← Акыда

Акыда · id 36047

إجلاء الحقيقة في سيرة عائشة الصديقة

ياسين الخليفة الطيب المحجوب

Полный текст (236 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بغير الزيادة سفيان بن عيينة وشعيب وعقيل وإبراهيم بن سعد ويعقوب بن عتبة وابن إسحاق وتفرد بالزيادة معمر. وقد أخرج الشيخان الحديث واتفقا على الإعراض عن تلك الزيادة مع أنهما يروياها من طريق معمر، فلعل هذه اللفظة لا تصح في الحديث" (١)؛ ولذلك فقد مال بعض طلبة العلم المعاصرين إلى شذوذ هذه الرواية (٢). ثانياً: على فرض صحة الرواية، فإن هذه مسألة تعتري البشر جميعًا حتى بين أفراد الأسرة الواحدة كغضبة أخ من أخيه أو أخته أو أمه فيفارق اسمه فقط وهذه أيضًا عادة عند العرب, فكانت أمنا عَائِشَة تقسم: (ورب محمد) حال رضاها مع النَّبِيّ, فإن كان هناك شيء قالت: "ورب إبراهيم" فلما أخبرها النَّبِيّ بمعرفته ذلك قالت: (لا أفارق إلا اسمك) (٣) " (٤). يقول الزرقاني (٥) في تعليقه على هذه الرواية: "وذلك لما جبل عليه الطبع

стр. 142

البشري، فلا إزراء في ذلك عليها ولا على عليّ ﵄ ... " (١). فربّما وجدتْ عائشة ﵂ في نفسها شيئاً عن علي ﵁ في أمرٍ من الأمور، كطبيعة البَّشر، وتوافق مع ذلك الموقف، ولكن من المحال أن يكون حقداً مستمراً، وعداءً لا يزول، بل ذلك من أبعد الأشياء عن عائشة ﵂، فإنها لم تحمل على الذين خاضوا في الإفك، مع أن ذلك كان من أشدِّ المصائب عليها، فكان نصيب الخائضين من عَائِشَة ﵂ العفو والصفح، حتى إنّها كانت تُنافح عنهم إذا ذكرهم أحدٌ أمامها بسوء. فهذا حسّان بن ثابت ﵁ كان من الخائضين في الإفك، وكان ممّن أكثر في رمي عَائِشَة ﵂، ومع ذلك لم تحقد عليه الصدّيقة ﵂، بل كانت تنهى عن سبِّه أو الإساءة إليه، ففي الصحيحين أنّها قالت لعروة بن الزبير لمّا أخذ يسبهّ: «لاَ تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٢)، وقالت لمسروق نحوًا من هذا الكلام. أفُيعقل أن تُقّدر مواقف حسّان مع النَّبِيّ ﷺ ، فتغُضي عن إساءته البالغة إليها، ولا تُقِّدر مواقف أمير المؤمنين علي ﵁ مع النَّبِيّ، وبلاءه الحسن معه، وجهاده في سبيل إعلاء كلمة الله ؟!. إنّ من درس أخلاقها ﵂، واطّلع على مناقبها، يعلم مدى عفوها وصفحها عن كثير من الهنات التي صدرت عن أشخاص أبلوا مع رسول الله ﷺ

стр. 143

دون بلاء عليّ ﵁ ويُدرك أنّ ما بينها وبين عليّ ﵁ كما بين الأحماء؛ كما أخبرت ﵂ بذلك، وصدّقها عليّ ﵁ في قولها" (١). رابعًا: أَنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تحب عليًا، وتكن له كل تقديرٍ واحترام، وقد ذكرتُ ذلك في المبحث الأول من الفصل الثالث: «العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وآل البيت رضي لله عنهم»، فليرجع إليه.

стр. 144

المطلب الرابع قولهم: إِنَّ الفِتْنَة خرجتْ من بيت عَائِشَة يزعم الشيعة الرَّافِضَة الاثنا عشرية أنّ عَائِشَة ﵂ هي مصدر الفتنة وسببها، وقد استدلّوا على زعمهم هذا بحديثٍ عن رسول الله ﷺ رواه عنه ابن عمر ﵄، وقد ورد هذا الحديث في كتب أهل السنة بروايتين: الأولى: في صحيح البخاري من حديث عبد الله ﵁ قال: «قَامَ النَّبِيّ ﷺ خَطِيبًا، فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَة، فَقَالَ: هُنَا الفِتْنَةُ - ثَلاَثًا - مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (١). والثانية: روايةٍ لمسلم: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْتِ عَائِشَة، فَقَالَ: رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَاهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي الْمَشْرِقَ-» (٢). وقد استدلّوا على زعمهم هذا بعبارة: «فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَة»، في الرواية الأولى، وبعبارة: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْتِ عَائِشَة، فَقَالَ: رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَاهُنَا»، في الرواية الثانية؛ ليستنتجوا من ذلك أَنَّ مقصد النَّبِيّ ﷺ بهذه الكلمات: أَنَّ الفتنة تخرج من بيت عَائِشَة ﵂، فهي - على زعمهم - مصدر الفتنة ومنبعها (٣).

стр. 145

الرد على هذه الشُّبْهَة: أولاً: مقصود النَّبِيّ ﷺ من الحديث أن منشأ الفتن من جهة المشرق لا بيت عَائِشَة، "فإنّ روايات هذا الحديث كلّها متفقة على أنّ جهة الفتنة هي جهة المشرق بالنسبة لمقام النَّبِيّ ﷺ بالمدينة، ولا عبرة لذكر المكان الذي قال رسول الله ﷺ فيه هذا الحديث؛ سواء كان قاله على منبره، أو أمام بيت زوجه حفصة، أو عند خروجه من بيت زوجه عَائِشَة، أو وهو مشرفٌ على أطم (١) من آطام المدينة، أو غير ذلك؛ كما ذكرت ذلك الروايات الصحيحة. ووجود بيت عَائِشَة ﵂ بينه وبين المشرق في بعض الروايات لا يعني أنهّا ﵂ المقصودة بقوله عليه ﷺ : «هَا هُنَا الفِتْنَةُ». وَذِكْر المكان أو الزمان لا يُؤثّر على فَهْم الحديث، ولا يُوجِدُ فيه تعارضًا أو تضاربًا؛ لأنّه ليس هو المقصود بيانه في الحديث، وإنّما المقصود بيان أنّ جهة الفتنة إنّما هي جهة المشرق، وعلى هذا اتّفاق كافّة أهل العلم بالحديث" (٢). وقد جاء ما يؤكد ذلك في رواياتٍ كثيرةٍ متوافرة متكاثرة عن ابن عمر

стр. 146

رضي الله عنهما، بعضها يذكر الشرق، وبعضها يوضح أن المراد بذلك العراق، وسنقتصر على بعض هذه الروايات، واللبيب تكفيه الإشارة: ١ - عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُشِيرُ إِلَى المَشْرِقِ فَقَالَ: هَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا، إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا: مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (١). ٢ - وفي روايةٍ أخرى عن ابن عمر ﵄ عن النَّبِيّ ﷺ : «أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا عِنْدَ بَابِ عَائِشَة: فَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، فَقَالَ: الْفِتْنَةُ هَاهُنَا، حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (٢). ٣ - وفي روايةٍ أخرى عنه أيضًا: قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ : يُشِيرُ بِيَدِهِ يَؤُمُّ الْعِرَاقَ: هَا، إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، هَا، إِنَّ الْفِتْنَةَ هَاهُنَا، - ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (٣). ثانيًا: قول الرَّافِضَة: أشار إلى بيت عَائِشَة فهذا كذب وزور وبهتان لم يرد في شيءٍ من طرق هذا الحديث، وإنما ورد أشار نحو بيت عَائِشَة: وقد تولى كبر هذا التلبيس رجلان من الرَّافِضَة: أحدهما: عبد الحسين في

стр. 147

'كتاب المراجعات' (١)، والثاني: التيجاني السماوي في كتابه 'فسألوا أهل الذكر'. وقد تصدى أهل السنة لصنيعهما الباطل، فأما الأول عبد الحسين فقد رد عليه الشيخ الألباني بقوله: "عقد عبد الحسين الشيعي المتعصب في كتابه 'المراجعات' (٢) فصولاً عدة في الطعن فيها وتكذيبها في حديثها، ورميها بكل واقعة، بكل جرأة وقلة حياء، مستندًا في ذلك إلى الأحاديث الضعيفة والموضوعة، .. مع تحريفه للأحاديث الصحيحة، وتحميلها من المعاني ما لا تحتمل كهذا الحديث الصحيح، فإنه حمله - فض فوه وشلت يداه - على السيدة عَائِشَة ﵂ زاعماً أنها هي الفتنة المذكورة في الحديث ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا﴾ (٣)، معتمدًا في ذلك على الروايتين المتقدمتين: الأولى: رواية البخاري: «فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَة»، والأخرى: رواية مسلم: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْتِ عَائِشَة، فَقَالَ: "رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَاهُنَا»، فأوهم صاحب 'المراجعات' بأن الإشارة الكريمة إنما هي إلى مسكن عَائِشَة ذاته، وأن المقصود بالفتنة هي عَائِشَة نفسها!. والجواب: أن هذا هو صنيع اليهود الذين يحرفون الكلم من بعد مواضعه، فإن قوله في الرواية الأولى: «فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَة»، قد فهمه الشيعي كما لو كان النص بلفظ: "فأشار إلى مسكن عَائِشَة"! فقوله: "نحو" دون "إلى" نص

стр. 148

قاطع في إبطال مقصوده الباطل، ولاسيما أن أكثر الروايات صرحت بأنه أشار إلى المشرق. وفي بعضها العراق، والواقع التاريخي يشهد لذلك. وأما رواية عكرمة فهي شاذة كما سبق، ولو قيل بصحتها، فهي مختصرة جدًا اختصارًا مخلاً، استغله الشيعي استغلالاً مرًا، كما يدل عليه مجموع روايات الحديث، فالمعنى: خرج رسول الله ﷺ من بيت عَائِشَة ﵂، فصلى الفجر، ثم قام خطيبًا إلى جنب المنبر وفي رواية: «عِنْدَ بَابِ عَائِشَة» فاستقبل مطلع الشمس، فأشار بيده، نحو المشرق، وفي رواية للبخاري: «فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَة»، وفي أخرى لأحمد: «يُشِيرُ بِيَدِهِ يَؤُمُّ الْعِرَاقَ». فإذا أمعن المنصف المتجرد عن الهوى في هذا المجموع قطع ببطلان ما رمى إليه الشيعي من الطعن في السيدة عَائِشَة ﵂، عامله الله بما يستحق" (١). وفي الرواية الصحيحة الثابتة في البخاري - والتي ذكرناها آنفًا - عن عبد الله ﵁ قال: «قَامَ النَّبِيّ ﷺ خَطِيبًا، فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَة، فَقَالَ: هُنَا الفِتْنَةُ - ثَلاَثًا - مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (٢). وأما الثاني: وهو التيجاني السماوي فقد رد عليه الرحيلي، فقال: "قول الراوي: «فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَة» على أن الإشارة كانت لبيت عَائِشَة وأنها سبب الفتنة، والحديث لا يدل على هذا بأي وجه من الوجوه، وهذه العبارة لا تحتمل هذا الفهم عند من له أدنى معرفة بمقاصد الكلام.

стр. 149

فان الراوي قال: «أَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَة» أي جهة مسكن عَائِشَة، ومسكن عَائِشَة ﵂ يقع شرقي مسجد النَّبِيّ ﷺ فالإشارة إلى جهة المسكن وهو (المشرق) لا إلى المسكن، ولو كانت الإشارة إلى المسكن لقال: (أشار إلى مسكن عَائِشَة) ولم يقل: (إلى جهة مسكن عَائِشَة) والفرق بين التعبيرين واضح وجلي" (١). ثالثًا: أَنَّ نفس الدليل الذي استدلوا به يمكن أن يقلبه عليهم أعدائهم من النواصب: قال الشيخ عبد القادر صوفي: "أمّا استدلال الشيعة بإشارته ﷺ جهة بيت عَائِشَة ﵂، مع قوله: «الفِتْنَة هَا هُنَا» على أنّ عَائِشَة ﵂ مصدرُ الفتنة، فاستدلال باطلٌ يردّه أنّه ﷺ كان واقفًا على منبره الذي يقع غرب بيوت أزواجه ﵅، وغرب بيت ابنته فاطمة ﵂؛ حيث كانت البيوت كلّها عن يمين المنبر في جهة الشرق، وهو أمرٌ لا يقبل جدالاً أو مراءً. فكما سوَّغ الرَّافِضَة لأنفسهم أن يفسّروا جهة المشرق ببيت عَائِشَة ﵂، قدُ يسّوغ النواصب أن يُفسّروا الجهة ببيت فاطمة ﵂، وهذا حَمَقٌ من الطائفتين" (٢). رابعًا: إِنَّ الطعن في بيت عَائِشَة هو طعن في النَّبِيّ ﷺ ؛ فبيت عَائِشَة هو بيت النَّبِيّ ﷺ ، وبه دُفِنَ: وهذا الأمر واضح وضوح الشمس في رابعة النهار؛ لأنه متفقٌ عليه بين السنة

стр. 150

والشيعة؛ ولذلك لا يحتاج إلى تقرير: وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي اْلأَذْهَانِ شَيْءٌ ... إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَليلِ ويلزم الرَّافِضَة أَنْ يطعنوا في النَّبِيّ ﷺ ؛ لأن الطعن في بيته ملازمٌ للطعن فيه، فتأمل!. ورحم الله الإمام أبا الوفا ابن عقيل الحنبلي (١) ﵀ حيث يقول: "انظر كيف اختار لمرضه بيت البنت، واختار لموضعه من الصلاة الأب، فما هذه الغفلة المستحوذة على قلوب الرَّافِضَة عن هذا الفضل والمنزلة التي لا تكاد تخفى عن البهيم فضلاً عن الناطق؟ " (٢).

стр. 151

المطلب الخامس قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ لا تَحْتَجِب من الرِّجال يزعم الرَّافِضَة أَنَّ عَائِشَة ﵂ كانت لا تَحْتَجِب من الرِّجال؛ فيقول أحدُهم: "من غير المناسب أن تتوضأ وتغسل يديها وخديها ووجهها وأذنيها أمام الناس كما في سنن النسائي، ... كما ليس من المناسب أن تَغْتسِل أمام الرِّجال" (١)، وذكَرَ حديث اغتسال عَائِشَة في الصحيحين وغيرهما. وشبهة هذا القائل وأمثاله من إخوانه الرَّافِضَة الحديثان التاليان: الحديث الأول: ما رواه النسائي من طريق عبد الملك بن مروان بن الحارث قال: أخبرني أبو عبد الله سالم سبلان قال: «وَكَانَتْ عَائِشَة تَسْتَعْجِبُ بِأَمَانَتِهِ، وَتَسْتَأْجِرُهُ فَأَرَتْنِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَوَضَّأُ، فَتَمَضْمَضَتْ وَاسْتَنْثَرَتْ ثَلاثًا، وَغَسَلَتْ وَجْهَهَا ثَلاثًا، ثُمَّ غَسَلَتْ يَدَهَا الْيُمْنَى ثَلاثًا وَالْيُسْرَى ثَلاثًا، وَوَضَعَتْ يَدَهَا فِي مُقَدَّمِ رَأْسِهَا، ثُمَّ مَسَحَتْ رَأْسَهَا مَسْحَةً وَاحِدَةً إِلَى مُؤَخَّرِهِ، ثُمَّ أَمَرَّتْ يَدَهَا بِأُذُنَيْهَا، ثُمَّ مَرَّتْ عَلَى الْخَدَّيْنِ. قَالَ سَالِمٌ: كُنْتُ آتِيهَا مُكَاتَبًا مَا تَخْتَفِي مِنِّي، فَتَجْلِسُ بَيْنَ يَدَيَّ وَتَتَحَدَّثُ مَعِي حَتَّى جِئْتُهَا ذَاتَ يَوْمٍ فَقُلْتُ: ادْعِي لِي بِالْبَرَكَةِ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: أَعْتَقَنِي اللَّهُ. قَالَتْ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَأَرْخَتِ الْحِجَابَ دُونِي، فَلَمْ أَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ» (٢).

стр. 152

الحديث الثاني: ما رواه الشيخان من طريق أبي بكر بن حفص قال: سمعت أبا سلمة، يقول: «دَخَلْتُ أَنَا وَأَخُو عَائِشَة عَلَى عَائِشَة، فَسَأَلَهَا أَخُوهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيّ ﷺ ، فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ نَحْوًا مِنْ صَاعٍ، فَاغْتَسَلَتْ، وَأَفَاضَتْ عَلَى رَأْسِهَا، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا حِجَابٌ» (١). الجواب عن هذه الشُّبْهَة: الحديث الأول حديث النسائي: ليس فيه عدم احتجاب عَائِشَة ﵂ عن الرجال، فأبو عبد الله سالم سبلان مولى من موالي عَائِشَة ﵂، والمولى يجوز له النظر إلى سيِّدته، وعَائِشَة ﵂ كانت فقيهة، لا يخفى عليها هذا الأمر؛ ولهذا لما أُعتق أرخت دونه الحجاب كما في الحديث: «وَأَرْخَتِ الْحِجَابَ دُونِي، فَلَمْ أَرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ»، والشواهد من السنة على ذلك كثيرة: فعن أنس بن مالك ﵁: «أَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ كَانَ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا، قَالَ: وَعَلَى فَاطِمَةَ ﵂ ثَوْبٌ، إِذَا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيّ ﷺ مَا تَلْقَى قَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ

стр. 153

بَأْسٌ، إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلامُكِ"» (١). وكثير من علماء السنة يجوزون رؤية العبد لسيدته، فقد جاء في شرح خليل: "ولعبد بلا شرك ومكاتب وغدين نظر شعر السيدة - يعني أن العبد الوغد أي القبيح المنظر - يجوز له أن ينظر إلى شعر سيدته، وبقية أطرافها التي ينظرها محرمها والخلوة بها على ما شهره ابن ناجي بشرط أن يكون كاملاً لها" (٢). وجاء في حواشي الشرواني: "رأيت الشارح في شرح الإرشاد صرح بحل نظر سيد المشتركة أو المبعضة لما عدا ما بين سرتها وركبتها" (٣). وقال ابن قدامة ﵀ وهو يتحدث عن هذه المسألة: "قال الشافعي هو - أي العبد - محرم لها - أي السيدة - وحكاه بعض أصحابنا عن أحمد؛ لأنه يباح له النظر إليها فكان محرمًا لها كذي رحمها" (٤). والرَّافِضَة أنفسهم، يقولون: إن المرأة لا يجب أن تَحْتَجِب من العبد إلا أن يؤدي ما يعتقه، فقد قال يوسف البحراني في 'الحدائق الناضرة': "عن معاوية بن عمار بسندين أحدهما صحيح والآخر حسن في قوة الصحيح، "قال: قلت لأبي

стр. 154

عبد الله ﵇: المملوك يرى شعر مولاته وساقها؟ قال: لا بأس "، وعن عبد الرحمن بن أبي عبد الله في الصحيح والموثق، بأبان بن عثمان "قال: سألت أبا عبد الله ﵇ عن المملوك يرى شعر مولاته؟ قال: لا بأس" (١). وقد قال بذلك كثير من علمائهم (٢)، وهو واضح في جواز عدم الاحتجاب من المكاتب قبل أن يصير عنده ما يؤدي مكاتبته. وعليه فلا متمسك للرافضة في هذه الشُّبْهَة، وكتبهم ترد عليهم، وشهد شاهدٌ من أهلها. وأما الحديث الثاني: المتفق عليه، فليس فيه أيضًا ما يدل على عدم احتجاب عَائِشَة ﵂ عن الرجال، فأبو سلمة راوي الحديث هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، وهو ابن أخت عَائِشَة من الرضاعة أرضعته أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ﵁، فعَائِشَة خالته، والآخر هو أخو عَائِشَة من الرضاعة كما في الحديث، فكلا الرجلين من محارم عَائِشَة ﵂. قال القاضي عياض (٣) ﵀: "ظاهر الحديث أنهما رأيا عملها في رأسها

стр. 155

وأعلى جسدها مما يحل لذي المحرم النظر فيه إلى ذات المحرم، وأحدهما - كما قال - كان أخوها من الرضاعة، قيل: إن اسمه عبد الله بن يزيد، وكان أبو سلمة ابن أختها من الرضاعة أرضعته أم كلثوم بنت أبى بكر" (١)، فالحديث ليس فيه متمسَّك للرافضة كسابقه، والله تعالى أعلم.

стр. 156

المطلب السادس قولهم: إنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تُزيِّن الجواري وتطوف بهنّ يقول الرَّافِضَة: إِنَّ عَائِشَة ﵂ شوّفت (١) (أي زيّنت) جارية وطافت بها وقالت: لعلنا نصطاد بها شباب قريش، أرادوا بذلك معنى باطلاً يسيء إلى عرض النَّبِيّ ﷺ . وشبهتهم في ذلك ما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: قال: حدثنا وكيع، عن العلاء بن عبد الكريم اليَامِيِّ, عن عمار بن عمران - رجل من زيد الله -، عن امرأة منهم، عن عَائِشَة: «أَنَّهَا شَوَّفَتْ جَارِيَةً وَطَافَتْ بِهَا، وَقَالَتْ: "لَعَلَّنَا نَتَصَيد بِهَا شَبَابَ قُرَيْشٍ"» (٢). الرد على هذه الشُّبْهَة: يرد على هذه الشُّبْهَة من وجهين: الوجه الأول: أَنَّ الرواية قامت على مجهول، ألا وهو المرأة التي حدثت بهذه الحادثة، وهذا عند علماء الحديث من أضعف الأسانيد. وأيضاً عمار بن عمران قال عنه الذهبي: "لا يصح حديثه، ذكره البخاري في

стр. 157

الضعفاء" (١)، وأقره ابن حجر في اللسان (٢). فالرواية إذاً فيها مجهول وضعيف، فلا يصح الاحتجاج بها، هذا من حيث الرواية. الوجه الثاني: على فرض صحة الرواية؛ فيمكن أن يقال: إن هذا عرف شائع عندهم لا غرابة فيه، فالتشويف بالجارية: هو تزيين ما يحلّ إظهاره منها وهو وجهها، وإلباسها الملابس الجميلة في أعين الخاطب أو من يريد شراءها، من باب عرض السلعة على مشتريها؛ ولهذا أورد ابن أبي شيبة الأثر في بابين بنفس السند: الأول: باب: "ما قالوا في الجارية تشوف ويطاف بها"، والباب الثاني: "باب: في تزيين السلعة"، وبذا تسقط هذه الشُّبْهَة من أساسها رواية ودراية (٣).

стр. 158

الطلب السابع قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تُسِيء إلى النَّبِيّ ﷺ يَزْعُم الرافضة أَنَّ عَائِشَة ﵂ كانتْ تُسِيء إلى النَّبِيِّ ﷺ ، فيقول التجاني: "وقد أساءت عَائِشَة إلى رسول الله كثيرًا وجرعته القصص ولكن النَّبِيّ رؤوف رحيم وأخلاقه عالية وصبره عميق، وكان كثيرًا ما يقول لها ألبسك شيطانك يا عَائِشَة وكثيرا ما كان يأسى لتهديد الله لها" (١). الرد على هذه الشُّبْهَة: قال عثمان خميس: "قوله قد أساءت عَائِشَة إلى رسول الله ﷺ كثيراً كذب تشهد به كتب أهل السنة التي تبيِّن أَنّ أحبّ الناس إلى رسول الله ﷺ عَائِشَة (٢)، وكان الناس لا يهدون له إلا في بيت عَائِشَة (٣)، وكانت لها من دون سائر أمهات المؤمنين ليلتان وأما كتب الشيعة فغير موثوق بها، فإن الكذب فيها كثير وخير مثال على كثرة كذبهم هذا الكتاب وأمثاله من مؤلفات التيجاني وغيره، وكذا قوله: (كثيرا ما يقول لها ألبسك شيطانك، وكثيراً ما كان يأسى لتهديد الله لها) كله كذب لا يستحي منه كاذبه" (٤). فقول التجاني: "كثيرًا ما يقول لها ألبسك شيطانك يا عَائِشَة"، إشارة إلى ما في صحيح مسلم عن عروة بن الزبير: «أَنَّ عَائِشَة زَوْجَ النَّبِيّ ﷺ ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ

стр. 159

رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلاً، قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: "مَا لَكِ؟ يَا عَائِشَة أَغِرْتِ؟ " فَقُلْتُ: وَمَا لِي لا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ" قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوْ مَعِيَ شَيْطَانٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قُلْتُ: وَمَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ" قُلْتُ: وَمَعَكَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: "نَعَمْ، وَلَكِنْ رَبِّي أَعَانَنِي عَلَيْهِ حَتَّى أَسْلَمَ"» (١). وجاء الحديث بألفاظ كثيرة أغلبها لا تصح (٢). وسياق الحديث يأبى الطعن بعائشة؛ لأن مناسبة الحديث الغيرة عليه ﷺ ، وليس تعمد إيذائه كما يكذب التيجاني (٣)، "بل إن هذه الغيرة نابعة من شدة حبها لرسول الله ﷺ ، فإنها لا تتصور أن يزاحمها في حبه أحد من النساء" (٤). "وعَائِشَة ﵂ لا ندعي تجردها من البشرية وترفعها عن فطرة الأنثى فهي كغيرها من النساء في ذلك، وغيرتها ﵂ لم تكن لتتغلغل في أعماقها، بل كانت تقف عند الحدود التي تقضي بها قواعد الدين والعدل، ولعل ما يبين لنا ذلك ما روي من صور الوفاق الرائع بين الضرائر، وتفانيهن في إرضاء زوجهن رسول الله ﷺ " (٥).

стр. 160

الفصل الخامس الفوائد والآثار الإِيجابِيَّة لحادثة الإفك القديمة والحديثة وفيه مبحثان: المبحث الأول: الفوائد والآثار الإِيجابِيَّة لحادثة الإفك القديمة. المبحث الثاني: الفوائد والآثار الإِيجابِيَّة لحادثة الإفك الحديثة.

стр. 161

المبحث الأول الفوائد والآثار الإِيجابِيَّة لحادثة الإفك القديمة لا شك أن حادثة الإفك فيها من الفوائد والآثار الإيجابية الكثير، كيف لا وقد أخبر الله تعالى أن فيها خيرًا للمؤمنين، حيث قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (١)، فمن أصْدَقُ من الله حديثًا، ومن أصْدَقُ من الله قيلاً. فاقتضت حكمة الله أن يخرج الخير من ثنايا الشر، وكم من أمور ظاهرها الشر وهي تحمل في طياتها الخير الكثير، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (٣). وقد ذكر أهل العلم أمورًا كثيرة ظهرت فيها الخيرية في هذه الحادثة، من أهمها ما يلي (٤):

стр. 162

أولاً: أن حادثة الإفك أظهرت فضل عَائِشَة ﵂، وذلك بتبرئتها بقرآن يتلى إلى قيام الساعة، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ﴾ الآية (١)؛ ولذلك كانت ﵂ تفخر بأن الله برأها من فوق سبع سماوات؛ فلولا هذا الابتلاء ما عرفت الأمة مكانة عَائِشَة ﵂ وأرضاها. ثانيًا: الابتلاء، حيث ابتلى اللهُ رسولَه ﵌ كما ابتلى عَائِشَة وابتلى صفوان بن المعطل فخرجوا من البلاء كالذهب الخالص، والابتلاء خير؛ لأن فيه رفع درجات، والجزاء والأجر العظيم لأسرتي النَّبِيّ ﷺ وأبي بكر الصديق على صبرهما وقوة تحملهما وصدق إيمانهما. ثالثًا: أن المؤمنين تعلموا بسبب هذه الحادثة، كثيرًا من الآداب الإسلامية السامية، كالحرص على سمعة المؤمنين، وعلى حسن الظن فيما بينهم، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾ (٢). وأيضًا: وجوب التثبت من الأقوال قبل نشرها، والتأكد من صحتها، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ

стр. 163

هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (١). وكذلك: النهي عن إشاعة الفاحشة بين المؤمنين، كما في قوله تعالى: ﴿وإِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونٌَ﴾ (٢). وأيضًا: الحث على النفقة على الأقارب وإن أساءوا، كما في قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣). رابعًا: بيان فضل الله على المؤمنين ورأفته بهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٤). وأيضًا: غيرته تعالى على عباده المؤمنين الصادقين، ودفاعه عنهم، وتهديده لمن يرميهم بالفحشاء باللعن في الدنيا والآخرة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ

стр. 164

عَظِيمٌ﴾ الآيات (١). خامسًا: أن حادثة الإفك أثبتت بشرية الرسول ﷺ ، وأنه لا يعلم الغيب، حيث عاش الرسول ﷺ تلك المحنة شهرًا كاملاً وهو لا يعلم شيئًا عن حقيقة الأمر، بل صار يستشير ويسأل أصحابه عن عَائِشَة، وصدق الله حيث قال: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢)، وفي هذا رد على الطوائف المبتدعة التي تقول: إِنَّ النَّبِيّ ﷺ ليس بشرًا، وتدعي أيضًا أنه يعلم الغيب. سادسًا: أن هذه المحنة أظهرت المنافقين المندسين في صفوف المؤمنين، فتأتي المحن، وتأتي الفتن؛ لتظهر ما تكنه الصدور من نفاق، ولتظهر ما تكنه القلوب من حقد على الإِسلام وأهله، فظهر النفاق، وظهرت عصابة النفاق. سابعًا: أن دعاة الإسلام - المنتمين لهذا الدين بإخلاص وصدق - مستهدفون ومعرضون للاتهام، ولإشاعة الشائعات، وإلصاق التهم بهم؛ فالطعن في الأشراف والأطهار، هي سنة الناقمين الحاقدين، فهذه مريم بنت عمران رُمِيَت في عرضها بهتاناً وزوراً، فبرأها الله من ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ

стр. 165

الْقَانِتِينَ﴾ (١)، وكذلك يوسف ﵇ فإنه رُمي في عرضه فبرأه الله تعالى من ذلك. وكم قرأنا وكم سمعنا أن دعاة صادقين وعلماء أجلاء اتهموا في أعراضهم، ولكن إرادة الله قاضية أن يمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، فما يدور الزمان إلا ويبرئ الله تعالى ساحة الأبرياء من أوليائه، ويأخذ الذين تولوا كبر الإثم والجريمة أخذ عزيز مقتدر.

стр. 166

المبحث الثاني الفوائد والآثار الإِيجابِيَّة لحادثة الإفك الحديثة إنَّ العصبة التي تناولت بيت النبوة الطاهر الكريم وشككت فيه، موجودة كما وجدت في زمان النَّبِيّ ﷺ ، فإلى يومنا هذا نجد من يرمي أُمّ المؤمنين عَائِشَة بالفحش وغيره من الافتراءات، بعد أن برأها الله من تلك التُّهَم الكاذبة الملفقة، فعادوا إلى ما نهى الله عن العودة إليه، ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)، والهدف في السابق والحاضر واحد، وهو النيل من الإسلام والطعن في أهله، ولكن الإفك الحديث أخطر وأشد من القديم؛ لأنه جاء بعد نزول القرآن بالبراءة، والنهي عن عدم العودة إليه، فأبى هؤلاء إلا أن يكذبوا بالقرآن، ويعودوا إلى ما نهى الله عنه. فمع نزول البراءة من السماء، والثناء من الله، نجد أناسًا امتلأت قلوبهم كفرًا، ونفاقًا، وخبثًا يحرّفون الكلم عن مواضعه، ويطعنون في أشرف عرض، وأشرف امرأة! يفرّقون بذلك بين المسلمين، ويثيرون الفتنة بينهم، ويتجرّأون على الله ورسوله تحت ستار حبّهم لآل البيت ﵈، وآل البيت منهم براء. يفسدون على الناس دينهم، وعقيدتهم، وإسلامهم. وكما أن حادثة الإفك في السابق جاءت وفي طياتها الخير الكثير، فكذلك الإفك الحديث لم يخلُ من فوائد وآثار إيجابية، بل حوى الخير والبشرى، والفضل

стр. 167

والبركة ﴿لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ (١)، فلما ثارت الهجمة على أمنا عَائِشَة ﵂ وتجدد الإفك من جديد، جاءت الفوائد والآثار الطيبة مصاحبة لهذه الفتنة، وفي ما يلي ذكر لأهم هذه الفوائد والآثار: أولاً: من أعظَمِ الخيرِ في هذهِ الحادثة؛ ما تكشّفَ للناسِ جميعًا من حقيقةِ دينِ هؤلاءِ الروافضِ وأخلاقِهم، وما ظهرَ للجميعِ من قُبحِ فعالِهم، وسوء ما تخفيهِ قلُوبُهم من الحقدِ السافرِ على أمّهاتِ المؤمنينَ رضيَ اللهُ تعالى عنهُنّ، وبانَ عداؤُهم الذي يُبطنونهُ لأهلِ السُّنة، وظهرت تقيتهم. ثانيًا: في هذهِ الحادثة رسالةٌ صريحةٌ إلى دعاةِ التقاربِ والتلميعِ لمذهبِ التشيُّع، فقد أتَت على بُنْيانهم من القواعد، وبينت فشل واستحالة ما يدعون إليه، وأنى لهم أن يجمعوا بين الحق والباطل، وما مثلهم إلا كمثل مَن ينشُدُ في الماءِ جذوةَ نار، أومَن يطلبُ من السّرابِ إرواءً لظمئه. ثالثًا: من عظيم برَكات هذهِ الحادثة؛ تداعي الكثير من علماءِ أهلِ السُّنة ودُعاتهم إلى تبيانِ خطورةِ التشيُّع وسوءِ آثاره، وتوارُد بعض وسائلِ الإعلامِ الهادفة من مواقع الانترنيت والقنوات المتخصِّصة في فضحِ الرَّافِضَة توارُدًا محمودًا على إنتاج الكثير من البحوثِ والبرامج الوثائقية التي تكشِفُ ضلالَ التشيُّعِ وفسَاده، وشاءَ اللهُ أن يكونَ الحديثُ عن خطَر الرَّافِضَة مثارَ اِهتمامِ الكثيرِ من العامةِ في البيوتاتِ والطرقاتِ والأسواقِ وأماكنِ العمل والاِجتماعات، وهذا - بحمدِ الله - خيرٌ عظيمٌ عميم، سهّل من مهمّةِ المصلِحينَ المختصِّينَ والمنشغلينَ بخطورةِ هذا الجانب،

стр. 168

ولا يحيقُ المكرُ السيِّئُ إلا بأهلهِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين. رابعًا: من الجميل في هذهِ الحادثة؛ التأثيرِ الإيجابيّ على كثير من عامّةِ الشيعةِ وعقلاءهم، وإزالة الغشاوة عن عيون كثير من المخدوعين، فقد سمِعنا أن كثيرًا منهم رجَعَ إلى منهج أهل السنة، وأدركَ خطورة ما كانَ عليه، وخطورة ما عليهِ الشيعة من الحقدِ على الخلفاءِ الراشدينَ وعلى أمّهاتِ المؤمنينَ، وهذا واللهِ من الخيرِ الذي نشكُرُ الله عليه (١). خامسًا: قيام أهل السنة بحملة إعلامية قوية تُبيِّن فضائل ومناقب الصحابة ﵃، وخصوصًا أمهات المؤمنين ﵅، وكان التركيز الأكثر على أُمِّنا عَائِشَة ﵂، فصارت خطب الجمعة موجهة لذلك الغرض، وكثير من وسائل الإعلام المرئية، والمسموعة والمقروءة، توجهت لنفس الهدف، وحسبك بهذا بركة. سادسًا: اهتمام بعض العلماء وطلبة العلم - خصوصًا في الآونة الأخيرة -، بجمع الشُّبُهَات المثارة حول أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂، وغيرها من أمهات المؤمنين والصحابة الكرام والأئمة الأعلام، وتفنيد هذه الشُّبُهَات، والرد على الأباطيل والافتراءات المكذوبة عليهم، جزاهم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء. سابعًا: تبني بعض المؤسسات الخيرية، والمنظمات الطوعية، والمواقع الإسلامية، مسابقات في سيرة أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة - رضي الله عن الجميع -، ومن ذلك مؤسسة الدُّرَر السَّنِيَّة التي تبنَّتْ مسابقة عالمية بعنوان: "أمنا عَائِشَة

стр. 169

ملكة العفاف"، وهذا البحث أحد البحوث المقدمة لهذه المسابقة، فجزاهم الله خيرًا. ثامنًا: تدافع الأدباء والشعراء من كافة أنحاء المعمورة للدفاع عن أُمِّ المؤمنين عَائِشَة ﵂، وهجاء من سبها، وقد وقفت على كثيرٍ من القصائد التي جادت بها قرائحهم، ومن ذلك ما يلي: قصيدة للشاعر حسين بن أحمد النجمي (١)، جاءت في واحد وأربعين بيتاً، مطلعها: تبا لها تلك الكلاب النابحة ... فاحت نتانتهم بأقبح رائحةْ قد أخرجوا أحقادهم وضلالهم ... وتقصدوا تلك الرزان الصالحةْ أمي وأُمّ المؤمنين جميعهم ... زوج النَّبِيّ وحبه والناصحةْ لا تحسبوا شرا شرارة إفكهم ... هي بالثواب من المهيمن رابحة خسئت وخابت ألسن طعنت بها ... كان الجدير بأن تقوم منافحة ما شوهوها بل تزيد نصاعة ... ووجوههم بالذل أمست كالحة قد برأ الرحمن عرض نبيه ... من أكبش للصخر أضحت ناطحةْ هلك النفاق ورأسه لكنه ... وجد الإساءة بالتشيع سانحة إن التشيع والنفاق كعملة ... وجهان فيها بالقبائح طافحة فأتى الخبيث يزيح عن وجه الخنا ... ويسوق فريته بأنتن جارحة فعدوا على العرض الحرام وأطلقوا ... تلك السهام الغادرات الجارحة فالله قد مدح الصحابة بالهدى ... والآي في السور الكريمة صادحة

стр. 170

ومكذب القرآن ينشر فكره ... بالزيف في قصص التفاهة قادحة والسنة الغراء تظهر فضلهم ... فأكفهم ليد الحبيب مصافحة نصروا الهدى بذلوا الدماء وأزهقت ... أرواحهم لله عنه مكافحة أيجيء في هذا الزمان منافق ... متزعما بالحقد أتفه لائحة جاءت من ابن سلول تحمل فكره ... في أبشع الصور الخبيثة واضحة أماه أزعجني وأشعل في دمي ... نارا من الألم المؤرق لافحه ما صك في أذني من الزيف الذي ... نقلته شاشات مساء البارحة وأختم بقصيدة طويلة نظمها: أبو سهل طه بن الطيب بن المحجوب الزَّيَّاتي (١)، جاءت في ثمانين بيتاً، أنقل منها مقتطفات: الْحَمْدُ للهِ الْمَلِيكِ الْقَادِرِ ... رَبٍّ عَظِيمٍ مَالِكٍ دَيَّانِ ثُمَّ الصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيّ مُحَمَّدٍ ... مَا نَاحَ قُمْرِيٌّ عَلَى اْلأَغْصَانِ وَالصَّحْبِ وَاْلآلِ الْكِرَامِ خِصَالِهِمْ ... وَكَذَاكَ زَوْجَاتٍ رُزِقْنَ جِنَانِ وَعَلَى جَمِيعِ السَّالِكِينَ سَبِيلَهُمْ ... حَتَّى تَشِيبَ مَفَارِقُ الْوِلْدَانِ إِنَّ الرَّوَافِضَ أَوْغَلُوا فِي غَيِّهِمْ ... وَتَتَايَعُوا فِي الظُّلْمِ وَالشَّنَآنِ تَرَكُوا التَّقِيَّةَ أَظْهَرُوا كُفْرَانَهُمْ ... بِالطَّعْنِ فِي زَوْجِ النَّبِيّ الْعَدْنَانِي - - -

стр. 171

هَذَا الْخَبِيثُ وَقَدْ تَجَاسَرَ مُعْلِنًا ... لِلْكُفْرِ بَعْدَ بَرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي سَبِّ عَائِشَة اْلأَبِيَّةِ أُمِّنَا ... وَالطَّعْنِ فِيهَا بِتُهْمَةِ الْبُهْتَانِ أَتَسُبُّ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ مُكَذِّبًا ... لِلَّهِ ثُمَّ رَسُولِهِ الرَّبَّانِي؟ وَتُنَاقِضُ اْلإِجْمَاعَ أَمْرًا وَاضِحًا؟ ... فَالْكُفْرُ فِيكَ وَمِنْكَ يَا شَيْطَانِ فَالْقَدْحُ فِيهَا مُلاَزِمٌ لِلطَّعْنِ فِي ... شَخْصِ النَّبِيّ وَعِرْضِهِ الْمُنْصَانِ لَوْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِالْكِتَابِ مُصَدِّقًا ... خُذْ آيَةَ التَّطْهِيرِ دُونَ تَوَانِ فَالرَّجْسُ أَمْرٌ ذَاهِبٌ عَنْ أَهْلِهِ ... جَاءَ التَّطَهُّرُ دُونَمَا نُكْرَانِ أَزْوَاجُ هَذَا الُمُجْتَبَى مِنْ آلِهِ ... صَلَّى اْلإِلَهُ عَلَيْهِ فِي اْلأَكْوَانِ فِي آيَةِ اْلأَحْزَابِ جَاءَ سِيَاقُهَا ... يُعْطِي اللَّبَيبَ قَرِينَةَ الْبُرْهَانِ سَبَبُ النُّزُولِ الْقَطْعِي فِي تَحْقِيقِهِ ... جَاءَ الْمُبَاهِلُ مُهْلِكٌ لِلْجَانِي إِنْ لَمْ يَكُنْ أَزْوَاجُهُ مِنْ أَهْلِهِ ... قُلْ لِي بِرَبِّكَ هَلْ يَصِحُّ لِسَانِ؟ - - - يَا شِيعَةَ الرَّفْضِ الطُّغَاة تَبَاعَدُوا ... عَنْ كُلِّ كُفْرٍ يَسْحَقُ اْلإِيمَانِ كَذَّبْتُمُ الْقُرْآنَ كُفْرًا وَادَّعَيْـ ... ـتُمْ فِيهِ تَحْرِيفًا كَذَا نُقْصَانِ وَالسُّنُّةُ الْغَرَّاءُ لاَ مَعْنَى لَهَا ... هَذَا الْبُخَارِي وَصِنْوَهُ هَذَيَانِ كَفَّرْتُمُ الصَّحْبَ الْكِرَامَ صَرَاحَةً ... فِي رِدَّةِ الشَّيْخَيْنِ قُلْ عُثْمَانِ لَمْ يَنْجُ مِنْ تِلْكَ الضَّغِينَةِ وَاحِدٌ ... إِلاَّ ثَلاَثَةُ أَوْ يَكُونُوا ثَمَانِ

стр. 172

ويقول في براءة عَائِشَة ﵂: فَاللهُ بَرَّأَهَا وَعَظَّمَّ شَأْنَهَا ... فِي عَشْرِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ النُّورِ الْكَرِيمَةِ مُعْلِنًا ... عَنْ طُهْرِهَا وَعَفَافِهَا الْمُزْدَانِ قَدْ صَانَهَا الْمَوْلَى الْكَرِيمُ وَخَصَّهَا ... بِخَصَائِصٍ مَشْدُودَةِ اْلأَرْكَانِ فَشَهَادَةُ التَّنْزِيلِ جَاءَ خِطَابُهَا ... فِي اْلآيِيِ نَقْرَؤُهَا بِكُلِّ زَمَانِ هِيَ حَبَّةُ الْعِقْدِ الْفَرِيدِ ِلأَنَّهَا ... بِكْرٌ تُفَاخِرُ فِيهِ فِي الْقَمَرَانِ وَأَحَبُّ زَوْجٍ لِلنَّبِيِّ بِلاَ مِرَاء ... مَنْ ذَا يُوَازِي الْجَوْهَرَ الرَّنَانِ زَوْجُ النَّبِيّ تُحِبُّهُ وَيُحِبُّهَا ... قَدْ غَابَ عَنْهَا يُفِيضُ بِالرِّضْوَانِ مَاتَ النَّبِيّ وَرَأْسُهُ فِي سَحْرِهَا ... فِي يَوْمِهَا الْمَعْقُودِ بِالرُّجْحَانِ قَدْ كَانَ دَفْنُ رَسُولِنَا فِي بَيْتِهَا ... فَكَفَاهَا فَضْلاً بُقْعَةُ اْلأَكْفَانِ رِيقُ النَّبِيّ وَرِيقُهَا امْتَزَجَا مَعًا ... فَالْمُسْتَحِيلُ تَبَاعُدِ الْمَاءَانِ حَازَتْ عُلُومًا قَدْ تَقَاصَرَ دُونَهَا ... جُلُّ الرِّجَالِ وَخَاضَتِ الْبَحْرَانِ أَمَّا الْفَصَاحَةُ فَهْيَ تَمْلِكُ سِرَّهَا ... قَدْ فَاقَتِ الْعُرْبَ الْقُدَامَى مَعَانِي وَرِوَايَةُ اْلآثَارِ أَصْلُ كَلاَمِهَا ... لاَ لَنْ تُدَانِيهَا النِّسَاء لاَءَانِ هِيَ خَيْرُ هَذَا الْجَمْعِ مِنْ زَوْجَاتِهِ ... مَنْ مَاتَ عَنْهُنَّ الرَّسُولُ الْحَانِي وفي الختام أقول: هذه ثمانٍ من الفوائد والآثار الإيجابية لحادثة الإفك الحديثة، وما هي إلا غيض من فيض وقليل من كثير، إذ المقام لا يتسع لذكر أكثر من ذلك.

стр. 173

الفصل السادس حكم مَنْ سَبَّ أُمَّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ وفيه مبحثان: المبحث الأول: حكم من سَبَّ أُمَّ المؤمنين عَائِشَة بما برأها الله منه. المبحث الثاني: حكم من سَبَّ أُمَّ المؤمنين عَائِشَة بغير ما برأها الله منه.

стр. 174

المبحث الأول حكم من سَبَّ أُمَّ المؤمنين عَائِشَة بما برَّأَها الله منه قدْ أجْمَع علماءُ الإسلام قاطبةً مِن أهل السُّنَّة والجماعة على أنَّ مَن سبَّ أمَّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ ورَماها بما برَّأها الله منه أنه كافِرٌ. قال الإمام مالك (١) ﵀: "مَن سَبَّ أبا بكرٍ وعُمرَ جُلِد، ومَن سَبَّ عَائِشَة قُتِل، قيل له: لِمَ يقتلُ في عَائِشَة؟ قال مالك: فمَن رماها فقدْ خالَفَ القرآن، ومَن خالف القرآنَ قُتِل" (٢). وقال ابن القاسم (٣) في روايته، عن مالك: "لأن الله تعالى يقول: ﴿يَعِظُكُمْ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، فمن عاد لمثله فقد كفر" (٥).

стр. 175

قال ابنُ حزْم (١) ﵀: "قول مالك هاهنا صحيحٌ، وهي رِدَّة تامَّة، وتكذيبٌ لله تعالى في قَطْعِه ببراءتها" (٢). وقال أبو بكر ابنُ زياد النيسابوريُّ (٣) ﵀: "سَمعتُ القاسمَ بنَ محمَّد يقول لإسماعيلَ ابن إسحاقَ: أُتِي المأمون في (الرَّقة) برَجلين شَتَم أحدُهما فاطمةَ، والآخَرُ عَائِشَة، فأمَر بقَتْل الذي شتَم فاطمةَ وترَك الآخَر، فقال إسماعيلُ: ما حُكْمُهما إلاَّ أن يُقتلاَ؛ لأنَّ الذي شتَم عَائِشَة ردَّ القرآن" (٤). قال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية (٥) ﵀ تعقيبًا عليه: "وعلى هذا مضَتْ سِيرةُ

стр. 176

أهل الفِقه والعِلم مِن أهل البيت وغيرِهم" (١). وقالَ ابنُ العربيِّ (٢) ﵀: "كلُّ مَن سبَّها بما برَّأها الله منه فهو مُكذِّب لله، ومَن كذَّب الله فهو كافِر" (٣). وقال ابن قُدامة (٤) ﵀: "فمَن قذَفها بما بَرَّأها الله منه فقدْ كفَر بالله العظيم" (٥). وقال النوويُّ (٦) ﵀: "براءةُ عَائِشَة ﵂ مِنَ الإفْك، وهي براءةٌ قطعية بنصِّ القرآن العزيز، فلو تَشكَّك فيها إنسانٌ - والعياذ بالله - صار كافرًا مرتدًّا

стр. 177

بإجماعِ المسلمين" (١). وقال ابن كثير ﵀ عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآيات (٢): "قد أجمع العلماء ﵏ قاطبة على أن مَنْ سَبَّها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية، فإنه كافر؛ لأنه معاند للقرآن، وفي بقية أمهات المؤمنين قولان: أصحهما أنهن كهي، والله أعلم" (٣). وقال ابنُ القيِّم ﵀: "واتَّفقتِ الأُمَّة على كُفْر قاذفِها" (٤). وقال القاضي أبو يعلى (٥) ﵀: "من قذف عَائِشَة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف وقد حكى الإجماع على هذا غير واحد وصرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم" (٦). وقال ابن أبي موسى ﵀ (٧): "ومن رمى عَائِشَة ﵂ بما برأها الله منه فقد

стр. 178

مرق من الدين ولم ينعقد له نكاح على مسلمة" (١). وقال بدر الدين الزركشي ﵀: "من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها" (٢). وبعد عرض أقوال العلماء السابقة يمكن تلخيص حججهم على كفر من رمى أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵄، وهي كما يلي: أولاً: أن في سبها تكذيبًا للقرآن الذي شهد ببراءتها، وتكذيب ما جاء به القرآن كفر (٣). ثانيًا: إن في ذلك إيذاء لرسول الله ﷺ ؛ وذلك لأن قذف المرأة أذى لزوجها (٤)، والنَّبِيّ ﷺ زوج لعَائِشَة وكانت من أحب النساء إليه، والدليل على تأذيه من ذلك، قوله في هذه الحادثة: «يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي» (٥)، وإيذاء رسول الله ﷺ كفر بالإجماع (٦).

стр. 179

ثالثًا: أن الطعن بها ﵂ فيه تنقيص برسول الله ﷺ ، حيث رضيها أن تكون زوجة له وأبقاها على ذلك حتى مات، فيلزم من طعنهم أن يكون رسول الله ﷺ ديوثًا يرضى الفساد في أهله، وقد قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ (١)، قال ابن كثير ﵀: "أي ما كان الله ليجعل عَائِشَة زوجة لرسول الله ﷺ إلا وهي طيبة، لأنه أطيب من كل طيب من البشر، ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعاً ولا قدراً، ولهذا قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (٢) أي عما يقوله أهل الإفك والعدوان" (٣).

стр. 180

المبحث الثاني حكم من سَبَّ أُمَّ المؤمنين عَائِشَة بغير ما برَّأَها الله منه عَائِشَة ﵂ من أمهات المؤمنين ﵅، وهن داخلات في عموم الصحابة ﵃؛ لأنهن منهم، وكل ما جاء في تحريم سب الصحابة من آيات قرآنية وأحاديث نبوية فإن ذلك يشملهن. والعلماء ﵏ لم يختلفوا في تحريم سبَّ الصحابة، ومجمعون على أن من فعل ذلك فقد ارتكب كبيرة من الكبائر، وجريمة من الجرائم، ولكن اختلفوا في إطلاق لفظ الكفر على من سبّهم، فبعض العلماء يرى التفصيل في ذلك؛ لأن السّب عندهم يكون على أحوال، فهناك من يسب الصحابة أو جمهورهم، سبًّا يقدح في دينهم وعدالتهم، ومنهم من يسبهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "وأما من سبهم سبًا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك، فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم، وأما من لعن وقبح مطلقاً فهذا محل الخلاف فيهم لتردد الأمر بين لعن الغيظ ولعن الاعتقاد" (١). وقد ذهب جمع من العلماء، إلى كفر من سبَّ الصحابة، وذلك لما يلي (٢): أولاً: لأنَّ في سب الصحابة ﵃ تكذيبًا للقرآن الكريم، وإنكارًا لما تضمنته
следующие страницы →