← Акыда

Акыда · id 36070

الأساليب البديعة في فضل الصحابة وإقناع الشيعة

يوسف النبهاني

Полный текст (179 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تمام العشرة ثم أهل بدر ثم أهل أحد ثم أهل بيعة الرضوان. وممن له مزية أهل العقبات من الأنصار وكذلك السابقون الأولون. اه. فشأن الخلفاء الأربعة في تفاوتهم في الفضل على حسب تفاوتهم في الخلافة، فالأسبق فيها أكثرهم فضلا ثم الثاني فالثالث، كذلك عند أهل السنة وإماميهم أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي. فالأفضل منهم بعد الأنبياء أبو بكر ثم يليه عمر ثم يليه عثمان ثم يليه علي على الأصح من تقديم عثمان عليه. ورجع الإمام مالك إليه. قال السعد: على هذا وجدنا الخلف والسلف. والظاهر أنه لو لم يكن لهم دليل على ذلك لما حكموا به وهو فيه تابع لقول الغزالي: "حقيقة الفضل ما هو فضل عند الله ، وذلك لا يطلع عليه إلا رسول الله ﷺ ، وقد ورد في الثناء عليهم في أخبار كثيرة، ولا يدرك دقائق الفضل والترتيب فيه إلا المشاهدون للوحي والتتريل بقرائن الأحوال. فلولا فهمهم ذلك لما رتبوا الأمر كذلك، إذ كانوا لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عن الحق صارف" اه. قلت: ونحوه قول السعد أيضا في شرح

стр. 72

المقاصد يدل لنا إجمالا أن جمهور عظماء الملة وعلماء الأمة أطبقوا على ذلك وحسن الظن بهم يقضي بأنهم لو لم يعرفوه بدلائل وأمارات لما أطبقوا عليه وتفصيلا الكتاب والسنة والأثر والأمارات وسردها رحمه الله تعالى. ولا يخفى صحة شمول الفضل لسائر أسبابه من علم وشجاعة وحسن رأي وقرب من الله ورسوله ومحبة لهما ومنهما. والله أعلم. يليهم قوم كرام بررة ... عدتهم ست تمام العشرة فأهل بدر العظيم الشأن ... فأهل أحد فبيعة الرضوان وقال بعضهم: أفضل الصحابة أهل الحديبية وأفضل أهل الحديبية أهل أحد وأفضل أهل أحد أهل بدر وأفضل أهل بدر الشعرة وأفضل العشرة الخلفاء الأربعة وأفضل الأربعة أبو بكر ﵃ أجمعين. وأوِّل التشاجر الذي ورد ... إن خضت فيه واجتنب داء الحسد لما حكم على الأصحاب المكرمين بأنهم خير القرون أجمعين، فكانت بينهم منازعات ومحاربات لو كانت بين غيرهم لم تقصر عن التفسيق، أجاب عن ذلك بأنه واجب التأويل بعد ثبوت وروده بمتصل صحيح الأسانيد، وإلا كان مردودا.

стр. 73

فمقاولة علي مع العباس لم تشتمل على شيء من الأدناس. ووقوف علي عن مبايعة أبي بكر إنما كانت عبتا عليه، ثم لما أعتبه أبو بكر بايعه على رؤس الأشهاد. ووقوفه عن الاقتصاص من قتلة عثمان لخشية تزايد الفاسد، وقد نصره وأعانه فلم يمكنه ثعمان توكلا على الرحمن. وكان معاوية وعائشة والزبير وطلحة ومن تبعهم ما بين مجتهد ومقلد في جواز محاربة علي. قال السعد: والذي اتفق عليه أهل الحق أن المصيب في جميع ذلك علي ﵁ والتحقيق أنهم كلهم عدول متأولون في تلك الحروب وغيرها من المخاصمات والمنازعات لم يخرج شيء منها أحدا منهم عن عدالتهم إذ هم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم. اه. قال الغزالي: واعلم أن المصيب عند أهل السنة علي ﵁ والمخطئ معاوية وأصحابه. فإن قلنا كل مجتهد في الفروع مصيب فلا إشكال، وإن قلنا المصيب واحد فالمخطئ في الاجتهاد في الفروع مع انتفاء التقصير عنه

стр. 74

مأجور غير موزور، وسبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام: قسم ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف وأن مخالفه باغ فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده، وقسم عكسه سواء بسواء، وقسم ثالث اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها ولم يظهر لهم ترجيح أحد الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم لأنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه استحقاقه، وبالجملة فكلهم معذورون مأجورون. ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في الإجماع على قبول شهاداتهم ورواياتهم وتحقق عدالتهم. والبحث عن أحوال الصحابة ﵃ أجمعين وعما جرى بين الموافقة والمخالفة ليس من العقائد الدينية ولا من القواعد الإسلامية وليس مما ينتفع به في الدين، بل ربما أضر باليقين، وإنما ذكر القوم منها نتفًا في كتبهم صونا

стр. 75

للقاصرين عن التأويل عن اعتقاد ظواهر حكايات الرافضة ورواياتها. والخوض في ذلك إنما يباح للتعليم أو للرد على المتعصبين أو لتدريس كتب تشتمل على تلك الآثار، فلا يحل ذلك للعوام لفرط جهلهم بالتأويل كما قاله المحققون. انتهى كلام اللقاني باختصار. السيد مرتضى الزبيدي قال رحمه الله تعالى في شرح الإحياء: قول الروافض بوجود النص على علي والزيديين بوجود النص على العباس ﵄ باطل، لأنه لو كان ثابتا لادّعى المنصوص عليه ذلك واحتج بالنص وخاصم من لم يقبل ذلك منه، ولما لم يرو عنه الاحتجاج عند تفويض الأمر إلى غيره علم أنه لا نص على أحد، ولأنهم لما ادعوا من النص صاروا طاعنين على الصحابة على العموم حيث زعموا أنهم اتفقوا بعد رسول الله ﷺ على مخالفة نصه واستمروا على ذلك وفوضا الأمر إلى غير المنصوص عليه وأعانوا المبطل وخذلوا المحق مع أن الله وصفهم بكونهم ﴿خير أمة﴾ جعلهم ﴿أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس﴾ وعلى علي والعباس ﵄ على الخصوص

стр. 76

فإنه اشتهر أنهما بايعا أبا بكر ﵁ جهرا، ولو كان الحق لهما ثابتا لكان أبو بكر عاصيا ظالما، ومن زعم أن عليا ﵁ مع قوة حاله وعلمه وكماله وعز عشيرته وكثرة متابعيه ترك حقه واتبع ظالما عاصيا ونصر باغيا مطيعا فقد وصفه بالجبن والضعف وقلة التوكل على الله تعالى وعدم الثقة بوعد الرسول ﵊ المفوض إليه الأمر الناصّ عليه بذلك، كيف وهو موصوف بالصلاة في الدين والتعصب له موسوم بالشجاعة والبسالة ورباط الجأش وشدة الشكيمة وقوة الصريمة مشهود له بالظفر في معادن المصاولة وأماكن المبارزة والمقاتلة على المشهورين من الفرسان والمعروفين من الشجعان، وهو القائل في كتاب إلى عامله عثمان بن حنيف: لو ارتدت العرب عن حقيقة أحمد ﷺ لخضت إليها حياض المنايا ولضربتهم ضربا يقض الهام ويرض العظام حتى يحكم الله بيني وبينهم وهو خير الحاكمين. فلو كان عرف من النبي ﷺ فيه أو في عمه العباس نصا وعرف أنه لا حق لغيرهما لما انقاد لغيره بل اخترط سيفه

стр. 77

وخاض المعركة وطلب حقه أو حق عمه، ولم يرض بالذل والهوان، ولم ينقد لأحد على غير الحق، ولم يتابعه في أموره ولم يخاطبه بخلافة الرسول ﷺ ، ولم يساعد أيضا من تولى الأمر بعده بتقليده ولم يزوجه ابنته وهو ظالم عليه لغصبه حقه وعاص لله تعالى بالإعراض عن نص رسول الله ﷺ كما شهر سيفه وقت خلافته، بل كان في الأمر أحق وأولى إذ كان عهد رسول الله ﷺ أقرب وزمانه أدنى. وقد روي أن العباس قال لعلي: امدد يدك أبايعك حتى يقول الناس بايع عم رسول الله ﷺ ابن عم رسول الله ﷺ ، فلا يختلف عليك اثنان. والزبير وأبو سفيان لم يكونا راضيين بإمامة أبي بكر والأنصار كانوا كارهين خلافته حيث قالوا: منا أمير ومنكم أمير. وحيث لم يجرد سيفه ولم يطلب حقه دل أنه إنما لم يفعل ذلك لأنه علم أن لا نص له ولا لغيره، ولكن الصحابة اجتعت على خلافة أبي بكر إما استدلالا بأمر الصلاة، فإنه ﵊ قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» وهي من أعظم أركان الدين، فاستدلوا

стр. 78

بهذا على أنه أولى بالخلافة منهم. ولهذا قال عمر ﵁: رضيك رسول الله ﷺ لأمر ديننا أفلا نرضاك لدنيانا. وأمر الحج فإنه ﷺ أمره بأن يحج بالناس سنة تسع حين إقامته بنفسه لشغل. ولأن اللطيف الخبير جل ثناؤه نظر لأمة حبيبه ومتبعي صفيه ﷺ فجمع أهواءهم المشتتة وأراءهم على خلافة قرشي شجاع موصوف بالعلم والديانة والصلابة ورباطة الجأش والعلم بتدابير الحروب والقيام بتهيئة الجيوش وتنفيذ السرايا ومعرفة سياسة العامة وتسوية أمور الرعية، بل هو أكثرهم فضلا وأغزرهم علما وأوفرهم عقلا وأصوبهم تدبيرا وأربطهم عند الملمات جأشا وأشدهم على عدو الله إنكارا وإنكالا وأيمنهم نقيبة وأطهرهم سريرة وأعودهم على اقتناء الخلق نفعا وأطلقهم عن الفواحش نفسا وأصوبهم عن القبائح عرضا وأجودهم كفا وأسمحهم ببذل ما احتوى من المال يدا وأجلهم في ذات الله مبالغة. والإجماع حجة موجبة للعلم قطعا. انتهى كلام السيد مرتضى رحمه الله تعالى. هذا ما أردت نقله هنا من كلام أئمة

стр. 79

المذاهب الأربعة أهل السنة والجماعة ﵃. وقد رأيت أن أعزز ذلك بفوائد مهمة ذكرتها في آخر كتابي الشرف المؤبد تتعلق بفضل الآل والأصحاب وبيان أن الجمع بين محبتهما هو الحق والصواب. وهي قولي فيه مع زيادات قليلة قد ظهر لذهني القاصر معنى شريف وحجة قوية في تأييد مذهب أهل السنة الجامعين بين حب الصحابة والآل وتزييف مذهب المفرقين بينهم من أهل الرفض والضلال. وذلك أن جميع ما ثبت من فضل الصحابة رضوان الله عليهم هو في الحقيقة من فضائل بيت النبوة زيادة على ما نالوه بانتسابهم إلى حضرة صاحب الرسالة من الفضل فإنهم صحابة جدهم الأعظم ﷺ لا صحابة نبي سواه، وهم وإن كانوا في أنفسهم فضلاء نبلاء حائزين من كل وصف جميل محضه ولبابه إلا أن أفضليتهم على من سواهم من الأمة إنما هي لفوزهم بتلك الصحبة الشريفة التي لا يواز بها علم عامل ولا اجتهاد مجتهد وما يلزمها من اقتباس الأنوار والأسرار فضلا عن فدائهم له ﷺ بكل ما قدروا عليه من نفس ومال وولد

стр. 80

ووالد وخوض كثير منهم أمامه في غمار الحروب ومخالطتهم المنايا حتى ظهر دين الله المبين وخفقت أعلامه في العالمين. وإلا فإنا نجد في التابعين فمن بعدهم من هو أعلم وأعبد وأورع وأزهد وأكثر حربا وجهادا وطعانا وجلادا من بعض صغار الصحابة الذين لم تطل صحبتهم له ﷺ ولم يلازموه في كثير من مواطنه الشريفة وغزواته المظفرة، ومع هذا فأقلهم فضلا أفضل من أفضل التابعين فمن بعدهم إلى يوم القيامة. فتلخص أنه ﷺ هو الأصل الذي تفرع عنه فضل الصحابة رضوان الله عليهم، وكذا جميع ما ثبت لأهل البيت من الفضل هو أيضا يحسب من فضائل الصحابة الكرام زيادة على ما اتصفوا به من الفضل والفخر بصحبتهم له ﷺ ، فإنهم ذرية نبيهم الذي استنقذهم من ظلمات الشرك وزجهم في أنوار التوحيد وفازوا بما فازوا به بسببه من السيادة الدنيوية والسعادة الأبدية، وذريته ﷺ بعضه، فكما أن فضل الكل وهو النبي ﵊ هو زيادة في فضل أصحابه

стр. 81

الذي هو متفرع عن فضله فكذلك بعضه وهم الذرية الطاهرة فإن فضلهم فرع عن فضله ﷺ ، فقد علمت أن أصل الفضلين فضل الذرية وفضل الصحابة هو رسول الله ﷺ ، وهما فرعان عن أصل واحد، فمهما حصل لأحدهما من مدح أو ذم لا بد وأن يتعدى إلى الآخر. فلعنة الله على من فرق بينهما بولاء بعضهم ومعاداة البعض، فإن من عادى أحدهما لم ينفعه ولاء الآخر وكان عدوا لله ورسوله ولمن التزم ولاءه أيضا. وانظر إلى سيدنا زيد بن علي زين العابدين ﵄ حين خرج على هشام بن عبد الملك فقد بايعه وقتئذ ناس كثير من أهل الكوفة وطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين أبي بكر وعمر لينصروه فقال: كلا بل أتولاهما، فقالوا: إذا نرفضك، فقال: اذهبوا فأنتم الرافضة. فسموا رافضة من حينئذ. وجاءت طائفة وقالوا: نحن نتولاهما ونتبرأ ممن يتبرأ منهما، فقبلهم وقاتلوا معه، فسموا الزيدية، غير أنهم خلف من بعدهم خلف خرجوا عن مذهب زيد وبقي عليهم الاسم فقط. فمن أراد سعادة الدارين فعليه بمحبة الطرفين

стр. 82

ملتزما في ذلك الطريق الشرعي غير حائد عن سنن السلف والخلف، وهو مذهب أهل السنة السنية وهداة الملة الحنيفية، أماتنا الله على ذلك غير مبدلين ولا مغيرين ولا فاتنين ولا مفتونين. فإن قلت: تفريعك هذين الفرعين أهل البيت والصحابة رضوان الله عليهم عن الأصل الواحد وهو النبي ﷺ بالصفة التي ذكرتها يشعر بتفضيل الذرية الطاهرة على الصحابة الكرام رضوان الله على الجميع؟ قلت: نعم، وهو كذلك من حيث أنهم ذريته ﷺ لا من كل حيثية، وهذا مما لا يشتبه فيه عاقل، فإن الذرية الطاهرة من هذه الحيثية أفضل العالمين على الإطلاق، فإن ذلك يرجع لتفضيله ﵊. ولا يشك مؤمن بأنه أفضل الخلق كافة، وهو بمنزلة قولك جدهم ﵊ أفضل من كل جد، وهل يرتاب في هذا مؤمن؟ ومن هنا قال الإمام السبكي وغيره في حق فاطمة ﵂: لا نفضل على بضعة رسول الله ﷺ أحدا، فأنت تراهم وصفوها بالبضعية التي هي داعية التفضيل على أمها خديجة

стр. 83

ومريم وعائشة ولم يقولوا لا نفضل على زوجة علي أو أم الحسنين أو غير ذلك من أوصافها الشريفة. وهذا المعنى موجود في سائرة أولاده وبناته ﷺ وأولاد فاطمة خصوصية منه ﷺ ، فهم من تلك الحيثية أفضل الناس. وصرح بأفضلية فاطمة على جميع الصحابة الشيخين فمن عداهما الشمس العلقمي وقيده المناوي بحيثية البضعية، قال: فإن الشيخين أفضل منها من حيث المعرفة والعلم ورفع منار الإسلام، وهذا نبه العلاقة اللقاني في شرح الجوهرة بعد ذكر أفضلية الخلفاء الأربعة على من سواهم بقوله: لا يشكل الحكم المذكور بالذرية الشريفة لأنه من حيث البضعية المكرمة، فالذرية أفضل. فاعلم ذلك واعرف منزلة أهل بيت النبوة وما خولهم الله من الفضل الوهبي واختصهم به من الشرف القربي، قال الشاعر وأظنه سيدي محيي الدين بن العربي ﵁: هم القوم من أصفاهم الود مخلصا ... تمسك في أخراه بالسبب الأقوى

стр. 84

هم القوم فاقوا العالمين مناقبا ... محاسنهم تحكى وآياتهم تروى موالاتهم فرض وحبهم هدى ... وطاعتهم ود وودهم تقوى قال في الإسعاف: واعلم أن المحبة المعتبرة الممدوحة هي ما كانت مع اتباع لسنتهم المحبوبة، إذ مجرد محبتهم من غير اتباع لسنتهم كما تزعمه الشيعة والرافضة من محبتهم مع مجانبتهم للسنة لا تفيد مدعيها شيئا من الخير بل تكون عليه وبالا وعذابا في الدنيا والآخرة، على أن هذه ليست محبة في الحقيقة، إذ حقيقة المحبة الميل إلى المحبوب وإيثار محبوباته ومرضياته على محبوبات النفس ومرضياتها والتأدب بأخلاقه وآدابه، ومن ثم قال علي كرم الله وجهه: لا يجتمع حبي وبغض أبي بكر وعمر. أي لأنهما ضدان وهما لا يجتمعان. وأخرج الدارقطني مرفوعا: "يا أبا الحسن، أما أنت وشيعتك في الجنة، وإن قوما يزعمون أنهم يحبونك يصغرون الإسلام ثم يلفظونه، يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية لهم نبز يقال لهم الرافضة فإذا أدركتهم فقاتلهم فإنهم مشركون".

стр. 85

قال الدارقطني: ولهذا الحديث عندنا طرقات كثيرة. اه كلام الإسعاف للصبان. وقوله الشيعة والرافضة، أراد غلاة الشيعة فيكون عطف مرادف أو عطف تفسير، أما شيعتهم الذين لم يفارقوا سنتهم من محبة الصحابة ومعرفة منازلهم في الفضل فهم القوم الأخيار المبرؤون من كل عار وعم الذين عناهم رسول الله ﷺ بقوله: "يا أبا الحسن، أما أنت وشيعتك في الجنة". قال الإمام موسى بن علي بن الحسين بن علي، وكان فاضلا، عن أبيه عن جده: إنما شيعتنا من أطاع الله وعمل عملنا، كأصحاب علي ﵁ مدة خلافته وجميع من نصره وخاض معه غمرات الحروب في جميع وقائعه كوقعة الجمل وصفين والنهروان، ما عدا قتلة عثمان عليه الرضوان، فإنه ﵁ وكرم وجهه هو المصيب في جميعها وغيره مخطئ والكل على هدى لاجتهادهم في طلب الحق ما عدا الخوارج الذين منهم أهل النهوران فإنهم كفرة فجرة لأنهم كانوا يعتقدون معاذ الله كفره ﵁ بالتحكيم وكفر كثير من الصحابة والمسلمين الذين رضوا بذلك. وتكفير

стр. 86

الخوارج ذهب إليه أكثر العلماء ك الطبري والسبكي كما ذكره الشهاب الخفاجي في شرح الشفاء، وإن كان مذهب الشافعي وجماعة من الفقهاء عدم تكفيرهم لقوله ﵁: لا أكفر أحدا من أهل القبلة إلا الخطابية، كما حكاه النووي في الروضة، ذكر ذلك الشهاب في شرح الشفاء أيضا. وهناك طائفة من الشيعة يقال لهم المفضلة يقولون بتفضيل علي كرم الله وجهه على سائر الصحابة مع اعتقاد فضلهم وعدلهم والاعتراف بما خولهم الله من الشرف وعلو المنزلة، وهؤلاء وإن خالفوا ما انعقد عليه الإجماع من تفضيل الشيخين على علي وذهب إليه جمهور أهل السنة من تفضيل عثمان عليه فهم أهل بدعة خفيفة لا يتفرع لعيها خطل في الدين، فقد ذكرهم الحافظ السيوطي ولم يطعن في عقيدتهم، ونقل عن الحافظ الذهبي وغيره أنهم عدول ثقات وأن رواياتهم مقبولة شهادتهم غير معلولة؛ هذا مع تدقيق الذهبي في رجال الحديث إلى درجة أدته للطعن في بعض الثقات الذين زكاهم غيره. قال: ومن هذه الطائفة كثيرة من السلف والخلف وإذا أطلق لفظ الشيعة في

стр. 87

الكتب فالمراد منه هؤلاء ما لم يقيد بالغلو كأن يقال: شيعي غال أو غلاة الشيعة. ومع ذلك فقد نقل في شرح الإحياء عن كتاب القوت لأبي طالب المكي قال: كان أحمد بن حنبل قد أكثر عن عبد الله بن موسى الكاظم ثم بلغة عنه أدنى بدعة، قيل إنه كان يقدم عليا على عثمان فانصرف أحمد ومزق جميع ما حمل عنه ولم يحدث منه شيئا. اه. أما الروافض فهم ما بين كافر وفاسق لأنهم رفضوا موالاة كثير من الصحابة ﵃، والكافر منهم يطعن في السيدة عائشة أم المؤمنين وينكر صحبة أبيها ﵄. ولا تشتبه بما سأتلوه عليك من كلام العارف الشعراني فإنه إنما قصد من الروافض مفضلة الشيعة كما تصرح به عبارته. قال ﵁ في كتابه العهود: أخذ علينا العهود أن لا نسب الروافض الذين يقدمون عليا في المحبة على أبي بكر وعمر ﵃ لا الذين يسبونهمما لا سيما إن كانوا اشرافا من أولاد فاطمة ﵂ أو من أهل القرآن، فإياك يا أخي من قولك: "فلان رافضي كلب" فإن ذلك لا ينبغي والذي نعتقده أن التغالي في محبة علي والحسن والحسين

стр. 88

وذريتهما مطلوب بنص القرآن في قوله تعالى: ﴿قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾ والود ثبات المحبة ودوامها، فنسكت عن سب من قدم جده في المحبة على غيره ما لم يعارض النصوص، وذلك لأن تعصب الإنسان لأجداده الذين حصل له بهم الشرف أمر واقع في كثير من العلماء فضلا عن آحاد الناس من الشرفاء، ولذلك قالوا: من النوادر شريف سني يقدم أبا بكر وعمر على جده علي ﵃، وكان الإمام الشافعي ينشد: إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي فاعذر يا أخي كل من قامت له شبهة ما لم تهدم شيئا من أصول الدين الصريحة كإنكار صحبة أبي بكر لرسول الله ﷺ أو براءة عائشة ﵂ واترك أمر الروافض غلى الله يفصل بينهم يوم القيامة. انتهى كلام الإمام الشعراني. وهو كلام عارف كبير منصف خبير ﵁ ونفعنا به. وقوله: "من النوادر شريف سني" ليس هو مقابل الرافضي بمعناه الحقيقي وإنما هو مقابل الشيعي المفضل، ولذلك قال بعده: "يقدم أبا بكر وعمر على جسده علي"

стр. 89

والرافضي لا يقر لأبي بكر وعمر بفضل لا مقدما ولا مؤخرا بل يصفهما بما لا ينبغي. ومعاذ الله أن يقول بذلك أحد ممن صحت نسبته إلى رسول الله ﷺ . وحاصل معنى العبارة أن الشريف السني الموصوف بتقديم أبي بكر وعمر على جده علي من النوادر وأكثرهم سنيون لا يقولون بالتقديم مع حب الشيخين والصحابة جميعا والاعتراف بفضلهم. وهذا لا يضرهم في دينهم شيئا ولا سيما إذا كان التقديم في المحبة لا التفضيل، وهو الذي ينبغي حمل العبارة عليه فافهم. والله أعلم. انتهى ما ذكرته في الشرف المؤبد مع زيادة قليلة. ويؤيد أن أكثر الأشراف بمقتضى عبارة الشعراني وإن قدموا جدهم عليا بالمحبة على أبي بكر وعمر لا يقدمونه عليهما بالتفضيل ما عليه أكثر علماء الأشراف ولا سيما ساداتنا آل باعلوي من ملازمة مذهب أهل السنة والجماعة في تفضيل الشيخين على جدهم علي ﵁. وتقرير ذلك في كتبهم ودروسهم. فمن توفيق الله لهم أنه غلب عليهم التزام الشرع عن اقتضاء الطبع، ولا غرابة في ذلك فإن الأشراف على

стр. 90

الإطلاق لا شك أنهم يفضلون الأنبياء والمرسلين على جدهم علي ﵁، وكذلك غيرهم من سائر المؤمنين يفضلون الأنبياء على أجدادهم مهما كانوا صالحين، وما ذاك إلا من حسن الانقياد إلى الشرع ومخالفة الهوى والطبع، وحيث قد ثبت بإجماع الأمة من أهل السنة والجماعة أفضلية الشيخين على علي ﵁ كان من حسن الانقياد للشرع وسلامة الدين تفضيلهما عليه ولو عند سلالته الطيبين الطاهرين، بل هم أولى من سائر المؤمنين باتباع هذا الحق المبين ﵃ ونفعنا ببركاتهم أجمعين. قال الإمام القسطلاني في المواهب اللدنية: فإن قلت من اعتقد في الخلفاء الأربعة الأفضلية على الترتيب المعلوم ولكن محبته لبعض تكون أكثر، هل يكون آثما به أم لا؟ أجاب شيخ الإسلام الولي بن العراقي بأن المحبة قد تكون لأمر ديني وقد تكون لأمر دنيوي، فالمحبة الدينية لازمة للأفضلية، فمن كان أفضل كانت محبتنا الدينية له أكثر، فمتى اعتقدنا في واحد منهم أنه أفضل ثم أحببنا غيره من جهة الدين أكثر كان تناقضا، نعم إن أحببنا غير

стр. 91

الأفضل أكثر من محبة الأفضل لأمر دنيوي كقرابة وإحسان ونحوه فلا تناقض في ذلك ولا امتناع. فمن اعترف بأن أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي لكنه أحب عليا أكثر من أبي بكر مثلا، فإن كانت المحبة المذكورة محبة دينية فلا معنى لذلك إذ المحبة الدينية لازمة للأفضلية كما قررنا، وهذا لم يعترف بأفضلية أبي بكر إلا بلسانه وأما بقلبه فهو مفضل لعلي لكونه أحبه محبة دينية زائدة على محبة أبي بكر وهذا لا يجوز، وإن كانت المحبة المذكورة محبة دنيوية لكونه من ذرية علي أو لغير ذلك من المعاني فلا امتناع فيه. والله أعلم. انتهى. ونقل هذه الفتوى عن الولي العراقي أيضا ابن حجر في الصواعق. (١) انتهى القسم الأول ويليه القسم الثاني. القسم الثاني في الاحتجاج على فضل أصحاب رسول الله ﷺ ولا سيما الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين، بعبارات فائقة بنيتها على الآيات والأحاديث وأقوال العلماء السابقة، يقنع بها كل من يهمه رضا الله ورسوله واتباع الشريعة،

стр. 92

سواء كان من أهل السنة أو كان من الشيعة. ولا هادي إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. اعلم أيها المسلم المؤمن المصدق بوحدة الله تعالى ورسالة نبيه محمد ﷺ سواء كنت من أهل السنة أو من الشيعة أن مقصدنا معاشر المسلمين ومحط نظرنا شيء واحد، وهو هذا الإيمان بالله ورسوله وطاعتهما وكل ما يقرب العبد إلى رضاهما. والمقصود الأصلي هو رضا الله تعالى، وأما رضا الرسول ﷺ فهو تابع لرضا الله تعالى، فكل ما يرضي الله يرضيه وكل ما يسخطه تعالى يسخطه ﷺ . وكذلك الحق يرضى لرضا رسوله ويغضب لغضبه. فرضاهما وسخطهما متلازمان. ولذلك ورد في القرآن كثيرا ذكر الرسول مع الله تعالى كقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١) ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ (٢) و ﴿آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٣) وغير ذلك كثير. وإن كان الأصل هو الله تعالى وطاعته والتابع هو الرسول وطاعته فإن الحق هو المقصود بالذات، وإنما خلق الخلق ليعرفوه ويعبدوه وأرسل الرسل وسيدهم محمدا - صلى الله

стр. 93

عليه وسلم - ليعرفوا به خلقه ويقودهم إلى طاعته وعبادته تعالى. ولا يخفى أن الخلق كلهم خلق الله تعالى؛ فأحبهم إليه وأقربهم لديه أكثرهم معرفة به وطاعة له وتصديقا لرسله عليهم الصلاة والسلام. وتصديق ذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) وقول النبي ﷺ : «لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى» وقوله ﵊: «يا فاطمة بنت رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئا، يا بني عبد المطلب لا أغني عنكم من الله شيئا، ولكن لكم رحم سأبلها ببلالها». ولا شك أن نسبتهم له ﵊ تنفعهم نفعا عظيما عند الله تعالى. يدل على ذلك أحاديث كثيرة، ومنها قوله في هذا الحديث «سأبلها ببلالها» أي أصلها بصلتها، وقوله ﵊: «كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي» وقد قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (٢) ولا يرضيه ﷺ إلا سعادة أقاربه الأقرب فالأقرب، وإنما قال لهم: «لا أغني عنكم من الله شيئا»

стр. 94

تعظيما لجانب الحق ، كما هو الواقع أن أحدا لا يغني عنده شيئا إلا برضاه، فإنه الحاكم المطلق جل وعلا، وليس لأحد معه شرك في ملكه، وقد قال : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (١) وهو من فضله يأذن للنبي ﷺ بالشفاعة في أقربائه وغيرهم، وهو ﷺ أكرم الخلق على الإطلاق، فلا يترك أقرباءه يوم القيامة من دون أن يشفع فيهم شفاعة مخصوصة. كيف وهو قد أعطي الشفاعة في سائر الناس؛ أفيشفع في الأبعدين ويترك أقرباءه المؤمنين؟ هذا مما لا يكون ولا يتصوره عاقل. ولكن حرضهم ﷺ بقوله: «لا أغني عنكم من الله شيئا» على كثرة الطاعات لله تعالى، لئلا يتكلوا على هذه النسبة الشريفة التي لا أشرف منها والقرابة المنيفة التي لا أعلى منها فيعتمدون عليها ويقصرون في عبادة الله تعالى. وهذا من شدة شفقته ﷺ على أهل بيته ومحبته لهم ولعلمه ﵊ أن مجرد هذه القرابة الشريفة بلا أعمال صالحة لا تبلغهم أعلى المنازل في الجنة وتقدمهم

стр. 95

على غيرهم من أكابر أتقياء الأمة لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ نعم إن هذه النسبة الشريفة تكون سببا إن شاء الله تعالى لنجاتهم كيفما كانوا بعد أن يكونوا مؤمنين لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) قال العلماء: لا رجس أرجس من الكفر. وتأمل عدم اكتفاء الحق بقوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ حتى أكده بقوله تعالى: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ ولم يكتف بهذا التأكيد بقوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ حتى أكده بالمصدر بقوله تعالى: ﴿تَطْهِيرًا﴾ فإذا تأملت في ذلك تعلم علو منصب أهل بيت النبوة ورفعة قدرهم عند الله تعالى إلى درجة لا يتصورها عقلك، وهذا الكلام إنما هو صادر من الله تعالى الذي في يده كل شيء ويفعل في خلقه ما يريد، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٢) فلا يقال حينئذ لأي شيء اختصهم بهذا الفضل العظيم، ولو قيل ذلك لكان جوابه سهلا وهو أنه اختصهم به كرامة لحبيبه الرءوف الرحيم عليه أفضل الصلاة والتسليم. وقد قال بعض العلماء كما ذكرته في كتابي الشرف المؤبد

стр. 96

لآل محمد ﷺ إن هذه الآية الكريمة تدل على أن الله تعالى يطهرهم من الكفر والمعاصي ويتوفاهم على الإيمان والتوبة النصوح الممحصة لجميع الذنوب ويرضي عنهم أخصامهم بفضله وكرمه تعالى كرامة لحبيبه الأعظم ﷺ ، ولما أراده تعالى لهذا العنصر الطاهر من الكرامة من غير شرط عمل، فهي مبشرة لهم بحسن الخاتمة والوفاة على الإيمان والتوبة النصوح من جميع أنواع العصيان. ومع ذلك فهم والحمد لله جدوا واجتهدوا في طاعة الله تعالى ولم يعتمدوا على هذه النسبة الشريفة والمزية العظيمة التي فاقوا بها جميع الناس سوى النبيين والمرسلين، إذ لم يوجد في القرآن مثل هذه الآية الكريمة في حق غيرهم ﵃، ومع ذلك فهي لم تنسخ حكم قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فهذه آية محكمة حكمها صحيح دائم، كما أن تلك آية محكمة حكمها صحيح دائم. والله تعالى لم يقل إنه قد فضل أهل بيت النبوة على جميع الناس من كل الوجوه، ولكنه خصهم بآية التطهير وفضلهم بها على جميع الأمم من جليل وحقير، وفضل أهل

стр. 97

التقوى بحسب درجاتهم على الجميع بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ولم يستثن أهل البيت الكرام ولا غيرهم من الأنام. إذا علمت ذلك تعلم أنه يجوز أن يكون في كل عصر بعض المسلمين من أهل التقوى أكرم عند الله تعالى من بعض أهل البيت الذين قصروا عنهم في تقوى الله تعالى، ولا مانع من ذلك شرعا ولا عقلا لهذه الآية الصريحة التي يجب على كل مؤمن قبولها والإذعان لها والتصديق بها لأنها من كلام الله المجيد الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (١) وقد خاطب الله تعالى بها جميع المؤمنين من عهده ﷺ إلى يوم القيامة. وإذا كان الأمر كذلك فأصحاب النبي ﷺ الذين تشرفوا بصحبته وشاهدوا أنوار طلعته وبذلوا أرواحهم وأموالهم في سبيل نصرته وتأييد دينه وملته هم أولى وأحرى بأن يشملهم هذا التشريف الذي شرف الله به المتقين بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ المؤيد بقول النبي ﷺ : «لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى». فصل (قد أثنى الله في آيات كثيرة على الأصحاب) قد أثنى الله

стр. 98

تعالى على أصحاب رسول الله ﷺ في آيات كثيرة من القرآن. منها قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١) ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (٢) ومنها قوله تعالى: ﴿لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (٣) ومنها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٤) ومنها قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٥) ومنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦) ومنها قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا

стр. 99

غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١) ومنها قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (٢) ومنها قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣) واعلم أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وطلحة والزبير ﵃ داخلون بيقين في جميع هذه الآيات القرآنية وغيرها مما ذكر في القسم السابق التي أثنى الله بها على أصحاب رسول الله ﷺ . والسيدة عائشة أم المؤمنين ﵂ داخلة أيضا بيقين في أكثرها مما لم يختص بالرجال من أصحاب رسول الله ﷺ . ومعاوية وعمرو بن العاص ﵄

стр. 100

لا شك أنهما داخلان في كثير منها مما لم يختص بالسابقين إلى الإسلام من الصحابة ﵃. فيا ليت شعري إذا صرح الملك لجميع رعاياه برضاه عن طائفة منهم وخاطبهم بمدح تلك الطائفة والثناء الجميل عليها، أتراهم إذا أبغضوا تلك الطائفة التي صرح لهم الملك برضاه عنها، وإذا ذموها بعد أن سمعوا منه الثناء الجميل عليها يكونون قد استحقوا بذلك رضا الملك أم سخطه؟ لا شك أنهم يكونون بذلك مستحقين لسخطه التام، ولا يرتاب في هذا أحد من ذوي الأحلام. هذا لو كان ذلك الملك مخلوقا مثل رعاياه، ويجوز عليه أن يكون مخطئا في رضاه عن تلك الطائفة وثنائه عليها بأن يكون صدر ذلك منه لأغراض وافقت هوى نفسه، وهي في الحقيقة غير مستحقة لرضاه وثنائه فيخالفونه لعلمهم من عيوبها وموجبات بغضها وذمها ما لم يعلمه ذلك الملك. فما بالك بملك الملوك رب العالمين وخلاق البرايا أجمعين إذا صرح برضاه عن طائفة من عبيده وأثنى عليها الثناء الجميل هل يمكن أن يكون مخطئا برضاه عنها وثنائه عليها؟ وهل يجب على عبيده تعالى أن يتبعوه بمحبة تلك الطائفة والرضا عنها والثناء عليها؟ أو يجوز لهم بوجه من الوجوه

стр. 101

أو سبب من الأسباب أن يبغضوها بعد أن صرح لهم برضاه عنها، ويذموها بعد أن سمعوه بمدحها بأبلغ المدح ويثني عليها بأجمل الثناء؟ هذا مثل أصحاب رسول الله ﷺ ومن يحبهم ومن يبغضهم، فمن أي الفريقين تحب أن تكون أيها المسلم الذي يريد نجاة نفسه. أما السني فلا يرد عليه هذا السؤال. وأما الشيعي فلا جواب له عنه بحال من الأحوال إلا بمجرد المكابرة والجدال. وإذا قال الشيعي أنا أحب أهل بيت رسول الله ﷺ وأبغض أصحابه الذين تعدوا عليهم وسلبوهم حقوقهم وأذمهم لأتقرب بذلك إلى رسول الله ﷺ وأستجلب رضاه ومحبته لي بمحبتي لأهل بيته وبغضي لمن سلبوهم حقوقهم. أقول في الجواب عن ذلك: قد أعلمتك بنص القرآن الصريح أن الله تعالى قد رضي عنهم وأثنى عليهم الثناء الجميل، وما رضي عنهم إلا لطاعتهم لرسوله ﷺ ومبايعتهم، أي معاهدتهم إياه على الموت في سبيل نصرته على أعدائه ﷺ ، وأثنى عليهم الثناء الجميل في كتابه المجيد، الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ

стр. 102

تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ فكيف حينئذ يمكن بعد ما ذكر أن يرضى الله تعالى أو رسوله ﷺ عمن يبغضهم ويذمهم مهما فعلوا ومهما كان منهم على فرض صحة ما نسب إليهم؟ هذا مستحيل عقلا ونقلا، لأن الرضا عنهم والثناء عليهم من الله تعالى قد ثبت ثبوتا أبديا في كلامه القديم الذي لا ينسخه كلام على ممر الليالي والأيام. والحق لا يخفى عليه ما سيصدر منهم من الأفعال مدة حياتهم، ومع ذلك فقد صرح بالرضا عنهم والثناء الجميل عليهم، فيلزمنا أن نقلد الله تعالى بالرضا عنهم والثناء الجميل عليهم ونعتقد أن ما صدر منهم على فرض صدوره هو من الذنوب الداخلة في سعة رحمة الله تعالى ومغفرته، أو نؤول ذلك بما يصرف أفعالهم المعترضة عن ظواهرها كما فعل علماء السنة من السلف والخلف. ويؤيد ذلك الحديث الصحيح الوارد عن النبي ﷺ في حق أهل بدر الذين من جملتهم أبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير، وكثير ممن تبغضهم الروافض، وهو قوله ﷺ : «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال لهم:

стр. 103

افعلوا ما شئتم فقد غفرت لكم» وورد عنه ﷺ في حق عثمان بخصوصه مثل ذلك يوم جهز جيش العسرة بسبعمائة جمل بحمولها وأحضر ألف دينار صبها بين يدي النبي ﷺ فصار يقلبها بيديه الشريفتين ويقول: "غفر الله لك يا عثمان"، «ما ضر عثمان ما فعل بعد اليوم» وهذا من الأمور التي جرت بها العادة، فإنه إذا فعل إنسان فعلا جميلا عظيما عند آخر يصرح له بأنه قد رضي عنه ولا يسخط عليه أبدا في مقابلة ذلك الفعل الجميل حتى يجرون ذلك مع البهائم. قال الشاعر: وإذا المطي بنا بلغن محمدا * فظهورهن على الرجال حرام قربننا من خير من وطئ الثرى * فلها علينا حرمة وذمام وإذا وقع ذلك من كرام الناس في حق البهائم فضلا عن الآدميين، فما بالك برسول الله ﷺ وهو أكرم ولد آدم وسيد الخلق أجمعين؟ وما بالك بكرم الله تعالى وسعة فضله الذي لا تدرك حد سعته الأحلام ولا يمكن التعبير عن حقيقته بالألسنة والأقلام، وقد صرح تعالى برضاه عن هؤلاء القوم

стр. 104

الذين صدقوا في خدمته وتأييد دينه وملته ومبايعة نبيه على الموت في نصرته وثنائه عليهم الثناء الجميل في معيته. وقد ذكر صفاتهم الجميلة التي استوجبوا بها الثناء الجميل منه تعالى، وابتدأها بقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ فقد ابتدأها بالجهاد أيضا لما فيه من المشقات العظيمة التي كانوا يحملونها في حب الله تعالى ورسوله، أتراه بعد أن صرح لهم برضاه عنهم وشرفهم بذلك وبالثناء عليهم في كلامه القديم يخالف ذلك في المستقبل وهو سبحانه أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين؟ أو تراه يرضيه أن يخالف تشريفه لهم بذلك أحد من الخلق أجمعين، سبحانه وتعالى عما يقوله الجاهلون ويعتقده المبطلون، و ﴿إنا لله وإنا إليه راجعون﴾. ونعوذ بالله تعالى من الخذلان ومن أن نكون منقادين إلى الشيطان وإخوانه من الإنس والجان. وأما قولك أيها الشيعي: إن أصحاب رسول الله ﷺ سلبوا أهل بيته حقوقهم؛ فهذا اعتقدته أنت بحسب ما بلغك من الرواة الذين قد يزيدون وينقصون، وبحسب ما فسره لك قوم غافلون أو متغافلون. ومع ذلك نحن لم

стр. 105

ندّع فيهم العصمة من الخطأ والذنوب، ولكن نقول: إن الله تعالى أخبرنا في كتابه الحق الذي اتفق جميع المسلمين من أهل السنة والشيعة على أنه كما قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ بأنه قد رضي عنهم وقد أثنى عليهم فيه الثناء الجميل، فإذا وقع منهم بعد ذلك بحسب بشريتهم وعدم عصمتهم كالأنبياء شيء من الذنوب يرجى من كرمه تعالى أن يغفره لهم، بل يتعين ذلك فضلا منه تعالى في حق أهل بيعة الرضوان الذين صرح برضاه عنهم وهم أكثر المهاجرين والأنصار، وفي حق أهل بدر منهم الذين قال فيهم رسول الله ﷺ : «وما يدريك لعل الله قد اطلع على أهل بدر فقال لهم اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»، فلا يجوز لك أيها الشيعي أن تذمهم وتسخط عليهم بعد تعريف الله تعالى لك بأنه قد رضي عنهم وثنائه الجميل عليهم، ولو فرضنا صحة ما بلغك عنهم من الخطإ والذنوب التي هي إن شاء الله تعالى على فرض صحتها مغفورة، لا سيما وقد صح عنهم عندك وعند جميع المسلمين والناس أجمعين ما بذلوه في تأييد الدين المبين ونصرة سيد المرسلين -صلى الله عليه وعلى آله

стр. 106

وأصحابه أجمعين- من الأفعال المشكورة المبرورة، التي منها بذل الأرواح والأموال ومعاداة الأهل والعيال، وارتكاب المشقات التي لا تتحملها الجبال، فهل لا يستحقون بعدها غفران الذنوب وستر العيوب من الكبير المتعال؟ فأنصف أيها الرجل وانتبه رحمك الله، واعرف لذوي الحقوق حقوقهم، ولا تغتر بزخرفة الألفاظ وتنميق الأكاذيب التي أوحاها الشيطان إلى إخوانه وأعوانه حتى فرقوا كلمة الأمة المحمدية وأوقعوا بينها العداوة التي لا يقدر على إزالتها إلا الله تعالى. وأنت على يقين من أنا معاشر المسلمين جميعا من أهل السنة والشيعة عبيد الله تعالى يجب علينا أن نرضى لرضاه ونسخط لسخطه تعالى، ولا نجعل لهوانا على ديننا وعقلنا سبيلا. ونجزم ونعتقد أن رسول الله ﷺ لا يرضيه إلا ما يرضى الله تعالى. وقد بلغنا ﷺ عن ربه أنه رضي عن أهل بيعة الرضوان، وهم جل أو كل أصحابه المهاجرين والأنصار وقتئذ، فهل يمكن أن رسول الله ﷺ لا يرضى عليهم أو على أحد منهم مهما فعلوا بعد أن بلغنا عن ربه رضاه المطلق

стр. 107

عنهم الذي لم يقيده بشرط من الشروط ولا زمان من الأزمان. وهل يجوز لنا بعد أن تحققنا رضى الله ورسوله عنهم على هذا الوجه الثابت المحقق الذي لا يتحول ولا يتزلزل أن نسخط عليهم وقد رضي الله ورسوله عنهم ونذمهم وقد أثنى الله ورسوله عليهم؟ أنصف أنت من نفسك أيها المسلم العاقل وافعل ما يقربك إلى مولاك والله يتولى هداك. أما أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ﵃، فهم مثل أصحابه ﵊ يجوز عليهم الخطأ واقتراف الذنوب، فإنهم مثلهم غير معصومين. ولا يغرك زعم العصمة فيهم عند الشيعة لأن العصمة قد خصها الله تعالى بالنبيين والمرسلين لكونهم مشرعين ومبلغين الدين وأحكامه عن الحق إلى الخلق، فلو لم يكونوا معصومين لجاز عليهم وقوع الخطإ في تبليغ شرائع الله تعالى إلى عباده فيختل حينئذ ذلك الدين ولا يوثق بصحته وبأنه دين الله الحق الذي شرعه لعباده، ولهذا كانت عصمتهم واجبة لازمة لا بد منها. وأما غيرهم من أتباع الأنبياء فليسوا متصفين بهذه الصفة حتى يلزم اعتقاد العصمة فيهم، ولكنهم مهما عظم شأنهم وارتفعت مترلتهم في الفضل والتقوى

стр. 108

والكمال فهم محل للخطأ واقتراف الذنوب بحسب بشريتهم، ولكن الله تعالى من فضله وكرمه يغفر لهم ذنوبهم ويستر لهم عيوبهم. وأولى الناس بمغفرته تعالى آل بيت نبيه وأصحابه ﷺ لقوله تعالى في آل البيت: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (١) ولثنائه الجميل على الصحابة ورضاه عنهم بقوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٢) وكما يجوز عقلا وشرعا وقوع التعدي من بعض الصحابة على بعض أهل البيت يجوز التعدي من بعض أهل البيت على بعض الصحابة، كما أنه يجوز الخطأ على هؤلاء وهؤلاء بمقتضى البشرية وعدم العصمة. ونحن معاشر المسلمين الواجب علينا محبة الفريقين لنفوز إن شاء الله تعالى بالحسنيين، وننظر بعين الإنصاف إلى ما بلغنا من أحوالهم جميعا وآثارهم في الدين ونفعهم للمسلمين وطاعتهم لرب العالمين وخدمتهم لسيد المرسلين -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين- وما كان أمرهم عليه في حياته وبعد وفاته ﷺ ما تحققناه من النقول الصحيحة، ونجعل محط نظرنا رضا الله تعالى ورسوله ونزيل عن قلوبنا وعقولنا حجاب الهوى والميل بمجرد

стр. 109

التعصب المذموم والتشهي المشئوم، فإن ذلك لا يرضاه لنفسه العاقل إلا إذا طمس الله على بصيرته فلم يفرق بين الحق والباطل. فصل في خلافة أبي بكر وملخص أوصافه قد اتفق نقلة الأخبار على أن أبا بكر الصديق كان في الجاهلية من رجال قريش المعدودين أهل الحل والعقد فيهم، وأنه كان أول المسلمين من الرجال، وأنه من ذلك التأريخ كان هو الوزير الأعظم والصديق الأكبر الأكرم للنبي ﷺ . وإنما سماه النبي ﷺ بالصديق لمبادرته لتصديقه في أول إسلامه في كل ما أخبر به ﵊ من الغيوب ولا سيما في صباح ليلة المعراج حينما كذبته كفار قريش. ولم يزل مرافقا له وموافقا في جمع حالاته مع العسر واليسر والشدة والرخاء والسفر والحضر والحرب والسلم وجميع الأحوال إلى حين وفاته ﷺ . أما الأحاديث التي وردت وصحت عن النبي ﷺ في فضله فهي كثيرة مدونة في الكتب ومشهورة على الألسنة، وكثير منها يجري على ألسنة الناس مجرى الأمثال. وكذلك ما ورد في حق عمر وعثمان وعلي وطلحة

стр. 110

والزبير ﵃. وكذلك وردت أحاديث كثيرة في فضل السيدة فاطمة الزهراء والحسن والحسين وسائر أهل البيت الكرام وفضل السيدة عائشة وباقي أمهات المؤمنين وكثير من أفراد الصحابة ومجموعهم ﵃ أجمعين. ولا أريد أن أكثر الكلام هنا بنقلها لأنها معلومة، وكتبها في أيدي الناس مشهورة، وقد جمع منها الإمام ابن حجر في كتاب الصواعق جملة وافرة، وربما أذكر قليلا منها للمناسبة، ومن أرادها فليراجعها في محلها. ومن المعلوم عند الخصوص والعموم أن أبا بكر ﵁ لم يزل منذ أسلم إلى وفاة رسول الله ﷺ هو عنده الوزير الأول والصديق الأكبر الذي عليه في مهماته المعول لا يشبهه ولا يدانيه في ذلك أحد، لا من الصحابة ولا من أهل البيت ﵃ أجمعين، حتى إن رسول الله ﷺ لم يسمح له في غزوة بدر بالمبارزة في القتال، وقال له: "أمتعنا بنفسك" وسمح بذلك لسادات أهل بيته وقتئذ وهم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث ﵃، واعتمد عليه ﷺ في حراسة العريش الذي أقام فيه عليه الصلاة
следующие страницы →