← Тафсир

Тафсир · id 36

لباب التفاسير للكرماني (ناقص)

أبو القاسم الكرماني

Полный текст (3 779 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

المملكة العربية السعودية - وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - كلية أصول الدين - قسم القرآن وعلومه لباب التفاسير، لأبي القاسم محمود بن حمزة الكرماني، المتوفى بعد سنة (٥٣١ هـ) «دراسة وتحقيقاً» تحقيق: رسائل دكتوراة بقسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض: ١ - ناصر بن سليمان العمر - من أول سورة الفاتحة إلى آخر سورة النساء - ١٤٠٤ هـ. [*] ٢ - عبد الله بن حمد المنصور - من أول سورة المائدة إلى آخر سورة الإسراء - ١٤٢٩ هـ. ٣ - إبراهيم بن محمد بن حسن دومري - من أول سورة الكهف إلى آخر سورة الصافات - ١٤٢٩ هـ. ٤ - إبراهيم بن علي بن ولي الحكمي - من أول سورة ص إلى آخر سورة الناس - ١٤٢٩ هـ.

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شكر وتقدير أحمد الله تعالى وأشكره، وأثني عليه الخير كله، على ما أنعم وتفضل من عون وتوفيق لإكمال هذه الدراسةالعلمية، وأسأله بمنه وكرمه أن ينفعني وإياكم جميعاً بها، كيف لا، وهي في بيان القرآن الكريم وتدبره، فاللهم لا تحرمنا فضلك. ثم أشكر والديَّ الكريمين على مؤازرتهما لي، وشدِّهما لعضدي، وحرصهما على إتمام البحث، ولا أنسى دعواتهما المستمرة لي بالتوفيق والسداد، والتي أسأل الله تعالى أن يكون أجابها وتقبَّلها، فاللهم اغفر لهما ووفقهما لكل خير. كما أشكر زوجي أم أحمد على معونتها وصبرها ومصابرتها، فلقد كانت نِعم المعين، فأسأل الله تعالى أن يغفر لها ويوفِّقها لكل خير. كما أشكر شيخي وأستاذي الفاضل فضيلة الشيخ الدكتور/ زاهر بن عواض الألمعي على حسن تعامله وطيب أخلاقه طوال فترة الإشراف، فإنك تجد فيه لطف التوجيه وحكمة القرار، فاللهم اغفر له ووفقه لكل خير. كما أشكر كل من أعانني من مشايخنا الفضلاء وإخواني الزملاء من منسوبي مفخرة البلاد ومهد العلم والعلماء: جامعة الإمام محمد بن سعود، وأخص منهم رئيس وأعضاء هيئة تدريس قسم القرآن الكريم وعلومه بكلية أصول الدين. كما أشكر جميع مَن مدَّ يد العون لإتمام هذا البحث من إخواني وأخواتي، ومشايخي وطلبة العلم، ومنسوبي وزارة التربية والتعليم، فاللهم اغفر لهم جميعاً ووفِّقهم لكل خير. وختاماً: أسأل الله تعالى التوفيق للجميع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمدُ لله نستعينه، ونستغفره، ونعوذُ بالله من شُرورِ أنفسِنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهدهِ الله فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضلل فلا هادي له، وأشْهدُ أن لا إله إلا الله وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فأي نعمة عظيمة وأيُّ منحة جليلة أكبر من إنزال القرآن الكريم، إنَّه كتاب الله العظيم، تكلَّم به وتكفَّل بحفظه، وأمر بتدبُّره، ووعد من استهدى به أن يهديه، وتوعَّد من لم يحكم به أن يرديه، فلله الحمد والمنَّة أن جعلنا من أمة محمد ﷺ التي اختار الله تعالى لها هذا الكتاب المبين، ولله الحمد والمنة أن يسَّر لنا هذا القرآن، لنتدبَّره ونستهدي بهدايته، ونتعبَّد بتلاوته، فيا لها من نِعم عِظام ومِننٍ جسام، فاللهم ارزقنا العلم بهذا الكتاب، ووفقِّنا به لجزيل الثواب، إن في ذلك لعبرة لأولي الألباب. ثم إني أحمد الله تعالى أن يسَّر لي إتمام هذا البحث على نحو أسأل الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن لا يجعل للدنيا فيه حظّاً أو نصيباً، كما أسأله تعالى أن يجعل هذا العمل مباركاً ونافعاً لي ولجميع من يطلع عليه، وأن يستر الزلة ويقيل العَثرة، إنه جواد كريم يحب العفو والمغفرة. لقد كان تقديمي لكتاب أبي القاسم الكرماني «لباب التفاسير» للدراسة والتحقيق، خيراً عظيماً فيما أحسب، إذ اكتشفت منذ الوهلة الأولى أنني أمام أحد أعلام المفسرين، فكان هذا دافعاً لي لبذل المزيد من الجهد، ولا أخفيكم: لقد انتفعت كثيراً بهذا البحث، فقلَّ أن يغادر الكرماني آية دون إيراد أقوال الصحابة والتابعين فيها، هذا عدا المنهجية الثابتة التي سار عليها في الاستدلال بالقرآن والآثار وشواهد اللغة، فغدا كتابه محلّ عناية العلماء، وكان مصدراً لعدد من المفسرين الذين جاءوا بعده، كأبي حيّان، والسمين الحلبي، والألوسي وغيرهم، مما يدل على القيمة العلمية لهذا الكتاب. وسبق تحقيق ودراسة القسم الأول من هذا التفسير في رسالة علمية قُدِّمت لقسم القرآن وعلومه في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية لنيل درجة الدكتوراه، وقد تقدَّم بها في حينه فضيلة الشيخ: ناصر بن سليمان العمر، وكان التحقيق من بداية الكتاب إلى نهاية تفسير سورة النساء، إلا أنه عاق استكمال تحقيقه من طلاب آخرين عدم توفر النسخ الخطية الكافية لتحقيق باقي الكتاب، وقد منَّ الله تعالى عليَّ بالعثور على نسختين خطيَّتين كاملتين للكتاب، بالإضافة لبعض النسخ الأخرى الناقصة والتي مكَّنتني من العمل على ثلاث نسخ خطية لأكثر السور التي سأعمل على تحقيقها - إن شاء الله تعالى - فلهذا تقدمت إلى قسم القرآن وعلومه راغباً الموافقة على تسجيل هذا الموضوع، وهو: دراسة وتحقيق القسم الثاني من تفسير الكرماني «لباب التفاسير» من أول سورة المائدة إلى نهاية سورة الإسراء، فيسَّر الله تعالى الموافقة عليه، واليوم أقدِّم هذا العمل سائلاً الله تعالى التوفيق والسداد، وأن ينفعنا جميعاً بالقرآن الكريم، وأن يجعلنا ممَّن يتدبَّره ويعمل بما فيه، إنه وليّ ذلك والقادر عليه.

стр. 4

وتكمن أهمية الموضوع وأسباب اختياره في النقاط التالية: - إن تحقيق الكتاب والدراسة العلمية له سوف تكون إضافة علمية مهمة للمكتبة القرآنية، خصوصاً فيما يتعلق بعلم التفسير، وذلك لما امتاز به الكتاب من ميزات لعل من أهمها: تحرير المعاني بعبارة غير طويلة، مع العناية بالاستدلال بالقرآن والآثار واللغة. - تقدم وفاة المؤلف، حيث توفي بعد سنة (٥٣١ هـ) بقليل، وكونه من الأعلام البارزين في ميدان القرآن وعلومه. - يعتبر «لباب التفاسير» من التفاسير الشاملة، فلم يقتصر على فنٍّ دون آخر، ولذلك أكثر في تفسيره هذا من العناية بالقراءات، وآثار السلف، وأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وآيات الأحكام، والإعراب والشواهد الشعرية، وبعض فنون اللغة الأخرى. - اشتهر المؤلف بكتابَيه الآخرين: «البرهان في متشابه القرآن» و «غرائب التفسير» مما دفعني لتحقيق هذا التفسير الذي سار فيه الكرماني وفق المنهج المعروف عند عامة المفسرين، فتحقَّقَ بذلك صِحة ثناء العلماء على منزلته في التفسير وعلوِّ كعبه فيه، وهو ذات الأمر الذي دفع عدداً من المفسرين إلى نقل اختياراته ومناقشتها كأبي حيان والسمين الحلبي والألوسي وغيرهم. - كان من الأسباب التي دفعتني لتحقيق الكتاب: العثور على نسخٍ خطية للكتاب في مدينة اسطنبول من بلاد الجمهورية التركية، وهو أمر كان عائقاً لبعض من رغب في إكمال تحقيق الكتاب من الزملاء الباحثين. ويهدف هذا البحث إلى التعريف بالمصنف، وكشف المزيد من جوانب حياته العلمية والعملية مع التعريف بكتابه «لباب التفاسير» وبيان قيمته العلمية والأثر العلمي الذي تركه فيمن أتى بعده، بالإضافة إلى إخراج كتابه «لباب التفاسير» محققاً تحقيقاً علمياً، وذلك من أول سورة المائدة إلى نهاية سورة الإسراء. وحيث سبق تحقيق ودراسة القسم الأول من هذا التفسير كما تقدم، وحيث لم أجد من تقدم لإكمال بقية الكتاب بسبب عدم توفر نسخه الخطية كما أفادني بذلك الباحث الأول، فقد تمكنت بفضل الله تعالى من العثور على نسخ خطية للكتاب، مما دفعني للعمل على تحقيق القسم الثاني من هذا الكتاب، وكان عملي من حيث انتهى الباحث الأول - وهو يمثل في النسخة الخطية الأولى التي صورتها من اسطنبول (١١٠) لوحات - فابتدأت العمل من اللوحة (١١٠) إلى اللوحة (٢٨٢)، وهو يشمل تفسير: المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، والتوبة، ويونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل، والإسراء، ومجموع أوراق هذا القسم (١٧٢) لوحة، وتمثل (٣٤٤) صفحة.

стр. 5

وقد تكونت خطة البحث من مقدمة، وقسمين، وخاتمة، وذلك على النحو التالي: - المقدمة، وتشمل أهمية الموضوع وأسباب اختياره، وأهداف البحث، والدراسات السابقة، وخطة البحث، والمنهج الذي سأسير عليه في تحقيق الكتاب ودراسته. - القسم الأول: قسم الدراسة، ويتكون من ثلاثة فصول: الفصل الأول: عصر المؤلف، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الحالة السياسية، وأثرها في حياته. المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية، وأثرها في حياته. المبحث الثالث: الحالة العلمية، وأثرها في حياته. الفصل الثاني: حياة المؤلف، وفيه خمسة مباحث: المبحث الأول: اسمه، ونسبه، ومولده، ونشأته. المبحث الثاني: شيوخه وتلاميذه. المبحث الثالث: عقيدته، ومذهبه الفقهي. المبحث الرابع: مكانته العلمية ومؤلفاته. المبحث الخامس: وفاته. الفصل الثالث: التعريف بالكتاب وقيمته العلمية، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: اسم الكتاب. المبحث الثاني: نسبة الكتاب إلى مؤلفه. المبحث الثالث: النسخ الخطية للكتاب. المبحث الرابع: قيمة الكتاب العلمية، وأثره في التفاسير المؤلفة بعده. - القسم الثاني: النص المحقق. الخاتمة، وفيها أهم نتائج البحث وتوصياته. الفهارس: حيث سيتم خدمة الكتاب بالفهارس العلمية الآتية: أ - فهرس أسماء السور. ب - فهرس الآيات. ج - فهرس القراءات. د - فهرس الأحاديث. هـ - فهرس الآثار. و- فهرس الأعلام. ز - فهرس الأشعار. ح - فهرس الجماعات والقبائل والفرق. ط - فهرس الأمكنة والمواضع. ي - ثبت المصادر والمراجع. ك - فهرس الموضوعات.

стр. 6

أما منهج البحث فإني سأسلك في القسم الدراسي المنهج الوصفي التحليلي، وأما قسم التحقيق فسيكون العمل فيه كالتالي: أولاً: منهج كتابة النص المحقق: - اعتماد النصّ المختار بين نسخ الكتاب مع الإشارة في الهامش إلى اختلاف النسخ، مع إهمال الفروق الطفيفة، كاختلاف النسخ في صيغة الصلاة على النبي ﷺ ، أو الترضِّي عن الصحابة، أو إهمال الهمز (لأنه - لانه)، أو تسهيله (الملائكة - الملايكة). - نسخ المخطوط وفق قواعد الإملاء المتعارف عليها في العصر الحاضر. - كتابة الآيات وفق رسم المصحف، مع توثيقها بذكر اسم السورة ورقم الآية بين هلالين خلال نص الكتاب. - ضبط الكلمات المشكلة والغريبة في نص الكتاب. ثانياً: منهج التعليق في الحاشية: - توثيق القراءات القرآنية عن طريق ذكر من قرأ بها، والحكم عليها من جهة التواتر أو الشذوذ، مع الإحالة إلى كتاب أو كتابين من مصادر القراءات المعتمدة، وأحياناً يكون تفسير الكرماني وفق إحدى القراءات ثم يشير للمعنى وفق القراءات الأخرى، فمثل هذا استلزم مني الإشارة في الهامش إلى ربط المعاني بالقراءات. - تخريج الأحاديث والآثار من مصادرها الأصيلة، علماً أنه إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فسأكتفي بالعزو إليهما أو إلى أحدهما، وإذا كان في غيرهما فسأتوسع في التخريج، مع نقل كلام أهل العلم على الأحاديث من جهة القبول أو الرد. - عزو أقوال أهل العلم المنسوبة في الكتاب لقائليها إلى مصادرها الأصيلة، فإن لم أعثر عليها فسيتم العزو إلى الكتب التي نقلت عنهم، فإن لم أجدها تركتها دون عزو لعل الله ييسر لي أو لغيري العثور عليها، أما الأقوال غير المنسوبة التي يهمل الكرماني الإشارة لمن قال بها فلم أذكر من قال بها سوى ما كان مستغرباً أو رأيت أنه ليس في المصادر المشهورة فإني أشير لمن قال به. - توثيق المسائل العقدية والفقهية من الكتب المعتمدة، مع ترتيبها وفق وفيات مؤلفيها.

стр. 7

- التعليق على الكلمات المشكلة والغريبة في نصّ الكتاب بالبيان والتوضيح نقلاً عن المصادر المعتمدة في هذا الباب. - التعريف بالأعلام، والبلدان، والأماكن التي ترد في نصّ الكتاب المحقق، مع مراعاة توثيق ذلك كله من مراجع متقدمة ومتأخرة، وذكر الأسماء الحديثة للمسميات القديمة. - التعريف بالفِرق، وذلك بذكر الاسم المشهور للفرقة وما يُرادفه، وذكر نبذة عن نشأتها وأشهر رجالها، وبيان ما تعرف به من آراء، ويعتمد ذلك كله من مصادر الفرق والملل والنحل المعتبرة. - نسبة الأبيات الشعرية لقائليها وتوثيقها من دواوين أصحابها أو دواوين اللغة والأدب، وإن لم يكن فمن مظانها من الكتب المتقدمة. - ستتم الإحالة للمصادر وفق الآتي: - إذا كان النقل بالنص أو بالمعنى فسيذكر اسم الكتاب والجزء والصفحة، ويذكر اسم المؤلف إذا لم يذكر في ثنايا نص الكتاب، أو كان اسم الكتاب مشتركاً بين أكثر من كتاب. - نقل الكرماني عن بعض الكتب غير المطبوعة، مثل تفسير «البسيط» للواحدي، كما نقل عن كتب مطبوعة ولكنها كثيرة التحريف والخطأ، مثل تفسير «الكشف والبيان» للثعلبي، فرجعت إلى الرسائل العلمية التي حققت الكتابين، والعزو لمثل هذه الرسائل سيكون بذكر رقم الصفحة فقط، حيث سيتم التعريف بالرسالة العلمية واسم الباحث ضمن مراجع البحث إن شاءالله تعالى. - كان من مصادر الكرماني: تفسير الرماني، وهو علي بن عيسى الرماني المتوفى سنة (٣٨٤ هـ)، وكان الكرماني ينقل عنه باسم: ابن عيسى، فجمعت مخطوطات تفسيره، ولم أعثر على ما يوافق عملي إلا المخطوطة الموجودة في مكتبة المسجد الأقصى فقطعت الأمل في تحصيلها، ثم لاح الأمل من جديد حيث وجدتها مصورة في معهد المخطوطات بجامعة الدول العربية بمصر، فطلبتها بمساعدة أخي الفاضل الدكتور/ مساعد الطيار، فوصلتني، فوجدتها تبدأ من الآية (١٧) من سورة إبراهيم إلى الآية (٣٧) من سورة الكهف، فالحمد لله على توفيقه.

стр. 8

القسم الأول قسم الدراسة وفيه ثلاثة فصول - الفصل الأول: عصر المؤلف. - الفصل الثاني: حياة المؤلف. - الفصل الثالث: التعريف بالكتاب وقيمته العلمية.

стр. 9

الفصل الأول عصر المؤلف وفيه ثلاثة مباحث: - المبحث الأول: الحالة السياسية، وأثرها في حياته. - المبحث الثاني: الحالة الاجتماعية، وأثرها في حياته. - المبحث الثالث: الحالة العلمية، وأثرها في حياته.

стр. 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تمهيد: ينسب الكرماني إلى بلدة كرمان، وعنها يقول ياقوت الحموي: (بفتح الكاف ومنهم مَن يكسرها وسكون الراء، صقع كبير وإقليم واسع يشتمل على مدن كثيرة وبلدان واسعة وخيرات كثيرة، وفيها نخل كثير وتمر جيد يفوق تمر البصرة، وهي بين فارس وسجستان ومكران، وحدٌّ منها يتصل بحدود خراسان، والمنسوبون إليها لا يحصون كثرة) (١). ومساحة هذه المنطقة الواسعة تبلغ ١٨٠ في ١٨٠ فرسخاً، وبذلك تغطي زهاء (١٧٩٦٥٢) كيلو متراً مربعاً (٢)، ويوجد بالمنطقة العديد من المدن والقرى، منها: كرمان، وبردسير، وسيرجان، وبَمّ، وجيرفت، وزماشير، وهرمز، وسورو (التي تسمى حالياً بندر عباس) وغيرها. وهذه المنطقة كلها تعتبر حالياً جزءاً من الجمهورية الإيرانية، وتذكر بعض الكتابات الجغرافية القديمة كرمان وبردسير على السواء على أنهما عاصمة كرمان، والسبب في ذلك هو أن الحاكم في بعض الأحيان كان يقيم في كرمان وأحياناً في بردسير، وفي الحقيقة بردسير مدينة مختلفة عن كرمان وتفصل بينهما مسافة (٥٠) كم (٣).

стр. 11

ولكي يتم تصور موقع كرمان أكثر، أنقل للقارئ جدول المسافات التالي (١): من كرمان إلى طهران = ١٠٤٤ كم تقريباً. من كرمان إلى سورو (بندر عباس) = ٥٤٧ كم تقريباً. من كرمان إلى بم = ١٩٣ كم تقريباً. من كرمان إلى سعيدأباد = ١١١ كم تقريباً. من كرمان إلى شيراز = ٥٦٠ كم تقريباً. ومن المهم أن أشير إلى أن السلاجقة حكموا كرمان قرابة (١٥٠) عاماً، تبدأ من عام ٤٣٣ هـ إلى عام ٥٨٢ هـ، وهي الفترة التي عاش فيها محمود بن حمزة الكرماني (٢)، ومن المهم أيضاً أن أشير إلى أن محموداً هذا يقال إنه لم يغادر بلده كرمان، وفي ذلك يقول ياقوت: (لم يفارق وطنه ولا رحل) (٣)، بينما نجد الكرماني يذكر عن نفسه في كتابه «النهاية شرح الغاية» أنه رحل إلى بغداد والتقى بعلمائها، واطلع على كتاب «الهداية في شرح مشكلات الغاية» لأحمد بن أبي بكر الضرير البغوي، فهذه رحلة علمية غَفَل عنها ياقوت (٤). * * *

стр. 12

المبحث الأول الحالة السياسية وأثرها في حياته لا نعرف تحديداً دقيقاً لسنة ميلاد الكرماني ولا سنة وفاته، ولكننا نعلم أنه عاش النصف الثاني من القرن الخامس، وبعضاً من النصف الأول من القرن السادس. وفي هذه الفترة كانت كرمان تحت حكم السلاجقة، وهم سُنَّةٌ، حيث حكمها عماد الدين قره أرسلان قاورد بن جغري بيك ابتداءً من عام ٤٣٣ هـ إلى حين وفاته ٤٦٥ هـ، وذلك بأمر من سلطان السلاجقة في ذلك الوقت طغرك بك، ولم يَخْلُ عصر قاورد من بعض المناوشات السياسية، مما كان سبباً في مقتله بالسمّ كما سيأتي. ثم أُسند حكم كرمان لسلطان شاه بن قاورد وكان يلقَّب بركن الدين، فحكم مدة ثم توفي في عام ٤٧٧ هـ. ثم تلاه تورانشاه بن قاورد، وكان يلقب بمحيي الدين عماد الدولة، وكان عادلاً ومنصفاً بين الرعية، وعمد إلى تعمير البلاد، ومات في عام ٤٨٩ هـ. تلاه ابنه إيران شاه الملقب ببهاء الدين، وكان فاسقاً ظالماً لا يهتم بالرعية، ويميل إلى اللهو والمتعة، ويتعاطف مع الإسماعيلية، فخرج عليه أهل كرمان وقتلوه بعد حكم دام خمس سنوات، وكان مصرعه في عام ٤٩٤ هـ. وكان إيران شاه أثناء حياته على خلاف مع ابن عمه أرسلان شاه بن كرمان شاه قاورد، وحاول إيران شاه قتل ابن عمه، وفرَّ أرسلان شاه، فلما هلك إيران شاه خرج أرسلان شاه ونصَّبَهُ أمراء كرمان وأعيانها سلطاناً للبلاد، وكان عادلاً محسناً، واستمر يحكم البلاد مدة ٤٢ سنة، إلى أن توفي في عام ٥٣٦ هـ (١).

стр. 13

في هذه الأجواء السياسية كانت حياة الكرماني في كرمان. ولم يختلف الأمر كثيراً عن البلاد المجاورة لكرمان، فعموم بلاد فارس كانت فيها مناوشات عسكرية، حيث كان طغرل بك سلطان السلاجقة يُخضِع الدول المجاورة كالزيادية في طبرستان وجرجان عام ٤٣٣ هـ، وفي العام التالي ٤٣٤ هـ ضمَّ طغرل خوارزم إلى ممتلكاته، ثم أتبعها الري واتخذ منها عاصمة له، وتمكن كذلك من الاستيلاء على قزوين وأبهر وزنجان، فأصبح أمراء الديلم طوع أمره وأبناء علاء الدين كاكويه رهن إشارته، وهكذا اتَّسع نطاق نفوذه فبات يسيطر على إيران كلها تقريباً. ثم امتدت سيطرته إلى خراسان وهمدان ٤٤١ هـ، وأصفهان ٤٤٣ هـ، ثم بغداد عام ٤٤٧ هـ، وإزاء قوة طغرل وانتصاره لم يجد الخليفة العباسي «القائم بأمر الله» بدًّا من أن يصدر أمره بقراءة الخطبة باسمه وحذف اسم الملك الرحيم البويهي نهائياً، وترسَّخت العلاقة بين الخليفة القائم بأمر الله وبين طغرل بك، لدرجة أن الخليفة تزوج من ابنة أخي طغرل بك جغري بك. ولقد أغضب هذا الأمر المستنصر بالله الخليفة الفاطمي، إذ ساءه أن يكون المذهب السني يزدهر في هذه المناطق، فحرَّك أحد المماليك ويدعى أبا الحارس البساسيري لمهاجمة بغداد، وذلك حين كان طغرل خارجها، مما جعل الخليفة العباسي يفر من بغداد ناجياً بنفسه، وأمر البساسيري بقراءة الخطبة باسم المستنصر بالله الخليفة الفاطمي الذي كان يحكم آنذاك في مصر، وكان ذلك في الثامن من ذي القعدة من عام ٤٥٠ هـ، وسارع طغرل بالتوجه إلى بغداد فوقع قتال عنيف بينه وبين البساسيري انتهى بقتل البساسيري وإرسال رأسه إلى الخليفة القائم، وتم الاستيلاء على بغداد في الخامس عشر من ذي الحجة من عام ٤٥١ هـ، وزال نفوذ الفاطميين عنها، وعاد الخليفة القائم إليها مرة أخرى. وقد وثَّق طغرل علاقته بخليفة بغداد عن طريق زواجه من ابنته في عام ٤٥٤ هـ، إلا أنه توفي بعد عام من زواجه في ٤٥٥ هـ عن عمر يبلغ السبعين، تاركاً البلاد لعدد من المتنازعين على العرش، واستمر حكمه ٢٦ سنة.

стр. 14

وقد حصل نزاع على العرش بعد وفاة طغرل بين ابني أخيه جغري، وهما ألب رسلان بن جغري وسليمان بن جغري، إلا أن هذا النزاع لم يدم طويلاً إذ استقر الأمر لألب أرسلان، مما مكَّنه من السعي إلى استقرار البلاد وإخماد حركات المعارضة، بل سعى إلى مدّ بصره إلى البلاد الواقعة خارج نطاق نفوذه وفي مقدمتها البلاد المسيحية والبلاد غير الإسلامية بوجه عام. وعلم الإمبراطور الروماني رومانوس ديوجينس برغبة ألب أرسلان فتجهَّز الفريقان لمعركة ملاذكرد الشهيرة والتي انتصر فيها ألب أرسلان وأُسِرَ الإمبراطور وقُتِلَ عدد هائل من أفراد جيشه البالغ ٢٠٠ ألف مقاتل. وبعد حكم دام أكثر من تسع سنوات وفي عام ٤٦٥ هـ قُتِلَ ألب أرسلان إثر طعنة من قائد من قواد إحدى القلاع المفتوحة يدعى يوسف الخوارزمي، وقد كان أوصى لابنه ملكشاه على عرش السلاجقة، ولكن هذا الأمر لم يعجب قاورد والي كرمان وهو عَمُّ ملكشاه، إذ رأى قاورد أنه أحق بعرش السلاجقة من ملكشاه، فتقابلا في معركة كبيرة في همدان انتهت بأسر ملكشاه لقاورد، ثم قتله لاحقاً بناءً على مشورة الوزير نظام الملك، ورأى ملكشاه وبمشورة وزيره نظام الملك أنه من الحكمة ترك ولاية كرمان في أبناء عمه قاورد يحكمونها، واستمر حكمهم لها حتى عام ٥٨٣ هـ، وهم الذين عُرفوا في التاريخ باسم سلاجقة كرمان (١). ومع كثرة النزاعات في العهد السلجوقي، إلا أنها نزاعات على السلطنة والملك، وكانت كلها ضمن المذهب السُّني، وليست معارك دينية، وقد كانت كرمان خلال هذه الفترة أكثر استقراراً من البلدان المجاورة رغم ما حصل فيها من بعض المناوشات كما سبق، ولم أجد إشارة من الكرماني في كتابه هذا لأمر يتعلق بأحد السلاطين، ولم يمدح أو يذم أحدهم، مما يشير إلى عدم تأثره الكبير بهذه الأحداث السياسية. * * *

стр. 15

المبحث الثاني الحالة الاجتماعية وأثرها في حياته لقد كان لسيطرة السلاجقة على المشرق الإسلامي أكثر الأثر في انتشار المذهب السني واندحار المذهب الباطني الفاطمي الذي ازدهر في فترة حكم بني بويه، ولقد كان لهذا الأمر صور عديدة، لعل من أبرزها: - أصدر السلطان طغرلبك أمره سنة ٤٤٥ هـ بلعن الرافضة من على منابر خراسان (١). - في عام ٤٤٨ هـ أصدر الخليفة القائم بأمر الله أمره إلى أهل الكرخ والمشهد وغيرهما بأن يؤذن: الصلاة خير من النوم، وأن يتركوا: حي على خير العمل، ففعلوا ما أمرهم به خوف السلطنة وقوّتها (٢). - كانت سياسة السلاجقة إبعاد أصحاب المذاهب الباطنية والديلمية عن الجهاز الإداري للدولة السلجوقية، وفي ذلك يذكر نظام الملك (٣) أنه لم يكن أحد في زمن السلطان طغرلبك يجرؤ على أن يعين أحداً من خبثاء المذهب المخالفين لأهل السنة. لقد أدت مثل هذه الأعمال والسياسات إلى انكفاء دعاة الفلاسفة والباطنية

стр. 16

والمتكلمين على أنفسهم، وفقدوا الجرأة على الظهور العلني، بل وصل الأمر إلى أهل الذمة، ففي ٤٤٨ هـ ألزم طغرلبك أهل الذمة بلبس الغيار ببغداد، وهو علامة لأهل الذمة يُشَدُّ على وسطهم، قال ابن كثير: بَيَّض الله وجهه (١). وكان للمعتزلة حضورهم في تلك الفترة، ولكنه لم يكن بدرجة ظهور الباطنية، وقد كان التشيُّع والاعتزال قد فشا في عهد البويهيين، وفشا مذهب الاعتزال بخاصة في العراق وخراسان وما وراء النهر، وذهب إليه جماعة من مشاهير الفقهاء، واستمر الأمر كذلك حتى أصدر الخليفة القادر كتاباً سماه: الاعتقاد القادري، احتوى على نقض لكثير من آراء المعتزلة، وفيه جملة جيدة من اعتقاد السلف، وأُخذت خطوط العلماء والزُّهاد بأنه اعتقاد المسلمين (٢). وكانت كرمان في هذه الفترة -كذلك - في ازدهار معيشي رغم ماكانت تعانيه من اختلاف مذهبي، فهي منطقة زراعية ممتازة كما ذكرت سابقاً. ولقد تأثر الكرماني بهذه الحالة الاجتماعية، وظهر أثر ذلك في تفسيره في بعض المواطن، حيث يشير أحياناً لمذهب الرافضة والمعتزلة، ويرفق ذلك بالرد عليهم كما سيأتي عند دراسة عقيدته. * * *

стр. 17

المبحث الثالث الحالة العلمية وأثرها في حياته كان العصر السلجوقي عصر رواج للعلوم المذهبية والأدبية بخاصة، وعصر انطلاق للحركة المدرسية في الإسلام، إذ كان التعليم في المدارس امتداداً لحركة التعليم في المساجد. وكان حكام السلاجقة يعتنقون المذهب الحنفي، وتبعهم وزراؤهم إلا البعض منهم، فالكندري مثلاً كان حنفي المذهب متعصباً للغاية، ثم لان في آخر أمره وفارق التعصب، بينما كان نظام الملك شافعي المذهب (١). وإننا نجد في عصر السلاجقة علماء من المذهَبَيْن الحنفي والشافعي، وفي هذا العصر أنشئت مدارس يدرس فيها كتب المذهَبين وأُلفت كتب في كلا المذهبين، كما أنه برز جماعة من علماء التفسير وعلوم القرآن، ولعل من أبرزهم: ١ - علي بن أحمد الواحدي النيسابوري (ت ٤٦٨ هـ)، صاحب البسيط والوسيط والوجيز وأسباب النزول وغيرها. ٢ - أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني المروزي (ت ٤٨٩ هـ)، له تفسير مطبوع. ٣ - الراغب الأصفهاني الحسين بن محمد بن مفضل (ت ٥٠٢ هـ)، له تفسير مشهور، وكتاب المفردات في ألفاظ القرآن الكريم. ٤ - الكيا الهراسي عماد الدين علي بن محمد الطبري (ت ٥٠٤ هـ) له أحكام القرآن. ٥ - محيي السنة الحسين بن مسعود البغوي (ت ٥١٦ هـ)، له تفسير مطبوع. وفي هذا العصر تم تأسيس المدارس النظامية، نسبة إلى وزير السلاجقة نظام الملك، ويمكن القول إنه تم إنشاء مدرسة في كل مدينة بالعراق وخراسان (٢)، وخصصت أوقاف لهذه المدارس تُدِرُّ عليها الأموال، وقد كانت هذه المدارس مخصصة لأصحاب المذهب الشافعي فقط، وقد كان للحنفية مدارسهم الخاصة بهم كذلك (٣). وبهذا نعلم أن احترام العلم والعلماء كان سجية واضحة في الدولة السلجوقية منذ قيامها، ولا شك أن صاحبنا الكرماني عايش هذه النهضة العلمية وتأثَّر بها وأثَّر فيها، كما سيأتي لاحقاً عند سرد مشايخه وتلامذته - إن شاء الله تعالى -. * * *

стр. 18

الفصل الثاني حياة المؤلف وفيه خمسة مباحث: - المبحث الأول: اسمه ونسبه ومولده ونشأته. - المبحث الثاني: شيوخه وتلامذته. - المبحث الثالث: عقيدته ومذهبه الفقهي. - المبحث الرابع: مكانته العلمية ومؤلفاته. - المبحث الخامس: وفاته.

стр. 19

المبحث الأول اسمه ونسبه ومولده ونشأته اتفقت كتب التراجم على أن اسمه: محمود بن حمزة بن نصر، أبو القاسم الكرماني (١). وزاد بعضهم برهان الدين، ولقبه عندهم: تاج القراء، وسبق أن ذكرت أنه ينسب إلى كرمان، حيث ورد في ترجمته أنه لم يغادرها، وبيَّنا هناك أن هذا القول تنقصه الدقة، فقد ذكر الكرماني في كتابه «النهاية» أنه رحل إلى بغداد. ولم تذكر مصادر الترجمة سنة وفاته بدقة كما سيأتي، فمن باب أولى أن لا تورد سنة ولادته، ولكن من خلال بعض الدلائل التي سنوردها - إن شاءالله تعالى - في تحديد سنة وفاته، يظهر - والله أعلم - أن الكرماني ولد في منتصف القرن الخامس تقريباً، والظاهر أن خروجه من كرمان كان قليلاً جداً أو نادراً، ولذلك جزم ياقوت في ترجمته بأنه لم يغادر موطنه. ولا نعرف شيئاً عن أسرته إلا ما ورد في ترجمة والده حمزة بن نصر، حيث ذكر ابن الجزري (٢) أنه مقرئ متصدِّر، وأن ابنه محموداً ممن قرأ عليه، فظهر بذلك أن الكرماني تأثر بوالده في نشأته العلمية، فالظاهر أنها نشأة علم ودين. * * *

стр. 20

المبحث الثاني شيوخه وتلامذته أخذ الكرماني عن جماعة من القراء والعلماء، منهم: ١ - والده ، قال ابن الجزري (١): (حمزة بن نصر، أبو محمود الأصبهاني، مقرئ متصدر، قرأ بالعشر وغيرها على أبي نصر محمد بن أحمد الكركانجي، قرأ عليه ابنه محمود). وقال الكرماني في صدر كتابه «النهاية في شرح الغاية» (٢): (قرأت القرآن بجميع روايات الكتاب وطرقه واحداً واحداً على والدي حمزة بن نصر ﵀. وصدر قريباً كتاب «قراءة الكسائي» (٣) من تأليف رضي الدين أبي عبدالله محمد بن أبي نصر الكرماني المتوفى بعد سنة (٥٦٣ هـ)، وتوقعت أن أجد الكرماني في إسناده، وفعلاً، ففي أول الكتاب: (هذا ما آثر أبو الحسن علي بن حمزة الأسدي النحوي المعروف بالكسائي رحمة الله عليه برواية أبي عمر الدوري من طريق ابن مقسم من حروف القرآن مما اختلف فيه قَرأَةُ الأمصار، على ما قرأت به على الشيخ الإمام تاج القراء برهان الدين زين الفريقين ضياء الأمة سعد الإسلام أبي القاسم محمود بن حمزة بن نصر رحمة الله ورضوانه عليه، قال: قرأت على والدي حمزة بن نصر الفَرْغاني، رحمة الله عليه ونوَّر ضريحه، قال: قرأت على الشيخ أبي نصر محمد بن أحمد الحامدي الكُرْكانجي بمرو، قال .... ).

стр. 21

٢ - محمد بن حامد بن الحسن الخيامي الطوسي ، قال ابن الجزري (١): (مقرئ متصدر، روى القراءات عن عبيدالله بن محمد الطوسي وعبدالله بن الحسين النيسابوري، روى القراءات عنه محمود بن حمزة النيسابوري) ولم أعرف سنة وفاته (٢). ٣ - أبو سهل محمد بن عبدالرحمن بن أبي الفضل النيسابوري ، ذكره الكرماني في صدر تفسيره في بيان أسماء سورة الفاتحة، قال الكرماني: (لهذه السورة فيما حدثنا به أبو سهل محمد ... النيسابوري عن الواحدي عن الثعلبي عشرة أسماء: سورة الحمد ... )، كما ذكره الكرماني مرة أخرى في صدر تفسير سورة آل عمران، فقال: (حدثنا الشيخ الإمام أبو سهل محمد بن عبدالرحمن بن أبي الفضل النيسابوري ثم الكاشغري (٣) حدثنا الشيخ الإمام علي الواحدي في كتاب أسباب النزول أنه قدم وفد نجران ... ). وذكر محقق «غرائب التفسير» ١/ ٣١ أن الكرماني ذكر شيخه أبا سهل في صدر كتابه «النهاية في شرح الغاية». ولم أظفر بترجمته. ٤ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (٢٤) من سورة الأنعام: (وسمعت شيخ الإسلام القاضي أبا المعالي رحمة الله عليه يقول ... )، وبعد البحث والنظر ترجح لي أنه هبة الله بن علي بن إبراهيم بن محمد الشيرازي، أحد القضاة المشهورين

стр. 22

بالفضل والعلم والفقه والأدب، وكان ممن سكن كرمان، ومات بعد شعبان سنة (٥٢٠ هـ) (١)، ومنه يعلم أن الكرماني بقي إلى وقت وفاته، حيث يقول الكرماني (رحمة الله عليه) وقد اتفقت على ذلك النسخ الخطية الثلاث، ففي الأولى ما ذكرته، أما الثانية والثالثة ففيها ﵀، فيبعد أن يكون الدعاء بالرحمة من تصرف النساخ، وسأذكر هذه المسألة بتوسع في سنة وفاة الكرماني - إن شاء الله تعالى -. أما تلاميذه، فمنهم: ١ - أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري، صاحب «الكشاف» وهو من رؤوس المعتزلة، المولود سنة (٤٦٧ هـ) والمتوفى سنة (٥٣٨ هـ). قال السيوطي في «مراصد المطالع في تناسب المقاطع والمطالع» (٢): (فإن من علوم القرآن العظيم مناسبة مطالع السور ومقاطعها كما أوضحته في «الإتقان» وكتاب «أسرار التنزيل»، وقد صرَّح بذلك المحققون كصاحب «الكشاف» وشيخه محمود بن حمزة الكرماني صاحب «البرهان في متشابه القرآن» و «الغرائب والعجائب في التفسير» والإمام فخر الدين والأصبهاني وغيرهم). فظهر بهذا النص أن الزمخشري صاحب الكشاف تلميذٌ للكرماني، ولم أجد هذه المعلومة عند غير السيوطي، وكان الكرماني أحياناً في تفسيره يذكر بعض الأعاريب أو التوجيهات للآيات ثم نجد ذلك الوجه في «الكشاف» للزمخشري (٣)، وهذا مما يؤيد أن الزمخشري استفاد من الكرماني، وهذا وإن لم يكن

стр. 23

صريحاً في إثبات أن الزمخشري تلميذ الكرماني، إلا أنه يصلح شاهداً لما ذكره السيوطي. ولعلَّ قادم الأيام تثبت لنا المزيد حول هذا الموضوع. ٢ - أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، صاحب «مجمع البيان» أحد أشهر تفاسير الشيعة، المولود سنة (٤٦٩ هـ) والمتوفى سنة (٥٤٨ هـ). قال علي بن زيد البيهقي في «تاريخ بيهق» (١) في أثناء ترجمة الطبرسي: (اختلف إلى تاج القراء الكرماني)، وهذا يثبت تتلمُذه، فضلاً عن وجود تأثر واضح في الاستفادة من كتاب الكرماني في التفسير عند الطبرسي في مجمع البيان عند نقل أقوال المفسرين، إذ تتشابه العبارات أحياناً سطراً كاملاً، رغم الاختلاف المذهبي بين الرجلين. ٣ - نصر بن علي بن محمد، أبو عبدالله الشيرازي، المعروف بأبي مريم، أو ابن مريم، أو ابن أبي مريم ، على اختلاف بين المترجمين له في ذلك (٢)، خطيب شيراز وعالمها وأديبها، والمرجوع إليه في الأمور الشرعية والمشكلات الأدبية، له عدد من المصنفات، منها: الإفصاح في شرح الإيضاح للفارسي، والموضح في القراءات الثمان، وهو مطبوع، والمنتقى في علل القراءات الشواذ، وله تفسير للقرآن الكريم كذلك. ذكر المترجمون له أنه أخذ عن الكرماني، وتبين لي أنه هو راوي كتاب «البرهان في متشابه القرآن» عن مؤلفه الكرماني، وقال العماد الأصفهاني في كتابه «خريدة القصر» قسم فارس ٣/ ٣١: (سمعت في سنة اثنتين وسبعين (يعني وخمسمائة) أنه يعيش وقد ناهز السبعين).

стр. 24

٤ - رضي الدين أبو عبدالله محمد بن أبي نصر الكرماني ، المتوفى بعد سنة (٥٦٣ هـ) (١)، له كتابان مطبوعان، هما: «قراءة الكسائي»، طبع بتحقيق الدكتور حاتم صالح الضامن، في بغداد سنة (١٤٢٧ هـ)، والكتاب الثاني هو: «شواذ القراءات»، طبع بتحقق الدكتور شمران العجلي سنة (١٤٢٢ هـ) في بيروت عن مؤسسة البلاغ للنشر والتوزيع، وقد ورد في الكتابين معلومات تشير إلى أن رضي الدين الكرماني هو أحد تلاميذ تاج القراء محمود بن حمزة الكرماني، ففي الكتاب الأول قال رضي الدين: (على ما قرأت به على الشيخ الإمام تاج القراء برهان الدين زين الفريقين ضياء الأمة سعد الإسلام أبي القاسم محمود بن حمزة بن نصر رحمة الله ورضوانه عليه)، وفي الكتاب الثاني «شواذ القراءات» نقل عنه في (ص ٣٧): (قال الإمام تاج القراء قدس الله سره: لا يتصور تليين الهمزة في الابتداء)، كما نقل عنه في أثناء بيان القراءات الشاذة في سورة العصر: (سمعت شيخنا الشيخ الإمام تاج القراء أبا القاسم محمود بن حمزة بن نصر قدس الله روحه العزيز) وهذه العبارة سقطت من المطبوع وأثبتها من المخطوط (٢). ٥ - بديع الزمان الكرماني، أبو المعالي إسماعيل بن الحسين ، له ترجمة عند العماد في «خريدة القصر» ٣/ ٦٠، ولم يذكر شيئاً عن سنة وفاته، إلا أنه ذكر أنه كان حياً سنة (٥٤٣ هـ)، وذكر العماد الأصفهاني في ترجمة تاج القراء محمود بن حمزة الكرماني أن البديع الكرماني تلميذٌ لتاج القراء. هذا ما وقفت عليه من شيوخ الكرماني وتلاميذه بعد بذل الجهد، ولا أشك أنهم أكثر من ذلك بكثير، ولعل قادم الأيام يظهر لنا المزيد منهم. * * *

стр. 25

المبحث الثالث عقيدته ومذهبه الفقهي تميزت مؤلفات الكرماني المطبوعة بعدم ظهور مذهبه فيها بجلاء، سواءً العقدي أو الفقهي أو حتى النحوي، ولعل هذا ما دعى تلاميذه أن يصِفوه بقولهم (زين الفريقين) (١) أو (رئيس الفريقين) (٢)، والله أعلم. ورغم أنه أحد النحاة المعروفين إلا أنه قد صدرت دراستان حاول فيهما الباحث معرفة مذهبه النحوي فلم يظهر بوضوح هل الكرماني كوفي أم بصري. فهناك بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى مقدم من الباحث حسن بن إبراهيم قابور سنة (١٤٢٥ هـ) عنوانه (المسائل النحوية في كتاب «غرائب التفسير وعجائب التأويل» لتاج القراء محمود بن حمزة الكرماني)، وقد قال الباحث في بيان مذهبه النحوي: (من خلال ما درسته من مسائل وما استخرجته من مصطلحات نحوية ذكرها الكرماني في تفسيره - يقصد الغرائب والعجائب - يتضح لنا أنه لم يكن تابعاً لأيّ من المذاهب النحوية، ولم يتعصب لأحدها، حيث لم يذكر كما ذكر غيره لفظ «شيوخنا» و «أصحابنا» وغيرها من مصطلحات التبعية، بل كان منتقياً للرأي الذي يراه صواباً من خلال إقامة الحجة وقوة الدليل، وإن كان أكثر ميلاً للمذهب البصري فقد وافقهم في أكثر المسائل الخلافية التي درستها) (٣).

стр. 26

وهذه هي نفس النتيجة التي توصل لها محققا كتاب الكرماني «العنوان في النحو»، حيث قالا: (ولم يتبين لنا مذهبه النحوي من خلال نصّ الرسالة لأنه مزج بين مصطلحات المدرستين البصرية والكوفية، وعرض آراءهما من غير ترجيح رأي على آخر) (١). ونفس المشكلة ظهرت لي، فهل الرجل أشعري أم ماتريدي؟ وهل هو حنفي أم شافعي؟ وطوال فترة البحث وأنا أجمع المرجِّحات من أقواله، وأقوال الذين ينقلون عنه، والمترجمين له، ولم أظفر بما أعتبره يقيناً في هذه المسألة، وإن كان الغالب عندي الآن أنه أشعري، رغم كونه حنفياً، وهذا غريب في تراجم العلماء، ولكن تزول الغرابة إذا علمنا أنه لم يكن من المتعصبين في عقيدته وفقهه ومذهبه النحوي كذلك، ويزول الاستغراب أيضاً إذا علمنا أن إقليم كرمان فيه حنفية وشافعية (٢). وقبل الحديث عن أشعرية الكرماني، أشير إلى أنه لم يكن معتزلياً في تفسيره رغم نقولاته عن بعض وجوه المعتزلة، ومما يظهر ذلك بوضوح ما يلي: ١ - صدَّرَ الكرماني تفسيره بقوله: (الحمد لله منزل القرآن غير محدث ولا مخلوق)، ومذهب المعتزلة هو القول بخلق القرآن. ٢ - وقال أيضاً في مطلع تفسيره: (فالجنة والنار مخلوقتان)، ومذهب المعتزلة أن الله ينشئهما يوم القيامة. ٣ - وقال في مطلع تفسيره: (بشَّرَ المؤمنين في الحياة الدنيا بالرؤية في الآخرة فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]) وحَرَّمَ الرؤية والنعيم على الجاحدين فقال: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥])، والمعتزلة هم الذين ينكرون الرؤية. ٤ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (٣) من سورة البقرة: (كل ما يصل إلى العبد من عطية فهو رزق الله حلالاً كان أو حراماً)، وهذا خلاف قول المعتزلة الذين يرون أن الحرام ليس برزق. كما أورد بعض الردود على الرافضة، ومن ذلك: ١ - قال في أثناء تفسيره للآية (٨٢) من سورة النساء: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. قال الكرماني: (وهذا قاطع لقول من زعم من الرافضة أن القرآن لا يفهم معناه إلَاّ بتفسير الرسول له). ٢ - وقال في أثناء تفسير الآية (١٠) من سورة الحديد: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. قال الكرماني: (وفي هذه الآية دليل واضح وبرهان لائح على فضل أبي بكر وتقديمه، لأنه أول من أسلم، وعن علي ﵁ أنه قال: سبق رسول الله ﷺ وثنَّى أبو بكر وثلَّث عمر ﵄، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته جلد المفتري وطرح الشهادة).

стр. 27

ونعود الآن إلى مسألة مذهب الكرماني العقدي، فرغم التشابه الكبير والمعروف بين الأشاعرة والماتريدية، إلا أن العلماء قد ذكروا عدداً من المسائل التي يمكن التفريق فيها بين المذهبين، بل قد كتبت بعض المؤلفات حول هذه الفروق (١)، وكان اهتمامي كبيراً بدراسة هذه الفروق عند الكرماني، واستخلصت عدداً من النقاط التي ترجح - فيما أرى - ميل الكرماني للمذهب الأشعري، وهذه النقاط كالتالي: ١ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (١٧٣) من سورة الأعراف: (وهذا دليل على أن التقليد في التوحيد كفر). وهذا القول هو قول الأشاعرة، إذ يرون عدم صحة إيمان المقلد، بينما خالفهم الماتريدية (٢). ٢ - قال الكرماني في أثناء تفسير الآية (١٦٤) من سورة النساء: (﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ من غير واسطة ﴿تَكْلِيمًا﴾ قيد بالمصدر قطعاً للمجاز). وهذه المسألة تعرف عند الأشاعرة والماتريدية بأنه: هل يجوز أن يُسْمَعَ كلام الله تعالى أم لا؟ فالأشعرية على الجواز، والماتريدية على عدم الجواز (٣)، والذي يظهر من تفسير الكرماني أنه يرى رأي الأشاعرة. ٣ - قال الكرماني في أثناء تفسيره الآية (٢٨٦) من سورة البقرة: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال الكرماني: (وقيل: ولا تكلفنا ما لا نطيق، وهذا أظهر)، وظهر لي من هذا التفسير أن الكرماني يرى أنه يجوز التكليف بما لا يطاق وهؤلاء يدعون الله بأن لا يكلفهم ما لا يطيقون، ومسألة التكليف بما لا يطاق من المسائل الخلافية بين الأشاعرة والماتريدية، فالأشاعرة على جواز أن يكلف الله العباد بما لا يطاق، والماتريدية على المنع (٤). وقد وقع الكرماني في التأويل المذموم، حيث أوَّل عدداً من آيات الصفات، فقد أوَّل الرحمة بأنها إرادة الخير بالعباد (٥)، وأوَّل صفة الغضب، حيث قال:

стр. 28

(والغضب إرادة الانتقام، وقيل: الغضب من الله الذم للعصاة) (١)، وقال في قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]: ( ... حب الله المؤمنين: ثناؤه - سبحانه - عليهم وإثابته إياهم)، وهذا تأويل فاسد، والصواب إثبات صفة المحبة لله تعالى دون تعطيل ولا تمثيل ولا تكييف، إلى غير ذلك من الأمثلة. ولكون هذه التأويلات يشترك فيها الأشاعرة والماتريدية فقد اعتنيت في أول هذا المبحث ببيان بعض المسائل التي انفرد بها مذهب الأشاعرة عن الماتريدية لكي يتأيد القول الذي رجحته وهو أن الكرماني من الأشاعرة. أما المذهب الفقهي للكرماني، فظهر لي أنه من الأحناف، بدلالة عدد من المسائل، ومنها: ١ - ذكر أربعة من العلماء أنه حنفي، وهم: أ - السيوطي (ت ٩١١ هـ) في كتابه «الحاوي للفتاوى» ٢/ ١٤٠، حيث يقول السيوطي: (فاعلم أن العلماء اختلفوا في بعثة النبي ﷺ إلى الملائكة على قولين، أحدهما أنه لم يكن مبعوثاً إليهم، وبهذا جزم الحليمي والبيهقي، كلاهما من أئمة أصحابنا، ومحمود بن حمزة الكرماني في كتابه «العجائب والغرائب» وهو من أئمة الحنفية). ب - ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ هـ) في كتابه «الفتاوى الحديثية» (ص ٢٨٣). جـ - شمس الدين محمد بن أحمد الرملي (ت ١٠٠٤ هـ) في كتابه «الفتاوى» الموجودة بهامش كتاب «الفتاوى الكبرى الفقهية» للهيتمي ٤/ ٣٠٥. د - الألوسي (ت ١٢٧٠ هـ) في «روح المعاني» ١٥/ ١٧٣. ولكن أشير إلى أن وصف الكرماني بأنه حنفي ورد عند هؤلاء الأربعة في مسألة واحدة، فلعل الهيتمي والرملي والألوسي نقلوا عن السيوطي هذا الوصف، وقد يقال: إن نقلهم ذلك والسكوت عليه تصحيح له، فالله أعلم.

стр. 29

٢ - استبعدت أن يكون الكرماني حنبلياً أو مالكياً، فنظرت إلى المسائل التي اختلف فيها قول الحنفية والشافعية، فظهر لي: أ - في تفسيره [المائدة: ٦] في مسألة مسح الرأس قال إن المفروض هو ربع الرأس، وهذا مذهب الحنفية، وفي ذلك يقول الكرماني: (والمفروض قدر الربع، ولا يستوعب الرأس، خلافاً لمالك، ولا يقتصر على ما دونه، خلافاً للشافعي ﵀، وما ذكره من أن المفروض هو ربع الرأس مذهب أبي حنيفة (١). ب - في بيان حكم العمرة (٢) قال الكرماني: (وهي سنة عندنا)، وهذا مذهب الأحناف (٣)، فإن الشافعية يوجبون العمرة. جـ - عند تعريفه للاعتكاف (٤) قال الكرماني: (لزوم عبادة الله في مسجد تقام فيه الجماعة مع الصوم)، وهذا مذهب الأحناف، فإنهم يشترطون الصوم للاعتكاف، بخلاف الشافعية (٥). ولا بد من الإشارة هنا إلى أن بعض المترجمين المتأخرين وصف الكرماني بأنه شافعي، فمثلاً حاجي خليفة (ت ١٠٦٧ هـ) في كتابه «كشف الظنون» وصف الكرماني مرتين بأنه شافعي (ص ٢٤١) و (ص ١٥٤١)، بينما وصفه بأنه حنفي مرة واحدة (ص ١٤٣٧)، وفي حين سكت الزركلي (ت ١٣٩٧ هـ) في «الأعلام» ٧/ ١٦٨ عن بيان مذهبه الفقهي، فإن كحالة (ت ١٤٠٨ هـ) جزم في «معجم المؤلفين» ٣/ ٨٠٤ بأنه شافعي المذهب، ولست أدري: هل تبع كحالة ما ورد في «كشف الظنون»، أم أنه وقف على شيء لم نقف عليه.

стр. 30

المبحث الرابع مكانته العلمية ومؤلفاته يمكن استظهار مكانة الكرماني العلمية من أربعة أمور: الأول: ثناء المترجمين له عليه: قال العماد الأصفهاني في «خريدة القصر» ٣/ ٦٦: (كان كبيراً في زمانه جليلاً في شأنه، له التصانيف العزيزة في تفسير كتاب الله العزيز وقراءته ... مما لم يسبق إلى مثله)، وقال ياقوت في «معجم الأدباء» ٦/ ٢٦٨٦: (هو تاج القراء وأحد العلماء الفقهاء النبلاء، صاحب التصنيف والفضل، كان عجباً في دقة الفهم وحسن الاستنباط)، وقال ابن الجزري في «غاية النهاية» ٢/ ٢٩١: (إمام كبير محقق ثقة كبير المحل)، وقال السيوطي في «الحاوي للفتاوي» ٢/ ١٤٠: (وهو من أئمة الحنفية). وقد أصبح لقب (تاج القراء) لا ينصرف إلاّ إليه، ولا شك أنه لم يحصل على هذا اللقب إلا لبراعته في هذا الفن، وحتى لو قيل إن المقصود قرَّاء وقته أو حتى بلده، فإن هذا اللقب أصبح مقبولاً لدى معاصريه فضلاً عن من جاء بعدهم. الثاني: ثناء تلاميذه عليه: ففي إحدى نسخ كتابه «غرائب التفسير» قال الناسخ في بداية الكتاب: (قال سيدنا الشيخ الإمام الأجل، سعد الإسلام، برهان الدين، ضياء الأئمة، جمال العلماء، قطب الأفاضل، زين المفسرين، رئيس الفريقين، تاج القراء، أبو القاسم محمود بن حمزة بن نصر، أدام الله أيامه، وعصم ساحته عن المكاره والنوائب). ووصفه بنحو هذه العبارات تلميذه رضي الدين محمد بن أبي نصر الكرماني في صدر كتابه «قراءة الكسائي» حيث قال: ( ... على ما قرأت به على الشيخ الإمام تاج القراء برهان الدين زين الفريقين ضياء الأمة سعد الإسلام أبي القاسم محمود بن حمزة بن نصر رحمة الله ورضوانه عليه).

стр. 31

الثالث: كثرة النقولات عن الكرماني: تعددت النقولات عن الكرماني وكتبه، وقد نقلها النُّحاة في كتبهم والمفسِّرون في تفاسيرهم. فقد نقل عنه ابن مالك (ت ٦٧٢ هـ) في «شرح التسهيل» (١)، ونقل عنه ابن هشام (ت ٧٦١ هـ) في «مغني اللبيب» (٢)، وابن فلاح النحوي (ت ٦٨٠ هـ) في كتابه «المغني» (٣)، وغيرهم. كما نقل عنه المفسرون في مواطن عديدة من كتبهم، كأبي حيان (ت ٧٤٥ هـ)، والسمين الحلبي (ت ٧٥٦ هـ)، وابن عادل (ت ٨٨٠ هـ)، والبقاعي (ت ٨٨٥ هـ)، والخطيب الشربيني (ت ٩٧٧ هـ)، وأبي السعود (ت ٩٨٢ هـ)، والألوسي (ت ١٢٧٠ هـ) وغيرهم. ونقل عنه المصنِّفون في علوم القرآن، كالزركشي (ت ٧٩٤ هـ) في «البرهان»، والسيوطي (ت ٩١١ هـ) في «الإتقان»، وغيرهم كأبي شامة المقدسي (ت ٦٦٥ هـ) في «إبراز المعاني» (٤). وهذه النقول وكثرتها تدل على أن الكرماني كان يتبوَّأ منزلة علمية جيدة عند المفسرين والنحاة، ولذلك كانت أقواله محلّ اهتمام ودراسة.

стр. 32

الرابع: شخصيته العلمية البارزة في كتبه: وهذا أمر ظاهر في تفسيره «لباب التفاسير» وكتابه «البرهان»، وإنما انتقد عليه تأليفه لكتاب «غرائب التفسير» وفي ذلك يقول السيوطي في «الإتقان» (١) عند النوع التاسع والسبعين (في غرائب التفسير): (ألف فيه محمود بن حمزة الكرماني كتاباً في مجلدين سمّاه «العجائب والغرائب» ضَمَّنه أقوالاً ذكرت في معاني الآيات منكرة لا يحل الاعتماد عليها ولا ذكرها إلا للتحذير منها). وقد فهم بعض من جاء بعد السيوطي أن الأخير ينتقد الكرماني على هذا الكتاب، وبنظرة تأمليَّة إلى كلام السيوطي فإننا لا نجد انتقاداً، وإنما هي جمل تصف الكتاب فحسب، ولعلها مقتبسةٌ من مقدمة الكرماني لكتابه «غرائب التفسير» حيث يقول الكرماني: (وبعد، فإن أكثر العلماء والمتعلمين في زماننا يرغبون في غرائب تفسير القرآن وعجائب تأويله، ويميلون إلى المشكلات والمعضلات في أقاويله، فجمعت في كتابي هذا منها ما أُقَدِّرُ أن فيه مقنعاً لرغبتهم ومكتفىً لطلبتهم، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه، فإن الله يحب أن تعرب آي القرآن) ولما ذكر ابن عباس ﵁: (إن هذا القرآن ذو شجون وفنون وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف هوى). وأوجزت ألفاظه من غير إطناب، فإن مجتنى كنوز العلم في اختياره وحسن جمعه واختصاره، ولم أشتغل بذكر الآيات الظاهرة والوجوه المعروفة المتظاهرة، ولا بذكر الأسباب والنزول والقصص والفصول، فإني قد أودعت جميع ذلك في كتابي الموسوم بـ «لباب التفاسير» من غير إفراط مني فيه ولا تقصير). وهذه المقدمة تعطينا تصوراً عن هذا الكتاب، فهو كتاب له غرض معين، فلا

стр. 33

ريب أن تجتمع فيه الأقوال الغريبة والعجيبة والمنكرة، ولكن ليس هذا هو وجه الكرماني في التفسير، بل إن كتابه «لباب التفاسير» هو الكتاب الذي نَزِنُ به مكانة الكرماني العلمية في التفسير، ولذلك فقد مرَّ معنا أن المترجمين الأوائل للكرماني وصفوه ببعض العبارات التي تبين هذه المنزلة العالية. وقد ترك الكرماني عدداً من المؤلفات، أذكر منها ما وقفت عليه في كتب التراجم وبعض كتب أهل العلم: أولاً: «لباب التفسير»: وسيأتي الحديث عنه مفصلاً إن شاءالله تعالى. ثانياً: «غرائب التفسير وعجائب التأويل»: وهو مطبوع في مجلدين بتحقيق الدكتور شمران العجلي، ونشرته دار القبلة في جدة بالاشتراك مع مؤسسة علوم القرآن في بيروت، وذلك سنة ١٤٠٨ هـ. ثالثاً: «البرهان في متشابه القرآن»: وهو مطبوع عدة طبعات، وحقق في رسائل جامعية، أما المطبوع فلدي نسخة بتحقيق الدكتور أحمد عزالدين خلف الله، صدرت عام ١٤١٧ هـ عن دار صادر ببيروت، وهناك طبعات أخرى للكتاب، مثل طبعة دار الاعتصام بالقاهرة سنة ١٩٧٦ م بتحقيق الأستاذ عبدالقادر عطا، وعنوان الكتاب في هذه الطبعة: أسرار التكرار في القرآن، وأظنه قام بتغيير هذا العنوان إلى العنوان الأصلي لاحقاً، وذلك نظراً لكثرة الانتقادات التي وجهت له. وقام مركز الكتاب بالقاهرة سنة ١٩٩٧ م بنشر الكتاب أيضاً بتحقيق السيد الجميلي. أما الرسائل الجامعية، فالأولى قدمت إلى قسم القرآن وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود في الرياض سنة ١٣٩٧ هـ، ونوقشت سنة ١٣٩٩ هـ من قبل الباحث الشيخ ناصر بن سليمان العمر، وهو كذلك الذي قدم الجزء الأول من تفسير الكرماني «لباب التفاسير» وتمت مناقشته في عام ١٤٠٤ هـ كرسالة دكتوراه.

стр. 34

والثانية قدِّمت إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة للحصول على درجة الماجستير سنة ١٩٧٥ م من قبل الباحث: منصور محمد منصور. رابعاً: «العنوان في النحو»: وهو كتيِّب صغير يحوي متناً نحوياً، وطبع كهدية مرفقة مع مجلة «الأحمدية» العدد (٢١) الصادرة عن دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث في الإمارات، وعدد صفحاته (٩٣) صفحة، وقام بتحقيقه: الدكتور حازم البياتي، والدكتورة: منال عزيز، وصدرت طبعته الأولى سنة ١٤٢٦ هـ. خامساً: «النهاية في شرح الغاية»: وهو في القراءات، شرح به الكرماني كتاب ابن مهران (ت ٣٨٢ هـ) «الغاية في القراءات العشر»، وهذا الكتاب له نسخة خطية في مكتبة علي أصغر في طهران برقم (٣٧)، وله صورة عن هذه النسخة في قسم المخطوطات بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية، ورقمها (٣٨٣٦)، وقد سمَّاه المؤلف نفسه بهذا الاسم في مطلع تفسيره عندما تكلم على لفظ الجلالة (الله) من البسملة، بينما سمَّاه المترجمون للكرماني بـ (الهداية شرح الغاية)، وأخصّ بالذكر منهم: ابن الجزري، وعندما اطلعت على الصفحات الأولى من مخطوطة الكتاب لم أجد ما يدل على اسم الكتاب بوضوح، لكثرة السواد الذي أصاب النسخة من جرَّاء التصوير. سادساً: «الإفادة في النحو»: ذكره بعض المترجمين له، كياقوت وغيره، وسماه البغدادي في «هدية العارفين» ٢/ ٤٠٢ (الإفادة في النجوم) ولا أظنه إلا وهماً. سابعاً: «الإيجاز في النحو»: وهو مختصر لكتاب «الإيضاح» لأبي علي الفارسي، وقد ذكره أكثر المترجمين للكرماني. ثامناً: «خطّ المصاحف»: ذكره ابن الجزري والداودي والزركلي. تاسعاً: «شرح اللمع»: وهو شرح لكتاب «اللمع» لابن جني (ت ٣٩٢ هـ). عاشراً: «النظامي»: وهو مختصر لكتاب «اللمع» أيضاً. حادي عشر: «أسرار الحروف»: ذكره له ابن فلاح اليمني النحوي (ت ٦٨٠ هـ) في كتابه «المغني» (ق ٤٤١/أ) (١).

стр. 35

كما نسبت للكرماني أربع مؤلفات أخر، هي: ١ - رسالة البسملة: ذكرت في «الفهرس الشامل - علوم القرآن» ١/ ١٣٠، وأحالوا على الظاهرية، فلما رجعت إلى «فهرس الظاهرية - علوم القرآن» ٢/ ١٤١ وجدتهم ذكروا أن المؤلف هو الكرماني ثم وضعوا بعده علامة استفهام، مما يدل على أنهم لم يميزوا اسمه الأول، والكرمانيون كُثُر، فأيّهم ألَّف هذه الرسالة؟ ولذلك ذَكَرْتُ هذه الرسالة ضمن الكتب المنسوبة للكرماني ولا أستطيع الجزم بنسبتها إلى محمود بن حمزة حتى وإن فعل ذلك غيري، إلى أن أقف عليها وتتم دراستها دراسة علمية. ٢ - جزء الكرماني: ذكره ابن حجر في «المجمع المؤسس» ١/ ٢٧٥ - ٢٨٦، وفي «المعجم المفهرس» (ص ٣٤٤)، وهو من مرويات الحافظ ابن حجر عن شيخه أحمد بن أبي بكر بن عبدالحميد إجازة مكاتبة، أنبأنا التقي سليمان بن حمزة المقدسي سماعاً، أنبأنا عمر بن كرم الدينوري في كتابه، أنبأنا أبو الوقت، أنبأنا الكرماني به. هكذا الرواية، ولم يذكر من هو الكرماني، علماً أن الدكتور يوسف المرعشلي محقق «المجمع المؤسس»، والأستاذ محمد شكور المياديني محقق «المعجم المفهرس» قد جزما في الهامش بأن الكرماني هو محمود بن حمزة، ومرةً أخرى أجدني في شكٍّ من ذلك، فهذا إسناد مليء بكبار المحدثين، فأبو الوقت السجزي (ت ٥٥٣ هـ) من كبار المحدثين، ولم يذكر في ترجمة الكرماني أنه كذلك، فياليت المحقِّقَيْن الفاضِلَيْن ذكرا مستندهما في تعيين الكرماني. ٣ - غنية الطالب شرح رسالة أبي بكر الصديق لعلي بن أبي طالب: وقد نسبها للكرماني الدكتور شمران العجلي، محقِّق كتاب «غرائب التفسير» وأحال على فهرس دار الكتب، وذكر أن للكتاب نسختين، وعند عودتي للفهرس المذكور وجدت النسختين ولكن وجدت أن المؤلف هو: محمود بن محمد الحسيني الحمزاوي، فلا أدري ما هو سبب الوهم. ٤ - مصنف في موانع الصرف: ذكره كحالة في «معجم المؤلفين» منسوباً للمؤلف، ولعل إثبات هذا الكتاب إنما جاء نتيجة ما ذكره ياقوت حيث يقول: (وله في موانع الصرف) ثم ذكر بيتين من الشعر، مما يدل على أن قصده إثبات الأبيات التي ذكرها الكرماني لا إثبات مصنف في موانع الصرف. * * *

стр. 36

المبحث الخامس وفاته لم يورد أحد من المترجمين للكرماني - فيما وقفت عليه - سنة وفاته بدقة، بل تواردوا على كلمة قالها ياقوت: (كان في حدود الخمسمائة وتوفي بعدها)، ولكن توجد لدينا بعض الإشارات التي قد تجعلنا نقترب من تحديد سنة وفاته. فمن ذلك: أن الكرماني ذكر في أثناء تفسيره كما سبق شيخه القاضي أبا المعالي هبة الله بن علي الشيرازي، وهذا الشيخ قد توفي بعد شعبان سنة (٥٢٠ هـ)، واللافت للنظر أن الكرماني عندما ذكره ترحَّم عليه، مما يدل على أن الكرماني قد بقي إلى ما بعد سنة وفاة شيخه المذكور، ويَبْعُدُ أن يكون ذكر الترحُّم من تصرُّف النسَّاخ لاتفاق النسخ الخطية الثلاث على ذكره. ومن ذلك أيضاً: ما ذكره العماد الأصفهاني في «خريدة القصر» ٣/ ٣١ من أنه قد سمع في سنة (٥٧٢ هـ) أن ابن أبي مريم تلميذ الكرماني يعيش وقد ناهز السبعين، فبذلك يمكن تحديد سنة ولادة ابن أبي مريم أنها في حدود سنة (٥٠٢ هـ)، فإذا علمنا أنه أخذ عن الكرماني وروى عنه، فلا بد من أنه كان في حدود العشرين من عمره أو ما بعدها، وذلك يقتضي أن أخذه العلم عن الكرماني كان في حدود سنة (٥٢٠ هـ) أو ما بعدها أيضاً، مما يدل على بقاء الكرماني حيّاً إلى هذه السنة وما بعدها. ومن الإشارات أيضاً: أنه توجد نسخة خطية لكتاب الكرماني «غرائب التفسير» (١) ذكر ناسخ المجلد الأول منها عبارات في أولها تفيد بأن الكرماني كان

стр. 37

حيّاً حين وقت النسخ، فقد قال الناسخ: (قال سيدنا الشيخ الإمام الأجلّ سعد الإسلام برهان الدين ضياء الأئمة جمال العلماء قطب الأفاضل زين المفسرين رئيس الفريقين تاج القرَّاء أبو القاسم محمود بن حمزة بن نصر أدام الله أيامه وعصم ساحته عن المكاره والنوائب) فهذه العبارات توحي أن كتابة هذه النسخة كان في أثناء حياة الكرماني، وجاء في آخر المجلد الأول من هذه النسخة: (كمل الكتاب وهو النصف الأول من الغرائب والعجائب في القرآن بحمد الله وحسن توفيقه كتبه العبد المذنب المحتاج إلى رحمة الله تعالى أبو الفوارس عبدالرحمن بن أحمد بن محمد الكازروني في المحرم سنة خمس وثلاثين وخمسمائة غفر الله لكاتبه ولقارئه ولمن نظر فيه فقال آمين رب العالمين)، ويؤيِّد ما ورد في هذه النسخة أن نسخة أخرى من هذا الكتاب كتب الناسخ في آخرها: (فرغ المصنف وهو الشيخ الإمام تاج القراء برهان الدين رحمه الله تعالى من تحريره وتصنيفه في شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة)، فظهر بذلك - والله أعلم - أن الكرماني كان حيّاً سنة (٥٣١ هـ)، ولا يبعُد أن يكون بقي إلى سنة (٥٣٥ هـ)، وإنما لم أجزم بذلك لكون المجلد الذي نقلت عنه أنه كتب في سنة (٥٣٥ هـ) إنما ذُكر فيه سنة النسخ في آخره ولم يذكر في آخره ما يدل على حياة الكرماني، بل ورد ذلك في أول المجلد فقط، ولا نعرف متى شرع الناسخ في بداية المجلد، فقد يحتمل أن يكون استمر في كتابته لعام أو عامين، والله أعلم. * * *

стр. 38

الفصل الثالث التعريف بالكتاب وقيمته العلمية وفيه أربعة مباحث: - المبحث الأول: اسم الكتاب. - المبحث الثاني: نسبة الكتاب إلى مؤلفه. - المبحث الثالث: قيمة الكتاب العلمية، وأثره في التفاسير المؤلفة بعده. - المبحث الرابع: النسخ الخطية للكتاب.

стр. 39

المبحث الأول اسم الكتاب دارت مناقشات علمية حول الاسم الصحيح لتفسير الكرماني، أهو «لباب التفسير» أم «لباب التفاسير»، وقد رجَّح الدكتور شمران العجلي محقق «غرائب التفسير» أنه «لباب التفاسير» وكذلك فعل الأستاذ أحمد عزالدين خلف الله محقق كتاب «البرهان في متشابه القرآن»، بينما ذهب الشيخ الدكتور ناصر بن سليمان العمر محقق القسم الأول من التفسير إلى أن اسمه «لباب التفسير». وأود هنا أن أشير إلى أنه قد يحمل لفظ «التفسير» على أن المقصود به «التفاسير» عند نساخ المخطوطات الأوائل، فقد جرت عادة النسَّاخ والكتَّاب قديماً على إسقاط الألف في وسط الكلمة، فيكتبون كتاب (كتب)، ويكتبون الرحمان (الرحمن)، ويكتبون القاسم (القسم)، وهكذا، فمن الممكن في حالتنا هذه أن يقال إنهم كتبوا (التفسير) وقصدهم (التفاسير) بينما لا يصح العكس. والحقيقة أنه توجد مصادر علمية ذكرت الكتاب باسم «لباب التفسير» كياقوت في «معجم الأدباء»، والداودي في «طبقات المفسرين»، والسيوطي في «بغية الوعاة» إلا أن الأغلب ذكره باسم «لباب التفاسير» وهكذا سمّاه المؤلف في تفسيره وفق المخطوطات التي وقفت عليها، وهكذا ورد اسمه في (ص ٥٣) من رسالة الشيخ الدكتور ناصر بن سليمان العمر في تحقيقه للكتاب نقلاً عن المصنف، حيث قال الكرماني: (وسميت الكتاب لباب التفاسير). بعد كل هذا: أرى أن الاسم الصحيح للكتاب هو: «لباب التفاسير»، وأهم شيء عندي يرجح هذا القول هو أن نسخ الكتاب التي وقفت عليها ورد الاسم

стр. 40

فيها «لباب التفاسير» (١)، بالإضافة إلى أن الكرماني نفسه سمّاه في أول التفسير «لباب التفاسير»، فإن قيل ماذا تفعل بالمواطن التي ذكر فيها أن اسم الكتاب هو «لباب التفسير» خاصة أن بعضها مخطوطات لكتاب «غرائب التفسير» أو لكتاب «البرهان في متشابه القرآن» وبعضها الآخر مصادر علمية، مثل «معجم الأدباء» لياقوت، فأقول جواباً عن ذلك: قد يحمل الأمر على وجود الألف عند النطق وإسقاطها عند الكتابة كما ذكرت في أول هذا المبحث، وقد يقال إنهم وهموا في الاسم الصحيح، خاصة إذا علمنا أن ما ورد في كتابي «غرائب التفسير» و «البرهان» إنما ورد في بعض النسخ فقط، أما باقي النسخ الخطية فقد ورد على الصواب، وكذلك سمّاه المؤلف «لباب التفاسير» في ثنايا هذين الكتابين في أكثر من موطن، وهذا ما دعا محققي الكتابين إلى ترجيح ما رجحناه في اسم الكتاب، والله أعلم. * * *
следующие страницы →