← Акыда

Акыда · id 36046

الاحتجاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر

حمود بن عبد الله التويجري

Полный текст (408 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

أفكار من يعظمونه لم يبالوا برده وإطراحه ولو كان صحيحًا أو حسنًا، ومن نظر في كتبهم رأى من ذلك الشيء الكثير، وقد قلدَّهم ابن محمود في رد أحاديث المهدي وإطراحها، وزعم أنها كلها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، فلا يجوز النظر فيها فضلا عن تصديقها، وزعم أيضًا أنها خرافة وأنها نظرية خرافية وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة. هكذا جازف وخرج عن حد المعقول إلى غير المعقول، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾، أما يخشى ابن محمود أن يكون داخلا في عموم المشاقين للرسول ﷺ المتبعين غير سبيل المؤمنين؟ أما يخشى أن يحشر في زمرة المكذبين للرسول ﷺ ؟ الوجه الثاني: أن يقال: إن الحكم على بعض الأحاديث بأنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله ﷺ وليست من كلامه، لا يكتفي فيه بمجرد الدعوى كما فعل ذلك ابن محمود، وكما كان يفعله غيره من العصريين، بل لا بد أن يكون في أسانيدها بعض الوضاعين، ولا بد أن يذكر القادح فيها كلام أئمة الجرح والتعديل في الراوي المتهم بالوضع؛ لتكون الدعوى مقرونة بالبينة، فأما بهت الأبرياء بأنهم وضعوا أحاديث لا علاقة لهم بها وليسوا من رواتها، فهذا لا شك في تحريمه، فإن كان المبهوت مسلمًا غير متهم في دينه؛ مثل عبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، ووهب بن منبه، فبهته كبيرة من الكبائر؛ لقول الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. وقال ابن محمود في صفحة (٧): "فهذه الأحاديث التي رواها أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، هي التي حملت بعض علماء السنة لكثرتها على التصديق بها، فقبلوها قاعدة مسلمة وعقيدة محترمة، سامعين مطيعين لها بدون تفكر ولا تدبر، كالشيخ صديق، والشوكاني، والسفاريني، والشيخ مرعي، والعبادي، وسائر العلماء من المتأخرين، فلو أن هؤلاء حققوا النظر بإمعان وتفكر في أحاديث المهدي التي رواها أبو داود، وابن ماجة، والترمذي، فقابلوا بعضها ببعض لعرفوا من مجموعها حقيقة التعارض والاختلاف، ولظهر لهم منها ما يوجب عليهم الرجوع عن التصديق بها، وكون أكثرها قضايا أحداث وقعت مع أشخاص، ولا ذكر للمهدي فيها".

стр. 72

والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن علماء السنة لم يغتروا بكثرة الأحاديث الواردة في المهدي كما قد توهم ذلك ابن محمود، وإنما اعتمدوا على ما ثبت من ذلك عن النبي ﷺ ، وقد قسم بعض علماء السنة أحاديث المهدي إلى صحيح وحسن وضعيف، وقد تقدم قول الشوكاني وصديق بن حسن في ذلك، وهذا يدل على أنهم لم يغتروا بكثرة الأحاديث الواردة في المهدي، وإنما كانوا يعتمدون على الصحاح والحسان منها، ويذكرون الضعيف المنجبر لاعتضاده بالأحاديث الصحيحة، ولو كان الأمر على ما زعمه ابن محمود من أن كثرة الأحاديث هي التي حملت علماء السنة على التصديق بها، لما قسمها أهل السنة إلى صحيح وحسن وضعيف، ولجعلوها صحاحًا من باب واحد. الوجه الثاني: أن يقال: كل ما ثبت عن النبي ﷺ فإن أهل السنة يقبلونه قاعدة مسلمة وعقيدة محترمة، بخلاف أهل الزيغ؛ الذين لا يبالون برد الأحاديث الصحيحة وإطراحها. الوجه الثالث: أن يقال: إن علماء السنة إنما سمعوا وأطاعوا لما ثبت عن النبي ﷺ ؛ امتثالا لقول الله -تعالى-: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾، ولقوله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وقوله -تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ "، فكل ما ثبت عن النبي ﷺ فالواجب على المسلمين قبوله بدون تردد، وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة. الوجه الرابع: أن يقال: قد أنطق الله ابن محمود بما يطابق الواقع من حيث لا يشعر، فإنه قال: "إن بعض علماء السنة وسائر العلماء من المتأخرين صدقوا بالأحاديث التي رواها أبو داود والترمذي وابن ماجة، وقبلوها قاعدة مسلمة وعقيدة محترمة، سامعين مطيعين لها، بدون تفكر ولا تدبر"، فعلى قوله هذا يكون الذين تفكروا وتدبروا في أحاديث المهدي، وقابلوا بعضها ببعض، وزعموا التعارض بينها والاختلاف، فردوها جملة بدون مبالاة- أنهم ليسوا أهل سنة، وإنما هم أهل بدعة وفتنة، وهؤلاء .............................................................

стр. 73

يخشى عليهم أن يكونوا داخلين في عموم قول الله -تعالى-: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾. الوجه الخامس: أن يقال: ليس بين الأحاديث الواردة في المهدي تعارض واختلاف البتة، وقد تقدم بيان ذلك قريبًا عند الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٦)، ومنها تناقض هذه الأحاديث وتعارضها، فليراجع (١). الوجه السادس: أن يقال: معاذ الله أن يرجع أهل السنة عن التصديق بما ثبت عن نبيهم ﷺ أنه أخبر به، وسواء في ذلك ما أخبر به عن المهدي، وما أخبر به عن غيره؛ مما مضى، وما سيكون في آخر الزمان؛ من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام-، وخروج يأجوج ومأجوج، وغير ذلك من الأمور التي ينكرها بعض العصريين. وقال ابن محمود في صفحة (٧): "وكل حديث يذكر فيه المهدي فإنه ضعيف، كحديث علي مرفوعًا: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث الله رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا»، ومثله عن علي ﵁ مرفوعًا: «المهدي منا أهل البيت»، وكذا عن علي ﵁ ونظر إلى ابنه الحسن فقال: «إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله، وسيخرج من صلبه رجل يسمى باسم نبيكم، يشبهه في الخلق ولا يشبهه في الخلق»، ومثله حديث أم سلمة مرفوعًا: «المهدي من عترتي ومن ولد فاطمة» رواها كلها أبو داود في سننه وغيره". والجواب: أن يقال: أما قوله وكل حديث يذكر فيه المهدي فإنه ضعيف، فهو مما قلد فيه بعض العصريين، ومنهم رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وسعد محمد حسن، وغيرهم من ذوي الجراءة على رد الأحاديث الثابتة في المهدي، وقد ذكرت في أول الكتاب تسعة أحاديث من الصحاح والحسان الواردة في المهدي، وذكرت لبعضها عدة طرق من الصحاح والحسان فلتراجع (٢)، ففيها أبلغ رد على ابن محمود وعلى سلفه، الذين زعموا أن أحاديث المهدي كلها ضعيفة. وأما حديث علي ﵁ مرفوعًا: «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم، لبعث الله رجلا منا يملؤها عدلا كما ملئت جورًا» فهو حديث صحيح، وقد تقدم الكلام عليه ..

стр. 74

في أول الكتاب فليراجع (١). وأما حديث علي ﵁ مرفوعًا: «المهدي منا أهل البيت» فهو حديث حسن، رواه الإمام أحمد وابن ماجة، وتقدم ذكره في أول الكتاب (٢)، وقد وهم ابن محمود فزعم أن أبا داود قد رواه، وهو لم يروه. وأما حديث علي ﵁ أنه نظر إلى ابنه الحسن فقال: «إن ابني هذا سيد» الحديث، فهو حديث ضعيف الإسناد وقد تقدم التنبيه عليه قريبًا (٣)، ولبعضها شاهد من حديث ابن مسعود وأبي سعيد ﵄ وقد تقدم ذكرهما في أول الكتاب (٤). وأما حديث أم سلمة ﵂ فقد تكلم بعضهم في إسناده، وقد سكت عليه أبو داود، وقد قال أبو بكر بن داسه: سمعت أبا داود يقول: فذكر ما قاله في سننه، وفيه أنه قال: "وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح، وبعضها أصح من بعض"، وقد أورده السيوطي في الجامع الصغير ورمز له بالصحة، وقال العزيزي في شرح الجامع الصغير: "إسناده حسن". وقال ابن محمود في صفحة (٧) وصفحة (٨): "وقد أعرض أكثر العلماء المحدثين عن إثبات أحاديث كثيرة في كتبهم عن أهل البيت؛ لتسلط الغلاة على إدخال الشيء الكثير من الكذب في فضائلهم، كما تحاشى عنها البخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، والدارمي، فلم يذكروها في كتبهم المعتمدة، وما ذاك إلا لعلمهم بضعفها، مع العلم أن الدارمي هو شيخ أبي داود والترمذي، وقد نزه مسنده عن أحاديث المهدي فلا ذكر لها فيه". الجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: أما إعراض بعض المحدثين عن إثبات بعض الأحاديث في كتبهم عن أهل البيت فليس فيه دليل على ضعف أحاديث المهدي كلها، وليس فيه حجة لمن تهجم على أحاديث المهدي وقابلها بالرد والإنكار، زاعمًا أنها كلها ضعيفة، وما أكثر الأحاديث التي لم يذكرها البخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، والدارمي، وهي مع ذلك صحيحة. وفي موطأ مالك، ومسند أحمد، وسنني أبي داود وابن ماجة، وجامع الترمذي، وصحيح ابن خزيمة، .........................................

стр. 75

وابن حبان، ومستدرك الحاكم، وغيرها من المسانيد والمستخرجات والمعاجم شيء كثير من الأحاديث الصحيحة، ولا أظن أن عاقلا يقول: إن ما لم يذكره البخاري، ومسلم، والنسائي، والدارقطني، والدارمي في كتبهم فإنه لا يكون صحيحًا، لِم يترتب على ذلك من أبطال كثير من السنن. الوجه الثاني: أن يقال: قد روي مسلم في صحيحه ثلاثة أحاديث في ذكر الخسف بالجيش الذي يغزو الكعبة، وروى البخاري حديثًا منها، وفيها إشارة إلى المهدي، وقد تقدم بيان ذلك قريبًا (١)، وتقدم أيضًا ما رواه مسلم عن جابر وأبي سعيد ﵄ في ذكر الخليفة الذي يكون في آخر الزمان يحثي المال حثيا ولا يعده عدًا، وهي ثلاثة أحاديث، وفيها إشارة إلى المهدي كما تقدم بيانه (٢). وأما قوله: وما ذاك إلا لعلمهم بضعفها. فجوابه: أن يقال: إثبات علمهم بضعفها يحتاج إلى دليل، ولا دليل على ذلك، وليس مع من ادعى علمهم بضعفها سوى اتباع الظن، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث». وأما قوله: مع العلم أن الدارمي هو شيخ أبي داود والترمذي، وقد نزَّه مسنده عن أحاديث المهدي فلا ذكر لها فيه. فجوابه: أن يقال: إن شيوخ أبي داود والترمذي كثيرون جدًا، وبعض الشيوخ يروي من الأحاديث ما ليس عند الآخرين، فلا يبعد أن يكون الدارمي لم يرو شيئًا من أحاديث المهدي، وقد يكون روى منها وترك ذكرها عمدًا، كما ترك أحاديث الإيمان، والمناقب، وتفسير القرآن، والفتن والملاحم، وأشراط الساعة، فلم يذكرها في كتابه، ويبعد أن يكون لم يرو في ذلك شيئًا، فهل يقول ابن محمود أن الدارمي قد نزه كتابه عن ذكر الأحاديث في الإيمان، والمناقب، والتفسير، والفتن والملاحم، وأشراط الساعة، كما قد قال ذلك في أحاديث المهدي؟ أم يخص التنزيه بأحاديث المهدي فقط تقليدًا لرشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأضرابهم من العصريين، الذين لا يبالون برد الأحاديث الصحيحة إذا خالفت أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الغربيين وأتباع الغربيين؟ والذي لا يشك فيه أن التقليد لمن ذكرنا هو

стр. 76

الذي حمل ابن محمود على رد الأحاديث في المهدي، وتنزيه مسند الدارمي عنها. وقال ابن محمود في صفحة (٨): "ثم إن من عادة العلماء المحدثين والفقهاء المتقدمين، أن بعضهم ينقل عن بعض الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، كما ذكر عن الإمام أحمد؛ أنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه. ذكروا ذلك في ترجمة ابن سعد، وكان الشافعي يقول للإمام أحمد: "إذا ثبت عندك الحديث فارفعه إلي حتى أثبته في كتابي"، وكذلك سائر علماء كل عصر ينقل بعضهم عن بعض، فمتى كان الأمر بهذه الصفة فلا عجب متى رأينا أحاديث المهدي تنتشر في كتب المعاصرين لأبي داود؛ كالترمذي، وابن ماجة؛ لخروج الحديث من كتاب إلى مائة كتاب، وانتقال الخطأ من عالم إلى مائة عالم، لكون الناس مقلدة، وقليل منه المحققون المجتهدون، والمقلد لا يعد من أهل العلم". والجواب: أن يقال: قد جازف ابن محمود في هذه الجملة غاية المجازفة، وتجاوز حد المعقول إلى غير المعقول، وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال: وليس من الإنصاف أن يدفع الفتى ... يد النقص عنه بانتقاص الأفاضل فأما قوله: ثم إن من عادة العلماء المحدثين والفقهاء المتقدمين أن بعضهم ينقل عن بعض الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه. فجوابه: أن يقال: هذه المجازفة بعيدة كل البعد عن الصواب، ولا أعلم أحدًا رمي سائر العلماء من السلف ومن بعدهم في كل عصر بالتقليد سوى ابن محمود، ويالها من زلة ما أبشعها وأشنعها، وإذا كان علماء السلف ومن بعدهم من سائر العلماء في كل عصر مقلدة عند ابن محمود، وهو لا يعد المقلد من أهل العلم، فمن هم العلماء، ومن هم المحققون إذا؟ ولعل ابن محمود كتب هذا الكلام وهو في حالة لا يشعر معها بما كان يكتبه. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» رواه الإمام أحمد، والبخاري ومسلم، من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄، وثبت نحوه عن عدد كثير من الصحابة ﵃ رووا ذلك عن النبي ﷺ ، وقد ذكرتُ هذه الأحاديث في كتابي " إتحاف الجماعة، بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة" في "باب ما جاء في الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة" فلتراجع هناك.

стр. 77

وقد ترجم البخاري على حديث معاوية ﵁ بقوله: "باب قول النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» وهم أهل العلم". قوله: وهم أهل العلم، هو من كلام البخاري، وقد نبه الحافظ ابن حجر على هذا وهو ظاهر، وقال البخاري أيضا: "باب قول الله -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وما أمر النبي ﷺ بلزوم الجماعة وهم أهل العلم". وقال الترمذي في جامعه، بعد إيراده حديث ثوبان ﵁ الذي رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجة، والبرقاني في صحيحه، وصححه الترمذي، وهو بنحو حديث معاوية ﵁ قال الترمذي: "سمعت محمد بن إسماعيل - يعني البخاري- يقول: سمعت علي بن المديني يقول: وذكر هذا الحديث عن النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق» فقال عليٌّ: هم أهل الحديث". انتهى، وكذا قال ابن المبارك، وأحمد بن سنان، وابن حبان وغيرهم، وترجم عليه ابن حبان في صحيحه فقال: "ذكر إثبات النصرة لأصحاب الحديث إلى قيام الساعة"، وقال يزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل: "إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم" رواه الحاكم في علوم الحديث. وفي حديث معاوية ﵁، وما أشرت إليه من الأحاديث، أبلغ رد على مجازفة ابن محمود وتهجمه على علماء الأمة. وروى الإمام أحمد والبخاري ومسلم أيضًا، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كيف أنتم إذا نزل عيسى ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» قال ابن التين: "معنى قوله: «وإمامكم منكم» أن الشريعة المحمدية متصلة إلى يوم القيامة، وأن في كل قرن طائفة من أهل العلم" نقله عنه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري". وروى الإمام أحمد ومسلم أيضًا، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة» قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأمة، مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة، دلالة للصحيح من الأقوال، أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة ". انتهى. ذكره في الكلام على قوله في حديث أبي هريرة ﵁: «كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم» وهو في "باب نزول عيسى ابن مريم" من أحاديث الأنبياء.

стр. 78

وروي أبو داود والحاكم في مستدركه، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، وفي هذا الحديث والحديثين قبله أبلغ رد على مجازفة ابن محمود. وأما قوله: كما ذُكر عن الإمام أحمد أنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه، ذكروا ذلك في ترجمة ابن سعد، وكان الشافعي يقول للإمام أحمد: "إذا ثبت عندك الحديث فارفعه إلي حتى أثبته في كتابي". فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: أتدري فيمن تتكلم يا ابن محمود؟ أما لك عقل يحجزك عن التهجم على إمامين عظيمين من أئمة المسلمين، قد رفع الله قدرهما عند المسلمين، وجعل كلا منهما إمامًا يقتدي به؟ وأنت تخالف المسلمين فترميهما بالتقليد، وتزعم أنهما ممن ينقل الحديث والقول على علاته، ومن له أدنى عقل وعلم يعلم براءتهما مما رميتهما به، ثم تزعم أيضًا أن الإمام أحمد كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه، وأن الشافعي كان يقول للإمام أحمد: "إذا ثبت عندك الحديث فارفعه إليَّ حتى أثبته في كتابي"، ألا تتثبت يا ابن محمود فيما تكتبه وما تقوله في أئمة المسلمين؟ أما تخشى أن تكون داخلا في عموم قول الله -تعالى-: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾؟ الوجه الثاني: أن يقال: إن الشافعي وأحمد كانا يذمان التقليد وينهيان عنه، فكيف يظن بهما أنهما كانا ممن ينقل الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقهما؟ وكيف يظن بأحمد أنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه؟ هذا قول ظاهر البطلان. الوجه الثالث: أن يقال: قد روى الخطيب في "تاريخ بغداد"، عن إبراهيم الحربي، قال: "كان أحمد بن حنبل يوجه في كل جمعة بحنبل بن إسحاق إلى ابن سعد؛ يأخذ منه جزئين من حديث الواقدي، فينظر فيهما إلى الجمعة الأخرى، ثم يردهما ويأخذ غيرهما"، وقد ذكره الذهبي في "تذكرة الحفاظ" والمزي في "تهذيب الكمال" وابن حجر في "تهذيب التهذيب" هذا ما ذكروه في ترجمة محمد بن سعد، وذكره الخطيب في ترجمة الواقدي، لا ما قاله ابن محمود من الوهم والغلط، وما آفة الأخبار إلا رواتها. وإنما كان أحمد -رحمه الله تعالى- يأخذ الأجزاء من حديث الواقدي وينظر فيها؛ ....

стр. 79

ليطلع على ما فيها من قلب الأحاديث وتركيب الأسانيد، وما كان يتهم به الواقدي من وضع الأحاديث، وغير ذلك من الأمور السيئة التي ينبغي النظر فيها، والتحذير منها ومن أهلها، وقد ذكر الذهبي في "الميزان" عن الإمام أحمد أنه قال في الواقدي: "هو كذاب، يقلب الأحاديث، يلقي حديث ابن أخي الزهري على معمر ونحو ذا"، وذكر أيضًا عن ابن المديني وأبي حاتم والنسائي أنهم قالوا: "الواقدي يضع الحديث". وروى الخطيب في "تاريخ بغداد" عن علي بن المديني قال: "قال لي أحمد بن حنبل: أعطني ما رواه - يعني الواقدي- عن ابن أبي يحيى، قال: قلت: وما تصنع به؟ قال أنظر فيها أعتبرها، قال: ففتحها ثم قال: اقرأها عليَّ، قال: قلت: وما تصنع به؟ قال: انظر فيها، قال: قلت له: أنا أحدث عن ابن أبي يحيى، قال لي: وما عليك، أنا أريد أن أعرفها وأعتبر بها، قال: فقال لي بعد ذلك أحمد: رأيت عند الواقدي أحاديث قد رواها عن قوم من حديث ابن أبي يحيى قلبها عليهم". وروى الخطيب أيضًا عن علي بن المديني قال: "سمعت أحمد بن حنبل يقول: الواقدي يُركِّب الأسانيد"، وروى أيضًا عن إسحاق الكوسج قال: "قال أحمد بن حنبل: كان الواقدي يقلب الأحاديث، كأنه يجعل ما لمعمر عن ابن أخي الزهري، وما لابن أخي الزهري لمعمر". قلت: ولو قُدِّر أن الإمام أحمد كان ينقل الأجزاء من حديث الواقدي للغرض الذي ذكرنا، لما كان في ذلك بأس، ولكن لم ينقل عنه أنه كان ينقلها، وإنما نقل عنه أنه كان ينظر فيها فقط، ولم يكن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يروي عن الواقدي ولا عن محمد بن سعد كاتب الواقدي، حتى يُظن به أنه كان ينقل الحديث والقول على علاته من كتب الواقدي أو من طبقات ابن سعد. الوجه الرابع: أن يقال: إن العلماء من أهل السنة والجماعة منذ زمان أحمد إلى زماننا قد أجمعوا على تعظيم أحمد والثناء عيه، ولم يُذكر عن أحد من المتقدمين منهم ولا من المتأخرين أنه عاب أحمد بشيء أو طعن فيه أو تنقصه، وإنما كان ينقل ذلك عن أحمد بن أبي دؤاد وأصحابه من الجهمية، وعن الجاحظ وأضرابه من المعتزلة، والعاقل لا يرضى لنفسه أن يكون من أتباع هؤلاء الفسقة. وقد روى الخطيب بإسناده، عن سفيان بن وكيع أنه قال: "أحمد عندنا محنة، من عاب أحمد فهو عندنا فاسق"، وروي أيضًا بإسناده عن أبي جعفر محمد بن بدينا ...............

стр. 80

الموصلي قال: أنشدني ابن أعين في الإمام أحمد بن حنبل: أضحى ابن حنبل محنة مأمونة ... وبحب أحمد يعرف المتنسك وإذا رأيت لأحمد متنقصًا ... فاعلم بأن ستوره ستهتك وذكر القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" عن أبي علي الحداد، أنه روى بإسناده عن أحمد بن إبراهيم الدورقي أنه قال: "من سمعتموه يذكر أحمد بن حنبل بسوء فاتهموه على الإسلام"، وقد رواه الخطيب البغدادي من طريق أبي يعلي التميمي، وهو أبو يعلي الموصلي- قال: سمعت أحمد بن إبراهيم- يعني الدورقي- يقول ... فذكره بمثله، وقد ذكره المزي في "تهذيب الكمال" عن أبي يعلي الموصلي قال: سمعت أحمد بن إبراهيم الدورقي يقول ... فذكره بمثله، وذكره أيضًا الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" عن أحمد بن إبراهيم الدورقي. وقال ابن أبي حاتم في كتاب "الجرح والتعديل": "سمعت أبا جعفر محمد بن هارون المخرمي المعروف بالفلاس يقول: إذا رأيت الرجل يقع في أحمد بن حنبل فاعلم أنه مبتدع ضال"، وروى ابن أبي حاتم أيضًا بإسناده إلى قتيبة بن سعيد أنه قال: "إذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة وجماعة"، وروى أيضًا بإسناده إلى قتيبة بن سعيد أنه قال: "إذا رأي الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه على الطريق"، وقال عبد الرحمن أيضًا: "سمعت أبي يقول: إذا رأيتم الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلم أنه صاحب سنة". ونقل القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" عن أبي على الحداد أنه روى بإسناده عن محمد بن الحسين الأنماطي، قال: "كنا في مجلس فيه يحيى بن معين، وأبو خيثمة زهير بن حرب، وجماعة من كبار العلماء، فجعلوا يثنون على أحمد بن حنبل ويذكرون فضائله، فقال رجل: لا تكثروا بعض هذا القول، فقال يحيى بن معين: وكثرة الثناء على أحمد بن حنبل تستنكر؟! لو جلسنا مجلسًا بالثناء عليه ما ذكرنا فضائله بكمالها"، وقد رواه الخطيب البغدادي عن أبي نعيم الحافظ، حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني، أخبرنا محمد بن الحسين الأنماطي ... فذكره بمثله. فهذا قليل من كثير من ثناء أكابر العلماء على الإمام أحمد، وتشديدهم على من يعيبه، ومن أراد الزيادة على ذلك فليرجع إلى الكتب المؤلفة في مناقب أحمد وإلى ترجمته في الكتب التي يذكر فيها تراجم العلماء.

стр. 81

فانظروا أيها المنصفون إلى ما قاله أكابر العلماء في فضل الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- وكثرة الثناء عليه، ثم انظروا إلى شذوذ ابن محمود ومخالفته لأكابر العلماء، حيث زعم أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- كان ممن ينقل الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، وأنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه، وأنهم ذكروا ذلك في ترجمة ابن سعد. وأقول: لا صحة لشيء مما زعمه ابن محمود، وقد راجعت ترجمة ابن سعد في عدة كتب من كتب التراجم والتواريخ، فما رأيت أحدًا منهم ذكر عن الإمام أحمد أنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه، وإنما ذكروا عنه أنه كان يرسل إلى ابن سعد يستعير منه أجزاء من حديث الواقدي، فينظر فيها ليعرفها ويعتبر بها ثم يردها، وبين استعارة الاجزاء لنقلها وبين استعارتها للنظر فيها ومعرفتها والاعتبار بها فرق شاسع، ولكن ابن محمود حرف الكلام ليتسنى له الطعن في الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، فأين الأمانة في النقل يا ابن محمود؟ وأين التقوى والخوف من الله؟! الوجه الخامس: ما ذكره القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة": "عن الربيع بن سليمان، قال: قال لنا الشافعي ﵁: "أحمد إمام في ثمان خصال؛ إمام في الحديث، إمام في الفقه، إمام في اللغة، إمام في القرآن، إمام في الفقر، إمام في الزهد، إمام في الورع، إمام في السنة"، قال القاضي: وصدق الإمام الشافعي في هذا الحصر". انتهى. ولا أعلم عن أحد من العلماء أنه أنكر شيئا من هذه الخصال التي وصف بها الشافعي أحمد بن حنبل، وإذا كان أحمد إمامًا في الورع، فكيف يظن به أنه كان ممن ينقل الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، وأنه كان يستعير الملازم من طبقات ابن سعد فينقلها ثم يردها إليه؟ هذا قول ظاهر البطلان، وهو من ظن السوء بأحمد، ولا شك أن أحمد منزه عن هذا الظن السيء. الوجه السادس: أن يقال: إن المنصف عندما ينظر في مجازفة ابن محمود التي زعم فيها أن الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- كان ممن ينقل الحديث والقول على علاته تقليدًا لمن سبقه، يجد أن ابن محمود نفسه قد وقع فيما هو أعظم من ذلك؛ حيث أنه كان ينقل الغث والسقيم من أراء العصريين وتخرصاتهم وأقوالهم الباطلة، ويعتمد .................................

стр. 82

عليها في مخالفة الأحاديث الثابتة وإطراحها، ويجد أيضًا أنه يسوق كلام بعض العصريين بالنص أو ببعض التصرف في العبارة، ولا ينسبه إليهم بل يجعله من كلام نفسه، ويجد أيضًا أنه يتقول على بعض العلماء، وينسب إليهم أقوالاً لا توجد في كتبهم، ولم ينقلها العلماء الأمناء عنهم، ولا سيما في الحكم على بعض الأحاديث بالضعف أو الوضع، وقد بينت ذلك في مواضعه من هذا الكتاب، وأشرت إلى مواضع ذلك في رسالة ابن محمود ليراجعه من أراد الوقوف عليه. وأما قوله: وكان الشافعي يقول للإمام أحمد: "إذا ثبت عندك الحديث فارفعه إلي حتى أثبته في كتابي". فجوابه: أن أقول: إني لم أر هذا منقولا عن الشافعي، وإنما المنقول عنه ما ذكره ابن القيم في "إعلام الموقعين" عن عبد الله بن الإمام أحمد أنه قال: "قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح لكم الحديث عن النبي ﷺ فقولوا لي حتى أذهب إليه"، وقد رواه أبو نعيم في "الحلية"، عن سليمان بن أحمد الطبراني، قال: "سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قال محمد بن إدريس الشافعي: يا أبا عبد الله، إذا صح عندكم الحديث عن رسول الله ﷺ فأخبرونا به حتى نرجع إليه"، وروى أبو نعيم أيضًا عن الطبراني قال: "سمعت عبد الله بن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: قال لي محمد بن إدريس الشافعي: يا أبا عبد الله، أنت أعلم بالأخبار الصحاح منا، فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه، كوفيًا كان أو بصريًا أو شاميًا"، ورواه القاضي أبو الحسين في "طبقات الحنابلة" بإسناده إلى عبد الله بن الإمام أحمد قال: "قال لي أبي: قال لنا الشافعي: أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث صحيحًا فأعلموني، إن شاء أن يكون كوفيًا أو بصريًا أو شاميًا، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا" قال القاضي أبو الحسين وهذا من دين الشافعي حيث سلَّم هذا العلم لأهله. قلت: وعلى تقدير أن يكون الشافعي قال للإمام أحمد إذا ثبت عندك الحديث فارفعه إلي حتى أثبته في كتابي فهذا ليس من التقليد كما زعم ذلك ابن محمود، وإنما هو من الرواية بالإجازة، وذلك جائز ومعمول به عند المحدثين. وأما قول ابن محمود: وكذلك سائر علماء كل عصر ينقل بعضهم عن بعض ... إلى آخر كلامه.

стр. 83

فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن أقول: إني لا أعلم أحدًا قبل ابن محمود عاب رواية المحدثين بعضهم عن بعض وجعل ذلك من التقليد، وكذلك لا أعلم أحدا قبله عاب نقل بعض العلماء كلام البعض الآخر وجعل ذلك من التقليد، فهذا قول باطل أحدثه ابن محمود وانفرد به، وهو مردود عليه. الوجه الثاني: أن يُقال: إن بعض العلماء إذا نقلوا الحديث أو القول عن البعض الآخر صححوا الصحيح منه وقبلوه، وزيفوا الزائف منه وروده، ومن كان هكذا فهو مجتهد وليس بمقلد، ومن زعم أنه مقلد فهو يعرف الفرق بين الاجتهاد والتقليد، وأما من ينقل الحديث أو القول وهو لا يعرف الفرق بين الصحيح منه وغير الصحيح بل يقبله على ما فيه فهذا هو المقلد، وليس كل المحدثين والفقهاء في كل عصر من المقلدين كما زعمه ابن محمود، بل منهم المجتهدون ومنهم المقلدون. وأبو داود والترمذي وابن ماجة وأكثر المحدثين في زمانهم وقبله وبعده كلهم من المجتهدين كما لا يخفى على من له علم ومعرفة بهم. الوجه الثالث: أن يقال: إن انتشار أحاديث المهدي في كتب المعاصرين لأبي داود ومن قبلهم ومن بعدهم، مثل انتشار أحاديث الإيمان، والعلم، والأحكام، والفضائل، وتفسير القرآن، والفتن والملاحم، وأشراط الساعة، وما جاء في ذكر القيامة، والجنة والنار، وغير ذلك من الأحاديث المرفوعة والأحاديث الموقوفة التي قد خرجها أهل العلم في كتبهم، وأعني بها كتب المعاصرين لأبي داود ومن قبلهم ومن بعدهم، فكثير من الأحاديث التي أشرنا إليها تُخرَّج بالرواية من كتاب إلى كتب كثيرة، ومن عالم إلى ألوف من العلماء، فإذا كان ابن محمود يرى أن الناس كلهم مقلدة، وأن رواية العلماء بعضهم عن بعضهم من التقليد المذموم، فمعنى هذا إبطال الأحاديث كلها، والقضاء على السنة بالكلية، ولا فرق إذا بين الصحيحين وغيرهما من الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها من كتب الحديث، ولا بين أحاديث المهدي وغيرها من الأحاديث. الوجه الرابع: أن يقال: إن الله -تعالى- قد أقام للسنة المحمدية جهابذة نقادًا، بينوا أحوال الرواة وميزوا الثقات من المجروحين، وبينوا أسماء الوضاعين، وميزوا الأحاديث الصحيحة والحسنة من الأحاديث الضعيفة والمنكرة والواهية والموضوعة، ونبهوا على ما يقع في بعض الأسانيد والمتون من الأخطاء، ولم يتركوا شيئًا مما يتعلق بالأحاديث ............

стр. 84

والمحدثين إلا وقد نبهوا عليه، فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء؛ فلقد تركوا الأمر واضحًا جليًا لمن أراد الله هدايته، ومن أراد الله فتنته وشقاءه فلا حيلة في الأقدار. الوجه الخامس: أن يقال: إن ابن محمود قد وقع فيما هو أسوأ مما عاب به العلماء المحدثين والفقهاء المتقدمين وسائر علماء كل عصر، وذلك لأنه قد نقل في رسالته من كتب العصريين، وأكثر النقل عنهم، واعتمد على أقوالهم الباطلة في رد أحاديث المهدي وتكذيبها, وبعض العصريين يقلد بعضًا في رد أحاديث المهدي، كما لا يخفى على من نظر في كتبهم، وقد نقل ابن محمود أقوالهم على علاتها، فوقع في العيب الذي عاب به المحدثين والفقهاء وسائر العلماء، وحكم على نفسه بأنه من المقلدة وليس من المحققين المجتهدين، وهذا الحكم لازم له من كلامه الذي تقدم ذكره شاء أم أبى، وسأذكر نقوله عن العصريين وأتبعها بالرد -إن شاء الله تعالى-، وقد قال الشاعر وأحسن فيما قال: يا أيها الرجل المُعلِّم غيره ... هلَّا لنفسك كان ذا التعليم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل ما تقول ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم ثم إنه يظهر من كلام ابن محمود مع نقله عن العصريين واعتماده على أقوالهم، أنه يرى أنهم هم القليل المحققون المجتهدون المعدودون عنده من أهل العلم؛ لكونهم قابلوا أحاديث المهدي بالرد والإطراح، وأما من سواهم من العلماء من المتقدمين والمتأخرين فكلهم عنده من المقلدين؛ لأنهم قابلوا ما صح من أحاديث المهدي بالقبول والتسليم، ولا شك أن هذا من انقلاب الحقائق عند ابن محمود. وقال ابن محمود في صفحة (٨): "وقد عقدت في الرسالة فصلا عنوانه "التحقيق المعتبر عن أحاديث المهدي المنتظر" شرحتُ فيه سائر الأحاديث التي رواها أبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والإمام أحمد، والحاكم، بما لا مزيد عليه فليراجع، وبينت في الرسالة أن أحاديث المهدي ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة بالمعنى".

стр. 85

والجواب: عن هذا سيأتي في الكلام على الفصل الذي ذكره -إن شاء الله تعالى- ويظهر من قوله بما لا مزيد عليه أنه معجب بكلامه، الذي زعم أنه تحقيق، وما هو في الحقيقة إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا. وإنه لينطبق عليه قول الشاعر: ودعوة المرء تطفي نور بهجته ... هذا بحق فكيف المدعى زللا وقال ابن محمود في صفحة (٨): "وقد أسلفنا كلام الشيخ ابن تيمية ﵀ فيها، وأن طائفة أنكروها بتاتًا، ومثله العلامة ابن القيم ﵀ فقد قال في كتابه "المنار المنيف في الصحيح والضعيف": "اختلف الناس في المهدي على أربعة أقوال؛ أحدها أنه المسيح ابن مريم وهو المهدي على الحقيقة، الثاني أنه المهدي ابن المنصور الذي ولى من بني العباس وقد انتهى زمانه، الثالث أنه رجل من أهل بيت النبي ﷺ من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان، وأكثر الأحاديث على هذا، الرابع قول الإمامية، وأنه محمد بن الحسن العسكري". فهذه الأقوال على اختلافها تدل على أن القضية هي موضع نزاع وخلاف في قديم الزمان وحديثه، وليست بموضع اتفاق". والجواب: أن يقال: أما كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- فقد تقدم الجواب عنه (١)، وأن فيه ردًا على ابن محمود؛ لأن شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- قد صرح أن الطائفة التي أنكرت أحاديث المهدي قد غلطت في الإنكار، وصرح أيضًا أن الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، وقد رد الشيخ على من أنكرها، فليراجع ما تقدم. وأما ابن القيم -رحمه الله تعالى- فقد ذكر ثلاثة أقوال لأهل السنة، وقولا رابعًا للرافضة الإمامية، ورجح القول الثالث من أقوال أهل السنة؛ وهو أن المهدي رجل من أهل بيت النبي ﷺ ، من ولد الحسن بن علي ﵄، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورًا وظلمًا، فيملؤها قسطًا وعدلا، قال وأكثر الأحاديث على هذا تدل، وقد تقدم كلامه في أول الكتاب فليراجع (٢)، وتقدم أيضًا عنه أنه صحح حديثي ابن مسعود وأبي هريرة في ذكر المهدي، وقال في رواية أبي داود عن أبي سعيد إسناده جيد، وقال في حديث أم سلمة أنه حسن ومثله مما .................................................................

стр. 86

يجوز أن يقال فيه صحيح، وقال في حديث جابر الذي رواه الحارث بن أبي أسامة إسناده جيد، فكلام ابن القيم فيه أبلغ رد على ابن محمود وليس فيه تأييد لقوله، وقد اختصر ابن محمود كلام ابن القيم اختصارًا يخل به، وحذف منه ما فيه حجة عليه؛ وهو ما صرح به ابن القيم من التصحيح لبعض أحاديث المهدي وتقرير خروجه في آخر الزمان، وما رجحه من أقوال أهل السنة، وذكر أن الأحاديث تدل عليه. ولا يخفى ما في صنيع ابن محمود من التلبيس وعدم الأمانة في النقل، وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: "إن أهل السنة ينقلون ما لهم وما عليهم، وإن أهل البدعة ينقلون ما لهم ولا ينقلون ما عليهم"، وما ذكره عن أهل البدعة فهو مطابق لصنيع ابن محمود في هذا الموضع وفي عدة مواضع من رسالته غاية المطابقة. وأما قول ابن محمود: فهذه الأقوال على اختلافها تدل على أن القضية موضع نزاع وخلاف في قديم الزمان وحديثه وليست بموضع اتفاق. فجوابه: أن يقال: قد قال الله -تعالى- في كتابه العزيز: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾؛ والرد إلى الله تعالى هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه في حياته، وبعد موته إلى سنته، وقد دلَّت الأحاديث الكثيرة على أن المهدي من أهل بيت النبي ﷺ ، وأنه يخرج في آخر الزمان، فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت جورًا وظلمًا، فهذا القول هو المعتمد وما سواه فهو مردود. وقال ابن محمود في صفحة (٩): "ومن لوازم قوله أن ما يزعمونه من خروج المهدي المجهول في عالم الغيب أنه لا حقيقة له، لكن المتعصبين لخروجه لما طال عليهم الأمد ومضى من الزمان أربعة عشر قرنًا، وما يشعرني أن يأتي من الزمان أكثر مما مضى بدون أن يروه حتى تقوم الساعة، لهذا أخذوا يمدون في الأجل ليثبتوا بذلك استقامة قولهم عن السقوط، فأخذوا يبثون في الناس بأنه لن يخرج إلا زمن عيسى ابن مريم، مع العلم أن الأحاديث التي بأيديهم والتي يزعمونها صحيحة ومتواترة والتي رواها الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، أنها وردت مطلقة لم تقيد بزمن عيسى، إلا حديث صلاة عيسى خلف المهدي، قال الذهبي وعلي القاري أنه موضوع أي مكذوب فسقط الاحتجاج به". والجواب: أن يقال: أما قول ابن محمود: ومن لوازم قوله أن ما يزعمونه من خروج ..

стр. 87

المهدي المجهول في عالم الغيب أنه لا حقيقة له؛ إن أراد أن من لوازم قول ابن القيم إنكار المهدي الذي تزعمه الرافضة وهو محمد بن الحسن العسكري فهذا صحيح بل هو صريح كلام ابن القيم، وإن أراد أن من لوازم إنكار خروج رجل من أهل بيت النبي ﷺ في آخر الزمان يسمى المهدي فهذا خطأ، وإلزام لقول ابن القيم بما هو مخالف له، والظاهر من كلام ابن محمود أنه أراد هذا القول الأخير، ولا شك أنه من التقول على ابن القيم؛ لأنه قد تقدم عنه أنه ذكر في المهدي ثلاثة أقوال لأهل السنة؛ ثالثها أنه من أهل بيت النبي ﷺ من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان وقد امتلأت الأرض جورا وظلمًا فيملؤها قسطًا وعدلا، ثم رجح هذا القول بقوله: وأكثر الأحاديث على هذا تدل. وأما قول ابن محمود في المهدي أنه مجهول في عالم الغيب. فجوابه: أن يقال: إن كان المهدي مجهولا عند ابن محمود وأضرابه من العصريين، فهو معلوم عند علماء أهل السنة والجماعة، وقد تلقوا العلم به عن نبيهم ﷺ ، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وأما كون المهدي في عالم الغيب الآن، فسبيله سبيل ما أخبر النبي ﷺ أنه سيقع في آخر الزمان؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم وقتله الدجال، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ووقوع الخسوف الثلاثة التي يكون أحدها في جزيرة العرب، وخروج النار التي تطرد الناس إلى محشرهم، وكذلك انحسار الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، وكذلك خروج القحطاني والجهجاه، إلى غير ذلك مما أخبر النبي ﷺ أنه سيقع في آخر الزمان. فهل يقول ابن محمود بإنكار هذه الأمور كلها من أجل أنها الآن في عالم الغيب، أم يخص الإنكار بالمهدي؟ فإن خص الإنكار بالمهدي طُولِب بالفرق بينه وبين الأمور العظام التي قد أخبر النبي ﷺ بوقوعها في آخر الزمان، وإن أنكر الجميع فحكم ذلك لا يخفى على طالب العلم. وأما زعمه أن المهدي لا حقيقة له، فهو من مجازفاته التي قالها من غير تثبت. وأما قوله: لكن المتعصبين لخروجه لما طال عليهم الأمد بدون أن يروه أخذوا يمدون في الأجل .... إلى آخر كلامه. فجوابه من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان .......

стр. 88

سبيله سبيل الإيمان بما أخبر به النبي ﷺ من الغيوب الماضية قبل زمانه، والغيوب الآتية بعد زمانه إلى قيام الساعة، وما يكون بعد ذلك، إلى أن يدخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم، وما يكون بعد ذلك، فمن زعم أن الإيمان بخروج المهدي من التعصب طولب بالفرق بينه وبين غيره من أنباء الغيب، ولن يجد إلى الفرق الصحيح سبيلا البتة، اللهم إلا أن يكون بالمجازفة والمكابرة في رد الأحاديث الثابتة في المهدي فهذا واقع. الوجه الثاني: أن يقال: إن التعصب في الحقيقة هو التعصب لآراء العصريين الذين أنكروا خروج المهدي في آخر الزمان، وأنكروا الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في ذلك، فهذا من أقبح التعصب، وأما الإيمان بما جاء في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ فليس من التعصب، وإنما هو من تحقيق الشهادة بالرسالة. الوجه الثالث: أن يقال: إن المهدي سيخرج في آخر الزمان قطعًا كما أخبر النبي ﷺ بذلك في عدة أحاديث صحيحة، وليس أحد من الخلق يعلم شيئًا عن طول الزمان الذي يكون قبل خروج المهدي، قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. وأما صلاة عيسى ابن مريم خلف المهدي فقد ثبت ذلك في حديث جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: لا، إن بعضهم أمير بعض، تكرمة الله لهذه الأمة» رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده؛ حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، حدثنا إبراهيم بن عقيل، عن أبيه، عن وهب بن منبه، عن جابر ﵁، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "المنار المنيف": "وهذا إسناد جيد"، وقد رواه الإمام أحمد ومسلم من حديث أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم ﷺ ، فيقول أميرهم: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة» فهذه الرواية الصحيحة تشهد لرواية الحارث بن أبي أسامة، ويشهد له أيضًا ما رواه ابن ماجة، وابن خزيمة، والحافظ الضياء المقدسي، من حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ وهو حديث طويل فيه ذكر خروج الدجال ونزول عيسى ﵊ وفيه: فقالت أم شريك بنت أبي العكر:

стр. 89

يا رسول الله، فأين العرب يومئذ؟ قال: «هم يومئذ قليل، وجلهم ببيت المقدس، وإمامهم رجل صالح، فبينما إمامهم قد تقدم يصلي بهم الصبح إذ نزل عليهم عيسى ابن مريم الصبح، فرجع ذلك الإمام ينكص يمشي القهقرى؛ ليتقدم عيسى يصلي بالناس، فيضع عيسى يده بين كتفيه، ثم يقول له: تقدم فصلِّ فإنها لك أقيمت، فيصلي بهم إمامهم» الحديث، وفيه النص على أن إمام المسلمين عند نزول عيسى ﵊ رجل صالح، والمهدي إنما سمي مهديًا لصلاحه، ولأنه يملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورًا وظلمًا. وأما قول ابن محمود في حديث صلاة عيسى خلف المهدي: قال الذهبي وعلى القاري أنه موضوع أي مكذوب، فسقط الاحتجاج به. فجوابه: أن أقول: أما الذهبي فما رأيت له كلامًا في حديث صلاة عيسى خلف المهدي، والظاهر أن ابن محمود قد قال عليه ما لم يقل بدليل ما سيأتي فيما نقله عن علي القاري، فإن كان ابن محمود صادقًا فيما نقله عن الذهبي فليذكر الكتاب الذي وجد فيه ذلك، وليذكر موضعه من الكتاب؛ حتى يبرأ من عهدة النقل، وحتى يراجع كلام الذهبي من أراد الاطلاع عليه. وأما علي القاري فقد صرح في كتابه "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" بخلاف ما نسبه إليه ابن محمود، وهذا نص كلامه في صفحة (٤٥٩) من النسخة التي حققها محمد الصباغ، والتي طبعت في بيروت سنة ١٣٩١هـ من الهجرة، بعد أن ذكر فضائل بيت المقدس قال: "وكذا ثبت أن المهدي مع المؤمنين، يتحصنون به من الدجال، وأن عيسى ﵇ ينزل من منارة مسجد الشام، فيأتي فيقتل الدجال، ويدخل المسجد وقد أقيمت الصلاة، فيقول المهدي: تقدم يا روح الله، فيقول: إنما هذه الصلاة أقيمت لك، فيتقدم المهدي ويقتدي به عيسى ﵇ إشعارًا بأنه من جملة الأمة، ثم يصلي عيسى ﵇ في سائر الأيام". انتهى كلام القاري. وقد وقع في كلامه تقديم قتل عيسى للدجال على صلاته مع المهدي، وهذا مخالف لما جاء في حديثي جابر وأبي أمامة الباهلي ﵄؛ أن عيسى يصلي مع المسلمين صلاة الصبح ثم يخرج إلى الدجال فيقتله، وهما حديثان صحيحان، وقد ذكرتهما وذكرت من خرجهما في الجزء الثاني من "إتحاف الجماعة" في "باب ما جاء في فتنة الدجال"، فليراجعهما من أحب الوقوف عليهما.

стр. 90

وإذا علم هذا، فنقول: لو أن رجلا كان في زمان شعبة بن الحجاج، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، أو في زمان الإمام أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومن كان في طبقتهم من أئمة الجرح والتعديل، ثم فعل مثل ما فعل ابن محمود فيما نسبه إلى الذهبي، وفي نقله عن علي القاري خلاف ما قال في حديث صلاة عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام- خلف المهدي لقال فيه أئمة الجرح والتعديل أعظم قول، وربما ألحقوه بوهب بن وهب القاضي، ومحمد بن السائب الكلبي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وأمثالهم ممن لا تقبل أحاديثهم ولا يعتد بأقوالهم. وقال ابن محمود في صفحة (٩) وصفحة (١٠): "وكلام العلماء من المتأخرين كثير، وأعدل من رأيته أصاب الهدف في قضية المهدي هو أبو الأعلى المودودي؛ حيث قال في رسالة اسمها "البيانات عن المهدي" أن الأحاديث في هذه المسألة على نوعين؛ أحاديث فيها الصراحة بكلمة المهدي، وأحاديث إنما أخبر فيها بخليفة يولد في آخر الزمان ويعلي كلمة الإسلام، وليس سند أي رواية من هذين النوعين من القوة حيث يثبت أمام مقياس الإمام البخاري لنقد الروايات، فهو لم يذكر منها أي رواية في صحيحه، وكذلك ما ذكر منها الإمام مسلم إلا رواية واحدة في صحيحة، ولكن ما جاءت فيها أيضًا الصراحة بكلمة المهدي، وقال لا يمكن بتأويل مستبعد أن في الإسلام منصبًا دينيا يعرف بالمهدوية يجب على كل مسلم أن يؤمن به، ويترتب على عدم الإيمان به طائفة من النتائج الاعتقادية والاجتماعية في الدنيا والآخرة، وقال مما يناسب ذكره بهذا الصدد أنه ليس من عقائد الإسلام عقيدة عن المهدي، ولم يذكرها كتاب من كتب أهل السنة للعقائد". انتهى. والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن المودودي لم يصب الهدف في قضية المهدي، ولم يقارب الإصابة، بل إنه قد أبعد غاية البعد عن الهدف، وسلك سبيل العصريين الذين تعسفوا في تضعيف أحاديث المهدي، ولم يبالوا بردها. الوجه الثاني: أن يقال: ليس من شرط الحديث الصحيح الذي يجب قبلوه أن يثبت سنده، أما مقياس البخاري، بل كل ما رواه الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول الله ﷺ فهو ثابت لا يجوز تركه إلا أن يوجد عن النبي ﷺ حديث آخر يخالفه، فحينئذ ينظر فيهما فإن أمكن الجمع وإلا أخذ بأقواهما، ولو تركت الأحاديث الصحيحة التي لا تثبت أسانيدها أمام مقياس البخاري لترك من السنة ................................................

стр. 91

شيء كثير جدًا، وقد روى الإسماعيلي عن البخاري أنه قال: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر"، وروى ابن عدي عن إبراهيم بن معقل النسفي قال: "سمعت البخاري يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت من الصحيح حتى لا يطول"، وعلى هذا فإعراض البخاري عن إخراج أحاديث المهدي في صحيحه لا يؤثر في صحتها، لأنه قد صرح أن ما تركه من الصحيح أكثر مما ذكره في صحيحه، وكذلك مسلم فإنه قد قال في صحيحه في آخر "باب التشهد في الصلاة": "ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه". ومما ذكره الإسماعيلي والنسفي عن البخاري وما قاله مسلم في صحيحه، يعلم أنه لا يَقدح في أحاديث المهدي ويحتج بأعراض البخاري ومسلم عن إخراجها في صحيحيهما إلا من هو متكلف ومتعسف في رد الأحاديث الثابتة. الوجه الثالث: قد ذكرت في أول الكتاب أحاديث كثيرة في ذكر المهدي، وذكرت من صححها من أكابر العلماء، وفي بعضها التصريح باسم المهدي، وفي بعضها الإخبار عنه بأنه من أهل بيت النبي ﷺ ، وهي دالة على إثبات خروج المهدي في آخر الزمان، وفيها أبلغ رد على من نفى خروجه ومن زعم أنه ليس في الإسلام منصب ديني يعرف بالمهدوية. الوجه الرابع: أن يقال: كل ما ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر به من أنباء الغيب مما مضى وما سيأتي فإنه يجب على كل مسلم الإيمان به، وذلك من تحقيق الشهادة بالرسالة، ويترتب على عدم الإيمان به عدم تحقيق الشهادة بالرسالة، وذلك من أسوأ النتائج الاعتقادية ومما يضر في الدنيا والآخرة، وقد ثبتت الأحاديث عن النبي ﷺ أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، فوجب على كل مسلم الإيمان بخروجه، كما يجب عليه الإيمان بغير ذلك مما أخبر النبي ﷺ أنه سيقع قبل قيام الساعة؛ من خروج الدجال، ونزول عيسى، وخروج يأجوج ومأجوج، وغير ذلك من أشراط الساعة، وكذلك الإيمان بالنفخ في الصور، وما يكون بعد ذلك في يوم القيامة، حتى يدخل أهل الجنة منازلهم وأهل النار منازلهم، وما يكون بعد ذلك. فكل ذلك من باب واحد يجب على كل مسلم الإيمان بما جاء منه في القرآن وفي الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ، ومن رد شيئًا مما ثبت عن النبي ﷺ فإنه يخشى عليه أن لا يقبل ....................

стр. 92

إيمانه بما آمن به مما سواه. وقد تقدم قول البربهاري في كتابه "شرح السنة": "من رد آية من كتاب الله فقد رد الكتاب كله، ومن رد حديثًا عن رسول الله ﷺ فقد رد الأثر كله، وهو كافر بالله العظيم". انتهى، وتقدم له في هذا الموضوع كلام أكثر من هذا، فليراجع (١). وأما قوله: أنه ليس من عقائد الإسلام عقيدة عن المهدي، ولم يذكرها كتاب من كتب أهل السنة للعقائد. فالجواب: عنه قد تقدم في أول الكتاب عند قول ابن محمود تقليدًا لأحمد أمين "وإن فكرة المهدي ليست في أصلها من عقائد أهل السنة القدماء" فليرجع إليه (٢). وقال ابن محمود في صفحة (١٠): "والحاصل الذي نعتقده وندين الله به أنه لا مهدي ينتظر بعد الرسول محمد خير البشر، وأنه لا ينكر على من أنكره، إذ إنكاره لا ينقص من الإيمان، وإنما يتوجه الإنكار على من يجادل في وجوده وصحة خروجه". والجواب عن هذا من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وقد قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾، وقال الله -تعالى-: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾، وما ثبت عن النبي ﷺ من أنباء الغيب فهو حق وهو من البصائر التي اطلع الله نبيه عليها، قال -تعالى-: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، وقد ثبت عن النبي ﷺ في خروج المهدي عدة أحاديث، فمن آمن بها فذلك عنوان على تحقيقه لشهادة أن محمدًا رسول الله، ومن ردها فإنما يرد على رسول الله ﷺ قوله وخبره، والرد على رسول الله ﷺ ليس بالأمر الهين وعاقبته وخيمة جدًا، فليحذر العاقل أن يكون مشاقًا لله ولرسوله ﷺ ومتبعًا غير سبيل المؤمنين وهو يحسب أنه من المهتدين. وقد تقدم قول الإمام أحمد: "كل ما جاء عن النبي ﷺ إسناد جيد أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ﷺ ودفعناه ورددناه رددنا على الله أمره، قال الله -تعالى-:

стр. 93

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ "، وتقدم أيضًا قوله في الكلام على قول الله-تعالى-: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قال: "أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، ثم جعل يتلو هذه الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾ ". الوجه الثاني: أن يقال: كيف لا ينكر على من استهان بالأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي وقابلها بالرد والإطراح تقليدًا لبعض العصريين، بل إنه ينبغي التشديد في الإنكار على هذا الضرب من الناس اقتداء بالصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ فإنهم كانوا ينكرون أشد الإنكار على من رد شيئًا من أحاديث رسول الله ﷺ أو عارضها برأيه، والآثار عنهم في ذلك كثيرة، وقد ذكرتها في الرد على زنديق مصر المدعو بالسيء صالح أبي بكر، فلتراجع هناك. وأما قوله: وإنما يتوجه الإنكار على من يجادل في وجوده وصحة خروجه. فجوابه: أن يقال: هذا من قلب الحقائق، وفيه تصديق لما جاء في الحديث الذي رواه أبو يعلي والطبراني في الأوسط عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا» وهذا الحديث ضعيف، ولكن الواقع من بعض الناس يشهد له ويصدقه. ومن زعم أنه يتوجه الإنكار على من قال بوجود المهدي في آخر الزمان وصحة خروجه، فلازم قوله الإنكار على النبي ﷺ ؛ لأنه هو الذي أخبر بوجود المهدي في آخر الزمان، ويلزم على قوله أيضا الإنكار على الصحابة الذين رووا الأحاديث عن النبي ﷺ في المهدي، وعلى من رواها عنهم من التابعين، ومن رواها بعدهم من أكابر العلماء، ومن خرجها من أكابر المحدثين، وعلى الذين صححوا بعض الأحاديث الواردة في المهدي، وعلى الذين قالوا إنها متواترة، فكل هؤلاء يتوجه الإنكار عليهم عند ابن محمود وعلى حد زعمه، وما أعظم ذلك وأقبحه وأسوأ عاقبته. فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

стр. 94

فصل وقال ابن محمود في صفحة (١١) وصفحة (١٢): "دعوة العلماء والعقلاء إلى الاتحاد على حسن الاعتقاد. ثم خطب ودعا إلى الجلوس على بساط البحث والتحقيق عن أحاديث المهدي، وما يقال في صحتها وصلاحيتها وما يجب اعتقاده منها، وأتى فيما بين ذلك بكلام كثير لا طائل تحته، ثم تصدر للحكم في أحاديث المهدي بما أداه إليه رأيه وما أخذه تقليدًا عن بعض العصريين، فقال ما نصه: وأنه بمقتضى التحقيق لها والدرس لرواياتها يتبين بطريق اليقين أن فيها من التعارض والاختلاف وعدم التوافق والائتلاف ووقوع الإشكالات وتعذر الجمع بين الروايات ما يحقق عدم صحتها، ويجعل العلماء المحققين من المتأخرين وبعض المتقدمين يحكمون عليها بأنها مصنوعة وموضوعة على لسان رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وينزهون ساحة رسول الله وسنته عن الإتيان بمثلها، إذ الشبهة فيها يقينية والكذب فيها ظاهر جلي، وحاشا أن يفرض رسول الله على أمته الإيمان برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، لا يعلم زمانه ولا مكانه، وهو ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولن يأتي بدين جديد من ربه مما يوجب الإيمان به، ثم يترك أمته يتقاتلون على حساب تحقيقه والتصديق به، ثم يتقدم أحدهم فيحل نفسه محل هذا المهدي المجهول، ويترتب عليه فتنة في الأرض وفساد كبير، وكل الأحاديث التي يوردونها لتحقيق خروجه متناقضة متعارضة ومختلفة غير مؤتلفة، فما يزعمونه صحيحًا منها فإنه ليس بصريح في الدلالة على ما ذكروا، وما يزعمونه صريحًا وفيه ذكر المهدي فإنه ليس بصحيح، وجماع القول إنها كلها ليست بصحيحة ولا صريحة ولا متواترة". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن ابن محمود لم يدعُ إلى الاتحاد على حسن الاعتقاد في أحاديث المهدي، وإنما دعا إلى سوء الاعتقاد الذي يتضمن تكذيب النبي ﷺ ، ونبذ الأحاديث الثابتة عنه في المهدي وراء الظهر، فهذه حقيقة دعوة ابن محمود، وقد قال النبي ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح. الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود لم يدعُ العلماء والعقلاء إلى الجلوس على بساط البحث والتحقيق عن أحاديث المهدي كما زعم، وإنما دعاهم في الحقيقة إلى اتباعه .......

стр. 95

والأخذ برأيه الذي تلقاه تقليدًا عن رشيد رضا وأحمد أمين وغيرهما من العصريين؛ وهو القدح في أحاديث المهدي والحكم عليها بأنها مصنوعة وموضوعة، وهذا ظاهر من كلامه الذي سُقناه. الوجه الثالث: أن يقال: إن كلمة الحق وقول الصدق والاعتصام بحبل الله لا يكون في رد الأحاديث الثابتة ونبذها وراء الظهر، وإنما يكون ذلك في مقابلتها بالقبول والتسليم، قال الله -تعالى-: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *﴾. الوجه الرابع: إن كلام ابن محمود الذي سُقته ههنا قد تقدم بعضه فيما نقلته من صفحة (٦) وصفحة (٧) من كتاب ابن محمود، وقد تقدم الجواب عنه فليرجع إليه (١). الوجه الخامس: أن أقول: قد ذكرت في أول الكتاب (٢) عن عدد كثير من العلماء المتقدمين أنهم صححوا بعض أحاديث المهدي؛ ومنهم الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والعقيلي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، والذهبي، والهيثمي. وما علمت عن أحد من العلماء المتقدمين أنه حكم على أحاديث المهدي كلها بالضعف، فضلا عن الحكم عليها بأنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، وهذه المبالغة في ذم الأحاديث الثابتة في المهدي لم تذكر عن أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين، وإنما هي من اختراع ابن محمود ومجازفته، وسيقف بين يدي حَكَم عدل لا يظلم مثقال ذرة. فأما المتأخرون من العصريين فلا تستغرب منهم المكابرة في رد الأحاديث الثابتة والحكم عليها بالوضع؛ لأن كثيرًا منهم أهل جراءة على الكلام في الأحاديث والقدح فيها بغير حجة، ولا سيما إذا خالفت أفكارهم أو أفكار من يعظمونه من الغربيين وغير الغربيين، ومن طالع كتبهم وتعاليقهم على الكتب رأى من ذلك الشيء الكثير، ومن زعم أنهم محققون في الحديث فهو لا يعرف التحقيق ولا المحققين. الوجه السادس: أن يقال: إن العلماء الذين صححوا الصحيح من أحاديث المهدي وضعفوا الضعيف منها هم المحققون على الحقيقة، وقد ذكرت كثيرًا منهم ..............

стр. 96

في الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٤): "وفي الحقيقة أنها كلها غير صحيحة ولا متواترة" فليراجع (١). الوجه السابع: أن يقال: إن تنزيه ساحة النبي ﷺ وسنته عن الإتيان بمثل أحاديث المهدي لا يقوله عاقل؛ لأن تنزيه ساحة النبي ﷺ وسنته إنما يكون عما فيه عيب لرسول الله ﷺ ، أو ما يقتضي الغض منه أو من سنته، أو التنقص له أو لسنته، أو الاستهزاء به أو بسنته، وليس في أحاديث المهدي شيء من ذلك البتة، وإنما فيها الأخبار عن إمام صالح من أهل بيت النبي ﷺ ، يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورا وظلمًا، فهل يقول عاقل إن البشارة بخروج الإمام الذي يكون بهذه الصفة مما تنزه عنه ساحة النبي ﷺ وسنته؟! كلا لا يقول ذلك عاقل أبدًا، وإنما يقوله من هو مصاب في دينه وعقله. ومن قال بهذا القول الباطل فلا يبعد منه أن يقول بتنزيه رسول الله ﷺ وسنته عن كل ما أخبر النبي ﷺ أنه يكون في آخر الزمان؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، والدخان، وطلوع الشمس من مغربها، ووقوع الخسوفات الثلاثة في المشرق والمغرب وجزيرة العرب، وخروج النار التي تطرد الناس إلى محشرهم، وكذلك انحسار الفرات عن كنز من ذهب أو جبل من ذهب، وكذلك خروج القحطاني والجهجاه والخليفة الذي يحثو المال حثوًا ولا يعده عدًا. فهذه الأمور لم يقع منها شيء إلى الآن وستقع في آخر الزمان قطعًا لثبوت ذلك عن النبي ﷺ . وإذا علم هذا، فنقول للذي نزه النبي ﷺ وسنته عن الإتيان بأحاديث المهدي: هل تقول بتنزيه النبي ﷺ وسنته عن جميع الأمور التي تقدم ذكرها، أم تخص التنزيه بأحاديث المهدي؟ فإن قال بالأول فقد شاقق الرسول ﷺ واتبع غير سبيل المؤمنين شاء أم أبى، ولا يظن بأحد من المسلمين أنه يقول بذلك، وإن خصَّ أحاديث المهدي بالتنزيه طولب بالفرق بينها وبين غيرها من الأمور التي تقدم ذكرها، ولن يجد إلى الفرق الصحيح سبيلا البتة، اللهم إلا أن يكون بالمكابرة والمجازفة فهذا واقع. وأما قول ابن محمود: إذ الشبهة فيها يقينية والكذب فيها ظاهر جلي.

стр. 97

فجوابه: أن يقال: هذا من المجازفة، ولا شك أن الأحاديث الثابتة في خروج المهدي خالية من الشبهة ومن الكذب، وقد تقدم إيرادها في أول الكتاب فلتراجع (١)، وذكرت أيضًا أقوال المحققين في تصحيحها، وقول عدد منهم أنها متواترة، فليراجع أيضًا (٢). وأما قوله: وحاشا أن يفرض رسول الله على أمته الإيمان برجل من بني آدم مجهول في عالم الغيب، لا يعلم زمانه ولا مكانه، وهو ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولن يأتي بدين جديد من ربه مما يوجب الإيمان به. فجوابه: أن يقال: قد ذكر ابن محمود أكثر هذا الكلام في صفحة (٦)، وتقدم الجواب عنه فليراجع (٣). وأما قوله: لا يعلم زمانه ولا مكانه. فجوابه من وجهين؛ أحدهما: أن يقال: ليس من شرط الإيمان بخروج المهدي أن يعلم المؤمن بزمانه ومكانه، بل يجب الإيمان بما أخبر به رسول الله ﷺ عنه وإن لم يعلم المؤمن بزمانه ومكانه، وكذلك ما أخبر الله به ورسوله ﷺ عن بعض الماضين من الأنبياء وغيرهم، ممن لم يذكر الله ولا رسوله ﷺ زمانهم ولا مكانهم، فإنه يجب الإيمان بما أخبر الله به ورسوله ﷺ عنهم وإن لم يعلم المؤمن بزمانهم ومكانهم. وقد أخبر النبي ﷺ بخروج القحطاني والجهجاه في آخر الزمان، وأخبر أيضًا بالخليفة الذي يكون في آخر الزمان يحثو المال حثوًا ولا يعده عدا، ولم يخبر بزمان هؤلاء ولا مكانهم، فهل يؤمن ابن محمود بخروجهم في آخر الزمان وإن لم يعلم بزمانهم ولا مكانهم، أم يقول إنه لا يجب الإيمان بخروجهم من أجل أن النبي ﷺ لم يخبر بزمانهم ولا مكانهم؟! فإن آمن بخروجهم طولب بالفرق بينهم وبين المهدي، ولن يجد إلى الفرق الصحيح سبيلا، وإن لم يؤمن بخروجهم فما أعظم ذلك وأبشعه؛ لما فيه من رد الأحاديث الثابت بعضها في الصحيحين وبعضها في صحيح مسلم، ولو كان في العلم بزمان المهدي ومكانه فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو ................

стр. 98

دنياهم لبيَّن ذلك النبي ﷺ ولم يهمله؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع. الوجه الثاني: أن يقال: قد جاء عن النبي ﷺ ما يعلم به زمان المهدي ومكانه؛ فأما زمانه فقد جاء في حديث جابر ﵁ الذي رواه الحارث بن أبي أسامة وتقدم ذكره في أول الكتاب (١)؛أن عيسى ﵊ يصلي خلف المهدي أول ما ينزل، فدل هذا على أن زمان المهدي يكون قبل نزول عيسى وبعد نزوله، ولا يعلم وقت نزول عيسى على التعيين إلا الله -تعالى-، وأما مكانه فقد جاء في حديث أم سلمة ﵂ الذي تقدم ذكره في أول الكتاب (٢)؛ أنه يبايع له بين الركن والمقام، وجاء في حديث جابر ﵁ أن عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام- يصلي خلف المهدي أول ما ينزل، فدل على أنه يكون حينئذ في الشام، والله أعلم. وأما قوله: ثم يترك أمته يتقاتلون على حساب تحقيقه والتصديق به، ثم يتقدم أحدهم فيحل نفسه محل هذا المهدي المجهول، ويترتب عليه فتنة في الأرض وفساد كبير. فجوابه: أن يقال: إن النبي ﷺ إنما أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، ولم يأمر بالقتال على حساب تحقيقه والتصديق به، ولم يأت عنه أن المهدي يقاتل الناس على التصديق به، بل ظاهر الأحاديث أن ولايته تتم بدون قتال، وجاء في حديث أم سلمة ﵂ أن الناس يخرجونه وهو كاره فيبايعونه، ثم بعد ذلك يجيء الجيش الذي يريد قتاله فيخسف بهم بالبيداء، وهذا بخلاف من يزعم لنفسه أنه المهدي ويدعو الناس إلى مبايعته ويقاتل الناس على ذلك، فحال هؤلاء الكذابين وأفعالهم تخالف حال المهدي وأفعاله. وأما قوله: وكل الأحاديث التي يوردونها لتحقيق خروجه متناقضة متعارضة، ومختلفة غير مؤتلفة ...... إلى آخر كلامه الذي تقدم ذكره قريبًا. فجوابه: أن يقال: قد تقدمت هذه الجمل فيما نقلته من صفحة (٤) وصفحة (٦) وصفحة (٧) من كتاب ابن محمود، وتقدم الجواب عنها مفرقًا عند ذكر هذه الجمل، فليراجع ذلك في مواضعه (٣).

стр. 99

وقال ابن محمود في صفحة (١٢) وصفحة (١٣): "لكن قد يعرض لتحقيق ما قلنا قول بعضهم بأن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ قال بصحة خروج المهدي، وهو العالم المحقق المشهود له بصحيح الرواية وصريح الدراية، وأقول: نعم، وإنني رأيت لشيخ الإسلام قولا يثبت فيه بأنه ورد في المهدي سبعة أحاديث رواها أبو داود، وكنت في بداية نشأتي أعتقد اعتقاد شيخ الإسلام؛ حيث تأثرت بقوله حتى بلغت سن الأربعين من العمر، وبعد أن توسعت في العلوم والفنون ومعرفة أحاديث المهدي وعللها وتعارضها واختلافها، فبعد ذلك زال عني الاعتقاد السيئ والحمد لله، وعرفت تمام المعرفة بأنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هو حبيبنا وليس بربنا ولا نبينا، وقد قيل كم فات على العالم النحرير ما عسى أن ينسب فيه إلى الخطأ والتقصير، وهو كسائر علماء البشر، فلا يحيط بكل شيء علمًا، فقد يحفظ شيئًا وينسى أشياء، إذ الكمال لله -سبحانه- الذي لا راد لحكمه ولا معقب لكلماته، وقد شبهوا زلة العالم بغرق السفينة، يغرق بغرقها الخلق الكثير، وكم غرق في كلمة شيخ الإسلام هذا كثير من العلماء والعوام حين اعتقدوا صحة خروج المهدي، فكان من لقيته من العلماء والعوام يحتج بكلام شيخ الإسلام ﵀. ولعل هذا القول خرج منه في بداية عمره قبل توسعه في العلوم والفنون، وهو مجتهد ومأجور على اجتهاده، إذ يقول العالم المحقق قولا ضعيفًا مرجوحًا، فلا يكون المقلد لقوله والمنتصر لرأيه بمثابته في حصول الأجر وحط الوزر، بل فرضه الاجتهاد والنظر، فكم من عالم كان يقول أقوالا في بداية عمره ثم يتبين له ضعفها فيقول بخلافها". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: إن كلام ابن محمود ظاهر في إعجابه بنفسه، وما أعظم الخطر في ذلك لما رواه الترمذي عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الرجل يذهب بنفسه حتى يكتب في الجبارين فيصيبه ما أصابهم». قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، قال المنذري: "قوله: "يذهب بنفسه" أي يترفع ويتكبر". وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو لم تذنبوا لخشي عليكم ما هو أكبر منه، العجب» رواه البزار، قال المنذري والهيثمي: "وإسناده جيد"، وروى البزار أيضًا عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ثلاث منجيات ..............

стр. 100

وثلاث مهلكات» فذكر الحديث وفيه: «وأما المهلكات؛ فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه». وقد قال الشاعر، وأحسن فيما قال: ودعوة المرء تطفي نور بهجته ... هذا بحق فكيف المدعي زللا ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه. الوجه الثاني: أن يقال: إن ابن محمود قد أتى في هذه الجملة من كلامه بثالثة الأثافي من التهجم على كبار الأئمة والتعسف في طلب العيوب لهم، فقد سبق له أن تهجم على الشافعي وأحمد في صفحة (٨)، وأما في هذا الموضع فقد وجه الطعن إلى شيخ الإسلام ابن تيمية؛ فزعم أن قوله بصحة خروج المهدي من الاعتقاد السيئ الذي ينسب فيه إلى الخطأ والتقصير، وأن كلمته - أي قوله بصحة خروج المهدي- زلة غرق فيها كثير من العلماء والعوام. هكذا جازف ورمى شيخ الإسلام بما هو بريء منه، وقد روى الإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، وابن ماجة، عن أبي مسعود البدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت». والمعنى على أحد الأقوال أن من لا يمنعه الحياء يقول ويفعل ما يشاء ولا يبالي، وقد قال الشاعر، وأحسن فيما قال: لا يضر البحر أمسي زاخرًا ... أن رمى فيه غلام بحجر الوجه الثالث: أن يقال: قد ثبت عن النبي ﷺ أنه أخبر بخروج المهدي، وروى ذلك عنه عدد كثير من الصحابة؛ منهم علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وجابر، وأم سلمة ﵃ وقد ذكرت أحاديثهم في أول الكتاب (١)، ورواها عن الصحابة جمٌّ غفير من التابعين، ورواها عنهم كثير ممن بعدهم، وخرجها أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم من الأئمة، وصححها كثير من كبار العلماء، ونص كثير منهم على أنها متواترة، وقد ذكرت ذلك في الكلام على قول ابن محمود في صفحة (٤) أن أحاديث المهدي غير صحيحة ولا متواترة (٢)، فإذا كان ابن محمود يرى أن القول بخروج المهدي من الاعتقاد السيئ ومن زلات العلماء، وأن من قال ذلك نسب إلى الخطأ والتقصير، قيل له يلزم على قولك أن يكون النبي ﷺ وأصحابه الذين رووا عنه أحاديث المهدي .................................................................

стр. 101

متصفين بما قلته في شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن شيخ الإسلام متبع لهم وليس بمبتدع، وكذلك الذين رووا أحاديث المهدي من التابعين ومن بعدهم، ومن خرجها ومن صححها ومن قال إنها متواترة، فكل هؤلاء يلزم على قول ابن محمود أن يكونوا متصفين بما قاله في شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأن شيخ الإسلام لم يأت بأحاديث المهدي من عنده ولم ينفرد بتصحيحها، فما قيل فيه من حسن أو ضده فهو متناول باللزوم لمن قال مثل قوله. الوجه الرابع: أن يقال: إن الاعتقاد السيئ في الحقيقة هو اعتقاد بعض العصريين، الذين ينكرون خروج المهدي في آخر الزمان ولا يبالون برد الأحاديث الثابتة فيه ونبذها وراء الظهر، فهؤلاء هم المخطئون وهم المقصرون في الحقيقة، وهم الذين أضلوا الجهال بزلاتهم وأقوالهم الباطلة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن من حديث أبي هريرة ﵁، وقد تأثر ابن محمود بهؤلاء العصريين الذين أشرنا إليهم بعد أن زال عنه التأثر بشيخ الإسلام ابن تيمية وأمثاله من أئمة العلم والهدى، ولا شك أن هذا من استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير. الوجه الخامس: أن يقال: يفهم من فحوى كلام ابن محمود أنه يرى أنه قد نال بعد توسعه في العلوم والفنون أشياء من العلم فاتت على شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا من الأماني التي يتعلل بها بعض الناس، ولا حقيقة لها في الواقع، وقد قال الشاعر: تلك الأماني يتركن الفتى ملكا ... دون السماء ولم ترفع به رأسا الوجه السادس: أن يقال: ما زعمه ابن محمود من توسعه في العلوم والفنون بعد أن بلغ سن الأربعين من العمر قد كان ضررًا عليه وسببًا في دخول الخلل عليه في علمه وعقيدته، وذلك أنه قبل التوسع المزعوم لم يتعرض للأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ بالمعارضة، ولم يظهر منه ما يدل على الاستخفاف بها وقلة المبالاة بها، فأما بعد التوسع المزعوم فقد صار ذا جراءة على التعرض لبعض الأحاديث الثابتة ونبذها وإطراحها؛ كما فعل ذلك في أحاديث المهدي، وكما يذكر عنه في أحاديث الدجال .................................................

стр. 102

وغير ذلك من أشراط الساعة، ونرجو أن لا يكون ذلك صحيحًا. ومن أقبح الجراءة وصفه للأحاديث الثابتة في المهدي بأنها مختلقة ومكذوبة ومصنوعة وموضوعة ومزورة على رسول الله ﷺ وليست من كلامه، وأنها أحاديث خرافة، وأنها نظرية خرافية، وأنها بمثابة حديث ألف ليلة وليلة، ومن ذلك ز عمه في صفحة (٨٥) أن التصديق بخروج المهدي من الركون إلى الخيال والمحالات والاستسلام للأوهام والخرافات، ومن ذلك تحكمه على الله -تعالى- وعلى رسول الله ﷺ ؛ حيث قال في صفحة (٣٦) من رسالته في المهدي أن الله -سبحانه- في كتابه، وعلى لسان نبيه، لا يوجب الإيمان برجل مجهول في عالم الغيب، وهو من بني آدم ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل، ولا يأتي بدين جديد من ربه مما يجب الإيمان به، ثم يترك الناس يتقاتلون على التصديق والتكذيب به، وزعم في صفحة (٦) وصفحة (٥٨) أن ذلك من المحال، ومن ذلك سخريته واستهزاؤه بالأحاديث الثابتة في المهدي كما في صفحة (٤٦) من رسالته. وكذلك قد صار ذا جراءة على تغيير بعض الأحكام؛ فمن ذلك إقدامه على الإفتاء بتقديم الرمي في أيام التشريق على الوقت الذي فعله فيه رسول الله ﷺ وقال للناس: «خذوا عني مناسككم»، ومن ذلك زيادته على المواقيت التي وقتها رسول الله ﷺ للإحرام؛ فقد زاد فيها ميقاتًا لم يشرعه الله ولا رسوله ﷺ ، وهو التوقيت من جدة لركاب الطائرات، ثم أضاف إلى هذا التشريع المبتدع قولا وخيمًا جدًا، وهو قوله: "ولو كان رسول الله ﷺ حيًا، ويرى كثرة النازلين من أجواء الماء إلى ساحة جدة يؤمون هذا البيت للحج والعمرة، لبادر إلى تعيين ميقات لهم من جدة نفسها" هكذا قال هدانا الله وإياه. ولا يخفى ما يلزم على هذا القول الباطل من القول على الله -تعالى- وعلى رسوله ﷺ بغير علم، وما يلزم على ذلك أيضًا من رمي الدين بالنقص، ومخالفة ما أخبر الله به في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، وقوله -تعالى- إخبارًا عن موسى ﵊ أنه قال: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، وقد بين النبي ﷺ كل ما يحتاج الناس إليه من أمور الدين، فمن زاد على بيان النبي ﷺ فلازم قوله أن يكون النبي ﷺ قد قصر في البيان لأمته، فالواجب على ابن محمود أن يبادر إلى التوبة النصوح والرجوع عن هذا القول السيئ وعن غيره من مجازفاته وشطحاته، ومن ذلك قوله بسقوط واجبات الحج عمن لا ...........................

стр. 103

يستطيعها بدون استنابة ولا فدية، ومن ذلك تخبيطه في إثبات رؤية الهلال؛ وحثه على تعيين لجنة استهلالية لا يقلون عن عشرين شخصًا، يتفرقون في الجهات، كل فرقة منهم قدر خمسة أشخاص، ويكون مقرهم بمكة، ويكون تنظيم أمرهم عند الأمانة العامة لرابطة العالم الإسلامي. وهذا التشريع من ابن محمود، وما تقدم قبله من تشريعه الميقات من جدة لركاب الطائرات ينطبق عليهما قول الله -تعالى-: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ولا يخفى ما في تشريع ابن محمود في الهلال من مخالفة السنة الثابتة عن النبي ﷺ ؛ حين قبل شهادة ابن عمر ﵄ على رؤية هلال رمضان، فصامه وأمر الناس بصيامه، وكذلك قد قبل شهادة الأعرابي على هلال رمضان لما أخبره بإسلامه، وأمر بلال أن يؤذن في الناس أن يصوموا، وقبل شهادة أعرابيين على رؤية هلال شوال، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على قبول شهادة الرجلين على رؤية هلال شوال، ومن ذلك زعمه أنه لا يضحى عن الأموات، وزعمه أن الصدقة بثمن الأضحية أفضل من الأضحية، ومن ذلك إباحته لذبائح الوثنيين والشيوعيين وغيرهم من أصناف الكفرة الذين لا يذبحون على الوجه الشرعي ولا يذكرون اسم الله على الذبيحة، وقد قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾، ومن ذلك إباحته للتأمين الذي هو غرر وجهالة وأكل للمال بالباطل. ومن ذلك زعمه أن حجر ثمود ليس حجرًا محجورًا، ومعارضته لنهي النبي ﷺ عن الدخول عليهم، وعن الشرب من آبارهم، وعن الوضوء منها، واستعمالها في الطبخ، ومن ذلك زعمه أن كل نبي رسول، وأن كل مسلم مؤمن، وأنه لا فرق بين النبي والرسول، ولا بين الإيمان والإسلام، وأعظم من ذلك إنكاره لكتابة القدر، وزعمه أن الكتابة هي العلم، ومن ذلك رميه المحدِّثين والفقهاء المتقدمين بالتقليد ونقل الحديث والقول على علاته، ومن ذلك تهجمه على الشافعي وأحمد وشيخ الإسلام ابن تيمية، ومن ذلك تقوُّله على ابن ماجة، والدارقطني، والعقيلي، والمنذري، وابن القيم، والذهبي، والشاطبي، وابن خلدون، والسيوطي، وعلي القاري (١)، إلى غير ذلك مما هو موجود في رسائله من غرائب الأخطاء ..

стр. 104

والشطحات، يعرف ذلك من تتبع رسائله من أهل العلم والفهم، وأما اللحن في بعض الكلمات والتغيير في ألفاظ بعض الأحاديث التي يوردها، وكذلك التغيير فيما ينقله من كلام بعض العلماء، فذلك كثير جدًا. والله المسئول أن يقيض لرسائله من يتتبعها وينبه على ما فيها من الأخطاء والشطحات التي حصلت له بعد توسعه في العلوم والفنون، لئلا يغتر بها ضعفة العقول والأفهام. وأما قوله: إنني رأيت لشيخ الإسلام قولا يثبت فيه بأنه ورد في المهدي سبعة أحاديث رواها أبو داود. فجوابه: أن يقال: إن كلام شيخ الإسلام مذكور في رده على الرافضي، ولم يقل فيه أنه ورد في المهدي سبعة أحاديث رواها أبو داود، وإنما هذا من تصرف ابن محمود في كلام شيخ الإسلام وعدم أمانته في النقل، وهذا نص كلام شيخ الإسلام، قال: الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود، والترمذي، وأحمد، وغيرهم من حديث ابن مسعود وغيره، ثم ذكر أربعة أحاديث عن ابن مسعود، وأم سلمة، وأبي سعيد، وعلي ﵃، ثم قال: وهذه الأحاديث غلط فيها طوائف؛ طائفة أنكروها واحتجوا بحديث ابن ماجة أن النبي ﷺ قال: «لا مهدي إلا عيسى ابن مريم» وهذا الحديث ضعيف، وقد اعتمد أبو محمد بن الوليد البغدادي وغيره عليه وليس مما يعتمد عيه، ثم ذكر الشيخ قول الطائفة الثانية وهم الرافضة الإثنا عشرية، وقول الطائفة الثالثة وهم الذين ادعوا المهدية لأنفسهم كذبًا وزورًا، أو ادعاها فيهم أصحابهم. والمقصود من ذكر كلام شيخ الإسلام هنا بيان أن ما نقله ابن محمود عنه ليس مطابقًا لكلامه. وأما قوله: وعرفت حق المعرفة أنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله. فجوابه: أن يقال: أما قوله إنه لا مهدي بعد رسول الله فقد تقدم الجواب عنه في الكلام على عنوان رسالته (١). وأما قوله: وبعد كتاب الله. فجوابه: أن يقال: إن كتاب الله لا يوصف بأنه مهدي؛ لأن ذلك من صفات الخلفاء الراشدين والأئمة الصالحين القائمين في ولايتهم بالقسط والعدل، وكلام الله .............

стр. 105

لا يوصف بصفات المخلوقين، وإنما يوصف بأنه هُدى ونور، يهدي به الله من شاء من خلقه. قال الله -تعالى-: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، وقال -تعالى-: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾، وقال -تعالى-: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، وقال -تعالى-: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا. وروى الإمام أحمد ومسلم، عن زيد بن أرقم ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في خطبته بين مكة والمدينة: «أما بعد، ألا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين؛ أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به فحث على كتاب الله ورغب فيه» الحديث. وفي رواية لمسلم: «كتاب الله فيه الهدى والنور، من استمسك به وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضلَّ». وإذا كان ابن محمود لا يعرف الفرق بين الهدى والمهدي فتوسعه في العلوم والفنون عناء لا فائدة فيه، وينبغي له ولأمثاله أن يعرفوا قدر أنفسهم، ولا يتطاولوا على شيخ الإسلام، الذي محله بين العلماء مثل القمر بين الكواكب. وأما قوله: وكم غرق في كلمة شيخ الإسلام هذه كثير من العلماء والعوام حين اعتقدوا صحة خروج المهدي. فجوابه: أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام من قلب الحقيقة؛ لأن الغارق في الحقيقة هو ابن محمود وأمثاله من الذين تأثروا بأقوال رشيد رضا، ومحمد فريد وجدي، وأحمد أمين، وأمثالهم من العصريين الذين طعنوا في الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في المهدي وقابلوها بالرد والإطراح، وأما الذين تمسكوا بالأحاديث الثابتة في المهدي وقابلوها بالقبول والتسليم، فهؤلاء ناجون من الغرق الذي وقع فيه من ذكرنا من العصريين، ومن قلدهم وسار على نهجهم الباطل في مخالفة الأحاديث الثابتة، وقد شبه بعض العلماء سنة النبي ﷺ بسفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق. وأما قوله: فكان من لقيته من العلماء والعوام يحتج بكلام شيخ الإسلام ﵀.

стр. 106

فجوابه: أن يقال: إن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- لم ينفرد بتصحيح بعض الأحاديث الواردة في المهدي، ولم يكن أول من قال بتصحيحها، بل قد سبقه إلى تصحيح بعضها عدد كثير من أكابر العلماء؛ ومنهم الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والعقيلي. وكذلك قد صحح بعضها غير واحد من الحفاظ النقاد الذين كانوا في زمان شيخ الإسلام ابن تيمية؛ كالذهبي، وابن القيم، وكذلك من كان بعدهم من أكابر العلماء ومنهم؛ نور الدين الهيثمي، والحافظان؛ زين الدين العراقي، وابن حجر العسقلاني، وهذان الحافظان قد حررا مجمع الزوائد مع الهيثمي، وأقراه على ما قاله فيه من التصحيح والتحسين، وكذلك غيرهم من المتأخرين؛ كابن حجر الهيتمي، والشوكاني، وصديق بن حسن، وصاحب "عون المعبود"، وصاحب "تحفة الأحوذي"، وأحمد محمد شاكر وغيرهم، وصرَّح غير واحد من الحفاظ النقاد ممن كان زمانهم قبل زمان شيخ الإسلام ابن تيمية وممن كانوا في زمانه وبعد زمانه أن أحاديث المهدي متواترة، وبهذا يعلم أن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ليس بدعا في إثبات خروج المهدي ولا في تصحيح بعض الأحاديث الواردة فيه، فمن عابه بذلك ورماه بالخطأ والتقصير من أجل ذلك، وزعم أن ذلك من زلاته ومن الاعتقاد السيئ، فالعائب هو المعيب في الحقيقة، وهو الذي قد أساء الاعتقاد وارتكب الخطأ والتقصير، وزلَّ أقبح زلة، ويلزم على قوله إطلاق ما ذكره من الصفات الذميمة على جميع من ذكرنا من الأئمة الحفاظ النقاد الذين قالوا مثل قول شيخ الإسلام ابن تيمية في إثبات خروج المهدي، وصحة بعض الأحاديث الواردة فيه ممن كانوا قبل الشيخ ومن كانوا بعده، وهذا قول سوء يتنزه عنه كل ذي عقل ودين. وقال ابن محمود في صفحة (١٣) وصفحة (١٤): "وفي البخاري: أن موسى لما لقي ذا القرنين في مجمع البحرين، وهاله ما رآه من تصرف ذي القرنين؛ من قتله للغلام، وبنائه للجدار الذي يريد أن ينقض، وخرقه لسفينة المساكين الذين يعملون فيها في التكسب في البحر، فضاق صدر موسى من تصرفه وعيل صبره، فأراد أن يفارقه، فقال له ذو القرنين: يا موسى، أنت على علم من الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم من الله لا تعلمه أنت". والجواب: أن يقال: ما قرره ابن محمود في هذه الجملة؛ من أن الذي لقيه موسى .....

стр. 107

هو ذو القرنين، فهو مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون، وكذلك قوله فيما سبق؛ أنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله، فهو مما حصل له بعد توسعه في العلوم والفنون، وهذه الأوهام ينزه عنها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم والفهم، وكيف خفي على الذي زعم أنه قد توسع في العلوم والفنون أن الذي لقيه موسى هو الخضر وليس ذا القرنين، مع أن ذلك لا يخفى على صغار طلبة العلم، وقد تقدم الجواب عن قوله؛ أنه لا مهدي بعد رسول الله وبعد كتاب الله. وأما قوله: وفي البخاري؛ أن موسى لما لقي ذا القرنين ..... إلى آخر كلامه الذي كرر فيه اسم ذي القرنين ثلاث مرات. فجوابه: أن يقال: هذا غلط فاحش؛ فإن الذي لقيه موسى ﵊ هو الخضر وليس ذا القرنين، وقد جاء ذلك صريحًا فيما رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، من حديث ابن عباس ﵄ عن أُبي بن كعب ﵁ وقد كرر فيه اسم الخضر في بعض الروايات ثمان مرات. وفي رواية لأحمد، والبخاري، ومسلم، عن ابن عباس ﵄ عن أُبي بن كعب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل، فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله إلى موسى؛ بلى عبدنا خضر، فسأل موسى السبيل إليه» الحديث، وقد ترجم البخاري على هذا الحديث بقوله: "باب حديث الخضر مع موسى ﵉". وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، من حديث ابن عباس ﵄ عن أُبي بن كعب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا». قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، وفي رواية لأبي داود قال: «أبصر الخضر غلامًا يلعب مع الصبيان، فتناول رأسه فقلعه، فقال موسى: أقتلت نفسًا زكية» الآية. فأما ذو القرنين؛ فقد روى الأزرقي في "أخبار مكة" عن عطاء بن السائب: "أن إبراهيم ﵊ رأى رجلا يطوف بالبيت فأنكره، فسأله: ممن أنت؟ فقال: من أصحاب ذي القرنين، قال: وأين هو؟ قال: هو ذا بالأبطح، فتلقاه إبراهيم فاعتنقه، فقيل لذي القرنين: لم لا تركب؟ قال: ما كنت لأركب وهذا يمشي. فحج ماشيًا" هذا .........

стр. 108

ما ذكره الأزرقي، وقد ذكر ابن قتيبة في كتاب "المعارف" أنه كان بين إبراهيم وموسى سبع مائة سنة. وأما قول ابن محمود: فضاق صدر موسى من تصرفه، وعيل صبره، فأراد أن يفارقه، فقال له ذو القرنين: يا موسى، أنت على علم من الله لا أعلمه أنا، وأنا على علم من الله لا تعلمه أنت. فجوابه: أن يقال: إنما قال الخضر هذا لموسى أول ما اجتمع به، وقبل أن يفعل شيئًا مما أنكره عليه موسى، وقد جاء ذلك في حديث الخضر مع موسى؛ ففيه أن موسى لما سلم على الخضر قال له: أتيتك لتعلمني مما علمت رشدًا، قال: يا موسى، إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه. ثم انطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة ... فذكر الحديث، وفيه ما فعله الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار الذي أزاد أن ينقض، وما أخبر الله به عن الخضر أنه قال لموسى: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾. وقد التبس الأمر على ابن محمود؛ فزعم أن قول الخضر لموسى أول ما اجتمعا إنما كان عند مفارقته له، وهذا الوهم مما حصل لابن محمود بعد توسعه في العلوم والفنون. وقال ابن محمود في صفحة (١٤): "يا معشر العلماء والمتعلمين والناس أجمعين، إنه يجب علينا بأن يكون تعليمنا واعتقادنا قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ كما لا نبي بعده، كما نعتقد بأن رسول الله ﷺ لم يخلف وراءه علمًا ولا دينًا يرتجى حصوله ووصوله على يد المهدي من بعده؛ لأن الله -سبحانه- قد أكمل لنا الدين، وأتم به النعمة". والجواب عن هذا من وجوه؛ أحدها: أن يقال: من زعم أنه يجب على العلماء والمتعلمين والناس أجمعين أن يكون تعليمهم واعتقادهم قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ ، فقد أوجب عليهم من التعليم والاعتقاد ما لم يوجبه الله ولا رسوله ﷺ ، وشرع لهم من الدين ما لم يأذن به الله، ودعاهم إلى تكذيب الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في الخلفاء الراشدين المهديين، وفي المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وفي كون عيسى ابن مريم حكمًا عدلا وإمامًا مهديًا في آخر ...........................................................

стр. 109

الزمان، ودعاهم أيضًا إلى مخالفة الإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين المهديين، ولا شك أن هذا من الدعاء إلى الضلالة، وقد قال الله -تعالى- فيمن دعا إلى الضلالة: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأهل السنن، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". الوجه الثاني: أن يقال: من قال إنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ فلازم قوله نفي المهدية عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ وعن عمر بن عبد العزيز وغيره من أئمة العدل المتمسكين بالكتاب والسنة، وكذلك نفي المهدية عن نبي الله عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام-، ومن قال بهذا القول الباطل واعتقده فقد كابر في رد الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «عليكم بسنتي وسنة الخفاء الراشدين المهديين، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ» رواه الإمام أحمد، وأهل السنن، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح"، وصححه الحاكم، والذهبي. ويلزم على هذا القول الباطل أيضًا خرق الإجماع على أن عمر بن عبد العزيز أحد الخلفاء الراشدين المهديين، ويلزم عليه أيضًا رد ما جاء في الحديث الصحيح؛ أن عيسى ابن مريم -عليهما الصلاة والسلام- إذا نزل في آخر الزمان يكون إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا، ويلزم عليه أيضًا رد الأحاديث الثابتة في خروج المهدي في آخر الزمان، وما لزم عليه ما ذكرنا من اللوازم السيئة فهو قول سوء، لا يصدر إلا عن اعتقاد فاسد. الوجه الثالث: أن يقال: إذا كان ابن محمود يرى أنه يجب عليه أن يكون تعليمه واعتقاده قائمًا على أنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ مع ما يلزم على هذا القول الباطل من رد الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ ومخالفة الإجماع، فإن سائر المتمسكين بالكتاب والسنة يرون أنه يجب عليهم أن يكون تعليمهم واعتقادهم قائمًا على إثبات المهدية للخلفاء الأربعة الراشدين؛ وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي .......................................

стр. 110

-﵃، وعلى إثبات المهدية لعمر بن عبد العزيز، وعلى إثبات المهدية لنبي الله عيسى ابن مريم، وهو أفضل المهديين بعد رسول الله ﷺ ، وعلى إثبات المهدية للرجل الصالح الذي يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض قسطًا وعدلا كما ملئت قبله جورًا وظلمًا، وهو الذي يسمى بالمهدي، وهو من أهل بيت النبي ﷺ . هذا ما يراه أهل السنة والجماعة ويعتقدونه، ولا عبرة بمن خالفهم من ذوي التكلف والمجازفة. الوجه الرابع: أن يقال: إن ابن محمود نفى وجود المهديين بعد رسول الله ﷺ ، وقاس ذلك على نفي وجود الأنبياء بعده، وهذا قياس فاسد؛ لأنه قياس مع وجود الفارق، فإن الأنبياء قد ختموا بمحمد ﷺ كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وأما وجود المهديين بعد رسول الله ﷺ فقد دل عليه قوله ﷺ في حديث العرباض بن سارية ﵁: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»، ودلت عليه أيضًا الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ أنه أخبر بخروج المهدي في آخر الزمان، ودل عليه أيضًا قوله ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁: «يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إمامًا مهديًا وحكمًا عدلا». وفي هذه الأحاديث أبلغ رد على القياس الفاسد الذي تعلق به ابن محمود. وليعلم أن أفضل المهديين بعد رسول الله ﷺ نبي الله عيسى ابن مريم، وأفضل المهديين بعده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، فمن نفى صفة المهدية عن نبي الله عيسى وعن الخلفاء الأربعة، وزعم أنه لا مهدي بعد رسول الله ﷺ ، فلا شك في فساد عقيدته. الوجه الخامس: أن يقال: إن طريقة المهدي كطريقة غيره من أئمة العدل، الذين يعملون بالكتاب والسنة، ويجددون ما اندرس من الدين، كما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود، والحاكم، عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، وروى الإمام أحمد، ومسلم، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى ابن مريم ﷺ ، فيقول أميرهم: تعال صلِّ بنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة الله هذه الأمة»، وفي رواية الحارث بن أبي أسامة عن جابر ﵁: «فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا».
следующие страницы →