← Акыда

Акыда · id 36047

إجلاء الحقيقة في سيرة عائشة الصديقة

ياسين الخليفة الطيب المحجوب

Полный текст (236 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

يدل على أنه سيء الحفظ جدًا، أو أنه يتعمد الكذب والزيادة؛ لهوى في نفسه، ثم يحتج بها أهل الأهواء! وأما الرواية الصحيحة في ذلك فهي عند مسلم من حديث أنس ﵁: «أَنَّ رَجُلاً كَانَ يُتَّهَمُ بِأُمِّ إِبْرَاهِيمَ وَلَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِىٍّ: اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ. فَأَتَاهُ عَلِيٌّ، فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيٍّ يَتَبَرَّدُ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: اخْرُجْ. فَنَاوَلَهُ يَدَهُ، فَأَخْرَجَهُ، فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ، فَكَفَّ عَلِىٌّ عَنْهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ مَا لَهُ ذَكَرٌ» (١). المسلك الثالث: إدخالهم زيادات منحولة على النص الصحيح ليتمموا بها فريتهم: إِنَّ من الأمور التي يتفنن فيها الرَّافِضَة أنهم يعمدون إلى روايةٍ صحيحةٍ، ثم يدخلون عليها زياداتٍ تفسد النص؛ ليسوِّغوا بذلك ما يريدونه من كذبٍ وافتراءٍ ودسٍّ، وقد يجعلون هذه الرواية المكذوبة سببًا لنزول آيةٍ في كتاب الله تعالى ليتم لهم إتقان التلبيس والتضليل. فقد ذكر علي بن إبراهيم القُمِّي في 'تفسيره' (٢)، في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٣) قال: إن

стр. 107

العامة رووا أنها نزلت في عَائِشَة، وما رميت به في غزوة بني المصطلق من خزاعة، وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية، وما رمتها به عَائِشَة. ثم روى علي بن إبراهيم القُمِّي بسنده قال: "لما مات إبراهيم بن رسول الله - صلى الله عليه وآله - حزن عليه حزنًا شديدًا، فقالت عَائِشَة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن جُرَيْح ... " (١). فهذه الرواية هي رواية صحيحة ثابتة - عند الرَّافِضَة السبئيين -، ولذلك يعتمدون عليها أيما اعتماد، وقد صرح كبار علمائهم بصحة هذه الرواية. فهذا المفيد - وهو من كبار علمائهم - يُؤكِّد أنّ هذه الروايات صحيحة ومسلَّمة عند الشيعة، فيقول: "خبر افتراء عَائِشَة على مارية القبطية خبٌر صحيحٌ مسلَّمٌ عند الشيعة" (٢)، فالخبر إذًا صحيح مسلَّمٌ (٣). وقد روى الرَّافِضَة أيضًا هذه القصة في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٤). قال علي بن إبراهيم القُمِّي في "تفسيره' (٥): "إنها نزلت في مارية القبطية أم

стр. 108

إبراهيم، وكان سبب ذلك أن عَائِشَة قالت لرسول الله - صلى الله عليه وآله -: إن إبراهيم ليس هو منك، وإنما هو من جريح القبطي، فإنه يدخل إليها في كل يوم، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وآله -، وقال لأمير المؤمنين ﵇: خذ هذا السيف وأتني برأس جريح ... "، إلى أن قال: "فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (١) " (٢). وتأكيدًا لما ذكرناه آنفًا من مسلك الرَّافِضَة في إدخال زيادات فاسدة على نصوص صحيحة نورد في هذا المقام روايةً صحيحةً في كتب أهل السنة، ونرى كيف شوهها الرَّافِضَة، وغيروا فيها: روى الطَّحَاوي من طريق: عبد الرحمن بن صالح الأزدي الكوفي، والبزار وأبو نُعَيْم، وابن عساكر، والضياء المقدسي من طريق: أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، كلهم من طريق: يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، عن إبراهيم بن محمد بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب قال: «كَانَ قَدْ تَجَرَّؤُوا (وفي رواية: كَثُرَ أو أُكْثِرَ) عَلَى مَارِيَةَ فِي قِبْطِيٍّ ابْنِ عَمٍّ لَهَا كَانَ يَزُورُهَا، وَيَخْتَلِفُ إِلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : خُذْ هَذَا السَّيْفَ فَانْطَلِقْ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ عِنْدَهَا فَاقْتُلْهُ، ... » الحديث (٣).

стр. 109

وليس في هذا الحديث ذكر لعَائِشَة، فلينظر المنصف المتبع للحق كيف غير الرَّافِضَة في هذه الرواية ودسوا فيها الدسائس؟، فالرواية الصحيحة التي بهذا السياق وردت في المنافقين وليست في عَائِشَة ﵂. فالمنافقون هم الذين كانوا يشيعون الأخبار الكاذبة عن مارية برأها الله، يفعلون ذلك طعناً في رسول الله ﷺ كما فعل رأس النفاق عبد الله بن أُبي بعائشة قبلها وقد برأها الله، والذي يؤمن برسول الله ويحترمه لا يجعل زوجاته بين قاذفة ومقذوفة لاسيما بعد ما نزلت براءة عَائِشَة في قرآن يتلى في مشارق الأرض ومغاربها إلى يوم القيامة، ويؤمن ببراءتها وفضلها ومكانتها وما أنزل في شأنها من قرآن كل مؤمن، ولا يقدح فيها إلا كل زنديق حاقد على رسول الله ﷺ وعلى أسرته وأصحابه (١).

стр. 110

المطلب الرابع قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تبغض عثمان وتقول: "اقتلوا نعثلاً (١) فقد كفر" استدل الرَّافِضَة على بغض عَائِشَة لعثمان، وأمره بقتله بما أورده سيف بن عمر (٢) في كتابه 'الفتنة ووقعة الجمل' عن عَائِشَة ﵂ لما انتهت إلى سرف راجعة في طريقها إلى مكة، لقيها عبد بن أم كلاب - وهو عبد بن أبي سلمة، ينسب إلى أمه - فقالت له: مهيم (٣)؟ قال: قتلوا عثمان ﵁، فمكثوا ثمانيا، قالت: ثم صنعوا ماذا؟ قال: أخذها أهل المدينة بالاجتماع، فجازت بهم الأمور إلى خير مجاز، اجتمعوا على علي بن أبي طالب فقالت: والله ليت أن هذه انطبقت على هذه إن تم الأمر لصاحبك! ردوني ردوني، فانصرفت إلى مكة وهي تقول: قتل والله عثمان مظلومًا، والله لأطلبن بدمه، فقال لها ابن أم كلاب: ولم؟ فو الله إن أول من أمال حرفه لأنت! ولقد كنت تقولين: اقتلوا نعثلاً فقد كفر، قالت: إنهم استتابوه ثم قتلوه، وقد قلت وقالوا، وقولي الأخير خير من قولي الأول ... فانصرفت إلى مكة فنزلت على باب

стр. 111

المسجد فقصدت للحجر، فسترت واجتمع إليها الناس، فقالت: يا أيها الناس، إن عثمان قتل مظلومًا، ووالله لأطلبن بدمه" (١). والرد على هذا الفرية من وجوه: أولاً: إِنَّ هذا الخبر مكذوب وموضوع لا يصح وذلك للآتي: ١ - الخبر من رواية: سيف بن عمر الأسدي التميمي، قال عنه يحيى بن معين: "ضعيف" (٢)، وقال مرة أخرى عنه: "فلس خير منه" (٣)، وقال أبو حاتم: "متروك الحديث" (٤)، وقال أبو داود: ليس بشيء" (٥)، وقال النسائي: "ضعيف" (٦)، وقال ابن عدي: "بعض أحاديثه مشهورة وعامتها منكرة لم يتابع عليها، وهو إلى الضعف أقرب منه إلى الصدق" (٧). وقال ابن حبان: "يروى الموضوعات عن الأثبات، ... وكان سيف يضع الحديث وكان قد اتهم بالزندقة" (٨)، وقال الدَّارَقُطْنِي: "متروك" (٩).

стр. 112

٢ - والحديث من رواية: نصر بن مزاحم العطار، أبي الفضل المنقري، الكُوفِيّ، سكن بغداد. وذكره الدَّارَقُطْنِيّ في الضعفاء والمتروكين (١). وقال أبو الفتح محمّد بن الحسين الحافِظ: "نصر بن مُزَاحِم غال في مذهبه، غير محمود في حديثه" (٢)، قال إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني: "نصر بن مُزَاحِم العَطَّار كان زائغًا عن الحق مائلاً" (٣)، قال الخطيب البغدادي: "قُلْتُ: أراد بذلك غلوه في الرفض (٤)، وقَالَ صالح بن مُحَمَّد: "نصر بن مُزَاحِم رَوَى عن الضعفاء أحاديث مناكير" (٥). وقال العقيلي: "شيعي في حديثه اضطراب وخطأ كثير" (٦)، وقال أبو خيثمة: "كان كذابًا" (٧)، وقال أبو حاتم: "واهي الحديث، متروك" (٨). وقال العجلي: "كان رافضيًا غاليًا ... ليس بثقة ولا مأمون" (٩). وذكر له ابن عدي أحاديث وقال: "هذه وغيرهما من أحاديث غالبها

стр. 113

غير محفوظ" (١). وقال عنه ابن حجر والذهبي: "رافضي جلد، تركوه" (٢). وقال ياقوت الحموي: "نصر بن مزاحم أبو الفضل المنقري الكوفي: كان عارفًا بالتاريخ والأخبار، وهو شيعي من الغلاة جلد في ذلك ... واتهمه جماعة من المحدّثين بالكذب، وضعّفه آخرون" (٣). ٣ - إِنَّ وجود هذا الخبر في بعض كتب أهل السنة لا يجعله حجةٌ عليهم وذلك لأسباب: أولها: إِنَّ هذا الخبر لم يرد في أمهات كتب أهل السنة المسندة المعتمدة كالصحيحين والسنن الأربعة، ونحو ذلك من الكتب المشهورة. ثانيها: هذا الخبر ورد في كتب التاريخ التي تجمع الأخبار غثها وسمينها، ومن المعلوم أن رواة الأخبار يهتمون في الغالب بالجمع دون التمحيص. ثالثها: إِنَّ هذا الخبر قد ورد مسندًا في بعض الكتب التاريخية كتاريخ الطبري، ومن القواعد المعروفة عند أهل الحديث أن من أسند فقد أحال، ومن أسند فقد برئت ذمته. رابعها: إِنَّ أهل السنة لم يسكتوا عن هذه الأخبار وإنما نقدوها وبينوا ضعفها ووهائها:

стр. 114

قال الألوسي (١) ﵀: "وما زعمته الشيعة من أنها رضي الله تعالى عنها كانت هي التي تحرض الناس على قتل عثمان وتقول: اقتلوا نعثلاً فقد فجر ... كذب لا أصل له وهو من مفتريات ابن قتيبة وابن أعثم الكوفي والسمساطي وكانوا مشهورين بالكذب والافتراء" (٢). خامسها: أنّ الأئمة وأهل الصنعة الحديثية متفقون على أن صاحب البدعة إذا روى حديثاً يوافق بدعته، فإنه لا يقبل، فهذا الراوي نصر بن مزاحم، رافضي غالٍ، روى هذه الرواية المكذوبة، التي تؤيد مذهبه الباطل، فهي مردودة عليه. ثانيًا: أَنَّ ما جاء في مثل هذه الروايات بعيد كل البعد أن يصدر من أُمّ المؤمنين عَائِشَة في حق الخليفة الثالث عثمان بن عفان ﵄، وذلك للآتي: أولاً: كان موقف عَائِشَة شديدًا ضد الذين قتلوا عثمان وكانت تطالب بالقصاص من قتلته، وقد روت لنا كتب التاريخ ذلك، فلما أُخْبِرَتْ بمقتل عثمان ﵁ قالت: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الْغَوْغَاءَ مِنْ أَهْلِ الأمْصَارِ وَأَهْلِ الْمِيَاهِ وَعَبِيدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ اجْتَمَعُوا عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الْمَقْتُولِ ظُلْمًا بِالأمْسِ، وَنَقَمُوا عَلَيْهِ اسْتِعْمَالَ مَنْ حَدَثَتْ سِنُّهُ، وَقَدِ اسْتُعْمِلَ أَمْثَالُهُمْ قَبْلَهُ، وَمَوَاضِعَ مِنَ الْحِمَى حَمَاهَا لَهُمْ، فَتَابَعَهُمْ وَنَزَعَ لَهُمْ عَنْهَا. فَلَمَّا لَمْ يَجِدُوا حُجَّةً وَلا عُذْرًا بَادَرُوا بِالْعُدْوَانِ فَسَفَكُوا الدَّمَ الْحَرَامَ وَاسْتَحَلُّوا الْبَلَدَ الْحَرَامَ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَأَخَذُوا الْمَالَ الْحَرَامَ، وَاللَّهِ لَإِصْبَعٌ مِنْ عُثْمَانَ

стр. 115

خَيْرٌ مِنْ طِبَاقِ الأرْضِ أَمْثَالِهِمْ! وَوَاللَّهِ، لَوْ أَنَّ الَّذِي اعْتَدَوْا بِهِ عَلَيْهِ كَانَ ذَنْبًا لَخَلَصَ مِنْهُ كَمَا يَخْلُصُ الذَّهَبُ مِنْ خَبَثِهِ أَوِ الثَّوْبُ مِنْ دَرَنِهِ إِذْ مَاصُوهُ كَمَا يُمَاصُ الثَّوْبُ بِالْمَاءِ، أَيْ يُغْسَلُ» (١). ثانياً: أَنَّ السيدة عَائِشَة ﵂ قد روت عدة أحاديث عن النَّبِيّ ﷺ في فضائل عن عثمان ﵁، وهي معروفة مشهورة، ومنها: ما روياه عَائِشَة وعثمان ﵄: «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ، لابِسٌ مِرْطَ عَائِشَة، فَأَذِنَ لأبِي بَكْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ، فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ، فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَقَضَى إِلَيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ، قَالَ عُثْمَانُ: ثُمَّ اسْتَأْذَنْتُ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، وَقَالَ لعَائِشَة: "اجْمَعِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ" فَقَضَيْتُ إِلَيْهِ حَاجَتِي، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَقَالَتْ عَائِشَة: يَا رَسُولَ اللهِ مَالِي لَمْ أَرَكَ فَزِعْتَ لأبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ ﵄، كَمَا فَزِعْتَ لِعُثْمَانَ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ، وَإِنِّي خَشِيتُ، إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، أَنْ لا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ"». ونكتفي بهذا القدر، وإِلاَّ فالأحاديث التي روتها عَائِشَة في فضائل عثمان ﵄ كثيرة، ولكن أردنا فقط التمثيل على ما ذكرناه من رواية عَائِشَة لفضائل عثمان ﵁.

стр. 116

المطلب الخامس قولهم: إنَّ عَائِشَة مَنَعتْ من دَفْنِ الحسن بن عليّ عند جَدِّه يرى الرافضة أَنَّ عائشة منعت من دفن الحسين بن علىّ عند جده النبي ﷺ ؛ لبغضها للحسن، وعداوتها لآل البيت. فروى الكليني في 'الكافي': بسنده عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر ﵇ يقول: "لَمَّا حضر الحسن بن علي ﵇ الوفاة قال للحسين ﵇: يا أخي، إني أوصيك بوصية فاحفظها: إذا أنا مِتُّ، فهيئني، ثم وجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لأحدث به عهدًا، ثم اصرفني إلى أمي ﵍، ثم رُدَّنِي فادفني بالبقيع واعلم أنه سيصيبني من عَائِشَة ما يعلم الله والناس صنيعها وعداوتها لله ولرسوله، وعداوتها لنا أهل البيت، فلما قُبِضَ الحسن ﵇ وَوُضِعَ على السرير، ثم انطلقوا به إلى مصلى رسول الله صلى الله عليه وآله الذي كان يصلي فيه على الجنائز، فصلى عليه الحسين ﵇ وحُمِلَ وأُدْخِلَ إلى المسجد، فلما أُوقِفَ على قبر رسول الله صلى الله عليه وآله، ذهب ذو العوينين إلى عَائِشَة، فقال لها: إنهم قد أقبلوا بالحسن ليدفنوه مع النَّبِيّ صلى الله عليه وآله، فخرجت مبادرة على بغلٍ بسرجٍ، فكانت أول امرأة ركبت في الإسلام سرجًا، فقالت: نَحُّوا ابنكم عن بيتي؛ فإنه لا يدفن في بيتي ويهتك على رسول الله حجابه. فقال لها الحسين ﵇: قديمًا هتكت أنت وأبوك حجاب رسول الله صلى الله عليه وآله؛ أدخلت عليه بيته من لا يحب قربه، وإن الله سائلك عن ذلك يا عَائِشَة" (١).

стр. 117

وهذه الرواية من أكمل وأشهر الروايات التي أوردها الرَّافِضَة في كتبهم لتأكيد هذه الفرية، وثمة روايات أخرى ضربنا عنها صفحًا. والجواب عن هذه الفرية كالتالي: أولاً: هذه الرواية مكذوبة موضوعة باطلة لا تصح بحالٍ: ويتضح هذا من وجوهٍ: أ- إسناد هذه الرواية باطل لا يثبت: فهذه الرواية قد ضعفها علماء الشيعة أنفسهم في كتبهم المعروفة المشهورة: قال المازندراني (١) - شارحًا لرواية الكليني في "الكافي"-: "قوله: (علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح)، قال الكليني وعدة من أصحابنا: بكر بن صالح مشترك بين مجهول يروي عن أبي جعفر ﵇ وبين ضعيف وهو بكر بن صالح الرازي يروي عن الكاظم ﵇ فإن كان المراد به الأول فالسند الأول مسند مع احتمال الإرسال؛ لأن رواية إبراهيم ابن هاشم عمن يروي عن الباقر ﵇ بلا واسطة بعيد جدًا، وإن كان المراد به الثاني كما

стр. 118

هو الظاهر لأن إبراهيم بن هاشم يروي عنه فالسند مرسل أو مربوط بالسند الثاني مع احتمال أن يكون هو والأول واحدًا كما صرح به بعض أصحاب الرجال، فتأمل! " (١). ب- التناقضات الواردة في هذه الرواية مقارنةً بالروايات الأخرى مما يدلل على وهائها جميعها: "أمّا الروايات التي أوردها الشيعة: فإنهّا كلّها على اختلافها لم يروها إلا اّلشيعة. ورغم تضافرهم على روايتها، إلا أّنّه حصل فيها تناقض شديد يدلّ على كونها مكذوبة من أصلها" (٢). ج - الروايات تبطل من خلال نقد متونها ونقدها من الداخل: "من عادة الشيعة حين اختراعهم للأكاذيب، واختلاقهم للإفك أن يجعلوا مع الكلمات الكاذبة الكثيرة كلمةً واحدةً صادقة، كي يُوهموا السّذج بأنَّ ما اخترعوه ثابت، وما اختلقوه صادق. وتراهم أيضًا حينما يُريدون توجيه أحد المطاعن إلى شخصٍ يُبغضونه يعمدون إلى رواية ثابتة ذُكر فيها هذا الشخص بخير، فيقلبونها عليه، ويذكرونه فيها بشرّ. وهذه طريقة مردة الجنّ من مسترقي السمع، وأوليائهم من شياطين الإنس، يجعلون مع الكلمة الصادقة الوحيدة مائة كذبة، حتى يقول الساذج عنهم: قد صدقوا في تلك الكلمة.

стр. 119

فقصّة موت الحسن ﵁، واستئذان أخيه الحسين من عَائِشَة بأن، يُدفن عند جدّه ثابتة في كتب أهل السنّة، أمّا ممانعة الصدّيقة، وركوبها على بغل، وخروجها إلى الناّس، وغير ذلك من الترّهات: فكلّه إفك غير مقبول، يأباه ويرفضه ذوو العقول" (١). ومما يضاف إلى نقد المتن أَنَّ هذه الرواية تحتوي على زيادة منكرة، تخالف قول الشيعة والسنة: فـ"ادّعاؤهم أنّ عَائِشَة ﵂ هي أوّل من ركب السُّروج، دعوة كاذبة، ورغم كذبها من أصلها، فإنّه يُوجد ما ينقضها في كتب القوم أنفسهم فقد رووا أنّ فاطمة ﵂ ركبت بغلةً في يوم عرسها (٢)، وأنّ عليًّا أركبها على حمارٍ ودار بها على بيوت المهاجرين والأنصار يدعوهم إلى نصرته لمّا بويع لأبي بكر بالخلافة (٣)؛ على حدّ زعم الشيعة. فكيف يقول الشيعة بعد هذا: إنّ عَائِشَة ﵂ هي أوّل من ركب بغلاً، أو أوّل من ركبت السروج؟! " (٤). ثانيًا: إِنَّ بعض عقلاء الشيعة أكدوا سماح عَائِشَة للحسن بالدفن وجعلوا ذلك من مناقبها: فروى أبو الفرج الأصبهاني بسنده: "إن الحسن بن علي أرسل إلى عَائِشَة أن

стр. 120

تأذن له أن يدفن مع النَّبِيّ ﷺ فقالت: نعم، ما كان بقى إلا موضع قبر واحد، فلما سمعت بذلك بنو أمية اشتملوا بالسلاح هم وبنو هاشم للقتال، وقالت بنو أمية: والله لا يدفن مع النَّبِيّ ﷺ أبدًا، فبلغ ذلك الحسن فأرسل إلى أهله أما إذا كان هذا فلا حاجة لي فيه ادفنوني إلى جانب أمي فاطمة، فدفن إلى جنب أمه فاطمة ﵍" (١). قال أبو الفرج الأصبهاني: "قال يحيى بن الحسن: وسمعت علي بن طاهر بن زيد يقول: لما أرادوا دفنه ركبت عَائِشَة بغلاً، واستنفرت بني أمية مروان بن الحكم، ومن كان هناك منهم ومن حشمهم، وهو القائل: "فيومًا على بغل ويومًا على جمل" (٢). قال ابن أبي الحديد- مناقشًا لهذه الرواية-: "قلت: وليس في رواية يحيى بن الحسن ما يؤخذ على عَائِشَة لأنه لم يرو أنها استنفرت الناس لما ركبت البغل وإنما المستنفرون هم بنو أمية ويجوز أن تكون عَائِشَة ركبت لتسكين الفتنة لاسيما وقد روي عنها أنه لما طلب منها الدفن قالت نعم فهذه الحال والقصة منقبة من مناقب عَائِشَة" (٣). ثالثًا: أَنَّ المنع من جهة عَائِشَة لو ثبت فهو محمولٌ على المنع بعد السماح وذلك بعد أن رأت رفض بني أمية واستعدادهم لقتال بني هاشم، فمنعت من باب سد الفتنة وخوف سفك الدماء لا أنها منعت ابتداءً.

стр. 121

وهذا الكلام تجسده الرواية الآتية: فعن هشام بن عروة عن أبيه قال: "قال الحسن حين حضرته الوفاة: أدفنوني عند قبر رسول الله ﷺ إِلاَّ أن تخافوا أن يكون في ذلك شر، فإن خفتم الشر فادفنوني عند أمي، وتوفي فلما أرادوا دفنه أبى ذلك مروان وقال: لا، يدفن عثمان في حش كوكب، ويدفن الحسن هاهنا. فاجتمع بنو هاشم وبنو أمية، فأعان هؤلاء قوم وهؤلاء قوم، وجاءوا بالسلاح، فقال أبو هريرة لمروان: يا مروان أتمنع الحسن أن يدفن في هذا الموضع وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول له ولأخيه حسين: هما سيدا شباب أهل الجنة ... فلما رأت عَائِشَة السلاح والرجال، وخافت أن يعظم الشر بينهم، وتسفك الدماء قالت: البيت بيتي؛ ولا آذن أن يُدْفَنَ فيه أحد، وقال محمد بن علي لأخيه: يا أخي إنه لو أوصى أن يدفن لدفناه أو نموت قبل ذلك، ولكنه قد استثنى فقال: إلا أن تخافوا الشر، فأي شر أشد مما ترى؟ فدفن بالبقيع إلى جنب أمه" (١). ويؤيد ذلك أَنَّ الصحابة مع أنهم في أول الأمر كانوا مع موقف عَائِشَة في السماح للحسن بالدفن إلا أنهم لما رأوا الفتنة أمروا الحسين أن ينفذ وصية أخيه في حقن الدماء ودفنه بالبقيع، وكان هذا موقف أبي هريرة ﵁ (٢)، وعبد الله بن عمر ﵄ (٣). رابعًا: أَنَّ هذه الأخبار باطلة متنًا؛ لأنها تعارض روايات صحيحة صريحة توضح سماح عَائِشَة وترحيبها بدفن الحسن مع جده ﷺ ، وإيثارها له، بل قالت لأخيه الحسين لمّا استأذنها في دفن الحسن ﵁: "نعم، بقي موضع قبر واحد، قد

стр. 122

كنت أحب أن أدفن فيه، وأنا أؤثرك به" (١).

стр. 123

المطلب السادس قولهم: إنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تَكْذِبُ على رسول الله ﷺ يزعم الرَّافِضَة أَنَّ ما روته أمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂ من الأحاديث عن النَّبِيّ ﷺ لا يقبل؛ لأنّ روايتها فاسدة، ولأنهّا كانت تكذب على رسول الله ﷺ : قال الصدوق: حدثنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى قال: حدثني محمد بن زكريا قال: حدثنا جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه قال: سمعت جعفر بن محمد ﵉ يقول: "ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة (١) " (٢). والمرأة التي ذكرها الرَّافِضَة في خبرهم هذا، وادَّعوا أنهّا كانت تكذب على رسول الله ﷺ ، يعنون بها أمنا عَائِشَة ﵂، ويؤكد ذلك ما ذُكر في كتبهم: فجاء في 'بحار الأنوار'، - بعد ذكر الخبر المكذوب السابق -: يعني عَائِشَة (٣). وفسرها صاحب "بحار الأنوار" أيضاً في موضعٍ آخر: فقال: "وامرأة (عَائِشَة) " (٤)، فوضع كلمة "عَائِشَة" بين قوسين. وأورد التستري إحدى روايات عَائِشَة الْمُخَرَّجَة في "الصحيحين"، وعلّق عليها

стр. 124

بقوله: "وأقول: رواية عَائِشَة رضي الله عنهاخلافة أبيها فاسدة" (١). وقال المجلسي - عن عَائِشَة ﵂ في معرض كلام له على بعض مروياتها -: "وهي امرأة لم تثبت لها العصمة بالاتفاق، وتوثيقها محل الخلاف بيننا وبين المخالفين، وسيأتي في أخبارنا من ذمها والقدح فيها، وأنها كانت ممن يكذب على رسول الله - صلى الله عليه وآله - ما فيه كفاية للمستبصر" (٢). وقال ياسر الحبيب الرافضي المعاصر - وهو يتحدث عن مساوئ عَائِشَة على زعمه -: "أأذكر كذبها على رسول الله بآلاف الأحاديث، التي شوهت سمعة رسول الله، وفتحت باب المطاعن على شخصية النَّبِيّ الأقدس - صلى الله عليه وآله -؟ (٣) " (٤). الرد على هذه الفرية: وجواباً على هذه الفرية أقول مستعيناً بالله تعالى: إِنَّ الرد عليها من وجوه: الأول: هذا الخبر وما شاكله من الأخبار الباطلة والمكذوبة على أُمّ المؤمنين عَائِشَة ﵂. فهذا الحديث مردودٌ لا يحتج به عند أهل السنة وعند الشيعة:

стр. 125

فبالنسبة لأهل السنة: فهم لا يعتدون بروايات الرَّافِضَة، ولا بأسانيدهم، لأن غالب أسانيد الرَّافِضَة أسانيد ملفقة مختلقة، وإن سلمت من التلفيق فرجالها إما كذابون أو متروكون أو مجاهيل، هذا من ناحية الإسناد. ومن ناحية المتن: فهو متنٌ يعارض المتواتر المجمع عليه بين المسلمين - إلا من لا يعبأ بخلافه - من توثيق عَائِشَة؛ لأنها صحابية، ومن زوجات النَّبِيّ ﷺ ، ومن أمهات المؤمنين. ولذلك فهي عند أهل السنة، بل وعند جميع المسلمين متجاوزة للقنطرة، وبالتالي لا تحتاج إلى توثيقٍ من أحد من الناس؛ لأن الله زكاها ورسوله ﷺ أيضاً زكاها، وهذا أمر معلومٌ من الدين بالضرورة. وأما بالنسبة لوجهة نظر الشيعة: فهذا الحديث ضعيفٌ مردودٌ أيضاً؛ لأن هذا الإسناد فيه: جعفر بن محمد بن عمارة الكندي، وهو مجهول عند الرَّافِضَة. فجعفر هذا أهمل ذكره علماء الجرح والتعديل عند الشيعة، فلم يذكروه لا بجرحٍ ولا توثيق؛ ولذلك فهو مجهول كما ذكرنا، وقد قال فيه علي النمازي الشاهرودي الشيعي: "لم يذكروه" (١). الثاني: إبهام اسم المرأة في هذه الرواية يدل على بطلان هذه الفرية من وجهين: الوجه الأول: الرواية لم تنص على اسم عَائِشَة، وإنما ذكرت امرأة نكرة، فلفظ رواية الرَّافِضَة لخبرهم كما مر معنا كالتالي: "ثلاثة كانوا يكذبون على رسول الله أبو هريرة، وأنس بن مالك، وامرأة"، فنجد أَنَّ الراوي قد أبهم اسم المرأة، ولم يصرح به.

стр. 126

الوجه الثاني: إذا كان المقصود بالمرأة عَائِشَة، فلماذا أُخْفِيَ اسمها، ولم يُصَرَّح به؟؛ لأنه قد يقول لنا قائل من الرَّافِضَة: المقصود بالمرأة المبهمة عَائِشَة، وقد فسرها بذلك صاحب "بحار الأنوار"، وغيره. فنقول له: إذا كان المقصود بالمرأة عَائِشَة، فلماذا لم يصرح باسمها صراحةً؟ فلا يستطيع أن يجيب. فنقول له حينئذٍ: هذا أكبر دليل على شك المفتري في فريته، وعجزه عن تقريرها، وضعفه أمام جمهور المسلمين، ولو كان يعتقد أن ذلك حقاً لصرح به، فإن قال الرافضي: أخفى الراوي اسم عَائِشَة تقيةً، كما قال: الفضل بن شاذان الأزدي: "أقول: المراد بالمرأة ظاهر، ولم يسمها تقيةً" (١). فنقول له: حسناً، ولكن لماذا عمل بالتقية في اسم عَائِشَة، ولم يعمل به في اسمي أبي هريرة، وأنس بن مالك؟ فلا يستطيع الجواب، فإن سكت الرافضي بعد ذلك علمنا قدرة الله في تبرئة عَائِشَة. وإن قال: عندي جواب: وهو أنه أخفى اسم عَائِشَة دون أبي هريرة وأنس بن مالك لأنها زوجة النَّبِيّ وأحب زوجاته إليه، وبنت أبي بكر، قلنا له: الله أكبر، هذا ما كنا نبغِ، فهذا أكبر دليل على كذبكم، وبراءتها. الثالث: أم سلمة تصف عَائِشَة بأنها صادقة باعتراف الشيعة أنفسهم: قال المجلسي - ناقلاً عن أبي نُعَيْم -: «وبإسناده عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على عَائِشَة فسألتها عن هذه الآية فقالت: ائت أم سلمة، ثم أتيت فأخبرتها بقول عَائِشَة، فقال: صَدقَتْ، في بيتي نزلت هذه الآية على رسول الله

стр. 127

صلى الله عليه وسلم، فقال: من يدعو لي عليّاً وفاطمة وابنيهما؟» الحديث (١). فإذا كانت هذه أُمّ المؤمنين أم سلمة ﵂، وهي من المعدلين عند الشيعة، بل ومن آل البيت عندهم، قد حكمت على أختها عَائِشَة بالعدالة والثقة والصدق، في الرواية التي نقلها الشيعة، واحتجوا بها، فلماذا يستنكفون عن تعديلها؟.

стр. 128

المطلب السابع قولهم: إِنَّ عَائِشَة أغْضَبَتْ فاطمة حتى أَبْكَتْها يدَّعي الرافضة أَنَّ عائشة أغضبت فاطمة ﵄؛ وذلك لبغض عائشة لها ولآل البيت. فقال الصدوق: "حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ﵁ قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن خالد قال: حدثني أبو علي الواسطي، عن عبد الله بن عصمة، عن يحيى بن عبد الله، عن عمرو بن أبي المقدام، عن أبيه، عن أبي عبد الله ﵇ قال: "دخل رسول الله - صلى الله عليه وآله - منزله، فإذا عَائِشَة مقبلة على فاطمة تصايحها، وهي تقول: والله يا بنت خديجة، ما ترين إلا أن لأمك علينا فضلاً، وأي فضل كان لها علينا ما هي إِلاَّ كبعضنا، فسمعت مقالتها فاطمة، فلما رأت فاطمة رسول الله - صلى الله عليه وآله - بكت، فقال لها: ما يبكيك يا بنت محمد؟ قالت: ذَكَرَتْ أمي فَتَنَقَّصَتْهَا، فبكيتُ، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وآله -، ثم قال: مَهْ يا حميراء، فإن الله ﵎ بارك في الولود الودود، وإن خديجة - رحمها الله - ولدت مني طاهراً، وهو عبد الله، وهو المطهر، وولدت مني القاسم، وفاطمة، ورُقَيَّة، وأم كلثوم، وزينب، وأنت ممن أعقم الله رَحِمَهُ، فلم تلدي شيئاً" (١). وقال ياسر الحبيب: "أأذكر إيذاءها لسيدة نساء العالمين - صلوات الله عليها -

стр. 129

حتى أبكتها؟ " (١). أولاً: هذه الرواية مكذوبة ومن تلبيسات الرَّافِضَة، وهي مردودة عند أهل السنة وعند الشيعة: أما عند أهل السنة فالأمر واضح: لأنهم لا يعتدون بمرويات الرَّافِضَة، وقد تقدم ذلك مراراً فأغنى عن إعادته هاهنا. وأما عند الشيعة: فإن الإسناد ضعيف فيه مجهولان: الأول: عبد الله بن عصمة. قال على النمازي الشاهرودي: "عبد الله بن عصمة: لم يذكروه" (٢). والثاني: أبو علي الواسطي: قال محمد الجواهري: "أبو علي الواسطي: مجهول - روى روايتين في 'الكافي'" (٣). وقال عنه غلام رضا عرفانيان: "أبو علي الواسطي: لم يُذْكَرْ بشيء" (٤). ثانياً: أَنَّ ما يوجد من عَائِشَة ﵂ تجاه فاطمة ﵂ هو المحبة والثناء الحسن، فهناك جملة من الأحاديث التي روتها عَائِشَة ﵂ في فضل فاطمة ﵂ والثناء عليها، ومن ذلك: ١ - ما جاء عن عمرو بن دينار قال: قالت عَائِشَة ﵂: «مَا رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ

стр. 130

فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا»، وفي رواية: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ أَصَدَقَ مِنْ فَاطِمَةَ غَيْرَ أَبِيهَا» (١). ٢ - ما روته عَائِشَة بنت طلحة، عن عَائِشَة ﵂، أنها قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَدَلاّ وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللهِ فِي قِيَامِه وَقُعُودِه مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢). ٣ - ما رواه عبد الله بن الزبير، عن عَائِشَة ﵂ أنها كانت إذا ذكرت فاطمة بنت النَّبِيّ ﷺ قالت: «مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْهَا إِلا أَنْ يَكُونَ الَّذِي وَلَدَهَا» (٣). وهذه الأحاديث وغيرها تُبيِّن مدى محبة عَائِشَة لفاطمة ﵄، فكيف يقال: إنها تبغضها؟!. وقد كتب جعفر الهادي الشيعي كتاباً بعنوان: 'السيدة فاطمة الزهراء على لسان عَائِشَة زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله' جمع فيه أربعين روايةً في فضل فاطمة روتها عَائِشَة ﵂. فكيف روت عَائِشَة هذه الروايات في فضائل فاطمة وهي تبغضها؟ وكيف روت هذه الروايات الكثيرة في فضائلها حتى حدا برجلٍ شيعي أن يكتب مصنفاً مستقلاً في مناقب فاطمة التي روتها عَائِشَة فقط؟، والحق ما شهدت به الأعداء. أقول: سبحان الله إن الشر إذا تمحض فسوف يحمل عواقب فنائه في نفسه، وكما يقال: من فمك أدينك، والاعتراف سيد الأدلة، وقد شهدوا على أنفسهم.

стр. 131

المبحث الثاني الشُّبُهَات المثارة حول عَائِشَة ﵂ وفيه سبعة مطالب: المطلب الأول: التَّحْذِير من الْوُقُوعِ في شِبَاك الشُّبُهَات. المطلب الثاني: قول الرَّافِضَة: إِنَّ عَائِشَة خرجتْ لقتال علي ﵄. المطلب الثالث: قولهم: إنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تُبْغِضُ عليًا ﵄. المطلب الرابع: قولهم: إِنَّ الفِتنة خرجتْ من بيت عَائِشَة. المطلب الخامس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ لا تَحتَجِب من الرِّجال. الطلب السادس: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تُزيِّن الجواري وتطوف بهنّ. المطلب السابع: قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تُسِيء إلى النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 132

المطلب الأول التَّحْذِير من الْوُقُوعِ في شِبَاك الشُّبُهَات قبل الحديث عن التحذير من الوقوع في الشُّبُهَات يَجْدُر بي أن أُعَرِّفَ بالشُّبْهَة لغةً، واصطلاحًا. فالشُّبْهَة في اللغة هي: الالتباس والاختلاط، وشُبِّهَ عليه الأَمْرُ تَشْبيهًا: لُبِّسَ عليه، وجمعها شُبَه وشُبُهات (١). وفي الاصطلاح: التباس الحق بالباطل واختلاطه حتى لا يتبيَّن (٢)، وقال بعضهم: هي ما يشبه الثابت وليس بثابت (٣)، وقد عرفها ابن القيم (٤) ﵀ فقال: "الشُّبْهَة: وَارِد يرد على الْقلب يحول بَينه وَبَين انكشاف الحق" (٥). والشُّبُهَات أحد نوعي الفتن التي ترد على القلوب؛ لأن القلب ترد عليه فتنتان: فتنة الشُّبْهَة، وفتنة الشهوة، وفتنة الشُّبْهَة أخطر؛ لأنها إذا تمكنت في القلب قلَّ أن ينجو منها أحد؛ وفي ذلك يقول ابن القيم ﵀: "الْقلب يتوارده

стр. 133

جيشان من الْبَاطِل جَيش شهوات الغي، وجيش شُبُهَات الْبَاطِل، فأيما قلب صغا إليها وركن إليها تشربها وامتلأ بهَا، فينضح لِسَانه وجوارحه بموجبها، فَإِن اشرب شُبُهَات الْبَاطِل تَفَجَّرَتْ على لِسَانه الشكوك والشُّبُهَات والإيرادات، فيظن الْجَاهِل أن ذَلِك لسعة علمه وَإِنَّمَا ذَلِك من عدم علمه ويقينه" (١). وقال أيضًا: "قال لي شيخُ الإسلام وقد جعلتُ أُورِدُ عليه إيرادًا بعد إيراد : لا تجعلْ قلبَك للإيرادات والشُّبُهَات مثل السفنجة فيتشربَها، فلا ينضح إلا بِها، ولكنِ اجعلْه كالزجاجة المصمتة، تمرُّ الشُّبُهَات بظاهرِها ولا تستقرُّ فيها، فيراها بصفائه، ويدفعُها بصلابته، وإلاَّ فإذا أَشْرَبْتَ قلبَك كُلَّ شُبهةٍ تمرُّ عليها، صارَ مقرًّا للشُّبهات، - أو كما قال -، فما أعلمُ أنِّي انتفعتُ بوصيَّة في دَفْع الشُّبُهَات كانتفاعي بذلك" (٢). ولما كانت الشُّبُهَات بهذه الخطورة كان السلف ﵏ يحرصون على البعد عنها وعن المجالس التي تورد فيها الشُّبُهَات، جاء في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد، وغيره: "دخل رجلان من أصحاب الأهواء على محمد بن سيرين فقالا: يا أبا بكر نحدثك بحديث قال: لا، قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله ، قال: لا، لتقومان عني أو لأقومن، قال: فقام الرجلان فخرجا، فقال بعض القوم: يا أبا بكر ما كان عليك أن يقرأا آية من كتاب الله ؟، فقال محمد بن سيرين: إني خشيت أن يقرأا آية عليَّ فيحرفانها فيقر ذلك في قلبي" (٣).

стр. 134

لهذا يجب على كل مسلم أن يصون دينه عن الشُّبُهَات، فلا يستمع إليها، ولا يجلس في المجالس التي تورد فيها، لأننا مأمورون باجتناب مواطن الفتن، خصوصًا فتن الشُّبُهَات؛ لأن الشبه خطافة. وأعداء الإسلام يعملون ليل نهار من أجل الكيد لهذا الدين وأهله، وكان من كيدهم نصب الشُّبُهَات ليصطادوا ضعفاء العلم والبصيرة من المسلمين؛ لأن سبب الشُّبْهَة أحد أمرين: قلة في العلم أو ضعف في البصيرة، أما من كان على علم راسخ وبصيرة نجا من الشُّبُهَات. ومن الذين عُرفوا بالشُّبُهَات وتخصصوا فيها الرَّافِضَة، فإنهم ينسجون الشُّبُهَات الدنية، ليطعنوا في الصحابة الكرام ﵃، وكان تركيزهم على أمهات المؤمنين، وبالأخص عَائِشَة ﵂، فإنهم أكثروا فيها الشُّبُهَات، ووجهوا نحوها الطعنات، ولكن علماء أهل السنة لهم بالمرصاد، فعرفوا كيدهم، وكشفوا أمرهم، فما من شبهة صغيرة أو كبيرة إلا وتناولها أهل السنة بالرد والإبطال، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١). وفي المطالب الآتية عرض لأشهر الشُّبُهَات والرد عليها، وبيان بطلانها، ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ (٢).

стр. 135

المطلب الثاني قول الرَّافِضَة: إنّ عَائِشَة خرجتْ لقتالِ عليّ ﵄ يقول الرَّافِضَة: إِنَّ عَائِشَة ﵂ خرجت لتقاتل علياً ﵁ ظلماً وعدواناً، واستدلوا على ذلك بحديث نسبوه إلى النَّبِيّ ﷺ : «تُقَاتِلِينَ عَلِيًّا وَأَنْتِ ظَالِمَةٌ لَهُ». واستدلوا برواية أخرى ذكرها المجلسي في 'بحار الأنوار' عن الصادق ﵇ عن آبائه ﵈ في خبر الطير: "أنه جاء علي ﵇ مرتين فردته عَائِشَة ﵂ فلما دخل في الثالثة وأخبر النَّبِيّ - صلى الله عليه وآله - به قال النَّبِيّ - صلى الله عليه وآله: أبيت إلا أن يكون الأمر هكذا يا حميراء ما حملك على هذا؟ قالت: يا رسول الله اشتهيت أن يكون أبي أن يأكل من الطير. فقال لها: ما هو أول ضغن (١) بينك وبين علي وقد وقفت على ما في قلبك لعلك إنشاء الله تعالى لتقاتلينه!! فقالت: يا رسول الله، وتكون النساء يقاتلن الرجال؟ فقال لها: يا عَائِشَة، إنك لتقاتلين علياً ويصحبك ويدعوك إلى هذا نفر من أهل بيتي وأصحابي فيحملونك عليه وليكونن في قتالك أمر يتحدَّث به الأولون والآخرون ... " (٢). الرد على هذه الشُّبْهَة: أولاً: هذه الروايات باطلة مكذوبة ومن وضع الرَّافِضَة، فكلّ هذه الأخبار التي

стр. 136

ساقوها، ونسبوها كذباً إلى رسول الله ﷺ لا تُعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، وليس لها أسانيد معروفة، وهي بالموضوعات أشبه منها بالأحاديث الصحيحة، بل هي كذبٌ قطعاً" (١). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الحديث الذي رواه وهو قوله لها: «تُقَاتِلِينَ عَلِيًّا وَأَنْتِ ظَالِمَةٌ لَهُ» فهذا لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا له إسناد معروف وهو بالموضوعات المكذوبات أشبه منه الأحاديث، بل هو كذب قطعاً" (٢). ثانياً: المعروف والموقن به من موقف عَائِشَة ﵂ ومن معها أنهم خرجوا للإصلاح لا القتال، "فإن عَائِشَة ﵂ لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، فلم يكن للصحابة قصدٌ في الاقتتال يوم الجمل، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم، فإنه لما تراسل عليّ وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكنوا طلبوا قتلة عثمان أهل الفتنة، وكان عليّ غير راضٍ بقتل عثمان ولا معيناً عليه، كما كان يحلف فيقول: والله ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله، وهو الصادق البار في يمينه، فخشي القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظن طلحة والزبير أن علياً حمل عليهم، فحملوا دفعاً عن أنفسهم، فظن عليّ أنهم حملوا عليه، فحمل دفعاً عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعَائِشَة ﵂ كانت راكبة: لا

стр. 137

قاتلت، ولا أمرت بالقتال، هكذا ذكره غير واحد من أهل المعرفة بالأخبار" (١). ويتضح كون عَائِشَة ﵂ خرجت للإصلاح من خلال النقاط التالية: أولاً: أن عَائِشَة ﵂ تقول بلسانها: إنها خرجت للإصلاح، فروى الطبري بإسناده قال: «فَخَرَجَ الْقَعْقَاعُ حَتَّى قَدِمَ الْبَصْرَةَ، فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ ﵂ فَسَلَّمَ عَلَيْهَا، وَقَالَ: أَيْ أُمَّهْ، مَا أَشْخَصَكِ وَمَا أَقْدَمَكِ هَذِهِ الْبَلْدَةَ؟ قَالَتْ: أَيْ بُنَيَّ، إِصْلاحٌ بَيْنَ النَّاسِ ... » (٢). ثانياً: أنّ عَائِشَة ﵂ كتبت بأنها ما خرجت إِلاَّ للإصلاح، فروى ابن حبان في 'كتاب الثقات': «وَقدم زيد بْن صوحان من عِنْد عَائِشَة مَعَه كِتَابَانِ من عَائِشَة إِلَى أبي مُوسَى وَالِي الْكُوفَة وَإِذا فِي كل كتاب مِنْهُمَا بِسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم، من عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ إِلَى عَبْد اللَّه بْن قيس الأشْعَرِيّ، سَلام عَلَيْك، فَإِنِّي أَحْمَد إِلَيْك اللَّه الَّذِي لاَ إِلَه إِلاّ هُوَ، أما بعد: فَإِنَّهُ قد كَانَ من قتل عُثْمَان مَا قد علمت، وَقد خرجت مصلحَة بَين النَّاس، فَمر من قبلك بالقرار فِي مَنَازِلهمْ وَالرِّضَا بالعافية حَتَّى يَأْتِيهم مَا يحبونَ من صَلاَح أَمر الْمُسلمين، فَإِن قتلة عُثْمَان فارقوا الْجَمَاعَة وَأَحلُّوا بِأَنْفسِهِم الْبَوَار» (٣). ثالثاً: أن عَائِشَة ﵂ وقَّعت على الصلح، فجاء في كتب السِّير: «كَانَ القتال يَوْمَئِذٍ فِي صدر النهار مع طَلْحَة وَالزُّبَيْر، فانهزم الناس وعَائِشَة ﵂ توقع الصلح» (٤).

стр. 138

وفي الختام نخلص إلى أن عَائِشَة ﵂ لم تخرج لقتال على ولم تخرج لمنازعته في الخلافة، وإنما خرجت بقصد الإصلاح. يقول ابن حزم ﵀: "وأما أُمّ المؤمنين والزبير وطلحة ﵃ ومن كان معهم فما أبطلوا قط إمامة علي، ولا طعنوا فيها ولا ذكروا فيه جرحة تحطه عن الإمامة، ولا أحدثوا إمامة أخرى، ولا جددوا بيعة لغيره، هذا ما لا يقدر أن يدعيه أحد بوجه من الوجوه، بل يقطع كل ذي علم على أن كل ذلك لم يكن، فإن كان لا شك في كل هذا فقد صح صحة ضرورية لا إشكال فيها أنهم لم يمضوا إلى البصرة لحرب علي، ولا خلافاً عليه ولا نقضاً لبيعته، ولو أرادوا ذلك لأحدثوا بيعة غير بيعته هذا ما لا يشك فيه أحد ولا ينكره أحد، فصح أنهم إنما نهضوا إلى البصرة لسد الفتق الحادث في الإسلام من قتل أمير المؤمنين عثمان ﵁ ظلماً" (١). وقال ابن حجر ﵀: "ولم يكن قصدهم القتال، لكن لما انتشبت الحرب، لم يكن لمن معها بد من المقاتلة، ... ولم ينقل أن عَائِشَة ﵂ ومن معها نازعوا علياً في الخلافة ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة وإنما أنكرت هي ومن معها على عليّ منعه من قتل قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم، وكان عليّ ينتظر من أولياء عثمان أن يتحاكموا إليه، فإذا ثبت على أحد بعينه أنه ممن قتل عثمان اقتص منه، فاختلفوا بحسب ذلك وخشي من نسب إليهم القتل أن يصطلحوا على قتلهم فأنشبوا الحرب بينهم إلى أن كان ما كان" (٢).

стр. 139

المطلب الثالث قولهم: إِنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانتْ تُبْغِضُ عليًا ﵄ استدل الرَّافِضَة على بغض عَائِشَة لعلي بما جاء عن عَائِشَة ﵂ قالت: «مَرِضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاسْتَأْذَنَ نِسَاءَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ ﷺ مُعْتَمِدًا عَلَى الْعَبَّاسِ، وَعَلَى رَجُلٍ آخَرَ، وَرِجْلاهُ تَخُطَّانِ فِي الأرْضِ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتَدْرِي مَنْ ذَلِكَ الرَّجُلُ؟ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَلَكِنَّ عَائِشَة لا تَطِيبُ له نَفْسًا» (١). قال الرَّافِضَة: وكانت لا تحب عليًا ولا ترضى له خيرًا ولا تذكر اسمه على لسانها (٢). والرواية المشهورة والتي ليس فيها هذا الكلام جاءت عن عَائِشَة ﵂ قالت: «لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلاهُ فِي الأرْضِ، بَيْنَ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ، قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَأَخْبَرْتُ عَبْدَ اللهِ بِالَّذِي قَالَتْ عَائِشَة: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: "هَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَة؟ " قَالَ: قُلْتُ: لا.

стр. 140

قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ: "هُوَ عَلِيٌّ"» (١). والجواب عن هذه الشُّبْهَة من وجوه: أولاً: هذه الزيادة شاذة لا تصح: "فإعراض الشيخين عن هذه الزيادة، وعدم اتفاق أصحاب الزهري عليها يجعل في القلب منها شيء. فسفيان وعقيل وشعيب لم يذكروها في الحديث، وذكرها معمر ورواها ابن المبارك عن معمر ويونس جمعهما في حديث واحد وقد أعرض الشيخان عن الزيادة مع روايتهما للحديث من طريق ابن المبارك عن معمر، زد على هذا أن موسى بن أبي عَائِشَة لم يتابع الزهري على هذه الزيادة. كذلك ممن حدث به عن الزهري بغير الزيادة: إبراهيم بن سعد وهو في الطبقات (٢) قبل الحديث محل السؤال مباشرة، وقد روى البيهقي في الدلائل (٣) الحديث من مغازي ابن إسحاق برواية يونس بن بكير (وهو طريق ابن حجر للمغازي) فرواه ابن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن الزهري وليس فيه هذه اللفظة، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث. ورواه بن إسحاق عن الزهري بغير واسطة بدون تلك اللفظة أيضًا، وهذا عند أبي يعلى (٤) وإسناده جيد وصرح ابن إسحاق بالتحديث، فصار من روى الحديث

стр. 141

بغير الزيادة سفيان بن عيينة وشعيب وعقيل وإبراهيم بن سعد ويعقوب بن عتبة وابن إسحاق وتفرد بالزيادة معمر. وقد أخرج الشيخان الحديث واتفقا على الإعراض عن تلك الزيادة مع أنهما يروياها من طريق معمر، فلعل هذه اللفظة لا تصح في الحديث" (١)؛ ولذلك فقد مال بعض طلبة العلم المعاصرين إلى شذوذ هذه الرواية (٢). ثانياً: على فرض صحة الرواية، فإن هذه مسألة تعتري البشر جميعًا حتى بين أفراد الأسرة الواحدة كغضبة أخ من أخيه أو أخته أو أمه فيفارق اسمه فقط وهذه أيضًا عادة عند العرب, فكانت أمنا عَائِشَة تقسم: (ورب محمد) حال رضاها مع النَّبِيّ, فإن كان هناك شيء قالت: "ورب إبراهيم" فلما أخبرها النَّبِيّ بمعرفته ذلك قالت: (لا أفارق إلا اسمك) (٣) " (٤). يقول الزرقاني (٥) في تعليقه على هذه الرواية: "وذلك لما جبل عليه الطبع

стр. 142

البشري، فلا إزراء في ذلك عليها ولا على عليّ ﵄ ... " (١). فربّما وجدتْ عائشة ﵂ في نفسها شيئاً عن علي ﵁ في أمرٍ من الأمور، كطبيعة البَّشر، وتوافق مع ذلك الموقف، ولكن من المحال أن يكون حقداً مستمراً، وعداءً لا يزول، بل ذلك من أبعد الأشياء عن عائشة ﵂، فإنها لم تحمل على الذين خاضوا في الإفك، مع أن ذلك كان من أشدِّ المصائب عليها، فكان نصيب الخائضين من عَائِشَة ﵂ العفو والصفح، حتى إنّها كانت تُنافح عنهم إذا ذكرهم أحدٌ أمامها بسوء. فهذا حسّان بن ثابت ﵁ كان من الخائضين في الإفك، وكان ممّن أكثر في رمي عَائِشَة ﵂، ومع ذلك لم تحقد عليه الصدّيقة ﵂، بل كانت تنهى عن سبِّه أو الإساءة إليه، ففي الصحيحين أنّها قالت لعروة بن الزبير لمّا أخذ يسبهّ: «لاَ تَسُبَّهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » (٢)، وقالت لمسروق نحوًا من هذا الكلام. أفُيعقل أن تُقّدر مواقف حسّان مع النَّبِيّ ﷺ ، فتغُضي عن إساءته البالغة إليها، ولا تُقِّدر مواقف أمير المؤمنين علي ﵁ مع النَّبِيّ، وبلاءه الحسن معه، وجهاده في سبيل إعلاء كلمة الله ؟!. إنّ من درس أخلاقها ﵂، واطّلع على مناقبها، يعلم مدى عفوها وصفحها عن كثير من الهنات التي صدرت عن أشخاص أبلوا مع رسول الله ﷺ

стр. 143

دون بلاء عليّ ﵁ ويُدرك أنّ ما بينها وبين عليّ ﵁ كما بين الأحماء؛ كما أخبرت ﵂ بذلك، وصدّقها عليّ ﵁ في قولها" (١). رابعًا: أَنَّ عَائِشَة رضي الله عنهاانت تحب عليًا، وتكن له كل تقديرٍ واحترام، وقد ذكرتُ ذلك في المبحث الأول من الفصل الثالث: «العلاقة الحسنة بين عَائِشَة وآل البيت رضي لله عنهم»، فليرجع إليه.

стр. 144

المطلب الرابع قولهم: إِنَّ الفِتْنَة خرجتْ من بيت عَائِشَة يزعم الشيعة الرَّافِضَة الاثنا عشرية أنّ عَائِشَة ﵂ هي مصدر الفتنة وسببها، وقد استدلّوا على زعمهم هذا بحديثٍ عن رسول الله ﷺ رواه عنه ابن عمر ﵄، وقد ورد هذا الحديث في كتب أهل السنة بروايتين: الأولى: في صحيح البخاري من حديث عبد الله ﵁ قال: «قَامَ النَّبِيّ ﷺ خَطِيبًا، فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَة، فَقَالَ: هُنَا الفِتْنَةُ - ثَلاَثًا - مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ» (١). والثانية: روايةٍ لمسلم: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْتِ عَائِشَة، فَقَالَ: رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَاهُنَا، مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ - يَعْنِي الْمَشْرِقَ-» (٢). وقد استدلّوا على زعمهم هذا بعبارة: «فَأَشَارَ نَحْوَ مَسْكَنِ عَائِشَة»، في الرواية الأولى، وبعبارة: «خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ بَيْتِ عَائِشَة، فَقَالَ: رَأْسُ الْكُفْرِ مِنْ هَاهُنَا»، في الرواية الثانية؛ ليستنتجوا من ذلك أَنَّ مقصد النَّبِيّ ﷺ بهذه الكلمات: أَنَّ الفتنة تخرج من بيت عَائِشَة ﵂، فهي - على زعمهم - مصدر الفتنة ومنبعها (٣).

стр. 145

الرد على هذه الشُّبْهَة: أولاً: مقصود النَّبِيّ ﷺ من الحديث أن منشأ الفتن من جهة المشرق لا بيت عَائِشَة، "فإنّ روايات هذا الحديث كلّها متفقة على أنّ جهة الفتنة هي جهة المشرق بالنسبة لمقام النَّبِيّ ﷺ بالمدينة، ولا عبرة لذكر المكان الذي قال رسول الله ﷺ فيه هذا الحديث؛ سواء كان قاله على منبره، أو أمام بيت زوجه حفصة، أو عند خروجه من بيت زوجه عَائِشَة، أو وهو مشرفٌ على أطم (١) من آطام المدينة، أو غير ذلك؛ كما ذكرت ذلك الروايات الصحيحة. ووجود بيت عَائِشَة ﵂ بينه وبين المشرق في بعض الروايات لا يعني أنهّا ﵂ المقصودة بقوله عليه ﷺ : «هَا هُنَا الفِتْنَةُ». وَذِكْر المكان أو الزمان لا يُؤثّر على فَهْم الحديث، ولا يُوجِدُ فيه تعارضًا أو تضاربًا؛ لأنّه ليس هو المقصود بيانه في الحديث، وإنّما المقصود بيان أنّ جهة الفتنة إنّما هي جهة المشرق، وعلى هذا اتّفاق كافّة أهل العلم بالحديث" (٢). وقد جاء ما يؤكد ذلك في رواياتٍ كثيرةٍ متوافرة متكاثرة عن ابن عمر
следующие страницы →