← Общие книги

Общие книги · id 36043

الإسلام والليبرالية نقيضان لا يجتمعان

شحاتة صقر

Полный текст (94 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الإسلام والليبرالية نقيضان لا يجتمعان جمع وترتيب شحاتة صقر دار الخلفاء الراشدين، دار الفتح الإسلامي

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة رقم الإيداع: دار الخلفاء الراشدين، دار الفتح الإسلامي الإسكندرية ـ ٣ ش عمر ــ أبو سليمان ... الإسكندرية ــ مصطفي كامل أمام مسجد الخلفاء الراشدين ... بجوار مسجد الفتح الإسلامي ٠١٢٠١٥٢٩٠٨/ ٠١٠٥٠١٣١٥١ ... ٠١٠٢٧٧١٠٦٠/ ٠١٠٦٧١٤٧٦٨

стр. 3

قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (النساء:٦٥). قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ (النساء: ٦١). قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ (الزخرف: ٣٦ - ٣٧). قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ (الأنفال: ٣٦).

стр. 4

سؤالان يوضحان الفرق بين الإسلام والليبرالية السؤال ... الإسلام ... الليبرالية مَن له حق التحليل والتحريم؟ مَن له الحق أن يقول: هذا حلال وهذا حرام؟ ... اللهُ خالقُ البشر الذي خلقهم ويعلم ما فيه مصلحتهم. ... على النطاق الفردي كل شخص حُرٌ يفعل ما يشاء، أما على نطاق المجتمع فما رآه أغلبية الشعب حلالًا فهو حلال وما رأوه حرامًا فهو حرام. ما حكم الزنا، والشذوذ الجنسي، والربا وشرب الخمر؟ ... من كبائر الذنوب ومن اعتقد أن أيًا منها حلال فهو كافر. ... على نطاق الفرد حرية شخصية، أما بالنسبة للمجتمع فهو حسب رأي أغلبية الشعب.

стр. 5

مقدمة إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ (آل عمران:١٠٢). ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ (النساء:١). ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠)﴾. (الأحزاب:٧٠). أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﵌، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ،

стр. 6

وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ، وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِى النَّارِ. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ»، قِيلَ: «وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟» قَالَ: «الرَّجُلُ التَّافِهُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ». (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). وفي رواية: «السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ». (رواه الإمام أحمد في المسند، وحسنه الأرنؤوط). وفي رواية: «الْفُوَيْسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ» (رواه الإمام أحمد في المسند، وحسنه الأرنؤوط). (سَنَوَاتٌ) جَمْعُ سَنَةٍ، (خَدَّاعَاتُ) الخداع المكر والحيلة، وإضافة الخداعات إلى السنوات مجازية. والمراد أهل السنوات. (الرُّوَيْبِضَةُ) تضغير رابضة. وهو العاجز الذي ربض

стр. 7

عن معالي الأمور وقعد عن طلبها، وَالتَّافِهُ الْحَقِيرُ الْيَسِيرُ، أَيْ: قَلِيلُ الْعِلْمِ» (١). ونحن في زمن اختلطت فيه بعض المفاهيم على كثير من الناس فانخدعوا بأبواق الإعلام العلماني المعادي لكل ما هو إسلامي، وصار - عند هؤلاء المخدوعين – بعض الحقِّ باطلًا وبعض الباطلِ حقًّا، متأثرين بالمتعالمين وأدعياء الثقافة وأعداء الإسلام الذين يحاولون جاهدين تشويه منهج الإسلام العظيم عن طريق تشويه الدعاة إليه، وإثارة الشبهات حوله. ومن المفاهيم التي التبسَتْ على الناس مفهوم (الليبرالية) التي ظن بعض الناس أنها تعني الحرية التي كانوا منها محرومين، وكانوا إليها تواقين، ولم يدركوا معناها الحقيقي الذي يخالف أصول الإسلام، والذي يجعلها دينًا عند أهلها،

стр. 8

كما سيرى القارئ الكريم في صفحات هذا الكُتَيّب. وقد كَثُر في الآوِنِة الأَخيرةِ تَرديدُ كَلِمِةِ (اللِيبراليِّةِ) عَلى أَلسنِةِ النِّاس، وَعَلى صَفحاتِ الصُّحُفِ اليَوميِّة وَغَيرِها مِنَ وَسائِل الإعلام، بَعدَ أَن نَشَأَت في بلاد المسلمين أَحزابٌ تَنتَسِبُ إِلى هذِهِ العَقيدةِ الضالَّة، وَغَدَت تَدعُو إِلى مَبادِئِها الهَدَّامةِ، مِثل: ? الدعوة إلى تَرْك الاحتكام إلى الشريعة الإلهيِّة بدعوى اللحاق بركب المستقبل. ? وإلى السماح بنشر الدعوة إلى الكفر والإلحاد، بدعوى التسامح والانفتاح على الثقافات الأُخرى واحترام حريِّة الرأي والنشر والتعبير. ? وإلى الهبوط من سموِّ الأخلاق الإسلامية، إلى حضيضِ الرذائل البهيميِّة، تحت شعار الحريّة الشخصيّة. ? وإلى محاربة الفضيلة وحجاب المرأة والعفاف والشيم الكريمة.

стр. 9

وغدت هذه الأحزاب تحضُّ الناس على اعتناق هذه العقيدة التي تُدْعَى (الليبراليَّة)، وما هي سوى تخاريف شيطانيَّة، ابتدعها فلاسفة من أوربا، حقيقةُ أمرِهم أنهم زنادقة لا يؤمنون برب معبود، ولا بيومٍ مشهود، ولا يدينون بشريعة إلهيّة يلتزمونها، ولا برسول يطاع ويُتَّبَع، وإنما غاية مرامهم، تزيين المنكرات، واتباع الشهوات، والكفر بخالق الأرض والسموات. وأما هذه الأحزاب الضاَّلة فغاية مقصدها هدم الشريعة الإسلاميَّة وإلغاؤها بالكليَّة، أو عزلها من الحياة، وحصرها في المسجد والعبادات الشخصيَّة. وهدف هذه الأحزاب هو إلحاق الأمة الإسلاميِّة، بمناهج الغرب المتهتِّك الضالِّ الملحد الكافر، وطمس معالم الأخلاق الإسلاميِّة، وصدّ الناس عن التمسُّك بتعاليم الكتاب العزيز، والسنة النبويِّة الشريفة، بدعوى اللّحاق بركب الحضارة المعاصرة، كأنَّ الحضارة لا تكون إلا بالكفر والإلحاد، أو التهتك والانحلال والفساد.

стр. 10

ومن هنا كانت هذه الرسالة لكي تستبين سبيلُ المجرمين، وليأخذ المؤمنون حِذْرَهُم كما أمرهم الله ، وليأخذوا على أيدي المفسدين فيهم، وليحذّروا من أتباع هذه الأحزاب، وليمنعوا رموز هذه الأحزاب ما استطاعوا من الوصول إلى المواقع التي تمكنهم من تطبيق أفكار أحزابهم الخبيثة على المسلمين. وأسأل الله أن ينفعني والمسلمين بهذه الورقات وأن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه ـ سيدنا محمد ـ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين. شحاتة محمد صقر saqrmhm@gawab.com saqrmhma@yahoo.com ت: ٠١١٠٩٦٧٤٦٦

стр. 11

ما هي الليبرالية ؟ بيان معنى العَلَمانيّة التي هي أصل الليبراليّة: العَلَمانيّة تُعْرَفُ في أوربا - وهي البلاد التي نشأت فيها - بـ: «ألاّ يكون الإنسان مُلزَمًا بتنظيم أفكاره وأعماله وفق معايير مفروضة على أنها شريعة أو إرادة إلهيِّة»، ويطلق على هذا الفكر في اللغة الانجليزية التي هي لغته الأصلية SECULARISM، وهي تعني (اللاَّدينية)، غير أنها اشتهرت باسم (العَلَمانيّة)، ولعلَّ ذلك كان مقصودًا بغيةَ إلباسها لبوسًا يجعلها مقبولة بين المسلمين. وفي قاموس (أكسفورد) عُرِّفَتْ بما يلي: «العلمانيَّة مفهوم يرى ضرورة أن تقوم الأخلاق والتعليم على أساس غير ديني».

стр. 12

الأركان التي تقوم عليها العَلَمانية: العلمانية تقوم على ثلاثة أركان هي: الركن الأول: قَصْر الاهتمام الإنساني على الدنيا فقط، وتأخير منزلة الدين في الحياة، ليكون من ممارسات الإنسان الشخصيَّة، فلا يتدخل في الحياة العامة. الركن الثاني: فَصْل العلم والأخلاق والفكر والثقافة عن الالتزام بتعاليم الدين، أيِّ دين كان. الركن الثالث: إقامة دولة ذات مؤسسات سياسية على أساس غير ديني.

стр. 13

ينقسم الناس بالنسبة إلى موقفهم من أحكام الشريعة الإسلامية الى أربعة أقسام: القسم الأوّل: يقبلونها ويعتقدون أنها كلها حق، كما قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: ٣)، ويعملون بها قدر استطاعتهم، وهم مع ذلك إن عَصَوا وخالفوا ما أمر الله به، استغفروا وتابوا، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ (آل عمران: ١٣٥)، فهؤلاء هم المسلمون المؤمنون المستقيمون على طاعة الله ، ومنهم المقتصد الذي يأتي بالواجبات وينتهي عن المحرمات، ومنهم السابق بالخيرات الذي يزيد في الطاعات والحسنات من النوافل والمستحبات.

стр. 14

القسم الثاني: وهم الذين يقبلون جميع أحكام الله وما جاء به الرسول ﵌، ويعتقدون أنها كلها حق من عند الله ، ولا يعترضون على شيء منها، ولا يقولون نؤمن ببعض ونرفض بعضًا بعقولنا وأهوائنا، ولكنهم مع ذلك تغلبهم الشهوات فيقعون في الذنوب والمعاصي والآثام وهم يعلمون أنَّ ما فعلوه مخالف لأحكام الله ، ويقِرُّون بأنهم عاصون مذنبون، ولكنَّهم يسوِّفون التوبة ويؤخِّرونها بتزيين الشيطان وطول الأمل. فهؤلاء عُصاةٌ قد ظلموا أنفسهم، لكنَّهم مسلمون لأنَّهم يؤمنون بالدين كلِّه، ولا يرفضون شيئًا منه، لا ظاهرًا ولا باطنًا، غير أنهم ناقصو الإيمان، وحكمهم أنَّ أمْرَهم إلى الله إن ماتوا على المعاصي ولم يتوبوا منها قبل الموت، فيحكم الله فيهم يوم القيامة، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، وإن عذبَّهم فمآلهم بعد العذاب إلى الجنَّة ماداموا موحِّدين من أهل الصلاة، ما لم تهوي بهم كبائر الذنوب إلى

стр. 15

حضيض الشرك والكفر قبل الموت، لأن الكبائر ـ كما قال العلماء ـ هي دهليز الكفر، وأهل الكبائر على خطر عظيم، ومن ذلك أن يُرانَ على قلوبهم مع كثرة الذنوب، فيسهل عليهم الكفر بالله ، فيصيرون إليه قبل الموت، خذلانًا من الله ، عياذا بالله من سوء الخاتمة. القسم الثالث: وهم الذين يرفضون أحكام الله كلها، ويعتقدون أن الأديان ليست سوى اجتهادات بشريِّة لمصلحين اجتماعيين أو مفكرين سياسيين، ولا يوجد وحي من الله مُنَزَّلٌ على الرسل ﵈، وقد يعتقد بعض هؤلاء أن الله خلق الكون والإنسان، ولكنَّه تركه ليهدي نفسه بنفسه، لأنَّه ركَّب فيه العقل وتركه ينير للإنسان طريق الهداية، وهؤلاء هم الكفّار الذين لا يؤمنون بما أنزل الله . القسم الرابع: وهم الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ويجعلون الدين أجزاء بحسب أهوائهم، ويقولون نؤمن بما

стр. 16

يوافق أهواءنا منه، ونرفض ما سواه، أو نَعْرِضُ ذلك على التصويت حسب عدد الأصوات. فما قبله أكثر الناس بناءً على قناعاتهم العقليِّة التزمناه وجعلناه قانونًا حاكمًا على العباد لاحاكم سواه، وعاقَبْنَا مَن يخالفه، وما رفضه التصويت والعقل تركناه وأهملناه، ولا يهمُّنا أن الله أنزله وفرضه، فالعقل والتصويت هما الحاكمان على الدين، وهما الإله المعبود لديهم، وهما المنهج الهادي، بدل كتاب الله وسنَّة رسوله ﵌. ولا ريب أن التشريعات المناقضة لشريعة الله ، ليست سوى أنداد تضل عن شريعة الله التي هي سبيله وصراطه المستقيم الذي وضعه نورًا وهدى للناس، ويصدق على تلك التشريعات المناقضة لشريعة الله قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ (إبراهيم: ٢٩).

стр. 17

حكم مَن يؤمنون ببعض الدين ويكفرون ببعض: قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾ (البقرة:٨٥). من المعلوم أن الدين كلُّ، لا يقبل أن يتجزأ من جهة القبول به والإذعان له، وأن من رفض حكمًا من أحكام الله ، وكفر به واعتقد أنه لا يصلح لهذا الزمان، وأن تطبيقه يجب أن يُعرضَ على العقل، أو على التصويت، فإن وافق ذلك أحكام الله كان بها ونعمت، وإن لم يوافق أحكام الله تركنا ما أنزل الله وراء ظهورنا، واتبعنا عقولنا ونتيجة التصويت، من زعم ذلك فهو كافر مشرك بالله تعالى. وتطبيق شرع الله واجب بإجماع المسلمين، وهو امتثال أمره في كتابه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (المائدة:٤٩)،

стр. 18

وهو وصف كل مؤمن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ (النور:٥١). وتَرْك تطبيق شرع الله مِن علامات النفاق الظاهرة؛ قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ (النساء:٦١). قال الشيخ محمد متولي الشعراوي ﵀: «إياك أن تَرُدَّ الأمرَ على الله لا تَقُل إن هذه الشريعة لم تَعُدْ تناسب العصر الحديث، فإنك بذلك تكون قد كفرت، والعياذ بالله» (١). وإذا كان إبليس قد كفر ولعنه الله لاعتراضه على أمر واحد من أوامر الله – وهو الأمر بالسجود لآدم ﵇ – فما

стр. 19

بالك بمن يرفضون الكثير من أوامر الله ونواهيه بحجة أنها لا تناسب العصر الحديث. وكأنهم يتهمون الله بأنه لا يعلم ما يصلح الإنسان، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: ١٤). وفيما يلي بعض الآيات القرآنية الدالة على وجوب التحاكم إلى شريعة الله وكُفْر مَن لم يعتقد وجوب التحاكم إليها في كل صغير وكبير، وكفر مَن آمن ببعض أحكام الله دون بعض: ١ - قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٤٠). ٢ - قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (الشورى: ٢١)، والذي يشرع من دون الله يزعم أنه شريك لله في الأمر والنهي والتحليل والتحريم.

стр. 20

٣ - قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ (النساء:٦٥). ٤ - قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤٤). ٥ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (النساء: ٦٠ - ٦١). ٦ - قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا

стр. 21

أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (المائدة:٤٨ - ٥٠). ٧ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (النساء:٥٩). ٨ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ (النساء:٥١). ومن اعتقد أنّ المناهج الشيوعية أو العلمانيَّة أو الليبراليَّة أو غيرها أهدى مما أنزل الله فقد كفر بالله لأنه بذلك يكون قد أعرض عن أحكام الله .

стр. 22

٩ - قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٠٨)﴾ (البقرة: ٢٠٨). ومعنى السِّلم في هذه الآية هو الإسلام، أي ادخُلُوا في جميع الإسلام، وآمنوا بجميع أحكامه، لا كالذين يؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض. ١٠ - قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾ (الجاثية: ١٨ - ٢٠). وقد أمر الله نبيّه الكريم في هذه الآية الكريمة أن يستقيم على الشريعة، ونهاه أن يتبع أهواء الجاهلين، وبَيَّنَ أنه أنزل هذا القرآن المشتمل على الشريعة التامة، فهي البصائر والهدى والرحمة، وغيرها الضلال والحيرة والجهل.

стр. 23

معنى الليبرالية: الليبرالية فكرةٌ ليست من صنع عَقلٍ بشري واحد، ولا وليدةَ بيئةٍ ثقَافيةٍ أو ظروفٍ زمَنيةٍ واحدة، فقد تعددت تعريفاتها بعد أن استقرت فلسفةً فكرية غربية وضعية، تنزع إلى المادية والفردية والتحرر من كل قيدٍ أو ثابت، إلا ثابت واحد وهو عدم الثَّبات؛ فكل شيء في المذهب الليبرالي متغير، وقابل للجدل والأخذ والرد. والليبرالية هي - في الأصل - مصطلحٌ أجنبيٌّ مُعرَّب، مأخوذ من ( Liberalism) في الإنجليزية، و ( Liberalisme) في الفرنسية، وهي تعني: (التحررية)، ويعود اشتقاقها إلى ( Liberty) في الإنجليزية، و ( Liberte) في الفرنسية، ومعناها الحرية. ولم يتفق صنَّاع الليبرالية والمنظِّرين لها على تعريفٍ يُحدد معناها بوضُوح، لكنهم اتفقوا على وصفها بـ «الحرية المطلقة».

стр. 24

والليبرالية: مذهب رأسمالي ينادي بالحرية المطلقة في الميدانين الاقتصادي والسياسي، ولها تعريفات مرتكزها: الاستقلالية؛ ومعناها: التحرر التام من كل أنواع الإكراه الخارجي: دولة، جماعة، فردًا؛ ثم التصرف وفق ما يُمْليه قانون النفس ورغباتها، والانطلاقة والانفلات نحو الحريات بكل صورها: مادية، سياسية، نفسية، ميتافيزيقية (عَقَدِيّة). والليبرالية هي وجه آخر من وجوه العلَمانية، وهي تعني في الأصل الحرية، غير أن معتنقيها يقصدون بها أن يكون الإنسان حرًا في أن يفعل ما يشاء ويقول ما يشاء ويعتقد ما يشاء ويحكم بما يشاء. المصطلحات التي أطلقها الليبراليون على أنفسهم أو أطلِقَت عليهم من غيرهم: ١ - الليبرالية: تدعو إلى الحرية المطلقة وعبادة الفرد نفسه وهواه وشهوته وقد عبر عنها منظروها في الحضارة الغربية سواء في فرنسا أو في بريطانيا بأنها التفلت المطلق وهي

стр. 25

أيضا تدعو إلى الحرية المطلقة التي لا تعترف بدين ولا نص مقدس ولا عادات ولا تقاليد ولا أي أمر يعيق الحرية الفردية. ٢ - العصرانية: إشارة لتطويعهم نصوص الشريعة وأحكامها لتتوافق مع مستجدات العصر دون اعتبار لقداسة النص والمرجعية الشرعية وهي الكتاب والسنة. ٣ - العقلانية: إشارة إلى تقديمهم وتقديسهم للعقل أو أنهم أهل عقل وحكمة ومَن عداهم ليس لديه اهتمام بالعقل، وتعاملوا مع العقل بالطريقة المنحرفة التي تعامل بها أهل البدعة عموما والمعتزلة على وجه الخصوص. ٤ - التنوير: ظهر مصطلح التنوير في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا تعبيرا عن الفكر الليبرالي البورجوازي ذي النزعة الإنسانية العقلية والعلمية والتجريبية ويتضمن هذا الفكر نزعة مادية واضحة بعد إقصاء اللاهوت وذلك بإحلال الطبيعة والعقل بدلا من الفكر الغيبي في تفسير ظواهر العالم ووضع قوانينه.

стр. 26

٥ - الفكر التجديدي: وليس المقصود المتبادر من اصطلاح التجديد وهو إحياء ما اندرس من معالم الإسلام وأصوله، بل يعنون به تغيير أصول الإسلام فالمتمعن في كتب هذا التوجه يرى أنهم يدخلون في التجديد الابتداع في تغيير الإسلام وتغيير أصوله بما يتوافق مع الأهواء ويساير الواقع وتوجهات الأعداء ليقبلوا بهم. مبدأ الليبرالية: الإنسان عند الليبراليين إلهُ نفسه، وعابد هواه، غير محكوم بشريعة من الله الذي قال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ (الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣). ولهذا فإن الليبرالية لا تعطيك إجابات حاسمة على الأسئلة التالية مثلًا: الشريعة الإسلامية حقٌّ أم لا؟ وهل الربا حرام أم حلال؟ وهل القمار حرام أم حلال؟ وهل نسمح بالخمر أم نمنعها؟ وهل للمرأة أن تتبرج أم عليها أن تتحجب؟ وهل تساوي الرجل في كل شيء أم تختلف معه في

стр. 27

بعض الأمور؟ وهل الزنا جريمة أم أنه علاقة شخصية وإشباع لغريزة طبيعية إذا وقعت برضا الطرفين؟ وهل الشذوذ الجنسي حق أم باطل؟ وهل نسمح بحرية نشر أي شيء أم نمنع نشر الإلحاد والإباحية؟ وهل نسمح بالبرامج الجنسية في قنوات الإعلام أم نمنعها؟ وهل القرآن حق أم يشتمل على حق وباطل، أم كله باطل، أم كله من تأليف محمد ﵌ ولا يصلح لهذا الزمان؟ وهل سنة الرسول ﵌ وحي من الله فيحب أتباعه فيما يأمر به، أم مشكوك فيها؟ وهل الرسول ﵌ رسول من الله أم مصلح اجتماعي؟ وما هي القيم التي تحكم المجتمع؟ هل هي تعاليم الإسلام أم الحرية المطلقة من كل قيد، أم حرية مقيدة بقيود من ثقافات غربية أو شرقية؟ وما هو نظام العقوبات الذي يكفل الأمن في المجتمع، هل الحدود الشرعية أم القوانين الجنائية الوضعية؟

стр. 28

الليبرالية ليس عندها جواب تعطيه للناس على هذه الأسئلة، ومبدؤها العام هو: دَعُوا الناسَ كلٌّ إلهٌ لنفسه وعابد لهواه، فهم أحرار في الإجابة على هذه الأسئلة كما يشتهون ويشاءون، وأما ما يجب أن يسود المجتمع من القوانين والأحكام، فليس هناك سبيل إلا التصويت الديمقراطي، وبه وحده تُعْرَف القوانين التي تحكم الحياة العامة، وهو شريعة الناس لا شريعةَ لهم سواها. ولا يقيمُ الليبراليّون أيَّ وزنٍ لشريعة الله ، إذا ناقض التصويتُ الديمقراطي أحكامَها المُحْكَمَة المنزلة من الله ، ولا يبالون أن يضربوا بأحكامها عرض الحائط، حتى لو كان الحكم النهائي الناتج من التصويت هو عدم تجريم الزنا، أو عدم تجريم شرب الخمر، أو كان تحليلًا للربا، أو كان السماح بتبرج النساء، أو التعري والشذوذ الجنسي، أو نشر الإلحاد تحت ذريعة حرية الرأي. وكل شيء في المذهب الليبرالي متغير، وقابل للجدل والأخذ والرد حتى أحكام القرآن المحكمة القطعية.

стр. 29

فإذن إلهُ الليبراليِّة الحاكم على كل شيء بالصواب أو الخطأ هو حرية الإنسان وهواه وعقله وفكره، وحُكْمُ الأغلبيِّة من الأصوات هو القول الفصل في كل شئون حياة الناس العامة، سواء عندهم عارض الشريعة الإلهيّة أو وافقها، وليس لأحد أن يتقدَّم بين يدي هذا الحكم بشيء، ولا يعقب عليه إلا بمثله فقط. وهي عندما تزعم أنه لا يوجد حق مطلق إلا الحرية والتغير؛ فإنها تكفر بثوابت القرآن والسنة وبأحكام الشريعة المحكمة التي أنزلها الله لتكون نبراسًا لهداية الناس إلى يوم القيامة، وما الشريعة إلا الحق المبين الراسخ الذي لا يتغيَّر ولا يتبدَّل مهما تغيَّر الزمان والمكان، كما قال : ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾) يونس: ٣٢). والليبرالية عندما تُسَوّي بين الإسلام - دين الله الحق - وغيره من الأهواء الباطلة، وعندما تسوي بين المؤمنين بالله المتبعين لدينه والكافرين به فهي بذلك تشرع شريعة

стр. 30

تناقض شريعة الله القائل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، والقائل : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ (آل عمران: ٨٥)، والقائل : ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ (القلم: ٣٥ - ٣٦ (، والقائل : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨)﴾ (السجدة: ١٨). والليبراليِّة ما هي إلاّ وجه آخر للعَلَمانيِّة التي بُنِيَت أركانها على الإعراض عن شريعة الله ، والكفر بما أنزل الله ، والصد عن سبيله، ومحاربة المصلحين، وتشجيع المنكرات الأخلاقيِّة، والضلالات الفكريِّة، تحت ذريعة الحريِّة الزائفة، والتي هي في حقيقتها طاعة للشيطان وعبودية له. والليبراليون عندما يَدْعُون الناس إلى مخالفة الشريعة الإلهيّة، زاعمين أنهم يمنحونهم الحرية، فإنما هي خديعة وفخ

стр. 31

يصيدون به المغفلين من ضعاف العقول، وبغيتهم أن يُخْرِجوا الناس من عبادة الله وحده باتباع صراطه المستقيم، إلى عبادة مفكِّريهم ومنظِّريهم، وإلى إتِّباع أهواءِهم والسيرِ على مناهجهم الضالَّة. وعندما يقولون للشعب أنت حرُّ في أن تفعل ما تشاء، فكأنهم يقولون له كن أسيرًا وعبدًا لشهواتك وهواك، ولِنَزْغِ الشيطان، والليبراليِّة عندما تقول للناس دعوا عبادة الله واتباع شريعته، إلى طاعة وعبادة الهوى والشيطان، فهي تدعو إلى الشرك والكفر وفعل الفحشاء والمنكر. والمذهب الليبراليّ بهذا المنهج الضال، يبطل دين الله كله، ويطوي أحكامه التشريعيَّة برمَّتها، ويضع بدلها أحكامًا أخرى من عنده، أحكامًا لا تقيم وزنًا لما أنزله الله تعالى من البيَّنات والهدى والكتاب المنير. والخلاصة أن المنهج الليبراليّ ليس سوى الضلال بعينه، وهو الكفر والشرك برَسْمِه واسمِه، وما هو إلاّ صدُّ عن سبيلِ اللهِ تعالى، ونَقض لأحكامِ اللهِ تعالى، ودعوة للناس إلى

стр. 32

الخروج عن شريعة الله تعالى، وإشاعة الفوضى الفكرية والعقائدية في حياة الناس. هذه هي الليبراليّة، وحكمها في الإسلام هو نفس حكم العلمانيّة سواء بسواء، لأنها فرع من فروع تلك الشجرة الخبيثة، ووجه آخر من وجوهها. الأسس الفكرية لليبرالية: تقوم الليبرالية على أسس فكرية هي القَدْر المشترك بين سائر اتجاهاتها وتياراتها المختلفة، ولا يمكن اعتبار أي فرد ليبراليًّا وهو لا يقر بهذه الأسس ولا يعترف بها، لأنها هي الأجزاء المكونة لهذا المذهب والمميزة له عن غيره. وتنقسم هذه الأسس المكونة لليبرالية إلى قسمين: ١ - ذاتية مميزة لليبرالية عن غيرها من المذاهب الفكرية الغربية التي ظهرت في عصر النهضة والتنوير، وهي أساسان هما: «الحرية» و «الفردية». ٢ - مشتركة بين الليبرالية وغيرها من المذاهب الفكرية الغربية، وهي أساس واحد هو: «العقلانية»، فكل المذاهب

стр. 33

التي ظهرت في أوروبا في العصر الحديث خرجت من الفكر العقلاني الذي يعتقد باستقلال العقل في إدراك المصالح الإنسانية في كل أمر دون الحاجة إلى الدين. فالليبرالية حقيقة مركبة تركيبًا تامًّا من «الحرية الفردية العقلانية»، ولكن هذه الأسس المكَوّنة لحقيقتها مُجْمَلة، تعددت تصورات الليبراليين في تفصيلاتها الفكرية، فضلًا عن آثارها العملية، والطريقة التطبيقية أثناء العمل السياسي أو الاقتصادي. الأساس الأول: الحرية: التي تعني أن الفردَ حُرٌّ في أفعاله، ومستقِلٌّ في تصرفاته دون أي تدخل من الدولة أو غيرها، فوظيفة الدولة حماية هذه الحرية، وتوسيعها، وتعزيز الحقوق، واستقلال السلطات، وأن يعطى الأفراد أكبر قدر من الضمانات في مواجهة التعسف والظلم الاجتماعي.

стр. 34

الأساس الثاني: الفردية: وقد ارتبطت الحرية بالفردية ارتباطًا وثيقًا، فأصبحت الفردية تعني استقلال الفرد وحريته. وقد جاءت هذه الفردية بمفهومين مختلفين: أحدهما: الفردية بمعنى الأنانية وحب الذات، وهذا هو الاتجاه التقليدي في الأدبيات الليبرالية. والثاني: الفردية بمعنى استقلال الفرد من خلال العمل المتواصل والاعتماد على النفس، وهذا هو الاتجاه البراجماتي، وهو مفهوم حديث للفردية. الأساس الثالث: العقلانية: تعني العقلانية استقلال العقل البشري بإدراك المصالح والمنافع دون الحاجة إلى قوى خارجية. وقد أصبح الاعتماد على العقل المجرد وإقصاء الدين والقيم والأخلاق سمة من أبرز سمات الفكر الأوروبي المعاصر.

стр. 35

تناقض الليبرالية: من أقبح تناقضات الليبراليين أنّ الحرية عندهم كصنم عجوة يُقَدَّس ويُعبد، وتُنْزَعُ القداسة عن سواه، ثم لا يلبث أن يُؤكل أمام جوعة من الجوعات، فلو صار حكمُ الأغلبيِّة هو الدين ـ في الليبرالية السياسية مثلا ـ واختار عامة الشعب بحريةٍ الحكمَ بالإسلام، واتباعَ منهج الله ، والسَّيْرَ على أحكامه العادلة الشاملة الهادية إلى كل خير، فإن الليبراليّة هنا تنزعج انزعاجًا شديدًا، وتشن على هذا الاختيار الشعبي حربًا شعواء، وتندِّدُ بالشعب وتزدري اختياره إذا اختار الإسلام، وتطالب بنقض هذا الاختيار وتسميه إرهابًا وتطرفًا وتخلفًا وظلاميّة ورجعيّة ... الخ. فإذا ذُكر منهج الله ، وأراد الناس شريعته اشمأزت قلوب أعداء الشريعة، وإذا ذُكِر أيُّ منهجٍ آخر، أو شريعة أخرى، أو قانون آخر، إذا هم يستبشرون به، ويرحِّبون به أيَّما ترحيب، ولا يتردَّدون في تأيِّيده، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ

стр. 36

وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ (الزمر: ٤٥). قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: «يذكر تعالى حالة المشركين، وما الذي اقتضاه شركهم أنهم ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ توحيدًا له، وأمر بإخلاص الدين له، وتَرْك ما يُعْبَدُ من دونه، أنهم يشمئزون وينفرون، ويكرهون ذلك أشد الكراهة. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام والأنداد، ودعا الداعي إلى عبادتها ومدْحِها، ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بذلك، فرحًا بذكر معبوداتهم، ولكَوْن الشركِ موافقًا لأهوائهم، وهذه الحال أشر الحالات وأشنعها. ولكن موعدهم يوم الجزاء، فهناك يؤخذ الحق منهم، وينظر: هل تنفعهم آلهتهم التي كانوا يدعون من دون اللهِ شيئًا؟

стр. 37

التعددية التعددية هي فرع عن الليبرالية التي هي فرع عن العلَمانية، والديمقراطية الغربية تجعل التعددية من صور الحرية التي هي أحد أركانها، والحرية هنا حرية زائفة، يُقصد بها العبودية للعقل الغربي في توصيف حتى معنى الحرية. والتعددية تعني أن يسمح في المجتمع بالاختلاف والتعدد في كلّ شيء، حتى لو كان هذا الاختلاف بين الحق والباطل، بل لا يوجد في التعددية، حق مطلق، وباطل مطلق، ولهذا ترى التعددية أن الاختلاف مهما كان هو في حد ذاته ظاهرة محمودة بإطلاق، تجب رعايتها، وتشجيعها، ومحاربة من يقف في طريقها. وحتى لو كان في المجتمع من يعبد إبليس نفسه، فيجب أن يُسْمَح لهم ـ في نظر التعددية ـ بإظهار دعوتهم، وتمكينهم من دعوة الناس إليها، ونشر كل ما يزينها ويشجع على اعتناقها، وعلى الصعيد السياسي يجب أن يسمح لهم بتأسيس

стр. 38

حزب سياسي يحمي معتقداتهم، ويسمح لهم بنشرها. وكذلك يجب أن يسمح العالم كله بعبور كلّ العقائد، والأفكار، والديانات، ونشرها عبر المجتمعات من غير حَجْرٍ ولا تضييق ولا مَنْع. والعجب من التعددية ـ كسائر ما يأتي من الغرب الأعور المنافق ـ أنها عندما يأتي دور الإسلام، لا يُسمَح لهُ بالتعددية، بل يحارَب حربًا شعواء، ويضيَّق عليه، كما فعلت فرنسا مع الحجاب، فإنها عندما رأت انتشار الحجاب في المدارس، أعلنت حربًا على التعددية الثقافية، بل الحرية الشخصية. ومن الأمثلة الأخرى تلك القوانين الغربية التي تحظر مناقشة تاريخ الهولوكوست، (المذبحة اليهودية المزعومة)، ولا تسمح هنا بالتعددية في الآراء، وقد تمت مطاردة عدة مفكرين غربيين قضائيًّا، ومنهم مَن سُجن، لتشكيكهم في صحة وقوع الهولوكوست بالصورة التي يزعم اليهود أنها وقعت بها.

стр. 39

حكم التعددية: الأصل الجامع لهذا الدين، وكل دين أرسل الله به المرسلين والنبيين، أن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، أن يُعلوا أحكام هذا الدين، وهو كلمة الحق، وأن ينصروه، وأن يقيموا العدل، وينصبوه، وأن يمنعوا الباطل من العلوّ والظهور، وكذا الظلم والفجور. ومعيار العلم بالحق والباطل، إنما هو الوحي، هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ (هود: ١١٢ - ١١٣). وذلك أن الله هو الحق، وهو ربّ الناس، ملك الناس، إله الناس، له الأمر كلّه، كما له الملك والخلق كلّه، وقد أقام هذه السموات والأرض على الحق والعدل، وأنزل الوحي، حاكما بين الناس، وأمر المرسلين والمؤمنين أن يقوموا به في الأرض، ويجاهدوا في سبيل إقامته، بالعلم واللسان، وبالقوة والسنان.

стр. 40

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) (الحج: ٤١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ (النحل: ٩٠ - ٩١). وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى: ١٣). فأمر الناس أن يقيموا دين الله وأن يجتمعوا عليه، ولا يتفرقوا.
следующие страницы →