الْمُقَدِّمَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ نَاصِرِ أَوْلِيَائِهِ الصَّادِقِينَ، ومُذِلِّ أَعْدَائِهِ الْكَاذِبِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمدٍ الصَّادِقِ الأَمِينِ، وعَلَى إِخوانِهِ مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، وأَصْحَابِهِ الْغُرِّ المَيَامِينَ، وَأَزْوَاجِهِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَمَّا بَعْدُ:
فإِنَّ إِشَاعَةَ مَنَاقِبِ أُمَّهَاتِ المؤمنين، وبيانَ فضْلِهن، والذَّبَ عَنْ عِرضِهِنَّ، مِن أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ، وَمِن أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ، كَيْفَ لاَ وهنَّ زَوْجَاتُ النَّبِيِّ الكريم ﷺ ، وهنّ أُمهاتنا بنص القرآن: ﴿النَّبِيّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١).
ومن المَعْلومِ أَنَّ الأمَّهات لهن علينا حقوقٌ عظيمة، وواجباتٌ جسيمةٌ، فَبِرَّهُنَّ يُدْخِل الجنة، وعقوقهن يُدْخِل النار، وكان من أدنى البر أن نذكر فضائلهن، ونذب عن عرضهن.
وفي هذا البحث أتناولُ سيرةَ إحدى أمهاتنا: أُمِّ المؤمنين، وحبيبةِ رسولِ ربِّ العالمين، الصديقة بنت الصديق، الطاهرة العفيفة، المبرأة من فوق سبع سماوات: عَائِشَة ﵂ وأرضاها.
لا يُذكرُ الطُّهرُ إلا قيلَ عَائِشَة ... رمزٌ لهُ وهوَ نورٌ في مُحيّاها
نُجِلُّها نُطرِبُ الدنيا بِرَوعتها ... إذا انبرى بكلامِ السوءِ أشقاها
نُرتِّلُ الوحيَ صفوًا عن طهارتِها ... ولا نُبالي بصوتٍ خاسئٍ تاها
صدِّيقةٌ وابنةُ الصدِّيقِ ليس لها ... من مُشبِهٍ في الصَّبايا في مزاياها (٢)
стр. 2
كنتُ مهتمًا بسيرة زوجات رسول الله ﷺ ، وبسيرة عَائِشَة ﵂ على وجه الخصوص، ولكن بعد حادثة الإفك الحديثة الخبيثة، بدأت أقرأ عن كثب وبتأنٍ ورعايةٍ في فضائل عَائِشَة ﵂، وَطَفِقْتُ أبحث عن كل ما يختص بسيرتها ومناقبها وخصائصها، ومن ثم الرد على الشُّبُهَات المثارة حولها، حتى وقفتُ على (مسابقة أمنا عَائِشَة ملكة العفاف) التي قامت بها مؤسسة الدرر السنية، فعزمتُ على المشاركة فيها رغم كثرة الانشغالات، وتجدد الصوارف، والله المستعان، وقد سميتُ البحث: (إجلاء الحقيقة في سيرة عائشة الصديقة).
وقد عملت في هذا البحث بما وسعه الجهد، وسمح به الوقت، وتوصَّل إليه الفهم المتواضع، ولا أدعي فيه الكمال فهو كغيره من جهد البشر فيه الصوابُ والخطأُ، والزيادةُ والنقصانُ، فحسبي أنَّي اجتهدتُ، فما كان فيه من صوابٍ فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
стр. 3
خطة البحث
قد التزمتُ في كتابة هذا البحث بالخطة الموضوعة في المسابقة مع بعض التعديل، وكانت في مقدمة، وستة فصول، وخاتمة، وفهارس، على النحو التالي:
المقدمة، وتشتمل على ما يلي:
o أهمية الموضوع.
o دوافع الكتابة في الموضوع.
o خطة البحث.
o منهج البحث.
o كلمة شكر.
الفصل الأول: حياة أُمِّ المؤمنين عَائِشَة ﵂، وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: اسمها ونسبها.
المبحث الثاني: مولدها ونشأتها.
المبحث الثالث: زواجها من النَّبِيّ ﷺ .
المبحث الرابع: منزلتها عند النَّبِيّ ﷺ .
المبحث الخامس: منزلتها عند المؤمنين.
المبحث السادس: وفاتها ﵂.
الفصل الثاني: فضائل ومناقب أُمِّ المؤمنين عَائِشَة ﵂، وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: صفاتها الخِلْقِيَّة والخُلُقِيَّة، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: صفاتها الخِلْقِيَّة.
المطلب الثاني: صفاتها الخُلُقِيَّة.
стр. 4
المبحث الثاني: مكانتها العلمِيَّة، وفيه ستة مطالب:
المطلب الأول: أقوال العلماء في مكانتها العلمِيَّة.
المطلب الثاني: علمها بالقرآن وعلومه.
المطلب الثالث: علمها بالسُّنَّة النَّبوِيَّة.
المطلب الرابع: علمها بالفقه والفتوى.
المطلب الخامس: علمها بِاللُّغَةِ والشِّعْر.
المطلب السادس: علمها بِالطِّبِّ والتَّدَاوِي.
المبحث الثالث: الفضائل العامة التي شاركتْ فيها أمَّهات المؤمنين.
المبحث الرابع: الفضائل التي انفردتْ بِهَا ﵂.
الفصل الثالث: العلاقة الحسنة بين أُمِّ المؤمنين عَائِشَة وآل البيت، وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وعلي ﵄.
المبحث الثاني: العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وفاطمة ﵄.
المبحث الثالث: العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وذُرِّيَّة عليِّ وبقية آل البيت.
الفصل الرابع: أباطِيل وشُبُهَات حول أُمِّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ والرَّد عليها، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الافتراءات والأباطيل المكذوبة على عَائِشَة ﵂، وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: أقوال أهل العلم في كذب الرَّافِضَة.
المطلب الثاني: قول الرَّافِضَة: إنَّ عَائِشَة سَقَتْ النَّبِيّ ﷺ السُّمَّ.
المطلب الثالث: قولهم إِنَّ عَائِشَة اتَّهمتْ مارية القبطية بالزِّنا فنزلت فيها
стр. 5
آية الإفك.
المطلب الرابع: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تبغض عثمان وتقول: "اقتلوا نعثلاً فقد كفر".
المطلب الخامس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة مَنَعتْ من دَفْنِ الحسن بن علي عند جَدِّه.
المطلب السادس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تَكْذِبُ على رسول الله ﷺ .
المطلب السابع: قولهم: إِنَّ عَائِشَة أغْضَبَتْ فاطمة حتى أبْكَتْها.
المبحث الثاني: الشُّبُهَات المثارة حول أُمِّ المؤمنين عَائِشَة ﵂، وفيه سبعة مطالب:
المطلب الأول: التَّحْذِير من الْوُقُوعِ في شِبَاك الشُّبُهَات.
المطلب الثاني: قول الرَّافِضَة: إِنَّ عَائِشَة خَرَجَتْ لقتالِ علي ﵄.
المطلب الثالث: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تُبْغِضُ عليًا ﵄.
المطلب الرابع: قولهم: إِنَّ الفِتْنَة خَرجتْ من بيت عَائِشَة.
المطلب الخامس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت لا تحتجب من الرِّجال.
المطلب السادس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تُزيِّن الجواري وتطوف بهنّ.
المطلب السابع: قولهم: إنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تُسِيءُ إلى النَّبِيّ ﷺ .
الفصل الخامس: الفوائد والآثار الإيجابية لحادثة الإفك القديمة والحديثة، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: الفوائد والآثار الإيجابيَّة لحادثة الإفك القديمة.
المبحث الثاني: الفوائد والآثار الإيجابيَّة لحادثة الإفك الحديثة.
стр. 6
الفصل السادس: حكم من سَبَّ أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂، وفيه مبحثان:
المبحث الأول: حكم من سبَّ أُمّ المؤمنين عَائِشَة بما برَّأها الله منه.
المبحث الثاني: حكم من سبَّ أُمّ المؤمنين عَائِشَة بغير ما برَّأها الله منه.
الخَاتِمة، وفيها أهمُّ النتائج والتوصيات.
الفهارس، وتَشْمِلُ:
فهرس المصادر والمراجع.
فهرس الموضوعات.
стр. 7
منهج البحث
المنهج الذي اتبعته في هذا البحث يتلخص في الآتي:
أولاً: جعلتُ الآيات بين قوسين مُزهرين، هكذا: ﴿ ... ﴾، وذكرتُ اسمَ السورة ورقم الآية في الهامش.
ثانيًا: خرَّجتُ الأحاديث والآثارَ من مصادِرها الأصلية، وجعلتُها بين قوسين (هلاليين مزدوجين)، هكذا: « ... » فإن كان الحديث أو الأثر في الصحيحين اكتفيتُ بهما - إلاّ إذا كانت هناك زيادة في غيرهما - وإن كان في غيرهما خرجته من كتب السنن الأربعة، وإن لم يكن فيها خرجته من باقي الكتب التسعة، وإلا بما في كتب السُّنة الأخرى، وذلك بذكر اسم الكتاب، ثم الباب، ثم الجزء والصفحة، ثم رقم الحديث، وأما ما عدا الصحيحين والسنن، فاكتفي بالجزء والصفحة ورقم الحديث إن وجد.
ثالثًا: حكمتُ على الأحاديث والآثار وبيَّنتُ درجتها، معتمدًا على أقوال العلماء في ذلك، وإن لم أجد اجتهدتُ في الحكم على الحديث، بعد النظر في إسناده، ومتنه، حسبما تقتضيه قواعد الصنعة الحديثية.
رابعًا: ضبطتُ الأحاديث بالشكل ضبطًا كاملاً، حتى يتيسر فهم ألفاظ الحديث.
خامسًا: ضبطتُ بالشَّكل ما يحتاج إلى ضبط مما تُشْكِلُ قراءته، ويَلْتَبِسُ نطقه.
سادسًا: وثَّقتُ النقولات والأقوال وجعلتُها بين قوسين صغيرين، هكذا: " ... "، وإذا حذفت شيئًا من النص المنقول وضعتُ مكانه نقطًا هكذا: ... ، وذكرت في الحاشية اسم الكتاب والجزء والصفحة.
стр. 8
سابعًا: قمتُ بوضع علامات الترقيم وفصل الجمل عن بعضها بما يبين المراد منها.
ثامنًا: ترجمتُ للأعلام الواردة أسماؤهم في البحث عند أول ورودها، باختصار بحيث تتضمن: نسبه ومذهبه، وبعض مؤلفاته ووفاته.
تاسعًا: شرحت الكلمات الغريبة والغامضة من كتب اللغة وغريب الحديث وغيرها.
стр. 9
كلمة شكر
ختامًا: الشكر أولاً وآخرًا لله تعالى، فبفضله تيسَّر لي إتمام هذا البحث المتواضع، فلولا توفيقه وإعانته لما تشرفتُ بالكتابة في سيرة إحدى أمهات المؤمنين، اللائي نتعبد الله ونتقرب إليه بحبهن.
ثم الشكر كل الشكر لمؤسسة الدرر السَّنِيَّة على تبنِّيها لمثل هذه الأعمال العلميَّة، التي شجَّعتْ فيها عددًا كبيرًا من المسلمين على الإطلاع والبحث والكتابة في موضوع مهم، يُعَدُّ أصلاً من أصول أهل السنة والجماعة، فجزاهم الله عَنَّا وعن الإسلام خير الجزاء.
والشكر أيضًا لأخي وشقيقي أبي سهل طه الزَيَّاتِي، على مساعدته لي في هذا البحث خصوصًا فصل الشُّبُهَات والافتراءات، فجزاه الله خيرًا.
وشكري الخاص للوالدة العزيزة - حفظها الله وأطال عمرها في طاعته - فإنها بذلت الغالي والنفيس من أجل تربيتي وتعليمي.
كما لا أنسى بالشكر زَوْجَتِي أم العباس على تَحَمُّلِها وصبرها على انشغالي بالبحث.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
وكتبه
ياسين الخليفة الطيب المحجوب
القصيم - بريدة
al_khaleefa@hotmail.com
стр. 10
الفصل الأول
حياة أُمِّ المؤمنين عَائِشَة ﵂:
وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: اسمها ونسبها.
المبحث الثاني: مولدها ونشأتها.
المبحث الثالث: زواجها من النَّبِيّ ﷺ .
المبحث الرابع: منزلتها عند النَّبِيّ ﷺ .
المبحث الخامس: منزلتها عند المؤمنين.
المبحث السادس: وفاتها ﵂.
стр. 11
المبحث الأول
اسمها ونسبها
هي أمُّ المؤمنين عَائِشَة، بنتُ الإمام الأكبر، خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر الصديق، (عبدِ الله) بنِ أبي قحافة (عثمانَ) بنِ عامرِ بنِ عمروِ بنِ كعبِ بنِ سعدِ بنِ تَيْمِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لؤي بن فهر بن مالك بن كنانة، أمُّ عبد الله، القرشيةُ، التَّيْمِيَّةُ، المَكِّيَّةُ، ثم المَدَنِيَّةُ، زوجةُ النَّبِيّ ﷺ (١).
كُنْيَتهَا: أمُّ عبد الله، كناها بها النَّبِيّ ﷺ ، وذلك عندما طلبت منه أن يكون لها كنية، فكناها بابن أختها أسماء، تطييبًا لخاطرها، فعن عروة عن عَائِشَة ﵂ أنها قالت: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ صَوَاحِبِي لَهُنَّ كُنًى، قَالَ: "فَاكْتَنِي بِابْنِكِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ" - يعني ابن اختها -، فَكَانَتْ تُدْعَى بِأُمِّ عَبْدِ اللهِ حَتَّى مَاتَتْ» (٢).
وأبوها: عبد الله بن أبي قُحَافَة: عثمان بنِ عامرِ بنِ عمروِ بنِ كعبِ، القُرَشِيّ، التَّيمِيّ، أبو بكر الصديق، أول من آمن برسول الله ﷺ من الرجال، وأول الخلفاء الراشدين، ولد بمكة، ونشأ بها، وكان أحد أعاظم العرب، وسيداً من سادات قريش، ومن كبار أغْنِيائِهم، عالماً بأنساب القبائل وأخبارها وسياستها، وكان موصوفاً بالحلم والرأفة، خطيباً لسناً، وشجاعاً بطلاً.
стр. 12
وكانت له في عصر النبوة مواقف كبيرة، فشهد الحروب، واحتمل الشدائد، وبذل الأموال، بل ودخل مع النبي ﷺ الغار، كما في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١)، وقد ووردت في فضل أبي بكر ﵁ أحاديث كثيرة، منها قوله ﷺ : «لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا غَيْرَ رَبِّي لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ وَمَوَدَّتُهُ» (٢).
بُويع ﵁ بالخلافة بعد وفاة النبي ﷺ ، وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر ونصف شهر، وتوفي بالمدينة سنة ثلاث عشرة للهجرة، وعمره ثلاثٌ وستون سنة (٣).
وأمُّ عائشة: أمُّ رُوْمان، - قيل: اسمها زينب، وقيل: دعد - بنتُ عامرِ بنِ عُوَيْمِرِ بنِ عبدِ شمس ابن عَتَّابِ بن أُذَيْنَةَ بن سُبَيْعِ بن دُهْمَانَ بن حارث بن غَنْمِ بن مالك بن كِنَانَةَ (٤)، وقد تزوجها أبو بكر الصديق ﵁ في الجاهلية بعد أن توفى زوجها عبد الله بن الحارث الأَزْدِيّ، وقد أسلمت أم رومان في مكة، وكانت من أوائل المسلمات، وبايعت النَّبِيّ ﷺ ، وهاجرت مع أهل النَّبِيّ ﷺ ، وآل أبي بكر ﵁ (٥).
"ويلتقي نسب عَائِشَة ﵂ مع النَّبِيّ ﷺ من جهة الأب في الجد السابع
стр. 13
(مرة بن كعب) (١)، ومن جهة الأم في الجد الحادي عشر أو الثاني عشر" (٢).
"وأسرة السيدة عَائِشَة ﵂ تنحدر من قبيلة (تيم) العربية، والتي عُرف عنها الكرم والشجاعة والنجدة، ونصرة المظلوم، وإعانة الضعيف، وقد عُهِدَ إلى أبي بكر الصديق باعتباره أحد سادتهم، بأمر تسوية الدم وأداء المغارم والديات" (٣).
стр. 14
المبحث الثاني
مولدها ونشأتها
وُلِدَتْ أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ بمكة، بعد البعثة بأربع سنين أو خمس (١) تقريبًا (٢)، فخرجت إلى الدنيا فوجدت نفسها بين أبوين كريمين مؤمنين، في بيت يدين بدين الإسلام، بل وجدت نفسها ابنة خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، فوالدها أبو بكر الصديق ﵁ أوَّل من أسلم من الرجال، وبإسلامه أسلمت زوجته أم رومان وابنتاه أسماء وعَائِشَة ﵅، وبذلك تعد عَائِشَة ﵂ من أوائل المسلمات.
وكان أبواها - مع إسلامهما المتين - لهما علاقات حميمة، وصِلات وثيقة برسول الله ﷺ ، كما حكت ذلك بنفسها ﵂، فعن عروة بن الزبير أن عَائِشَة زوج رسول الله ﷺ قالت: «لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً» (٣).
"وكانت لأسرة أبي بكر الصديق مكانة كبيرة قبل الإسلام، فهي من أكرم الأسر العربية وأعرقها، وبعد الإسلام تعد أسرة أبي بكر الصديق من السابقين إليه،
стр. 15
وقد ورثت أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ الكثير من عناصر الفخار التي تميزت بها قبيلتها، كما أنها ولدت ونشأت في بيت عامر بالإسلام والإيمان - كما سبق - مما كان له الأثر الكبير والطيب عليها" (١).
وقد أرضعتْ عَائِشَة ﵂ زوجةُ أبي القعيس (٢)، (٣)، فعن عائشة ﵂، قالت: «اسْتَأْذَنَ عَلَيَّ أَفْلَحُ أَخُو أَبِي القُعَيْسِ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الحِجَابُ، فَقُلْتُ: لاَ آذَنُ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ فِيهِ النَّبِيّ ﷺ ، فَإِنَّ أَخَاهُ أَبَا القُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيّ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَفْلَحَ أَخَا أَبِي القُعَيْسِ اسْتَأْذَنَ فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَكَ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "وَمَا مَنَعَكِ أَنْ تَأْذَنِي عَمُّكِ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي، وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي القُعَيْسِ، فَقَالَ: "ائْذَنِي لَهُ فَإِنَّهُ عَمُّكِ تَرِبَتْ يَمِينُكِ"» (٤).
فنشأت ﵂ في أحضان هذه الأسرة المباركة، وترعرعت في بيت الصدق والإيمان، وعاشت منذ نعومة أظفارها في ظل تعاليم الدين الإسلامي الحنيف،
стр. 16
وشهدت في طفولتها أشد المراحل التي مرت بها دعوة الإسلام وما لاقاه المسلمون من الأذى والاضطهاد.
فلما هاجر رسول الله ﷺ مع صاحبه ورفيقه أبي بكر الصديق إلى المدينة تركا أهليهما بمكة، ولما استقر بهما الحال هناك أرسل النَّبِيّ ﷺ من يحضر أهله وأهل أبي بكر، وقد تعرضت الأسرتان في طريق الهجرة لأخطار عديدة ومصاعب كثيرة، ومن ذلك ما روته عَائِشَة ﵂ قالت: «قَدِمْنَا مُهَاجِرِينَ فَسَلَكْنَا فِي ثَنِيَّةٍ (١) صَعْبَةٍ، فَنَفَرَ بِي جَمَلٌ كُنْتُ عَلَيْهِ قَوِيًّا مُنْكَرًا، فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى قَوْلَ أُمِّي: يَا عَرِيسَةُ، فَرَكِبْتُ فِي رَأْسِهِ، فَسَمِعْتُ قَائِلاً، يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَرَاهُ أُلْقِيَ خِطَامُهُ (٢)، فَأَلْقَيْتُهُ، فَقَامَ يَسْتَدِيرُ، كَأَنَّمَا إِنْسَانٌ قَائِمٌ تَحْتَهُ يُمْسِكُهُ» (٣).
стр. 17
المبحث الثالث
زواجها من النَّبِيّ ﷺ
تزوج النَّبِيّ ﷺ عَائِشَة ﵂ قبل الهجرة ببضعة عشر شهرًا في شهر شوّال، وهي ابنة ست سنوات، ودخل بها في شوّال من السنة الثانية للهجرة وهي بنت تسع سنوات، فعنها ﵂ قالت: «تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِسِتِّ سِنِينَ، وَبَنَي بِي وَأَنَا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ» (١).
وقد رأى النَّبِيّ ﷺ عَائِشَة ﵂ في المنام قبل زواجه بها، ففي الحديث عنها ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «أُرِيتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ (٢)، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأَتُكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ» (٣).
ثم بعد هذه الرؤيا المباركة جاءت مرحلة الخطوبة، ولقد ذكرت عَائِشَة ﵂ قصة خِطبة النَّبِيّ ﷺ لها بتفاصيلها الدقيقة؛ وذلك لأنها تمثل عندها ذكريات طيبة
وقد أقامت عَائِشَة ﵂ في صحبة النَّبِيّ ﷺ ثمانية أعوام وخمسة أشهر (١)، وتوفى ﷺ وهي ابنة ثماني عشرة سنة، فعنها ﵂: «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وَأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ، وَمَكَثَتْ عِنْدَهُ تِسْعًا»، وفي رواية: «وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانَ عَشْرَةَ» (٢).
стр. 22
المبحث الرابع
منزلتها عند النَّبِيّ ﷺ
كان لعَائِشَة ﵂ مكانة خاصة في قلب النَّبِيّ ﷺ ؛ وذلك لأنها كانت ابنة صاحبه الأكبر أبي بكر الصديق، وكانت أيضًا أحب زوجاته إليه.
وقد حبَّ النَّبِيّ ﷺ عَائِشَة ﵂ منذ صغرها، فعن حبيب مولى عروة (١) قال: كان رسول الله ﷺ يختلف إلى بيت أبي بكر ويقول: «يَا أُمَّ رُومَانَ، اسْتَوْصِي بِعَائِشَةَ خَيْرًا وَاحْفَظِينِي فِيهَا» (٢).
وقد كان ﷺ يُظهر حبه لعَائِشَة ﵂، ولا يخفيه، حتى إن عمرو بن العاص ﵁، سأله فقال: «أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَة"، قَالَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: "أَبُوهَا"» (٣).
هذا الحديث فيه منقبة ظاهرة لأُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ وهي أنها كانت أحبُّ أزواج النَّبِيّ ﷺ إليه.
стр. 23
وقد علم جميع الناس حبَّ النَّبِيّ ﷺ لعَائِشَة حتى ثارت غيرة زوجاته، فعنها ﵂: أن نساء رسول الله ﷺ كن حزبين، فحزب فيه عَائِشَة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله ﷺ ، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله ﷺ لعَائِشَة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ ، أَخَّرَهَا حتى إذا كان رسول الله ﷺ في بيت عَائِشَة، بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله ﷺ في بيت عَائِشَة، فكلم حزب أم سلمة فقلن لها: كلمي رسول الله ﷺ يكلم الناس، فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله ﷺ هدية، فليهده إليه حيث كان من بيوت نسائه، فكلمته أم سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئاً، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئاً، فقلن لها، فكلميه قالت: فكلمته حين دار إليها أيضًا، فلم يقل لها شيئا، فسألنها، فقالت: ما قال لي شيئاً، فقلن لها: كلميه حتى يكلمك، فدار إليها فكلمته، فقال لها: «لاَ تُؤْذِينِي فِي عَائِشَة فَإِنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ، إِلا عَائِشَة»، قالت: فقالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله، ثم إنهن دَعَوْنَ فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ تقول: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت أبي بكر، فكلمته فقال: «يَا بُنَيَّة أَلاَ تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟»، قالت: بلى، فرجعت إليهن، فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع، فأرسلن زينب بنت جحش، فأتته، فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عَائِشَة وهي قاعدة فسبتها، حتى إن رسول الله ﷺ لينظر إلى عَائِشَة، هل تكلم، قال: فتكلمت عَائِشَة ترد على زينب حتى أسكتتها،
стр. 24
قالت: فنظر النَّبِيّ ﷺ إلى عَائِشَة، وقال: «إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ» (١).
وكان ﷺ يفسح لها المجال للعب، ولم يحرمها من هذه المتعة، بل إنه كان يفرح بلعبها ويضحك حتى تُرَى نواجِذه، فعنها ﵂ قالت: «كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيّ ﷺ ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، "فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ (٢) مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ (٣) إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي"» (٤).
وكان ﷺ دائمًا يحب أن يدخل الفرح والبهجة على قلبها، فيحملها على عاتقه لتشاهد الحبشة وهم يلعبون، فعنها قالت: «وَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ، فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي، حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ» (٥).
стр. 25
وكان ﷺ من شدة حبه لها ينزل إلى رغباتها ويشاركها في لعبها، فعنها ﵂: «أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ النَّبِيّ ﷺ فِي سَفَرٍ، قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ (١) سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَقَالَ: "هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ"» (٢).
وكان النَّبِيّ ﷺ إذا افتقدها قال: «وَاعَرُوْسَاهُ» (٣).
وقد وجعت يومًا فقالت: "وارأساه" فقال النَّبِيّ ﷺ : «بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ» (٤)، قال بدر الدين الزركشي (٥) ﵀: "فيه إشارة للغاية في الموافقة حتى تألم بألمها فكأنه
стр. 26
أخبرها بصدق محبته حتى واساها في الألم" (١).
وكان ﷺ متمسكًا بحبها حتى فارق الدنيا، ويدل على ذلك اختياره ﷺ أن يمرض في بيتها، ووفاته بين سحرها ونحرها، ودفنه في بيتها.
стр. 27
المبحث الخامس
منزلتها عند المؤمنين
أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ لها مكانة عالية في قلوب المؤمنين، من لَدُن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا، ففي عهد النَّبِيّ ﷺ ، كان المسلمون إذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ ، أخرها حتى إذا كان رسول الله ﷺ في بيت عَائِشَة، بعث صاحب الهدية بها إلى رسول الله ﷺ في بيت عَائِشَة ﵂ (١).
وها هو ابن عباس ﵁ عندما زارها في مرضها الذي ماتت فيه، قال لها: «أَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ» (٢).
وها هي سودة ﵂ وهبت يومها لعائشة خاصة، فعن عَائِشَة ﵂: «مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلاخِهَا (٣) مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ (٤)، قَالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ، جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ لعَائِشَة،
стр. 28
قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لعَائِشَة، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، يَقْسِمُ لعَائِشَة يَوْمَيْنِ، يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ» (١).
وحتى الذين خاضوا في الإفك من الصحابة ﵃، من غير قصد منهم، قد تابوا، وأحبوا عَائِشَة ﵂، بل دافعوا عنها أشد دفاع، ومن هؤلاء حسان بن ثابت ﵁، أنشد فيها شعرًا فقال:
رَأَيْتُكِ وَلْيَغْفِرْ لَكِ اللَّهُ حُرَّةً ... مِنَ الْمُحْصَنَاتِ غَيْرَ ذَاتِ غَوَائِلِ
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ
عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... كِرَامِ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ
مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيمَهَا ... وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ
فَإِنْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ الَّذِي قَدْ زَعَمْتُمُ ... فَلا رَفَعَتْ سَوْطِي إِلَيَّ أَنَامِلِي
وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَتِي ... لآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ
لَهُ رَتَبٌ عَالٍ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ ... تَقَاصَرُ عَنْهُ سَوْرَةُ الْمُتَطَاوِلِ
فَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلائِطٍ ... وَلَكِنَّهُ قَوْلُ امْرِئٍ بِيَ مَاحِلِ (٢)
стр. 29
وكذلك التابعين كانوا يجلون عَائِشَة ﵂، فكان مسروق إذا حدث عنها قال: "حدثتني الصديقة بنت الصديق، حبيبة رسول الله المبرأة من فوق سبع سماوات" (١).
وأكبر دليل على حب المؤمنين لعَائِشَة ﵂ سلفًا وخلفًا، ما ألَّفَه العلماء في شأنها، فقلَّما تركوا شيئًا يتعلق بها إلاّ أفردوا فيه مصنفًا، فذكروا مناقبها ونشروا فضائلها، وردوا على أباطيل من طعن فيها، نثرًا وشعرًا.
وهذه قصيدة بلسانها نظمها أبو عمران موسى بن محمد بن عبد الله الواعظ الأندلسي (٢) ﵀ فقال:
ما شَانُ أُمِّ المُؤْمِنِينَ وَشَانِي ... هُدِيَ المُحِبُّ لها وضَلَّ الشَّانِي
إِنِّي أَقُولُ مُبَيِّنًا عَنْ فَضْلِها ... ومُتَرْجِمًا عَنْ قَوْلِها بِلِسَانِي
يا مُبْغِضِي لا تَأْتِ قَبْرَ مُحَمَّدٍ ... فالبَيْتُ بَيْتِي والمَكانُ مَكانِي
إِنِّي خُصِصْتُ على نِساءِ مُحَمَّدٍ ... بِصِفاتِ بِرٍّ تَحْتَهُنَّ مَعانِي
وَسَبَقْتُهُنَّ إلى الفَضَائِلِ كُلِّها ... فالسَّبْقُ سَبْقِي والعِنَانُ عِنَانِي
مَرِضَ النَّبِيّ وماتَ بينَ تَرَائِبِي ... فالْيَوْمُ يَوْمِي والزَّمانُ زَمانِي
إنِّي لَصَادِقَةُ المَقَالِ كَرِيمَةٌ ... إي والذي ذَلَّتْ لَهُ الثَّقَلانِ
خُذْها إليكَ فإنَّمَا هيَ رَوْضَةٌ ... مَحْفُوفَةٌ بالرَّوْحِ والرَّيْحَانِ
صَلَّى الإلهُ على النَّبِيّ وآلِهِ ... فَبِهِمْ تُشَمُّ أَزَاهِرُ البُسْتَانِ (١)
ونختم هذه المبحث بقول الشيخ سليمان الندوي ﵀: "هذه هي شخصية أُمّ المؤمنين ﵂ التي اتصفت بهذه الصفات العالية وقدمت أمام أكثر من مائة مليون امرأة أسوة حسنة لحياة مثالية كاملة، ورسمت لكل من أتى بعدها أمثل الطرق وأنفعها، وذلك بمآثرها الخالدة، وعبادتها وخضوعها أمام الباري تعالى، والمُثُل الحيّة والأساليب العملية للأخلاق الشرعية شرحًا تفصيليًا، فلها المنّ والفضل من جميع النواحي الدينية والعلمية والاجتماعية على هذا العدد الهائل من صنف النساء" (٢).
стр. 34
المبحث السادس
وفاتها ﵂
توفيت أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ بالمدينة النبويَّة، ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان من السنة السابعة أو الثامنة أو التاسعة والخمسين للهجرة، في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵁ (١).
وقد زارها بعض الصحابة في مرض موتها، فعن ابن أبي مليكة (٢): أن ابن عباس استأذن عليها وهي مغلوبة (٣)، فقالت: أخشى أن يثني عليَّ، فقيل: ابن عم رسول الله ﵌، ومن وجوه المسلمين، قالت: ائذنوا له، فقال: كيف تجدينك؟ قالت: بخير إن اتقيت، قال: فأنت بخير إن شاء الله، زوجة رسول الله ﵌، ولم يتزوج بِكراً غيرك، ونزل عذرك من السماء، فلما جاء ابن الزبير قالت: جاء ابن عباس، وأثنى علي، ووددت أني كنت نسياً منسياً (٤).
وعند وفاتها حزن عليها أهل المدينة حزنًا شديدًا، ولما سمعت أم سلمة ﵂ الصرخة على عَائِشَة أرسلت جاريتها: انظري ماذا صنعت؟ فجاءت فقالت: قد
стр. 35
قضت (١)، فقالت: «يَرْحَمُهَا اللهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ كُلِّهِمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلا أَبُوهَا» (٢)، وفي رواية: «أَذْهَبَ عَنْكِ يَا عَائِشَةُ، فَمَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ نَسَمَةٌ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْكِ، - ثُمَّ قَالَتْ -: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، غَيْرَ أَبِيهَا» (٣).
وقال مسروق (٤) ﵀: "لولا بعض الأمر لأقمت المناحة على أُمّ المؤمنين" (٥).
وقد صلى عليها أبو هريرة ﵁ وسط مقابر البقيع وكان يومئذٍ خليفة مروان بن الحكم أمير المدينة حينئذٍ من جهة معاوية؛ لأنه حج فاستخلف
стр. 36
أبا هريرة، ﵁ (١).
ودفنت ﵂ ليلاً بعد الوتر، وكان الليل مظلمًا فلم يجد المشيعون بُدّاً من أن يحملوا فيه خِرَقَاً (٢) غمسوها في زيت وأشعلوا فيها النار لتضئ لهم الطريق إلى المقابر، وازدحم الناس وتجمعوا حول النعش (٣)، ولم تُرَ ليلة أكثر ناسًا منها، ونزل أهل العوالي (٤) إلى المدينة (٥).
ونزل في قبرها خمسة من آل الصديق: عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوام من أختها أسماء بنت أبي بكر، والقاسم، وعبد الله ابنا أخيها محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وكان عمرها يومئذ سبعًا وستين سنة، ودفنت بالبقيع (٦)، ﵂ وأرضاها.
стр. 37
الفصل الثاني
فضائل ومناقب أُمِّ المؤمنين عَائِشَة ﵂:
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: صفاتها الخِلْقِيَّة والخُلُقِيَّة.
المبحث الثاني: مكانتها العلميَّة.
المبحث الثالث: الفضائل العامة التي شاركتْ فيها أمهات المؤمنين.
المبحث الرابع: الفضائل التي انفردتْ بِها ﵂.
المطلب الأول
صفاتها الخِلْقِيَّة
كانتْ أُمُّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ امرأةً جميلةً، بيضاء مشربة بحُمْرَة؛ ولهذا يقال لها: الحميراء (١)، والعرب تطلق على الأبيض الأحمر، كراهة لاسم البياض لكونه يشبه البرص، فهي كانت ﵂ بيضاء بياضًا ناعمًا مشربًا بحمرة، وهو أحسن الألوان (٢).
وكانت ﵂ نحيلة الجسم في شبابها، ثم بمرور الأيام امتلأت وبَدُنَتْ، وحملت اللحم، وهذا ما تحكيه هي بنفسها، فقالت ﵂: «سَابَقَنِي النَّبِيّ ﷺ فَسَبَقْتُهُ، فَلَبِثْنَا حَتَّى إِذَا رَهِقَنِي اللَّحْمُ سَابَقَنِي فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: "هَذِهِ بِتِلْكَ"» (٣).
وكانت ﵂ أقرب إلى الطول في جسمها، وكان شعرها طويلاً وهي صغيرة،
стр. 40
ثم أصابها مرض شديدٌ فتمزق معه شعرها وصار تحت المنكبين، وكان عمرها حينئذٍ ست سنين، ثم تحسَّن شعرها في الطول، فعنها ﵂ قالت: «تَزَوَّجَنِي النَّبِيّ ﷺ وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فَنَزَلْنَا فِي بَنِي الحَارِثِ بْنِ خَزْرَجٍ، فَوُعِكْتُ فَتَمَرَّقَ (١) شَعَرِي، فَوَفَى جُمَيْمَةً (٢)» (٣).
يقول الندوي ﵀: "كانت عائشة ﵂ من أولئك السيدات التي تنمو وترعرع بسرعة هائلة من حيث النمو الجسمي، فكانت لما بلغت التاسعة أو العاشرة من عمرها سمنت كأحسن سمنة، أما في باكورة عمرها فكانت نحيفة الجسم، خفيفة لم يغشها اللحم، ثم مالت بعد سنوات إلى شيء من السمنة، ولما كبرت بدنت ورهقها اللحم.
وجملة ما يفهم من وصفها على التحقيق أن لونها كان أبيض يميل إلى الحمرة، وكانت وضيئة بهية المنظر رائعة الجمال" (٤).
ويدلل على جمال عائشة ﵂ ووضاءَتِها، قول أُمِّ رومان لها في حادثة