← Акыда

Акыда · id 36070

الأساليب البديعة في فضل الصحابة وإقناع الشيعة

يوسف النبهاني

Полный текст (179 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وأصحابه أجمعين- من الأفعال المشكورة المبرورة، التي منها بذل الأرواح والأموال ومعاداة الأهل والعيال، وارتكاب المشقات التي لا تتحملها الجبال، فهل لا يستحقون بعدها غفران الذنوب وستر العيوب من الكبير المتعال؟ فأنصف أيها الرجل وانتبه رحمك الله، واعرف لذوي الحقوق حقوقهم، ولا تغتر بزخرفة الألفاظ وتنميق الأكاذيب التي أوحاها الشيطان إلى إخوانه وأعوانه حتى فرقوا كلمة الأمة المحمدية وأوقعوا بينها العداوة التي لا يقدر على إزالتها إلا الله تعالى. وأنت على يقين من أنا معاشر المسلمين جميعا من أهل السنة والشيعة عبيد الله تعالى يجب علينا أن نرضى لرضاه ونسخط لسخطه تعالى، ولا نجعل لهوانا على ديننا وعقلنا سبيلا. ونجزم ونعتقد أن رسول الله ﷺ لا يرضيه إلا ما يرضى الله تعالى. وقد بلغنا ﷺ عن ربه أنه رضي عن أهل بيعة الرضوان، وهم جل أو كل أصحابه المهاجرين والأنصار وقتئذ، فهل يمكن أن رسول الله ﷺ لا يرضى عليهم أو على أحد منهم مهما فعلوا بعد أن بلغنا عن ربه رضاه المطلق

стр. 107

عنهم الذي لم يقيده بشرط من الشروط ولا زمان من الأزمان. وهل يجوز لنا بعد أن تحققنا رضى الله ورسوله عنهم على هذا الوجه الثابت المحقق الذي لا يتحول ولا يتزلزل أن نسخط عليهم وقد رضي الله ورسوله عنهم ونذمهم وقد أثنى الله ورسوله عليهم؟ أنصف أنت من نفسك أيها المسلم العاقل وافعل ما يقربك إلى مولاك والله يتولى هداك. أما أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ﵃، فهم مثل أصحابه ﵊ يجوز عليهم الخطأ واقتراف الذنوب، فإنهم مثلهم غير معصومين. ولا يغرك زعم العصمة فيهم عند الشيعة لأن العصمة قد خصها الله تعالى بالنبيين والمرسلين لكونهم مشرعين ومبلغين الدين وأحكامه عن الحق إلى الخلق، فلو لم يكونوا معصومين لجاز عليهم وقوع الخطإ في تبليغ شرائع الله تعالى إلى عباده فيختل حينئذ ذلك الدين ولا يوثق بصحته وبأنه دين الله الحق الذي شرعه لعباده، ولهذا كانت عصمتهم واجبة لازمة لا بد منها. وأما غيرهم من أتباع الأنبياء فليسوا متصفين بهذه الصفة حتى يلزم اعتقاد العصمة فيهم، ولكنهم مهما عظم شأنهم وارتفعت مترلتهم في الفضل والتقوى

стр. 108

والكمال فهم محل للخطأ واقتراف الذنوب بحسب بشريتهم، ولكن الله تعالى من فضله وكرمه يغفر لهم ذنوبهم ويستر لهم عيوبهم. وأولى الناس بمغفرته تعالى آل بيت نبيه وأصحابه ﷺ لقوله تعالى في آل البيت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) ولثنائه الجميل على الصحابة ورضاه عنهم بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) وكما يجوز عقلا وشرعا وقوع التعدي من بعض الصحابة على بعض أهل البيت يجوز التعدي من بعض أهل البيت على بعض الصحابة، كما أنه يجوز الخطأ على هؤلاء وهؤلاء بمقتضى البشرية وعدم العصمة. ونحن معاشر المسلمين الواجب علينا محبة الفريقين لنفوز إن شاء الله تعالى بالحسنيين، وننظر بعين الإنصاف إلى ما بلغنا من أحوالهم جميعا وآثارهم في الدين ونفعهم للمسلمين وطاعتهم لرب العالمين وخدمتهم لسيد المرسلين -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- وما كان أمرهم عليه في حياته وبعد وفاته ﷺ ما تحققناه من النقول الصحيحة، ونجعل محط نظرنا رضا الله تعالى ورسوله ونزيل عن قلوبنا وعقولنا حجاب الهوى والميل بمجرد

стр. 109

التعصب المذموم والتشهي المشئوم، فإن ذلك لا يرضاه لنفسه العاقل إلا إذا طمس الله على بصيرته فلم يفرق بين الحق والباطل. فصل في خلافة أبي بكر وملخص أوصافه قد اتفق نقلة الأخبار على أن أبا بكر الصديق كان في الجاهلية من رجال قريش المعدودين أهل الحل والعقد فيهم، وأنه كان أول المسلمين من الرجال، وأنه من ذلك التأريخ كان هو الوزير الأعظم والصديق الأكبر الأكرم للنبي ﷺ . وإنما سماه النبي ﷺ بالصديق لمبادرته لتصديقه في أول إسلامه في كل ما أخبر به ﵊ من الغيوب ولا سيما في صباح ليلة المعراج حينما كذبته كفار قريش. ولم يزل مرافقا له وموافقا في جمع حالاته مع العسر واليسر والشدة والرخاء والسفر والحضر والحرب والسلم وجميع الأحوال إلى حين وفاته ﷺ . أما الأحاديث التي وردت وصحت عن النبي ﷺ في فضله فهي كثيرة مدونة في الكتب ومشهورة على الألسنة، وكثير منها يجري على ألسنة الناس مجرى الأمثال. وكذلك ما ورد في حق عمر وعثمان وعلي وطلحة

стр. 110

والزبير ﵃. وكذلك وردت أحاديث كثيرة في فضل السيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين وسائر أهل البيت الكرام وفضل السيدة عائشة وباقي أمهات المؤمنين وكثير من أفراد الصحابة ومجموعهم ﵃ أجمعين. ولا أريد أن أكثر الكلام هنا بنقلها لأنها معلومة، وكتبها في أيدي الناس مشهورة، وقد جمع منها الإمام ابن حجر في كتاب الصواعق جملة وافرة، وربما أذكر قليلا منها للمناسبة، ومن أرادها فليراجعها في محلها. ومن المعلوم عند الخصوص والعموم أن أبا بكر ﵁ لم يزل منذ أسلم إلى وفاة رسول الله ﷺ هو عنده الوزير الأول والصديق الأكبر الذي عليه في مهماته المعول لا يشبهه ولا يدانيه في ذلك أحد، لا من الصحابة ولا من أهل البيت ﵃ أجمعين، حتى إن رسول الله ﷺ لم يسمح له في غزوة بدر بالمبارزة في القتال، وقال له: "أمتعنا بنفسك" وسمح بذلك لسادات أهل بيته وقتئذ وهم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث ﵃، واعتمد عليه ﷺ في حراسة العريش الذي أقام فيه عليه الصلاة

стр. 111

والسلام يدعو الله تعالى وقت الحرب ويستنجزه ما وعده من النصر، ولم يعتمد في ذلك على أحد سواه في هذا الأمر المهم الذي لا أهم منه وقتئذ. كما أنه ﷺ لم يثق بأحد يكون رفيقه في هجرته من مكة إلى المدينة سوى أبي بكر ﵁، وقد استأذنه مرارا ليهاجر مع من هاجر قبل ذلك من الصحابة فلم يأذن له ﵊ بذلك وأخره حتى هاجر معه ﷺ . وكان مستشاره الأعظم في جميع مهماته ﷺ الدينية والدنيوية، ولم يزل كذلك عنده في المحل الأعلى والمترل الأرفع الذي لا يشاركه فيه مشارك ولا يشبهه فيه مشابه، لا من الصحابة ولا من أهل البيت، إلى أن توفي ﷺ وهو راض عنه تمام الرضا. ولما توفي رسول الله ﷺ اضطربت الصحابة من أهل البيت وغيرهم غاية الاضطراب، حتى جاء هو وقرأ قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١) فحينئذ سكن اضطرابهم وعرفوا أن رسول الله - صلى الله عليه

стр. 112

وسلم - قد توفاه الله ونقله من دار الفناء إلى دار البقاء. فكان أبو بكر أعلمهم وأعقلهم وأحزمهم وأفضلهم. ولما كان فضله العظيم وتفوقه عند رسول الله ﷺ على الجميع بالتقريب والتعظيم مشهودا لهم معلوما عندهم - وآخر اختصاص خصه به رسول الله ﷺ أمره إياه في مرضه أن يصلي بالناس نيابة عنه - اتفقوا بأجمعهم على أن يجعلوه خليفة له ﵊، ولأن تخصيص النبي ﷺ له بذلك كالصريح في استخلافه، ولذلك بايعه ﵁ على الخلافة جمهورهم إلا نزرا قليلا من بعض المهاجرين والأنصار، لا لجحدهم فضله واستحقاقه ولكن لأسباب قامت في أنفسهم منعتهم من التعجيل في المبايعة، أهمها عدم مشاورتهم كما صرح بذلك علي والزبير ﵄، ثم بايعوه بعد ذلك. وقد تمت له والحمد لله الخلافة باتفاق الصحابة من المهاجرين والأنصار وغيرهم. فاستلم زمامها وتسنم سنامها وقام بحقوقها أحق القيام، حتى كان هو المجدد الأعظم لدين الإسلام بعد رسول الله ﵊، وقد اتفقت على مبايعته والسرور بخلافته والاغتباط بها الأمة المحمدية وقتئذ بأسرها من أهل المدينة المنورة ومكة المشرفة ومن تبعهم من جميع العرب. ولو فرضنا أن المبايعة بالخلافة كانت لغيره لكان المخالفون أكثر بكثير، لأن اعتبار أبي بكر ﵁ عند الأمة

стр. 113

جميعها في حياته ﷺ كان في الدرجة الأولى بلا خلاف عندهم في ذلك، فالذين ينافسونه على هذا المقام هم بلا شك أقل بكثير ممن ينافسون غيره. وقد ظهر ذلك فيما بعد حينما تركوا وشأنهم بعد قتل عثمان ﵁ في خلافة علي ﵁. ولم يظهر في خلافة عمر لأن أبا بكر استخلفه قبل موته فلم يبق لهم الحق في نصب خليفة من عند أنفسهم حتى تختلف آراء بعضهم. وكذلك عمر حصرها في ستة، ومع ذلك لم يتفقوا على واحد منهم حتى حكموا فيها واحدا منهم وهو عبد الرحمن بن عوف يرضون بمن يعينه منهم بشرط أن لا يعين نفسه، فعين عثمان حين رآه الأصلح للأمر. ثم بعد قتل عثمان صارت الناس فوضى، فبايع أهل المدينة وأهل الحل والعقد وأصحاب السابقة من أصحاب رسول الله ﷺ عليا ﵁ لأن الأحقية انحصرت فيه، فإنه مع وجوده بعد عثمان لا يستحق الخلافة معه أحد. ومع ذلك قد خالف بيعته قوم كثير من العرب الصحابة وغيرهم. فمن هنا يظهر لك ظهورا جليا أن اعتبار أبي بكر في نفوس الأمة المحمدية

стр. 114

كان أكثر بكثير ممن بعده، ولذلك اتفقت الأمة عليه مع عدم تنصيص النبي ﷺ على خلافته صريحا، ومع كونه ليس من أقربائه الأقربين ولا من المعروفين بكثرة العشيرة وكثرة المال والأحزاب، وإنما كان رأس ماله الأعظم قوة دينه وعلو مترلته عند النبي ﷺ ، فإذن لم يبعث الأمة على الانقياد إليه إلا علمهم بأحقيته وأفضليته وكونه لا يستحق الخلافة مع وجوده أحد من أصحاب رسول الله ﷺ . وقد كان ﵊ قدمه للصلاة بهم في مرضه فقالوا: "نختار لدنيانا من اختاره رسول الله ﷺ لديننا" ونعم هذا الاختيار. وقد صح عن إمامنا الشافعي كما في طبقات السبكي أنه مع كونه كان من أجل المحبين لآل البيت ومن بني عمهم وأمه علوية وأبوه من بني المطلب أخي هاشم قال له رجل: كيف تقدم أبا بكر وأنت من بني المطلب؟ فقال له: ليس الأمر كما تظن، ولكنهم حينما توفي رسول الله ﷺ نظروا فلم يجدوا تحت أديم السماء أفضل من أبي بكر فولوه عليهم، ولو كان الأمر بالقرابة لكنت أقدم عليا لأنه ابن عمي

стр. 115

وجدي لأمي. فإن قلت: بين لي أسباب مخالفة أولئك النفر وعدم مبادرتهم لمبايعة أبي بكر فإن النفس يبقى فيها شيء من هذه المخالفة؟ أقول في الجواب: لم يخالف من الأنصار إلا سعد بن عبادة سيدهم ﵁ وعنهم، ومن المهاجرين سوى بعض أهل البيت ﵃. وقد قدمت لك أن أصحاب رسول الله ﷺ كأهل بيته ليس أحد منهم معصوما من الخطإ، فإنهم ليسوا أنبياء ولا ملائكة فيجوز عليهم الذهول ولا يستحيل عليهم الخطأ. أما سبب مخالفة سعد بن عبادة ﵁ فإنه كان سيد الأنصار وهم جمهور الناس في المدينة وأهل البلد. وقد كان قبل قدوم رسول الله ﷺ عليهم وهم في جاهليتهم رأوا ما لهم من القوة والثروة والعصبية فأرادوا أن يجعلوا عليهم ملكا عبد الله بن سلول وهو من الخزرج قوم سعد بن عبادة وهم معظم الأنصار، فانتقض ذلك بالإسلام وقدوم النبي ﵊، فلما توفي رسول الله ﷺ اجتمع الأنصار ليبايعوا منهم سيدهم سعد بن عبادة ويجعلوه عليهم ملكا، ليس لاعتقادهم أنه أفضل من

стр. 116

أبي بكر ولكن لكونهم كانوا قد رتبوا هذا الأمر في الجاهلية لرجل منهم فحال بينهم وبينه وجود النبي ﷺ ، فلما توفي ﵊ ظهر له أنه لا مانع من ذلك، فأرادوا مبايعة سعد المذكور لاعتقادهم أنه أهل لأن يكون ملكا عليهم وأنهم هم أهل لأن يكون منهم ملك بالنظر إلى كثرتهم وعصبيتهم وشجاعتهم وغناهم وكونهم هم أهل البلد، ولم ترض نفوسهم الأبية أن ينقادوا إلى غيرهم مع استيفاء الشروط فيهم، وإنما كانوا منقادين لرسول الله ﷺ بالدين ولم يقصدوا أن يكون واحد منهم خليفة لرسول الله ﷺ على الأمة المحمدية بأسرها، ولذلك قالوا للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير. فلما ذهب إليهم أبو بكر وعمر إلى محل اجتماعهم، سقيفة بني ساعدة، خوفا من وقوع الفتنة بين المهاجرين والأنصار، تكلم أبو بكر ووعظهم وذكرهم بما كانوا عنه غافلين، وتكلم عمر وذكرهم بفضائل أبي بكر وما كان له من علو المترلة عند رسول الله ﷺ . فتجلى لهم الحق والصواب وأعرضوا عما كانوا قصدوه

стр. 117

وبايعوا أبا بكر مع جملة الأصحاب وانقادوا إليه بزمام الدين، مع كونهم كانوا هم أهل البلد والقوة وكانوا يرون مترلة علي وغيره من أهل بيت النبي ﷺ وغيرهم، فلو علموا أن أحدا منهم أحب إلى الله ورسوله وأحق في هذا الأمر من أبي بكر لما فسخوا عزيمتهم التي كانوا صمموا عليها وتركوا تمليك واحد منهم الذي يترتب عليه فخرهم وشرف دنياهم وبايعوا أبا بكر، بل كانوا يبايعون ذلك الرجل الذي يرون فيه الأحقية والأولوية، لا سيما إذا كانوا من أهل بيت النبي ﷺ . فبهذا ظهر سبب ما وقع من الأنصار من الخلاف وما رجعوا إليه من الإنصاف. أما سيدتنا فاطمة الزهراء ﵂ فإنها حصل لها من الكرب بوفاة النبي ﷺ ما شغلها عن كل شيء ولازمها الكمد حتى توفيت بعد ستة أشهر من وفاته ﷺ ، ولعلها كانت لعظم ما نزل بها وشدة محبتها لأبيها ﵊ وجلالة قدرة إلى درجة لم يشاركه فيها أحد من الأنام لم تسمح نفسها بأن ترى أحدا من الناس يقوم بعده ذلك المقام فلذلك

стр. 118

تأخرت عن مبايعة أبي بكر. وقوى ذلك أنها طلبت منه ﵂ وعنه أن يورثها أرضا تركها النبي ﷺ فامتنع، لأنه سمع من رسول الله ﷺ قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» فبقي في نفسها من ذلك شيء، ولو جاز أن أبا بكر يحابي أحدا بما لا يعتقد جوازه لحاباها بذلك محبة لرسول الله ﷺ واستجلابا لرضاها ورضا زوجها وقومها ﵃، فكانت الديانة والسياسة - وهو منهما في المحل الأعلى - يلزمانه بإعطائه إياها تلك الأرض لو لم يسمع من رسول الله ﷺ ما سمعه، ومع ذلك فكان يزورها ويخضع لها ويلاطفها غاية الملاطفة لاستجلاب رضاها حتى رضيت عنه. وأما زوجها علي ﵁ فقد حصل له كذلك من شدة الحزن والكرب لوفاة رسول الله ﷺ ما لا تحمله الجبال الراسيات بحيث ضاقت عليه الدنيا ولازم بيته مدة من الزمان. ثم بايع أبا بكر واعتذر عن تأخره عن البيعة بما هو لا شك صادق فيه من ملازمة الأحزان مع اعتقاده أحقية أبي بكر لهذا الشأن ولعدم

стр. 119

مشاورته قبل البيعة في سقيفة بني ساعدة. ولو فرضنا أن تأخره عن البيعة لاعتقاده في نفسه أنه مقدم على أبي بكر في استحقاق الخلافة؛ نقول في الجواب: نحن نعلم أن جمهور الصحابة -ولا سيما المقربون منهم إلى رسول الله ﷺ كالذين بشرهم بالجنة وخلافهم من أهل بدر وبيعة الرضوان- هم أعلم ممن جاء بعدهم بيقين بمن كان عالي المترلة عند رسول الله ﷺ في حياته إلى درجة تخوله حق الخلافة بعد وفاته، وكلهم قد أجمعوا على خلافة أبي بكر. فنضع خطأهم في ذلك بفرض وقوعه في جانب مع خطأ أبي بكر نفسه بقبولها لو فرضناه وخطأ جميع أهل عصرهم من المسلمين الذين أقروهم على ذلك، ونضع في الجانب الآخر خطأ علي في ذلك بفرض تصوره أنه أحق بالخلافة من أبي بكر ونضع أيضا صوابهم في ذلك في جانب وصواب علي على فرض تصوره في جانب، فمن يا ترى أقرب إلى رضا الله تعالى ورسوله؟ أن يكون أبو بكر وجميع الصحابة وغيرهم من المسلمين مخطئين في عملهم ويكون علي وحده مصيبا في تصوره، أو خطأ علي في هذا التصوير وإصابة الأمة

стр. 120

بأسرها وقتئذ أقرب إلى رضا الله ورسوله؟ لا أظن أن هذا السؤال يتوجه إلى أحد في قلبه نور إيمان ثم لا يرى أن الصواب مع أبي بكر والأصحاب، لا سيما وقد فرضنا أن عليا ﵁ تصور الخلافة لنفسه، فهذا أقرب للخطأ ممن يتصورها لغيره كباقي الصحابة الذين تصوروها لأبي بكر فإن نفوسهم ليس لها حظ من خلافته إلا اتباع الحق وكونه أولى وأحق. ولو كان أبو بكر بمترلة علي في تصوره لنفسه والصحابة كلهم أو جلهم مع علي لكنا أيضا نكون مع الجمهور، إذ لا قرابة بيننا وبين أبي بكر تحملنا على محاباته، بل لو تساوى أبو بكر وعلي من كل الوجوه لكان المرجح عليه بقرابته من رسول الله ﷺ . ولكن قد تحققتا أن رسول الله ﷺ نفسه كان عنده أبو بكر مقدما على علي وعلى سائر الأصحاب، فكيف نقدم نحن عليه عليا أو غيره؟ وإنما نحن مع الله ورسوله، لا مع أنفسنا، وهو إنا نحن نعلم حق العلم أن عليا ﵁ كان من أقرب الأقرباء المحبوبين لرسول الله ﷺ ، ومن أجل الأصفياء المقربين عنده، ومن أنفع

стр. 121

أصحابه له ولدينه وأعظمهم إقداما في نصرته وأكثرهم إلقاء لنفسه في مظان التلف في معارك الحروب، وهو الذي خلفه في فراشه ففداه بنفسه يوم الهجرة، وفوق ذلك أنه زوج ابنته سيدة نساء العالمين وأبو ذريته الطيبين الطاهرين إلى يوم الدين، مع وفرة العلم والفضل والشجاعة والكمال من كل الوجوه؛ ولكنا نعلم مع ذلك بأبي بكر من الفضائل الجمة والمناقب المهمة ما هو أكثر من ذلك وأن المترلة التي كانت له عند رسول الله ﷺ لم يصل إليها علي ولا غيره. وكل الصحابة كانوا يعلمون هذه الفضائل الجليلة لعلي ﵁ ومع ذلك أقدموا على مبايعة أبي بكر على الخلافة مع وجوده، فلا شك أنهم وجدوا أبا بكر أحق بها وأولى. ولو بايعوا عليا لكان جديرا بها، ولكنهم علموا أنهم لو فعلوا ذلك لقدموه على من هو أحق منه فلم يفعلوا. والله إني أتيقن أن عليا نفسه لم يتخطر أنه مقدم على أبي بكر، وكيف يكون ذلك وهو ﵁ من أتقى الناس وأصدقهم وأكثرهم إنصافا. وقد كان مشاهدا لأحوال أبي بكر مع رسول الله ﷺ من البداية إلى

стр. 122

النهاية، وقد كان هو صغير السن في ابتداء البعثة ثم كان بعد ذلك من الشبان الأقوياء الشجعان حتى فدى رسول الله ﷺ بنفسه وألقى نفسه في الأخطار في محبة الله تعالى ورسوله. ولم نسمع أنه كان من أهل مشورة رسول الله ﷺ في مهماته مثل أبي بكر لا سيما في وقت الشدة في أول البعثة. وأبو بكر ملازم للنبي ﷺ في ليله ونهاره وحضره وأسفاره، يوالي من والاه ويعادي من عاداه، ولو وصله من ذلك أعظم ضرر يأتي على نفسه وماله وعياله، حتى شاهد المشركين يوما يؤذون النبي ﷺ ففداه بنفسه وصار يضربهم ويضربونه، واشتد عليه الأمر حتى أغمي عليه وكاد يموت من كثرة الضرب والجراحات. وكان يطوف معه ﷺ على قبائل العرب في المواسم يبلغ رسالة ربه ويدعوهم إلى نصرته، كل ذلك وعلي ﵁ صغير السن وقتئذ. أترى أن الله تعالى ينسى ذلك لأبي بكر، أو ترى أن محمدا ﷺ يعدل به بعد هذا أحدا من الناس، أو ترى أن أمته ﷺ يخلفونه بما لا يرضيه في شأن هذا

стр. 123

الصاحب الذي كان له عليه كمال الاعتماد وقد فداه بالنفس والمال والأولاد، مع علمهم أنه ﷺ لم يكن يعدل به أحدا من خلق الله تعالى مدة حياته حتى توفاه الله تعالى وهو راض عنه كمال الرضى. ومن لم يعلم ذلك فهو من أجهل الجاهلين بأحوال رسول الله ﷺ مع أصحابه. ثم ماذا كان من خلافة أبي بكر، هل كان منها ضرر على الدين والمسلمين؟ كلا والله، بل كانت كنبوة ثانية، أعز الله بها الإسلام والمسلمين وأيد وشيد قواعد هذا الدين المبين. فقد ارتدت أكثر قبائل العرب بعد وفاة النبي ﷺ ، فجمعهم ﵁ طوعا وكرها على الإسلام. وفتح بلاد العراق والشام، وجيش جيوش المسلمين للجهاد في سبيل الله الملك العلام، وسيرهم إلى أعداء الدين أقواما بعد أقوام، حتى أظهر الله به دينه غاية الظهور وانتظمت على أحسن حال الأمور. وكان ذلك بعد أن جمع الصحابة، منهم عمر وعثمان وعلي وغيرهم من أكابر أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار، واستشارهم في شأن أهل الردة فأشاروا جميعا عليه بتركهم وشأنهم

стр. 124

لأنهم معظم العرب وقتئذ ولا قدرة للمسلمين على محاربتهم لقلتهم بالنسبة إليهم، فكرر عليهم المشورة فكرروا هذا الرأي، وقالوا نعبد الله تعالى حتى نموت، فقال لهم: والله لأن أخر من السماء فتخطفني الطير أحب إلي من أن يكون هذا رأيي، والله لو منعوني عقالا لقاتلتهم عليه ولو انفردت بسالفتي. ووبخ عمر على هذا الرأي بقوله له: أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟ مع أن عمر كان هو المعروف بالشدة في الدين وأبو بكر كان معروفا بالرفق واللين، فانعكس الموضوع في هذا الأمر المهم الذي لم يرد على الإسلام بعد رسول الله ﷺ أمر مثله. ثم قام أبو بكر من ذلك المجلس معلنا الحرب على أهل الردة قائلا: ها أنا متوجه بنفسي للجهاد في هؤلاء المرتدين، فمن تبعني فليتبعني. فانقادوا إليه وقالوا له كلهم: نحن معك يا خليفة رسول الله، وقال عمر: فما كان إلا أن شرح الله صدورنا لاتباع أبي بكر وكان فيه الخير والبركة. وقال بعضهم: لولا أبو بكر لما عبد الله تعالى بعد محمد ﷺ . فجيش جيشا وأرسله مع خالد بن الوليد، فلم يزل يحاربهم قبيلة بعد قبيلة

стр. 125

ويستعين ببعضهم على بعض إلى أن رجع العرب جميعهم إلى الإسلام وكثرت الجيوش، فجهزها لمحاربة دولتي الفرس والروم في العراق والشام، وهم أعظم دول الدنيا وقتئذ. وتتابعت الفتوحات في مدة خلافته وهي ثلاثة أعوام. وختمها بالعهد إلى عمر بالخلافة ونعم الختام، وكان عمر وزيره الأعظم كما كان هو عند النبي ﷺ ، فهو على كثرة فضائله وفتوحاته حسنة من حسناته. هذا أبو بكر وهذه خلافته. فهل تراها يا أيها الشيعي جلبت ضررا على المسلمين أو أيدت وشيدت أركان الإسلام إلى يوم الدين. فرحم الله امرءا اتبع حقه وترك هواه و ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ فصل في خلافة عمر ﵁ وأما عمر بن الخطاب ﵁ فإنه قبل إسلامه كان ذا وجاهة عظيمة في قريش، حتى دعا النبي ﷺ الله تعالى بأن يؤيد الإسلام به أو بعمرو بن هشام، يعني أبا جهل. فاستجيبت دعوته ﷺ في حق عمر. فلما أسلم دخل بإسلامه سرور عظيم على النبي ﷺ -

стр. 126

ومن معه من المسلمين، وكانو نحو العشرين وهم مستخفون لا يقدرون على الظهور لكثرة أذية المشركين لهم. فأعلى عمر إسلام نفسه في محافل قريش وحمل النبي ﷺ على الظهور فظهر بمن معه وكان ذلك أول يوم أعز الله به الإسلام ولذلك سماه رسول الله ﷺ الفاروق لأن الله فرق به بين الحق والباطل. ولم يزل مصاحبا لرسول الله ﷺ من حين إسلامه إلى وفاة النبي ﷺ في جميع حالاته من شدة ورخاء وسفر وحضر وحرب وسلم ولم يفارقه في جميع غزواته وهو عنده في جميع ذلك صاحب المنزلة العليا والمكانة الزلفى التي لا تفضلها إلا منزلة أبي بكر الصديق ومكانته عند رسول الله ﷺ فإنه كان الوزير الأول وعمر الوزير الثاني. ولم يكن لعثمان ولا لعلي ولا لغيرهما هذه المنزلة العلية والرتبة السنية المعروفة عند عموم الأصحاب وغيرهم، حتى أن أبا سفيان جاء إلى المدينة قبل فتح مكة ليطلب من النبي ﷺ تجديد مدة الهدنة بينه وبين قريش فلم يقبل فقصد أبا بكر ثم عمر ليشفعا

стр. 127

له عند رسول الله ﷺ في تجديد الهدنة فلم يفعلا فقصد بعد ذلك عثمان وعليا فلم يفعلا أيضا. وكذلك كعب بن زهير حينما أهدر النبي ﷺ دمه لأسباب أوجبت ذلك قصد أبا بكر ثم عمر ليشفعا له فلم يفعلا ثم قصد عليا فدله على طريق نجاحه. فمن هنا تعلم أن المشركين أيضا كانوا يعلمون تقدم أبي بكر وعمر عند النبي ﷺ على سائر أصحابه. وليس ذلك بالأمر الخفي ولا يجهله إلا من لم يكن له اطلاع على سيرته ﷺ وتاريخ وقائعه وروابطه مع أصحابه وأحوالهم معه ودرجاتهم عنده. فإن كتب الحديث والسير والتواريخ على الإطلاق متفقة على أن هذين الشيخين كانا مقدمين عنده على سائر الأصحاب وأنه ﷺ كان يشاورهما في مهمات أموره قبل جميع أصحابه. ومن أعظم ما اتفق لعمر في إصابة الرأي أن النبي ﷺ شاوره في أسارى بدر فأشار عليه بقتلهم وعدم قبول الفداء منهم وقال: يا رسول الله، هذه أول وقعة نصر الله بها الإسلام فلا ينبغي قبول الفداء لترسخ هيبة المسلمين في قلوب المشركين،

стр. 128

نسلم كل واحد منا قريبه يقتله بيده. وأشار أبو بكر بقبول الفداء منهم وقال: يا رسول الله هم الأهل والعشيرة، وليتقووا بما يأخذونه منهم من الفداء على ما هم بصدده من الجهاد في سبيل الله تعالى، فعمل ﷺ براي أبي بكر لميله ﷺ إلى الرحمة والشفقة. فنزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولم يزل عمر على هذه الحالة السنية والمكانة العلية عند رسول الله ﷺ مدة حياته وصار بعده لأبي بكر وزيره الأعظم بمنزلة أبي بكر عند النبي ﷺ ، فكل ما حصل من الخير للأمة المحمدية في مدة خلافة أبي بكر فعمر له فيه اليد البيضاء والثواب العظيم لأنه كان الركن الأقوى الذي يعتمد عليه أبو بكر في مهمات الدنيا والدين. ولذلك رآه كفؤا كريما للخلافة بعده، فعهد له بها ولم يخالف عليه أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لعلمهم

стр. 129

أنه بعد أبي بكر أعلاهم منزلة عند رسول الله ﷺ وأقدرهم على القيام بأعباء الخلافة من جهة العقل والفضل وحسن التدبير وسياسة الأمور وضبط الجمهور مع الشجاعة التامة والصرامة الكاملة والنفس الأبية القوية التي لا تأخذها في الله لومة لائم وغير ذلك من صفات الكمال التي تقتضيها الخلافة ولم تجتمع في أحد منهم اجتماعها فيه ﵁ وعنهم. وإنما كان بعضهم يخشى منه وقوع الشدة لما كان معروفا به من عدم المداراة والشدة في دين الله فكان الأمر بعد الخلافة بالعكس، فكان أرحم الأمة بالأمة وأشفقها عليها، وظهر منه من الحزم والتدبير وضبط أمور الجماهير والعدل بين الناس على اختلاف طبقاتهم وسياسة الدنيا والدين والرحمة لعموم المؤمنين والشدة على جميع المعتدين وتجيند الجنود والجهاد في سبيل الله وكثرة الفتوحات ما لم يجتمع لغيره باتفاق المؤرخين في دهر من الدهور بحيث هدم أعظم دول العالم وقتئذ وهي دولة الروم في الشام وما والاها ودولة الفرس في العراق وما

стр. 130

والاها ودولة القبط في مصر وما والاها واستولى على بلادهم وعواصم ممالكهم في وقت قصير لا يتسع مثله لبعض هذه الفتوحات فضلا عن كلها لولا قدرة الله تعالى وما أراده من سرعة انتشار دين الإسلام وتعميم رسالة سيدنا محمد ﵊. ولم يزل الإسلام منذ تولى الخلافة يعلو شأنه ومده ويسمو عزه وقدره وتيسع انتشاره ويفيض على البسيطة بحره ويشمل الأمم حكمه حتى انقادت له الأعارب والأعاجم رغبة أو رهبة واتسع نطاق الإسلام اتساعا عظيما كان أساسا متينا لكل ما جاء بعده من الفتوحات الإسلامية. ثم بعد هذا كله لم يعهد بالخلافة لولده عبد الله مع أنه كان في حد ذاته أهلا له لأنه كان من أجلاء الصحابة وأكابر علمائهم. ولم يظهر له الصواب فيمن يكون خليفة بعده كما ظهر لأبي بكر ولو ظهر له ذلك في شخص لعهد إليه، ولكنه أشكل عليه الأمر لشدة ورعه ودقة نظره وشفقته على الأمة المحمدية لأنه كان مع بلوغه في قوة الدين إلى الغاية القصوى كذلك كان بالغا في كمال العقل إلى الذروة العليا، وقد علم أنه لم يجتمع في واحد من الصحابة الموجودين وقتئذ الأوصاف التي

стр. 131

تحصر فيه الخلافة وتحملهم جميعا على الانقياد إليه كما انقادوا إلى أبي بكر وعمر حتى يعهد إليه بها، وقد توجد في الجماعة المؤهلين لها بعض مزايا لا توجد في الآخر. فهذا عمر وهذه سيرته وخلافته. فكيف تراها أيها الشيعي: هل نفعت الدين المبين أو أضرت بالإسلام والمسلمين؟ سبحان الله ما أعجب هذا الحال، بينما نحن نرى الكفار يفتخرون بذكر عمر وخلافته وكثرة عدله وحسن سيرته في كتبهم ويشهدون له بالانفراد في السياسة والسداد ويلهجون بمدحه والثناء عليه إلى درجة يميزونه بها عن جميع ملوكهم فضلا عن غيرهم، نرى بعكس ذلك بعض المسلمين من الشيعة، ولا سيما الفرس، ولو حفظوا أنسابهم لوجدوا أجدادهم الأقدمين إنما انتقلوا من دين المجوس إلى دين الإسلام بواسطة جيوش عمر التي افتتح بها بلادهم وهدى بها أجدادهم، فله ﵁ أعظم المنن على من أسلموا وعلى ذراريهم إلى يوم القيامة. ومع ذلك فقد نسوا فضله عليهم وعلى أجدادهم خصوصا وعلى الأمة المحمدية عموما. فرحم الله من اتقى الله ونبذ هواه

стр. 132

وعرف الحق لأهله فأداه. ولا حول ولا قوة إلا بالله. فصل في خلافة عثمان ﵁ وسيرته أما عثمان ﵁ فإنه كان من أعظم أكابر قريش في الجاهلية وكان من السابقين للإسلام، هاجر الهجرتين وصلى إلى القبلتين وتزوج بنتي رسول الله ﷺ فسماه ذا النورين. ولم يزل من أول الإسلام إلى وفاة النبي ﵊ وهو من أجل المقربين إليه وأعظم المحبين المحبوبين لديه، حتى كان من المعلوم عند جمهور الصحابة تقديم عثمان بعد أبي بكر وعمر عليهم جميعا في الفضل عند رسول الله ﷺ كما صح ذلك في حديث البخاري عن عبد الله بن عمر ﵄ وهو من أعلم الصحابة وأورعهم وأتقاهم وأفضلهم أنه قال: كنا في حياة النبي ﷺ نفضل بين أصحاب رسول الله ﷺ فنفضل أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. ولا قرابة بينه وبين واحد منهما، ولو جازت عليه المحاباة لحابى أباه فقدمه على أبي بكر، وحابى عليا لقرابته من رسول الله ﷺ . وكان عثمان في الجاهلية من رؤساء قريش،

стр. 133

وقومه بني أمية كانوا مع كثرتهم ورياستهم من أشد أعداء رسول الله ﷺ ، فخالفهم عثمان وآمن برسول الله ﷺ في أول البعثة والإسلام يومئذ جديد في غاية الضعف والخفاء، والشرك حينئذ متين في غاية الظهور والقوة. وهاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة المنورة. ولم يفارق رسول الله ﷺ في أكثر غزواته ومشاهده. وكم له من يد بيضاء في الإسلام في حياة النبي ﷺ لم يسد أحد مسده فيها. منها تجهيزه جيش العسرة في غزوة تبوك. ومنها أن النبي ﷺ أرسله يوم الحديبية إلى مكة ليطيب قلوب المؤمنين المستضعفين، وكان ﷺ أمر بذلك قبله عمر فلم يعفل خوفا من قريش لشدة عداوته لهم وعداوتهم له وقلة قومه ودله على عثمان لقوة عصبيته وكثرة قومه، فذهب وقضى حاجة رسول الله ﷺ على أتم وجه وامتنع من الطواف بالبيت لعدم طواف النبي ﷺ به في ذلك العام. وقد كان ﷺ يستحيي منه فسئل

стр. 134

عن ذلك فقال: "ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة الرحمن". ولم يزل كذلك عند النبي ﷺ في المنزلة الزلفى والمكانة العليا والعناية الكبرى إلى أن توفي ﷺ وهو راض عنه تمام الرضى. ثم كان عند أبي بكر أيام خلافته كذلك. ثم كان عند عمر أيام خلافته كذلك. ثم لما تولى الخلافة مشى على سنن أبي بكر وعمر في العدل بين الناس والجهاد في سبيل الله، حتى فتح المغرب بأجمعه وكثيرا من بلاد إفريقية، وفتح بلاد أرمينية وخراسان وما والاها حتى وصل إلى حدود الصين واستولى على سائر بلاد الفرس. وكان هلاك كسرى في مدة خلافته. وفتح من جزائر البحر قبرس ورودس وغير ذلك من الفتوحات الكثيرة التي تضاحي فتوحات عمر، وحصل للإسلام في مدته انتشار عظيم في أقطار الأرض. ولم يزل الناس راضين مغتبطين بخلافته إلى أن أكثر من تولية رؤساء بني أمية بالأعمال، فنقم عليه ذلك قوم من فساق أهل مصر والعراق، فخرجوا عن طاعته وأتوا إلى المدينة المنورة فحصروه وقتلوه ظلما ﵁. وقد اتفق

стр. 135

جمهور الأمة المحمدية من أهل السنة والجماعة من عصر الصحابة إلى الآن على أن عثمان أفضل من علي. وهذا الاتفاق لا يمكن أن يكون بمجرد التشهي لأن الأمة لا قرابة مخصوصة بينها وبين أبي بكر وعمر، فكما أنها قدمتهما في الفضل عليه وعلى من بعده لما ثبت عندها من أسباب التفضيل كذلك قدمته على علي وعلى من بعده لما ثبت عندها من أسباب تفضيله وإن كانت أسباب تفضيل الشيخين عندنا أظهر من أسباب تفضيله على علي. ونحن يلزمنا اتباع سلفنا الصالح في ذلك لوثوقنا بقوة دينهم ووفرة علمهم وكثرة معرفتهم وورعهم وعدم محاباتهم في الدين أحدا، ولو كانوا يحابون في ذلك لحابوا عليا لقرابته من رسول الله ﷺ ، وقد اطلعوا على ما لكل منهما من الفضائل على ما ورد في حقهما عن النبي ﷺ من المناقب، وشاهد الصحابة منهم حالة قرب كل منهما منه ﷺ حال حياته، وبعد هذا كله اتفق جمهورهم على أفضلية عثمان، وهو مذهب جمهور الصحابة والتابعين والأئمة

стр. 136

المجتهدين وأتباعهم أجمعين. وليم يخالف في ذلك من الأئمة إلا سفيان الثوري ومالك في أول قوليه، ففضلا عليا على عثمان، ثم ثبت عند مالك تفضيل عثمان فرجع عن قوله الأول ووافق الجمهور في تفضيله على علي. وجرى الأمر على ذلك باتفاق أهل المذاهب الأربعة جيلا بعد جيل، يرويه السلف عن الخلف ويتلقفه المتأخر عن المتقدم وينشر في الكتب ويقرر في العقائد ويقرأ في الدروس ويوعظ به على رؤوس المنابر ويعلن في المجامع الدينية والمحافل الإسلامية من دون نكير ولا تقييد ولا تحجير إلى وقتنا هذا. إذا علمت هذا أيها المسلم المتحري لدينه المبين التابع لسبيل الهداة المهتدين، فكيف تطيب نفسك أن تعتقد خطأ هذه الأمة العظيمة في سائر الأعصار والأدوار من صحابتها وتابعيها وأوليائها وأتقيائها ومجتهديها، وهم علماء الناس وساداتهم وعقلاؤهم وقاداتهم في أمور دينهم ودنياهم. أترى ذلك يرضي الله تعالى أم تراه يسر رسول الله ﷺ أم تراه يطيب للأئمة الأعلام من ساداتنا

стр. 137

أهل البيت الكرام، حاشا وكلا. أما من جهة الخلافة فقد كان إليها علي وعثمان فرسي رهان فسبق عثمان فاتبعه علي، ولو سبقه علي لاتبعه عثمان. والدليل على تقاربهما في الفضل وكون كل منهما فيه الأهلية التامة للخلافة بعد ابي بكر وعمر عدم تخصيص عمر واحدا منهما، ولو علم في أحدهما ما علمه أبو بكر فيه من التقدم على الجميع لعهد إليه بالخلافة ولم يذكر معه غيره بدون محاباة، ولو جازت عليه المحاباة لحابى عليا لأنه أبو زوجته أم كلثوم بنت علي وجد بنيه منها فضلا عن قرابته من رسول الله ﷺ وكونه زوج سيدة نساء العالمين وأبا أهل بيت النبوة الطاهرين. فإن قلت قد سمى معهما غيرهما فلا يدل ذلك على معرفة انحصار الأهلية للخلافة فيهما، قلت نعم فعل ذلك مع علمه والله أعلم أن الخلافة منحصرة فيهما لما يعلمه من شدة المنافسة بين بني هاشم وبني أمية، فخاف من وقوع الفتنة بين القبيلتين إذا نص على واحد منهما أو إذا حصرها في الاثنين، فضم معهما غيرهما من ذوي الأهلية بعدهما لتكون شورى بينهم فترضى الأمة

стр. 138

بمن يقع عليه اتفاقهم، وقد كان كذلك ورضيت الأمة والحمد لله بخلافة عثمان وبايعه علي وسائر أهل البيت الكرام وداموا على السمع والطاعة والمعاونة في كل ما يؤيده ويؤيد خلافته إلى أن خرج عليه جماعة من خوارج مصر والعراق فقتلوه شهيدا ﵁، ولم يوجد معهم أحد من الصحابة أهل البيت وغيرهم، بل كانوا من المحامين عنه، إلى أن قضى الله بشهادته وشقاوة قاتليه. فبويع علي بالخلافة لأنها بعد عثمان قد انحصرت فيه وكان موجودا وقتئذ طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص. ولم يخطر في بال أحد من الصحابة أن يبايعهم من وجود علي. ومن هنا تعلم صحة ما ذكرته لك في حكمة ذكر عمر إياهم مع علي وعثمان، وإن لم أر أحدا ذكره من المؤلفين في هذا الشأن. وقد رأيت رؤيا منامية تدل على تفضيل عثمان على علي ﵄ ذكرتها في خاتمة هذا الكتاب، وهي الحكاية الثالثة والعشرون فراجعها هناك والله يتولى هداي وهداك. فصل في خلافة علي وشأنه مع من بغى عليه من الصحابة رضي الله عنه

стр. 139

وعنهم ثم بعد قتل عثمان مظلوما شهيدا اجتمع أهل الحل والعقد من أصحاب رسول الله ﷺ وغيرهم وتوجهوا إلى علي ﵁ فبايعوه بالخلافة لأنها قد انحصرت فيه ولا يستحقها أحد مع وجوده لكثرة فضائله التي لا تحصى. منها أسبقيته للإسلام ولم يعبد وثنا قط وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وابن عم رسول الله ﷺ وأخوه بالمؤاخاة وصهره على فاطمة سيدة نساء العالمين وأبو سبطيه الحسن والحسين وجد آله الطاهرين وأحد العلماء الربانيين والشجعان المشهورين والزهاد المذكورين والخطباء المعروفين وأحد من جمع القرآن وعرضه على رسول الله ﷺ . ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة أمره أن يقيم بعده بمكة أياما حتى يؤدي عنه أمانته والودائع والوصايا التي كانت عند النبي ﷺ ثم يلحقه بأهله، ففعل ذلك ونام في فراشه الذي كان المشركون يراقبونه فيه ليقتلوه ﷺ ، ففداه بذلك بنفسه. وشهد مع النبي ﷺ سائر المشاهد

стр. 140

إلا تبوك فإنه ﷺ استخلفه على المدينة وقال له حينئذ: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» فإن موسى صلوات الله عليه كان خلف هارون ﵇ في قومه لما ذهب إلى المناجاة. وله في جميع المشاهد الآثار المشهورة، ففي غزوة بدر كان في أول المبارزين فقتل من بارزه. وأصابه يوم أحد ست عشرة ضربة. وبارز في غزوة الخندق عمرو بن ود العامري الشهير فقلته. وأعطاه النبي ﷺ اللواء في مواطن كثيرة سيما يوم خيبر وأخبر ﷺ أن الفتح يكون على يده ووصفه بأنه: «يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» كما في الصحيحين، وكان كذلك، وحمل يومئذ باب حصنها على ظهره حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، وأنهم جروه بعد ذلك فلم يحمله إلا أربعون رجلا، وفي رواية أنه تترس بباب الحصن عن نفسه فلم يزل يقاتل وهو في يده حتى فتح الله عليه ثم ألقاه فأراد ثمانية أن يلقوه فما استطاعوا. وغير ذلك من الفضائل والمناقب والمفاخر التي تعجز عن حصرها الأقلام والدفاتر. ولكنه مع ذلك لم يهنأ له في الخلافة عيش ولم

стр. 141

يجد فيها راحة، وتوالت عليه أسباب التعب والنصب من كل جانب. ولو قدر الله دخوله للخلافة مع السكون والهدوء واجتماع الأمة كما حصل في خلافة أسلافه لما كان قصر عنهم في تمهيد الأمور وكثرة الفتوحات وزيادة نشر الإسلام في سائر أقطار الأرض كما حصل لهم. ولكنه من حين دخوله الخلافة دخل فيها والأمة في غاية الاختلاف وأمورها في غاية التشويش والاضطراب بسبب قتل عثمان وتحزب الأحزاب واختلاف الآراء واجتماع الجماعات على آراء مختلفة وأغراض متباينة، فكان ﵁ كلما اشتغل بسد خرق من جانب انفتق عليه خرق من جانب آخر، حتى عاداه أعظم من كان يثق بهم. أما في أول الأمر فمثل طلحة والزبير ﵄ مع السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂، فقد جيشوا عليه جيش وقعة الجمل وصارت بينهم وبينه تلك المحاربة العظيمة للأخذ بثأر عثمان من الذين قتلوه، وكانوا هم وعشائرهم في عسكر الإمام علي ﵁ فامتنع من تسليمهم خوفا من زيادة الفتنة، فكان ما كان من قتل كثير منهم الزبير وطلحة. وأرجع

стр. 142

عائشة إلى المدينة المنورة بغاية الإكرام والإعزاز. ولا يخفى أن هؤلاء هم أولى الناس ﵁ وعنهم، ولكن الله إذا قضى شيئا لم ينفع العقل والنظر، وإذا وقع القضاء عمي البصر. ثم بعد أن كاد الفتح يتم له ﵁ في وقعة صفين حصلت مكيدة رفع المصاحف على الرماح وطلب المحكمة إلى كتاب الله، فبطل الحرب ورجع كل إلى مأواه. ثم إن عسكر علي انشقوا فأنكروا التحكيم وخرجوا عليه فاشتغل بحربهم بمن أطاعه من عسكره، ومعاوية يجمع الجموع ويجيش الجيوش في الشام وقد اتفقوا على طاعته في الطلب بدم عثمان، وبقي الأمر كذلك لم يهنأ لعلي أمير المؤمنين عيش ولم ينتظم له أمر حتى قضى الله بقتله شهيدا سعيدا على يد أشقى الآخرين أحد الخوارج المارقين عبد الرحمن بن ملجم. ولهذه الأحوال العجيبة والمصادفات الغريبة حكمة باطنية وسبب ظاهر بحسب ما ظهر لفكري القاصر. حكمة عدم انتظام الأمور في مدة خلافة أمير المؤمنين علي ﵁ أما الحكمة الباطنية في

стр. 143

عدم انتظام الأمور في خلافة أمير المؤمنين علي ﵁ وكرم وجهه، فهي والله أعلم ما علمه الله تعالى من أنه سيفرط في حبه قوم حتى يعتقدوا فيه الألوهية، كما وقع ذلك من طوائف هم موجودون إلى الآن كطائفة النصيرية فإنهم يعتقدون ألوهيته. وقد ابتدأ هذا الأمر في مدة خلافته ﵁، فلما علم بذلك استحضر الذين بلغه ذلك عنهم واستتابهم فمن لم يتب منهم أحرقه بالنار، فقالوا: الآن زدنا اعتقادا بألوهيتك إذ لا يحرق بالنار إلا رب النار. وقوم أفرطوا في محبته بأنواع شتى ونسبوا له من أوصاف الكمال ما هو مختص بالنبيين أو برب العالمين ، حتى قال بعض شعراء متأخريهم وهو ابن معتوق: سيد الأوصياء مولى البرايا ... عروة الدين صفوة الخلاق مهبط الوحي معدن العلم والأف ... ضال لا بل مقدر الأرزاق عالم الغيب والشهادة لا يع ... زب عنه حساب ذر دقاق مع أن هذه الأبيات يمكن تأويلها، ولكن ظاهرها يوهم دعوى الألوهية فيه ﵁. فلما علم الله أنه سيكون في حقه رضي

стр. 144

الله عنه تلك الدعاوى الكاذبة أظهر عجزه في المحل الذي لا يمكن فيه أن يدخر شيئا من قوته لو كانت عنده في ذاته قوة ألوهية كما زعموا، بل كان يهلك أولئك العبيد الذين عارضوه في أموره وشوشوا عليه خلافته. فأظهر عجزه الحق عن ضبط ما انتشر من رعاياه وسد ما انفتق عليه من أموره، وكثر المخالفون حتى حاربوه وحاربهم فانتصر على قوم منهم وكاد ينتصر على الآخرين، فلم يتم له الأمر. وتسهلت الأسباب بقدر الله تعالى وقضائه إلى معاوية حتى اجتمع عليه جموع كثيرة من قريش وغيرها من قبائل العرب ودهاتها؛ ولم يزل أمره في انتظام وإقبال وأمر علي ﵁ في تفرق وإدبار إلى أن قتل شهيدا. وكان إذا رأى ما هو فيه من مخالفة عسكره له وطاعة عسكر معاوية له يعض على أصابعه ويقول: أعصى ويطاع معاوية. وهذا الأمر لو حدث به قبل وقوعه لما كاد أحد يصدقه لأن الفرق بينهما عظيم جدا. ولو تركت الخلافة للأحقية بحيث لا يتولاها إلا أهلها لتقدم على معاوية في ذلك العصر ألوف كثيرة من أهل بدر وأحد وبيعة الرضوان

стр. 145

الذين لا يخطر في بال أحد أن معاوية يتقدم على واحد منهم، وعلي كان سيدهم والمقدم عليهم أجمعين باتفاقهم واتفاق الأمة أجمع. ومع كون الأمر كذلك تهيأت الأسباب لمعاوية حتى صار ملكا منصورا. وقُتل الخليفة الحق مقهورا. ومع كل هذا العجز الظاهر الباهر الذي قدره الله تعالى على علي ﵁ ما زال ناس كثيرون يدعون فيه الألوهية إلى زماننا هذا، كطائفة النصيرية في بلاد الشام وغيرها من طوائف بلاد الأعجام. فكيف لو حصل له ﵁ من القوة واجتماع الكلمة وضبط الأمور وفتح الفتوحات ما حصل لأبي بكر وعمر وعثمان، فكان يخشى حينئذ أن يضل باعتقاد ألوهيته كثير من الناس غير من ضلوا. فقد اجتمع فيه من العلوم الزاخرة والأنوار الظاهرة والأسرار السافرة والفصاحة الباهرة ما يدهش العقول ويخيل لبعض الناس أن ذلك لا يمكن اجتماعه في بشر؛ ولذلك ضل فيه بعض الطغام من ضعفاء الأحلام. فهذه والله أعلم هي الحكمة في إظهار عجز هذا الإمام الكبير وقوة معاوية الذي هو
следующие страницы →