِنِّي أذكر هَاهُنَا مِنْهُ جملَة فِيهَا مَا لم أذكرهُ هُنَاكَ إِذْ كَانَ هَذَا بَابه إِن شَاءَ الله تَعَالَى هَذَا الْبَاب يشْتَمل على ضَرْبَيْنِ أَحدهمَا: وَهُوَ الْأَكْثَر فِي كَلَام الْعَرَب على مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ أَن يكون الأولُ من لفظ الثَّانِي على معنى أَنه تمامُه وبعضُه وَهُوَ قَوْلك هَذَا ثني اثْنَيْنِ وثالث ثَلَاثَة وعاشر عشرَة وَلَا ينوّن هَذَا فينصب مَا بعده فَيُقَال ثالثٌ ثَلَاثَة لِأَن ثَالِثا فِي هَذَا لَيْسَ يَجْرِي مَجْرَى الْفِعْل فَيصير بِمَنْزِلَة ضاربٍ زيدا وَإِنَّمَا هُوَ بعضُ ثلاثةٍ وأنتَ لَا تَقول بعضٌ ثَلَاثَة وَقد اجْتمع النحويون على ذَلِك إِلَّا مَا ذكره أَبُو الْحسن بن كَيْسَانَ عَن أبي الْعَبَّاس ثَعْلَب أَنه أجَاز ذَلِك قَالَ أَبُو الْحسن: قلتُ لَهُ إِذا أجزتَ ذَلِك فقد أجريته مُجْرى الْفِعْل فَهَل يجوز أَن تَقول ثَلَثْتُ ثَلَاثَة قَالَ نعم على معنى أتممت ثَلَاثَة والمعروفُ قَول الْجُمْهُور وَقَالَ بَعضهم سَبَعْتُ القومَ وأسبعتُهم - صَيَّرْتُهُم سَبْعَة وسَبَعْتث الحبلَ أَسْبَعَهُ - فتلتُه على سبع قُوًى وَكَانُوا ستَّةً فَأَسْبَعُوا - صَارُوا سَبْعَة وأسبعتُ الشيءَ وسَبَعْتُه - صيَّرتُه سبعةَ ودراهمُ وَزْنُ سبعةٍ لأَنهم جعلُوا عشرةَ دَرَاهِم وَزْنَ سَبْعَة مثاقيلَ وسُبعِ المولودُ - حُلِقَ رَأسه وذُبِحَ عَنهُ لسبعةٍ وسَبَّعَ اللهُ لَك - رَزَقَكَ سبعةَ أولادٍ وسَبَّعَ اللهُ لَك - ضَعَّفَ مثاقيلَ وسُبعِ المولودُ - حُلِقَ رَأسه وذُبِحَ عَنهُ لسبعةٍ وسَبَّعَ اللهُ لَك - رَزَقَكَ سبعةَ أَبَنْتُها فِي موَاضعهَا فَإِذا زدتَ على الْعشْرَة فَالَّذِي ذكره سِيبَوَيْهٍ بناءُ الأول وَالثَّانِي وَذَلِكَ حادي عشر وَثَانِي عشر وثالث عشر فَفتح الأول وَال ثَانِي وجعلهما اسْما وَاحِدًا وَجعل فتحهما كفتح ثَلَاثَة عشر وَذكر أَن الأصلَ أَن يُقَال حادِي عَشَرَ أَحَدَ عَشَرَ وثالِثَ عَشَرَ ثَلَاثَة عَشَر فَيكون حادي بِمَنْزِلَة ثالثٍ لِأَن الثَّالِث قد استغرق حروفَ ثَلَاثَة وَبني مِنْهَا فَكَذَلِك يَنْبَغِي أَن يسْتَغْرق حادي عشر حروفَ أَحَدَ عشر وَقد حَكَاهُ أَيْضا فَقَالَ: وَبَعْضهمْ يَقُول ثالثَ عَشَرَ ثلَاثَةَ عَشَر وَهُوَ القياسُ وَقد أنكر أَبُو الْعَبَّاس هَذَا وَذكر نه غير مُحْتَاج إِلَى أَن يَقُول ثالثَ عَشَرَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَأَن الَّذِي قَالَه سِيبَوَيْهٍ خلافُ مَذْهَب الْكُوفِيّين وكأَنَّ حجَّة الْكُوفِيّين فِيمَا يتَّجهُ فِيهِ أَن ثَلَاثَة عشر لَا يُمكن أَن يبْنى من لَفْظهمَا فَاعل وَإِنَّمَا يَبْنِي من لفظ أَحدهمَا وَهُوَ الثَّلَاثَة فَذكر عشر مَعَ ثَالِث لَا وَجه لَهُ وَقد قدَّمنا احتجاجَ سِيبَوَيْهٍ لذَلِك مَعَ حكايته إِيَّاه عَن بَعضهم وَيجوز أَن يُقَال: إِنَّه لما لم يُمكن أَن يبْنى مِنْهُمَا فَاعل وَبني من أَحدهمَا احْتِيجَ إِلَى ذكر الآخر لينفصلَ عَن مَا هُوَ أحدُ ثلاثةٍ مِمَّا هُوَ أحدُ ثلاثةَ عَشَرَ فَأتى بِالْفَظِّ كُله وَالضَّرْب الثَّانِي: من الضربين أَن يكون التَّمام يجْرِي مجْرى اسْم الْفَاعِل الَّذِي يعْمل فِيمَا بعده وَيكون لفظ التَّمام من عدد هُوَ أَكثر من المتمم بِوَاحِد كَقَوْلِك ثالثُ اثْنَيْنِ ورابعُ ثلاثةٍ وعاشرُ تسعةٍ وَيجوز أَن ينون الأولُ فَيُقَال رابعٌ ثَلَاثَة وعاشرٌ تِسْعَة لِأَنَّهُ مأخوذٌ من الْفِعْل تَقول كَانُوا ثَلَاثَة فَرَبَعْتُهُمْ وَتِسْعَة فعشرتهم فَنًّا عاشرُهم كَقَوْلِك ضربتُ زيدا فَنًّا ضارِبٌ زيدا وضاربُ زيد قَالَ الله تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَاّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَاّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ فِيمَا زادَ على الْعشْرَة فِي هَذَا الْبَاب: هَذَا رابعٌ ثَلَاثَة عَشرَ كَمَا قلت خامِسُ أَرْبَعَةٍ وَلم يحكه عَن الْعَرَب والقياسُ عِنْد النَّحْوِيين أَن لَا يجوز ذَلِك وَقد ذكره الْمبرد عَن نَفسه وَعَن الْأَخْفَش نهم لم يجيزوه لِأَن هَذَا الْبَاب يَجْرِي مَجْرَى الْفَاعِل الْمَأْخُوذ من الْفِعْل وَنحن لَا نقُول رَبَعْتُ ثلاثةَ عَشَرَ وَلَا أعلم أحدا حَكَاهُ فَإِن صَحَّ أَن الْعَرَب قالته فقياسه مَا قَالَه سِيبَوَيْهٍ وَأما قَوْلهم حادي عَشَرَ وَلَيْسَ حادي من لفظِ واحدٍ وَالْبَاب أَن يكون اسمُ الْفَاعِل الَّذِي هُوَ تمامٌ من لفظِ مَا هُوَ تمامُه فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا: أَن حادِي مقلوبٌ من وَاحِد استثقالاً للواو فِي أول اللَّفْظ فَلَمَّا قُلِبَ صَار حادِوٌ
следующие страницы →