← Акыда

Акыда · id 36046

الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (408 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

قلت: وقد صرح أن الأوزاعي حدثه بهذا الحديث، فزال ما يخشى من تدليسه، وأما زكريا بن يحيى الساجي؛ فقال فيه ابن أبي حاتم: "كان ثقة، يعرف الحديث والفقه، وله مؤلفات حسان في الرجال واختلاف العلماء وأحكام القرآن"، وقال الذهبي في "الميزان": "أحد الأثبات، ما علمت فيه جرحًا أصلا"، وقال أبو الحسن القطان: "مختلف فيه في الحديث، وثَّقه قوم، وضعَّفه آخرون". انتهى، قال الحافظ ابن حجر في "لسان الميزان": "ولا يغتر أحد بقول ابن القطان، فقد جازف بهذه المقالة، وما ضعَّف زكريا الساجي هذا أحد قط كما أشار إليه، ثم ذكر قول ابن أبي حاتم فيه، قال: وقال مسلمة بن القاسم: بصري ثقة". انتهى. وأما أبو محمد أحمد بن عبد الله المزني؛ فقد ذكر السبكي في "طبقات الشافعية" عن الحاكم أنه قال: "كان إمام أهل العلم والوجوه وأولياء السلطان بخراسان في عصره بلا مدافعة"، قال: وقال أبو النصر عبد الرحمن بن عبد الجبار النامي في "تاريخ هراة": "كان إمام عصره بلا مدافعة في أنواع العلوم، مع رتبة الوزارة وعلو القدر عند السلطان"، وقال أبو سعد السمعاني: "إنه الذي يقال له الشيخ الجليل ببخاري". انتهى. وإذا علم إن رجال هذا الحديث كلهم ثقات وليس فيهم ضعيف، فضلاً عن الكذابين والوضاعين فليعلم أيضًا أنه ليس فيهم أحد من أنصار بني أمية، أما الوليد بن مسلم ومن كان بعده في الإسناد فكلهم كانوا في زمان بني العباس، فلا يقول عاقل إنهم من أنصار بني أمية وقد كانوا بعد زمانهم، وأما أبو هريرة ﵁ وأبو سلمة بن عبد الرحمن فهما مدنيان وليسا من أنصار بني أمية، وأما يحيى بن أبي كثير فهو من أهل اليمامة وليس من أنصار بني أمية، وقد رُوي أنه امتحن وضرب وحلق لكونه انتقص بني أمية. ذكر ذلك الذهبي في "تذكرة الحفاظ"، وأما الأوزاعي فقد كان في آخر زمان بني أمية وأول زمان بني العباس ولم يكن من أنصار بني أمية، وإذا فليبين ابن محمود أنصار بني أمية الذين وضعوا هذا الحديث على حد زعمه، وليذكر الكتاب الذي وجد فيه ذلك. فأما المجازفة بالقول الذي لا صحة له فهذا مما يتنزه عنه كل ذي عقل ودين. وأما قول ابن محمود: إن الحاكم ساق حديثًا ثانيًا في السفياني بلفظ الحديث الأول ومعناه.

стр. 37

فجوابه: أن يقال: لا صحة لما ذكره ابن محمود ههنا؛ فليس في مستدرك الحاكم حديث آخر في السفياني بلفظ حديث أبي هريرة ﵁ ومعناه، وإنما فيه أثر موقوف على علي ﵁ ولفظه قال: «يظهر السفياني على الشام، ثم يكون بينهم وقعة بقر قيسيًا، حتى تشبع طير السماء وسباع الأرض من جيفهم، ثم ينفتق عليهم فتق من خلفهم، فتقبل طائفة منهم حتى يدخلوا أرض خراسان، وتقبل خيل السفياني في طلب أهل خراسان، ويقتلون شيعة آهل محمد ﷺ بالكوفة، ثم يخرج أهل خراسان في طلب المهدي» لم يتكلم عليه الحاكم، وقال الذهبي في تلخيصه: "قلت خبر واهٍ". انتهى. وهذا الأثر مع ضعفه الشديد لا يتفق مع حديث أبي هريرة ﵁ لا في اللفظ ولا في المعنى، ثم إن السفياني الذي جاء ذكره في حديث أبي هريرة، وأنه يخرج في آخر الزمان عند خروج المهدي، لا يلزم أن يكون من بني أمية ومن ذرية أبي سفيان؛ لأنه لم يأت في حديث أبي هريرة ﵁ تصريح بذلك، بل قد يكون من غيرهم، وتكون نسبته موافقة لنسبتهم، وإذ لم يثبت أن السفياني من بني أمية فمن أكبر الخطأ بهت بني أمية بأنهم أقاموا السفياني مقام المهدي، وبهت أنصارهم بأنهم وضعوا الحديث على رسول الله ﷺ في السفياني، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. وأما قوله: فتصحيح الحاكم لأحاديث السفياني هي بمثابة تصحيحه وتصحيح الترمذي لأحاديث المهدي على حد سواء. فجوابه من وجهين: أحدهما: أن يقال: ظاهر كلام ابن محمود يقتضي أن يكون الحاكم قد روي في السفياني عدة أحاديث وصححها، وهذا غلط؛ لأن الحاكم لم يرو في السفياني سوى حديث واحد عن أبي هريرة ﵁ وقد تقدم ذكره، وأنه حديث صحيح، وروى أيضًا أثرًا عن علي ﵁ ولم يصححه ووهَّاه الذهبي، وقد تقدم ذكره قريبًا. فإن كان ابن محمود قد وقف على عدة أحاديث في السفياني رواها الحاكم في مستدركه وصححها فليفدنا بذلك، وليذكر مواضعها في المستدرك، وإن لم يجد سوى حديث أبي هريرة ﵁ فالأولى له لزوم الورع وترك المجازفة.

стр. 38

الوجه الثاني: أن يقال: ما صححه الترمذي في جامعه فهو صحيح مقبول عند أهل العلم بالحديث، وسواء في ذلك أحاديث المهدي وغيرها، وكذلك ما حسنه الترمذي من الأحاديث فهو مقبول عند أهل العلم إلا ما ظهرت علته. فأما الحاكم فإنه كان يتساهل في تصحيح بعض الأحاديث، ولكن كان الذهبي يتعقبه في تلخيصه للمستدرك فيضعف ما صححه من الأحاديث الضعيفة، ويوافقه على تصحيح الصحيح منها، وقد وافقه على تصحيح حديثي ابن مسعود وأبي سعيد ﵄ في المهدي. ومحل الذهبي في معرفة صحيح الأحاديث وضعيفها، ونقد الرجال لا يخفى على طالب العلم. وأما قوله: وفي الحقيقة أنها كلها غير صحيحة ولا متواترة. فجوابه: أن يقال: هذا من مجازفات ابن محمود، وما زعمه من الحقيقة فهو خلاف الحقيقة بلا شك؛ لأن أحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وهذا القول هو الصحيح المطابق للحقيقة، وقد قرر ذلك غير واحد من العلماء كما سأذكره -إن شاء الله تعالى- وصرح بعضهم أنها متواترة، وقد تقدم إيراد تسعة أحاديث من الصحاح والحسان بأسانيدها الثابتة فلتراجع (١)،ففيها أبلغ رد على الحقيقة التي زعمها ابن محمود، وقد صحح الترمذي منها حديث ابن مسعود وحديث أبي هريرة، وحسَّن حديث أبي سعيد، وصحح ابن حبان والحاكم وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والذهبي حديث ابن مسعود. وصحح ابن حبان وابن القيم أيضًا حديث أبي هريرة، وصحح ابن خزيمة وابن حبان والحاكم والذهبي حديث أبي سعيد، وصححه الحاكم والذهبي أيضًا من وجهين آخرين، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد": "رواه أحمد بأسانيد وأبو يعلي ورجالهما ثقات"، وقد أقرَّه الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني؛ لكونهما قد حررا مجمع الزوائد مع الهيثمي، وقال ابن القيم: "رواه أبو داود، وإسناده جيد"، وقال شمس الحق العظيم آبادي في حديث علي ﵁ المرفوع: "سنده حسن قوي"، وقال الهيثمي في حديث آخر عن أبي هريرة: "رجاله ثقات"، وأقره على ذلك زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وصحح الحاكم والذهبي حديث علي الموقوف.

стр. 39

وصحح ابن حبان حديث أم سلمة، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"، وأقره الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وقال ابن القيم فيه: "إنه حسن، ومثله مما يجوز أن يقال فيه صحيح"، وقال ابن القيم أيضًا في حديث جابر، الذي رواه الحارث ابن أبي أسامة: "إسناده جيد"، وصحح الحاكم والذهبي حديث أبي هريرة في ذكر السفياني والمهدي، وقال أبو جعفر العقيلي: "في المهدي أحاديث جياد" ذكر ذلك في ترجمة علي بن نفيل الحراني، وقال في ترجمة زياد بن بيان الرقي: "وفي المهدي أحاديث صالحة الأسانيد، أن النبي ﷺ قال: «يخرج مني رجل - ويقال من أهل بيتي - يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي» ". انتهى، ونقل أبو عبد الله القرطبي في "التذكرة" عن الحاكم أنه قال: "الأحاديث عن النبي ﷺ في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتة، أصح من هذا الحديث، فالحكم لها دونه". انتهى، قال ذلك في رده لحديث أنس ﵁ الذي رواه ابن ماجة من طريق محمد بن خالد الجندي وفيه: "ولا مهدي إلا عيسى ابن مريم» "، وقد نقل ابن القيم في كتابه "المنار المنيف" عن البيهقي أنه قال: "الأحاديث على خروج المهدي أصح إسنادًا"، ونقله أيضًا الحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيب الكمال"، والحافظ ابن حجر العسقلاني في "تهذيب التهذيب" في ترجمة محمد بن خالد الجندي عن البيهقي أنه قال: "الأحاديث في التنصيص على خروج المهدي أصح إسنادًا"، قال المزي: "وفيها بيان كونه من عترة النبي ﷺ ". انتهى، وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية في رده على الرافضي: "الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة"، وقد أورد الذهبي كلام شيخ الإسلام فيما انتقاه من المنهاج وأقره، وقال ابن حجر الهيتمي في "القول المختصر": "الذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة من وجود المهدي المنتظر، الذي يخرج الدجال وعيسى في زمانه، ويصلي عيسى خلفه"، وقال الشوكاني: "الأحاديث الواردة في المهدي، التي أمكن الوقوف عليها منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر". وقال صديق بن حسن في كتابه "الإذاعة": "أحاديث المهدي عند الترمذي وأبي داود وابن ماجة والحاكم والطبراني وأبي يعلي الموصلي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة، فتعرض المنكرين لها ليس كما ينبغي، والحديث يشد بعضه بعضًا، ويتقوى أمره بالشواهد والمتابعات، وأحاديث المهدي بعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف، وأمره مشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار، وأنه لا بد في آخر

стр. 40

الزمان من ظهور رجل من أهل البيت النبوي، يؤيد الدين ويظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على إثره، وأن عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله -إلى أن قال: وقد جمع السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير اليماني الأحاديث القاضية بخروج المهدي، وأنه من آل محمد ﷺ وأنه يظهر في آخر الزمان، ثم قال: ولم يأت تعيين زمنه إلا أنه يخرج قبل خروج الدجال". انتهى، فهذا ما وقفت عليه من أقوال العلماء الذين صححوا أحاديث المهدي، وفي أقوالهم أبلغ رد على من جازف وزعم أن أحاديث المهدي غير صحيحة. وأما القول بأنها متواترة فقد صرح به غير واحد من العلماء، وقد تقدم قول أبي الحسين محمد بن الحسين الآبري في كتاب "مناقب الشافعي": "إنها قد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله ﷺ بذكر المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأن عيسى يخرج فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه". انتهى. وقد نقله عنه جماعة من أكابر العلماء وأقروه، منهم أبو عبد الله القرطبي في "التذكرة"، وابن القيم في كتابه "المنار المنيف"، والحافظ أبو الحجاج المزي في "تهذيب الكمال" في ترجمة محمد بن خالد الجندي الصنعاني، والحافظ ابن حجر في "باب نزول عيسى ابن مريم ﵉" من "فتح الباري"، ونقله أيضًا في "تهذيب التهذيب" في ترجمة محمد بن خالد الجندي، والحافظ السخاوي في "فتح المغيث"، والسيوطي في "أخبار المهدي" وغيرهم. وقال جعفر الحسني الإدريسي الشهير بالكتاني في كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر": "وقد نقل غير واحد عن الحافظ السخاوي أنها متواترة"، والسخاوي ذكر ذلك في "فتح المغيث"، ونقله عن أبي الحسين الآبري، وفي تأليف لأبي العلاء إدريس بن محمد بن إدريس الحسيني العراقي في المهدي أن أحاديثه متواترة أو كادت قال: "وجزم بالأول غير واحد من الحفاظ النقاد"، وفي شرح الرسالة للشيخ جسوس ما نصه: "ورد خبر المهدي في أحاديث ذَكَرَ السخاوي أنها وصلت إلى حد التواتر"، وفي "شرح المواهب" نقلا عن أبي الحسين الآبري في "مناقب الشافعي" قال: "تواترت الأخبار أن المهدي من هذه الأمة، وأن عيسى يصلي خلفه"، وفي "مغاني

стр. 41

الوفاء بمعاني الاكتفاء" قال الشيخ أبو الحسين الآبري: "قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ بمجيء المهدي، وأنه سيملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا". وتتبع ابن خلدون في مقدمته طرق أحاديث خروجه مستوعبًا لها على حسب وسعه، فلم تسلم له من علة، لكن ردوا عليه بأن الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا تبلغ حد التواتر، وللقاضي العلامة محمد بن علي الشوكاني اليمني رسالة سماها "التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح"، قال فيها: "والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرة أيضًا لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك". انتهى، وانظره فقد ذكر أحاديثه وتكلم عليها. وفي الصواعق لابن حجر الهيتمي ما نصه: "قال أبو الحسين الآبري: قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى ﷺ بخروج المهدي، وأنه من أهل بيته، وأنه يملك سبع سنين، وأنه يملأ الأرض عدلا، وأنه يخرج مع عيسى -صلى الله على نبينا وعليه-، فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين، وأنه يؤم هذه الأمة، ويصلي عيسى خلفه". انتهى، ومثله له في "القول المختصر في علامات المهدي المنتظر"، إلا أنه عبر عن أبي الحسين المذكور ببعض الأئمة، ونصه: "قال بعض الأئمة: قد تواترت الأخبار ...... " إلى آخر ما مر عنه في الصواعق، وقال قبله بيسير ما نصه: "قال بعض الأئمة الحفاظ: إن كونه؛ أي المهدي من ذريته ﷺ قد تواتر عنه ﷺ "، ثم قال جعفر الحسني الإدريسي: "ولولا مخافة التطويل لأوردت ههنا ما وقفت عليه من أحاديثه؛ لأني رأيت الكثير من الناس في هذا الوقت يتشككون في أمره، ويقولون يا ترى هل أحاديثه قطعية أم لا؟! وكثير منهم يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده، مع أنه ليس من أهل هذا الميدان، والحق الرجوع في كل فن لأربابه". انتهى كلام الإدريسي. وقال السفاريني في كتابه "لوائح الأنوار البهية": "وقد كثرت الروايات بخروجه؛ يعني المهدي، حتى بلغت حد التواتر المعنوي، وشاع ذلك بين علماء السنة، حتى عُدَّ من معتقداتهم .... إلى أن قال: وقد روي عن بعض الصحابة بروايات متعددة،

стр. 42

وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعة العلم القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم، ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة". انتهى. وقال السفاريني أيضًا: "قال بعض حفاظ الأمة وأعيان الأئمة: إن كون المهدي من ذريته ﷺ مما تواتر عنه ذلك، فلا يسوغ العدول عنه ولا الالتفات إلى غيره". انتهى. وقال محمد البرزنجي في كتابه "الإشاعة": "أحاديث وجود المهدي وخروجه آخر الزمان، وأنه من عترة رسول الله ﷺ من ولد فاطمة ﵂ بلغت حد التواتر المعنوي، فلا معنى لإنكارها". انتهى. وقال الشوكاني: "الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترة، والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم متواترة". انتهى. وقال صديق بن حسن في كتابه "الإذاعة": "الأحاديث الواردة فيه -أي في المهدي- على اختلاف رواياتها كثيرة جدًا، تبلغ حد التواتر، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام، من المعاجم والمسانيد". وقال صديق أيضًا ما ملخصه: "لا شك أن المهدي يخرج في آخر الزمان، لما تواتر من الأخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الأمة خلفًا عن سلف، إلا من لا يعتد بخلافه .... إلى أن قال: لا معنى للريب في أمر الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلة، بل إنكار ذلك جرأة عظيمة في مقابلة النصوص المستفيضة المشهورة البالغة إلى حد التواتر". انتهى، وفيما ذكرته من أقوال أهل العلم أبلغ رد على من زعم أن أحاديث المهدي غير متواترة. وقال ابن محمود في صفحة (٤) وصفحة (٥): "فإن قيل: كيف عرفتم أن هذه الأحاديث الكثيرة المسندة والمسلسلة عن عدد من الصحابة بأنها مختلقة، وهي في سنن أبي داود، والترمذي، وابن ماجة، ومسند الإمام أحمد، والحاكم وغيرها من الكتب. فالجواب أن هذه الأحاديث الكثيرة التي تبلغ خمسين حديثًا في المهدي عند أهل السنة، بعضها يزعمونها صحاحًا وبعضها من الحسان وبعضها من الضعاف، وقد بلغت ألف ومائتي حديث عند الشيعة، والمهدي واحد وليس باثنين، تنازعته أفكار الشيعة وأفكار أهل السنة، فهذه الأحاديث هي التي أخذت بمجامع قلوب الأكثرين من علماء أهل السنة على ما قيل، والقوة للكاثر، على أن الكمية لا تغني

стр. 43

عن الكيفية شيئًا، وأكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضًا، وقليل منهم المحققون، فإن المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين قد أخضعوا هذه الأحاديث للتصحيح والتمحيص والجرح والتعديل، فأدركوا فيها من الملاحظات ما يوجب عليهم ردها وعدم قبولها لأمور؛ منها أن النبي ﷺ بُعث بدين كامل وشرع شامل، مبني على جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المضار وتقليلها، ومن المعلوم أن اعتقاد المهدي والقول بصحة خروجه يترتب عليه من المضار والمفاسد الكبار، ومن إثارة الفتن وسفك دماء الأبرياء، ما يشهد بعظمته التاريخ المدروس والواقع المحسوس، من كل ما يبرأ النبي ﷺ عن الإتيان به، إذ الدين كامل بدونه". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: من أكبر الخطأ وأعظم الجراءة تَهجُّم ابن محمود على الأحاديث التي وردت في المهدي، ورواها الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم وغيرهم وزعمه أنها مختلقة. والجواب عن هذه الكلمة البشعة أن نقول: "سبحانك هذا بهتان عظيم"، أما يكون عند الرجل ورع يحجزه عن الاستخفاف بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، أما يخشى أن يحشر في زمرة المكذبين للرسول ﷺ . الوجه الثاني: أن يقال: قد تقدم إيراد الأحاديث الثابتة في المهدي (١)، وذكر أسانيدها الجيدة ليكون طالب الحق على بصيرة من ثبوتها، وليعلم كل منصف أنه لا يردها ويتهاون بها إلا من هو جاهل أو مكابر. الوجه الثالث: أن يقال: ليس في أحاديث المهدي شيء مسلسل، ومن زعم أنها مسلسلة فلا شك أنه لا يدري ما المسلسل، وقد قال البيقوني في تعريف المسلسل: مسلسل قل ما على وصف أتى ... مثل أما والله أنبأني الفتى كذاك قد حدثنيه قائمًا ... أو بعد أن حدثني تبسمًا وقال ابن الصلاح في كتابه "معرفة علوم الحديث": "التسلسل من نعوت الأسانيد، وهو عبارة عن تتابع رجال الإسناد وتواردهم فيه واحدًا بعد واحد على صفة أو حالة واحدة". انتهى. والمسلسلات كثيرة ومن أشهرها المسلسل بالأولية؛ وهو أن يقول كل راو حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه، ومن المسلسلات أيضًا مسلسل الحنابلة؛

стр. 44

وهو أن يقول كل راو حدثني فلان الحنبلي حتى ينتهي إلى الإمام أحمد، إلى غير ذلك من المسلسلات المعروفة عند المحدثين. وأما قوله: عن أهل السنة أنهم يزعمون أن بعض أحاديث المهدي صحاح، وبعضها من الحسان، وبعضها من الضعاف. فجوابه: أن يقال: إن قول أهل السنة في هذا هو الحق، وما خالفه فهو باطل وضلال. وأما قوله: وقد بلغت ألف ومائتي حديث عند الشيعة. فجوابه: أن يقال: قد لحن ابن محمود في قوله: "بلغت ألف" حيث رفع المفعول به، وصوابه "بلغت ألفا". وأما قوله: والمهدي واحد وليس باثنين. فجوابه: أن يقال: أما صفة المهدية فليست خاصة برجل واحد؛ لأن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا ﵃ كانوا أئمة راشدين مهديين بنص رسول الله ﷺ ، وعمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى- كان إمامًا راشدًا مهديًا بإجماع أهل العلم، وكل إمام أظهر القسط والعدل وعمل بالكتاب والسنة فهو من الراشدين المهديين. وأما المهدي الذي جاءت بذكره الأحاديث الكثيرة، وأنه يخرج في آخر الزمان، فهو أحد الخلفاء الراشدين المهديين، وهو من أهل بيت النبي ﷺ ، ومن ذرية الحسن بن علي ﵄، كما جاء ذلك في بعض الأحاديث، وإنما وصف بالمهدي في بعض الأحاديث لأنه يعمل بالسنة ويملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورًا وظلمًا. وأما قوله: تنازعته أفكار الشيعة وأفكار أهل السنة. فجوابه: أن يقال: إن الأمور الغيبية لا دخل للأفكار فيها، قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وإنما تعلم الأمور الغيبية بخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه-، وقد أخبر ﷺ بخروج المهدي في آخر الزمان في عدة أحاديث، بعضها من الصحاح وبعضها من الحسان، فصدقه أهل الإيمان وأبي ذلك أهل الريب والخذلان. وأهل السنة لم يعتمدوا في إثبات خروج المهدي في آخر الزمان على أفكارهم كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما اعتمدوا على الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.

стр. 45

وأما الذين ادعوا لأنفسهم المهدية كذبًا وزورًا، مثل ابن التومرت ومهدي القرامطة وأضرابهم من الكذابين، أو ادعاها فيهم غيرهم، مثل دعوى الرافضة في محمد بن الحسن العسكري، ودعوى الفئة الباغية التي ألحدت في المسجد الحرام في أول سنة ١٤٠٠ من الهجرة أن واحدًا منهم هو المهدي، فكل هؤلاء لم يدعوا المهدية اعتمادًا علي مجرد الأفكار وإنما تعلقوا بالأحاديث التي جاءت في ذكر المهدي، فأخطئوا في تطبيقها على من ليس لها بأهل وضلوا وأضلوا، وتعلق هؤلاء وأضرابهم بالأحاديث الواردة في المهدي لا يؤثر في ثبوت الأحاديث الواردة فيه، ولا يكون طعنًا فيها كما قد يتوهمه بعض الجهال، الذين قل نصيبهم من العلم النافع، وإنما يكون الطعن في الذين يدعون ما ليس لهم بحق، ويتعلقون بالأحاديث التي لم ترد فيهم، أو يدعون ذلك فيمن افتتنوا به، ويتعلقون بالأحاديث التي لم ترد فيه. وأما قوله: فهذه الأحاديث هي التي أخذت بمجامع قلوب الأكثرين من أهل السنة. فجوابه: أن يقال: إن أهل السنة لا يلحقهم لوم إذا آمنوا بما ثبت عن النبي ﷺ في شأن المهدي المنتظر، واعتقدوا أن ذلك حق وقابلوه بالقبول والتسليم، قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾، وإنما يكون اللوم كل اللوم لمن خالف الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ولم يبال بردها وإطراحها، وقد قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- في قول الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾ "، وقد تقدم قوله: "من رد أحاديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة"، وقوله أيضًا: "كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى- ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ "، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، فدلت الآية الكريمة على أنه لا بد من أحد أمرين لا ثالث لهما؛ إما الاستجابة للرسول ﷺ وذلك بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وتصديق أخباره،

стр. 46

وإما اتِّباع الهوى، ومن رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فهو ممن اتبع هواه بغير هدي من الله. وأما قوله: على حد ما قيل والقوة للكاثر. فجوابه: أن يقال: أما أهل السنة فإنهم لم يغتروا بكثرة الأحاديث الواردة في المهدي وإنما اعتمدوا على الصحاح والحسان منها، وما سوى ذلك مما تكلم العلماء في إسناده فإنما يذكرونه للاستشهاد لا للاعتماد، وأما الذين حادوا عن طريق أهل السنة واستحسنوا أفكار الغربيين وأذناب الغربيين ومن يتشبه بهم ويحذو حذوهم من متشدقة العصريين، فهؤلاء هم الذين انجرفوا مع تيار الآراء والأفكار العصرية، واغتروا بالكثرة الكاثرة من أقوال من هبَّ ودبَّ، وبعد فإن القوة لله ولمن كان الله معه، والقوة في الأقوال لكلمة الحق ولو قل ناصروها، قال الله -تعالى-: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. وأما قوله: على أن الكمية لا تغني عن الكيفية شيئًا. فجوابه: أن يقال قد اجتمع في أحاديث المهدي كثرة الكمية وقوة الكيفية في بعضها، فأما كثرة الكمية فقد ذكر الشوكاني أن الذي أمكن الوقوف عليه منها خمسون حديثًا وثمانية وعشرون أثرًا، قال: "وجميع ما سقناه بالغ حد التواتر كما لا يخفى على من له فضل اطلاع". انتهى منقولا من "تحفة الأحوذي"، وذكر غير واحد من العلماء أن أحاديث المهدي متواترة وقد تقدم ذكر ذلك قريبًا (١)، وأما قوة الكيفية فقد تقدم في أول هذا الكتاب إيراد روايات كثيرة من الصحاح والحسان التي وردت في المهدي (٢)، وتقدم قريبا (٣) ذكر العلماء الذين صححوا كثيرًا من أحاديث المهدي، فليراجع جميع ما تقدم، ففيه أبلغ رد على مزاعم ابن محمود. وأما قوله: وأكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضًا، وقليل منهم المحققون. فجوابه: أن يقال: إن قول ابن محمود هذا يعود عليه، فإنه قد قلَّد ابن خلدون في أوهامه التي قالها في أحاديث المهدي، وقلد الذين قلدوا ابن خلدون من المتأخرين؛ مثل رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، والمودودي وغيرهم من العصريين،

стр. 47

الذين تكلموا في أحاديث المهدي بغير علم، وزعموا أنها كلمة ضعيفة، بل إنه قد قلد بعض المستشرقين كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-، وقد زاد عليهم ابن محمود فزعم أنها كلمة مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة ونظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، هكذا جازف في رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾. وأما قوله: فإن المحققين من العلماء المتقدمين والمتأخرين قد أخضعوا هذه الأحاديث للتصحيح والتمحيص والجرح والتعديل، فأدركوا فيها من الملاحظات ما يوجب عليهم ردها وعدم قبولها، لأمور ....... إلى آخر كلامه الذي تقدم ذكره. فجوابه: أن يقال: أما المحدثون الذين هم علماء هذا الشأن والعارفون بصحيح الأخبار وضعيفها وعللها؛ كالإمام أحمد، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، فإنهم قد خرَّجوا بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وصحح الترمذي وابن حبان والحاكم والذهبي وابن القيم والهيثمي عدة طرق منها، وحسن الترمذي طرقًا أخرى منها، وحكم بصحة بعضها غير واحد من أكابر العلماء المحققين؛ ومنهم العقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، والذهبي، وكذلك الحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، فإنهما قد حررا "مجمع الزوائد" للهيثمي وأقراه على تصحيح ما صحح من الأحاديث، وتحسين ما حسن منها، ومن المتأخرين ابن حجر الهيتمي، والشوكاني، وصديق بن حسن وغيرهم، ولا أعلم عن أحد من العلماء المتقدمين أنه رد جميع أحاديث المهدي ولم يقبلها، وما نسبه ابن محمود إليهم فهو من مجازفاته وتقوُّله عليهم. وأما الفريق الآخر، وهم الذين تكلموا في أحاديث المهدي وحكموا بضعفها من غير استثناء شيء منها، فغالبهم من العصريين الذين لا يبالون برد الأحاديث الصحيحة، ولا سيما إذا خالفت أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من فلاسفة الغربيين وتلاميذهم، فهؤلاء هم الذين تهجموا على أحاديث المهدي وأخضعوها للرد والإطراح، ولم يفرقوا بين الصحيح منها والضعيف، وليسوا أهل تحقيق في الحديث

стр. 48

كما زعم ذلك ابن محمود، بل إنهم بعيدون كل البعد عن التحقيق، وكلهم عالة على ابن خلدون، فإنه أول من تكلم في أحاديث المهدي وتوسع في ذلك، ولم يستثن منها من النقد إلا القليل أو الأقل، وقد رد العلماء على ابن خلدون وخطئوه كما سيأتي بيان ذلك -إن شاء الله تعالى-. وهل يظن ابن محمود أنه ومتبوعيه كابن خلدون ورشيد رضا وأضرابه من العصريين، أعلم من الإمام أحمد بالحديث وعلله، وأعلم من أبي داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والعقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، وزين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، ونور الدين الهيثمي. كلا لا يستوي هؤلاء وأولئك، ولا شك أن البون بين الفريقين أبعد مما بين المشرق والمغرب. وأما قوله: لأمور منها أن النبي ﷺ بعث بدين كامل وشرع شامل، مبني على جلب المصالح وتكثيرها، ودفع المضار وتقليلها، ومن المعلوم أن اعتقاد المهدي والقول بصحة خروجه يترتب عليه من المضار والمفاسد الكبار، ومن إثارة الفتن وسفك دماء الأبرياء ما يشهد بعظمته التاريخ المدروس والواقع المحسوس، من كل ما يبرأ النبي ﷺ عن الإتيان به، إذ الدين كامل بدونه. فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: يظهر من كلام ابن محمود وملاحظاته التي أدركها في الأحاديث الواردة في خروج المهدي، أنه يرى أنه يترتب على إثباتها القول بنقصان الدين، وأن إكماله يكون على يد المهدي، وهذه الملاحظة لا يقولها من له أدنى عقل وعلم، وليس في أحاديث المهدي ما يشير إلى هذه الملاحظة البتة. الوجه الثاني: أن يقال: الذي يعتقده المسلمون في المهدي أنه يقيم القسط والعدل، ويزيل الجور والظلم، كما ثبت ذلك في عدة روايات، عن ابن مسعود وأبي سعيد وعلي ﵃ وتقدم ذكرها (١)، ولا يلزم على هذا الاعتقاد شيء من الملاحظات التي أدركها ابن محمود. الوجه الثالث: أنه لم يؤثر عن أحد من المسلمين أنه قال إن دين الإسلام ناقص وإن المهدي يأتي ليكمله، والذي يعتقده المسلمون أن الله -تعالى- قد أكمل الدين لهذه الأمة كما قال -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي

стр. 49

وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، ومن زعم أن الدين ناقص وأن المهدي يأتي ليكمله فليس بمسلم. الوجه الرابع: أن يقال: إن اعتقاد خروج المهدي في آخر الزمان، والقول بصحة بعض الأحاديث الواردة فيه، لا يترتب عليه شيء من المضار والمفاسد البتة، وإنما تترتب المضار والمفاسد على إنكار خروجه وتكذيب الأحاديث الثابتة فيه؛ لأن تكذيب الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ينافي الإيمان، قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾. وقد تقدم في أول الكتاب قول الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: "إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ فهو ثابت، ولا يترك لرسول الله ﷺ حديث أبدًا، إلا حديث وجد عن رسول الله ﷺ آخر يخالفه". وتقدم أيضًا قول الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ". وتقدم أيضًا قوله: "من رد أحاديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة"، وتقدم أيضًا قول ابن شاقلا: "من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل، موصولة بلا قطع في سندها ولا جرح في ناقليها، وتجرأ على ردها، فقد تهجم على رد الإسلام، لأن الإسلام وأحكامه منقولة إلينا بمثل ما ذكرت". وذكر القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" في ترجمة الحسن بن علي بن خلف أبي محمد البربهاري؛ وهو من أعيان العلماء في آخر القرن الثالث وأول القرن الرابع من الهجرة - أنه قال في كتابه "شرح السنة": "إذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها، أو ينكر شيئًا من أخبار رسول الله ﷺ ، فاتهمه على الإسلام، فإنه رجل رديء المذهب والقول، وإنما يطعن على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه؛ لأنا إنما عرفنا الله وعرفنا رسوله ﷺ وعرفنا القرآن وعرفنا الخير والشر والدنيا والآخرة بالآثار". وقال أيضًا: "ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله أو يرد شيئًا من آثار رسول الله ﷺ ، أو يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله، فقد وجب عليه أن تخرجه من الإسلام".

стр. 50

وقال أيضا: "من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد حديثًا عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم". وقال أيضا: "واعلم أنه ليس بين العبد وبين أن يكون كافرًا، إلا أن يجحد شيئًا مما أنزل الله، أو يزيد في كلام الله أو ينقص، أو ينكر شيئًا مما قال الله ، أو شيئًا مما تكلم به رسول الله ﷺ ". وقال أيضًا: "وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار، أو يرد الآثار، أو يريد غير الآثار، فاتهمه على الإسلام، ولا شك أنه صاحب هوى مبتدع". وقال أيضًا: "ومن جحد أو شك في حرف من القرآن، أو في شيء جاء عن رسول الله ﷺ ، لقي الله مكذبًا". انتهى ملخصًا مما ذكره "صاحب طبقات الحنابلة". الوجه الخامس: أن يقال: إن إثارة الفتن وسفك الدماء من بعض الذين ادعوا المهدية كذبًا وزورًا، لا يقدح في صحة الأحاديث الواردة في المهدي ولا يؤثر فيها، ونظير ذلك دعوى النبوة ممن ادعاها كذبًا وزورًا، وقاتل الناس على ذلك وأراق دماء المسلمين؛ مثل مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي، وسجاح، والمختار بن أبي عبيد، وغيرهم من الكذابين الدجالين، الذين كانت لهم شوكة واتباع، فكما لا يقول مسلم إن دعوى هؤلاء الدجالين للنبوة وما حصل منهم من المضار والمفاسد الكبار وسفك الدماء مما يشهد به التاريخ، لا تقدح في صحة الأدلة على نبوة النبي ﷺ وأنه خاتم الأنبياء، ولا تؤثر فيها، فكذلك لا يقول عاقل له أدنى علم ومعرفة أن دعوة المدعين للمهدية كذبًا وزورًا، تقدح في صحة الأحاديث الواردة في المهدي وتؤثر فيها. الوجه السادس: أن يقال من أبطل الباطل تبرئة النبي ﷺ مما ثبت عنه بنقل الثقات، ومن قال بهذا القول الباطل فلا شك أنه لا يدري ما يقول؛ لأن تبرئة النبي ﷺ مما ثبت عنه بنقل الثقات معناه التهجم على الأحاديث الصحيحة، ومقابلتها بالرد والإطراح. وقال ابن محمود في صفحة (٥): ومنها أن المهدي الذي يزعمون صحة خروجه، أن اسمه محمد بن عبد الله، وأن صفته أجلى الجبهة، أقنى الأنف، وهذه التسمية بهذه الصفة توجد بكثرة في الطوائف المنتسبين إلى الحسن والحسين، فلا تعطي يقينًا في التعيين، فمتى أتى من انطبعت فيه هذه الأوصاف وقال أنني أنا المهدي فعند

стр. 51

ذلك يقع المحذور من إثارة الفتنة، بين مصدق به ومكذب، وبين محب ومحارب، فيكون اعتقاده شقاء على العباد طول حياتهم؛ لوقوع الاشتباه فيه دائمًا، مما يتنافى مع الدين الذي جعله الله رحمة للخلق أجمعين، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان داخل في ضمن الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ من أشراط الساعة؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام-، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، والخسوف الثلاثة، وخروج النار التي تطرد الناس إلى محشرهم، فمن لم يؤمن بهذه الأمور أو بشيء منها فهو ممن يشك في إيمانه بالرسول ﷺ . الوجه الثاني: أن يقال: إن الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ من الأمور الغيبية لا يكون شقاء أبدًا ولا يتنافى مع الدين، وإنما الشقاء كل الشقاء في تكذيب ما أخبر به رسول الله ﷺ ، وهذا هو الذي يتنافى مع الدين على الحقيقة. الوجه الثالث: أن يقال: قد جاء في حديث أم سلمة ﵂ الذي تقدم ذكره، أنه يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من قريش من أهل المدينة إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام. فدل هذا على أن المهدي الذي يكون في آخر الزمان لا يتقدم بدعوى أنه المهدي ويطلب من الناس أن يبايعوه على ذلك، وإنما يخرجه الناس وهو كاره فيبايعونه، وقد جاء في حديث أبي سعيد ﵁ أن الأرض قبل بيعة المهدي تكون قد امتلأت ظلمًا وعدوانًا، فيملؤها قسطًا وعدلا. وجاء في حديث أبي هريرة ﵁ أن هذه الأمة تنعم في زمانه نعمة لم ينعموا مثلها؛ ترسل السماء عليهم مدرارًا، ولا تدخر الأرض شيئًا من النبات، والمال كدوس؛ يقوم الرجل يقول يا مهدي أعطني فيقول خذ. ومن كان هذه صفته فهو المهدي على الحقيقة، وبيعته تكون رحمة للناس؛ لأن الله -تعالى- يزيل الاختلاف والزلازل والبلابل والظلم والجور بسببه، ويبدل ذلك بالقسط والعدل والنعمة العظيمة التي ينعم بها المسلمون في زمنه. وهذا بخلاف الذين يدعون لأنفسهم المهدية كذبًا وزورًا، ويقاتلون الناس لطلب الرياسة وتحصيل الأغراض الدنيوية، فهؤلاء هم الذين يثيرون الفتن ويحصل بسببهم الشقاء على العباد.

стр. 52

الوجه الرابع: أن يقال: إن المهدي الذي يخرج في آخر الزمان لا يسمى مهديًا من أجل أنه من أهل بيت النبي ﷺ ، وأن اسمه محمد بن عبد الله، ولا من أجل كونه أجلى أقنى، وإنما يسمى مهديًا من أجل صلاحه وعمله بسنة النبي ﷺ ، ومطابقة خلقه لخلق النبي ﷺ ، ونشره للقسط والعدل، وإزالته للجور والظلم، ومن كانت أعماله بخلاف ما ذكرنا فليس بمهدي، ولو كان من أهل البيت النبوي، وكان اسمه محمد بن عبد الله، وكان أجلى أقنى؛ لأن هذه الأمور لا تفيده شيئًا إذا لم تكن أعماله مطابقة لما أخبر به رسول الله ﷺ عن المهدي. وقد كان المهدي العباسي مطابقًا في الاسم واسم الأب لاسم النبي ﷺ واسم أبيه، ومع هذا فلم يكن هو المهدي الذي أخبر النبي ﷺ بخروجه في آخر الزمان؛ لأن أعماله مختلفة عن أعمال الخلفاء الراشدين المهديين. وقال ابن محمود في صفحة (٦): "ومنها أنه من الأمر المحال أن يوجب النبي على أمته التصديق برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، وهو ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به والعمل بموجبه، ثم يترك أمته يتقاتلون على حساب تصديقه والتكذيب به، فإن هذا من الأمر المنافي لسنته وحكمة رسالته". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: كل ما أخبر به رسول الله ﷺ من أنباء الغيب مما مضى وما سيأتي فإنه يجب الإيمان به، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، ومن ذلك ما أخبر به عن الأمور التي تكون بعده إلى قيام الساعة كما جاء ذلك في عدة أحاديث صحيحة، ومن جملة ما أخبر به خروج المهدي في آخر الزمان، فيجب الإيمان بذلك تصديقًا لخبر النبي ﷺ ، كما يجب الإيمان بغير ذلك مما أخبر الصادق المصدوق -صلوات الله وسلامه عليه- أنه سيكون بعده، ومن آمن ببعض ما أخبر به رسول الله ﷺ ورد بعضه، فلا شك أنه فاسد العقيدة، وقد تقدم قول البربهاري أن من أنكر شيئًا من أخبار رسول الله ﷺ فإنه متهم على الإسلام، وإنه صاحب هوى مبتدع. الوجه الثاني: أن يقال: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا

стр. 53

مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله» [رواه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁]، وهذا الحديث من جوامع الكلم؛ فيدخل فيه جميع ما أمر به رسول الله ﷺ ، وما نهى عنه، وما أخبر به. فدل على أن من رد شيئا مما أخبر به رسول الله ﷺ فإنه حلال الدم والمال، ومن لم يؤمن بالأحاديث الثابتة في المهدي فلا شك أنه داخل في عموم هذا الحديث الصحيح، والله أعلم. الوجه الثالث: أن يقال: إن وجوب الإيمان بما أخبر النبي ﷺ أنه سيكون بعده، ليس مقصورًا على ما إذا أخبر عن ملك مقرب أو نبي مرسل، أو من يأتي بدين جديد كما زعم ذلك ابن محمود، بل كل ما أخبر به رسول الله ﷺ ؛ من أنباء الغيب مما مضى قبله، وما يأتي بعده إلى يوم القيامة، وما يكون بعد ذلك، إلى أن يدخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، فإنه يجب الإيمان به، وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة. الوجه الرابع: أن يقال: إن المحال على الحقيقة أن يخرج مهدي يكون ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلاً، أو يأتي بدين جديد يجب على ابن محمود الإيمان به والعمل بموجبه على حد زعمه، ويستثنى من ذلك عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام-، فإنه ينزل في آخر الزمان حكمًا عدلا، فيقتل الدجال ويحكم بالشريعة المحمدية، ولا يأتي بدين جديد، وهو أفضل المهديين بعد رسول الله ﷺ ، ولا ندري عن ابن محمود، هل يؤمن بنزول عيسى ﵊، أم أن نزوله وخروج المهدي عنده على حد سواء؟! وكذلك لا ندري، هل يؤمن بخروج الدجال، وأن عيسى يقتله، أم أنه لا يؤمن بذلك؟ فقد ذكر لنا أنه ينكر خروج الدجال، ونرجو أن لا يكون ذلك صحيحًا. الوجه الخامس: أن يقال: لو ادعى رجل أنه المهدي، وزعم أنه ملك مقرب أو نبي مرسل، لكان الواجب على المسلمين تكذيبه وقتاله؛ لأنه لا يدعي ذلك إلا من هو كذاب دجال، وكذلك لو ادعى رجل أنه المهدي، وزعم أنه أتى بدين جديد، فإنه يجب على المسلمين تكذيبه وقتاله؛ لأنه لا يدعي الإتيان بالدين الجديد إلا من هو كذاب دجال مدع للنبوة، وكذلك من زعم أن دين الإسلام ناقص، وأنه يريد أن يكمله، فلا شك أنه دجال كذاب كافر يجب تكذيبه وقتاله، وأما المهدي الذي أخبر النبي ﷺ بخروجه في آخر الزمان فطريقته طريقة غيره من أئمة العدل، الذين

стр. 54

يعملون بالكتاب والسنة، ويقومون بالقسط والعدل، ويزيلون الجور والظلم، فمن وصفه بصفات الملائكة أو الأنبياء أو غير ذلك من الصفات التي لا تليق به وبأمثاله من أئمة العدل، فقوله باطل مردود. الوجه السادس: أن يقال قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه»، ورواه الإمام أحمد وإسناده إسناد مسلم، وفي صحيح مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تذهب الأيام والليالي حتى يملك رجل يقال له الجهجاه»، ورواه الإمام أحمد والترمذي وإسناد كل منهما إسناد مسلم ولفظهما: «لا يذهب الليل والنهار حتى يملك رجل من الموالي يقال له جهجاه»، وروى الإمام أحمد ومسلم أيضًا، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثيًا لا يعده عدًا»، وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ نحوه. وهؤلاء كلهم رجال من بني آدم، وهم الآن في عالم الغيب، وسيخرجون إلى الوجود في آخر الزمان، وليسوا ملائكة مقربين ولا أنبياء مرسلين، ولا يأتون بدين جديد، فهل يصدق ابن محمود بخروجهم في آخر الزمان، أم أن خروجهم وخروج المهدي عنده على حد سواء؟! فإن حصل منه التصديق بخروجهم انتقض قوله في المهدي، وإن رد الأحاديث الواردة فيهم كما فعل ذلك في أحاديث المهدي، فتلك مكابرة واستهانة بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ . الوجه السابع: أن يقال: إن النبي ﷺ لم يأمر أمته بالتقاتل على التصديق بالمهدي والتكذيب به، ولم يأذن لهم في ذلك، بل إنه ﷺ نهى عن سفك الدماء بغير حق، وشدد في ذلك، فقال في خطبته يوم عرفة: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» [رواه مسلم وغيره] من حديث جابر بن عبد الله ﵄، وفي صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يوم النحر: «ألا أن الله حرَّم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ألا هل بلغت» قالوا: نعم، قال: «اللهم أشهد - ثلاثًا- ويلكم أو يحكم انظروا، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض»، وفي صحيح البخاري أيضًا عن

стр. 55

ابن عباس وأبي بكرة ﵃ عن النبي ﷺ نحوه. وهذا الزجر الشديد والنهي الأكيد عام لكل من تجرأ على سفك الدماء بغير حق، ومن ذلك القتال لتحصيل الرياسة بدعوى المهدية، كما قد وقع ذلك من أناس كثيرين؛ مثل المهدي العبيدي، وابن التومرت، وأضرابهما ممن جعل دعوى المهدية طريقًا إلى تحصيل الأغراض الدنيوية، فهؤلاء عصاة مرتكبون لنهي النبي ﷺ ، ومن زعم أن النبي ﷺ ترك أمته يتقاتلون على حساب التصديق بالمهدي والتكذيب به، فقد تقوَّل على النبي ﷺ ونسب إليه ما لم ينقل عنه. وقال ابن محمود في صفحة (٦): "ومنها أننا لسنا بأول من كذب بهذه الأحاديث، فقد أنكرها بعض العلماء قبلنا، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في "المنهاج" بعد ذكره لأحاديث المهدي: إن هذه الأحاديث في المهدي قد غلط فيها طوائف من العلماء، فطائفة أنكروها. مما يدل على أنها موضع خلاف من قديم بين العلماء، كما هو الواقع من اختلاف العلماء في هذا الزمان". والجواب: أن يقال: وهل يظن ابن محمود أن تقليده للذين غلطوا في إنكار الأحاديث الواردة في المهدي، يكون حجة مقبولة لا يمكن ردها ولا إنكارها، كلا فإن التقليد ليس بحجة، فضلا عن تقليد المخطئين في أخطائهم، فإن هذا مما يتنزه عنه كل عاقل. ويقال أيضًا: إن كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كاف في الرد على ابن محمود؛ لأنه قد صرَّح أن الطائفة التي أنكرت أحاديث المهدي قد غلطت في الإنكار، كما صرح في أول كلامه الذي لم ينقله ابن محمود، أن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة رواها أبو داود، والترمذي، وأحمد وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره، ثم ذكر عدة أحاديث عن ابن مسعود، وأم سلمة، وأبي سعيد، وعلي ﵃، ورد على الذين أنكروا هذه الأحاديث محتجين بحديث أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا مهدي إلا عيسى بن مريم»، قال: "وهذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد عليه". انتهى. وفي متابعة ابن محمود للطائفة التي أنكرت أحاديث المهدي، مع علمه بتغليط الشيخ تقي الدين لمن قال بهذا القول، دليل على سوء اختيار ابن محمود وقلة مبالاته برد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ .

стр. 56

وقال ابن محمود في صفحة (٦): "ومنها أن هذه الأحاديث لم يأخذها البخاري ومسلم ولم يدخلاها في كتبهما مع رواجها في زمنهما، وما ذاك إلا لعدم ثباتها عندهما، كما أنه ليس له ذكر في القرآن مما يقلل عدم الاحتفال بها". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن أول هذا الكلام مأخوذ من كلام رشيد رضا وأحمد أمين وآخره مأخوذ من كلام المستشرق دونلدسن، فأما رشيد رضا فقد قال في صفحة (٤٩٩) من الجزء التاسع من تفسيره المسمى تفسير المنار: "إن الشيخين لم يعتدا في صحيحيهما بشيء من أحاديث المهدي". وأما أحمد أمين فقال في صفحة (٢٣٧) من الجزء الثالث من كتابه "ضحى الإسلام": "ولم يرو البخاري ومسلم شيئًا من أحاديث المهدي، مما يدل على عدم صحتها عندهما". انتهى. وأما دونلدسن فإنه قد تعرض لذكر المهدي وما جاء في ظهوره في آخر الزمان، ثم قال: "ولما كان القرآن نفسه لم يرد فيه ما يؤيد هذه الفكرة كان من الضروري الالتجاء إلى الحديث لإثباتها، ومع هذا فبالنظر إلى عدم ذكر القرآن شيئًا عن المهدي وأن الأحاديث الواردة بشأنه كلها ضعيفة أو مشكوك فيها، فإن عقيدة المهدي لا تدخل في اعتقادات أهل السنة والجماعة". انتهى. وقد نقله عنه سعد محمد حسن في صفحة (٧٠) من كتابه "المهدية في الإسلام". وإذا علم هذا، فقد تقدم قريبًا (١) قول ابن محمود أن أكثر الناس مقلدة يقلد بعضهم بعضا وقليل منهم المحققون، فقد أثبت ههنا على نفسه أنه من المقلدة بل أنه قد قلد أناسًا ليسوا بأهل أن يقلدوا ويؤخذ عنهم. الوجه الثاني: أن يقال: إن الشيخين لم يستوعبا إخراج الأحاديث الصحيحة في صحيحيهما ولا التزما بذلك، وقد قال الحافظ ابن حجر في أول مقدمة فتح الباري: روى الإسماعيلي عنه -أي عن البخاري- أنه قال: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحا، وما تركت من الصحيح أكثر"، وقال أبو أحمد ابن عدي: سمعت الحسن بن الحسين البزار يقول: سمعت إبراهيم بن معقل النسفي يقول: سمعت البخاري يقول: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح حتى لا يطول"، وقال مسلم في صحيحه في آخر "باب التشهد في الصلاة": "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه"، وقال أبو عمرو

стр. 57

ابن الصلاح في كتابه "علوم الحديث": "أول من صنف الصحيح البخاري، وتلاه مسلم بن الحجاج وكتاباهما أصح الكتب بعد كتاب الله العزيز، إلى أن قال: أنهما لم يستوعبا الصحيح في صحيحيهما، ولا التزما ذلك؛ فقد روينا عن البخاري أنه قال: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحاح لحال الطول، وروينا عن مسلم أنه قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه، ثم ذكر ابن الصلاح أن المستدرك على الصحيحين للحاكم يشتمل مما فاتهما -أي الشيخين- على شيء كثير، قال: وإن يكن عليه في بعضه مقال، فإنه يصفو له منه صحيح كثير، قال: وقد قال البخاري: احفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح، قال ابن الصلاح: وجملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة، وقد قيل إنها بإسقاط المكررة أربعة آلاف حديث"، وفي حاشية "علوم الحديث" نقلاً عن ابن الصلاح أنه قال: "وهكذا صحيح مسلم هو نحو أربعة آلاف بإسقاط المكرر، فقد روينا عن أبي قريش الحافظ قال: كنت عند أبي زرعة الرازي، فجاء مسلم ابن الحجاج فسلم عليه، فلما أن قام قلت له: هذا جمع أربعة آلاف حديث في الصحيح، فقال: ولمن ترك الباقي". قال ابن الصلاح: "ثم إن الزيادة في الصحيح على ما في الكتابين يتلقاها طالبها مما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشتهرة لأئمة الحديث؛ كأبي داود السجستاني، وأبي عيسى الترمذي، وأبي عبد الرحمن النسائي، وأبي بكر ابن خزيمة، وأبي الحسن الدارقطني، وغيرهم منصوصًا على صحته فيها، ولا يكفي في ذلك مجرد كونه موجودًا في كتاب أبي داود وكتاب الترمذي وكتاب النسائي، وسائر من جمع في كتابه بين الصحيح وغيره، ويكفي مجرد كونه موجودًا في كتب من اشترط منهم الصحيح فيما جمعه؛ ككتاب ابن خزيمة، وكذلك ما يوجد في الكتب المخرجة على كتاب البخاري وكتاب مسلم؛ ككتاب أبي عوانة الاسفرائيني، وكتاب أبي بكر الإسماعيلي، وكتاب أبي بكر البرقاني، وغيرها من تتمة لمحذوف أو زيادة شرح في كثير من أحاديث الصحيحين. وكثير من هذا موجود في "الجمع بين الصحيحين" لأبي عبد الله الحميدي. واعتنى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بالزيادة في عدد الحديث الصحيح على ما في الصحيحين، وجمع ذلك في كتاب سماه "المستدرك" أودعه ما ليس في واحد من الصحيحين، مما رآه على شرط الشيخين قد أخرجا عن رواته في كتابيهما، أو على شرط البخاري وحده، أو على

стр. 58

شرط مسلم وحده، وما أدى اجتهاده إلى تصحيحه، وإن لم يكن على شرط واحد منهما وهو واسع الخطو في شرط الصحيح متساهل في القضاء به، فالأولى أن نتوسط في أمره فنقول ما حكم بصحته ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح فهو من قبيل الحسن يحتج به ويعمل به، إلا أن تظهر فيه علة توجب ضعفه، ويقاربه في حكمه صحيح أبي حاتم ابن حبان البستي ﵏ أجمعين-" انتهى كلام ابن الصلاح. وقال ابن كثير في كتابه "الباعث الحثيث": "ثم إن البخاري ومسلمًا لم يلتزما بإخراج جميع ما يحكم بصحته من الأحاديث، فإنهما قد صححا أحاديث ليست في كتابيهما، كما ينقل الترمذي وغيره عن البخاري تصحيح أحاديث ليست عنده بل في السنن وغيرها، قال: وقد خرجت كتب كثيرة على الصحيحين يؤخذ منها زيادات مفيدة وأسانيد جيدة؛ كصحيح أبي عوانة ,وأبي بكر الإسماعيلي، والبرقاني، وأبي نعيم الأصبهاني وغيرهم، وكتب أخر التزم أصحابها صحتها؛ كابن خزيمة، وابن حبان البستي، وكذلك يوجد في مسند الإمام أحمد من الأسانيد والمتون شيء كثير، مما يوازي كثيرًا من أحاديث مسلم بل والبخاري أيضًا وليست عندهما ولا عند أحدهما، بل ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الأربعة؛ وهم أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وكذلك يوجد في معجمي الطبراني الكبير والأوسط، ومسندي أبي يعلي والبزار وغير ذلك من المسانيد والمعاجم والفوائد والأجزاء، ما يتمكن المتبحر في هذا الشأن من الحكم بصحة كثير منه بعد النظر في حال رجاله وسلامته من التعليل المفسد، ويجوز له الإقدام على ذلك، وإن لم ينص على صحته حافظ قبله، موافقة للشيخ أبي زكريا يحيى النواوي، وخلافًا للشيخ أبي عمرو، وقد جمع الشيخ ضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي في ذلك كتابًا سماه "المختارة" ولم يتم، كان بعض الحفاظ من مشايخنا يرجحه على مستدرك الحاكم" انتهى كلام ابن كثير باختصار. وإذا علم هذا فنقول: إن إعراض البخاري ومسلم عن إخراج أحاديث المهدي في صحيحيهما، لا يدل على عدم ثباتها عندهما كما زعم ذلك ابن محمود، فكم من حديث صحيح عندهما ولم يخرجاه كما صرحا بذلك في الروايات التي تقدم ذكرها، وخصوصًا ما ذكره ابن الصلاح عن البخاري؛ أنه كان يحفظ مائة ألف حديث صحيح.

стр. 59

الوجه الثالث: أن يقال: ما صححه بعض أهل العلم بالحديث مما رواه غير الشيخين فهو كثير جدًا، وقد يكون أكثر مما في الصحيحين، وهو متلقى بالقبول عند أهل العلم. ومن أجمع الكتب للأحاديث الصحيحة بعد الصحيحين موطأ الإمام مالك، وفي مسند الإمام أحمد من الأحاديث الصحيحة شيء كثير جدًا، وكذلك في السنن الأربع، وقد ذكر الذهبي في "تذكرة الحفاظ" عن الشافعي أنه قال: "ما في الأرض كتاب في العلم أكثر صوابًا من موطأ مالك"، قال ابن كثير في كتابه "الباعث الحثيث": "قول الإمام الشافعي لا أعلم كتابًا في العلم أكثر صوابًا من كتاب مالك، إنما قاله قبل البخاري ومسلم"، وقال السيوطي في شرح الموطأ: "الصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء"، قال الشيخ أحمد محمد شاكر: "وهذا غير صواب، والحق أن ما في الموطأ من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله صحاح كلها، بل هي في الصحة كأحاديث الصحيحين، وأن ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها يعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها، مما تحويه الكتب الأخرى". انتهى. وقال أبو بكر بن داسه: "سمعت أبا داود يقول: كتبت عن رسول الله ﷺ خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمَّنته هذا الكتاب، وجمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه، وما كان فيه وهن شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض". انتهى. وذكر الذهبي في "تذكرة الحفاظ" عن أبي علي منصور بن عبد الله الخالدي قال: "قال أبو عيسى -يعني الترمذي-: صنفت هذا الكتاب- يعني الجامع- فعرضته على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم". انتهى. وقد كان الحاكم أبو عبد الله، والخطيب البغدادي يسميان كتاب الترمذي "الجامع الصحيح"، وكان أبو علي ابن السكن والخطيب البغدادي يقولان في سنن النسائي إنه صحيح، وفي هذا القول والذي قبله تساهل؛ لأن جامع الترمذي وسنن النسائي ليس كل أحاديثهما صحيحة، بل فيهما الصحيح والحسن والضعيف والمنكر، ففي إطلاق اسم الصحيح عليهما نظر، وقد يقال إن هذا الإطلاق من باب التغليب؛ لأن أكثر أحاديثهما صحاح وحسان، فيصح إطلاق اسم الصحيح عليهما من هذه الحيثية، والله أعلم.

стр. 60

وأما سنن ابن ماجة فقد ذكر الذهبي في "تذكرة الحفاظ" عن ابن ماجة أنه قال: "عرضت هذه السنن على أبي زرعة فنظر فيه، وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها، ثم قال: لعل لا يكون فيه تمام ثلاثين حديثًا مما في إسناده ضعف". انتهى، وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": "إن كتاب سنن ابن ماجة يشتمل على أربعة آلاف حديث كلها جياد سوى اليسيرة، وقد حكي عن أبي زرعة الرازي أنه انتقد منها بضعة عشر حديثًا، ربما يقال إنها موضوعة أو منكرة جدًا". انتهى. وإذا علم أن الأحاديث الصحيحة في غير الصحيحين كثيرة جدًا، وأن أهل العلم كانوا يتلقونها بالقبول وإن كانت في غير الصحيحين، فهل يقول عاقل له أدنى علم ومعرفة أنه يسوغ ردها أو رد شيء منها وعدم الاحتفال بها- أي عدم المبالاة بها- حيث لم يأخذ بها البخاري ومسلم ولم يدخلاها في صحيحيهما؟ لا أظن أن عاقلا يقول بهذا القول الباطل، وقد قال الله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". الوجه الرابع: أن يقال: إن بعض الأحاديث الواردة في المهدي قد رويت بالأسانيد الثابتة، وقد تقدم في أول الكتاب قول الإمام الشافعي: "إذا حدث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ فهو ثابت، ولا يترك لرسول الله ﷺ حديث أبدًا، إلا حديث وجد عن رسول الله ﷺ آخر يخالفه". وتقدم أيضًا قول الإمام أحمد: "كل ما جاء عن رسول الله ﷺ إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ". وتقدم أيضًا قول ابن شاقلا: "من خالف الأخبار التي نقلها العدل عن العدل، موصولة بلا قطع في سندها، ولا جرح في ناقليها، وتجرأ على ردها، فقد تهجم على رد الإسلام". وقال أبو محمد ابن حزم في كتاب "الأحكام": إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ﷺ يوجب العلم والعمل معًا". انتهى. وكلام العلماء في الإنكار على الذين يعارضون الأحاديث الصحيحة

стр. 61

وتشديدهم في ذلك كثير جدًا، وقد ذكرتُ طرفًا من ذلك في أول الرد على الزنديق المصري المدعو بصالح أبي بكر فليراجع هناك، ففيه أبلغ رد على من تجرأ على رد الأحاديث الثابتة في خروج المهدي، زاعمًا أنها غير ثابتة، وأنه لا يحتفل بها؛ أي لا يبالي بها لكونها ليست في الصحيحين. الوجه الخامس: أن يقال: قد جاءت الإشارة إلى المهدي في عدة أحاديث رواها الإمام أحمد ومسلم وغيرهما، وروى البخاري حديثًا منها، أولها حديث عائشة ﵂ قالت: عبث رسول الله ﷺ في منامه فقلنا: يا رسول الله صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله، فقال: «العجب إن ناسًا من أمتي يؤمون بالبيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم»، فقلنا: يا رسول الله، إن الطريق قد يجمع الناس، قال: «نعم فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل، يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى، يبعثهم الله على نياتهم» [رواه الإمام أحمد ومسلم] من حديث عبد الله بن الزبير عن عائشة ﵂ وهذا لفظ مسلم، ولفظ أحمد قالت: بينما رسول الله ﷺ نائم إذ ضحك في منامه ثم استيقظ، فقلت: يا رسول الله، مم ضحكت؟! قال: «إن أناسًا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش قد استعاذ بالحرم، فلما بلغوا البيداء خسف بهم، مصادرهم شتى، يبعثهم الله على نياتهم»، قلت: وكيف يبعثهم الله على نياتهم ومصادرهم شتى، قال: «جمعهم الطريق منهم المستبصر وابن السبيل والمجبور، يهلكون مهلكًا واحدًا، ويصدرون مصادر شتى»، وقد رواه البخاري في "كتاب البيوع" في "باب ما ذكر في الأسواق" من حديث نافع بن جبير بن مطعم قال: حدثتني عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «يغزو جيش الكعبة، فإذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم»، قالت: قلت: يا رسول الله، كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟! قال: «يخسف بأولهم وآخرهم ثم يبعثون على نياتهم». الحديث الثاني: روى مسلم من طريق جرير وهو ابن عبد الحميد الضبي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد الله بن القبطية، قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان وأنا معهما على أم سلمة أم المؤمنين، فسألاها عن الجيش الذي يخسف به، وكان ذلك في أيام ابن الزبير، فقالت: قال رسول الله ﷺ : «يعوذ عائذ بالبيت فيبعث إليه بعث، فإذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم»، فقلت:

стр. 62

يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهًا؟! قال: «يخسف به معهم ولكنه يبعث يوم القيامة على نيته»، وقال أبو جعفر: هي بيداء المدينة. حدَّثَنَاه أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا عبد العزيز بن رفيع بهذا الإسناد وفي حديثه قال: فلقيت أبا جعفر فقلت: إنها إنما قالت ببيداء من الأرض، فقال أبو جعفر كلا والله إنها لبيداء المدينة، وقد رواه الإمام أحمد عن جرير عن عبد العزيز بن رفيع فذكره بنحوه. ورواه أبو داود في "كتاب المهدي" من سننه فقال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد الله بن القبطية، عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ بقصة جيش الخسف، قلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهًا؟! قال: «يخسف بهم ولكن يبعث يوم القيامة على نيته» إسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه الإمام أحمد أيضًا من حديث الحسن -وهو البصري- عن أم سلمة ﵂ قالت: بينما رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيتي إذ احتفز جالسًا وهو يسترجع، فقلت: بأبي أنت وأمي، ما شأنك يا رسول الله تسترجع؟! قال: «جيش من أمتي يجيئون من قبل الشام، يؤمون البيت لرجل يمنعه الله منهم، حتى إذا كانوا بالبيداء من ذي الحليفة خسف بهم ومصادرهم شتى»، فقلت: يا رسول الله، كيف يخسف بهم جميعًا ومصادرهم شتى؟! فقال: «إن منهم من جبر، إن منهم من جبر» ثلاثًا، ورواه أيضًا من حديث الحسن عن أمه - واسمها خيرة مولاه أم سلمة - عن أم سلمة ﵂ فذكره بنحوه وإسناده حسن. وروى أيضًا من حديث يوسف بن سعد، عن عائشة ﵂ مثله، ومن حديث يوسف بن سعد، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ مثله، ولم يسق لفظه، بل أحال به على حديث أم سلمة ﵂، وقد أورد حديث الحسن عن أم سلمة ﵂ في مسند عائشة ﵂ من أجل هذه الرواية، وكل من الإسنادين جيد، رجاله كلهم ثقات. وروي أيضًا من حديث المهاجر المكي؛ وهو المهاجر بن القبطية، عن أم سلمة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ «يغزو جيش البيت حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم»، قالت: قلت: يا رسول الله، أرأيت المكره منهم؟! قال: «يبعث على نيته» إسناده جيد، رجاله كلهم ثقات. ورواه أيضا عن سفيان بن عيينه، عن ابن سوقة، عن نافع بن جبير، عن أم سلمة

стр. 63

-﵂ ذكر النبي ﷺ الجيش الذي يخسف بهم، فقالت أم سلمة ﵂: لعل فيهم المكره! فقال: «إنهم يبعثون على نياتهم» إسناده صحيح على شرط الشيخين، ورواه الترمذي عن نصر بن علي الجهضمي، حدثنا سفيان، عن محمد بن سوقة، فذكره بمثله، وقال هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي هذا الحديث عن نافع بن جبير، عن عائشة أيضًا عن النبي ﷺ . قلت: وروايته عن عائشة ﵂ قد رواها البخاري في صحيحه وتقدم ذكرها، ورواه ابن ماجة عن محمد بن الصباح، ونصر بن علي، وهارون بن عبد الله الحمال، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، فذكره بمثله، وإسناده صحيح، أما عن محمد بن الصباح، ونصر بن علي فهو على شرط الشيخين، وأما عن هارون بن عبد الله فهو على شرط مسلم. الحديث الثالث: روى مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أمية بن صفوان، سمع جده عبد الله بن صفوان يقول: أخبرتني حفصة أنها سمعت النبي ﷺ يقول: «ليؤمن هذا البيت جيش يغزونه، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض يخسف بأوسطهم، وينادي أولهم آخرهم ثم يخسف بهم، فلا يبقى إلا الشريد الذي يخبر عنهم»، فقال رجل أشهد عليك أنك لم تكذب على حفصة، وأشهد على حفصة أنها لم تكذب على النبي ﷺ ، ورواه الإمام أحمد عن سفيان بن عيينه، فذكره بنحوه، وإسناده إسناد مسلم. ورواه ابن ماجة عن هشام بن عمار، حدثنا سفيان بن عيينة، عن أمية بن صفوان بن عبد الله، فذكره بنحوه، وزاد بعد الحديث المرفوع، فلما جاء جيش الحجاج ظننا أنهم هم، إسناده صحيح على شرط البخاري، وفي رواية لمسلم عن يوسف بن ماهك، أخبرني عبد الله بن صفوان، عن أم المؤمنين، أن رسول الله ﷺ قال: «سيعوذ بهذا البيت- يعني الكعبة - قوم ليست لهم منعة ولا عدد ولا عدة، يبعث إليهم جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بهم»، قال يوسف وأهل الشام يومئذ يسيرون إلى مكة، فقال عبد الله بن صفوان: أما والله ما هو بهذا الجيش. الحديث الرابع: عن صفية أم المؤمنين ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت حتى يغزوه جيش، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم ولم ينج أوسطهم» قالت: قلت: يا رسول الله،

стр. 64

أرأيت المكره منهم! قال: «يبعثهم الله على ما في أنفسهم» رواه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجة، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. الحديث الخامس: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لا تنتهي البعوث عن غزو بيت الله تعالى حتى يخسف بجيش منهم» رواه الحاكم في مستدركه، وقال غريب صحيح، ووافقه الذهبي في تلخيصه. وهذه الأحاديث الخمسة التي روى البخاري حديثًا منها، وروى مسلم ثلاثة منها، تؤيد حديث أم سلمة الذي تقدم ذكره مع أحاديث المهدي في أول الكتاب (١)، وهو الحديث التاسع في ذكر مبايعة الرجل القرشي بمكة، وذكر الخسف بالجيش الذي يبعث إليه من الشام، وقد رواه أبو داود في "كتاب المهدي" من سننه، وروى معه عدة أحاديث من الأحاديث الواردة في المهدي، ومنها حديث أم سلمة ﵂ في قصة الجيش الذي يخسف به، والخسف المذكور في هذه الأحاديث الخمسة لم يقع إلى الآن، وسيقع في آخر الزمان إذا ظهر المهدي ودنا قيام الساعة، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني عن بقيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرد ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ على المنبر وهو يقول: «إذا سمعتم بجيش قد خسف به قريبًا فقد أظلت الساعة»، وفي رواية قالت: إني لجالسة في صفة النساء فسمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يشير بيده اليسرى، فقال: «يا أيها الناس إذا سمعتم بخسف ههنا قريب فقد أظلت الساعة»، قال الهيثمي: فيه ابن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجال أحد إسنادي أحمد رجال الصحيح. الحديث السادس: عن الجُريري - بضم الجيم واسمه سعيد بن إياس-، عن أبي نضرة -واسمه المنذر بن مالك بن قِطعة بكسر القاف وسكون الطاء المهملة، هكذا ضبطه الخزرجي في "الخلاصة"، وضبطه الحافظ ابن حجر في "تقريب التهذيب" بضم القاف وفتح الطاء المهملة العبدي- قال: كنا عند جابر بن عبد الله ﵄ فقال: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر أمتي خليفة يحثو المال حثوًا لا يعده عدا»، قال الجريري: فقلت لأبي نضرة وأبي العلاء أتريانه عمر بن عبد العزيز؟ فقالا: لا. رواه الإمام أحمد ومسلم، وإسناد أحمد أحد إسنادي مسلم. الحديث السابع: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول

стр. 65

الله ﷺ : «من خلفائكم خليفة يحثي المال حثيًا لا يعده عدًا» رواه الإمام أحمد ومسلم، وإسناد أحمد أحد إسنادي مسلم، وفي رواية لأحمد: «يكون في آخر الزمان خليفة يعطي المال ولا يعده عدًا» إسناده صحيح على شرط مسلم، وفي رواية له قال: «ليبعثن الله في هذه الأمة خليفة يحثي المال حثيا ولا يعده عدًا» إسناده حسن. الحديث الثامن: عن أبي نضرة، عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : «يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعده» رواه الإمام أحمد ومسلم، وإسناد أحمد إسناد مسلم. وهذه الأحاديث الثلاثة التي رواها مسلم مطابقة لما جاء في بعض الروايات عن أبي سعيد الخدري ﵁ في ذكر المهدي، وفيها: «ويكون المال كدوسًا، قال: يجيء الرجل، فيقول: يا مهدي أعطني أعطني، قال: فيحثي له في ثوبه ما استطاع أن يحمل»، وفي رواية أخرى عن أبي سعيد ﵁ في ذكر المهدي: «أنه يقسم المال بالسوية بين الناس، حتى يأمر مناديًا فينادي فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلا رجل، فيقول: ائت السدان؛ يعني الخازن، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالا، فيقول له: احث» الحديث، وقد تقدم ذكره (١)، وتقدم أيضًا (٢) حديث أبي هريرة ﵁ في ذكر المهدي، وفيه: «والمال كدوس، يقوم الرجل يقول: يا مهدي أعطني، فيقول: خذ»،فهذه الروايات التي جاءت في صفة المهدي مطابقة لصفة الخليفة الذي جاء ذكره في الأحاديث الصحيحة عن أبي سعيد وجابر، وأنه يكون في آخر الزمان، وأنه يحثو المال حثوًا لا يعده عدًا، وهذه الصفة لم توجد في أحد ممن مضي من الخلفاء والملوك والأمراء، وإنما تكون في المهدي الذي يخرج في آخر الزمان. وأما قول ابن محمود: كما أنه ليس له ذكر في القرآن، مما يقلل عدم الاحتفال بها. فجوابه: أن يقال: لو كان عدم ذكر الشيء في القرآن يقلل الاحتفال بالأحاديث الواردة فيه - أي يقلل المبالاة بها- لذهبت السنة أو أكثرها، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ

стр. 66

هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والدارمي، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وأبو بكر الآجري في كتاب الشريعة، من حديث المقدام بن معد يكرب الكِندي ﵁، وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي. وقد أخبر النبي ﷺ عن بعض الأنبياء وغيرهم من الماضين بقصص لم تذكر في القرآن، وأخبر أيضًا عما سيكون بعده إلى قيام الساعة، وعما يكون بعد ذلك إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وما يكون بعد ذلك، وكثير مما أخبر به لم يذكر في القرآن، وكذلك الصلاة والزكاة والحج، فإنها لم تذكر في القرآن على وجه التفصيل، وإنما ذكرت فيه على وجه الإجمال، وجاء تفصيل أحكامها في السنة، وكذلك أكثر الأحكام، فإن بعضها لم يذكر في القرآن، وبعضها قد ذكر فيه على وجه الإجمال، وفصلت أحكامه في السنة، وقد تلقى أهل العلم ما ثبت من ذلك بالقبول والتسليم، ولا أعلم أحدًا قبل ابن محمود توقف عن قبول الأحاديث التي رواها الثقات عن الثقات، وقال إنه لا يحتفل بها - أي لا يبالي بها- من أجل أن ذلك لم يذكر في القرآن، فهذا قول باطل أحدثه ابن محمود وهو مردود عليه. وأما قوله: مما يقلل عدم الاحتفال بها. فجوابه: أن يقال: إن كلام ابن محمود ينقض بعضه بعضًا؛ لأنه إذا قلَّ عدم الاحتفال بأحاديث المهدي- أي قلَّ عدم المبالاة بها-، فإنها تصير إذا مما يحتفل به - أي مما يبالي به- والظاهر من كلام ابن محمود أنه أراد أن يقول: مما يقلل الاحتفال بها. فزاد قوله "عدم" فانعكس مراده، وصار كلامه متناقضًا. وقال ابن محمود في صفحة (٦) وصفحة (٧): "ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها في موضوعها، فمهدي اسمه اسم الرسول واسم أبيه اسم أبيه، ومهدي اسمه أبو عبد الله، ومهدي يشبه الرسول في الخُلُق ولا يشبهه في الخَلق، ومهدي يصلحه الله في ليلة، ورجل يخرج هاربًا من المدينة إلى مكة فيبايع له بين الركن والمقام، ورجل اسمه الحارث بن حران يوطِّئ أو يمكن لآل محمد، ورجل يخرج من وراء النهر، ورجل يبايع له بعد وقوع فتنة عند موت خليفة، ورجل أخواله كلب وتأتيه الرايات السود من قبل العراق وأبدال الشام، ومهدي يصلي عيسى ابن مريم

стр. 67

خلفه، ومهدي يقال له بحضرة نبي الله عيسى: صلِّ أيها الأمير، فيقول: كل إنسان أمير نفسه تكرمة الله لهذه الأمة، فهذه وما هو أكثر منها مما جعلت المحققين من العلماء يوقنون بأنها موضوعة على لسان رسول الله، وأنها لم تخرج من مشكاة نبوته، وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: أما أول هذا الكلام فهو مأخوذ من كلام رشيد رضا في تفسير المنار، وقد نقله ابن محمود بالمعنى، وغير عبارته وأسلوبه بعبارة وأسلوب أبسط منه؛ ليوهم أنه لم يقلد أحدًا في كلامه، وأما آخره فهو مأخوذ من كلام محمد فريد وجدي في دائرة المعارف، وهذا ملخص كلام رشيد رضا، قال في صفحة (٤٩٩) من الجزء التاسع من تفسير المنار: "وأما التعارض في أحاديث المهدي فهو أقوى وأظهر، والجمع بين الروايات فيها أعسر، والمنكرون لها أكثر، والشبهة فيها أظهر، ولذلك لم يعتد الشيخان بشيء من رواياتها في صحيحيهما". إلى أن قال في صفحة (٥٠١): "ولأجل ذلك كثر الاختلاف في اسم المهدي، ونسبه، وصفاته، وأعماله". ثم قال في صفحة (٥٠٣): "فهذا نموذج من تعارض الروايات وتهافتها في المهدي". انتهى. وأما محمد فريد وجدي، فقال في صفحة (٤٨١) من الجزء العاشر من دائرة المعارف: "وقد ضعف كثيرون من أئمة المسلمين أحاديث المهدي، واعتبروها مما لا يجوز النظر فيه". انتهى. وأما ما سوى كلام رشيد رضا ومحمد فريد وجدي، فكله من تهويل ابن محمود وتلبيسه على الجهال، وقد جعل اسم المهدي متعددًا على أحد عشر رجلا، وهذه الكثرة التي زعمها ابن محمود ترجع في الحقيقة إلى أربعة، أحدهم المهدي الذي أخبر النبي ﷺ بخروجه في آخر الزمان، وهو الذي تدور عليه جميع الأحاديث الثابتة في المهدي كما سيأتي بيانه -إن شاء الله تعالى-. والثاني الحارث الحراث؛ الذي يخرج من وراء النهر يوطِّئ لآل محمد. والثالث الذي أخواله كلب؛ وهو عدم المهدي. والرابع الذي يقال له أبو عبد الله وهذه الكنية ليست للمهدي، وإنما هي من دعاوي الرافضة في مهديهم المزعوم الذي ليس له وجود بالكلية. الوجه الثاني: أن يقال: ليس بين الأحاديث الثابتة في المهدي تناقض ولا تعارض البتة، ومن ادعى التناقض والتعارض بينها فإنه لا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون

стр. 68

جاهلا بالأحاديث الثابتة في المهدي، وإما أن يكون مكابرًا في ردها، وهذا هو الظاهر من حال المردود عليه؛ فإنه قد كابر في ردها، وأورد المكابرة بطريق المغالطة. الوجه الثالث: أن يقال: قد جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أن اسم المهدي يواطئ اسم النبي ﷺ ، وأن اسم أبيه يواطئ اسم أبي النبي ﷺ ، وجاء في حديث حسن الإسناد عن علي ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «المهدي منا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة»، وجاء في حديث صحيح عن أم سلمة ﵂ عن النبي ﷺ قال: «يكون اختلاف عند موت خليفة، يخرج رجل من قريش من أهل المدينة إلى مكة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام» الحديث، وفيه: «أنه يأتيه أهل الشام وعصائب من أهل العراق فيبايعونه»، وجاء في حديث جيد الإسناد عن جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة»، وروى ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «يخرج رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، وخلقه خلقي، فيملؤها قسطًا وعدلا كما ملئت ظلمًا وجورًا»، وروى أبو داود في سننه بإسناد فيه ضعف عن علي ﵁ أنه نظر إلى ابنه الحسن فقال: «إن ابني هذا سيدكما سماه النبي ﷺ وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخُلُق ولا يشبهه في الخلق - ثم ذكر قصة - يملأ الأرض عدلا». قال شمس الحق في "عون المعبود": "على قوله «يشبهه في الخلق» بضم الخاء واللام وتسكن، «ولا يشبهه في الخلق» بفتح الخاء وسكون اللام؛ أي يشبهه في السيرة ولا يشبهه في الصورة". انتهى. ولبعض هذا الحديث شاهد مما تقدم (١) من حديث ابن مسعود وأبي سعيد ﵄، والمذكور في هذه الأحاديث رجل واحد وهو المهدي المبشر به، وليس متعددًا كما زعم ذلك ابن محمود في كلامه الذي هو صريح في المغالطة. وأما الرجل الذي اسمه الحارث، فهو الذي يخرج من وراء النهر كما جاء ذلك في حديث علي ﵁ يرفعه: «يخرج رجل من وراء النهر يقال له الحارث حراث» الحديث رواه أبو داود بإسناد ضعيف، وقوله حراث بتشديد الراء صفة له أي

стр. 69

زراع، قال شمس الحق في "عون المعبود": "هكذا في أكثر النسخ وهو المعتمد، وفي بعض النسخ الحارث بن حراث". انتهى، وقد صحَّف ابن محمود فقال اسمه الحارث بن حران، بالنون، وصوابه الحارث حراث بالثاء المثلثة، وزعم ابن محمود أن الحارث والذي يخرج من وراء النهر رجلان، وأن كلا منهما يقال فيه أنه المهدي، وهذا من أغلاطه أو من مغالطته؛ لأن الذي جاء في الحديث أن الذي يخرج من وراء النهر هو الحارث، وأنه يوطِّئ أو يمكِّن لآل محمد ﷺ ، فليس هو بالمهدي، وإنما هو من أنصار المهدي، وقد ذكرت أن الحديث ضعيف الإسناد فلا يعتمد عليه. وأما الرجل الذي أخواله من كلب، فلم يقل أحد أنه المهدي كما قد زعم ذلك ابن محمود يريد بذلك المغالطة، وإنما هو رجل من قريش يبعث جيشًا لقتال المهدي فيهزمهم جيش المهدي ويظهر عليهم، وقد تقدم بيان ذلك في حديث أم سلمة ﵂ (١). وأما قوله: ومهدي يصلي عيسى ابن مريم خلفه، ومهدي يقال له بحضرة نبي الله عيسى: صلِّّ أيها الأمير، فيقول: كل إنسان أمير نفسه. فجوابه: أن يقال هذا تكرار أُرِيدَ به المغالطة؛ لأن الرجل الذي يصلي عيسى خلفه هو المهدي، وعيسى ﵊ هو الذي يقول للمهدي: تقدم فصلِّ فإنها لك أقيمت، كما جاء ذلك في حديث أبي إمامة الذي رواه ابن ماجة وابن خزيمة والحافظ الضياء في "المختارة"، وهو حديث طويل فيه ذكر خروج الدجال ونزول عيسى ﵊، وفيه فقالت أم شريك بنت أبي العكر: يا رسول الله، فأين العرب يومئذ؟ قال: «هم يومئذ قليل وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصلِّ، فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم» الحديث. وروى الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صل بنا،

стр. 70

فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة»، وقد رواه الحارث بن أبي أسامة من حديث وهب بن منبه، عن جابر ﵁ وفيه: «فيقول أميرهم المهدي تعال صل بنا»، وذكر بقية الحديث بنحوه. قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في "المنار المنيف": "إسناده جيد". ففي هذا الحديث الصحيح أن المهدي هو الذي يقول لعيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام-: تعال صل بنا، وأن عيسى يقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء. فأما قول ابن محمود: ومهدي يقال له بحضرة نبي الله عيسى صل أيها الأمير، فيقول كل إنسان أمير نفسه. فجوابه: أن يقال: هذا اللفظ لم يرد في شيء من الأحاديث الواردة في المهدي ونزول عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام-، وإنما أتى به ابن محمود من كيسه، وهو من تحريف الكلم عن مواضعه. وأما قوله: فهذه وما هو أكثر منها، مما جعلت المحققين من العلماء يوقنون بأنها موضوعة على لسان رسول الله، وأنها لم تخرج من مشكاة نبوته، وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها، فضلا عن تصديقها. فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما الأئمة المحققون على الحقيقة؛ ومنهم الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والعقيلي، والبيهقي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، والهيثمي، فإنهم قد صححوا بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وقد تقدم بيان ذلك في أول الكتاب وفي الفصل الثاني منه (١)، وقد نص على صحة بعضها كثير من المتأخرين؛ ومنهم ابن حجر الهيتمي، والشوكاني، وصديق بن حسن وغيرهم، وذكر غير واحد من العلماء أنها متواترة، وقد تقدم بيان ذلك فليراجع (٢). وأما المتحذلقون من العصريين، وهم الذين تجرءوا على رد الأحاديث الثابتة في المهدي، وزعموا أنها موضوعة على لسان رسول الله ﷺ فليسوا أهل تحقيق في الحديث، وإنما يخبطون خبط عشواء، فما وافق أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الغربيين وأذناب الغربيين قبلوه ولو كان ضعيفًا أو موضوعا، وما خالف أفكارهم أو

стр. 71

أفكار من يعظمونه لم يبالوا برده وإطراحه ولو كان صحيحًا أو حسنًا، ومن نظر في كتبهم رأى من ذلك الشيء الكثير، وقد قلدَّهم ابن محمود في رد أحاديث المهدي وإطراحها، وزعم أنها كلها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها، وزعم أيضًا أنها خرافة وأنها نظرية خرافية وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة. هكذا جازف وخرج عن حد المعقول إلى غير المعقول، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾، أما يخشى ابن محمود أن يكون داخلا في عموم المشاقين للرسول ﷺ المتبعين غير سبيل المؤمنين؟ أما يخشى أن يحشر في زمرة المكذبين للرسول ﷺ ؟ الوجه الثاني: أن يقال: إن الحكم على بعض الأحاديث بأنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله ﷺ وليست من كلامه، لا يكتفي فيه بمجرد الدعوى كما فعل ذلك ابن محمود، وكما كان يفعله غيره من العصريين، بل لا بد أن يكون في أسانيدها بعض الوضاعين، ولا بد أن يذكر القادح فيها كلام أئمة الجرح والتعديل في الراوي المتهم بالوضع؛ لتكون الدعوى مقرونة بالبينة، فأما بهت الأبرياء بأنهم وضعوا أحاديث لا علاقة لهم بها وليسوا من رواتها، فهذا لا شك في تحريمه، فإن كان المبهوت مسلمًا غير متهم في دينه؛ مثل عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، فبهته كبيرة من الكبائر؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. وقال ابن محمود في صفحة (٧): "فهذه الأحاديث التي رواها أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، هي التي حملت بعض علماء السنة لكثرتها على التصديق بها، فقبلوها قاعدة مسلمة وعقيدة محترمة، سامعين مطيعين لها بدون تفكر ولا تدبر، كالشيخ صديق، والشوكاني، والسفاريني، والشيخ مرعي، والعبادي، وسائر العلماء من المتأخرين، فلو أن هؤلاء حققوا النظر بإمعان وتفكر في أحاديث المهدي التي رواها أبو داود، وابن ماجة، والترمذي، فقابلوا بعضها ببعض لعرفوا من مجموعها حقيقة التعارض والاختلاف، ولظهر لهم منها ما يوجب عليهم الرجوع عن التصديق بها، وكون أكثرها قضايا أحداث وقعت مع أشخاص، ولا ذكر للمهدي فيها".

стр. 72

والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن علماء السنة لم يغتروا بكثرة الأحاديث الواردة في المهدي كما قد توهم ذلك ابن محمود، وإنما اعتمدوا على ما ثبت من ذلك عن النبي ﷺ ، وقد قسم بعض علماء السنة أحاديث المهدي إلى صحيح وحسن وضعيف، وقد تقدم قول الشوكاني وصديق بن حسن في ذلك، وهذا يدل على أنهم لم يغتروا بكثرة الأحاديث الواردة في المهدي، وإنما كانوا يعتمدون على الصحاح والحسان منها، ويذكرون الضعيف المنجبر لاعتضاده بالأحاديث الصحيحة، ولو كان الأمر على ما زعمه ابن محمود من أن كثرة الأحاديث هي التي حملت علماء السنة على التصديق بها، لما قسمها أهل السنة إلى صحيح وحسن وضعيف، ولجعلوها صحاحًا من باب واحد. الوجه الثاني: أن يقال: كل ما ثبت عن النبي ﷺ فإن أهل السنة يقبلونه قاعدة مسلمة وعقيدة محترمة، بخلاف أهل الزيغ؛ الذين لا يبالون برد الأحاديث الصحيحة وإطراحها. الوجه الثالث: أن يقال: إن علماء السنة إنما سمعوا وأطاعوا لما ثبت عن النبي ﷺ ؛ امتثالا لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ولقوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "، فكل ما ثبت عن النبي ﷺ فالواجب على المسلمين قبوله بدون تردد، وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة. الوجه الرابع: أن يقال: قد أنطق الله ابن محمود بما يطابق الواقع من حيث لا يشعر، فإنه قال: "إن بعض علماء السنة وسائر العلماء من المتأخرين صدقوا بالأحاديث التي رواها أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقبلوها قاعدة مسلمة وعقيدة محترمة، سامعين مطيعين لها، بدون تفكر ولا تدبر"، فعلى قوله هذا يكون الذين تفكروا وتدبروا في أحاديث المهدي، وقابلوا بعضها ببعض، وزعموا التعارض بينها والاختلاف، فردوها جملة بدون مبالاة- أنهم ليسوا أهل سنة، وإنما هم أهل بدعة وفتنة، وهؤلاء .............................................................

стр. 73

يخشى عليهم أن يكونوا داخلين في عموم قول الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. الوجه الخامس: أن يقال: ليس بين الأحاديث الواردة في المهدي تعارض واختلاف البتة، وقد تقدم بيان ذلك قريبًا عند الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٦)، ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها، فليراجع (١). الوجه السادس: أن يقال: معاذ الله أن يرجع أهل السنة عن التصديق بما ثبت عن نبيهم ﷺ أنه أخبر به، وسواء في ذلك ما أخبر به عن المهدي، وما أخبر به عن غيره؛ مما مضى، وما سيكون في آخر الزمان؛ من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام-، وخروج يأجوج ومأجوج، وغير ذلك من الأمور التي ينكرها بعض العصريين. وقال ابن محمود في صفحة (٧): "وكل حديث يذكر فيه المهدي فإنه ضعيف، كحديث علي مرفوعًا: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا»، ومثله عن علي ﵁ مرفوعًا: «المهدي منا أهل البيت»، وكذا عن علي ﵁ ونظر إلى ابنه الحسن فقال: «إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق»، ومثله حديث أم سلمة مرفوعًا: «المهدي من عترتي ومن ولد فاطمة» رواها كلها أبو داود في سننه وغيره". والجواب: أن يقال: أما قوله وكل حديث يذكر فيه المهدي فإنه ضعيف، فهو مما قلد فيه بعض العصريين، ومنهم رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وسعد محمد حسن، وغيرهم من ذوي الجراءة على رد الأحاديث الثابتة في المهدي، وقد ذكرت في أول الكتاب تسعة أحاديث من الصحاح والحسان الواردة في المهدي، وذكرت لبعضها عدة طرق من الصحاح والحسان فلتراجع (٢)، ففيها أبلغ رد على ابن محمود وعلى سلفه، الذين زعموا أن أحاديث المهدي كلها ضعيفة. وأما حديث علي ﵁ مرفوعًا: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لبعث الله رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا» فهو حديث صحيح، وقد تقدم الكلام عليه ..

стр. 74

في أول الكتاب فليراجع (١). وأما حديث علي ﵁ مرفوعًا: «المهدي منا أهل البيت» فهو حديث حسن، رواه الإمام أحمد وابن ماجة، وتقدم ذكره في أول الكتاب (٢)، وقد وهم ابن محمود فزعم أن أبا داود قد رواه، وهو لم يروه. وأما حديث علي ﵁ أنه نظر إلى ابنه الحسن فقال: «إن ابني هذا سيد» الحديث، فهو حديث ضعيف الإسناد وقد تقدم التنبيه عليه قريبًا (٣)، ولبعضها شاهد من حديث ابن مسعود وأبي سعيد ﵄ وقد تقدم ذكرهما في أول الكتاب (٤). وأما حديث أم سلمة ﵂ فقد تكلم بعضهم في إسناده، وقد سكت عليه أبو داود، وقد قال أبو بكر بن داسه: سمعت أبا داود يقول: فذكر ما قاله في سننه، وفيه أنه قال: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض"، وقد أورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة، وقال العزيزي في شرح الجامع الصغير: "إسناده حسن". وقال ابن محمود في صفحة (٧) وصفحة (٨): "وقد أعرض أكثر العلماء المحدثين عن إثبات أحاديث كثيرة في كتبهم عن أهل البيت؛ لتسلط الغلاة على إدخال الشيء الكثير من الكذب في فضائلهم، كما تحاشى عنها البخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، والدارمي، فلم يذكروها في كتبهم المعتمدة، وما ذاك إلا لعلمهم بضعفها، مع العلم أن الدارمي هو شيخ أبي داود والترمذي، وقد نزه مسنده عن أحاديث المهدي فلا ذكر لها فيه". الجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما إعراض بعض المحدثين عن إثبات بعض الأحاديث في كتبهم عن أهل البيت فليس فيه دليل على ضعف أحاديث المهدي كلها، وليس فيه حجة لمن تهجم على أحاديث المهدي وقابلها بالرد والإنكار، زاعمًا أنها كلها ضعيفة، وما أكثر الأحاديث التي لم يذكرها البخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، والدارمي، وهي مع ذلك صحيحة. وفي موطأ مالك، ومسند أحمد، وسنني أبي داود وابن ماجة، وجامع الترمذي، وصحيح ابن خزيمة، .........................................

стр. 75

وابن حبان، ومستدرك الحاكم، وغيرها من المسانيد والمستخرجات والمعاجم شيء كثير من الأحاديث الصحيحة، ولا أظن أن عاقلا يقول: إن ما لم يذكره البخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، والدارمي في كتبهم فإنه لا يكون صحيحًا، لِم يترتب على ذلك من أبطال كثير من السنن. الوجه الثاني: أن يقال: قد روي مسلم في صحيحه ثلاثة أحاديث في ذكر الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة، وروى البخاري حديثًا منها، وفيها إشارة إلى المهدي، وقد تقدم بيان ذلك قريبًا (١)، وتقدم أيضًا ما رواه مسلم عن جابر وأبي سعيد ﵄ في ذكر الخليفة الذي يكون في آخر الزمان يحثي المال حثيا ولا يعده عدًا، وهي ثلاثة أحاديث، وفيها إشارة إلى المهدي كما تقدم بيانه (٢). وأما قوله: وما ذاك إلا لعلمهم بضعفها. فجوابه: أن يقال: إثبات علمهم بضعفها يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، وليس مع من ادعى علمهم بضعفها سوى اتباع الظن، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث». وأما قوله: مع العلم أن الدارمي هو شيخ أبي داود والترمذي، وقد نزَّه مسنده عن أحاديث المهدي فلا ذكر لها فيه. فجوابه: أن يقال: إن شيوخ أبي داود والترمذي كثيرون جدًا، وبعض الشيوخ يروي من الأحاديث ما ليس عند الآخرين، فلا يبعد أن يكون الدارمي لم يرو شيئًا من أحاديث المهدي، وقد يكون روى منها وترك ذكرها عمدًا، كما ترك أحاديث الإيمان، والمناقب، وتفسير القرآن، والفتن والملاحم، وأشراط الساعة، فلم يذكرها في كتابه، ويبعد أن يكون لم يرو في ذلك شيئًا، فهل يقول ابن محمود أن الدارمي قد نزه كتابه عن ذكر الأحاديث في الإيمان، والمناقب، والتفسير، والفتن والملاحم، وأشراط الساعة، كما قد قال ذلك في أحاديث المهدي؟ أم يخص التنزيه بأحاديث المهدي فقط تقليدًا لرشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأضرابهم من العصريين، الذين لا يبالون برد الأحاديث الصحيحة إذا خالفت أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الغربيين وأتباع الغربيين؟ والذي لا يشك فيه أن التقليد لمن ذكرنا هو
следующие страницы →