على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وروى أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنهم لو أرسلوا على الناس لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا»، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أبي داود الطيالسي، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وأما الحديث الذي فيه أن منهم من طوله مائة وعشرون ذراعًا، ومنهم من طوله قدر شبر، ومنهم من يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، أو أن لهم قرونًا وأنيابًا مثل السباع، فكل هذه من الأحاديث الموضوعة، فلا يعول على شيء منها.
والصحيح ما قاله ابن كثير -رحمه الله تعالى- إنهم من بني آدم، وإنهم على أشكالهم وصفاتهم، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والطبراني عن ابن حرملة، عن خالته ﵂ قالت خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: «إنكم تقولون لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى يخرج يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه صغار العيون صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة»، قال الهيثمي: "رجالهما رجال الصحيح". الشعاف: الشعور.
وأما ما نقل عن كعب الأحبار في صفة بدء خلقهم، وأن أدم احتلم فاختلط ماؤه بالتراب فخلق منه يأجوج ومأجوج، فهو قول باطل مردود؛ لأن الله -تعالى- قال مخبرًا عن نوح ﵊: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، فدلت هذه الآية الكريمة على أن يأجوج ومأجوج من ذرية نوح ﵊، وقد روى الحاكم في مستدركه، عن سعيد بن المسيب أنه قال: "ولد نوح ﵊ ثلاثة؛ سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم وفي كل هؤلاء خير، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج"، ورواه البزار في مسنده من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «وُلِدَ لنوح سام وحام ويافث، فوُلِدَ لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم، وولد لحام القبط والبربر والسودان»، في إسناده محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عن أبيه، وكلاهما ضعيف، قال ابن كثير: "والمحفوظ عن سعيد من قوله، وهكذا روي عن وهب بن منبه مثله". انتهى.
стр. 317
وقال ابن كثير أيضًا: "من زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم فاختلطت بالتراب فخلقوا من ذلك، وأنهم ليسوا من حواء، فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوي في شرح مسلم وغيره وضعفوه، وهو جدير بذلك إذ لا دليل عليه، بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن، وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدًا، فمنهم من هو كالنخلة السحوق، ومنهم من هو في غاية الصغر، ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى، فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان، والصحيح أنهم من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم، وقد قال النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن»، وهذا فيصل في هذا الباب وغيره". انتهى.
وأما قوله: فالمسلمون يصدقون في وجودهم بلا شك، ولكنهم يخوضون في أمرهم، وفي مكان وجودهم، وفي صفة خلقهم، مع علمهم أنهم من نسل آدم، بل ومن ذرية نوح.
فجوابه: أن يقال: من آمن بما أخبر الله به في كتابه عن يأجوج ومأجوج لم يشك أنهم من وراء السد الذي بناه ذو القرنين، وقد أخبر الله عنهم أنهم ما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، وأنه إذا جاء وعد الرب ﵎ جعله دكاء فخرجوا على الناس، وذلك في آخر الزمان بعد نزول عيسى ابن مريم ﵊ وقتله الدجال، كما جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ أن الله -تعالى- يوحي إلى عيسى بإخراج يأجوج ومأجوج، وقد تقدم هذا الحديث قريبًا، وحديث حذيفة وابن مسعود ﵄ بمعناه.
وأما قوله: وفي صفة خلقهم.
فجوابه: أن يقال: إنما يخوض في صفة خلق يأجوج ومأجوج من لا يعلم أنهم من بني آدم، فأما من علم أنهم من بني آدم فإنه لا يبقى عند شك أنهم على أشكال بني آدم وصفاتهم.
وأما قوله: وأوصافهم لا تنطبق على أوصاف الملائكة ولا على أوصاف بني آدم، ولا يدرون كيف يخرجون على الناس، أينزلون عليهم من السماء أم ينبعون من الأرض؟!
стр. 318
فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام من التخليط الذي يتنزه عنه كل عاقل، فأما أوصاف الملائكة فمن أين لابن محمود العلم بها حتى يقول إن أوصاف يأجوج ومأجوج لا تنطبق عليها، وأما أوصاف بني آدم فقد قال ابن محمود إن يأجوج ومأجوج من نسل آدم ومن ذرية نوح، ولا يخفى على عاقل أن أوصاف بني آدم وأشكالهم متقاربة، وإنما يختلفون في الألسنة والألوان، وحسن الوجوه أو قبحها.
وأما قوله: ولا يدرون كيف يخرجون على الناس.
فجوابه: أن يقال: إن خروجهم على الناس في آخر الزمان لا يختلف عن خروج غيرهم من بني آدم، وإنما يكون ذلك إذا جعل الله السد دكاء كما قال الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾، وقد أخبر الله عنهم أنهم من كل حدب ينسلون؛ أي يسرعون.
وأما قوله: أينزلون من السماء أم ينبعون من الأرض؟!
فجوابه: أن يقال: لا يظن بأحد من المسلمين أنه يقول بهذا القول المستهجن؛ لأن يأجوج ومأجوج ليسوا ملائكة ينزلون من السماء، وليسوا ماء ولا غيره من المعادن السائلة التي تنبع من الأرض.
وأما قوله: لعلمهم أن الناس قد اكتشفوا سطح الأرض كلها، فلم يروهم ولم يروا سدًا.
فجوابه: أن يقال: الصواب أن يقال: سطح الأرض كله، ويقال أيضًا: إن قدرة بني آدم تعجز عن اكتشاف سطح الأرض كله، ولو قدر أنهم اكتشفوه فقد يصرف الله السائحين عن رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد، لما له في ذلك من الحكمة.
والمقصود هنا بيان أنه يجب الإيمان بما أخبر الله به في كتابه عن السد ويأجوج ومأجوج، وأن يأجوج ومأجوج ما اسطاعوا أن يظهروا السد وما استطاعوا له نقبًا، وأنه إذا جاء وعد الرب ﵎ جعله دكاء، قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في الكلام على قول الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه قال: " ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾؛ أي الوقت الذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان، ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾؛ أي مساويًا ......................
стр. 319
للأرض، ولا بد من كون هذا، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، كما قال -تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية، ولهذا قال ههنا: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾؛ يعني يوم فتح السد على الصحيح". انتهى.
ويجب أيضًا الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة، عن النواس بن سمعان وابن مسعود وحذيفة ﵃ أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون على الناس بعد نزول عيسى ابن مريم وقتل الدجال، وقد قال الله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، فدلت الآيتان على أن فتح يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، وقد جاء في حديث حذيفة بن أسيد، وحديث واثلة بن الأسقع، أن خروج يأجوج ومأجوج من الآيات العشر الدالة على اقتراب الساعة، وقد تقدم إيراد الحديثين قريبًا فليرجع إليهما (١).
وأما قوله: وتسلط بعض الملاحدة على التكذيب بالقرآن من أجلهم، وقالوا إن القرآن يذكر أشياء لا وجود لها.
فجوابه: أن يقال: إن الملاحدة قد تسلطوا على تكذيب القرآن في أشياء كثيرة غير السد ويأجوج ومأجوج، ولا سيما معجزات الأنبياء وما أيدهم الله به من خوارق العادات؛ مثل انشقاق القمر، وفلق البحر لموسى حتى صار كل فرق كالطود العظيم، وجعل العصا حية تسعى، وتفجير العيون من الحجر الصغير الذي يحمل على الدابة، وإهلاك الأحباش بالأحجار التي تحملها الطير في مناقيرها وأرجلها، إلى غير ذلك من المعجزات والخوارق التي لا تحتملها عقول الملاحدة، فلا يستكثر منهم التكذيب بوجود السد ويأجوج ومأجوج.
وأما قوله: فبينما هم في غمرة من الجهل ساهون إذ طلع عليهم نور هداية ودلالة، يحمله علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي ﵀ ويخبرهم عن حقيقة فتح يأجوج ومأجوج، قائلا: لا تبعدوا النظرة ولا تسرحوا في الفكرة، فإن يأجوج ومأجوج عن أيمانكم وعن شمائلكم ومن خلفكم، فما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم.
стр. 320
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هذا الكلام بهذا السياق غير موجود في رسالَتَي ابن سعدي اللتين كتبهما في خروج يأجوج ومأجوج، والظاهر أن ابن محمود أخذه من مضمون كلام ابن سعدي ثم نسبه له، ولو أن ابن محمود نسبه إلى نفسه وذكر أنه أخذه من مضمون كلام ابن سعدي لكان أولى وأوفق للأمانة في النقل.
الوجه الثاني: أن يقال: ما ذكره ابن محمود في يأجوج ومأجوج أنهم أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، فهو قول مخالف لما أخبر الله به عن ذي القرنين أنه جعل بين الناس وبين يأجوج ومأجوج سدًا من حديد، وأن يأجوج ومأجوج ما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، وأنه إذا جاء وعد الرب ﵎ جعله دكاء، وحينئذ يخرجون على الناس، وذلك في آخر الزمان عند اقتراب الساعة، كما قال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، وإذا في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾، وفي قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ لما يستقبل من الزمان، وهذا يدل على أن يأجوج ومأجوج لم يزالوا وراء السد حتى يأتي وقت خروجهم في آخر الزمان، وفي قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ دليل على أنهم إنما يخرجون إذا دنا قيام الساعة.
وقد أوضح ذلك النبي ﷺ فيما رواه عنه النواس بن سمعان ﵁ حيث قال بعد ذكر خروج الدجال ونزول عيسى وقتل الدجال: «فبينما هم كذلك إذ أوحي الله إلى عيسى؛ إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج» الحديث، وفي حديث حذيفة وحديث ابن مسعود ﵄ عن النبي ﷺ نحوه، وقد تقدم إيراد هذه الأحاديث قريبًا فلتراجع (١).
ولا يخفى ما في الكلام الذي نسبه ابن محمود لابن سعدي من المخالفة لما أخبر الله به في كتابه، وما كان كذلك فهو باطل وضلال، ومن زعم أنه نور هداية ودلالة فلا شك أنه لا يعرف الفرق بين نور الهداية والدلالة وبين ظلام الضلال والإضلال.
الوجه الثالث: أن يقال: إن أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم قد ......
стр. 321
كانوا موجودين في جميع الجهات شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالا، وعن أيمان المسلمين وعن شمائلهم ومن خلفهم من قبل أن يوجد السد وبعد أن وجد، ولم يزالوا كذلك على ممر الأزمان، ومع هذا فلم يؤثر عن النبي ﷺ أنه قال إنهم هم يأجوج ومأجوج، ولم يؤثر ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين وتابعيهم ولا من بعدهم من العلماء، حتى جاء المتكلفون في آخر القرن الرابع عشر من الهجرة فزعموا أن يأجوج ومأجوج ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، فهل يقول مسلم عاقل إن المتكلفين أعلم من النبي ﷺ بيأجوج ومأجوج، أو يقول من له أدنى عقل ودين أن النبي ﷺ وأصحابه ومن بعدهم إلى آخر القرن الرابع عشر من الهجرة كانوا في غمرة من الجهل ساهون، حتى طلع عليهم نور الهداية والدلالة من أحد المتكلفين القائلين في حقيقة يأجوج ومأجوج بغير علم؟ كلا، لا يقول هذا مسلم عاقل.
الوجه الرابع: أن يقال: إن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد نزول عيسى ابن مريم ﵊ وقتله الدجال، كما جاء ذلك صريحًا في الأحاديث التي تقدم ذكرها قريبًا عن النواس بن سمعان، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود ﵃ فلتراجع (١)، ففيها أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم.
الوجه الخامس: أن يقال: إن النبي ﷺ أخبر في حديث النواس بن سمعان الذي تقدم ذكره قريبًا أن يأجوج ومأجوج إذا بعثوا يمر أولهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، وجاء في حديث حذيفة بن اليمان ﵄ نحو ذلك، وجاء في حديث ابن مسعود ﵁ أن يأجوج ومأجوج إذا خرجوا يطئون البلاد فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمروه على ماء إلا شربوه، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم؛ لأن الذين قد ملئوا الأرض شرقًا وغربًا من أمم الكفار لم يقع منهم شيء مما أخبر به رسول الله ﷺ عن يأجوج ومأجوج، فلم يهلكوا ما أتوا عليه، ولم ينقصوا ما عندهم من المياه، فضلا عن أن يشربوا بحيرة طبرية وينشفوها، مع أن بعضهم كانوا مجاورين لها أزمانًا طويلة.
стр. 322
الوجه السادس: أن يقال: قد أخبر الله -تعالى- أن فتح يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، فقال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، وفي قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ أوضح دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، ويدل على ذلك ما أخبر الله به عن ذي القرنين أنه لما أتم بناء السد ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾، قال السدي في قول الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ قال: "ذاك حين يخرجون على الناس"، قال ابن كثير: "وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال". انتهى.
الوجه السابع: أن يقال: قد جاء في حديث ابن مسعود ﵁ أن الله -تعالى- عهد إلى عيسى ابن مريم ﵊ أنه بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم فإن الساعة كالحامل المُتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارًا، وهذا يدل على أن خروجهم إنما يكون إذا دنا قيام الساعة، وقد روى ابن جرير عن حذيفة ﵁ أنه قال: «لو أن رجلا افتلى فلوًا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة»، ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، فما بعد الدجال؟ قال: «عيسى ابن مريم»، قلت: فما بعد عيسى ابن مريم؟ قال: «لو أن رجلا أنتج فرسًا لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة»، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا، وأنهم أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، وأن أول ظهورهم على المسلمين كان في غزوة مؤتة، فكل هذا من التوهمات والتخرصات، وقد ذكرت من الآيات والأحاديث ما فيه كفاية لرد هذا القول الباطل وبيان بطلانه.
الوجه الثامن: أن يقال: قد جاء في حديث ابن حرملة عن خالته أن النبي ﷺ أخبر أن المسلمين لا يزالون يقاتلون عدوًا حتى يخرج يأجوج ومأجوج، وقد تقدم هذا الحديث قريبًا (١)، وروى الإمام أحمد وابن سعد، والبخاري في تاريخه، والنسائي والطبراني، عن سلمة بن نفيل الكندي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج»، وفي هذا الحديث وما قبله أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم .................................
стр. 323
وأوطانهم؛ لأن القتال بين المسلمين وبين أمم الكفار لم يزل منذ زمن النبي ﷺ ، ولا يزال كذلك إلى أن ينزل عيسى ابن مريم فيقتل الدجال، ويقاتل الناس على الإسلام، ولو كان الأمر على ما توهمه المتكلفون لكانت الحرب قد وضعت أوزارها منذ وجدت أمم الكفار في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا ظاهر البطلان.
الوجه التاسع: أن يقال: ما قرره الشيخ ابن سعدي في رسالته من أن يأجوج ومأجوج ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم فهو مخالف لما قرره في تفسيره لسورة الأنبياء، فقد قرر فيها أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون في آخر الزمان، قال في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية، ما نصه: "هذا تحذير من الله للناس أن يقيموا على الكفر والمعاصي، وأنه قد قرب انفتاح يأجوج ومأجوج، وهما قبيلتان عظيمتان من بني آدم، وقد سد عليهم ذو القرنين لما شكي إليه إفسادهم في الأرض، وفي آخر الزمان ينفتح السد عليهم فيخرجون إلى الناس، وفي هذه الحالة والوصف الذي ذكره الله، من كل مكان مرتفع وهو الحدب ينسلون أي يسرعون، في هذا دلالة على كثرتهم الباهرة وإسراعهم في الأرض، إما بذواتهم وإما بما خلق الله لهم من الأسباب التي تقرب لهم البعيد وتسهل عليهم الصعب، وأنهم يقهرون الناس ويعلون عليهم في الدنيا، وأنه لا يد لأحد بقتالهم". انتهى، وهذا صريح في رجوعه عما كان يقوله في يأجوج ومأجوج إنهم أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، وقال في تفسير سورة الكهف في الكلام على قول الله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾: "قال المفسرون ذهب متوجهًا من المشرق قاصدًا للشمال، فوصل إلى ما بين السدين؛ وهما سدان كانا معروفين في ذلك الزمان، سدان من سلاسل الجبال المتصلة يمنة ويسرة حتى تتصل بالبحار، بين يأجوج ومأجوج وبين الناس وجد من دون السدين قومًا لا يكادون يفقهون قولا؛ لعجمة ألسنتهم واستعجام أذهانهم وقلوبهم، وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم، وراجعهم وراجعوه، فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج وهما أمتان عظيمتان من بني آدم، فقالوا: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك، ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ أي جعلا، ﴿عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾، ودل ذلك على عدم اقتدارهم .............
стр. 324
بأنفسهم على بنيان السد ... إلى أن قال على قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: أي الجبلين الذين بني بينهما السد، ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ النار أي أوقدوها إيقادًا عظيمًا، واستعملوا لها المنافيخ لتشتد فتذيب النحاس، فلما ذاب النحاس الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد ﴿قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أي نحاسًا مذابًا، فأفرغ عليه القطر فاستحكم السد استحكامًا هائلا، وامتنع به من وراءه من الناس من ضرر يأجوج ومأجوج، ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي فمالهم استطاعة ولا قدرة على الصعود عليه لارتفاعه ولا على نقبه لإحكامه وقوته، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي لخروج يأجوج ومأجوج، ﴿جَعَلَهُ﴾ أي ذلك السد المحكم المتقن، ﴿دَكَّاءَ﴾ أي دكه فانهدم واستوى هو والأرض، ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يحتمل أن الضمير يعود إلى يأجوج ومأجوج، وأنهم إذا خرجوا على الناس من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها يموج بعضهم ببعض، كما قال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلائق يوم القيامة، وأنهم يجتمعون فيه فيكثرون، ويموج بعضهم ببعض من الأهوال والزلازل العظام، بدليل قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا * وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ ".
قلت والاحتمال الأول أقرب؛ لأن الله -تعالى- عقَّب قوله ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ بقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، فدل هذا على أن موج بعضهم في بعض يكون قبل النفخ في الصور، وهذا هو الذي قرره ابن كثير في تفسيره، وذكره عن السدي، والله أعلم.
وفيما نقلته من كلام ابن سعدي في تفسيره أبلغ رد على ابن محمود، حيث تعلق بالرسالة التي قد قرر ابن سعدي في الجزء الخامس من تفسيره خلاف ما قرره فيها، وهذا الجزء مطبوع في سنة ١٣٧٥ من الهجرة في المطبعة السلفية بمصر، وقد أرسل لي المؤلف نسخة منه من حين طبعه وكتب الإهداء إليَّ بخطه، وكان هذا بعد إخراجه للرسالة التي غلط فيها في أمر يأجوج ومأجوج بنحو من سبع عشرة سنة، وقد أنكر كبار العلماء في البلاد النجدية ما قرره في رسالته في أمر يأجوج ومأجوج غاية الإنكار، واستدعاه الملك عبد العزيز إلى الرياض بسببها وتهدده وتوعده، وبعد ذلك لم نسمع عنه أنه تكلم في يأجوج ....
стр. 325
ومأجوج بشيء حتى طبع تفسيره، فإذا كلامه فيه على خلاف ما قرره في رسالته التي أنكرها كبار العلماء، ولم يخرج في تفسير الآيات من سورة الكهف ومن سورة الأنبياء عما ذكره المفسرون في أمر يأجوج ومأجوج، فيحتمل أنه قد رجع عما قرره في رسالته، وإن لم يكن رجع عن ذلك فكلامه في يأجوج ومأجوج متناقض، فيؤخذ بما كان منه موافقًا لأقوال المفسرين من الصحابة والتابعين ويرد ما خالفهم فيه.
وأما قوله: والتي تداعى عليكم كتداعي الأكلة على قصعتها.
فجوابه: أن يقال: هذه الجملة ليست من كلام ابن سعدي، وإنما هي من كلام ابن محمود.
ويقال أيضًا: أما الأمم التي تداعت على المسلمين فهم من أصناف الكفار من غير يأجوج ومأجوج، وقد وقع بعض ذلك حين خرج التتار على المسلمين من المشرق، وتداعت عليهم الأمم الصليبية من المغرب، وأما يأجوج ومأجوج فإنما يخرجون على الناس بعد نزول عيسى ابن مريم ﵊ وبعد قتل الدجال، كما جاء ذلك صريحًا في حديث النواس بن سمعان الذي رواه مسلم وغيره، وجاء في حديث حذيفة بن اليمان وابن مسعود ﵃ نحو ذلك، وقد تقدم ذكر هذه الأحاديث قريبًا (١).
وأما قوله: وقد أقبلوا عليكم من كل حدب ينسلون حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين، وهذا حقيقة الفتح لهم، والذي عناه النبي ﷺ كما في صحيح البخاري ومسلم، عن زينب بنت جحش قالت: خرج علينا النبي ﷺ فزعًا قد احمرَّ وجهه وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا» وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، فقلنا: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: «نعم إذا كثر الخبث».
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: ليس هذا من كلام ابن سعدي، وإنما هو من كلام ابن محمود، ولو أنه بيَّن ذلك لكان خيرًا له، وأوفق للأمانة العلمية.
الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود قد غيَّر في لفظ الحديث، حيث قال: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى»، .............
стр. 326
وصوابه: «فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها».
والوجه الثالث: أن يقال: إنه من الصعب أن يعقد الشخص بين السبابة والوسطى، ولعل ابن محمود ذهب وهمه إلى ما جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا» وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما، رواه البخاري وأبو داود والترمذي، من حديث سهل بن سعد ﵁، وروي مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، ورواه البزار وقال فيه: "وضم أصبعيه". والفرق بين التحليق بالابهام والتي تليها وبين القران بين السبابة والوسطى لا يخفى على صغار العامة فضلا عن صغار طلبة العلم، ومع هذا فقد خفي ذلك على رئيس المحاكم والدوائر الشرعية بدولة قطر.
الوجه الرابع: أن يقال: لو كان الذين استدعاهم استنشاق رائحة البترول هم يأجوج ومأجوج لكانوا قد أهلكوا كل ما أتوا عليه، وشربوا كل ماء مروا عليه، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- في عدة أحاديث تقدم ذكر بعضها (١)، ولكان عيسى ابن مريم ﵊ قد نزل قبل إقبالهم إلى بلاد المسلمين، ولكانوا قد حصروا نبي الله عيسى ومن معه من المؤمنين حتى دعا عليهم فأهلكهم الله كموت نفس واحدة، وحيث أنه لم يقع شيء من هذا فلا شك إنما قاله ابن محمود في إقبال يأجوج ومأجوج على المسلمين وفي حقيقة الفتح لهم، إنما هو محض التخرص والقول بغير علم.
الوجه الخامس: أن يقال: إن يأجوج ومأجوج قد حيل بينهم وبين الخروج على الناس بالسد الذي بناه ذو القرنين، ولا ينفتح هذا السد إلا في آخر الزمان بعد نزول عيسى وقتل الدجال، كما جاء ذلك في عدة أحاديث تقدم ذكرها (١)، ويدل على ذلك ما أخبر الله به عن ذي القرنين أنه لما أتم بناء السد ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "يعني يوم فتح السد على الصحيح"، وذكر في تفسيره عن السدي أنه قال: "ذاك حين يخرجون على الناس"، قال ابن كثير: "وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال". انتهى، ويدل عليه أيضًا قوله ...........................................
стр. 327
-تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، ففي هاتين الآيتين دليل على أن فتح يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، وفيهما مع الآيتين من سورة الكهف أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا، وأقبلوا على المسلمين من كل حدب ينسلون، حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين.
الوجه السادس: أن يقال: إن رسول الله ﷺ قال في الساعة: «إنها لن تقوم حتى ترو قبلها عشر آيات؛ فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﵊، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف؛ خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم» رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل السنن من حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وروي الطبراني وابن مردويه والحاكم من حديث واثلة بن الأسقع ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، وصححه الحاكم والذهبي.
وإنما كان خروج يأجوج ومأجوج آية من الآيات العشر الدالة على دنو الساعة واقترابها؛ لأن الناس لم يروهم قبل خروجهم، ولما فيهم من الكثرة الهائلة، ولأنهم يطئون البلاد فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، حتى إن أوائلهم يشربون بحيرة طبرية، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، وشربهم لبحيرة طبرية ولغيرها من المياه الغزيرة غير معتاد ولا مألوف عند الناس، فلهذا كان خروجهم من الآيات الدالة على دنو الساعة، ولو كانوا قد خرجوا منذ أزمان طويلة لما كان خروجهم من قبيل الآيات العظام، والله أعلم.
وقد جاء أن الآيات العشر إذا ظهر أولها تتابعت في زمن يسير، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث، بعضها مرفوع وبعضها موقوف، منها ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «خروج الآيات بعضها على اثر بعض، يتتابعن كما يتتابع الخرز في النظام» وقد رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن أحمد بن حنبل وداود الزهراني، وكلاهما ثقة".
ومنها ما رواه الحاكم في مستدركه عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ .....
стр. 328
قال: «الأمارات خرزات منظومات بسلك، فإذا انقطع السلك تبع بعضها بعضًا» قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها ما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «الآيات خرزات منظومات في سلك، فإن يقطع السلك يتبع بعضه بعضًا» قال الهيثمي: "فيه علي بن زيد، وهو حسن الحديث"، وقد رواه الحاكم في مستدركه ولم يتكلم عليه، وكذلك الذهبي.
ومنها ما رواه ابن عساكر عن حذيفة بن أسيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «بين يدي الساعة عشر آيات كالنظم في الخيط، إذا سقط منها واحدة توالت؛ خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وفتح يأجوج ومأجوج، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانها».
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن حذيفة ﵁ أنه قال: «إذا رأيتم أول الآيات تتابعت».
ومنها ما رواه ابن أبي شيبة أيضًا عن حذيفة ﵁ أنه قال: «لو أن رجلا ارتبط فرسًا في سبيل الله فأنتجت مهرًا عند أول الآيات، ما ركب المهر حتى يرى آخرها».
وهذا الأثر والذي قبله لهما حكم الرفع؛ لأنه لا دخل للرأي في مثل هذا، وإنما يقال عن توقيف.
وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج قد خرجوا على المسلمين حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين.
الوجه السابع: أن يقال: ما زعمه ابن محمود من وقوع الفتح ليأجوج ومأجوج، وأن حقيقته هو تداعي أمم الكفار على المسلمين، وإقبالهم عليهم من حدب ينسلون، حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين، وأن النبي ﷺ قد عناه بما روته عنه زينب بنت جحش ﵂، والاستدلال على ذلك بحديث ثوبان ﵁، فهو بلا شك من تأويل كلام النبي ﷺ على غير المراد به، وفي الآيات التي ذكرنا من سورة الكهف وسورة الأنبياء مع ما في الأحاديث الصحيحة عن النواس بن سمعان، وحذيفة بن اليمان، وابن مسعود ﵃ أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد نزول عيسى ابن مريم وقتل ...........................................................
стр. 329
الدجال أبلغ رد على الحقيقة التي زعمها ابن محمود وليست بحقيقة، وإنما هي تخرص واتِّباع للظن، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾.
الوجه الثامن: أن يقال: ما زعمه ابن محمود من تداعي أمم الكفار على المسلمين وإقبالهم عليهم من كل حدب ينسلون حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين، فهو خلاف الحقيقة؛ لأن الكفار وإن كانوا قد حسدوا المسلمين على البترول لما ظهر عندهم وودوا لو انتزعوه منهم، فهم مع ذلك لم يتداعوا على المسلمين ولم يقبلوا عليهم من كل حدب ينسلون، ولم يكونوا يأخذون من بترول المسلمين شيئًا إلا بالثمن أو في مقابلة أعمالهم في استخراجه من أعماق الأرض وتصفيته، وكثير من أمم الكفار يتظاهرون بالصداقة للمسلمين ليبذلوا لهم شيئًا من البترول بالثمن، أفلا يستحي ابن محمود من نشر مزاعمه التي يشهد الواقع بخلافها؟!
وأما قوله: وكان ابتداء حركتهم في ظهورهم على المسلمين من غزوة مؤتة حين غزاهم المسلمون لدعوتهم إلى الإسلام، ثم صار ظهورهم يزداد عامًا بعد عام.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: لا يخفى على من له أدنى علم بالتواريخ والسير أن النبي ﷺ إنما بعث الجيش يوم مؤتة لقتال الروم، وهم الذين كانوا في الشام في زمن الجاهلية وفي زمن النبي ﷺ وزمن أبي بكر الصديق ﵁ ثم ظهر عليهم المسلمون في زمان عمر بن لخطاب ﵁ وانتزعوا الشام منهم، فأما يأجوج ومأجوج فبلادهم في أقصى المشرق من ناحية الشمال، ذكر ذلك غير واحد من المتكلمين على الأقاليم ومواقع البلدان فيها، وقد روي ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قال: "الجبلين الردم الذي بين يأجوج ومأجوج، أمتين من وراء ردم ذي القرنين، قال: الجبلان أرمينية وأذربيجان". وروي أيضًا عن الضحاك في قوله: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ يعني الجبلين، وهما من قبل أرمينية وأذربيجان، وقال القرطبي في تفسير قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾: "وهما جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان". انتهى.
وهؤلاء لم يبعث النبي ﷺ إليهم جيشًا ولا دعاة يدعونهم إلى الإسلام، ولا يمكن الاتصال بهم، حتى يأتي الوقت الذي قدر الله خروجهم فيه، وهو بعد نزول عيسى وقتل الدجال، فحينئذ يخرجون ويطئون البلاد، ويهلكون كل شيء أتوا عليه، حتى يدعو عليهم نبي الله ...
стр. 330
عيسى فيهلكهم الله جميعًا، هذا هو الثابت عن النبي ﷺ ، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.
الوجه الثاني: أن يقال: إذا كان النبي ﷺ قد فزع واحمر وجهه حين فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل موضع الدرهم، فكيف يظن به أنه بعث جيشًا من أصحابه يوم مؤتة لغزو يأجوج ومأجوج ودعائهم إلى الإسلام، هذا كلام باطل مردود.
الوجه الثالث: أن يقال: إنه لم يؤثر عن النبي ﷺ أنه قال في الروم الذين قاتلهم المسلمون يوم مؤتة أنهم من يأجوج ومأجوج ولا أشار إلى ذلك البتة، وكذلك لم يؤثر عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من العلماء أنهم قالوا ذلك، ولو كان الروم من يأجوج ومأجوج لبين ذلك النبي ﷺ ، ولكان ذلك مشتهرًا عند الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين، وحيث أنه لم يؤثر عن النبي ﷺ أنه قال في الروم إنهم من يأجوج ومأجوج، ولم يؤثر ذلك عن أحد من الصحابة ولا من بعدهم من العلماء، فإنه يلزم على قول ابن محمود أحد أمرين؛ إما أن يكون النبي ﷺ قد خفي عليه أن الروم من يأجوج ومأجوج، وخفي ذلك على الصحابة ومن بعدهم من العلماء، أو أنهم قد علموا ذلك وكتموه، وما لزم عليه أحد هذين الأمرين فهو قول سوء، لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الروم لم يبتدءوا المسلمين بالخروج إليهم، ولم يظهروا على المسلمين لا في غزوة مؤتة ولا فيما بعدها من الغزوات، وإنما كان الابتداء من المسلمين، وكان لهم الظهور على الروم حتى أجلوهم من الشام إلى القسطنطينية، ثم غزوهم بعد ذلك في القسطنطينية عدة مرات؛ أولها في زمان معاوية بن أبي سفيان ﵄ إلى أن أخذوها منهم في زمان محمد الفاتح وأجلوهم إلى أوروبا، ولو كان الأمر على ما توهمه ابن محمود، حيث زعم أن الروم من يأجوج ومأجوج، لكانوا قد أهلكوا المسلمين وغير المسلمين من حين خروجهم، كما هو مقتضى النصوص الثابتة عن النبي ﷺ .
الوجه الخامس: أن يقال: إن يأجوج ومأجوج قد حيل بينهم وببين الناس بسد من حديد يمنعهم من الظهور والاختلاط بالناس، ولا يندك هذا السد إلا عند اقتراب الساعة، كما هو منصوص عليه في القرآن، وقد جاء في حديث النواس بن سمعان وغيره من الأحاديث التي تقدم ذكرها أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد نزول عيسى ابن مريم وقتل الدجال، فمن قال بخلاف هذا فقوله باطل مردود.
стр. 331
الوجه السادس: أن يقال: إن الروم ليس بينهم وبين المسلمين شيء من السدود البتة، وقد كان العرب يختلطون بهم في الجاهلية والإسلام، ولو كانوا من يأجوج ومأجوج لما قدر أحد على الاختلاط بهم، ولكانوا قد أهلكوا العرب وغير العرب من كل ما أتوا عليه، كما هو منصوص عليه في حديث ابن مسعود ﵁ الذي تقدم ذكره.
الوجه السابع: أن يقال: من المستحيل أن يغزو المسلمين يأجوج ومأجوج وأن يدعوهم إلى الإسلام؛ لأن الاتصال بهم غير ممكن من أجل السد الحائل بينهم وبين الناس، ومن زعم أن المسلمين قد غزوهم ودعوهم إلى الإسلام فلا شك أنه لا يدري ما يقول.
وأما قوله: ولما أخرج الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ رسالته في تحقيق أمر يأجوج ومأجوج على صفة ما ذكره في تفسيره واستنباطه، أنكر عليه بعض العلماء ذلك واتهموه بأنه يكذب القرآن، واستدعي للمحاكمة زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن ﵀ فبرهن عن حقيقة رسالته، وأنها تصدق القرآن، وتزيل اللبس والشك عنه، وترد على الملحدين قولهم وسوء اعتقادهم، لهذا تبين للعلماء حسن قصده، وزال عن الناس ظلام الأوهام وضلال أهل الزيغ والبهتان، وصار لهذه الرسالة الأثر الكبير في إخماد نار الفتنة بيأجوج ومأجوج، حتى استقر في أذهان العلماء والعوام صحة ما قاله بمقتضى الدليل والبرهان.
فجوابه: أن أقول: قد ذكرت قريبًا أن الشيخ ابن سعدي قد قرر في تفسيره في أمر يأجوج ومأجوج خلاف ما قرره في رسالته، وقد كان طبعه للتفسير بعد إخراجه للرسالة بنحو من سبع عشرة سنة، وفي طبعه لتفسيره مع ما فيه من المخالفة لما قرره في رسالته دليل ظاهر على رجوعه عما كان قرره في الرسالة، وفي تمسك ابن محمود بما قرره ابن سعدي في رسالته وإعراضه عما قرره في تفسيره أوضح دليل على سوء اختيار ابن محمود، وميله إلى الأقوال الشاذة والآراء المنحرفة.
وأقول أيضًا: إن رسالة ابن سعدي في أمر يأجوج ومأجوج خالية من ...........
стр. 332
التحقيق، وقد رأيت النسخة التي بعث بها أحد المشايخ إلى الملك عبد العزيز، وهي بخط المؤلف، وقرأتها كلها فلم أر فيها شيئًا من التحقيق عن يأجوج ومأجوج، ورأيت أيضًا رسالته المختصرة، وهي التي اعتمد عليها ابن محمود ونقل منها، وحاصل التحقيق الذي زعم ابن محمود أنه فيها هو المخالفة لما أخبر الله به في كتابه عن فتح يأجوج ومأجوج، وأنه يكون عند اقتراب الساعة، والمخالفة أيضًا لما ثبت عن النبي ﷺ أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون في آخر الزمان بعد نزول عيسى ابن مريم وقتل الدجال، وإذا كانت رسالة ابن سعدي مخالفة للقرآن والأحاديث الصحيحة، فأي تحقيق يكون فيها وأي فائدة ترجى من ورائها.
وأما قوله: على صفة ما ذكره في تفسيره.
فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في كلام ابن محمود من التمويه الذي يشهد الواقع بخلافه، وذلك لأن ابن سعدي قد قرر في تفسيره في أمر يأجوج ومأجوج خلاف ما قرره في رسالته التي تعلق بها ابن محمود، وقد ذكرت قريبًا ما ذكره ابن سعدي في تفسيره فليراجع (١)، ففيه أبلغ رد على ابن محمود.
وأما إنكار العلماء لرسالة ابن سعدي فهو صحيح، ولا أعلم عن أحد من العلماء النجديين أنه وافق ابن سعدي على رسالته في أمر يأجوج ومأجوج.
وأما قول ابن محمود: إن ابن سعدي استدعي للمحاكمة زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن.
فجوابه: أن يقال: أما الاستدعاء فهو واقع، وأما المحاكمة فلم تقع، وخلاصة القصة أن الشيخ ابن سعدي لما كتب رسالته في يأجوج ومأجوج أرسلها أحد المشايخ إلى الملك عبد العزيز ﵀، فعرضها الملك على بعض أكابر العلماء فأنكروها غاية الإنكار، فاستدعاه الملك إلى الرياض، فلما حضر إلى مجلس الملك حضر معه أكابر العلماء بأمر من الملك؛ ليناظروا ابن سعدي إن دعت الحاجة إلى المناظرة، فأخبرني من كان حاضرًا معهم، أنه لما دخل عليهم الملك وهم في مجلسه قاموا جميعًا للسلام عليه ومعهم الشيخ ابن سعدي، وبعد السلام على الملك جلس كل رجل منهم في مجلسه، فأخذ الملك يتهدد ويتوعد كل من خالف الكتاب والسنة بأنه سيفعل به ويفعل، وكلهم يعلمون أنه يريد بالتهديد والوعيد الشيخ ابن سعدي، .........................
стр. 333
ولما انتهى الملك من كلامه وسكت، سكت الحاضرون كلهم، فلم ينطق أحد منهم بكلمة، ثم بعد ذلك قاموا جميعًا وتفرقوا، وبعد ذلك لم نسمع عن الشيخ ابن سعدي أنه تكلم في أمر يأجوج ومأجوج بشيء حتى طبع تفسيره بعد سبع عشرة سنة من حين إخراجه للرسالة، فإذا كلامه في التفسير يوافق ما ذكره المفسرون في أمر يأجوج ومأجوج، ويخالف ما جاء في رسالته التي أنكرها العلماء وتهدده الملك وتوعده بسببها.
وأما قوله: فبرهن عن حقيقة رسالته، وأنها تصدق القرآن وتزيل اللبس والشك عنه، وترد على الملحدين قولهم وسوء اعتقادهم.
فجوابه: أن يقال: لا صحة لما ذكره ابن محمود ههنا فإنه غير واقع، وإنما أتى به ابن محمود من كيسه، والواقع في الحقيقة أن الشيخ ابن سعدي لما تهدده الملك وتوعده سكت، فلم ينطق بكلمة لا مع الملك ولا مع العلماء، إلا أنه دعا للملك بالحفظ وطول العمر، هذا ما ذكره لي بعض المشايخ الحاضرين مع ابن سعدي في مجلس الملك، فأما البرهنة عن الرسالة فهي من تلفيق ابن محمود.
وأما قول ابن محمود: إن رسالة ابن سعدي تصدق القرآن وتزيل اللبس والشك عنه، وترد على الملحدين قولهم وسوء اعتقادهم.
فجوابه: أن يقال: إن الأمر في الحقيقة على خلاف ما زعمه ابن محمود، فكل ما وصف به رسالة ابن سعدي في يأجوج ومأجوج فهي بضده؛ لأنها تخالف ما جاء في القرآن والسنة عن يأجوج ومأجوج، وتوقع الجهال في الحيرة والشك فيما أخبر الله به ورسوله ﷺ عنهم، وتفتح للملحدين باب القول في تأويل القرآن بالرأي والتخرص وتحريف الكلم عن مواضعه.
ويقال أيضًا: ما ذكره الله -تعالى- في كتابه عن دك السد وفتح يأجوج ومأجوج أنه يكون في آخر الزمان إذا اقترب الوعد الحق، أي إذا دنا قيام الساعة، فهو في غاية الوضوح والبيان، ومن زعم أن ذلك غير واضح وأنه يتطرق إليه اللبس والشك فلا شك أنه جاهل بالقرآن.
وأما قوله: لهذا تبين للعلماء حسن قصده.
فجوابه: أن يقال: هذا من التقول على العلماء، فإنه لم يبلغني عن أحد منهم أنه وافق ابن سعدي على رسالته، بل كلهم مجمعون على إنكارها والتحذير من الاغترار بها.
стр. 334
وأما قوله: وزال عن الناس ظلام الأوهام وضلال أهل الزيغ والبهتان.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: قد جاء في إثبات وجود السد ويأجوج ومأجوج آيات من القرآن وأحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ، وفي القرآن النص على أن السد من حديد وقِطر- وهو النحاس- وفيه أيضًا النص على أن يأجوج ومأجوج ما استطاعوا أن يظهروا السد وما استطاعوا له نقبًا، وفيه أيضًا النص على أن اندكاك السد إنما يكون إذا جاء وعد الله -تعالى- أي إذا دنا قيام الساعة، وفي الأحاديث النص على أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون على الناس بعد نزول عيسى ابن مريم وقتله الدجال، وأنه لا يدان لأحد بقتالهم، وأنهم إذا خرجوا لا يأتون على شيءٍ إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، وأن أوائلهم يشربون بحيرة طبرية، وأن آخرهم إذا مروا بها يقولون لقد كان بهذا مرة ماء، وأنهم يحصرون نبي الله عيسى وأصحابه فيدعو عليهم فيهلكهم الله ويميتهم، فهل يقول ابن محمود إن هذا كله من ظلام الأوهام وضلال أهل الزيغ والبهتان، أم ماذا يجيب به عن قوله الذي لم يتثبت فيه، ولم ينظر إلى ما يترتب عليه من تكذيب ما جاء عن الله -تعالى- وعن رسوله ﷺ ؟
الوجه الثاني: أن يقال: إنما زال عن الناس ظلام الأوهام والضلال بإنكار رسالة ابن سعدي والتحذير منها، وبيان أنها تخالف ما جاء في القرآن والسنة عن يأجوج ومأجوج، وحتى مؤلفها ﵀ يظهر أنه قد زال عنه ظلام الأوهام والضلال بما قرره في تفسيره الذي كان طبعه له بعد إخراجه للرسالة بنحو من سبع عشرة سنة، وقد ذكرت كلامه في تفسيره قريبًا فليراجع (١).
وأما قوله: وصار لهذه الرسالة الأثر الكبير في إخماد نار الفتنة بيأجوج ومأجوج.
فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إنه لم يكن لرسالة ابن سعدي أثر كبير إلا عند ابن محمود، وقد يكون لها أثر كبير عند أمثال ابن محمود من المتكلفين الخائضين فيما لا يعنيهم، فأما أهل العلم فقد أنكروها غاية الإنكار، وقد سمعت ذلك من كثير منهم، وبلغني ذلك عن كثير منهم ممن لم أجتمع بهم.
الوجه الثاني: أن يقال: إنها لم تقع بين الناس فتنة بيأجوج ومأجوج، إلا أن تكون من أفراد قليلين من العصريين المتكلفين الخائضين فيما لا يعنيهم من أمر ......................
стр. 335
يأجوج ومأجوج، القائلين فيهم بغير علم، فهؤلاء هم الذين افتتنوا بالكلام في يأجوج ومأجوج، ما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، ومنهم من زعم أنهم التتار الذين خرجوا على المسلمين في آخر زمان بني العباس، وهؤلاء الذين ذكرنا أقوالهم في يأجوج ومأجوج ينطبق عليهم قول الله -تعالى-: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾، فأما المتمسكون بالكتاب والسنة فإنهم قد سلموا من الفتنة بيأجوج ومأجوج؛ لأنهم يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه عنهم وعن سدِّ ذي القرنين، ويؤمنون بما ثبت عن النبي ﷺ فيهم وفي خروجهم على الناس، ولا يتكلفون ما ليس لهم به علم.
وأما قوله: حتى استقر في أذهان العلماء والعوام صحة ما قاله بمقتضى الدليل والبرهان.
فجوابه: أن يقال: هذا من تخرصات ابن محمود وتوهماته التي لا صحة لشيء منها، ولم تقع إلا في ذهن ابن محمود ومن كان على شاكلته.
وأما قوله: ونحن نسوق فقرات من رسالته للاتعاظ بها والانتفاع بعلمها.
فجوابه: أن يقال: ليس في رسالة ابن سعدي ما يتعظ به، ولا ما ينتفع بعلمه، ولكن الأمر في ابن محمود كما قيل:
يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
وقال ابن محمود في صفحة (٧٧، ٧٨، ٧٩)، فقرات من كلام الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي ﵀.
" اعلم أن من تأمل ما ذكره الله في كتابه عن يأجوج ومأجوج، وما ثبتت به سنة رسول الله ﷺ عنهم، وما في ذلك من صفاتهم، وعلم ما ذكره المفسرون والمؤرخون في قصة ذي القرنين، وعرف الواقع والمحسوس وما على وجه الأرض من أصناف بني آدم، فمن عرف ذلك كله تيقن يقينًا لا شك فيه أنهم هم الأمم الموجودون الآن، الذين ظهروا على الناس كالترك، والروس، ودول البلقان، والألمان، وإيطاليا، والفرنسيين، والإنجليز، واليابان، والأمريكان، ومن تبعهم من الأمم، فإنه دل الكتاب والسنة دلالة بينة صريحة أن يأجوج ومأجوج من أولاد آدم، وأنهم ليسوا بعالم آخر غيبي، كالجن ونحوهم ممن حجب الآدميون عن رؤيتهم والاحساس في الدنيا بهم، بيان ذلك في القرآن من قصة ذي القرنين في قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ
стр. 336
دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ إلى آخر الآيات، فمن فهم معنى هذه الآيات وما ذكره أصناف المفسرين فيها، علم قطعا أنهم كما ذكر الله في شكاية هؤلاء القوم الذين كثر إفسادهم لذي القرنين، بالقتل والنهب والتخريب وأنواع الفساد، فطلبوا منه أن يجعل بينهم وبينهم سدًا يمنعهم من الإفساد والنفوذ إليهم، فأجاب ذو القرنين طلبتهم طاعة لله وإحسانًا على هؤلاء المظلومين، فجعل بينهم وبينهم ردمًا، ومعلوم أنهم آدميون محسوسون، قد تناولوهم بأنواع الأذى، فلو كانوا جنسًا آخر كالجن ونحوهم ممن حجبوا عن الأبصار لم يمكنوا من الأذية لبني آدم إلى هذا الحد، ولم يطلب هؤلاء القوم من ذي القرنين ما لا قدرة له عليه، ولم يمنعهم من الأذية سد ولا ردم، وذلك أن هناك جبلان متقابلان متصلان بمشارق الأرض ومغاربها، وليس للناس في تلك الأزمان طريق إلا من تلك الفجوة التي بين السدين، حيث كان مسير الناس في ذلك الوقت على الإبل والبغال والحمير، فبني ذو القرنين سدًا محكمًا بين الجبلين فتم بنيانه للردم بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، وبقي ما شاء الله أن يبقى، ثم بعد ذلك ظهروا على الناس من جميع النواحي والجبال والبحار، فتحركوا في وقت النبي ﷺ في أول قتال وقع من المسلمين في وقعة مؤتة، وكان المسلمون أربعة آلاف وجيش النصارى مائة وعشرون ألفًا، فكشف للنبي ﷺ عنهم يوم قتالهم، فقال وهو يخطب الناس: «أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذها زيد بن حارثة فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله، وهو خالد بن الوليد، ففتح الله عليه» يخبرهم بذلك وهو يبكي، وهذا هو مبدأ تحركهم لقتال المسلمين والخروج عليهم، وهو معنى قوله ﷺ : «ويل للعرب من شر قد اقترب، قد فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا»، قال ولم يزالوا في ازدياد وظهور على الناس حتى وصل الأمر إلى هذه الحالة المشاهدة، ولا بد أن يقع كل ما أخبر الله به ورسوله، ومنها أن الناس قد شاهدوا السد قد اندك، ورأوا يأجوج ومأجوج قد تجاوزوه، فإن السد كما ذكرنا هي الموانع الجبلية والمائية ونحوها، المانعة من وصولهم إلى الناس، فقد شاهدوهم من كل محل ينسلون، فالبحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه، وما اتصل بذلك .....................
стр. 337
من الموانع كلها قد مضى عليها أزمان متطاولة، وهي سد محكم بينهم وبين الناس لا يجاوزها منهم أحد، بل هم منحازون في أماكنهم، وقد زال ذلك كله وشاهدهم الناس، وقد اختلقوا هذه البحار، ثم توصلوا إلى خرق الجو بالطائرات وبما هو أعظم منها، فلا يمكن لأحد إنكار هذا ولا المكابرة فيه، وهذه الأدلة التي ذكرناها من نص الكتاب والسنة والأدلة العقلية والواقع والمشاهدة كلها أمور يقينية لا شك فيها ولا مناقض لها، والمقصود أن ظهورهم على الوصف الذي شرحناه قد تبين موافقته للكتاب والسنة الصحيحة، والعلم الصحيح العقلي الحسي يعتبر آية وبرهانًا عظيمًا على صدق القرآن وصحة ما جاء سول الله ﷺ من آيات بينات لا تزال تشاهد وتظهر كل وقت، وحين يعتبر بها المعتبرون وينتفع بها المؤمنون ويسترشد بها الغافلون المعرضون وتقوم بها الحجة على المعارضين المعاندين، وأما من اعتمد في قصة يأجوج ومأجوج على قصص إسرائيلية وآثار موضوعة وقصص خرافية وعوائد جرت مخالفة للعلم، فقد حرم الوصول إلى الهداية والاستنارة بنور العقل المؤيد بالشرع". انتهى.
والجواب: أن يقال: إن ابن محمود قد غيَّر في بعض كلام ابن سعدي وزاد فيه بعض الشيء من عنده ولم يبين ذلك، وهذا عمل غير مرضي لأنه ينافي الأمانة في النقل، وسأنبه على ذلك -إن شاء الله تعالى-.
ويقال أيضًا كل ما نقله ابن محمود ههنا من رسالة ابن سعدي في يأجوج ومأجوج فهو باطل، سوى ما ذكره من الآيات من سورة الكهف، والحديث الذي أوله: «ويل للعرب من شر قد اقترب»، فالآيات والحديث حق، ولكن لا متعلق لابن سعدي في شيء منها، وما سوى الآيات والحديث فكله توهمات وتخرصات لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا عقل صحيح ولا واقع ولا مشاهدة، وفي تفسير ابن سعدي لسورة الكهف وسورة الأنبياء كفاية في الرد على ما جاء في رسالته فيما يتعلق بيأجوج ومأجوج، وقد ذكرت قريبًا أنه قد طبع تفسيره بعد إخراجه للرسالة بنحو من سبع عشرة سنة.
فأما قوله: اعلم أن من تأمل ما ذكره الله في كتابه عن يأجوج ومأجوج، وما ثبتت به سنة رسول الله ﷺ ، وما في ذلك من صفاتهم، وعلم ما ذكره المفسرون والمؤرخون في قصة ذي القرنين، وعرف الواقع والمحسوس وما على وجه الأرض من ..................
стр. 338
أصناف بني آدم، فمن عرف ذلك كله تيقن يقينًا لا شك فيه أنهم هم الأمم لموجودون الآن، الذين ظهروا على الناس كالترك، والروس، ودول البلقان، والألمان، وإيطاليا، والفرنسيين، والإنجليز، واليابان، والأمريكان، ومن تبعهم من الأمم.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن القرآن والسنة حجة على ابن سعدي فيما ذهب إليه في شأن يأجوج ومأجوج، وليس فيهما حجة له ولا ما يتعلق به بوجه من الوجوه، ومن تأمل ما ذكره الله في كتابه عن يأجوج ومأجوج، وما ثبتت به سنة رسول الله ﷺ فيهم، عرف يقينًا لا شك فيه أنه يخالف ما ذهب إليه ابن سعدي في رسالته، وذلك أن الله -تعالى- أخبر عن ذي القرنين أنه جعل بين يأجوج ومأجوج وبين غيرهم من الناس ردمًا، وأخبر ﵎ أن يأجوج ومأجوج ما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، وأخبر عن ذي القرنين أنه لما أتمَّ بناء السد ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾؛ أي إذا دنا قيام الساعة، جعل الله السد دكاء فخرج يأجوج ومأجوج على الناس، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "يعني يوم فتح السد على الصحيح"، وذكر في تفسيره عن السدي أنه قال: "ذاك حين يخرجون على الناس"، قال ابن كثير: "وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال". انتهى.
وقال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، أوضح دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، وقد بين ذلك النبي ﷺ في عدة أحاديث صحيحة، منها حديث النواس بن سمعان ﵁ أن رسول الله ﷺ ذكر خروج الدجال ونزول عيسى وقتل الدجال، ثم قال: «فبينما هم كذلك إذ أوحي الله إلى عيسى إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتلاهم فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل عليهم النغف في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة» الحديث رواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي: "حديث غريب حسن صحيح".
стр. 339
ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لقيت ليلة أُسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليَّ ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافر فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلى ربي أن ذلك إذا كان كذلك، فإن الساعة كالحامل المُتم التي لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها، ليلا أو نهارًا» رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وابن جرير، والحاكم، وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وزاد ابن ماجة والحاكم فيه قال العوام- وهو ابن حوشب أحد رواته-: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله ثم قرأ ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾.
ومنها حديث حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ في ذكر الدجال ونزول عيسى ﵊ وفيه: «فبينما هم كذلك إذا أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة ويجيء آخرهم وقد انشفوه، فما يدعون فيه قطرة، فيقولون ظهرنا على أعدائنا قد كان ههنا أثر ماء» الحديث، وفيه: «فيدعو الله نبيه ﷺ ، فيبعث الله عليهم قرحة في حلوقهم، فلا يبقى منهم بشر» وذكر بقية الحديث. رواه الحاكم وابن مندة في كتاب الإيمان، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي، وقال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: في إسناد ابن مندة، هذا إسناد صالح".
ومنها حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس، كما قال الله : ﴿وَهُمْ مِنْ
стр. 340
كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾، فيعيثون في الأرض، وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم، ويضمون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسًا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: لقد كان ههنا ماء مرة» الحديث، رواه الإمام أحمد، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرنه غدا، فيعودون إليه كأشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم إلى الناس، حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فستحفرونه غدًا -إن شاء الله- ويستثني، فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه، ويحصن الناس منهم في حصونهم» الحديث، رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
ومنها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات؛ فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخِر ذلك نار تخرج من اليمن، تطرد الناس إلى محشرهم» رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
ومنها حديث واثلة بن الأسقع ﵁ عن النبي ﷺ بنحو حديث حذيفة بن أسيد ﵁ رواه الطبراني، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه.
وفي هذه الأحاديث مع ما تقدم من الآيات أبلغ رد على قول ابن سعدي إن يأجوج ومأجوج هم الأمم الموجود الآن؛ كالترك، والروس، وغيرهم من الأمم الذين ذكرهم ابن سعدي في كلامه الذي تقدم ذكره.
стр. 341
الوجه الثاني: أن يقال: إن النبي ﷺ أخبر عن بعض صفات يأجوج ومأجوج بما يخالف أكثر الأمم الذين ذكرهم ابن سعدي، وذلك فيما رواه الإمام أحمد، والطبراني عن ابن حرملة، عن خالته ﵂ قالت: خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: «إنكم تقولون لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى يخرج يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة» رواه الإمام أحمد، والطبراني، قال الهيثمي: "ورجالهما رجال الصحيح".
الشعاف: الشعور.
ولا يخفى أن الألمان والإيطاليين والفرنسيين والإنجليز والأمريكان ليسوا عراض الوجوه صغار العيون، وكذلك أكثر الأمم من غيرهم، فصفات يأجوج ومأجوج لا تنطبق على أكثر الأمم التي ذكرها ابن سعدي.
الوجه الثالث: أن يقال: إن النبي ﷺ قد أخبر في حديث ابن حرملة عن خالته أن المسلمين لا يزالون يقاتلون عدوًا حتى يخرج يأجوج ومأجوج، وجاء نحو ذلك فيما رواه الإمام أحمد، وابن سعد، والبخاري في تاريخه، والنسائي والطبراني، وابن مردويه، عن سلمة بن نفيل الكندي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج»، ومن المعلوم أن المسلمين قد قاتلوا كثيرًا من أمم الكفار في أول الإسلام وفيما بعد ذلك، واستولوا على كثير من الممالك شرقًا وغربًا وجنوبا وشمالا، ولم يزل القتال بين المسلمين وبين أعدائهم من الكفرة، ولا يزال الجهاد ماضيًا حتى ينزل عيسى ابن مريم ﵊ فيقتل الدجال وجنوده، ويقاتل الناس على الإسلام، فإذا خرج يأجوج ومأجوج وضعت الحرب أوزارها، ولو كان الأمر على ما ذهب إليه ابن سعدي لكانت الحرب قد وضعت أوزارها في زمن النبي ﷺ ، ولكان الدجال قد خرج قبل ذلك، ونزل نبي الله عيسى ﵊ فقتل الدجال وقاتل الناس على الإسلام قبل غزوة مؤتة، وهذا لا يتصوره عاقل فضلا عن أن يتفوه بذلك.
الوجه الرابع: أن يقال: ما زعمه ابن سعدي من ظهور الترك والروس ودول البلقان والألمان وإيطاليا والفرنسيين والإنجليز واليابان والأمريكان ومن تبعهم من الأمم، يقتضي أن تكون هذه الدول محازة بسد من حديد قبل ظهورهم على الناس، فلا ................
стр. 342
يتصل بهم الناس ولا يخالطونهم ولا يعرفون عنهم شيئًا، وهذا معلوم البطلان بالضرورة عند كل عاقل.
يوضح ذلك الوجه الخامس: وهو أن الأمم الذين ذكرهم ابن سعدي وزعم أنهم هم يأجوج ومأجوج قد كانوا موجودين في جميع الجهات شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالاً منذ أزمان طويلة لا يعلم ابتداءها إلا الله -تعالى-، ولم يحصرهم سد من حديد يمنعهم من الخروج والاختلاط بغيرهم من الأمم، بل كان الناس يذهبون إلى أوطانهم ويخالطونهم في قديم الدهر وحديثه، ولو كان الأمر على ما زعمه ابن سعدي من أنهم هم يأجوج ومأجوج لَما قدر الناس على الذهاب إليهم والاختلاط بهم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن يأجوج ومأجوج إذا خرجوا على الناس يطئون البلاد، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، وأخبر أيضًا أن أوائلهم يمرون على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، وأخبر أيضًا أنه لا يدان لأحد بقتالهم، وأخبر أيضًا أنهم يحصرون نبي الله عيسى وأصحابه فيدعو عليهم عيسى وأصحابه فيهلكهم الله، وأخبر أيضا أنه بعد عيسى ابن مريم لو أن رجلا أنتج فرسًا لم يركب مهرها حتى تقوم الساعة، وأخبر أيضًا أن الله -تعالى- عهد إلى عيسى أنه بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم فإن الساعة كالحامل المُتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارًا، وأخبر أيضًا أن خروجهم من الآيات العشر التي تكون بين يدي الساعة، وأخبر أيضًا أن خروج هذه الآيات يتتابع كما يتتابع الخرز في النظام، وكل ما ذكر في هذه الأحاديث وفي غيرها من الأحاديث الواردة في يأجوج ومأجوج لا ينطبق على أمم الكفار الموجودين الآن، والذين قد خالطهم الناس وعرفوهم حق المعرفة، وجرت بينهم وبينهم المعاهدات والمعاملات التجارية وعقود الشركات وغيرها من الأعمال الدنيوية، ومن تأمل الأحاديث الواردة في يأجوج ومأجوج رأى فيها أبلغ رد على ابن سعدي، وعلى من قلده وأخذ بقوله.
وأما قوله: فإنه دل الكتاب والسنة دلالة بينة صريحة أن يأجوج ومأجوج من أولاد آدم، وأنهم ليسوا بعالم آخر غيبي، كالجن ونحوهم ممن حجب الآدميون عن رؤيتهم والاحساس في الدنيا بهم.
فجوابه: أن يقال: لا شك أن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، وقد ذكرت قريبًا (١)
стр. 343
ما رواه الحاكم عن سعيد بن المسيب أنه قال: "إن يأجوج ومأجوج من ولد يافث بن نوح"، وروي البزار بإسناد ضعيف عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا مثله، ولا يلزم من كونهم من بني آدم أن يكونوا هم الأمم الذين يعرفهم الناس ويخالطونهم، كما قد توهم ذلك ابن سعدي ومن قلده، وإنما هم أناس غيرهم قد حيل بينهم وبين الناس بالسد الذي بناه ذو القرنين، فلا يعرفهم الناس ولا يخالطونهم، ولا يخرجون على الناس إلا في آخر الزمان بعد نزول عيسى ابن مريم وقتل الدجال، كما ثبتت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ ، وكما يدل عليه قوله -تعالى- إخبارًا عن ذي القرنين أنه لما أتم بناء السد ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾، ويدل عليه أيضًا قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾.
وأما قوله: وذلك أن هناك جبلان متقابلان متصلان بمشارق الأرض ومغاربها، وليس للناس في تلك الأزمان طريق إلا من تلك الفجوة التي بين السدين، حيث كان مسير الناس في ذلك الوقت على الإبل والبغال والحمير، فبني ذو القرنين سدًا محكمًا بين الجبلين، فتم بنيانه للردم بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، وبقي ما شاء الله أن يبقى، ثم بعد ذلك ظهروا على الناس من جميع النواحي والجبال والبحار.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هذه الجملة قد غيرها ابن محمود عما هي عليه في رسالة ابن سعدي وزاد فيها ونقص ثم لم يبين ذلك، وهذا ينافي الأمانة في النقل، وهذا نص كلام ابن سعدي قال: "ومنها أن الحاجز الذي بناه ذو القرنين بينهم وبين الطائفة المجاورة لهم، الذين شكوا إفسادهم جزء يسير جدًا من السد الطبيعي، الذي جعله الله بينهم وبين الناس، فإن نص القرآن صريح على أن ذا القرنين وصل إلى ما بين السدين، وأن السدين موجودان قبل ذي القرنين، وهما الجبال والبحار التي عن يمين تلك الفجوة التي بناها والبحار والجبال التي عن يسارها، فتلك الجبال والبحار الواصلة لمشارق الأرض ومغاربها سدان محكمان بينهم وبين الناس في تلك الأزمان وما بعدها، وليس لهم طريق في ذلك الوقت إلا من تلك الفجوة التي بين السدين، فبناها ذو القرنين، فتم بنيانه الردم بينهم وبين الناس، وبقي ما شاء الله أن يبقى، ثم بعد ذلك ظهروا على الناس من جميع النواحي والجبال والبحار". انتهى.
стр. 344
الوجه الثاني: أن يقال: في أول كلام ابن محمود لحن في قوله: إن هناك جبلان متقابلان متصلان بمشارق الأرض ومغاربها، وصوابه: جبلين متقابلين متصلين.
الوجه الثالث: أن يقال: إن في هذا الكلام من التخرص واتباع الظن ما لا يخفى على عاقل، وهل يقول عاقل إن في الأرض جبلين متقابلين متصلين بمشارق الأرض ومغاربها؟ وهل يقول عاقل إن أوربا وأمريكا وآسيا سوى جزيرة العرب قد أحيطت بجبلين متقابلين متصلين بمشارق الأرض ومغاربها؟ كلا، لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل، وأين يكون موضع الفجوة التي جعل ذو القرنين فيها السد المانع للأمريكيين والأوربيين ودول آسيا من الخروج والاتصال بالعرب، وإن تعجب فهذا التوهم والتخرص من أعجب العجب، ومع هذا يزعم ابن محمود أنه نور هداية ودلالة، وهو في الحقيقة ظلمة حالكة وضلال عن الحق، ولو كان يأجوج ومأجوج قد خرجوا على الناس من جميع النواحي والجبال والبحار لكانوا قد وطئوا بلاد العرب وغيرها من البلاد، وأهلكوا كل شيء أتوا عليه، وشربوا كل ماء مروا عليه، ولكان الدجال قد خرج قبل ذلك، ونزل عيسى ابن مريم ﵊ فقتل الدجال ودعا على يأجوج ومأجوج فهلكوا جميعًا، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- في عدة أحاديث تقدم ذكرها قريبًا، وحيث أنه لم يقع شيء من هذه الأمور العظام فلا شك أن السد لا يزال باقيًا على حاله، وأن يأجوج ومأجوج لم يزالوا من وراء السد ولم يخرجوا على الناس، ولا يخرجون حتى ينزل عيسى ابن مريم ويقتل الدجال.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الجبلين اللذين بنى ذو القرنين الردم بينهما هما في بلاد يأجوج ومأجوج الواقعة في أقصى المشرق من ناحية الشمال، وليسا متصلين بمشارق الأرض ومغاربها كما قد توهم ذلك ابن سعدي وابن محمود، وقد تقدم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "الجبلان؛ أرمينية، وأذربيجان"، وكذا قال القرطبي في تفسيره إن السدين جبلان من قبل أرمينية وأذربيجان، وقال الضحاك في قوله -تعالى-: ﴿بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾: "يعني الجبلين، وهما من قبل أرمينية وأذربيجان"، هذا ما قاله هؤلاء الأئمة في السدين؛ أي الجبلين اللذين بنى ذو القرنين الردم بينهما، ولا أعلم عن أحد من الصحابة ولا من التابعين ولا من بعدهم من أهل العلم أنهم قالوا في الجبلين الذين بنى ذو القرنين الردم بينهما أنهما واصلان لمشارق الأرض ومغاربها، ...............................................
стр. 345
بل هذا مما يعلم بطلانه بالضرورة عند كل عاقل، إذ ليس في الأرض جبال متصلة من المشرق إلى المغرب، وكذلك لم أر لأحد من أهل العلم أنهم قالوا إن البحار الواصلة لمشارق الأرض ومغاربها إنها سد محكم بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وإنما هذا من التوهمات والتخرصات التي يعلم بطلانها بالضرورة.
يوضح ذلك الوجه الخامس: وهو أن يقال: إن البحار لم تكن حاجزًا بين الدول التي ذكرها ابن سعدي وبين غيرهم من الناس لا في قديم الدهر ولا في حديثه، وكذلك الجبال التي في مشارق الأرض ومغاربها لم تكن مانعة من اتصال العرب ولا غيرهم من الناس بتلك الدول لا في قديم الدهر ولا في حديثه، بل كان العرب وغيرهم من الأمم يذهبون إلى أي البلاد شاءوا من بلاد تلك الدول وغيرها من البلاد، وليس هناك حواجز تمنعهم من الذهاب في أنحاء الأرض وأقطارها إلا ما كان من بلاد يأجوج ومأجوج التي لا سبيل إليها إلا من الطريق الذي بناه ذو القرنين، وقد تقدم قول ابن عباس ﵄ والضحاك والقرطبي؛ إنها من قبل أرمينية وأذربيجان. فهذه البلاد لا سبيل إلى دخولها والاتصال بأهلها، ولا سبيل لأهلها إلى الخروج منها إلا في آخر الزمان، عند اقتراب الساعة وبعد نزول عيسى ابن مريم ﵊ وقتله الدجال، فحينئذ يندك السد ويخرج يأجوج ومأجوج من بلادهم، فيطئون البلاد فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، ثم يدعو عليهم نبي الله عيسى ﵊ فيهلكهم الله -تعالى-، وقد تقدم ذلك قريبًا في عدة أحاديث صحيحة فلتراجع (١).
وأما قوله: حيث كان مسير الناس في ذلك الوقت على الإبل والبغال والحمير.
فجوابه: أن يقال: هذه زيادة من ابن محمود وليست في رسالة ابن سعدي، وكان ينبغي لابن محمود أن يبين ذلك.
وأما قوله: فتحركوا في وقت النبي ﷺ في أول قتال وقع من المسلمين مع النصارى في وقعة مؤتة، وكان المسلمون أربعة آلاف وجيش النصارى مائة وعشرون ألفًا، فكشف للنبي ﷺ عنهم يوم قتالهم، فقال وهو يخطب الناس: «أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم أخذها زيد بن حارثة فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف الله، وهو خالد بن الوليد، ففتح الله عليه» يخبرهم بذلك ...................................
стр. 346
وهو يبكي، وهذا هو مبدأ تحركهم لقتال المسلمين والخروج عليهم، وهو معنى قوله ﷺ : «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا».
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هذا الكلام لابن محمود سوى قوله في أوله: فتحركوا في وقت النبي ﷺ ، فهذه الجملة هي التي من كلام ابن سعدي فقط، وقد مزج ابن محمود كلامه مع كلام ابن سعدي ولم يبين ذلك، بل أوهم أن الكل من كلام ابن سعدي، وهذا ينافي الأمانة في العلم.
الوجه الثاني: أن يقال: إن المسلمين في يوم مؤتة إنما قاتلوا الروم ومن انضم إليهم من نصارى العرب، فأما يأجوج ومأجوج فإنهم لم يروهم فضلا عن أن يقاتلوهم، وقد قال الله -تعالى-: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾، فسماهم في الآية الروم، وسماهم في الآية من سورة براءة أهل الكتاب، لو كانوا من يأجوج ومأجوج لسماهم بذلك كما سماهم به في سورة الكهف وسورة الأنبياء، وفي هذا أبلغ رد على من جعل الروم من يأجوج ومأجوج.
الوجه الثالث: أن يقال: إن المسلمين هم الذين تحركوا إلى قتال الروم وساروا إليهم في أوطانهم وبدأوهم بالقتال، فأما يأجوج ومأجوج فلا يقدر أحد على قتالهم كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ مخبرًا به عن الله ، وذلك فيما رواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجة، عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵊ وقتله الدجال، ثم قال: «فينما هو كذلك إذ أوحي الله إلى عيسى؛ إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج» الحديث، وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه أخبر عن عيسى ﵊ أن الله عهد إليه، أن يأجوج ومأجوج إذا خرجوا يطئون البلاد فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، وقد تقدم إيراد هذا الحديث وحديث النواس بن سمعان قريبًا (١).
стр. 347
الوجه الرابع: أن يقال: إن ابن محمود قد تصرف في سياق الحديث الذي فيه الإخبار عن قتل زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة ﵃ فقدَّم جعفرًا على زيد بن حارثة وزاد في آخر الحديث وغيَّر فيه، وقد رواه البخاري في مواضع من صحيحه ولفظه في "كتاب الجنائز" في "باب الرجل ينعى إلى أهل الميت بنفسه" عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب، وإن عيني رسول الله ﷺ لتذرفان، ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له»، ورواه في "كتاب المغازي" في "باب غزوة مؤتة من أرض الشام" ولفظه عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ نعى زيدًا وجعفرًا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم»، ورواه في فضائل أصحاب النبي ﷺ في "باب مناقب خالد بن الوليد ﵁" بنحوه.
وأما قوله: وهذا هو مبدأ تحركهم لقتال المسلمين والخروج عليهم.
فجوابه: أن يقال: ليس الأمر كما زعمه ابن محمود، وإنما هذا مبدأ تحرك المسلمين لقتال الروم والسير إليهم في بلادهم، فأما يأجوج ومأجوج فلا يتصل بهم أحد حتى يدنو قيام الساعة فيجعل الله السد دكاء، وحينئذ يخرجون على الناس ويموج بعضهم في بعض كما قال -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾.
وأما قوله: وهو معنى قوله ﷺ : «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا».
فجوابه: أن يقال: هذا من التقوُّل على رسول الله ﷺ وحمل كلامه على غير المراد به، وقد جاء في حديث أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄ عن زينب بنت جحش ﵂ قالت: خرج رسول الله ﷺ يومًا فزعًا محمرًا وجهه يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه» وحلَّق بأصبعيه الإبهام والتي تليها، وذكر تمام الحديث رواه الإمام أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجة، وفي رواية لأحمد قالت: دخل علىَّ رسول الله ﷺ وهو عاقد بأصبعيه السبابة بالإبهام وهو يقول: «ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل موضع الدرهم».
стр. 348
وإذا علم أن الذي قد فتح من ردم يأجوج ومأجوج في زمن النبي ﷺ مثل موضع الدرهم، فهل يقول عاقل إن معناه ما كان بين المسلمين وبين الروم من القتال في يوم مؤتة؟ وهل يقول عاقل إنه كان بين المسلمين وبين الروم سد من حديد فتح منه يوم مؤتة مثل موضع الدرهم فخرج منه يأجوج ومأجوج على المسلمين؛ أي من هذا الثقب الضيق الذي هو مثل موضع الدرهم؟ كلا، لا يقول ذلك مؤمن، وقد أخبر النبي ﷺ عن الله أنه سيوحي إلى عيسى ابن مريم ﵊ بعد قتل الدجال: «إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم»، فلو كان الذين قاتلهم الصحابة يوم مؤتة من يأجوج ومأجوج لما كان للصحابة ﵃ يدان بقتالهم، ولأهلكوا كل ما أتوا عليه.
وأيضًا فإن النبي ﷺ قد فزع واحمر وجهه لما فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل موضع الدرهم وقال: «ويل للعرب من شر قد اقترب»، وأما الروم فإنه لم يذكر عنه ﷺ أنه فزع منهم ولا بالى بهم، وقد أرسل إليهم جيشًا من أصحابه يوم مؤتة فبدأوهم بالقتال، وقد فتح الله عليهم مع قلة عددهم وكثرة الروم، ثم سار ﷺ بنفسه في غزوة تبوك يريد قتالهم ورجع من تبوك إبقاء على أصحابه لما نالهم من الجهد والمشقة، ثم جهَّز جيشًا وأمَّر عليهم أسامة بن زيد ﵄ وأمره أن يسير إلى الروم، ومات ﷺ وجيش أسامة مخيم حول المدينة فنفذه أبو بكر الصديق ﵁ فساروا إلى الشام وقتلوا من الروم وغنموا منهم، ثم غزاهم المسلمون في زمن أبي بكر وعمر ﵄ وأجلوهم من الشام إلى القسطنطينية، وضربوا الجزية على من بقي منهم في الشام، وغزوا كثيرًا من الأمم التي زعم ابن سعدي ومن قلده أنهم من يأجوج ومأجوج، وظهروا عليهم وغنموا أموالهم وسبوا ذراريهم ونساءهم، ولم يبال المسلمون بأحد من تلك الأمم، ولو كانوا من يأجوج ومأجوج لما أطاقوا قتالهم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن الله -تعالى- يوحي إلى عيسى ابن مريم بعد قتله للدجال: «إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون»، وأخبر ﷺ في حديث آخر أنهم إذا خرجوا لا يأتون على شيء إلا .................................................
стр. 349
أهلكوه، وفي هذا أبلغ رد على من زعم أنهم قد خرجوا وأن المسلمين قد قاتلوهم في زمن النبي ﷺ .
وأما قوله: ولم يزالوا في ازدياد وظهور على الناس حتى وصل الأمر إلى هذه الحال المشاهدة.
فجوابه: أن يقال: قد زاد ابن محمود في كلام ابن سعدي كلمة من عنده وهي قوله: "وظهور على الناس" ولم يبين ذلك، ويقال أيضًا لا صحة لشيء مما ذكر في هذه لجملة، وإنما هو خطأ مبني على التخرص واتباع الظن، وفيما ذكره الله ورسوله ﷺ عن يأجوج ومأجوج وأن خروجهم إنما يكون عند دنو الساعة أبلغ رد على ما جاء في هذه الجملة.
وأما قوله: ولا بد أن يقع كل ما أخبر الله به ورسوله.
فجوابه: أن يقال: هذا مما لا يشك فيه مسلم، ولو أن ابن سعدي تمسك في رسالته بما أخبر الله به ورسوله ﷺ عن يأجوج ومأجوج لا ستغنى عن التخرص واتباع الظن، ولظهر له أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون في آخر الزمان بعد نزول عيسى ﵊ وقتل الدجال، ولظهر له أنهم إذا خرجوا فإنهم يطئون البلاد، ولا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولم يكن لأحد طاقة بقتالهم.
وأما قوله: ومنها أن الناس قد شاهدوا السد قد اندك ورأوا يأجوج ومأجوج قد تجاوزوه.
فجوابه: أن يقال: لا صحة لشيء من هذا، وإنما هو من التخرص واتباع الظن، وقد قال الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه لما أتم بناء السد ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، وقال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، وفي هذه الآيات دليل على أن اندكاك السد وخروج يأجوج ومأجوج إنما يكون عند دنو الساعة، وقد روي ابن جرير عن حذيفة ﵁ أنه قال: «لو أن رجلا افتلى فلوًا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة»، وقد ذكرت هذا الأثر وما يشهد له من الحديث المرفوع قريبًا فليراجع (١).
стр. 350
وأما قوله: فإن السد كما ذكرنا هي الموانع الجبلية والمائية ونحوها المانعة من وصولهم إلى الناس، فقد شاهدوهم من كل محل ينسلون، فالبحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه، وما اتصل بذلك من الموانع كلها قد مضى عليها أزمان متطاولة، وهي سد محكم بينهم وبين الناس لا يجاوزها منهم أحد، بل هم منحازون في أماكنهم وقد زال ذلك كله وشاهدهم الناس وقد اخترقوا هذه البحار، ثم توصلوا إلى خرق الجو بالطائرات وبما هو أعظم منها، فلا يمكن أحدًا إنكار هذا ولا المكابرة فيه.
فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: قد قرر ابن سعدي في هذه الجملة أن السد الذي بين الناس وبين يأجوج ومأجوج إنما هو سد طبيعي من الجبال والمياه وليس بصناعي، وهذا خلاف ما أخبر الله به في كتابه عن السد أنه مبني من زبر الحديد ومفرغ عليه القطر وهو النحاس المذاب، قال الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا * آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا * قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا * وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾، ففي هذه الآيات أبلغ رد على من زعم أن البحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه وما اتصل به من الموانع الجبلية والمائية هي السد الذي قد حال بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وهل يقول عاقل إن الموانع الجبلية والمائية والبحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه وما اتصل بذلك من الموانع الجبلية هي السد الذي بناه ذو القرنين، وأن ذلك كله قد أندك وزال وخرج يأجوج ومأجوج على الناس؟ كلا، لا يقول ذلك عاقل، وهل يقول عاقل إن الجو سد مانع من خروج يأجوج ومأجوج وقد اندك بالطائرات وخرج منه يأجوج ومأجوج على الناس؟ كلا، لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل.
الوجه الثاني: أن يقال: إن البحار والموانع الجبلية لم تكن سدًا مانعًا من اتصال الأمم بعضها ببعض لا في قديم الدهر ولا في حديثه، بل كان الناس يجتازون البحار على .......
стр. 351
السفن ويجتازون الموانع الجبلية على الإبل والبغال والحمير، وقد كان العرب في الجاهلية والإسلام يتصلون بمن يليهم من الأمم؛ كالروم والقبط والفرس والحبشة، ولم تكن البحار والموانع الجبلية سدًا مانعًا من اتصالهم بمن يليهم من الأمم، ولو كانت البحار والموانع الجبلية والمائية سدًا مانعًا من الاجتياز لما قدر العرب على الاتصال بالروم وغيرهم من الأمم، ولما قدر المسلمون على غزو الأمم في مشارق الأرض ومغاربها، فكلام ابن سعدي في هذه الجملة كلام غير معقول.
الوجه الثالث: أن يقال: لو فرضنا أن البحار والموانع الجبلية كانت سدًا محكمًا كما زعمه ابن سعدي، فهناك فجاج في الجبال وهناك سهول طويلة عريضة ليس فيها سد محكم يمنع أحدًا من الاجتياز من المشرق إلى المغرب وبالعكس، ومن الجنوب إلى الشمال وبالعكس، وهناك سفن في البحار يجتاز فيها المسافرون من المشرق إلى المغرب وبالعكس، ومن الجنوب إلى الشمال وبالعكس، وقد أخبر الله -تعالى- عن ذي القرنين أنه بلغ مغرب الشمس ومطلعها، ثم سار حتى بلغ الموضع الذي فيه يأجوج ومأجوج فجعل بينهم وبين الذين يلونهم سدًا من حديد يمنع يأجوج ومأجوج من الاجتياز والإفساد في الأرض، ولم تكن البحار والموانع الجبلية سدًا مانعًا لذي القرنين من السير في الأرض من المغرب إلى المشرق، ثم إلى موضع يأجوج ومأجوج، وفي هذا أبلغ رد على ما توهمه ابن سعدي ﵀.
الوجه الرابع: أن يقال: إن كلام ابن سعدي ينقض بعضه بعضًا، فقد قرر في أول كلامه الذي لم ينقله ابن محمود أن ذا القرنين بني الردم المانع ليأجوج ومأجوج من الخروج والإفساد في الأرض، قال: وكان ما وراءه وعن يمينه وشماله جبالا شاهقة وبحورًا زاخرة لا يستطيعون عبورها، وليس لهم معبر إلى الناس إلا من تلك الثنية التي سدها ذو القرنين، والمشهور أنها في شمال آسيا، بدليل ما هو معروف عند المؤرخين أن ذا القرنين ترك منهم طائفة خلف السد من جهة الناس فقيل لهم تُرك، قال: والمقصود أن يأجوج ومأجوج في ذلك الوقت لا نفوذ لهم على الناس إلا من تلك الثغرة التي بين جبال شاهقة، فسدَّها ذو القرنين وساوى بين الصدفين فلم يتمكنوا من نقب السد ولا صعوده ولا صعود الجبال التي عن يمينه وعن يساره، ثم نقض ذلك بقوله إن السد هي الموانع الجبلية والمائية ونحوها، وأن البحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه وما اتصل بذلك من الموانع إنها .........
стр. 352
سد محكم بينهم – أي بين يأجوج ومأجوج – وبين الناس، ثم زعم أنه لا يمكن أحدًا إنكار هذا؛ أي ما زعمه في آخر كلامه ولا المكابرة فيه.
وأقول: أيظن المتكلف أنه قد أتى بنص من كتاب الله -تعالى- أو من سنة رسول الله ﷺ لا يمكن إنكاره ولا المكابرة فيه، أو أتى بإجماع لا يمكن إنكاره ولا المكابرة فيه؟! كلا، إنه لم يأت بنص ولا إجماع، وإنما أتى بتوهمات وتخرصات مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وما خالف الكتاب والسنة فهو قول باطل يجب إنكاره ولا يجوز إقراره.
الوجه الخامس: أن يقال: إن المكابرة على الحقيقة هي في قول المتكلف إن السد هو الموانع الجبلية والمائية، وإن البحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه وما اتصل بذلك من الموانع سد محكم بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وإن الناس قد شاهدوا السد قد اندك ورأوا يأجوج ومأجوج قد تجاوزوه، فهذا غاية في المكابرة والمخالفة لما أخبر الله به عن السد، وأنه بين صدفين أي جبلين، وأنه من زبر الحديد والقطر أي النحاس المذاب، وأنه إنما يندك عند اقتراب الساعة، وفيه أيضًا مخالفة لما أخبر الله به عن فتح يأجوج ومأجوج، وأنه يكون إذا اقترب الوعد الحق أي إذا دنا قيام الساعة، وفيه أيضًا مخالفة لما أخبر به رسول الله ﷺ عن خروج يأجوج ومأجوج، وأنه إنما يكون بعد نزول عيسى وقتل الدجال، وأن الساعة يومئذ كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارًا، فهذا هو الثابت في الكتاب والسنة وهو الذي لا يمكن إنكاره ولا المكابرة فيه، وما خالفه فهو باطل مردود.
وأما قوله: وهذه الأدلة التي ذكرناها من نص الكتاب والسنة الصحيحة والأدلة العقلية والواقع والمشاهدة كلها أمور يقينية لا شك فيها ولا مناقض لها.
فجوابه: أن يقال: إن نصوص الكتاب والسنة تدل على خلاف ما قرره ابن سعدي في قوله عن السد إنه هو الموانع الجبلية والمائية، وإن البحر الأبيض والأسود والمحيط من جميع جوانبه وما اتصل بذلك من الموانع سد محكم بين يأجوج ومأجوج وبين الناس، وإن الناس قد شاهدوا السد قد اندك ورأوا يأجوج ومأجوج قد تجاوزوه، وكذلك الأدلة العقلية والواقع والمشاهدة فكلها على خلاف ما قرره ابن سعدي، وقد تقدم ببيان ذلك بما فيه كفاية -إن شاء الله تعالى-.
وأما قوله: والمقصود أن ظهورهم على الوصف الذي شرحناه قد تبيَّن موافقته ........
стр. 353
للكتاب والسنة الصحيحة، والعلم الصحيح العقلي الحسي يعتبر آية وبرهانا عظيمًا على صدق القرآن وصحة ما جاء به رسول الله ﷺ من آيات بينات .... إلى آخر كلامه.
فجوابه: أن يقال: ما زعمه ابن سعدي من خروج يأجوج ومأجوج على الوصف الذي شرحه فالأمر فيه بخلاف ما توهمه ابن سعدي، ويدل على بطلان أوهامه وتخرصاته ومخالفتها للكتاب والسنة قول الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه لما أتم بناء السد دون يأجوج ومأجوج ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾، وقال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، فدلت هذه الآيات على اندكاك السد وظهور يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، وقد جاءت السنة بإيضاح ذلك وبيانه أتم بيان مما لا يدع لمبطل شبهة، وذلك فيما رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة عن النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ ، فذكر حديثًا طويلا في ذكر خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵊ وقتل الدجال، ثم قال: «فبينما هو كذلك إذا أوحى الله إلي عيسى أني قد خرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عباد إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسي كموت نفس واحدة، ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله»، زاد الترمذي في روايته: «ويستوقد المسلمون من قسيهم ونشابهم وجعابهم سبع سنين»، قال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح"، قلت: "وإسناده أحد أسانيد مسلم"، وقد روي ابن ماجة هذه الزيادة مفردة عن هشام بن عمار، حدثنا يحيى بن حمزة، حدثنا ابن جابر، عن يحيى بن جابر الطائي، حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير .........................................................
стр. 354
عن أبيه، أنه سمع النواس بن سمعان ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : «سيوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين» إسناده صحيح، رجاله كلهم من رجال الصحيح.
وروي الحاكم في مستدركه وابن مندة في كتاب الإيمان، عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ في ذكر الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵊ وفيه: «فينما هم كذلك إذ أخرج الله يأجوج ومأجوج، فيشرب أولهم البحيرة ويجيئ آخرهم وقد أنشفوها فما يدعون فيها قطرة، فيقولون: ظهرنا على أعدائنا قد كان ههنا أثر ماء» الحديث، قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي، وقال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: في إسناد ابن مندة، هذا إسناد صالح".
وروى الإمام أحمد وابن ماجة وابن جرير والحاكم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ فتذاكروا أمر الساعة فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بهذا، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلى ربي أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارا» قال الحاكم: "صحيح"، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وزاد ابن ماجة والحاكم فيه: "قال العوام – وهو ابن حوشب أحد رواته–: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله ثم قرأ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ".
وفي هذه الأحاديث النص على أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد ............
стр. 355
خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ وقتل الدجال، ففيها أبلغ رد على ما توهم ابن سعدي من وقوع اندكاك السد وخروج يأجوج ومأجوج منذ أزمان طويلة، وفيها أيضًا أبلغ رد على ما توهمه من موافقة أوهامه وتخرصاته للكتاب والسنة.
ومما يرد به عليه أيضًا حديث أبي سعيد الخدري ﵁ في ذكر فتح يأجوج ومأجوج وخروجهم على الناس، وحديث أبي هريرة ﵁ في حفر يأجوج ومأجوج للسد كل يوم، وحديث حذيفة بن أسيد ﵁ أن خروج يأجوج ومأجوج من الآيات العشر التي تكون بين يدي الساعة، وحديث واثلة بن الأسقع ﵁ بمثل حديث حذيفة بن أسيد ﵁، وهذه الأحاديث كلها صحيحة، وقد تقدم إيرادها قريبًا فلتراجع، ففيها أبلغ رد على توهمات ابن سعدي وتخرصاته (١).
وأما قوله: وأما من اعتمد في قصة يأجوج ومأجوج على قصص إسرائيلية وآثار موضوعة وقصص خرافية وعوائد جرت مخالفة للعلم، فقد حرم الوصول إلى الهداية والاستنارة بنور العقل المؤيد بالشرع.
فجوابه: أن يقال: وكذلك من اعتمد على الأوهام والتخرصات في موضع السد واندكاكه، وخروج يأجوج ومأجوج قبل خروج الدجال ونزول عيسى وقتل الدجال، فهو محروم من الوصول إلى الهداية والاستنارة بنور الكتاب والسنة في هذا السبيل.
" تنبيه "
ليعلم المطَّلع على كتابي هذا أن إنكاري لما توهمه ابن سعدي في أمر السد ويأجوج ومأجوج وما كتبته في التنبيه على أخطائه لا يمنعني من الثناء عليه والدعاء له بالمغفرة والرحمة، فقد خلَّف -رحمه الله تعالى- علمًا كثيرًا في مؤلفاته وعند تلاميذه، فأما ما كتبه في رسالته في السد ويأجوج ومأجوج فهو من الزلات المغمورة في جنب فضائله ومحاسنه، وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال:
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ... كفى المرء نبلا أن تعد معائبه
وقد ذكرت قريبًا أن طبع ابن سعدي لتفسيره بعد إخراجه للرسالة بنحو من سبع .....