← Акыда

Акыда · id 36046

الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (408 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

في صياغة الأحاديث ووضعها على لسان رسول الله بأسانيد منظمة عن أهل القبور، وأخذوا في نشرها في مجتمع الناس، وهذا الزعم لا أساس له من الصحة، إذ لا علاقة لابن سبأ وشيعته بشيء من الأحاديث الثابتة في المهدي، وليس في رواتها أحد منهم، وقد ذكرت الجواب عما ألصقه ابن محمود بابن سبأ وشيعته في أول الكتاب، فليراجع (١). وأما قوله: وإلا فمن المعلوم قطعًا أن الرسول الكريم لن يفرض على أمته التصديق برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به، ثم يترك أمته يتقاتلون على التصديق والتكذيب به إلى يوم القيامة. فجوابه: أن يقال: قد كرر ابن محمود هذا القول المستهجن في ستة مواضع سوى هذا الموضع، وقد تقدم الجواب عنه في أول الكتاب، وفي موضعين في أثنائه فليراجع (٢). وأما قوله: إن هذا من المحال أن تأتي الشريعة به، إذ هو جرثومة فتنة دائمة ومشكلة لم تحل. فجوابه: أن يقال: إن الله -تعالى- قد فرض الإيمان به وبرسوله ﷺ فقال -تعالى-: ﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». ومن الإيمان بالله ورسوله ﷺ الإيمان بكل ما ثبت عن النبي ﷺ من الأوامر والنواهي والأخبار، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقد ثبت عنه ﷺ أنه أخبر بخروج رجل من أهل بيته في آخر الزمان، يعمل بسنته ..........................

стр. 282

ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وسماه في بعض الأحاديث بالمهدي، فوجب الإيمان بخبره الصادق، ومن لم يؤمن به فلا شك أنه لم يحقق الشهادة بالرسالة. ومن زعم أنه ليس في الشريعة الإيمان بخروج المهدي، وأنه من المحال أن تأتي الشريعة به، فذلك دليل على بعده عن معرفة ما جاءت به الشريعة. وأما قوله: إذ هو جرثومة فتنة دائمة ومشكلة لم تحل. فجوابه: أن يقال: أما المهدي الذي أخبر النبي ﷺ بخروجه في آخر الزمان فليس خروجه فتنة ولا مشكلة، وإنما هو نعمة عظيمة على المؤمنين؛ لأن الله -تعالى- يزيل الفتن والمشاكل والجور والظلم على يديه، ويبدل ذلك بالقسط والعدل والأمن والطمأنينة والرخاء والنعم الكثيرة، كما قد جاء ذلك في بعض الأحاديث التي تقدم ذكرها في أول الكتاب (١)، وأما الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا وحصل بسببهم فتن ومشاكل فهؤلاء إنما كانوا يسعون لتحصيل الملك والأغراض الدنيوية، وبين صفاتهم وصفات المهدي الذي يخرج في آخر الزمان بَون عظيم وفرق شاسع، ودعاواهم الكاذبة لا تؤثر في الأحاديث الواردة في المهدي، كما أن دعاوى الدجالين المدعين للنبوة لا تؤثر في نبوة الأنبياء، وقد وجد من هؤلاء وهؤلاء عدد كثر، وحصل بسببهم فتن ومشاكل كثيرة، ومن لم يفرق بين المهدي الذي بشر به رسول الله ﷺ وبين الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا وجعل الجميع من باب واحد، فحري به أن لا يعرف الفرق بين الأنبياء وبين المتنبئين. وأما قوله: والرسول جاء بمحاربة الفتن وقال: «أعوذ بالله من مضلات الفتن». فجوابه: أن يقال: قد أخبر النبي ﷺ عن المهدي أنه يعمل بسنته، وأن خُلُقه يواطئ خُلُقه، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وفي هذا أوضح دليل على أن المهدي يحارب الفتن وأهل الفتن كما كان النبي ﷺ يحارب الفتن وأهل الفتن، وفيه أيضًا أبلغ رد على من زعم أن المهدي جرثومة فتنة دائمة ومشكلة لم تحل. وأما قوله: وقال: «لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك».

стр. 283

فجوابه: أن يقال: إن المحجة البيضاء هي التمسك بالكتاب والسنة، لما رواه مالك في الموطأ بلاغًا أن النبي ﷺ قال: «تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله وسنة رسوله» وقد رواه الحاكم في مستدركه موصولا من حديث ابن عباس ﵄، وصححه وأقرَّه الذهبي. وإذا علم هذا فمن المحجة البيضاء ما ثبت عن النبي ﷺ من عدة أوجه، أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فمن لم يؤمن بخروجه ففيه من الزيغ عن المحجة البيضاء بقدر ما أعرض عنه من السنة. وأما قوله: وقال: «لقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به كتاب الله». فجوابه: أن يقال: إن الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان من الاعتصام بكتاب الله -تعالى- لأن الله -تعالى- يقول: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقد أمر الله -تعالى- بالإيمان بالرسول ﷺ في آيات كثيرة، ومن الإيمان بالرسول ﷺ الإيمان بما أخبر به من الغيوب الماضية والآتية، ومن الغيوب الآتية خروج المهدي في آخر الزمان، فمن لم يؤمن بخروجه فلا شك أنه لم يحقق الاعتصام بكتاب الله ولا الإيمان بالرسول ﷺ . وأما قوله: وقال: «إياكم ومحدثات الأمور» والمهدي واعتقاده هو من محدثات الأمور. فجوابه: أن يقال: بل الذي هو من محدثات الأمور على الحقيقة إنكار خروج المهدي في آخر الزمان ومعارضة الأحاديث الثابتة فيه وردها وإطراحها، فأما إثبات خروجه فهو من لزوم السنة، ومن التسليم لما جاء عن النبي ﷺ . وقال ابن محمود في صفحة (٦٢): "وإني أرجو بعد دراستهم لهذه الرسالة بأن ينتبهوا ويتناصحوا، فيغسلوا قلوبهم عن اعتقاد هذه الخرافة التي ستضرهم وتضر أبناءهم ومجتمعهم من بعدهم". والجواب: أن يقال: إنه ينبغي لأهل العلم أن يحذروا الناس من دراسة رسالة ابن محمود، لما فيها من التهجم على الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، ومعارضتها بالشبه والشكوك والآراء الفاسدة، ووصفها بالصفات الذميمة؛ كقوله إنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وإنها أحاديث خرافة، وإنها نظرية خرافية، وإنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، ..............................

стр. 284

وما فيها أيضًا من السخرية والاستهزاء بما أخبر به رسول الله ﷺ عن المهدي، أنه يملك سبع سنين فيملأ الأرض قسطًا وعدلا، وما فيها أيضًا من التهجم على العلماء عامة، وعلى الشافعي وأحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية خاصة، وزعمه أن الناس مقلدة، وأن المحدثين والفقهاء ينقل بعضهم عن بعض الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، وما فيها أيضًا من التقوُّل على ابن ماجة، والدارقطني، والعقيلي، والمنذري، وابن القيم، والذهبي، والشاطبي، وابن خلدون، وعلى القاري، والسيوطي، وقد تقدم ذكر ذلك والتعقب عليه، إلى غير ذلك مما في رسالته من الفضول والكلام المستهجن، الذي هو مضرة عليه في دينه ومضرة على كل من اغتر برسالته. ونقل ابن محمود في صفحة (٦٢) وصفحة (٦٣) عن رشيد رضا أنه قال في تفسيره "المنار" عند تفسير سورة الأعراف: "أما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان- البخاري ومسلم- بشيء من روايتها ... إلى أن قال: وقد جاءهم النذير، وهو ابن خلدون الشهير، وصاح فيهم قائلا: إن لله سننا في الأمم والدول، والعمران مطرد في كل زمان ومكان، كما ثبت في مصحف القرآن وصحف الأكوان، ومن المعلوم وقوع الاختلاف والاضطراب في أحاديث المهدي"، ونقل ابن محمود أيضًا في صفحة (٦٤) وصفحة (٦٥) من جواب لرشيد رضا أنه قال: "وردت أحاديث في المهدي، منها ما حكموا بقوه إسناده، ولكن ابن خلدون عني بإعلالها وتضعيفها كلها، ومن استقصى ما ورد في المهدي المنتظر من الأخبار والآثار وعرف مواردها ومصادرها يرى أنها كلها منقولة عن الشيعة ... إلى أن قال: أما سائر المسلمين فالأمر عندهم أهون، فإن منكر المهدي عندهم لا يعد منكرًا لأصل من الدين ... إلى أن قال: وجملة القول أننا لا نعتقد بهذا المنتظر، ونقول بضرر الاعتقاد به". هذا حاصل كلام رشيد رضا الذي اعتمد عليه ابن محمود في رسالته، وخالف لأجله الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي. والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إنه لا يستكثر من رشيد رضا أن يشن الحملة على أحاديث المهدي، فقد شن الحملة على ما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما من أحاديث الفتن وأشراط الساعة وخوارق الأنبياء ......................................

стр. 285

ومعجزاتهم، وقد رد عليه تلميذه محمد عبد الرازق حمزة في ضمن رده على أضاليل أبي رية، فقال في صفحة (٢٣٦) وصفحة (٢٣٧) من كتابه المسمى "ظلمات أبي رية" ما نصه: "ونقل أبو رية (ص٢١٥) تحت عنوان (كلمة جامعة في أحاديث أشراط الساعة وأمثالها) كلمة في نحو صفحتين عن السيد رشيد رضا من تفسير (٥٠٤ - ٥٠٧) ج٩، فيما جاء من الأحاديث في أشراط الساعة، وخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم وغيرها، شكك فيها بأن الرواة رووها بالمعنى - يعني ويجوز الخطأ عليهم فيما فهموه من كلام النبي ﷺ ، وأن الصحابة كان فيهم منافقون، وفي الرواة وضاعون تظاهروا بالصلاح، فلم يعرف ما وضعوه إلا بعد توبة بعضهم وإقراره بما وضع - إلى آخر ما هو دفع في صدر الأحاديث الصحيحة وعجزها، وإضعاف الثقة بها والاحتجاج بما جاءت به". ونقول كلمة موجزة في سبب هذا التشكيك من السيد رشيد، تخرج على أستاذه الإمام الشيخ محمد عبده، الذي تمهر في فلسفة القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ورضعا جميعًا لبان فلسفة جوستاف لوبون، وكانت، ونتشه، وسبنسر، وغيرهم من أساطين الفلسفة المادية، التي تقول بجبرية الأسباب والمسببات، وإن العالم يسير بنواميس لا يمكن أن تتخلف أو أن ينفك مسبب عن سببه عقلا، فلم تتسع الفلسفة المادية في تفكيرهما للإيمان بالمعجزات والخوارق؛ من انفلاق البحر لموسى والعصا له، وآيات عيسى ابن مريم، ورفعه للسماء، ونزوله، وخروج الدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وانشقاق القمر، وغيرها من الآيات، ولما لم تتسع فلسفتهما- فلسفة القرن الثامن عشر والتاسع عشر- لهذه الخوارق والآيات والمعجزات، أخذا في تأويلها في القرآن والشك في أحاديثها، ولو عاش الإمامان الشيخ محمد عبده، والسيد رشيد رضا إلى منتصف القرن العشرين، وعلما فلسفته التي نفت الجبرية، وأنها ذهبت إلى غير رجعة، وأن العالم مسير بحكمة فاعل مختار، لا بجبرية حتمية، كما أعلن ذلك مشرفة باشا في مقال له "تطور العلم"، والعالم الطبيعي الفلكي الإنكليزي جنز في كتاب "الكون الخفي" أو المستور، ورئيس الأكاديمية الأمريكية في نيويورك صاحب كتاب "الإنسان لا يقوم وحده" الذي يرد على هكسلي خليفة دارون في كتابه "الإنسان يقوم وحده"، وقد عرب كتاب "الإنسان لا يقوم وحده" باسم "العلم يدعو إلى الإيمان".

стр. 286

أقول لو عاش الإمامان إلى هذا التجديد في الفلسفة الغربية لكان لهما رأي آخر في آيات الأنبياء وخوارقهم ومعجزاتهم، ولكان لهما إيمان وفرح بأحاديث أشراط الساعة والخوارق، ولاستفادا منها علومًا نفيسة من الوحي الإلهي. ثم قال محمد عبد الرازق حمزة: "أنا تلميذ السيد رشيد رضا، واستفدت منه ما أشكر الله عليه وأشكر أستاذي على ذلك وأترحم عليه لأجله، ولكن ذلك لا يمنعني أن أخالفه إلى ما يظهر لي من الحق، كما قال أحد الحكماء عن شيخه إنه يحبه والحق أحب إليه من شيخه". وقال محمد عبد الرازق حمزة في صفحة (٢٧١): "ولقد ذكرنا فيما مضى أن الأستاذ الإمام قد رضع فلسفة القرن التاسع عشر والثامن عشر التي كانت شائعة في أوربا في عصره، وكان أساطينها أمثال كانت، وجوستاف لوبون، وسبنسر، وجوته وغيرهم، فتعارضت عنده مع ما جاء على ألسنة الرسل من ذكر السحر والجن والشياطين وخوارق المعجزات، فأراد أن يجمع بين تلك الفلسفة المادية التي تجعل الكون آلة تسيرها سنن لا تنخرم ولا تتخلف، وبين ما أثبتته الأديان من معجزات الأنبياء والرسل، فذهب يؤولها حتى تنسجم مع ما رضع من فلسفة الماديين". وذكر الشيخ محمد عبد الرازق حمزة أيضًا في صفحة (٢٧٤): "أن السيد رشيد حاول تأويل بعض الأحاديث، وهي ما كانت تشكل عليه في الجمع بينها وبين تفكيره العصري، الذي أخذه عن شيخه الأستاذ الإمام، عن فلسفة القرن التاسع عشر وما قبله من الفلسفة المادية، التي لا تجتمع مع ما جاءت به الديانات". انتهى. وللشيخ أحمد محمد شاكر في صفحة (١٢٤) إلى أثناء صفحة (١٢٩) من تعليقه على الجزء الثاني عشر من مسند الإمام أحمد كلام جيد جدًا في الرد على بعض العصريين، الذين لعبوا بحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه» الحديث، قال في أثنائه: "لم نر فيمن تَقدَّمَنا من أهل العلم من اجترأ على ادعاء أن في الصحيحين أحاديث موضوعة، غاية ما تكلم فيه العلماء نقد أحاديث فيهما بأعيانها، لا بادِّعاء وضعها والعياذ بالله، ولا بإدعاء ضعفها، إنما نقدوا عليهما أحاديث ظنوا أنها لا تبلغ في الصحة الذروة العليا التي التزمها كل منهما، وهذا مما أخطأ فيه كثير من الناس، ومنهم أستاذنا السيد رشيد رضا ﵀ على علمه بالسنة وفقهه، ولم يستطع قط أن يقيم حجته على ما يرى ........

стр. 287

وأفلتت منه كلمات يسمو على علمه أن يقع فيها، ولكنه كان متأثرًا أشد الأثر بجمال الدين ومحمد عبده، وهما لا يعرفان في الحديث شيئًا، بل كان هو بعد ذلك أعلم منهما وأعلى قدمًا وأثبت رأيًا لولا الأثر الباقي في دخيلة نفسه، والله يغفر لنا وله". انتهى المقصود من كلامه. وقال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" "المسألة التاسعة والثمانون": "تقدم لنا أن الذين تخرجوا على الشيخ جمال الدين الأفغاني والذين تخرجوا عمن تخرج عنه يفسرون القرآن برأيهم، وينكرون بعض ما ثبت في الشرع، ويعتمدون على أقوال الكفار، ويهجرون قول الله وقول رسوله ﷺ وقول الراسخين في العلم من المسلمين، وعندهم كلام الله -تعالى- ككلام البشر يتصرفون فيه بغير علم، فيحق عليهم الوعيد". انتهى المقصود من كلامه. ومما ذكرته عن هؤلاء العارفين حق المعرفة برشيد رضا يتبين لكل عاقل أنه لا ينبغي الاعتماد على كلامه، ولا الالتفات إلى رأيه وتفكيره إذا كان مخالفًا للأحاديث الثابتة. الوجه الثاني: أن يقال: إن أقوال رشيد رضا ليست ميزانًا توزن به الأحاديث النبوية فيقبل منها ما وافق أقواله ويرد ما خالفها، وإنما الميزان الأسانيد، فما صح منها فهو مقبول، وما لم يصح منها فهو مردود، وقد ذكرت كلام الشافعي وأحمد وغيرهما من أكابر العلماء في ذلك في أول الكتاب فليراجع (١)، وقد ثبت عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة في المهدي، وما ثبت عن النبي ﷺ فالإيمان به واجب، ولا يجوز الالتفات إلى مكابرة بعض العصريين في رد الأحاديث الثابتة التي تخالف تفكيراتهم الخاطئة وثقافتهم الغربية. الوجه الثالث: أن يقال: ما زعمه رشيد رضا من التعارض في أحاديث المهدي، وأن البخاري ومسلمًا لم يعتدا بشيء من رواياتها فقد تقدم الجواب عنه في أول الكتاب فليراجع (٢). وأما قوله: إن الجمع بين الروايات أعسر.

стр. 288

فجوابه: أن يقال: ليس بين الروايات الثابتة في المهدي تعارض البتة، وإنما التعارض في أفهام المنكرين لها وفي توهماتهم الخاطئة، وإذ لم يكن بين الروايات الثابتة في المهدي تعارض فأي حاجة تدعو إلى الجمع. وأما قوله: والمنكرون لها أكثر. فجوابه: أن يقال: هذا غير صحيح، والواقع يشهد بخلافه، فإن المعروف عن أهل السنة والجماعة منذ زمن الصحابة ﵃ إلى زماننا أنهم يصدقون بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي، وإن وجد منهم فرد أو أفراد قليلون يتوقفون في خروج المهدي اعتمادًا على الحديث الضعيف الذي جاء فيه «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» فذلك نادر والنادر لا حكم له، وأول من توسع في تضعيف أحاديث المهدي هو ابن خلدون، فقد نقدها إلا القليل أو الأقل منه، ثم جاء رشيد رضا وأحمد أمين وغيرهما من العصريين، الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لآرائهم وتوهماتهم أو آراء من يعظمونهم من المسلمين وغير المسلمين، فردوا أحاديث المهدي كلها، وزعموا أنها موضوعة. وأما قوله: والشبهة فيها أظهر. فجوابه: أن يقال: ليس في الأحاديث الثابتة في المهدي شبهة البتة، وإنما الشبه والشكوك في أقوال المعارضين للأحاديث الثابتة بمجرد الآراء والتوهمات والتخرصات. وأما قوله: وقد جاءهم النذير وهو ابن خلدون. فجوابه: أن يقال: إن ابن خلدون لم يضعف أحاديث المهدي كلها، كما قد توهم ذلك رشيد رضا ومن قلده واغتر بقوله، وإنما ضعف أكثرها واستثنى من النقد القليل منها أو الأقل منه، وقد صرح بذلك في مقدمته بعد سياقه للأحاديث الواردة في المهدي، فليراجع كلامه، ففيه كفاية في الرد على رشيد رضا وعلي ابن محمود، وقد رد غير واحد من العلماء على ابن خلدون، وخطؤوه في تضعيفه لبعض الأحاديث الثابتة في المهدي، وقد ذكرت ردودهم عليه في أثناء الكتاب فلتراجع (١). وأما قوله: ومن المعلوم وقوع الاختلاف والاضطراب في أحاديث المهدي. فجوابه: أن يقال: ليس بين الأحاديث الثابتة في المهدي شيء من الاختلاف ..........

стр. 289

والاضطراب البتة، وما زعمه رشيد رضا فهو في الحقيقة مجازفة وليس بمعلوم. وأما قوله: وردت أحاديث في المهدي منها ما حكموا بقوة إسناده ولكن ابن خلدون عني بإعلالها وتضعيفها كلها. فجوابه: أن يقال: إن ابن خلدون لم يضعف أحاديث المهدي كلها كما قد زعم ذلك رشيد رضا، وإنما ضعف غالبها كما قد تقدم التنبيه على ذلك، وعلى تقدير أنه عني بإعلالها وتضعيفها كلها، فهل يظن رشيد رضا ومن قلده واعتمد على قوله الباطل، أن ابن خلدون أعلم برجال الحديث من الأئمة الحفاظ الذين قبلوا الأحاديث الثابتة في المهدي، وحكموا بقوة أسانيدها؟ وهل يظنون أن ابن خلدون أعلم بصحيح الحديث وسقيمه من الترمذي، وابن حبان، والعقيلي، والحاكم، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وزين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، والهيثمي وغيرهم من الحفاظ النقاد؟ كلا، بل الذي لا يُشك فيه أن ابن خلدون لا يداني واحدًا ممن ذكرنا، فضلا عن المساواة، فاعتناؤه بإعلال أحاديث المهدي وتضعيفها مردود بتصحيح هؤلاء لجملة منها، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع (١). وأما قوله: ومن استقصى ما ورد في المهدي المنتظر من الأخبار والآثار، وعرف مواردها ومصادرها، يرى أنها كلها منقولة عن الشيعة. فجوابه: أن يقال: أما الأحاديث والآثار الثابتة في المهدي فليس للشيعة علاقة بها، وليس في رواتها أحد منهم، وكذلك الأحاديث الضعيفة التي تشهد لها الأحاديث الصحيحة وتؤيدها، فهذه أيضًا ليس في رواتها أحد من الشيعة، وأما الأحاديث المنكرة والأحاديث الموضوعة فوجودها كعدمها، سواء كانت منقولة عن أهل السنة أو عن الشيعة. وأما قوله: أما سائر المسلمين فالأمر عندهم أهون، فإن منكر المهدي عندهم لا يعد منكرًا لأصل من الدين. فجوابه: أن يقال: هذا من التقول على المسلمين، وبيان ذلك من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن المنكر للمهدي إنما هو منكر لما ثبت عن النبي ﷺ من حديث علي، وابن مسعود، وأبي سعيد، وأبي هريرة، وأم سلمة، وجابر ﵃ أنه أخبر بخروج ...........

стр. 290

رجل من أهل بيته في آخر الزمان يعمل بسنته، ويطابق خُلقه خُلقه، ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وتنعم الأمة في زمانه نعمة لم ينعموا مثلها، وفي بعض الروايات الصحيحة أنه يسمى بالمهدي، فمن رد الأحاديث الثابتة فيه فإنما يرد على النبي ﷺ ، ومن أنكرها فإنما ينكر على النبي ﷺ ، ومن استهان بها فإنما هو مستهين بالنبي ﷺ . الوجه الثاني: أن يقال: إن الإيمان بالغيب من أعظم أصول الدين، قال الله -تعالى-: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. ومن الإيمان بالغيب الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله ﷺ مما كان فيما مضى وما سيكون في المستقبل، وقد ذكرت قريبًا قول شيخ الإسلام ابن تيمية في العقيدة الواسطية، ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتِّباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا، وذكرت أيضًا قول شارح العقيدة الطحاوية: "لا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانًا عامًا مجملا"، وذكرت له وللطحاوي كلامًا أكثر من هذا، فليراجع ما تقدم (١). وإذا علم هذا فمن الإيمان بالغيب الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ عن المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وفي الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁، وفي الآية الكريمة وهذا الحديث الصحيح أبلغ رد على من استهان بالأحاديث الثابتة في المهدي، وزعم أن الأمر فيه عند سائر المسلمين أهون، وأن منكره لا يعد منكرًا لأصل من الدين. وأما قوله: وجملة القول إننا لا نعتقد بهذا المنتظر، ونقول بضرر الاعتقاد به. فجوابه: أن يقال: إذا لم يؤمن رشيد رضا وابن محمود بما ثبت عن النبي ﷺ في المهدي المنتظر، فإنما يعود وبال ذلك عليهما، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ ......

стр. 291

تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾. ويقال أيضًا: إن الضرر في الحقيقة في رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ وقلة المبالاة بها، فمن رد الأحاديث الثابتة في المهدي واستهان بها فإنما هو في الحقيقة مستهين بالنبي ﷺ وراد لقوله، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ". فالواجب على المسلم أن يعظم أخبار الرسول ﷺ ، ويقابلها بالقبول والتسليم، وأن لا يجد في نفسه حرجًا منها، وأن لا يعارضها بالشبه والشكوك والآراء والتخيلات، ومن عارضها بشيء من ذلك أو زعم أن اعتقادها ضرر فعقيدته لا تخلو من الخلل. وقال ابن محمود في صفحة (٦٩) وصفحة (٧٠): "إنه من المعلوم أن الوضاعين الكذابين قد أدخلوا كثيرًا من الأحاديث المكذوبة في عقائد المسلمين وأحكامهم، حتى صار لها الأثر السيئ في العقائد والأعمال، لكن المحققين من علماء المسلمين قد قاموا بتحقيقها، وبينوا بطلانها وأسقطوها عن درجة الاعتبار، وحذروا الأمة منها، من ذلك أحاديث المهدي المنتظر، وأنه يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورًا، ونحو ذلك مما يقولون، وصار في كل زمان وفي كل مكان يظهر مخرف ويقول أنا المهدي المنتظر، حتى كأن المهدي جرثومة البدع ومثار الفتن. ولا يزال علماء السنة في كل مكان يحاربون هذه الدعوى، ويحاربون من تسمى بها لاعتباره من الكذابين الدجالين، والحق أن المهدي المنتظر لا صحة له ولا وجود له قطعًا، وفي سنن ابن ماجة: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم»، وأنه بمقتضى التأمل للأحاديث الواردة في المهدي نجدها من الضعاف التي لا يعتمد عليها، وأكثرها من رواية أبي نعيم في "حلية الأولياء"، وكلها متعارضة ومتخالفة، ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة لا باللفظ ولا بالمعنى".

стр. 292

والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن أقول: إني لم أر لأحد من العلماء المحققين، لا من المتقدمين منهم ولا من المتأخرين أنه طعن في الصحاح والحسان من الأحاديث الواردة في المهدي، فضلا عن القول ببطلانها وإسقاطها عن درجة الاعتبار وتحذير الأمة منها، وإنما المعروف عنهم القول بتصحيح الصحيح منها وتحسين الحسن وتضعيف الضعيف ورد الواهي والمنكر والموضوع، وقد ذكرت في أول الكتاب تسعة أحاديث من الصحاح والحسان، وذكرت لبعضها عدة طرق مما رواه الثقات وصححه بعض الحفاظ فلتراجع (١)، ففيها أبلغ رد على ما موَّه به ابن محمود في زعمه أن المحققين من علماء المسلمين قد بينوا بطلانها وأسقطوها عن درجة الاعتبار وحذروا الأمة منها. الوجه الثاني: أن أقول: قد ذكرت في أول الكتاب ما صححه الحفاظ النقاد من الأحاديث الواردة في المهدي، وما صرح به بعضهم من القول بأن أحاديث المهدي متواترة، فليراجع ما تقدم (٢)، ففيه أبلغ رد على ما نسبه ابن محمود للمحققين من علماء المسلمين. الوجه الثالث: أن يقال: قد يظن بعض الناس أن ابن محمود أراد بالمحققين أئمة الجرح والتعديل الذين يعتمد الناس على أقوالهم في صحة الأسانيد أو ضعفها؛ مثل شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وأحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، وأبي زرعة، وأبي حاتم الرازي، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن حبان، وأمثالهم من الجهابذة النقاد، وكذلك من كان بعدهم من الأئمة الذين صنفوا في الجرح والتعديل، وبينوا أحوال الرواة، وميزوا الأحاديث الصحيحة والأحاديث الحسنة من الأحاديث الضعيفة والأحاديث المنكرة والواهية والموضوعة، وما يدرون أن ابن محمود أراد بالمحققين أفرادًا من العصريين؛ مثل رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأمثالهم من العصريين الذين يخبطون خبط عشواء في الحكم على الأحاديث، فما وافق أفكارهم قبلوه ولو كان ضعيفًا أو موضوعًا، وما خالف أفكارهم لم يبالوا برده وإطراحه ولو كان صحيحًا أو حسنًا، وكل حديث لا يتفق مع ثقافتهم الغربية وتفكيراتهم الخاطئة .........................

стр. 293

يجعلونه من وضع الزنادقة، وإن لم يكن للزنادقة به علاقة، وهؤلاء ليسوا أهل تحقيق في الحديث، وإنما هم أهل مجازفة وجراءة على الكلام في الأحاديث والقدح فيها بغير حجة، وقد قلدهم ابن محمود في رد الأحاديث الواردة في المهدي كلها، ولم يفرق بين الثابت منها وغير الثابت، مع أنه كان يذم التقليد، ويقول إن المقلد لا يعد من أهل العلم، فقد حكم على نفسه أنه لا يعد من أهل العلم. وأما قوله: وصار في كل زمان وفي كل مكان يظهر مخرف ويقول أنا المهدي المنتظر. فجوابه: أن يقال: إن ظهور المدعين للمهدية كذبًا وزورًا مثل ظهور الدجالين المدعين للنبوة، فكل هؤلاء أهل كذب وزور ولا يصدقهم إلا الجهلة الأغبياء، وأما المهدي الذي أخبر النبي ﷺ أنه من أهل بيته، وأنه يلي في آخر الزمان، فحاله مخالفة لأحوال أهل الكذب والزور، فإنه لا يطلب الأمر لنفسه ابتداء مدعيًا أنه المهدي، وإنما يأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه، ثم يسميه الناس بعد ذلك بالمهدي لما يرونه من أعماله الصالحة، فقد ثبت أنه يعمل بالسنة، وأن خُلُقه يطابق خُلق النبي ﷺ ، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، وأن الأمة تنعم في زمانه نعمة لم ينعموا مثلها. وأما قوله: ولا يزال علماء السنة في كل مكان يحاربون هذه الدعوى، ويحاربون من تسمى بها؛ لاعتباره من الكذابين الدجالين. فجوابه: أن يقال: إن علماء السنة وإن كانوا يحاربون كل من ادعى المهدية كذبًا وزورًا فهم مع ذلك يقولون بخروج المهدي في آخر الزمان؛ لثبوت ذلك عن النبي ﷺ من طرق متعددة، تقدم ذكرها في أول الكتاب (١). وأما قوله: والحق أن المهدي المنتظر لا صحة له ولا وجود له قطعًا. فجوابه: أن يقال: ما زعم ابن محمود أنه الحق فهو في الحقيقة خلاف الحق الثابت عن النبي ﷺ ، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، وقال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾، وقد ذكرت الأحاديث الدالة على نقيض قول ابن محمود في أول الكتاب، فلتراجع (٢).

стр. 294

وأما قوله: وفي سنن ابن ماجة: «لا مهدي إلا عيسى بن مريم». فجوابه: أن يقال: هذا الحديث ضعيف جدًا، قال البيهقي: "تفرد به محمد بن خالد - يعني الجندي-، وقد قال الحاكم أبو عبد الله: هو مجهول، وقد اختلف عليه في إسناده، فروي عنه عن إبان بن أبي عياش عن الحسن مرسلا عن النبي ﷺ ، قال: فرجع الحديث إلى رواية محمد بن خالد وهو مجهول، عن أبان بن أبي عياش وهو متروك، عن الحسن، عن النبي ﷺ وهو منقطع، والأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا". انتهى، وقد نقله عنه ابن القيم في كتابه "المنار المنيف" وأقره، وقال الذهبي في الميزان: "محمد بن خالد الجندي، عن أبان بن صالح، روى عنه الشافعي"، قال الأزدي: "منكر الحديث"، وقال أبو عبد الله الحاكم: "مجهول"، قال الذهبي: "حديثه «لا مهدي إلا عيسى بن مريم» هو خبر منكر أخرجه ابن ماجة". وأما قوله: وإنه بمقتضى التأمل للأحاديث الواردة في المهدي نجدها من الضعاف التي لا يعتمد عليها. فجوابه: أن يقال: هذا قول باطل مردود، وقد تقدم التنبيه على ذلك في عدة مواضع من هذا الكتاب. وأما قوله: وأكثرها من رواية أبي نعيم في "حلية الأولياء". فجوابه: أن يقال: أما الأحاديث الثابتة فليست من رواية أبي نعيم في الحلية، وإنما هي من رواية أحمد، وابن أبي شيبة، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، وأبي يعلى، والحارث بن أبي أسامة، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، فكل واحد من هؤلاء قد روي بعضًا منها وروي غيره البعض الآخر، وأما أبو نعيم فروى في الحلية ثلاثة أحاديث من أحاديث المهدي؛ أحدها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي». الثاني حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لتملأن الأرض ظلمًا وعدوانً، ثم ليخرجن من أهل بيتي أو قال من عترتي من يملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وعدوانًا». الثالث حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة». وقد ذكرت هذه الأحاديث في أول الكتاب من رواية الإمام أحمد وغيره فلتراجع (١)، وروي أبو نعيم ......................................................................

стр. 295

أيضًا في الحلية حديث جابر بن سمرة ﵄ في ذكر الخلفاء الاثني عشر، وهو حديث متفق على صحته، وقد تقدم ذكره في أول الأحاديث التي زعم ابن محمود أنه قد حققها، وكان نصيب هذا الحديث الصحيح من تحقيق ابن محمود هو القدح في صحته، فليراجع ذلك في الكلام على تحقيق ابن محمود لأحاديث المهدي (١)، ولأبي نعيم كتاب في المهدي، جمع فيه أربعين حديثًا، وقد لخصها السيوطي في رسالته التي سماها "العرف الوردي، في أخبار المهدي"، وغالبها من الأحاديث الضعيفة، وليس في "حلية الأولياء" منها سوى الأحاديث الثلاثة التي تقدم ذكرها، وقد نقل ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف" ثلاثة أحاديث من كتاب أبي نعيم في المهدي، وقال في حديث منها: "ذكرناه للشواهد"، ونقل أيضًا ثلاثة أحاديث عن أبي سعيد الخدري، وأبي أمامة، وابن عباس ﵃ ثم قال: "وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها بعض الضعف والغرابة، فهي مما يقوي بعضها بعضًا، ويشد بعضها ببعض" انتهى. وأما قوله: وكلها متعارضة ومتخالفة، ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة، لا باللفظ ولا بالمعنى. فجوابه: أن يقال: قد كرر ابن محمود هذه الجملة في تسعة مواضع من رسالته، وقد تقدم الجواب عنها في أول الكتاب، فليراجع (٢). وقال ابن محمود في صفحة (٧٠) وصفحة (٧١): "ولست أنا أول من قال ببطلان دعوى المهدي وكونه لا حقيقة لها، فقد سبقني من قال بذلك من العلماء المحققين، فقد رأيت لأستاذنا الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع رسالة حقق فيها بطلان دعوى المهدي، وأنه لا حقيقة لوجوده، وكل الأحاديث الواردة فيه ضعيفة جدًا، ولا ينكر على من أنكره، كما رأيت أيضًا لمنشئ المنار محمد رشيد رضا رسالة ممتعة يحقق فيها بطلان دعوى المهدي، وإن كل الأحاديث الواردة فيه لا صحة لها قطعًا، وأشار إلى بطلان دعواه في تفسير المنار، لكنه يوجد في مقابلة هؤلاء من يقول بخروج المهدي ويقوي الأحاديث الواردة فيه، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فقد رأيت له قولا يقول فيه بصحة خروجه وأن فيه سبعة أحاديث، فقول شيخ الإسلام هذا خرج منه بمقتضى اجتهاد منه ويأجره الله عليه، وقد أخذ

стр. 296

بقوله بعض العلماء المتأخرين وصاروا يكتبون في مؤلفاتهم بصحة وجوده، مما تأثرت به عقائد العامة وبعض العلماء، والصحيح بمقتضى الدلائل والبراهين هو ما ذكره بعض العلماء من أنه لا حقيقة لصحة أحاديث المهدي، لهذا رأينا كل من انتحل خطة باطلة من الدجالين المنحرفين فإنه يسمي نفسه بالمهدي ويتبعه على دعوته الهمج السذج، والغوغاء الذين هم عون الظالم، ويد الغاشم في كل زمان ومكان". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: في بيان خطأ ابن محمود في التعبير، حيث قال: ولست أنا أول من قال ببطلان دعوى المهدي وكونه لا حقيقة لها، والصواب أن يقال "وكونها" لأن الضمير يعود إلى الدعوى. الوجه الثاني: أن يقال: قد تقدم (١) عن ابن محمود أنه ذم التقليد، وقال إن المقلد لا يعد من أهل العلم، ومع هذا فقد وقع فيما ذمه؛ حيث قلد رشيد رضا، وغيره من العصريين الذين عارضوا الأحاديث الثابتة في المهدي وأنكروا خروجه. الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان السابق لابن محمود قد قال قولاً باطلا وخالف الحق الثابت عن النبي ﷺ ، فماذا ينفع ابن محمود سبق من سبقه إلى القول الباطل ومخالفة الحق؟ فهل يرضى لنفسه أن يكون مشابُها للذين قال الله -تعالى- فيهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾؟ الوجه الرابع: أن يقال: قد تقدم الرد على أباطيل رشيد رضا التي قالها في إنكار خروج المهدي، والطعن في الأحاديث الواردة فيه من غير استثناء شيء منها، فليراجع (٢). وأما الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع فقد رجع إلى الحق والصواب في رسالة له سمَّاها "تحديق النظر، بأخبار الإمام المنتظر"، قال فيها بعد أن ذكر كلام ابن خلدون في تضعيف الأحاديث الواردة في المهدي، وما قاله صاحب "عون المعبود" في الرد عليه: "وأقول: قول العلامة الهندي في هذه الأحاديث أقرب إلى الصواب من قول من جزم بضعفها كلها، فمن صح عنده حديث عن النبي ﷺ منها أو من غيرها وجب عليه قبوله والاعتقاد بمدلوله، ومن علم بضعف الحديث وتيقنه لم يجب عليه شيء من ذلك، وإذا اعتبرنا هذه الأحاديث الواردة في المهدي ........

стр. 297

بخصوصها وجدنا التي لم يصرح فيها باسمه أقوى، ورأينا الضعف غالبًا على ما ذكر فيها اسمه، ولهذا قلت في الكواكب لما قال السفاريني: "فكلها صحَّت به الأحبار": أي بأكثرها، فإن الأحاديث التي فيها ذكر المهدي لم تصح عند علماء الحديث، ولم أقل الواردة في شأن المهدي ليشمل التعميم ما لم يذكر فيها، فإن التي لم يذكر فيها اسمه بل ذكر نعته فيها القوي والضعيف، ولهذا نعتقد ونجزم بخروج رجل من أهل البيت آخر الزمان اسمه محمد بن عبد الله، يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وجورًا، وكذلك قولنا: فلا نعتقد بمجيء المهدي، مرادنا أن هذا اللفظ غير ثابت، فلا يجب أن يسمى محمد بن عبد الله الذي يخرج في آخر الزمان بالمهدي، بل تسميته بذلك جائزة لا واجبة، إذ هذا اللفظ غير ثابت عند علماء الحديث، ولعل أحدًا أن يظن أن المقصود من عبارة الكواكب هو القول بعدم مجيء المهدي مطلقًا كما هو قول بعض الأئمة، وليس كذلك بل المراد ما قدمناه من أن هذا اللفظ غير ثابت، وإنما الثابت أن اسمه مواطئ لاسم النبي واسم أبيه مواطئ لاسم أبيه، فالإيمان بذلك واجب على الإجمال والإطلاق ... إلى أن قال: وقد خرج جماعة من العلماء عن الاعتدال في هذه المسألة، فبالغ طائفة في الإنكار حتى ردوا جملة من الأحاديث الصحيحة، وقابلهم آخرون فبالغوا في الإثبات حتى قبلوا الموضوعات والحكايات المكذوبة". انتهى المقصود من كلامه. ومما ذكرنا يعلم أن ابن محمود قد تعلق بالقول الباطل الذي رجع عنه شيخه ابن مانع، ونرجو أن يفعل ابن محمود كما فعل شيخه، فإن الرجوع إلى الحق نُبل وفضيلة، كما أن التمادي على الباطل نقص ورذيلة. وفي كلام ابن مانع كلمة ينبغي التنبيه عليها، وهي قوله: فإن الأحاديث التي فيها ذكر المهدي لم تصح عند علماء الحديث، وكذلك قوله: إن هذا اللفظ- أي اسم المهدي - غير ثابت عند علماء الحديث. والجواب: أن يقال: بل اسم المهدي ثابت من عدة طرق عن أبي سعيد الخدري ﵁ وقد رواه الترمذي وحسنه، قال: "وقد روي من غير وجه عن أبي سعيد عن النبي ﷺ ". انتهى، وقد رواه الإمام أحمد بأسانيد، وأبو يعلي، قال الهيثمي في "مجمع الوائد": "ورجالهما ثقات"، ورواه الحاكم في مستدركه وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه، ورواه أبو داود، قال ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "إسناده .........................

стр. 298

جيد"، وقد ثبت أيضًا من حديث علي ﵁ رواه الإمام أحمد وابن ماجة وإسناد كل منهما حسن، وثبت أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ رواه الطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات"، وثبت أيضًا من حديث جابر ﵁ رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده، قال ابن القيم في كتابه "المنار المنيف": "إسناده جيد"، وثبت أيضًا عن علي ﵁ موقوفًا عليه رواه الحاكم في مستدركه، وقال: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد ذكرت هذه الأحاديث التي فيها ذكر المهدي لم تصح عند علماء الحديث، وعلى قوله أيضًا أن اسم المهدي غير ثابت عند علماء الحديث. ومما يرد به أيضًا على ابن مانع قول أبي الحسين الآبري: "إنها قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي وإنه من أهل بيته"، وقد نقل كلامه جماعة من علماء الحديث وأقروه، وقد ذكرت ذلك في أول الكتاب فليراجع (١). وأما قول ابن محمود: لكنه يوجد في مقابلة هؤلاء من يقول بخروج المهدي، ويقوي الأحاديث الواردة فيه؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقد رأيت له قولا يقول فيه بصحة خروجه وأن فيه سبعة أحاديث. فجوابه: أن يقال: إن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- لم يذكر سوى أربعة أحاديث عن ابن مسعود، وأم سلمة، وأبي سعيد، وعلي ﵃ وذلك في صفحة (٢١١) من الجزء الرابع من كتابه "منهاج السنة النبوية"، وذكر ذلك أيضًا الذهبي في كتابه "المنتقى من منهاج الاعتدال". وأما قوله: فقول شيخ الإسلام هذا خرج بمقتضى اجتهاد منه ويأجره الله عليه. فجوابه: أن يقال: إن الأمور الغيبية لا تعلم بالاجتهاد ولا يسوغ الاجتهاد فيها، وإنما تعلم بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، ومن هذا الباب خروج المهدي في آخر الزمان، وما سيقع فيه أيضًا من الفتن والملاحم وأشراط الساعة، فكل هذا لا مجال للاجتهاد فيه، وإنما يعتمد فيه على الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، وكل من قال من العلماء بخروج المهدي في آخر الزمان فإنما يعتمدون .......................................

стр. 299

على الأحاديث الثابتة فيه لا على الاجتهاد، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- وغيره من أكابر العلماء قديمًا وحديثًا. وأما قوله: وقد أخذ بقوله بعض العلماء المتأخرين، وصاروا يكتبون في مؤلفاتهم بصحة وجوده، مما تأثرت به عقائد العامة وبعض العلماء. فجوابه: أن يقال: إن القول بخروج المهدي في آخر الزمان ليس هو قولا لشيخ الإسلام ابن تيمية وحده، وإنما هو أحد أقوال أهل السنة، ذكر ذلك ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف"، قال: "وأكثر الأحاديث على هذا تدل". انتهى، وكل من قال بخروج المهدي في آخر الزمان من العلماء المتقدمين والعلماء المتأخرين، فإنما يعتمدون على الأحاديث الواردة فيه، لا على قول شيخ الإسلام ابن تيمية، ولا على قول غيره من العلماء. وأما قوله: والصحيح بمقتضى الدلائل والبراهين هو ما ذكره بعض العلماء من أنه لا حقيقة لصحة أحاديث المهدي. فجوابه: أن يقال: بل الصحيح ثبوت بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وقد ذكرت في أول الكتاب ما صححه العلماء منها وما حسنوه، فليراجع (١)، ففيه أبلغ رد على ما موَّه به ابن محمود وزعم أنه الصحيح وهو خلاف الصحيح. وأما قوله: لهذا رأينا كل من انتحل خطة باطلة من الدجالين المنحرفين فإنه يمسي نفسه بالمهدي، ويتبعه على دعوته الهمج السذج، والغوغاء الذين هم عون الظالم، ويد الغاشم في كل زمان ومكان. فجوابه: أن أقول: قد ذكرت مرارًا أن دعوى المدعين للمهدية كذبًا وزورًا لا تقدح في الأحاديث الثابتة في المهدي ولا تؤثر فيها، كما أن دعوى المدعين للنبوة كذبًا وزورًا لا تقدح في دلائل نبوة الأنبياء ولا تؤثر فيها، وذكرت أيضًا في عدة مواضع أن المهدي لا يطلب الأمر لنفسه ابتداء مدعيًا أنه المهدي كما يفعل ذلك المدعون للمهدية كذبًا وزورًا، وإنما يأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه، ثم يسميه الناس بعد ذلك بالمهدي لما يرون من صلاحه وعدله وإزالته للجور والظلم، وقد التبس الأمر في المهدي على ابن محمود، فخلط بين المهدي الذي بشر النبي ﷺ بخروجه في آخر الزمان وبين الكذابين الذين ادعوا المهدية ..................................................................

стр. 300

كذبًا وزورًا، وجعل الجميع من باب واحد، وهذا خطأ كبير؛ لما يلزم عليه من تكذيب خبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، ومن له أدنى علم ومعرفة لا يخفى عليه الفرق بين المهدي الموصوف بالصلاح والعدل والعمل بالسنة ومطابقة خُلقه لخلق النبي ﷺ ، وبين المدعين للمهدية وزورًا لتحصيل الرياسة والأغراض الدنيوية؛ مثل ابن تومرت، والمهدي العبيدي، وأضرابهما من ذوي الجور والظلم والفساد. ومن أعرض عن الأحاديث الثابتة في المهدي ونبذها وراء ظهره فلا بد أن يقع في اللبس والتخليط، وقد قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "الكافية الشافية": فعليك بالتفصيل والتمييز، فالـ إطلاق والإجمال دون بيان قد أفسدا هذا الوجود وخبَّطا الـ أذهان والآراء كل زمان وقال ابن محمود في صفحة (٨٥): "فلا حاجة للمسلمين في أن يهربوا عن واقعهم، ويتركوا واجبهم، لانتظار مهدي يجدد لهم دينهم ويبسط العدل بينهم، فيركنوا إلى الخيال والمحالات، ويستسلموا للأوهام والخرافات، ثم يفرض عليهم علماؤهم التحجر الفكري والجمود الاجتماعي، على اعتقاد ما تربوا عليه في صغرهم وما تلقوه عن آبائهم ومشايخهم، أو على رأي عالم أو فقيه يوجب الوقوف على رأي مذهبه وعدم الخروج عنه، وعلى أثره يوجب عليهم الإيمان بشخص غائب هو من سائر البشر، يأتي في آخر الزمان فينقذ الناس من الظلم والطغيان". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن النبي ﷺ قد أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، وقد جاء ذلك في عدة أحاديث صحيحة ذكرتها في أول الكتاب (١)، وأخبر ﷺ أن المهدي من أهل بيته، وأنه يعمل بالسنة، وأن خُلقه يطابق خلق النبي ﷺ ، وأن اسمه يطابق اسم النبي ﷺ ، واسم أبيه يطابق اسم أبي النبي ﷺ ، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فلتراجع الأحاديث المذكورة في أول الكتاب (٢)، ففيها أبلغ رد على مجازفة ابن محمود في زعمه أن انتظار المهدي الذي بشر النبي ﷺ بخروجه في آخر الزمان ركون إلى الخيال والمحالات، واستسلام للأوهام والخرافات، وأن ذلك من التحجر الفكري والجمود الاجتماعي، .........................................................................

стр. 301

كذا قال وكذا جازف في إطلاق هذه الكلمات النابية في معارضة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، أما يخشى من الفتنة أو العذاب الأليم على مخالفته لأقوال النبي ﷺ واستخفافه بها، وعدم مبالاته بردها وإطراحها، وزعمه أن ما جاء فيها عن المهدي المنتظر فهو من الخيال والمحالات والأوهام والخرافات؟ أما يخشى ابن محمود أن يسلب الإيمان؟ فقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أما يخشى أن يعاقب بتقليب القلب وزيغه؟ فقد قال الله -تعالى-: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، أما يخشى أن يكون ممن قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾؟ وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال: يقضي على المرء في أيام محنته ... حتى يرى حسنًا ما ليس بالحسن الوجه الثاني: أن يقال: إذا ترك الناس العمل بالسنة وملئت الأرض ظلمًا وعدوانًا، فإن الحاجة ماسة إلى إماما عادل يعمل بالسنة، ويبسط القسط والعدل، ويزيل الجور والظلم، وهكذا تكون الحاجة إلى خروج المهدي في آخر الزمان، ومن زعم أنه لا حاجة للمسلمين بالإمام العادل الذي يعمل بالسنة، ويبسط القسط والعدل، ويزيل الجور والظلم، فلا شك أنه لا يدري ما يقول. الوجه الثالث: أن يقال: إن الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان لا يستلزم الهروب عن الواقع وترك الواجب كما قد توهم ذلك ابن محمود، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بما أخبر به رسول الله ﷺ عن المهدي، وهم مع ذلك لم يهربوا عن واقعهم ولم يتركوا واجبهم، ويؤمنون بجميع أشراط الساعة، وبكل ما أخبر به رسول الله ﷺ من أنباء الغيب، مما مضى وما سيأتي قبل قيام الساعة وبعد قيامها، وهم مع ذلك لم يهربوا عن الواقع ولم يتركوا الواجب، وإنما الذي يهرب عن الواقع ويترك الواجب على الحقيقة هو الذي يرد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ويصفها بالصفات الذميمة، فيزعم أنها خيال ومحالات وأوهام وخرافات، وأن الإيمان بها من التحجر الفكري والجمود الاجتماعي.

стр. 302

الوجه الرابع: أن يقال: إن علماء المسلمين منزهون عما رماهم به ابن محمود؛ من فرض التحجر الفكري والجمود الاجتماعي على غيرهم من المسلمين، وإلزامهم باعتقاد ما ليس بحق مما تربوا عليه في صغرهم، وما تلقوه عن آبائهم ومشايخهم، أو على رأي بعض العلماء أو بعض الفقهاء، فكل هذا مما ينزه عنه علماء أهل السنة، وأما حث الناس على الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ من أنباء الغيب، ومنها خروج المهدي في آخر الزمان، فليس ذلك من فرض التحجر الفكري والجمود الاجتماعي كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما هو من النصيحة الواجبة على المسلمين بعضهم لبعض، ومن الدعاء إلى الخير والتعاون على البر والتقوى. الوجه الخامس: أن يقال: إذا كان الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ عن المهدي من التحجر الفكري والجمود الاجتماعي عند ابن محمود، ومن الركون إلى الخيال والمحالات، والاستسلام للأوهام والخرافات على حد زعمه، فنِعم التحجر ونِعم الجمود ونِعم الركون ونِعم الاستسلام، الذي يدعو صاحبه إلى الإيمان بأخبار الصادق المصدوق -صلوات وسلامه عليه-. الوجه السادس: أن يقال: إن التحجر الفكري والجمود الذي هو ضرر محض، هو الركون والاستسلام لأوهام أحمد أمين وتخرصاته، وما وقع في نظره من إنكار خروج المهدي، وإنكار ما جاء فيه من الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، وكذلك الركون والاستسلام لأوهام غيره من العصريين، الذين لا يبالون برد الأحاديث الثابتة إذا كانت مخالفة لأفكارهم الفاسدة، وقد قلدهم ابن محمود وركن إلى آرائهم وأفكارهم الفاسدة، واستسلم لأوهامهم وتخرصاتهم في إنكار خروج المهدي ومعارضة الأحاديث الثابتة فيه، وقد تقدم بيان ذلك في أول الكتاب وفي أثنائه فليراجع (١). الوجه السابع: أن يقال: ما هو المانع من الإيمان بوجود شخص غائب أخبر النبي ﷺ بخروجه في آخر الزمان، وأخبر أنه يعمل بسنته، وأن خلقه يطابق خلقه، وأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، ليس هناك مانع من الإيمان بوجود هذا الشخص الفاضل الذي يعز الله به الإسلام والمسلمين، ويجدد به ما اندرس من الدين، وقد أخبر النبي ﷺ بخروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵊ في آخر الزمان، وأخبر بخروج القحطاني والجهجاه، والخليفة الذي .............................................

стр. 303

يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا، وكل هؤلاء أشخاص غائبون وسيخرجون في آخر الزمان كما أخبر بذلك الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، فهل يؤمن ابن محمود بخروج هؤلاء الأشخاص في آخر الزمان، أم يقول فيهم مثل قوله في المهدي؟ فإن آمن بخروجهم في آخر الزمان انتقض قوله في المهدي، وإن لم يؤمن بخروجهم فتلك بلية من أعظم البلايا عليه. وإذا كان موقف ابن محمود من خروج المهدي ما تقدم عنه من المبالغة في إنكاره، والمكابرة في رد الأحاديث الثابتة فيه، ووصفها بالصفات الذميمة، وزعمه أن التصديق بخروج المهدي من الركون إلى الخيال والمحالات، والاستسلام للأوهام والخرافات، فماذا يكون موقفه مما هو أعظم من ذلك من خوارق العادات، التي ستكون في آخر الزمان؟ مثل تكليم الأحجار والأشجار والحوائط والدواب للمسلمين الذين يقاتلون اليهود في آخر الزمان، فقد جاء ذلك في عدة أحاديث بعضها في الصحيحين وبعضها في غيرهما. منها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «تقاتلكم اليهود فتسلطون عليهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله»، وفي رواية لمسلم: «لتقاتلن اليهود فلتقتلنهم، حتى يقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي فتعال فاقتله». ومنها ما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر، فيقول الحجر: يا مسلم، هذا يهودي يختبئ ورائي تعال فاقتله»، هذا لفظ أحمد ولفظ البخاري نحوه، ولفظ مسلم قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر، فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله، إلا الغرقد فإنها من شجر اليهود» ورواه الإمام أحمد أيضًا بهذا اللفظ. ومنها ما رواه ابن ماجة عن أبي أمامة الباهلي ﵁ في حديثه الطويل في ذكر خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵊ وقتله الدجال، وفيه أن رسول الله ﷺ قال: «فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك الشيء، لا حجر ولا شجر ولا حائط ولا دابة، إلا ..................

стр. 304

الغرقدة؛ فإنها من شجرهم لا تنطق، إلا قال: يا عبد الله المسلم، هذا يهودي فتعال اقتله» وهذا حديث صحيح رواه ابن خزيمة في صحيحه، والحافظ الضياء المقدسي في المختارة، ذكر ذلك صاحب كنز العمال، وروى الحاكم طرفًا منه، وقال: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه. ومنها ما رواه الإمام أحمد وأبو يعلي، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما، والطبراني والحاكم، عن سمرة بن جندب ﵁ في حديثه الطويل الذي ذكر فيه خروج الدجال، وفيه أن رسول الله ﷺ قال في الدجال: «ثم يهلكه الله وجنوده، حتى إن جذم الحائط وأصل الشجرة لينادي: يا مؤمن، أو قال يا مسلم، هذا يهودي، أو قال هذا كافر تعال فاقتله» قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وهذه نصوص لا تحتمل التأويل. ومن خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا فتح القسطنطينية بالتهليل والتكبير، وقد رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁. ومن ذلك أيضًا ما أخبر به رسول الله ﷺ عن الدجال، أنه يأمر السماء أن تمطر فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وأنه يمر بالخربة فيقول لها أخرجي كنوزك فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل، وأنه يدعو رجلا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ثم يدعوه فيقبل، رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة، من حديث النواس بن سمعان ﵁، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح". ومن ذلك أيضًا ما رواه عبد الرازق في مصنفه، والإمام أحمد والبخاري ومسلم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ يومًا حديثًا طويلا عن الدجال، فكان فيما حدثنا قال: «يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خير الناس، فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر، فيقولون: لا، قال: فيقتله ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه» وفي رواية لمسلم: «قال فيأخذه الدجال ليذبحه، فيجعل ما بين رقبته إلى ترقوته نحاس، فلا يستطيع إليه سبيلا».

стр. 305

ومن خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا تكليم السباع والجمادات للإنس، كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنس، وحتى تكلم الرجل عذبة سوطه وشراك نعله، وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده»، قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب" قال: "وفي الباب عن أبي هريرة ﵁"، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وفي رواية لأحمد أن النبي ﷺ قال: «آيات تكون قبل الساعة، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله، فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده». وروي الإمام أحمد أيضًا، عن أبي هريرة ﵁ قصة تكليم الذئب لراعي الغنم، وأن الراعي أخبر النبي ﷺ بذلك، فصدقه النبي ﷺ ثم قال: «إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه ما أحدث أهله بعده»، قال الهيثمي: "رجاله ثقات". ومن خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا، أن يأجوج ومأجوج إذا خرجوا على الناس يشرب أوائلهم بحيرة طبرية، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، رواه الإمام أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة، من حديث النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ ، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح"، وروي الحاكم وابن مندة في كتاب الإيمان، عن حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ نحوه، وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال الذهبي في إسناد ابن مندة: "إنه إسناد صالح" نقله عنه ابن كثير في "النهاية"، وروي الإمام أحمد وابن ماجة وابن جرير والحاكم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ فتذاكروا أمر الساعة» الحديث، وفيه أن عيسى ﵊ قال: «وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم، فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه» الحديث، قال الحاكم: "صحيح الإسناد"، ووافقه ......................................

стр. 306

الذهبي على تصحيحه، وروي الإمام أحمد وابن ماجة وابن حبان والحاكم، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يفتح يأجوج ومأجوج فيخرجون على الناس» فذكر الحديث وفيه: «ويشربون مياه الأرض، حتى إن بعضهم ليمر بالنهر فيشربون ما فيه حتى يتركوه يابسًا، حتى إن من بعدهم ليمر بذلك النهر فيقول: لقد كان ههنا ماء مرة» قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وروي الإمام أحمد أيضًا والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم» فذكر الحديث في خروجهم على الناس، وفيه: «فينشفون المياه» قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه. ومن خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا خروج الدابة من الأرض، تخرج فتكلم الناس كما قال الله -تعالى-: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ الآية، وخروجها مذكور في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ عن النبي ﷺ ، وقد رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي ومسلم وأهل السنن، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وروى الطبراني والحاكم، عن واثلة بن الأسقع ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، وصححه الحاكم والذهبي. ومن أعظم خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا طلوع الشمس من مغربها، وقد جاء في ذلك أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما، وليس هذا موضع ذكرها، وقد ذكرت جملة منها في الجزء الثاني من "إتحاف الجماعة"، فلتراجع هناك. ومن خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان أيضًا اجتزاء المؤمنين بالتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل عن الطعام إذا عدم الطعام، وذلك في السنوات الشداد التي تكون بين يدي الدجال وفي أيام الدجال أيضًا، وقد جاء في ذلك عدة أحاديث ذكرتها في الجزء الثاني من "إتحاف الجماعة" في "باب ما جاء في حبس المطر والنبات عند خروج الدجال"، وفي الباب الذي بعده فلتراجع هناك. وإذا كان ابن محمود قد ضاق ذرعًا بالأحاديث الثابتة في المهدي، وزعم أن التصديق بخروجه من الركون إلى الخيال والمحالات، والاستسلام للأوهام والخرافات، فماذا يكون موقفه من خوارق العادات التي ستكون في آخر الزمان، والتي هي .......................

стр. 307

أعظم من خروج المهدي، فهل يصدق بوقوعها أم يسلك فيها مسلكه في أحاديث المهدي؟ إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فمن شاء أقامه ومن شاء أزاغه، والله المسئول أن يهدينا وإخواننا المسلمين صراطه المستقيم، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. وهذا آخر ما تيسر إيراده فيما يتعلق بالمهدي، وبقي الكلام في يأجوج ومأجوج وسد ذي القرنين، وقبل إيراد كلام ابن محمود في ذلك والرد عليه، أذكر ما وقفت عليه من تخرصات العصريين في يأجوج ومأجوج وسد ذي القرنين . فمنهم من ينكر وجود السد، ومستندهم في ذلك ما يزعمه بعض الناس أن السائحين من دول الكفر قد اكتشفوا الأرض كلها فلم يروا سد ذي القرنين، وهذا في الحقيقة تكذيب بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ عن السد، والتكذيب بما أخبر الله به في كتابه كفر وظلم، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾، والتكذيب بما أخبر به رسول الله ﷺ كفر أيضًا؛ لأن تكذيبه ينافي الشهادة بالرسالة، ويلزم عليه تكذيب قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله» وفي هذا الحديث دليل على وجوب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله ﷺ من أنباء الغيب، ما مضى منها وما سيكون قبل قيام الساعة وبعد قيامها، ومن ذلك اندكاك السد في آخر الزمان، وخروج يأجوج ومأجوج على الناس، ومن لم يؤمن بهذا فهو داخل في حكم هذا الحديث الصحيح، والله أعلم. قال القاضي عياض في كتابه "الشفاء": " اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحده، أو حرفًا منه، أو آية، أو كذب به، أو بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر، أو أثبت ما نفاه أو نفي ما أثبته على علم منه بذلك، أو شك في شيء من ذلك، فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ " انتهى.

стр. 308

وقال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" ما نصه: "السد حق ثابت، ولا ينفتح ليأجوج ومأجوج إلا قرب الساعة، فمن قال بعدم وجود سد على وجه الأرض، ومستنده في ذلك قول الكشافين من النصارى، وأنهم لم يعثروا عليه يكفر، وقد وقع للشيخ عبد الرحمن قاضي المرج مع متصرف بني غازي، فإنه قال في جمع عظيم إنه لا سد في الأرض موجود، لأخبار السائحين في الأرض من النصارى، فقام الشيخ عبد الرحمن إليه أمام الحاضرين وقال: كفرت، تصدق الكشافين وتكذيب رب العالمين، ثم تدارك المتصرف نفسه وقال: إنما قلت ذلك على طريق الحكاية عنهم، ولست معتقدًا لذلك، قال الكافي: ولا يكون قول الكشافين شبهة تنفي عنه الكفر؛ لأنه لو كان إيمانه ثابتًا لما ترك قول الله -تعالى- وقول رسوله ﷺ المستحيل عليهما الكذب وتبع قول من لا دين له". انتهى. ومن العصريين من يزعم أن يأجوج ومأجوج هم جميع دول الكفر، وقد صرح الشيخ محمد بن يوسف الكافي بتكفير من قال ذلك كما سيأتي في كلامه قريبًا -إن شاء الله تعالى-، ووجه القول بتكفير من قال به أنه يلزم عليه تكذيب ما أخبر الله به في كتابه عن السد، وأنه قد حال بين يأجوج ومأجوج وبين الخروج على الناس، وأن يأجوج ومأجوج ما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، وأنه إذا جاء وعد الرب ﵎ أي في آخر الزمان إذا دنا قيام الساعة - جعله دكاء فخرجوا على الناس، وذلك بعد ما ينزل عيسى ابن مريم ﵊ إلى الأرض ويقتل الدجال، وقد جاء ذلك صريحًا في عدة أحاديث صحيحة؛ منها حديث النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ في ذكر خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم ﵊ وقتله الدجال، قال: «فبينما هو كذلك إذ أوحي الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء، ويحصر نبي الله عيسى وأصحابه، حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم، فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم، فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة» الحديث رواه الإمام أحمد .....

стр. 309

ومسلم والترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: "هذا حديث غريب حسن صحيح". ومنها حديث حذيفة بن اليمان ﵄ عن النبي ﷺ في ذكر الدجال ونزول عيسى ﵊ وفيه: «فبينما هم كذلك إذا أخرج الله يأجوج ومأجوج» الحديث رواه الحاكم وابن مندة في كتاب الإيمان، قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي، وقال ابن كثير في "النهاية": "قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي: في إسناد ابن مندة، هذا إسناد صالح". ومنها حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى ﵈ فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى موسى فقال: لا علم لي بها، فردوا أمرهم إلى عيسى فقال: أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إليَّ ربي أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، قال: فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الشجر والحجر يقول: يا مسلم، إن تحتي كافر فتعال فاقتله، قال: فيهلكهم الله، ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون، فيطئون بلادهم فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، قال: ثم يرجع الناس يشكونهم، فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم، حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، وينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المُتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادها ليلا أو نهارًا» رواه الإمام أحمد وابن ماجة وابن جرير والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه، وزاد ابن ماجة والحاكم فيه قال العوام - وهو ابن حوشب أحد رواته -: فوجدت تصديق ذلك في كتاب الله ثم قرأ: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾. وفي هذه الأحاديث دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد نزول عيسى ابن مريم ﵊، وذلك عند اقتراب الساعة كما هو منصوص عليه في قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ أي دنا قيام الساعة، وفي هاتين الآيتين مع الأحاديث التي تقدم ذكرها أبلغ رد على من زعم أن يأجوج ومأجوج هم دول ................................................

стр. 310

الكفر في آسيا وأوربا وأمريكا وغيرها من بلاد المشركين؛ لأن هؤلاء الكفرة لم يزالوا مختلطين بالناس ولم يكن بينهم وبين الناس سد من حديد يحول بينهم وبين الخروج على الناس. ومما يُرد به أيضًا على المتخرصين الزاعمين أن يأجوج ومأجوج هم دول الكفر، ما جاء في حديث حذيفة بن أسيد الغفاري ﵁ قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر فقال: «ما تذاكرون؟» قالوا: نذكر الساعة، قال: «إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات؛ فذكر الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وآخِر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم» رواه الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم واللفظ له، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وعن واثلة بن الأسقع ﵁ عن النبي ﷺ نحوه، رواه الطبراني والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي على تصحيحه. وفي هذين الحديثين دليل على أن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون قبيل قيام الساعة، وأن خروجهم من جملة الآيات الكبار المؤذنة باقترابها. وقد قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية" ما نصه "المسألة الثانية والثلاثون": "يأجوج ومأجوج هم أناس بالغون في الكثرة عددًا لا يعلمه إلا الله -تعالى-، ولا يستطيع أحد مقاومتهم عند خروجهم من السد لكثرتهم، وهم مفسدون في الأرض كما أخبر الله -تعالى- عنهم، وهم الآن محازون عن غيرهم بالسد الذي بناه ذو القرنين، وخروجهم علامة على قيام الساعة، فمن قال واعتقد أن يأجوج ومأجوج هم أوربا يكفر لتكذيبه الله -تعالى- في خبره: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، قال حبر هذه الأمة عبد الله بن عباس ﵄ في تفسير قوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾: "فحينئذ يخرجون (وهم) يعني يأجوج ومأجوج، (من كل حدب) من كل أكمة ومكان مرتفع، (ينسلون) يخرجون، (واقترب الوعد الحق) دنا قيام الساعة عند خروجهم من ..................

стр. 311

السد"، وأخرج ابن جرير عن حذيفة ﵁ قال: "لو أن رجلا اقتنى فلوًا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى تقوم الساعة" انتهى. ومن أغرب أقوال العصريين ما زعمه طنطاوي جوهري في تفسيره أن يأجوج ومأجوج هم التتار، الذين خرجوا على المسلمين في أثناء القرن السابع من الهجرة وما بعده، ولو كان الأمر على ما زعمه هذا المتخرص المتأول لكتاب الله -تعالى- على غير تأويله، لكان الدجال قد خرج في أول القرن السابع من الهجرة قبل خروج التتار على المسلمين، ولكان عيسى ابن مريم ﵊ قد نزل من السماء وقتل الدجال قبل خروج التتار، ولكان سد ذي القرنين قد دك في ذلك الزمان، ولكان أوائل التتار قد شربوا بحيرة طبرية وآخرهم لم يجدوا فيها ماء، ولكانوا قد حصروا نبي الله عيسى وأصحابه حتى دعا عليهم فأرسل الله عليهم النغف في رقابهم فأصبحوا فرسى كموت نفس واحدة، ولكانت الساعة قد قامت منذ سبعة قرون؛ لما جاء في حديث الحسن عن سمرة بن جندب ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ثم يجيء عيسى فيقتل الدجال، ثم إنما هو قيام الساعة» رواه الإمام أحمد، وإسناده صحيح على شرط الشيخين والطبراني، قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح"، وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ الذي تقدم ذكره قريبًا أن رسول الله ﷺ قال: «لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى فتذاكروا أمر الساعة» فذكر الحديث في خروج الدجال وقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، ودعاء عيسى عليهم فيهلكهم الله، ثم ذكر عن عيسى أنه قال: ففيما عهِد إلي رب أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم التي لا يدري أهلها متى تفاجئهم بولادها ليلا أو نهارًا. وعن سبيع - وهو ابن خالد - عن حذيفة ﵁ قال: " كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وأسأله عن الشر ... فذكر الحديث وفيه: قال «ثم يخرج الدجال» قال: قلت: فبِم يجيء به معه؟ قال: «بنهر، أو قال ماء ونار، فمن دخل نهره حط أجره ووجب وزره، ومن دخل ناره وجب أجره وحط وزره»، قال: قلت: ثم ماذا؟ قال: «لو أنتجت فرسًا لم تركب فلوها حتى تقوم الساعة» " رواه الإمام أحمد بإسناد جيد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي في تلخيصه.

стр. 312

وإذا لم يقع شيء من الأمور العظام التي ذكرنا، فمن أبطل الباطل وأقبح الجهل والتخرص واتباع الظن ما جزم به طنطاوي جوهري في قوله إن يأجوج ومأجوج هم التتار الذين خرجوا على المسلمين في أثناء القرن السابع من الهجرة وما بعده، وقد تبعه على باطله وجهله صاحب "دليل المستفيد، على كل مستحدث جديد" فزعم أن التتار هم أوائل يأجوج ومأجوج، وزعم في موضع آخر من كتابه أن يأجوج ومأجوج قد تفرقوا في الأرض وصاروا دولا في آسيا وأوربا وأمريكا، وقد تقدم عن الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي أنه صرَّح بتكفير من قال بهذا القول، ومن المعلوم عند كل عاقل أن دول آسيا وأوربا وأمريكا لم تزل في أماكنها منذ زمان طويل، وأنه ليس بينهم وبين غيرهم سد من حديد يمنعهم من الخروج والاختلاط بغيرهم من الناس. فصفة يأجوج ومأجوج لا تنطبق على الدول المعروفة الآن، وقد تقدم في عدة أحاديث صحيحة أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون بعد نزول عيسى ﵊ وقتل الدجال، وأنهم لا يمكثون بعد خروجهم على الناس إلا مدة يسيرة، ثم يدعو عليهم نبي الله عيسى فيهلكهم الله جميعًا كموت نفس واحدة، فهم بلا شك أمة عظيمة، قد حيل بينهم وبين الخروج على الناس بالسد الذي بناه ذو القرنين، وهذا السد لا يندك إلا إذا دنا قيام الساعة، كما أخبر الله بذلك في كتابه العزيز. وأما كون السائحين في الأرض لم يروا يأجوج ومأجوج ولا سد ذي القرنين، فلا يلزم منه عدم السد ويأجوج ومأجوج، فقد يصرف الله السائحين عن رؤيتهم ورؤية السد، وقد يجعل الله فوق السد ثلوجًا متراكمة بحيث لا تمكن رؤية السد معها، أو يجعل الله غير ذلك من الموانع التي تمنع من رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد. والواجب على المسلم الإيمان بما أخبر الله به في كتابه عن السد ويأجوج ومأجوج، وما صح عن النبي ﷺ في ذلك، ولا يجوز للمسلم أن يتكلف ما لا علم له به، ولا يقول بشيء من أقوال المتكلفين المتخرصين، بل ينبذها وراء ظهره ولا يعبأ بشيء منها. والمقصود ههنا بيان أن إنكار السد ويأجوج ومأجوج بالكلية كفر بلا شك، لما في ذلك من تكذيب ما أخبر الله به ورسوله ﷺ عن السد ويأجوج ومأجوج، وأما الاعتراف بوجود السد في قديم الزمان، والقول بزواله بعد زمان النبي ﷺ ، .........................

стр. 313

وخروج يأجوج ومأجوج واختلاطهم بالناس، فهذا أخف من القول الأول لما فيه من التأويل، ولا ينبغي أن يطلق الكفر على قائله، ولكن لا يجوز اعتقاده؛ لأنه قول باطل مخالف لما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ عن السد، أنه لا يندك إلا إذا دنا قيام الساعة، وأن خروج يأجوج ومأجوج إنما يكون بعد نزول عيسى وقتل الدجال. فصل قال ابن محمود في صفحة (٧٤، ٧٥، ٧٦) الحديث عن يأجوج ومأجوج، "لقد أكثر السفاريني في كتابه "لوائح الأنوار" من أحاديث يأجوج ومأجوج على صفة ما عمله في أحاديث المهدي؛ لأنه حاطب ليل يجمع الغث والسمين والصحيح والسقيم، ونحن نسوق لك قليلا من كثير من أحاديثه التي ذكرها منها حديث: «إن منهم من طوله مائة وعشرون ذراعًا، ومنهم من طوله قدر شبر، ومنهم من يفترش شحمة أذنه ويلتحف بالأخرى»، وحديث: «إنه لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من أولاده»، وأحاديث تصفهم بصفة الإرهاب، وأن لهم أنيابًا كالسباع وقرون، ونقل عن كعب الأحبار في صفة بدء خلقهم: وذلك أن آدم احتلم فاختلط ماؤه بالتراب، فخلق منه يأجوج ومأجوج، قال: فهم إخوتنا لأبينا. كل هذه وما هو أكثر منها ذكرها السفاريني، ويأجوج ومأجوج قد أخبر الله عنهم في كتابه مما لا شك فيهم، فقال -سبحانه-: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، وقال: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ﴾، فالمسلمون يصدقون في وجودهم بلا شك، ولكنهم يخوضون في أمرهم، وفي مكان وجودهم، وفي صفة خلقهم، مع علمهم أنهم من نسل آدم بل ومن ذرية نوح، وأوصافهم لا تنطبق على أوصاف الملائكة، ولا على أوصاف بني آدم، ولا يدرون كيف يخرجون على الناس، أينزلون عليهم من السماء أم ينبعون من الأرض؟! لعلمهم أن الناس قد اكتشفوا سطح الأرض كلها فلم يروهم ولم يروا سدًا، وتسلط بعض الملاحدة على التكذيب بالقرآن من أجلهم، وقالوا: إن القرآن يذكر أشياء لا وجود لها، فبينما هم كذلك في غمرة من الجهل ساهون إذ طلع عليهم نور هداية ودلالة، يحمله علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي ﵀ ويخبرهم عن حقيقة فتح يأجوج ومأجوج قائلا: لا تبعدوا النظرة ...................................................

стр. 314

ولا تسرحوا في الفكرة، فإن يأجوج ومأجوج عن أيمانكم وعن شمائلكم ومن خلفكم، فما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، والتي تداعي عليكم كتداعي الأكلة على قصعتها، وقد أقبلوا عليكم من كل حدب ينسلون، حين استدعاهم استنشاق رائحة البترول في بلدان العرب المسلمين، وهذا هو حقيقة الفتح لهم، والذي عناه النبي ﷺ كما في صحيح البخاري ومسلم، عن زينب بنت جحش قالت: خرج علينا النبي ﷺ فزعًا قد احمرَّ وجهه، وهو يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا» وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى، فقلنا: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟! قال: «نعم، إذا كثر الخبث». وكان ابتداء حركتهم في ظهورهم على المسلمين، من غزوة مؤتة حين غزاهم المسلمون لدعوتهم إلى الإسلام، ثم صار ظهورهم يزداد عامًا بعد عام. وقد روي الإمام أحمد وأبو داود، عن ثوبان أن النبي ﷺ قال: «يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعت الأكلة على قصعتها»، قالوا: يا رسول الله، أمِن قلة نحن يومئذ؟! قال: «لا، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ينزع الله مهابة عدوكم منكم، ويسكنكم مهابتهم، ويلقي في قلوبكم الوهن»، قالوا: وما الوهن، يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا، وكراهة الموت». ولما أخرج الشيخ عبد الرحمن بن سعيد ﵀ رسالته في تحقيق أمر يأجوج ومأجوج على صفة ما ذكره في تفسيره واستنباطه، أنكر عليه بعض العلماء ذلك واتهموه بأنه يُكذِّب بالقرآن، واستدعي للمحاكمة زمن الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن ﵀ فبرهن عن حقيقة رسالته، وأنها تصدق القرآن وتزيل اللبس والشك عنه، وترد على الملحدين قولهم وسوء اعتقادهم، لهذا تبين للعلماء حسن قصده، وزال عن الناس ظلام الأوهام وضلال أهل الزيغ والبهتان، وصار لهذه الرسالة الأثر الكبير في إخماد نار الفتنة بيأجوج ومأجوج، حتى استقر في أذهان العلماء والعوام صحة ما قاله بمقتضى الدليل والبرهان، ونحن نسوق فقرات من رسالته للاتعاظ بها والانتفاع بعلمها". والجواب: أن يقال: أما قول ابن محمود في السفاريني: إنه حاطب ليل يجمع الغث والسمين والصحيح والسقيم، فهو مما ينطبق عليه المثل المشهور وهو قولهم: "يرى القذاة في عين أخيه، ولا يرى الجذع في عينه"، فابن محمود أولى أن يوصف بأنه حاطب ليل ولا سيما في رسالته في المهدي ويأجوج ومأجوج، فقد جمع فيها ................................

стр. 315

من الغث والسقيم ما يتنزه عنه كل من له عقل ودين، وهي مع هذا خالية من السمين والصحيح لأنها كلها أخطاء من أولها إلى آخرها وقد تقدم إيضاح ذلك عند كل فقرة من كلامه. وأما الأحاديث التي ساقها ابن محمود من كتاب السفاريني وأنكر عليه ذكرها في كتابه وقال أنه حاطب ليل. فالجواب: أن يقال: أما الأحاديث المنكرة في صفات يأجوج ومأجوج فقد ذكرها ابن جرير والبغوي والقرطبي في تفاسيرهم، وذكرها القرطبي أيضًا في التذكرة، وذكرها غيرهم من أكابر العلماء، فمن أنكر على السفاريني وزعم أنه حاطب ليل من أجل أنه ذكرها، فلينكر على من ذكرها قبله من أكابر العلماء، وليصفهم بما وصف به السفاريني، ولا يجعل التحامل خاصًا بالسفاريني. وأما الحديث الذي فيه: «إنه لا يموت أحدهم حتى ينظر إلى ألف فارس من أولاده» فقد رواه الطبراني في الأوسط من حديث حذيفة بن اليمان ﵄ مرفوعًا، وفيه بعض الصفات المنكرة مما قيل في يأجوج ومأجوج، قال الهيثمي: "فيه يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف"، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: "أخرجه ابن عدي وابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه، وهو من رواية يحيى بن سعيد العطار عن محمد بن إسحاق عن الأعمش، والعطار ضعيف جدًا، ومحمد بن إسحاق، قال ابن عدي: ليس هو صاحب المغازي، بل هو العكاشي، قال: والحديث موضوع، وقال ابن أبي حاتم: منكر". قال الحافظ ابن حجر: "لكن لبعضه شاهد صحيح أخرجه ابن حبان من حديث ابن مسعود رفعه: «إن يأجوج ومأجوج أقل ما يترك أحدهم لصلبه ألفًا من الذرية»، وللنسائي من رواية عمرو بن أوس عن أبيه رفعه: «إن يأجوج ومأجوج يجامعون ما شاءوا، ولا يموت رجل منهم إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا»، وأخرج الحاكم وابن مردويه من طريق عبد الله بن عمرو: «إن يأجوج ومأجوج من ذرية آدم، ووراءهم ثلاث أمم، ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا»، وأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عبد الله بن سلام مثله". انتهى المقصود مما ذكره الحافظ ابن حجر، وحديث عبد الله بن عمرو ﵄ الذي ذكره الحافظ ابن حجر قد رواه عبد الرازق في مصنفه، والحاكم في المستدرك من طريقين، قال في كل منهما: "صحيح ..........................

стр. 316

على شرط الشيخين"، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وروى أبو داود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم، وإنهم لو أرسلوا على الناس لأفسدوا عليهم معايشهم، ولن يموت منهم أحد إلا ترك من ذريته ألفًا فصاعدًا»، ورواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق أبي داود الطيالسي، قال الهيثمي: "ورجاله ثقات". وأما الحديث الذي فيه أن منهم من طوله مائة وعشرون ذراعًا، ومنهم من طوله قدر شبر، ومنهم من يفترش أذنه ويلتحف بالأخرى، أو أن لهم قرونًا وأنيابًا مثل السباع، فكل هذه من الأحاديث الموضوعة، فلا يعول على شيء منها. والصحيح ما قاله ابن كثير -رحمه الله تعالى- إنهم من بني آدم، وإنهم على أشكالهم وصفاتهم، والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد والطبراني عن ابن حرملة، عن خالته ﵂ قالت خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب أصبعه من لدغة عقرب، فقال: «إنكم تقولون لا عدو، وإنكم لا تزالون تقاتلون عدوًا حتى يخرج يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه صغار العيون صهب الشعاف، من كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة»، قال الهيثمي: "رجالهما رجال الصحيح". الشعاف: الشعور. وأما ما نقل عن كعب الأحبار في صفة بدء خلقهم، وأن أدم احتلم فاختلط ماؤه بالتراب فخلق منه يأجوج ومأجوج، فهو قول باطل مردود؛ لأن الله -تعالى- قال مخبرًا عن نوح ﵊: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، فدلت هذه الآية الكريمة على أن يأجوج ومأجوج من ذرية نوح ﵊، وقد روى الحاكم في مستدركه، عن سعيد بن المسيب أنه قال: "ولد نوح ﵊ ثلاثة؛ سام، وحام، ويافث، فولد سام العرب وفارس والروم وفي كل هؤلاء خير، وولد حام السودان والبربر والقبط، وولد يافث الترك والصقالبة ويأجوج ومأجوج"، ورواه البزار في مسنده من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «وُلِدَ لنوح سام وحام ويافث، فوُلِدَ لسام العرب وفارس والروم والخير فيهم، وولد ليافث يأجوج ومأجوج والترك والصقالبة ولا خير فيهم، وولد لحام القبط والبربر والسودان»، في إسناده محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي عن أبيه، وكلاهما ضعيف، قال ابن كثير: "والمحفوظ عن سعيد من قوله، وهكذا روي عن وهب بن منبه مثله". انتهى.

стр. 317

وقال ابن كثير أيضًا: "من زعم أن يأجوج ومأجوج خلقوا من نطفة آدم حين احتلم فاختلطت بالتراب فخلقوا من ذلك، وأنهم ليسوا من حواء، فهو قول حكاه الشيخ أبو زكريا النواوي في شرح مسلم وغيره وضعفوه، وهو جدير بذلك إذ لا دليل عليه، بل هو مخالف لما ذكرناه من أن جميع الناس اليوم من ذرية نوح بنص القرآن، وهكذا من زعم أنهم على أشكال مختلفة وأطوال متباينة جدًا، فمنهم من هو كالنخلة السحوق، ومنهم من هو في غاية الصغر، ومنهم من يفترش أذنا من أذنيه ويتغطى بالأخرى، فكل هذه أقوال بلا دليل ورجم بالغيب بغير برهان، والصحيح أنهم من بني آدم وعلى أشكالهم وصفاتهم، وقد قال النبي ﷺ : «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعًا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن»، وهذا فيصل في هذا الباب وغيره". انتهى. وأما قوله: فالمسلمون يصدقون في وجودهم بلا شك، ولكنهم يخوضون في أمرهم، وفي مكان وجودهم، وفي صفة خلقهم، مع علمهم أنهم من نسل آدم، بل ومن ذرية نوح. فجوابه: أن يقال: من آمن بما أخبر الله به في كتابه عن يأجوج ومأجوج لم يشك أنهم من وراء السد الذي بناه ذو القرنين، وقد أخبر الله عنهم أنهم ما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، وأنه إذا جاء وعد الرب ﵎ جعله دكاء فخرجوا على الناس، وذلك في آخر الزمان بعد نزول عيسى ابن مريم ﵊ وقتله الدجال، كما جاء في حديث النواس بن سمعان ﵁ عن النبي ﷺ أن الله -تعالى- يوحي إلى عيسى بإخراج يأجوج ومأجوج، وقد تقدم هذا الحديث قريبًا، وحديث حذيفة وابن مسعود ﵄ بمعناه. وأما قوله: وفي صفة خلقهم. فجوابه: أن يقال: إنما يخوض في صفة خلق يأجوج ومأجوج من لا يعلم أنهم من بني آدم، فأما من علم أنهم من بني آدم فإنه لا يبقى عند شك أنهم على أشكال بني آدم وصفاتهم. وأما قوله: وأوصافهم لا تنطبق على أوصاف الملائكة ولا على أوصاف بني آدم، ولا يدرون كيف يخرجون على الناس، أينزلون عليهم من السماء أم ينبعون من الأرض؟!

стр. 318

فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام من التخليط الذي يتنزه عنه كل عاقل، فأما أوصاف الملائكة فمن أين لابن محمود العلم بها حتى يقول إن أوصاف يأجوج ومأجوج لا تنطبق عليها، وأما أوصاف بني آدم فقد قال ابن محمود إن يأجوج ومأجوج من نسل آدم ومن ذرية نوح، ولا يخفى على عاقل أن أوصاف بني آدم وأشكالهم متقاربة، وإنما يختلفون في الألسنة والألوان، وحسن الوجوه أو قبحها. وأما قوله: ولا يدرون كيف يخرجون على الناس. فجوابه: أن يقال: إن خروجهم على الناس في آخر الزمان لا يختلف عن خروج غيرهم من بني آدم، وإنما يكون ذلك إذا جعل الله السد دكاء كما قال الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه قال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾، وقد أخبر الله عنهم أنهم من كل حدب ينسلون؛ أي يسرعون. وأما قوله: أينزلون من السماء أم ينبعون من الأرض؟! فجوابه: أن يقال: لا يظن بأحد من المسلمين أنه يقول بهذا القول المستهجن؛ لأن يأجوج ومأجوج ليسوا ملائكة ينزلون من السماء، وليسوا ماء ولا غيره من المعادن السائلة التي تنبع من الأرض. وأما قوله: لعلمهم أن الناس قد اكتشفوا سطح الأرض كلها، فلم يروهم ولم يروا سدًا. فجوابه: أن يقال: الصواب أن يقال: سطح الأرض كله، ويقال أيضًا: إن قدرة بني آدم تعجز عن اكتشاف سطح الأرض كله، ولو قدر أنهم اكتشفوه فقد يصرف الله السائحين عن رؤية يأجوج ومأجوج ورؤية السد، لما له في ذلك من الحكمة. والمقصود هنا بيان أنه يجب الإيمان بما أخبر الله به في كتابه عن السد ويأجوج ومأجوج، وأن يأجوج ومأجوج ما اسطاعوا أن يظهروا السد وما استطاعوا له نقبًا، وأنه إذا جاء وعد الرب ﵎ جعله دكاء، قال ابن كثير في "البداية والنهاية" في الكلام على قول الله -تعالى- مخبرًا عن ذي القرنين أنه قال: " ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾؛ أي الوقت الذي قدر خروجهم على الناس في آخر الزمان، ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾؛ أي مساويًا ......................

стр. 319

للأرض، ولا بد من كون هذا، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾، كما قال -تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ الآية، ولهذا قال ههنا: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾؛ يعني يوم فتح السد على الصحيح". انتهى. ويجب أيضًا الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة، عن النواس بن سمعان وابن مسعود وحذيفة ﵃ أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون على الناس بعد نزول عيسى ابن مريم وقتل الدجال، وقد قال الله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، فدلت الآيتان على أن فتح يأجوج ومأجوج إنما يكون عند اقتراب الساعة، وقد جاء في حديث حذيفة بن أسيد، وحديث واثلة بن الأسقع، أن خروج يأجوج ومأجوج من الآيات العشر الدالة على اقتراب الساعة، وقد تقدم إيراد الحديثين قريبًا فليرجع إليهما (١). وأما قوله: وتسلط بعض الملاحدة على التكذيب بالقرآن من أجلهم، وقالوا إن القرآن يذكر أشياء لا وجود لها. فجوابه: أن يقال: إن الملاحدة قد تسلطوا على تكذيب القرآن في أشياء كثيرة غير السد ويأجوج ومأجوج، ولا سيما معجزات الأنبياء وما أيدهم الله به من خوارق العادات؛ مثل انشقاق القمر، وفلق البحر لموسى حتى صار كل فرق كالطود العظيم، وجعل العصا حية تسعى، وتفجير العيون من الحجر الصغير الذي يحمل على الدابة، وإهلاك الأحباش بالأحجار التي تحملها الطير في مناقيرها وأرجلها، إلى غير ذلك من المعجزات والخوارق التي لا تحتملها عقول الملاحدة، فلا يستكثر منهم التكذيب بوجود السد ويأجوج ومأجوج. وأما قوله: فبينما هم في غمرة من الجهل ساهون إذ طلع عليهم نور هداية ودلالة، يحمله علامة القصيم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي ﵀ ويخبرهم عن حقيقة فتح يأجوج ومأجوج، قائلا: لا تبعدوا النظرة ولا تسرحوا في الفكرة، فإن يأجوج ومأجوج عن أيمانكم وعن شمائلكم ومن خلفكم، فما هم إلا أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم.

стр. 320

فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: هذا الكلام بهذا السياق غير موجود في رسالَتَي ابن سعدي اللتين كتبهما في خروج يأجوج ومأجوج، والظاهر أن ابن محمود أخذه من مضمون كلام ابن سعدي ثم نسبه له، ولو أن ابن محمود نسبه إلى نفسه وذكر أنه أخذه من مضمون كلام ابن سعدي لكان أولى وأوفق للأمانة في النقل. الوجه الثاني: أن يقال: ما ذكره ابن محمود في يأجوج ومأجوج أنهم أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم، فهو قول مخالف لما أخبر الله به عن ذي القرنين أنه جعل بين الناس وبين يأجوج ومأجوج سدًا من حديد، وأن يأجوج ومأجوج ما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبًا، وأنه إذا جاء وعد الرب ﵎ جعله دكاء، وحينئذ يخرجون على الناس، وذلك في آخر الزمان عند اقتراب الساعة، كما قال -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ * وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾، وإذا في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾، وفي قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ لما يستقبل من الزمان، وهذا يدل على أن يأجوج ومأجوج لم يزالوا وراء السد حتى يأتي وقت خروجهم في آخر الزمان، وفي قوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ دليل على أنهم إنما يخرجون إذا دنا قيام الساعة. وقد أوضح ذلك النبي ﷺ فيما رواه عنه النواس بن سمعان ﵁ حيث قال بعد ذكر خروج الدجال ونزول عيسى وقتل الدجال: «فبينما هم كذلك إذ أوحي الله إلى عيسى؛ إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرِّز عبادي إلى الطور، ويبعث الله يأجوج ومأجوج» الحديث، وفي حديث حذيفة وحديث ابن مسعود ﵄ عن النبي ﷺ نحوه، وقد تقدم إيراد هذه الأحاديث قريبًا فلتراجع (١). ولا يخفى ما في الكلام الذي نسبه ابن محمود لابن سعدي من المخالفة لما أخبر الله به في كتابه، وما كان كذلك فهو باطل وضلال، ومن زعم أنه نور هداية ودلالة فلا شك أنه لا يعرف الفرق بين نور الهداية والدلالة وبين ظلام الضلال والإضلال. الوجه الثالث: أن يقال: إن أمم الكفار على اختلاف أجناسهم وأوطانهم قد ......
следующие страницы →