← Общие книги

Общие книги · id 36043

الإسلام والليبرالية نقيضان لا يجتمعان

شحاتة صقر

Полный текст (94 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ (الزمر: ٤٥). قال الشيخ السعدي في تفسير هذه الآية: «يذكر تعالى حالة المشركين، وما الذي اقتضاه شركهم أنهم ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ توحيدًا له، وأمر بإخلاص الدين له، وتَرْك ما يُعْبَدُ من دونه، أنهم يشمئزون وينفرون، ويكرهون ذلك أشد الكراهة. ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام والأنداد، ودعا الداعي إلى عبادتها ومدْحِها، ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ بذلك، فرحًا بذكر معبوداتهم، ولكَوْن الشركِ موافقًا لأهوائهم، وهذه الحال أشر الحالات وأشنعها. ولكن موعدهم يوم الجزاء، فهناك يؤخذ الحق منهم، وينظر: هل تنفعهم آلهتهم التي كانوا يدعون من دون اللهِ شيئًا؟

стр. 37

التعددية التعددية هي فرع عن الليبرالية التي هي فرع عن العلَمانية، والديمقراطية الغربية تجعل التعددية من صور الحرية التي هي أحد أركانها، والحرية هنا حرية زائفة، يُقصد بها العبودية للعقل الغربي في توصيف حتى معنى الحرية. والتعددية تعني أن يسمح في المجتمع بالاختلاف والتعدد في كلّ شيء، حتى لو كان هذا الاختلاف بين الحق والباطل، بل لا يوجد في التعددية، حق مطلق، وباطل مطلق، ولهذا ترى التعددية أن الاختلاف مهما كان هو في حد ذاته ظاهرة محمودة بإطلاق، تجب رعايتها، وتشجيعها، ومحاربة من يقف في طريقها. وحتى لو كان في المجتمع من يعبد إبليس نفسه، فيجب أن يُسْمَح لهم ـ في نظر التعددية ـ بإظهار دعوتهم، وتمكينهم من دعوة الناس إليها، ونشر كل ما يزينها ويشجع على اعتناقها، وعلى الصعيد السياسي يجب أن يسمح لهم بتأسيس

стр. 38

حزب سياسي يحمي معتقداتهم، ويسمح لهم بنشرها. وكذلك يجب أن يسمح العالم كله بعبور كلّ العقائد، والأفكار، والديانات، ونشرها عبر المجتمعات من غير حَجْرٍ ولا تضييق ولا مَنْع. والعجب من التعددية ـ كسائر ما يأتي من الغرب الأعور المنافق ـ أنها عندما يأتي دور الإسلام، لا يُسمَح لهُ بالتعددية، بل يحارَب حربًا شعواء، ويضيَّق عليه، كما فعلت فرنسا مع الحجاب، فإنها عندما رأت انتشار الحجاب في المدارس، أعلنت حربًا على التعددية الثقافية، بل الحرية الشخصية. ومن الأمثلة الأخرى تلك القوانين الغربية التي تحظر مناقشة تاريخ الهولوكوست، (المذبحة اليهودية المزعومة)، ولا تسمح هنا بالتعددية في الآراء، وقد تمت مطاردة عدة مفكرين غربيين قضائيًّا، ومنهم مَن سُجن، لتشكيكهم في صحة وقوع الهولوكوست بالصورة التي يزعم اليهود أنها وقعت بها.

стр. 39

حكم التعددية: الأصل الجامع لهذا الدين، وكل دين أرسل الله به المرسلين والنبيين، أن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، أن يُعلوا أحكام هذا الدين، وهو كلمة الحق، وأن ينصروه، وأن يقيموا العدل، وينصبوه، وأن يمنعوا الباطل من العلوّ والظهور، وكذا الظلم والفجور. ومعيار العلم بالحق والباطل، إنما هو الوحي، هو الحق وماذا بعد الحق إلا الضلال، قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ (هود: ١١٢ - ١١٣). وذلك أن الله هو الحق، وهو ربّ الناس، ملك الناس، إله الناس، له الأمر كلّه، كما له الملك والخلق كلّه، وقد أقام هذه السموات والأرض على الحق والعدل، وأنزل الوحي، حاكما بين الناس، وأمر المرسلين والمؤمنين أن يقوموا به في الأرض، ويجاهدوا في سبيل إقامته، بالعلم واللسان، وبالقوة والسنان.

стр. 40

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١) (الحج: ٤١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٩١)﴾ (النحل: ٩٠ - ٩١). وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى: ١٣). فأمر الناس أن يقيموا دين الله وأن يجتمعوا عليه، ولا يتفرقوا.

стр. 41

والقرآن مليءٌ بالأمر بالاجتماع على الحق ومدحه، وذَمِّ الافتراق عنه والتفرق فيه، والأمر بجهاد الباطل وأهله، وقد سماهم أهل الشقاق، وأهل النفاق، وأهل الكفر، أو الفسق والفجور، وجمع لهم أوصافَ الذمِّ وأسماءَه. هذا هو الأصل العظيم الجامع، الذي أقيمت عليه شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الإسلام، بل جًعِلَ النظام السياسي كله قائمًا على هذا الأصل، فمقصوده إظهار الحق الذي تحمله الأمّة بالوحي، إظهاره أي جَعْلُه ظاهرا بالقوة والعلوّ، بين المؤمنين، وعلى الأرض كلها بجهاد الطلب. غير أن هذا لا يعني أنه ليس في الإسلام مساحة لتعدد الآراء، والتسامح في الخلاف، مادام ذلك لا يكون في دائرة المحكمات، والثوابت، ومثال ذلك المسائل الاجتهادية التي لا نص فيها، لأن الله شاء بحكمته أن يكون فيما أنزل محكمات هنّ أمّ الكتاب، يجتمع عليها أهل الحق ولا يتفرقون، ومتشابهات يجري وقد يسوغ فيها اختلاف النظر والاجتهاد.

стр. 42

وكذا يقِرّ الإسلام التعددية في الأفكار والابتكارات العلميّة الدنيوية، والعادات المباحة، ونحو ذلك مما فطر الله الخلق على التنوّع فيه، لأن ذلك من طبيعة الخلق التي فطر الله الناس عليها، وهي تُثْرِي المجتمعات، وتُضْفِي عليها تلونًا جميلًا، فهو أمر محمودٌ مطلوب، ومازالت أمتنا تحوي هذا التنوع المحمود في تاريخها منذ عصر الصحابة من غير نكير. هذا ولم تزل أمتنا الإسلامية مزيجًا متنوعًا رائعًا من شعوب شتى، تختلف في عاداتها وألوان فنونها، ومعايشها، ولغاتها، غير أنها تجتمع على ثوابت الأمة العامة وهي أصول هذا الدين العظيم. أما التعددية في عُرْف العصر، فإنها يُقصَد بها في الغالب عند الإطلاق، السماح بما يسمى التعدد الثقافي ـ والسياسي تبع له ـ القائم على أصول تناقض أصول الشريعة، وليس المقصود هنا ـ في هذا العرف العصري ـ السكوت عن الباطل ما بقي اعتقادًا بالقلب، أو إقرار أهل الأديان التي يكونون أهل ذمة على دينهم وعباداتهم، بالشروط الشرعية المرعية.

стр. 43

بل المقصود بتلك التعددية الإذن بإظهار الدعوة إلى الكفر، والمنكر، وحماية الداعين إلى ذلك بالقوانين، كما تنص على ذلك الدساتير العلمانيّة الوضعيّة تحت شعار الديمقراطيّة. فهذا من الكفر، بل هو الكفر نفسه، ومن الواضح أن هذا ليس من التعددية في ثقافة أمة في شيء، بل هو اختراق ثقافي لها، وغزو عقدي من ثقافة أمة إلى أمة أخرى، فتسميته تعددية من التلاعب بالألفاظ. والحاصل: أن التعددية بالمفهوم العصري ضلال مبين يتناقض تناقضًا تامًّا مع التعددية في عرف الإسلام. مع أنه يجب أن يُعلَم أن ثمة فرق كبير بين التعاطي مع واقع سياسي مخالف، لم يصنعه الإسلام، التعاطي معه بما يحقق مصلحة المسلمين، وبين إقامة أو المشاركة أو الدعوة إلى إقامة هذا الواقع المخالف باسم الإسلام. وذلك أيضا كما يجوز للمسلم أن يرتكب أدنى الضررين ليدفع أشدهما عند التزاحم، ولا يجوز له أن يصنع الضررين

стр. 44

بنفسه، ليختار أدناهما ضررا!! ومن الأمثلة على هذا أن المسلمين لا يجوز لهم أن يطالبوا بقضاء لا يقضي بالشرع، ولا أن يشاركوا في صناعة هذا النظام، لكن إن وجدوا في نظام قضائي يخالف الشرع، جاز لهم التحاكم إليه إن اضطروا لرفع الظلم عنهم، كما رفع نبي الله يوسف ﵇ شكايته على ظلم الوزير، إلى الملك الكافر، رسالة مع ساقي الملك الذي يسقيه الخمر. فالعجب والله كل العجب ممن يقول، إن هذه الأحزاب المخالفة للإسلام ودعوتها إلى كفرها وضلالها، واقع ما له من دافع، فلماذا لا نقنن هذا الواقع بما يحميه، وينظّمه، ويشرّعه؟! فما مثل هذا القائل إلا كمثل من يرى الخمر قد شاع شربها، والفاحشة قد ذاع فعلها، فدعا إلى تشريع ينظم العصابات القائمة على هذه المنكرات، وتنظيمها في ناظم يقنّنها!! بل الدعوة إلى تنظيم الداعين إلى المنكر في الاعتقادات،

стр. 45

والعلم، والتصورات التي تفسد الإيمان، وتقنين دعوتهم، أشد قبحًا، لو كانوا يعلمون. وأخيرًا: فإن هذه التعددية العصرية الزائفة، ما هي إلا خداع ألقاه إلينا مفكرو الغرب التائهون، فاغتر به مَن خضع لضغط هذا الواقع الجاهلي المزيّف، لتبقي هذه الأمة في حال الفرقة والخلاف.

стр. 46

دعاة الليبرالية في بلاد المسلمين إن الفكرة الليبرالية بعد أن تفاقمت سلبياتها على المجتمعات الغربية، هبت رياحها علينا - منذ أمد ليس بالقصير - فأصابنا منها ما أصابنا، لكن لم يكن بالقدر الذي أصابهم. ومن العجيب أن نرى دعاةً لهذه الفكرة بيننا، يفتخرون بها، ويتسمون بها، ويجاهرون بتقدمها، وصلاحها لعلاج كافة السلبيات المتراكبة المتراكمة في النواحي الفكرية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، وينادون أن الحل في الليبرالية، دون متابعة لما يجري في الغرب، مصدر الليبرالية، من معارضة وانتقاد لهذا النهج، بعد ظهور سلبياته المدمرة، المغلفة بالشعارات الجميلة والمكاسب الظاهرة.

стр. 47

وهنا قد يدور في الذهن سؤال: هل أولئك الذين ينادون بالليبرالية، ممن يعيش في بلاد إسلامية، يدركون مفهوم الليبرالية، كما قُرِّرَ له ووُضِع، أم أن لهم مفهومًا يختلف عن ذلك؟ إن مفهوم الليبرالية، كما وضع له في الغرب، يصطدم بالدين الإسلامي، في أصول لا يُستَهان بها، كاستبدال الحكم الإلهي بالحكم البشري، فيما يسمى بالديمقراطية، وكذا الحرية المطلقة في الاعتقادات، بالتغيير والتبديل، وغير ذلك. فكيف يستقيم لمن يفهم هذه الحقائق عن الليبرالية أن يدعو لها، ويزعم صلاحها، وهي معارضة تماما للإسلام، إذا كان مسلما؟!! أما إن كان له مفهوم خاص عن الليبرالية، لا يتعارض مع الأصول الشرعية، فالحق أن هذا ليس هو الليبرالية، بل هو شيء آخر. في المغرب أُسِّسَ (الحزب المغربي الليبرالي)، وفي إطار التحضير لتأسيس الحزب، وبدعوة من جريدة (الصدى)،

стр. 48

ألقى المؤسس محمد زيان يوم الأحد ٢١/ ١/٢٠٠١ عرضًا حول أسس الحزب، ومنها: ١ - (مَنْع المَنْع) الذي يعني الحرية الكاملة، في العمل والمبادرة، والتي لا تقف إلا عند حدود القانون. ٢ - منع الامتيازات التي تتنافى مع مبدأ مساواة المواطنين، وتكافؤ الفرص أمام الجميع. بعد ذلك أضاف شرطًا فحواه: «إذا ثبت بآية صريحة أو حديث صحيح أن هناك تعارضًا بين هذه الليبرالية ومبادئ العقيدة، عطلنا العمل بهذه الليبرالية، وضحينا بها، من أجل ما تفرضه مبادئ الإسلام». كان هذا الشرط فاسخًا لكلامه فقد أكد أن الليبرالية تقوم على مبدأ منع المنع، أي على الحرية التي ينظمها القانون، وليس الأهواء والأمزجة الشخصية للحاكمين ورجال السلطة، لكن المؤسس محمد زيان خرق هو نفسه هذا المبدأ في الفلسفة الليبرالية، عندما اشترط أن لا تكون في تعارض

стр. 49

مع العقيدة الإسلامية، أي يمنع عن الليبرالية أن تكون غير إسلامية، في حين أن من مبادئ الليبرالية: أنها لا تمنع أي دين، ولا تدعو إلى أية عقيدة؛ إذ عقيدتها الوحيدة هو الحياد تجاه كل العقائد، أي العلمانية، التي هي النتيجة المنطقية والعملية لمبدأ: منع المنع. ويكفي للتدليل على ذلك أنه لا توجد في العالم أية دولة ليبرالية حقيقية دون أن تكون علمانية، فالمبدأ الفلسفي العام الذي يحكم الليبرالية إذن هو العلمانية، فلا يمكن تصور فلسفة علمانية يكون من مبادئها الولاء لهذا الدين أو ذاك، أو الدفاع عن هذه العقيدة أو تلك. وهكذا فإن الليبرالية ذات أسس وقواعد وأفكار محددة سلفا، فأي خرق لتلك الأمور نفي وإلغاء لما يقوم عليها، وهذا أمر ينبغي على كل من يدعو إلى فكرة ما مثل الليبرالية، أن يفهمها بوضوح، كيلا يقع في مغالطة صريحة، فيلبس فكرة غير لباسها الملائم، ليعري في الحين ذاته عقيدة ومبدأ من لباسه.

стр. 50

الليبرالية من الداخل لم تكن الليبرالية محل إجماع بين المفكرين الغربيين، حتى أولئك الذين تبنوا الفكرة - وهم الأكثرية - اضطربوا في تحديد نطاقها ورسم حدودها، بعد أن لمسوا كثيرا من الخلل في التطبيق: ١ - فالحرية المطلقة التي تدعو إليها الليبرالية تتعارض مع قيم أخرى، كالعدالة والمساواة، بل وحريات الآخرين. فحرية الفرد لا تصح أن تكون سببًا في شقاء الفرد الآخر، كما لا تصح أن تكون سببًا في إلغاء حرية الفرد الآخر، فما من حرية مطلقة ينادى بها للفرد، إلا وفيها إلغاء لحرية فرد آخر، فهذا الشعار الجميل في مظهره، يحمل في تطبيقاته مشاكل كثيرة، شعر بها وعاشها دعاتها وشعوب أوربا، ولذا اضطروا، إلى قيد: عدم الإضرار بالآخر.

стр. 51

لكن هذا القيد غير محدد، ويختلف من شخص إلى آخر، ومن أمة إلى أخرى، تمامًا كما هو الحال في المقيّد (الحرية)، وإذا كان هذا القيد مختصًا بالأفعال، فيمنع كل فعل يضر بالآخر، فليس من العقل إغفال قيد الأقوال، فالأقوال ربما لا تَقِلّ خطرا عن الأفعال، فكم من كلمة أشعلت فتنة وحربًا. فالحرية جميلة، والقيد لابد منه، لكن الخلاف حول معنى الحرية، وحَدّ القيد المحدد للحرية. ٢ - وفكرة السوق الحر، هل بالفعل تحقق مصالح الفرد بأقصى درجة، أم تحقق مصلحة فئة معينة، تملك المال والاقتصاد؟ واقع السوق الحر يثبت أن المصلحة تتجه نحو جيوب كهنة المال والاقتصاد، فالمال يضخ في خزائن الذي يملكون التجربة والممارسة الاقتصادية، ورفع سلطة الدولة عن ضبط السوق، مكَّنَ كل محتال أن يلعب لعبته، وصار السوق غابة

стр. 52

من وحوش تأكل كل ضعيف وساذج أو صادق غرّ، لا يعرف ولا يحب أن يعرف طرائق المكر والاحتيال. وكون الفرد ينطلق من مصالحه الخاصة، بيعا وشراء، هذا لا علاقة له بصحة العملية بوجه، فالانتفاع عملية متبادلة بين البائع والمشتري، هذا صحيح، لكن هذا لا يمنع من التلاعب والاحتيال، ما لم يخضع لقانون، وحرص الفرد على مصلحته لا يرفع عنه الغفلة، كما لا يرفع عنه الخديعة، ما لم يجد قانونا يحميه، أو قانونا يردعه ويكفه عن العبث. فهذا الذي يملك سلعة يحتكرها، فلا يبيعها، حتى إذا شحت في أيدي الناس، وزاد الطلب عليها، باعها بأعلى الأسعار، أليس يحقق مصلحته في البيع، ويحقق مصلحة المشتري حينها؟. لكن مدة الاحتكار، وزيادة السعر، أليس فيه ضرر بائن بالمشترين؟ إن وسائل الشر والإضرار بالآخرين ممكنة لكل فرد، متى ما وجد إلى ذلك سبيلًا، وإذا لم تكن ثمة ضوابط تمنع

стр. 53

وتحد وتقيد، وقع الضرر، وحال السوق الحر، كحال المجتمع بلا دولة ولا حاكم، أو العمل من غير رئيس، أو القطار من غير سائق. ٣ - ثم في الليبرالية، ما مصير القيم الأخرى، كالمساواة والعدالة والسعادة والتعاون؟ فإذا كانت الحرية هي القيمة العليا، فلا شك أنها ستتعارض مع قيم كثيرة: ستتعارض مع السعادة، فالفرد بدعوى الحرية سيفعل ما يشاء، ولو كان فيه شقاؤه، سيشرب الخمر، ويزني، ويخدع، ويحتال، وكل هذه آفات تقتل السعادة، يقر بذلك كل العقلاء. وحرية السوق أو السياسة تتعارض مع العدالة والمساواة: فأين نجد المساواة في حكم ديمقراطي، الحكم فيه للأغلبية الغنية؟ وأين نجد العدالة في سوق حر، لا يعرف إلا الاحتيال والتلاعب، والذكي من يكسب أكثر؟

стр. 54

إن الحل الليبرالي قاتم وسقيم، والغرب أكبر شاهد على هذا، فقد عاش الحياة الليبرالية بالمفهوم الذي وُضِع لها، أكثر من قرنين، وهاهو ينتقدها ويعارضها، بعدما طحنت شعوبهم، فنشرت فيهم البطالة والفقر، والأمراض المهلكة، والمخدرات والخمور والزنا والشذوذ والإلحاد والجريمة، والغرب اليوم، ومن وراء الفكر الليبرالي، يصدر للعالم مشاكله وجرائمه وعدوانه.

стр. 55

من ثمرات الليبرالية: باعتراف حكومي ٢٨ ألف عصابة تنشط في الولايات المتحدة: اعترف مسئولون في وزارة العدل الأمريكية في تقرير بأن عدد العصابات الناشطة في الولايات المتحدة يفوق الـ ٢٨ ألف عصابة. وبحسب وكالة (يو بي آي) الأمريكية قال المسئولون الحكوميون: «أكثر من ٢٨ ألف ومائة عصابة، وعدد أعضائها ٧٣١ ألفًا، موزعون في المدن الكبرى التي سجلت نشاطًا أكبر للعصابات خلال فترة ٢٠٠٥ - ٢٠٠٩». وكشفت نتائج مسح - أجراه مكتب العدالة والحيلولة دون انحراف الشباب التابع للوزارة - ازديادًا مفاجئًا منذ العام ٢٠٠١ وحتى ٢٠٠٥ في نسبة الجريمة وعدد مزاوليها. وأشارت الوكالة إلى أن الجرائم في الولايات المتحدة تحصد كل عام ما يقارب ١٧ ألف شخص (١).

стр. 56

أسئلة موجهة لليبراليين ١ - إلى من تحتكمون عند النزاع والاختلاف؟ نحن المسلمين لنا مرجعية نحتكم إليها عند الخلاف وهي القرآن والسنة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (الشورى: ١٠). وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ (النساء: ٥٩). ولكن إلى أية مرجعية تحتكمون أيها الليبراليون؟

стр. 57

٢ - ما موقفكم من الدين الإسلامي؟ يؤمن المسلمون بأن الدين جاء شاملًا للحياة كلها (سياسة واقتصاد وثقافة واجتماع) وبأنه وحي من الله فيجب أن يكون هو المرجعية العليا للأمة؟ فهل يؤمن الليبراليون بذلك؛ فيكونوا قد تبرؤوا من الليبرالية؟ أم أنهم يقلدون الغرب الذين لا يعدو الدين عندهم أن يكون مثل مسائل الآداب والفن مسألة ذوق، لا تقوم على منهج علمي محدَّد، أو معايير منضبطة، وعلى هذا فلا يلزم، بل لا يقبل، أن يكون الدين حاكمًا على حياة البشر؟ ٣ - الليبرالي لو جاءه رجل وأراد أن يمارس الجنس مع زوجته أو ابنته أو أمه أو أخته فهل سيمنعه من هذه الحرية الشخصية، أم لا؟ وإذا أراد أن يمنعه فبأي حجة يمنعه وليبراليته تخالف المنع؟!! وماذا سيفعل إن كانت زوجته أو أمه أو أخته أو ابنته موافقة على هذا الفعل؟ حرية شخصية!!!

стр. 58

هل سيمنعهما ويتدخل في حريتهما الشخصية أم يعتز بليبراليته؟ وأكرِم بها من ليبرالية!!! ٥ - الليبرالي إذا أرادت زوجته أو ابنته البالغة أن تسير في الشارع عارية كما ولدَتْها أمُّها هل سيشجعها على هذه الحرية الشخصية أم سيعلن كفره بالليبرالية ويمنعها، فيصبح متشددًا متخلفًا رجعيًا متعصبًا، كما يحلو لليبراليين أن يصفوا الملتزمين من المسلمين؟!!! وإن مَنَعها فهل سيمنعها باسم الدين الإسلامي الذي يمنع ذلك أم باسم التقاليد أو عرف الناس، وعلى أي حالة هو يخالف ليبراليته المزعومة التي تنادي بالحرية المطلقة؛ لأنه قيد هذه الحرية المطلقة بحدود معينة.

стр. 59

الإسلام والليبرالية نقيضان لا يجتمعان دعوى الإسلام الليبرالي: أكذوبة ما يسمى بالليبرالية الإسلامية: في عالمنا الإسلامي، وبالرغم من أن الليبرالية بدأت تظهر حقيقتها على أنها حملة استئصالية، تستهدف الدين في أصوله قبل فروعه، والأخلاق في جوهرها قبل مظهرها؛ فقد وجَدَتْ مَن يُروِّج لها ويتحدث باسمها، بل تطور الأمر إلى أن بعض الطيبين انساق إلى الانخداع بالليبرالين والإنصات لقولهم. وتمخض الأمر عن ميلاد ما يعرف الآن بـ (الليبرالية الإسلامية) على غرار ما كان يُعرف بـ (اشتراكية الإسلام) و (اليسار الإسلامي) وكذلك دعوى (ديمقراطية الإسلام) والدعوة إلى (أسلمة العلمانية).

стр. 60

وإذا كان لا يمكن الجمع بين الإسلام واليهودية تحت مسمى (اليهودية الإسلامية)، ولا بين الإسلام والمسيحية تحت مسمى (المسيحية الإسلامية)، ولا بين الإسلام والبوذية تحت مسمى (الهندوسية الإسلامية)، فمن المستحيل أن نجمع بين الإسلام والليبرالية تحت دعوى (الليبرالية الإسلامية). إن مَن لديه أدنى معرفة بمعنى العبودية لله في الإسلام؛ كيف يجرؤ أن يقول: «الليبرالية الإسلامية» فيجمع بين متناقضين، وهل يمكن أن ينادي مُسْلِمٌ بانفلات مطلق أو تطبيق للقوانين التي اشترعها الإنسان بنفسه لنفسه؟ هل هناك في الإسلام استقلال عن كل المؤثرات الخارجية في الاعتقاد والسياسة والنفس والمادة؟! كيف يمكن أن تُنْسَب كل هذه القبائح للإسلام أو تصبغ به؟

стр. 61

المشروع الأمريكي لقضية الإسلام الليبرالي: اهتمت الولايات المتحدة بتفسير الإسلام تفسيرا ليبراليًّا منذ وقت مبكر، لأن ذلك يحقق كثيرًا من المصالح الحيوية لهيمنتها، فهي تعلم أن إقصاء الإسلام تمامًا من البلاد الإسلامية أمر مستحيل لقوة تأثيره وتعلق المسلمين به فوجدت في التبديل والتحريف له أنجح السبل للقضاء على فاعليته وتأثيره. ومن جهة أخرى فإن تفسير الإسلام وتأويله تأويلًا ليبراليًا يقوّي علاقة هذه البلاد وشعوبها بالحضارة الغربية وقيمها مما يضمن عملية استمرار الخضوع لها. وهنا إلى بعض الوثائق والأعمال الأمريكية في هذا المجال: ١ - مؤتمر الشرق الأدنى مجتمعة وثقافته، مارس ١٩٤٧م. ٢ - مؤتمر الثقافة الإسلامية والحياة المعاصرة ١٩٥٣م.

стр. 62

٣ - دراسة (الإسلام في العصر الحديث) لولفرد كانتول سميث. ٤ - دراسة (الليبرالية الإسلامية، نقد للآيديولوجيات التنموية)، ليوناردبايندر. ٥ - تقرير مؤسسة رانْد الأمريكية عن الإسلام الديمقراطي. هل هذا ما يريده أدعياء الليبرالية الإسلامية المزعومة ؟ ١ - هل يطالبون بأن تتحقق (المساواة) بين التوحيد والتثليث، وتعدد الآلهة وانعدام الآلهة .. في بلاد المسلمين .. ؟ ٢ - وهل يسرهم ذلك (العدل) بين المعبودات، فلا يفرق بين عبادة خالق الكون الواحد الأحد، وبين عبادة الصلبان والنيران والفئران؟ ٣ - وهل يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وتتم العودة عن الحجاب، استجابة لدعاوى التحرير والتغرير؟

стр. 63

٤ - وهل يغتبطون باستمرار استبعاد الشريعة بحكم الدولة والقانون، ولا يبقى منها إلا نصوص مجمدة في صدور بعض الدساتير؟ ٥ - وهل تنشرح نفوسهم عندما يرون التعليم والإعلام يمسخ أجيال الأحفاد بعدما دمر كثيرًا في أجيال هي الآن آباء وأجداد؟ ٦ - وهل يرغبون في أن تظل فئام من الأمة تأكل الربا أضعافًا مضاعفة، معرّضين أنفسهم والناس معهم لحرب من الله ورسوله؟ لا نظن الدعوة لهذا وغيره في بلاد المسلمين تصدر إلا من دعاة على أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها.

стр. 64

فتوى الشيخ الفوزان عن الليبرالية (١): المكرم فضيلة الشيخ: صالح بن فوزان الفوزان، حفظه الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ما قول فضيلتكم في الدعوة إلى الفكر الليبرالي في البلاد الإسلامية؟ وهو الفكر الذي يدعو إلى الحرية التي لا ضابط لها إلا القانون الوضعي، فيساوي بين المسلم والكافر بدعوى التعددية، ويجعل لكل فرد حريته الشخصية التي لا تخضع لقيود الشريعة كما زعموا، ويُحَادّ بعض الأحكام الشرعية التي تناقضه؛ كالأحكام المتعلقة بالمرأة، أو بالعلاقة مع الكفار، أو بإنكار المنكر، أو أحكام الجهاد ... الخ الأحكام التي يرى فيها مناقضة لليبرالية. وهل يجوز للمسلم أن يقول: «أنا مسلم ليبرالي»؟ وما نصيحتكم له ولأمثاله؟

стр. 65

الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته وبعد. فإن المسلم هو المسلم لله بالتوحيد المنقاد له بالطاعة البريء من الشرك وأهله. فالذي يريد الحرية التي لا ضابط لها إلا القانون الوضعي هذا متمرد على شرع الله يريد حكم الجاهلية وحكم الطاغوت فلا يكون مسلمًا. والذي ينكر ما علم من الدين بالضرورة من الفرق بين المسلم والكافر ويريد الحرية التي لا تخضع لقيود الشريعة وينكر الأحكام الشرعية من الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومشروعية الجهاد في سبيل الله. هذا قد ارتكب عدة نواقض من نواقض الإسلام، نسال الله العافية. والذي يقول: «إنه مسلم ليبرالي» متناقض إذا أريد بالليبرالية ما ذُكِر فعليه أن يتوب إلى الله من هذه الأفكار ليكون مسلمًا حقًّا. صالح بن فوزان الفوزان. عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية.

стр. 66

لماذا لا يجوز إطلاق مصطلح (الليبرالية الإسلامية) (١): السؤال: لقد اشتركتُ في أحد المنتديات، ولقد ذكر أحد الإخوة مصطلح (الليبرالية الإسلامية). هل هذا المصطلح جائز شرعًا؟ وإليكم الجملة التي ذكر بها الأخ هذا المصطلح: «أنا لا أرفض مفهوم الليبرالية بشكل مطلق ولكني أؤكد على مبدأ الليبرالية الإسلامية التي تتيح للإنسان حريته المسئولة عن تصرفاته من خلال سلوك يحكمه الدين». الإجابة: إطلاق مصطلح الليبرالية الإسلامية لا يجوز شرعًا لعدة اعتبارات:

стр. 67

الأول: أنه لا وجود لما يسمى بالليبرالية الإسلامية؛ لأن هذا جمع بين النقيضين، ومن أطلق هذا المصطلح المحدث يصدق عليه قول الشاعر: سارَتْ مشرِّقَةً وسِرْتُ مُغَرِّبًا شَتَّانَ بينَ مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ فشتان شتان بين الليبرالية والإسلام، ولهذا فإن من يطلق هذا المصطلح (الليبرالية الإسلامية) يضطر إلى أن يفسر الليبرالية بتفسير يفرغها من حقيقتها ومضمونها، بحيث لا يبقى لها أي معنى، كما في هذه الجملة المذكورة في السؤال، فإذا كانت الليبرالية الإسلامية تعني التقيد بالدين، فأي فائدة لكلمة الليبرالية، فإن التقيد بالدين داخل في مفهوم الإسلام، فأي جديد أضافته كلمة الليبرالية حتى يقال: ليبرالية إسلامية؟! الثاني: أن هذا المصطلح المحدث يُوهم التقارب بين الإسلام والليبرالية، ويسمح بتمرير ضلالات الليبرالية إلى

стр. 68

قلوب عوام الناس وعقولهم وهم لا يشعرون، وهذا لا ريب أنه محظور عظيم يجب سَدّ الطرق المفضية إليه. الثالث: أن الإسلام منهج عظيم متكامل، والجمع بينه وبين المذاهب الأرضية التي هي في الحقيقة زبالات الأذهان ونفايات الأفكار، طَعْنٌ فيه بالنقص والحاجة إلى التكميل، وقد قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة:٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ (آل عمران: ٨٣)، وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ (المائدة: ٥٠). والله أعلم.

стр. 69

الحكم الشرعي في الليبرالية الليبرالية - كما سبق - فكرة غربية مستوردة، وليست من إنتاج المسلمين، وهي تنفي ارتباطها بالأديان كلها، وتعتبر كافة الأديان قيودًا ثقيلة على الحريات لابد من التخلص منها. وقد تقَدَّم الكلام حول حقيقتها، وتصورها لمفهوم الحرية، ومن خلال ما تقدم يتبين لنا أن الليبرالية مناقضة للإسلام في أصوله ومنهجه وأخلاقه وقيمه. ومحاولة التوفيق بين الليبرالية والإسلام هي تغيير لمفهوم كل واحد منهما، وتبديل لمعناه يخرجه عن حقيقته إلى مفهوم مُشَوَّه، وصورة غير صحيحة لكل منهما. ومن البديهي أن يُقال: إن فلاسفة الليبرالية ومفكريها الذين وضعوا أصولها في فترات مختلفة قد شكلوها خارج

стр. 70

إطار الأديان جميعًا، ولم يَدَّعِ أحد منهم ارتباطها بدين من الأديان ولو كان دينًا محرفًا. ومع هذا الوضوح يبقى من يُصِر من المسلمين على أنه بالإمكان الجمع بين منهج مادي يرفض قيود الأديان، ومنهج الإسلام الرباني، ولهذا سنجد بما لا يدع مجالًا للشك أن الليبرالية تعني في الإسلام ألوانًا متعددة من الكفر والشرك المناقض لحقيقته، وأشكالًا مختلفة تنافي أخلاقه وقيمه الكريمة. أولا: نواقض الإيمان في الليبرالية: إن دارس الليبرالية يجد أنها دعوة إلى الإلحاد ورفض الأديان حيث لا تعترف بهيمنة الدين على الحياة الإنسانية، فقد نمت هذه الفكرة في أجواء رافضة للدين، ومعترضة عليه، وهي تريد أن تعطي الإنسان حريته المطلقة بالتحلل من قيود الأديان والقيم والأخلاق، فأساس الفكرة قائم على تعظيم العقل الإنساني وماديته، ولهذا ارتبطت عبارة: «الفكر الحر»

стр. 71

في كتابات الغربيين بالإلحاد والرفض للدين والقِيَم، وعليه فإن الليبرالية لا تتفق مع الإسلام. بعض أنواع الكفر والشرك الواقعة في الليبرالية: ١ - كفر الاستحلال: الاستحلال معناه: أن يعتقد في المحرمات أنها مباحة، ويجوز فعلها مع علمه بأن الله حرمها. وقد أجمع العلماء على أن المستحل لما حرمه الله مما هو معلوم من الدين بالضرورة ومتواتر فهو كافر خارج عن دين الإسلام. وضابط الأمر المستَحَلّ هو أن يكون أمرًا ظاهرًا متواترًا لا يوجد فيه خلاف ولا شبهة مثل تحريم الزنا والربا وأكل الخنزير وغيرها. وسبب كفر المستحل التكذيب أو العناد، فإن اعتقاد إباحة أمر محرم يدل على تكذيبه لمن حرمه أو عناده له، وكلاهما مناقض لحقيقة الإيمان.

стр. 72

فلا يشترط لتكفير المستحل أن يصرح بالتكذيب أو يعتقده، لأن الجحود في حد ذاته كفر ينقل عن الملة. وهذا النوع من الكفر موجود في الليبرالية، لأن من مفاهيم الليبرالية المتعلقة بالحرية «منع التحريم»، أو «منع المنع»، فلا يمكن أن يجتمع الفكر الليبرالي مع التحريم الإلهي المقيِّد لحرية الفرد. ومن بديهيات الليبرالية «إباحة الزنا»، وهي إباحة عقائدية، وليست مجرد ممارسات عملية، ولا يمكن أن يكون الرجل ليبراليًّا وهو يعتقد تحريم الربا، والبيوع المنهي عنها لأن هذا يتعارض مع حرية التجارة والاقتصاد، كما أنه لا يمكن أن يكون ليبراليًّا وهو يعتقد تحريم الزنا والتبرج والشذوذ الجنسي لأن هذا يناقض الحرية الشخصية. والليبرالية مذهب فكري يحدد للفرد الممنوع واللازم قبل أن يكون ممارسة عملية، فهو اعتقاد وتصور لسائر أنماط الحياة البشرية.

стр. 73

٢ - كفر الشك: الشك هو عدم اليقين، والتردد بين شيئين، وعدم القطع بالصحة أو البطلان، أو الخطأ أو الصواب، ونحو ذلك، وعدم وجود القطع واليقين هو من الريب والشك. ومن أساسيات الإسلام وجود اليقين في التوحيد والإيمان، فالتوحيد والإيمان لا يُغْنِي فيه إلا اليقين الجازم، ولهذا عَدَّه العلماء شرطًا أساسيًّا من شروط لا إله إلا الله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ (الحجرات: ١٥)، فاشترط في صحة إيمانهم عدم الريبة، وهي الشك والظن. ولهذا جاء الشك والريب وصفا للمنافقين فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (التوبة: ٤٥)، ولقد قال رسول الله ﵌: ««أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (رواه مسلم).

стр. 74

فاشترط في دخول قائلها الجنة أن يكون مستيقنًا بها قلبُه غير شاكّ فيها، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط. والفكر الليبرالي لا يعتقد عقائد جازمة غير حق الفرد في الحرية الفردية مهما توصل له من أفكار وعقائد وآراء، فهو لا يملك عقيدة يقينية محددة، لأن كل عقيدة قابلة للتغيير، ومن حق الآخر أن يعتقد خلافها، وهذا الفكر لا يملك جوابًا محددا على أوضح الأمور مثل وجود الله وربوبيته، لأن المنهج السيال الذي يعتمد عليه يجعل كل أمر قابل للصواب أو الخطأ، وربما أوصلت المنهجية الليبرالية إلى عقائد متناقضة. وبهذا يتبين أن الليبرالية تصحح العقائد المتناقضة، والأفكار المتعارضة، ولا تجزم بحقيقة عقدية، فالمنتسب للإسلام منهم يعتقد أن إسلامه صحيح يحتمل الخطأ، وعقيدة الآخر (الكافر) خطأ يحتمل الصواب، ويرفضون الجزم العقائدي في جانب الصحة أو البطلان. وهذا هو الشك بعينه.

стр. 75

٣ - كفر الإباء والامتناع: حقيقة الإباء والامتناع هي عدم الانقياد والاستسلام لأمر الله وشرعه، ومن المعلوم أن الإيمان يتضمن أخبارًا تقتضي التصديق، وأوامر تقتضي الانقياد والتسليم، ومناقضة التصديق يكون بالتكذيب، ومناقضة الانقياد والتسليم يكون بالإباء والامتناع. وقد يُضاف إلى الإباء والامتناع «الاستكبار» مثل كفر إبليس وفرعون واليهود. وقد يكون الإباء والامتناع دون «استكبار». ولا ريب أن الفكر الليبرالي يؤسَّس للامتناع عن شرائع الإسلام في مجال السياسة والاقتصاد، ولهذا تكونت الدول الليبرالية بعيدة كل البعد عن شرائع الإسلام في نظمها السياسية والاقتصادية. ومن ذلك امتناع الدول الليبرالية مِن تطبيق الحدود والعقوبات الشرعية، وكذلك الامتناع عن تحريم الربا في البنوك والمؤسسات المالية، وهكذا.
следующие страницы →