← Адаб

Адаб · id 36072

الذخائر والعبقريات

البرقوقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد فهذا مُعْجَمٌ ثقافيٌّ جامعٌ لِشَتَّى ألْوانِ المعاني التي يَتداولُها الناسُ ويتعاورونها بينهم، في شتى أغراضِهم ومَناحيهم، ومُثاقفاتِهم ومحاوراتهم، وسائر أسبابهم؛ ولقد ألقِيَ في روعي أن أقومَ بوضْع هذا المُعجم وتحقيقِه، فكان بعد عونِ الله وتمام توفيقه؛ ولقد أسميته الذخائر والعبقريات ولهذا المُعْجم وتأليفِه قصةٌ: ذلك أنَّ وِزارةَ المعارف المصريةَ كانت قد أعلنت رغبتها مذ سُنيَّاتٍ، في أن يختارَ من يَرْتغب من الأدباء، أيُّما أحبُّ إليه من تلك الطائفةِ من مُؤلفاتِ القُدامى التي وقع عليها اختيارُ القائمينَ بالأمر في الوزارة، كي يهذِّبوها ويجلوها على التلاميذ وأشباه التلاميذ من النَّشْءِ

стр. 2

الشادين جِلْوةً حسنةً تحلو لي بها في أعيُنِهم، وتَطَّبي أهواءَهم، وينتفي بها عنهم ما عسى أن تنبوَ به طباعُهم، وتتجافى أذواقُهم؛ وكان من بين هذه التواليفِ التي اختارَتها الوزارةُ كتابُ (مُحاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء لأبي القاسم حسين بن محمدٍ المشهور بالراغب الأصبهاني) ولما كان هذا الكتابُ من الكتب القيمة بحقٍ في بابه حُبِّب إليَّ باديَ الرأي أن أضرب بسهمٍ، في هذا العمل

стр. 3

الضَّخم، فأعْمِدَ عَمْدَ عيْنٍ إليه، وأحقِّق بذلك ما ترامَت وزارةُ المعارفِ إليه، بيدَ أنّي لما أنعمتُ النظرَ في ذلك الكتاب واستقريتُه رأيتُ من الخيرِ أن يبقى على ما هو عليه، اللهم إلا أنْ يتداركَه أديبٌ ضليع درَّاك، بالضَّبط والشرح والتحرير مما استبدَّ به وطغى عليه وتخوَّنه، من التحريف والتصحيف والأخطاء التي ألوت بمحاسنِه. ولقد تلامحَ لي، بل بدا لَمْحاً باصراً: أن الراغب إنّما وضع هذه المحاضراتِ للمُنتهين، لا للشادين، لأن مختاراتِه تكاد تكون خِداجاً مقتضبةً مبتورةً كأنّها مذكراتٌ، أو رؤوس مسائل أملاها الراغبُ لتكون منبهةً للأديب إذا هو استذكرَ بها ما قد اقْتَرأ، فتداعت الأشباهُ وتجاوبتِ النظائرُ، فطاع له المرادُ فحاور وحاضر وناقل وثاقف، فبذَّ الأقران، فاشرأبَّت إليه الأعناق، وثُنيت به - كما يقال - الخناصرُ؛ ومن هنا لا يكاد ينتفع بمُحاضرات الراغبِ غيرُ أولئك الذين اضطلعوا قبلاً بما فيها كاملاً غير منقوصٍ في مظانِّها

стр. 4

من القرآن الكريم والحديث الشريف، وسائر كتب الأدب واللغة والتاريخ وموسوعات الثقافة العربية في شتّى ألوانها. هذا شيءٌ، وشيءٌ آخر، هو أنّ أبوابَ المحاضراتِ، أو حدودَه، لم ترَقْني، أما تلك العناوينُ الصغيرةُ التي طواها الراغبُ تحت كلِّ بابٍ أو كل حدٍّ فقد راقتني كلَّ الرَّوق، وإن لم ترُق جلالَ الدين السيوطي. . . لهذا كلِّه رغبتُ عن معالجةِ المحاضرات على النحو الذي اقترحته وزارةُ المعارف، وانصرفت نفسي عن ذلك إلى وضع مُعجم حاشدٍ حافلٍ مستقل، يهجم فيه الطالب على طَلِبَتِه، في أي معنى من المعاني موضوعةً على طرف الثُمام وحبلِ الذِّراع، من غير أن يحتاجَ في التنقير عنها إلى الإيجاف والإيضاع. على أنني جعلتُ محاضراتِ الراغبِ مُعوَّلي الأوّلَ في هذا المِشوار،

стр. 5

الكثيرِ العثارِ، ومنهلي العذبَ الذي إليه الإيراد ومنه الإصدار، وعُمدتي في لمِّ شمل الأشباه والنظائر، وكل ما كان من المعاني قد وَشَّجَته القراباتُ والأواصر ولقد تخيرت من المحاضرات سُويداواتِ القلوب وأناسِيَّ العيون، وضممتُ إليها أولاتِ الأرحام مما أغفله الراغب وأثبتَه الآخرون، مثل ابن قتيبة في عيون الأخبار، وابن عبد ربّه في العقد الفريد، وأبي هلال العسكري في ديوان المعاني والنويري في نهاية الأرب، وفلان، وفلان، ولم أجتزئ بذلك، بل زدتُ خيرَ ما أترسّمه مما قرأت وادَّارست طوالَ هذا الدَّهر، فترى خير ما في الكامل للمبرِّد، والأماليّ لأبي عليٍّ القاليّ، وما لا يكاد يُحصى من الدّواوين والأسفار، وما خلّفه لنا الأوائلُ والأواخرُ من عبقريِّ الآثار. وبعد فليسمح لي القارئُ في أن أزيدَه علماً بكُنْه هذا المُعْجمِ وحقيقةِ الطريقةِ التي اتّبعتها، والجهودِ الجاهدةِ التي بذلْتُها، والملاحظاتِ التي يصحُّ أن تلاحظَ عليه، والنقدِ الذي ربّما يوجّه إليه؛ فإنّي بما أعتملُ جدّ بصير. . . وأوّل ذلك وأوْلاهُ بالإشادة والتنويه: أنّي أودعتُ هذا المعجمَ، كما أسلفت؛ خير ما في محاضراتِ الأدباء للراغب، حتى لَيَصحُّ أن يطلق عليه

стр. 6

مُختارات المحاضرات وإن كان في هذا الإطلاق بعضُ الظلم للذخائر والعبقريات لأنّها في الواقع مختار المحاضرات وغير المحاضرات، وإيّاك والظنَّ أن هذا العمل وحده هَيْنٌ لَيْنٌ، فقد علمت أنّ المحاضراتِ لقد طغى عليها التحريف والتصحيف إلى حدّ أنَّ كل حرف، فضلاً عن كل كلمة، من آيةٍ كريمة، أو حديثٍ شريف، أو بيتٍ من الشعر، أو كلمةٍ مأثورة، لا بدَّ أن أحقِّقَه بالرجوع إلى مصادره المختلفة حتى يستقيمَ ويقرّ به القرار، وإذ ذاك أُلقي عصا التسيارِ، إذ تقرُّ عيني كما قرَّ عيناً بالإياب المسافر. . . يَجيء بعد ذلك أنّي كلّما رأيتُ الراغبَ يورد في أيّ باب من الأبواب أثراً من آثارهم، أكان من المنظوم أم من المنثور، فزعت إلى مظانِّه، فأكملتُ ما لا بدَّ من إكماله، وزدت ما استحسن زيادته، من كل ما قد يعلق بالذاكرة، أو أتَعثَّر عليه في أثناء مُطالعاتي ومُراجعاتي. أمّا أبوابُ هذا المعجم فقد عَدَلْتُ بها وانحرفت لا عن أبواب المحاضرات فحسب، بل عنها وعن سائر ما كان على غرارِ المحاضراتِ من سائر الموسوعات، وأنتَ إذا تصفَّحت الذخائر والعبقريات بدا لك أنّي ابتكرت طريقة مُثلى في تبويبها، فقد جهدت جَهْدي أن تكون الأبواب متجانسةً متجاوبةً، ومن ثمَّ كسرْتُ هذا المعجم عل كتب وطويت الكتب على أبوابٍ وأدرجت في كل باب سائرَ المعاني المتشابكة الأرحام. . . أمّا عناوينُ المعاني فقد انتفعت بعناوين الراغب كلَّ الانتفاع، فحذوتُ على حَذْوها بعدَ شيءٍ من التصرُّف والتحويرِ والزيادةِ في أكثر العناوين.

стр. 7

يأتي بعد كل أولئك أنّي امتزت عن الراغب وغير الراغب بعملين عظيمين، فأمّا أوّلُهما فهو شرح كل ما يجمل شرحه من العبقريات، وقد يلاحظ أني تبسطت في الشرح - في كثير من المواضع - إلى الحدِّ الذي قد ينكره الخاصة، ولكن يجمل أن يلاحظ كذلك أنّي وضعت هذا المعجمَ للخاصةِ وغير الخاصة، أي لكلّ قارئ، على أنّ هذه الشروح هي الأخرى لونٌ من ألون الأدب والثقافة، وقلّما تخلو من الفوائد والعوائد. . . وعلى أن هناك من العبقريات - كبعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة والحكم والمواعظ، وبعض الألفاظ المتداولة - ما حرَّفه السوادُ الأعظمُ عن مواضعه وجهلوا مغزاه الذي يَغزوه قائلوه، فكان لا مندوحةَ عن تبيانِ معناه، وفي هذا علاوةً على ذلك امتثالٌ لقول سيدنا رسول الله: (يحمل هذا العلم من كل خلف عُدوله، ينفون عنه تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين). . . وأما العمل الآخر فهو تصدير كل باب بكلمة أكشف بها المراد بما عقد له هذا الباب، وذلك كقولنا على البر والتقوى، وعلى الصبر، وعلى الشكر، وهكذا وهكذا. . . وهذا عملٌ له قيمته التي ما منها بُدٌّ. ومما امتاز به هذا المُعجم أنّي لم أقتصر على إيراد العبقريات من الأقوال

стр. 8

وإنّما عرضت فيما عرضتُ لترجمةِ بعضِ العبقريين الذين نَبغوا في معنًى من المعاني، مثل القاضي أحمد بن أبي داود، تلك الشخصية الضَّخمة التي خُلّدت آثارُها في اصطناعِ المعروف والإحسان إلى الناس، وإن كنتُ أوجزتُ القولَ في ذلك كلَّ الإيجاز، وكذلك عرضتُ للتعريفِ بالشُّعراء والعلماء والزُّهّاد والحكماء الذين أوردتُ في هذا المُعجمِ عبقريّاتِهم، وإن كان ذلك في أجزأ قولٍ، وقد يُلاحظ أني أغفلت التعريفَ بكثيرٍ من القائلين، كما أغفلتُ في بعض المواضع شرحَ كثيرٍ من أقوالهم، وذلك إمّا لأنّي عرّفت من يجب أن يُعرّف وشرحت ما يجملُ أن يشرحَ في مواضعَ أخرى، وإمّا حدث ذلك سهواً وغفلة، وقد يحدث - وذلك في الندرة - أن يكون الإغفال - ولاسيّما إغفالُ التعريف بالرجال - لأني لم أوَفَّق إلى التعرّف عليهم. . . هذا وكانت النيّة أن أتوسعَ في إيراد عبقرياتِ المعاصرين، ولكنّي اقتصدتُ في ذلك كلَّ الاقتصاد، لأنَّ هذا المعجم من ناحيةٍ ليس كتابَ مختاراتٍ بالمعنى المعروف وإنّما هو معجمُ معانٍ، وإن كنتُ قد عملتُ ما وجدت إلى ذلك السبيل على أن يكونَ كتابَ مطالعةٍ بجانب أنه كتابُ مراجعة، ومن ناحيةٍ خشيت أن أُتّهمَ بما أنا براءٌ منه في الواقع إذا أنا أوردتُ المختارَ من عبقريّات بعض المعاصرين دون بعض، على أن آثار المعاصرين كثيرةُ التّداول بين قُرَّاء هذا الجيل، ومن هنا أوردتُ فيه بعضَ عبقريات المعاصرين ممن استأثر اللهُ بهم، وأوردتُ أيضاً ما استحسنت إيرادَه مما نقل إلى العربية من اللّغات الأجنبية، وبخاصة ما نُشر قديماً في مجلة البيان التي كنت أقوم

стр. 9

بإخراجها من سنة ١٩١١ إلى نهاية سنة ١٩٢١ ميلادية؛ وكذلك وقع اختياري على البارع كل البراعة من الكلمات الطويلة بعض الطول لبعض العبقريين من الغابرين، وإن كان ذلك في النادر الذي لا يؤبَه له، لنُدرته، وإن كنت كذلك حذفتُ مما اخترت من هذا الضرب كثيراً من الفضول. أما تسميةُ هذا المُعجم الذخائر والعبقريات فلهذه التسمية مغزًى أغزوه، أمّا العبقرياتُ فإني أريد بها - كما هو واضحٌ - كلماتِهم القصيرةَ المأثورةَ المتفوقةَ في معناها، على أنّي لم آلُ جهداً في تخيُّر العبقريّ في معناه ومبناه معاً؛ وأمّا الذخائرُ فإني لم أقتصر في هذا المعجم على اختيار نوابغ الكَلِم، وإنّما قد تُلْجِئُ الحال إلى أن أشعشعَه كما تشعشع الراحُ، بالماءِ القراحِ فأورد بعضَ المباحث اللغوية والعلمية، على شريطة أن تكونَ بجانب مكانتها الرفيعة في بابها جميلةً مستطرفةً مُحذفةً قصيرةً متجردةً من الأذناب والفضول، كبعض كلمات بارعة لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ تراها مبعثرةً ههنا وههنا في كتابه الحيوان، مثل كلامه على الخصاء والخصيان، وكلامه على العين وأفعالها في المَعين، وكبعض كلماتٍ كذلك لغيره. . . وأمثالٍ لهذا كثيرة، على أنّ كلا الحرفين - الذخائر والعبقريات - مما يصح أن يوضعَ موضعَ الآخر، فيطلق على كلِّ ما يؤثر ويُذخر لنفاسته، سواءٌ أكانَ من الكلمات أم من الموضوعات، فكلُّ عبقريّ من القول هو ذخيرةٌ من الذخائر، وكلّ موضوع قيّم هو عبقريٌّ من العبقريات.

стр. 10

وهذا المعجم يقع في زهاءِ عشرةِ أجزاء، كل جزء منها يستوعب ما يُربي على العشرين والثلاثمائة صفحة من هذا القطع، من هذا الورق الذي ترى. . . وبعد فإنّي على هذا الجهد الجاهد لا أُبرِّئُ هذا الكتابَ، من العاب، وهل يصحُّ في الأفهام أن رجلاً يجرّ وراءه نيّفاً وستين سنة، موقرة بكل ما يضعف المُنّة ويوهن القوى، ويعصف بالحيويّة عصفاً، لا تتكاثر هفواتُه وعثراتُه، وتتوافر سقطاتُه وزلاتُه، في عمل مثل هذا يحاوله، وتأليفٍ تتشعب موضوعاتُه ومسائله، وإذا كانت الموسوعات التي منها تخيّرت حساباً فهذا المعجم فذالِكْ، وإذا كانت عبقرياتهم ههنا نظاماً فهي نِثارٌ مبدّدةٌ هنالك، وإذا كان المؤلفون يستظهرون على إخراج مؤلفاتهم في العادة بالوراقين والمصححين فلقد قمتُ وحدي بهذا العمل دونَ الاستعانة بأحد من أولئك. . . على أنّ النقصان، عالقٌ بالإنسان، كان من كان، وإنما الكمال، للحي الذي لا يموت ذي الجلال. . . اللهم إنّي أبرأ إليك من الحول والقوة، اللهم عالم الغيب والشهادة فاطرَ السموات والأرض، يا من لا ينفع ذا الجدِّ منك الجدّ، يا من وعدت الذين هم محسنون بحسن الجزاء وحاش لله أن يخلف

стр. 11

الوعد، سبحانك تبارك اسمك وتعالى جدُّك، أسألك يا من تجيب دعوة الداعي إذا دعاك، أن تهب هذا الكتاب من توفيقك ما يتصل معه برضاك، ويعم الانتفاع به والإفادة منه ما اختلف الملوان، وكرَّ الجديدان. . . ديسمبر سنة ١٩٤١ ذو القعدة سنة ١٣٦٠ عبد الرحمن البرقوقي

стр. 12

الكتاب الأول في الفضائل وصالح الأخلاق والمثل العليا التي يجمل بكل من ينشد السعادةَ في الدّارين أن يجهد جُهْدَه في التحلّي بها وهذا الكتاب مكسور على خمسة عشر باباً بينها جميعاً لحمة نسبٍ وقرابة

стр. 13

الباب الأول في البرِّ والتقوى البرُّ وألوانه قال علماؤنا ما خلاصتُه: إنّ أصل معنى البر: السَّعة، ومنه البَرُّ - بفتح الباء - مقابل البحر، ثم اشتُقّ منه البِرّ بمعنى التوسُّع في فعل الخير، وكلّ فعل مرضيٍّ. . . وهكذا أطلقوه على التوسّع في الإحسان إلى الناس، وهو لُبابُ البرّ؛ وعلى صلة الرحم، وهي عنوان البِرّ؛ وعلى التقوى، وهي جِماع البر، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾، وقال لبيد: وما البِرُّ إلا مُضمراتٌ من التّقى وورد البرُّ في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف وفي شعر العرب مقابلاً للإثم - والإثم: الشرُّ وكل فعل غير مرضيٍ مما يؤثم - قال : ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. واقترانه بالتقوى يدلّ على أن البرّ بسبيلٍ من التقوى، ورُوي أنّ سائلاً سأل المصطفى صلوات الله عليه عن البِرّ والإثم، فقال: (البرُّ ما سكنت إليه نفسُك واطمأنّ به قلبك، والإثمُ ما حاكَ في نفسك وتردَّد في صدرك، وإن أفتاك الناس)، أو كما قال. حاك في نفسك: أي أثر فيها ورسخ وحزَّ

стр. 14

وقدح، وقوله: وإن أفتاك الناس: أي وإن جعلوا لك فيه رخصة وجوازاً وقال زهير بن أبي سُلمى: والإثمُ مِن شرِّ ما يُصالُ به ... والبِرُّ كالغَيْثِ نَبْتُهُ أَمِرُ ما يُصال به: ما يُفتخر به، وأمِرُ: كثير مبارك ومن أسماء الله البَرُّ - بفتح الباء - ومعناه الواسع الخير، وقوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، فمعناه: لن تنالوا برَّ الله، أي لن تنالوا خيري الدنيا والآخرة حتى تنفقوا مما تحبون، أما خيرُ الدنيا فهو ما ييسره الله للعبد من الهدى والنعمة، وأما خيرُ الآخرة فهو الفوز بالنعيم الدائم في الجنة، أو تقول: لن تنالوا حقيقة البرِّ - أي الخير - حتى تنفقوا مما تحبون. . . والأبرار: الأخيار، جمع بَرّ، وقد قوبلت كلمةُ الأبرار بالفُجّار في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾. وإن الفُجّار لفي جحيم - والفجار: الذين ينبعثون في الشرور والآثام - وحج مبرور: مقبولٌ يُجازى بالبر، أي الثواب، أي خير الآخرة؛ وبَرّ في يمينه أي صدق، أي كان خيّراً فيه بهذا الصدق. وبعد فكل ما أوردوه من معاني البر فإلى الخير مردُّه. . . ولهم في البر مطلقاً، أي الخير غير مقيد بلون من ألوانه، عبقريات وذخائر، فمن ذلك قول الحطيئة: مَنْ يَفْعَلِ الخيرَ لا يَعْدَمْ جوازِيَهُ ... لا يَذْهَبُ العُرفُ بين اللهِ والناسِ جوازيه: جمع جازية اسمُ مصدرٍ للجزاء، كالعافية، أي لا يعدم جزاءً عليه قال أبو عمرو بن العلاء: لم يقل العرب بيتاً قطُّ أصدق من بيت الحطيئة هذا، فقيل له: فقول طرفة بن العبد: سَتُبْدِي لك الأيامُ ما كنتَ جاهلاً ... ويأتيكَ بالأخبارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدِ

стр. 15

فقال: مَن يأتيك بها ممن زودت أكثر، وليس بيت مما قالته الشعراء إلا وفيه مطعن، إلا قول الحطيئة هذا. ويُروى أن كعباً الحِبْرَ - المشهور بكعب الأحبار - لما سمع هذا البيت قال: والذي نفسي بيده: إنّ هذا البيت لمكتوبٌ في التوراة. . . وقال عبيد بن الأبرص: والخيْرُ يَبْقَى وإنْ طالَ الزمانُ به ... والشَّرُّ أخْبَثُ ما أوْعَيْتَ مِن زادِ يقال: أوعيتَ الزادَ والمتاعَ: إذا جعلته في الوعاء. وقال أبو العتاهية: لَيَعْلَمَنَّ الناسُ أنَّ التُّقَى ... والبِرَّ كانا خيرَ ما يُذخَرُ وقبله قال الأخطل - ورواه المبرّد في الكامل للخليل بن أحمد واضع علم العروض -: وإذا افتَقَرْتَ إلى الذّخائرِ لَم تَجِدْ ... ذُخْراً يكون كصالحِ الأعمالِ روى صاحب الأغاني: أن هشام بن عبد الملك لما سمع الأخطل وهو يقول هذا البيت قال: هنيئاً لك أبا مالك هذا الإسلام! فقال الأخطل: يا أمير المؤمنين، ما زلت مسلماً في ديني؛ وقبل هذا البيت في ديوان الأخطل: والناسُ هَمُّهُمُ الحياةُ وما أرَى ... طُولَ الحياةِ يَزيدُ غيرَ خَبالِ الخبال: الفساد، أو هو لون من الجنون. . . وقال أحمد شوقي في نهج البردة: - وهذه الأبياتُ يصحُّ أن تذكر في باب التقوى وفي باب الدّنيا وفي الزهد، كما يصحُّ أن تذكر في هذا الموضع -: يا نفسُ دُنياكِ تُخْفِي كُلَّ مُبْكِيةٍ ... وإنْ بَدَا لكِ منها حُسنُ مُبْتَسمِ فُضِّي بتَقواكِ فاها كلّما ضَحِكَتْ ... كما يُفَضُّ أذَى الرَّقْشاءِ بالثَّرَمِ لا تَحْفِلِي بجنَاها أو جِنايتِها ... الموتُ بالزَّهْرِ مِثلُ الموتِ بالفَحَمِ

стр. 16

صلاحُ أمْرِكَ للأخلاقِ مَرْجِعُهُ ... فقَوِّمِ النفسَ بالأخلاقِ تَسْتَقِمِ والنفْسُ مِن خيْرِها في خيرِ عافيةٍ ... والنفسُ من شرِّها في مَرْتَعٍ وَخِمِ المبتسم: يريد الابتسام، أو موضع الابتسام، وهو الثغر. والرقشاء من الحيّات: المنقطة بالسواد والبياض. وأذى الرقشاء: سُمُّها. والثرم: كسر السن من أصلها. والجنى: ما يُجنى من الشجرة ويقطف من ثمرها، يقول في هذا البيت: إن سعادة الدنيا وشقاءها بمنزلة سواء، وكلاهما ألم غير أن أحد الألمين ينزل بساحة النفس سافراً غير متنكر - وهو جنايتها أي آلامها - والآخر - وهو جناها أي لذاتها - يتسرب إليها من أبواب غفلتها فيتجمل ويخلب حتى ينال منها، إذ أن من ورائه السمّ ناقعاً، فمثلهما في ذلك مثل الموت بالفحم والموت بالزهر، كلاهما موت، وإن كان هذا من أثر الاختناق بأرج الزهر، وذاك من دخن الفحم. والمرتع: من رتعت الماشية: أكلت ما شاءت، والمرتع: مكان الرتوع، والوخم: الرديء الوبيء. وقال المعري: وَلْتَفْعِلِ النَّفسُ الجميلَ لأنَّهُ ... خيْرٌ وَأَحْسَنُ لا لأجْلِ ثَوابِها يقول المعري: إن فعل كل ما هو جميل خير وأحسن من فعل ما ليس بجميل، ولو لم يجن المرء من وراء الجميل وفعله إلا أنه خير وأحسن وأسمى وأرفع؛ لكان في ذلك الغناء كله، أما فعل الجميل ونصب عين فاعله ذلك الثواب الذي سيجازى به، فإن هذا إسفاف بالإنسانية إلى الحضيض الأوهد، ويعد من الأعمال التي يرفعها الله إلى أسفل، وجملة القول: إنه غير لائق بالكمال والمثل الأعلى، أليس من كان هذا شأنهم إنما يتاجرون الله الذي يعلم السر وأخفى، والذي هو جميل يحب الجمال! وسترى في باب التقوى

стр. 17

كثيراً من عبقرياتهم في هذا المعنى - معنى فعل الخير حُباً في الخير، وولوعاً بالحق والجمال والمثالية الكامنة فيه. ومما رُوي لنا من أحاديث سيدنا رسول الله في هذا الباب قوله صلوات الله عليه: (رأيت الجنة والنار فلم أرَ مثل الخير والشر). . . قال ابن الأثير في النهاية: أي لم أر مثلهما لا يميز بينهما فيبالغ في طلب الجنة والهرب من النار. . . أقول: ولعل الأظهر أن يكون المعنى: لم أر شيئاً يكون وصلة إلى دخول الجنة مثل الخير، ولم أر شيئاً يكون سبباً في دخول النار مثل الشر. . . هذا، وإن أبى الملحدون وأشباه الملحدين إلا أن يؤولوا الجنة بأنها الهناءة وغبطة الروح التي يشعر بها الأخيار البررة ويراحون لها في هذه الحياة، والنار بأنها الشقاوة التي يعانيها الأشرار الفجرة، ويتسعر لهيبها في أحناء ضلوعهم، فهم وما يختارون ويحلولي لهم، إذ أن هذا - أي سعادة الخيّر في الدنيا وشقاوة الشرير فيها - حق وصحيح في ذاته، وإن لم يك مراداً لأنبياء الله ورسلِه بالجنة والنار، حين يريدون الجنة والنار بمعناهما المعروف، على أن الإسلام على ذلك يعتد بالسّعادة والشّقاوة في الدنيا كما أنّه يعتد بهما فيما بعد الموت. . . وفي الحديث أيضاً: (خيركم من يُرْجى خيره ويؤمن شرّه، وشرُّكم من لا يُرجى خيرُه ولا يؤمن شرُّه). . . وقال صلوات الله عليه:

стр. 18

(خير الناس خيرُهم لنفسه) ومعناه: إذا جامل الناس جاملوه وإذا أحسن إليهم كافؤوه بمثله وأما الحديث: (خيركم خيركم لأهله)، فهو حث على صلة الرحم، وسيأتي. . . ومما يؤثر من أحاديث سيدنا رسول الله في هذا الباب قوله صلوات الله عليه: (شرُّ الناس من خافه الناس اتقاء شره) ومثل هذا القول تبكيت للشرير، وأنه وإن ظفر بما يظفر به من أغراض هذه الدنيا فهو خاسر دامر وكان من دعاء سيدنا رسول الله: إن الخيرَ بيديكَ والشَّرّ ليس إليك يريد: أنَ الشر لا يُتقرب به إليك ولا يُبتغى به وجهك، أو أن الشر لا يَصعد إليك وإنما يصعد إليك الطيِّب من القول والعمل، كما قال سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾. وفي هذا الدعاء إرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على الله والدعاء، وأن تضاف إليه محاسن الأشياء دون مساويها. . . ومن كلمة لعلي بن أبي طالب: إن للخير والشر أهلاً، فمهما تركتموه منهما كفاكُموه أهلُه يقول ﵁: إنْ عنَّ لك باب من أبواب الخير وتركته فسوف يكفيكَه بعض الناس ممن جعله الله أهلاً للخير، وإن عنَّ لك باب من أبواب الشر فتركتَه فسوف يكفيكَه بعض الناس ممن جعلهم الله أهلاً للشر وأذى الناس، فاختر لنفسك أيما أحبّ إليك: أن تحظى بالمحمدة والثواب وتفعل ما إن تركته فعله غيرُك وحظي بحمده وثوابه، أو أن تتركه، وأيما أحب إليك؛ أن تشقى بالذم عاجلاً والعقاب آجلاً وتفعل ما إن تركته كفاكه غيرك وبلغت غرضك منه على يد غيرك، أو أن تفعله؛ وإذن فجدير بالعاقل أن يؤثر فعل الخير وترك الشر ما وجد إلى ذلك سبيلا. ومن قولهم في أوصاف البَرَرة الأخيار: فلان نقيُّ الساحة من المآثم، بريء الذمة من الجرائم؛ إذا رضي لم يقل غير الصدق، وإذا سخط لم يتجاوز

стр. 19

جانب الحق، يرجع إلى نفس أمارة بالخير، بعيدة عن الشر، مدلولة على سبيل البر. . . ووصف أعرابيٌّ رجلاً بلونٍ من ألوان البِرّ وبالألمعية والذكاء والحصافة والأناة قال: كان - والله - الفهم منه ذا أذنين، والجواب ذا لسانين، لم أرَ أحداً كان أرتقَ لخلل رأيٍ منه، ولا أبعد مسافة رويةٍ ومراد طرفٍ، إنما يرمي بهمته حيث أشار إليه الكرم، وما زال - والله - يتحسى مرارة أخلاق الإخوان ويسقيهم عذوبة أخلاقه. . . كان الفهم منه ذا أذنين: يريد أنه كان يعي ويتفطن لما يرى ويسمع فطنة أوفت على الغاية، إذ أنها فطنة مضاعفة، فكأن له أذنين. أما قوله: والجواب ذا لسانين: فإنما يريد قوة العارضة واللسن، وهذا غير قولهم: فلان ذو وجهين وذو لسانين، يريدون: النفاق والذبذبة. ورتق الفتق: أصلحه، والمراد: المكان من راد يرود: إذا جاء وذهب، ويتحسى: يقال حسا الماء: شربه، وتحساه: إذا شرب في مهلة، وهو هنا مجاز. ومن كلمة لابن المقفع يصف الرجل يتلاقى البِرُّ في برديه بألوانٍ شتى من المثل العليا وأخلاق السادة، في أسلوب بديع - وقد وردت هذه الكلمة في نهج البلاغة منسوبة لعلي بن أبي طالب ﵁: كان لي أخٌ في الله، كان أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجاً من سلطان بطنه؛ فلا يتشهى ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد. وكان خارجاً من سلطان فرجه؛ فلا يدعو إليه مؤنة، ولا يستخف إليه رأياً ولا بدناً، وكان لا يتأثر عند نعمة، ولا يستكين عند مصيبة، وكان خارجاً من سلطان لسانه؛ فلا يتكلم بما لا يعلم ولا يماري فيما علم. وكان خارجاً من سلطان الجهالة؛ فلا يقدم أبداً إلا على ثقة بنفسه، وكان

стр. 20

أكثر دهره صامتاً، فإذا قال بزَّ القائلين، وكان ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جد الجدُّ فهو الليث عادياًً، وكان لا يدخل في دعوى، ولا يشارك في مراءٍ، ولا يدلي بحجة، حتى يرى قاضياً فهماً وشهوداً عدولاً، وكان لا يلوم أحداً فيما يكون العذر في مثله حتى يعلم ما عذره، وكان لا يشكو وجعه إلا عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير صاحباً إلا أن يرجو منه النصيحة وكان لا يتبرم ولا يتسخط، ولا يتشكى ولا يتشهى، ولا ينتقم من العدو ولا يغفل عن الولي، ولا يخص نفسه بشيء دون إخوانه، من اهتمامه وحيلته وقوته. . . فعليك بهذه الأخلاق إن أطقتها، ولن تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع. . . قوله كان لي أخ إلخ. فليس يعني أخاً بعينه ولكن هذا كلام خارج مخرج المثل، وعادة العرب جارية بذلك مثل قولهم في الشعر: فقلت لصاحبي، ويا صاحبيّ: وقوله: فلا يتشهى ما لا يجد، فإن ذلك لعمري من سقوط المروءة. قال الأحنف بن قيس: جنِّبوا مجالسنا ذكر تشهِّي الأطعمة وحديث النكاح، ومن طرف الجاحظ ما رواه عن نفسه: جلسنا في دار فجعلنا نتشهى الأطعمة، فقال واحد: أنا أشتهي سكباجة كثيرة الزعفران، وقال آخر: وأنا أشتهي هريسة كثيرة الدارصيني. . . وإلى جانبنا امرأة بيننا وبينها بئر الدار، فضربت الحائط وقالت: أنا حامل، فأعطوني ملء هذه الغضارة - الصحفة - من طبيخكم، فقال ثمامة بن الأشرس: جارتنا هذه تشم رائحة الأماني! وقوله: وكان ضعيفاً مستضعفاً: يريد: لَيِّن الجانب. موطَّأ الأكناف. . . وقرع رجل باب بعض الخيرين من السلف، في ليل، فقال لجاريته: أبصري من القارع، فأتت الباب فقالت: من ذا؟ قال أنا صديق مولاك، فقال الرجل: قولي له: والله إنك لصديق؟ فقالت له ذلك، فقال:

стр. 21

والله إني لصديق، فنهض الرجل وبيده سيف وكيس يسوق جارية، وفتح الباب وقال: ما شأنك؟ قال: راعني أمر، قال: لا بك ما ساءك، فإني قد قسمت أمرك بين صديق: فهذا المال، وبين عدو: فهذا السيف، أو مشوق: فهذه الجارية. فقال الرجل: لله بلادك، ما رأيت مثلك. . . أقول: هذه لعمري هي أخلاق السادة النبلاء ذوي البر والمروءة والوفاء والحزم والظرف، وكون - وجود - أمثال هؤلاء من ذوي الإنسانية العالية هو الذي يحسن ظننا بالحياة ويجمّلها في أعيننا، ويجعلها محتملة مطاقة، لا كما نرى اليوم. . وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت يصف رجلاً قليل الخير أي لا خير فيه: أبى لك فِعْلَ الخيْرِ رَأْيٌ مُقَصِّرٌ ... ونَفْسٌ أضَاقَ اللهُ بالخير باعَها إذا ما أرادته على الخيرِ مَرَّةً ... عصاها وإن هَمَّتْ بِشَرٍّ أطاعها ومن قولهم في قليل الخير: هُوَ فِي الخيْرِ قَطُوفٌ ... وَهْوَ في الشَّرِّ وَسَاعُ القطوف من الإنسان والحيوان: البطيء المتقارب الخطو، ووساع: واسع الخطو سريع السير ومن قولهم في المتساويين في الخير والشر. هما كفرسي رهان، وهذا في الخير، وأما في الشر فيقال: هما كحماري العبادي. والعبادي: رجل من العباد، وهم قوم من قبائل شتى من بطون العرب اجتمعوا على النصرانية فأنفوا أن يتسموا بالعبيد وقالوا: نحن العباد، وقد نزلوا بالحيرة ومنهم عدي بن زيد العبادي الشاعر المشهور. أما هذا العبادي فيروى أنه قيل له - أي حماريك شرٌّ؟ فقال: هذا، ثم هذا!.

стр. 22

وقال الأشعر الرقبان - وهو شاعر جاهلي من بني أسد - يخاطب ابن عمٍ له يسمى رضوان، يصفه بالشر واللؤم والنذالة والفسولة: بِحَسْبِكَ في القومِ أنْ يَعلَموا ... بأنَّكَ فِيهم غَنيٌّ مُضِرْ وقَدْ عَلِمَ المَعْشَرُ الطارِقُوكَ ... بأنَّكَ للضَّيْفِ جُوعٌ وَقُرْ إذا ما انْتَدى القَوْمُ لمْ تأتِهِم ... كأنَّكَ قَدْ وَلَدَتْكَ الحُمُرْ مَسِيخٌ مَليخٌ كَلَحْمِ الحُوَار ... فَلا أَنْتَ حُلْوٌ ولا أَنْتَ مُرْ قوله: غنيٌّ مُضر، فالمُضِرّ: الذي له ضَرّة من المال، وهي القطعة من المال والإبل والغنم، أو المال الكثير، كما هنا، وانتدى القوم: اجتمعوا في ناديهم، والمسيخ: الذي لا طعم له، والمليخ مثله، وخص به بعض اللغويين الحوار الذي ينحر حين يقع من بطن أمه فلا يوجد له طعم، وقال ابن الأعرابي: المليخ من الرجال: الذي لا تشتهي أن تراه عينك فلا تجالسه ولا تسمع أذنك حديثه، والحوار: ولد الناقة ساعة تضعه. . . ومما يحسن إيراده في هذا الباب للبسته واشتباهه قول عمر ﵁ وقد قيل له: فلان لا يعرف الشر - فقال: ذاك أوقع له فيه، إذ أن معناه: أن لا يكون الإنسان مغفلاً وإنما الواجب الفطنة والحذر وسوء الظن بالناس، لما جبل عليه سوادهم من الشر واللؤم والخداع، وفي معناه يقول حكيم لابنه: استعذ بالله من شرار الناس وكن من خيارهم على حذر. . . وقد كان الفاروق ﵁ لا يقعقع له بالشنان وكان سيئ الظن بالناس، يدل على ذلك شدته وصرامته

стр. 23

وحذره وسياسته الحازمة الرشيدة. . . وبعد فإنك ترى في باب طبائع الإنسان كثيراً من عبقرياتهم في الشر ووصف الأشرار وحكمة امتزاج الخير بالشر في العالم، كما أنه سيمرّ بك قريباً كثير من عبقرياتهم في التقوى وحسن الخلق. . . ومن أروع وأجمع ما قيل في البِرّ على سائر ألوانه قوله جلّ شأنه: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. . . نزلت هذه الآية الكريمة بعد أن أكثر أهل الكتاب من يهود ونصارى، الخوض في أمر القبلة حين حول رسول الله إلى الكعبة، وزعم كل من الفريقين أن البِرَّ هو التوجه إلى قبلته، ففند الله سبحانه هذا الزعم وبهرجه وقال: ليس البر العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البر هو أمر القبلة، ولكن البر الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمّة إليه هو بِرّ من آمن وقام بهذه الأعمال. . . هذا، وقوله. ليس البر أن تولوا فالبرَّ بالنصب خبر ليس مقدم. وأن تولوا مؤول بمصدر اسم ليس مؤخر، وقوله: ولكن البر من آمن: إما مثل قول الخنساء:

стр. 24

فإنّما هي إقبال وإدبار أو تقول؛ ولكن البر: أي ذا البر أو تقول، إنه على حذف مضاف، أي بر من آمن. وقوله سبحانه: والكتاب، يعني جنس كتب الله، أو القرآن. وقوله: على حبه، أي مع حب المال والشح به، وقدم ذوي القربى لأن الإحسان إليهم أفضل، كما ورد في الأثر: صدقتك على المسكين صدقة وعلى ذي رحمك اثنتان، صدقة وصلة، وابن السبيل: المسافر المنقطع، وقيل الضيف: لأن السبيل يرعف به - أي يتقدم به ويبرزه للمقيمين كما يرعف الأنف بدم الرعاف - وقوله: وفي الرقاب: أي وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم وقيل: في شراء الرقاب وإعتاقها، وقيل: في فك الأسارى. وقوله: والموفون بعهدهم: عطف على من آمن وقوله: والصابرين، فهو منصوب على المدح، ولم يعطف، لفضل الصبر على سائر الأعمال، والبأساء، أي في الأموال كالفقر، والضراء، أي في الأنفس كالمرض. وحين البأس: أي وقت مجاهدة العدو. . . أليست هذه الآية الكريمة - كما قال الإمام البيضاوي، وكما ترى - جامعة للكمالات الإنسانية بأسرها، دالة عليها صريحاً أو ضمناً، فإنها على تشعبها منحصرة في ثلاثة أشياء: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة، وتهذيب النفس. وقد أشير إلى الأول بقوله: من آمن

стр. 25

بالله. إلى: والنبيين، وإلى الثاني بقوله: وآتى المال. . إلى: والرقاب، وإلى الثالث بقوله: وأقام الصلاة. . . إلى آخرها. ولذلك وُصِفَ المستجمعُ لها بالصدق، نظراً إلى إيمانه واعتقاده، وبالتقوى اعتباراً بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق سبحانه، ولذلك قال ﵇: (من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان). برُّ الوالدين وصلة الرحم وعبقرياتهم في الآباء والأبناء والأقارب من بابات شتى وإليك شدواً من عبقرياتهم في لون من ألوان البِرّ لقد نراه باديَ الرأي قليل الخطر، وهو عند الله الحق، ولدى إلقاء البال إليه، وإنعام النظر فيه، عظيمٌ كلّ العظم، خطيرٌ كل الخطر، ذلك هو صلةُ الرحم بعامة، وبِرُّ الوالدين بخاصة، ولقد قرن الله بر الوالدين بالتوحيد، وأكثر في كتابه المنزل من الحض على هذا البرِّ بأسلوب يخيل إلى السامع إليه أن برَّ الوالدين ركن من أركان الدين، وأساس من أسس الأخلاق لا يؤبه لسائرها بدونه، وإنه لكذلك، وفي الحق إن هذه الإشادةَ البالغةَ من الإسلام ببرِّ الوالدين وصلة الرحم لممّا يعدُّ من فضائل هذا الدين الحنيف وخصائصه التي يماز بها. فليلقِ أبناء اليوم بالَهم إلى ذلك، وليجعلوه دائماً نصب أعينهم، إن كانوا يريدون الخيرَ لأنفسهم، وإلا فلا يبعد الله إلا من ظلم. . . هذا وستسمع بادئ ذي بدءٍ خيرَ

стр. 26

ما قالوا في هذا اللون من البر، ثم نعقبه بخيرِ ما قالوا في الآباء والأبناء والأقارب، مما يتأشّب إلى هذا المعنى، وينشعب به القول، ولا يخلو بعضه من طرافة، حتى نستوعب المنتقى من كلامهم في كل باب، وحتى يكون فيما يستطرف منه استراحةٌ للقارئ وانتقالٌ ينفي ملل الجِدِّ عنه. . . فمن ذلك ما يقول الله ونتجزأ بهذه الآية الكريمة الجامعة عن سائر الآيات التي يزخَرُ بها كتاب الله في باب البِرّ بالوالدين -: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً، رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً، وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾. . . الآيات. قوله سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾: أي أمر أمراً مقطوعاً به. . . وإنها لكلمة مروِّعة ترجّ النفس رجاً وتزلزل أرجاءها زلزالاً شديداً. ولا جرم أنه كتاب الله الذي أحكمت آياته. أما قوله سبحانه: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾: أي قضى ربك بأن لا تعبدوا إلا إياه؛ لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة ونهاية الإنعام. وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾، أي وقضى بأن تحسنوا بالوالدين إحساناً، وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾، فإما: هي إن الشرطية زيدت عليها ما تأكيداً لها، فكأنه قال: إن يبلغن، وأحدهما فاعل يبلغن، و ﴿أُفٍّ﴾: صوت يدل على التضجر، وعندك: قال الزمخشري: معناه: أن يكبرا ويعجزا ويصيرا كَلاًّ على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما في بيته وكنفه، وذلك أشق عليه وأشد احتمالاً وصبراً، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال الطفولة، فهو مأمور بأن يستعمل معهما وطأة الخلق ولين الجانب

стр. 27

والاحتمال، حتى لا يقول لهما - إذا أضجره ما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤنهما -: أُفٍّ، فضلاً عما يزيد على أفٍّ. . . قال: ولقد بالغ سبحانه في التوصية بهما كما ترى، حيث افتتح الآية بأن شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ونظمهما - التوحيد والإحسان إلى الوالدين - في سلك القضاء - الأمر - بهما معاً، ثم ضيق الأمر في مراعاتهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تنفلت من المتضجر، مع موجبات الضجر ومقتضياته، ومع أحوال لا يكاد يدخل صبر الإنسان معها في الاستطاعة. . . وقوله: ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾: أي لا تنههما عما يتعاطيانه مما لا يعجبك، ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾: أي جميلاً، كما يقتضيه حسن الأدب والنزول على المروءة. وقوله سبحانه: ﴿، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾، قال الإمام الزمخشري: فيه وجهان: أحدهما أن يكون المعنى: واخفض لهما جناحك كما قال: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، فأضافه إلى الذُّلِّ أو الذِّلِّ كما أضيف حاتم إلى الجود، على معنى واخفض لهما جناحك الذليل أو الذلول، والثاني: أن تجعل لذُلِّه أو لِذِلِّه لهما جناحاً خفيضاً كما جعل لبيد - الشاعر المخضرم - للشمال يداً وللقرة زماماً مبالغة في التذلل والتواضع لهما، وقوله سبحانه: ﴿مِنَ الرَّحْمَةِ﴾: أي من فرط رحمتك لهما وعطفك عليهما لكبرهما وافتقارهما إلى من كان أفقر خلق الله إليهما بالأمس،

стр. 28

وعن رسول الله ﷺ : (رضا الله في رضا الوالدين، وسخطه في سخطهما)، ورُوِيَ: يفعل البار ما يشاء أن يفعل فلن يدخل النار، ويفعل العاق ما يشاء أن يفعل فلن يدخل الجنة: وقال رجل لرسول الله صلوات الله عليه: إن أبويَّ بلغا من الكبر أن ألِيَ منهما ما وليا مني في الصغر، فهل قضيتهما حقَّهما؟ قال: لا، فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يحبان بقاءك، وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما: وعن حذيفة: أنه استأذن النبي ﷺ في قتل أبيه وهو في صف المشركين، فقال: دعه يليه غيرك. وسئل الفضيل بن عياض عن برّ الوالدين، فقال: أن لا تقوم إلى خدمتيهما عن كسل، وسئل بعضهم فقال: أن لا ترفع صوتك عليهما، ولا تنظر شزراً إليهما، ولا يريا منك مخالفة في ظاهر ولا باطن، وأن تترحم عليهما ما عاشا، وتدعو لهما إذا ماتا، وتقوم بخدمة أودائهما من بعدهما، فعن النبي ﷺ : (إن من أبرّ البرّ أن يصل الرجلُ أهلَ ودِّ أبيه). . . أما قوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾، فهذا توصية بغير الوالدين من الأقارب بعد التوصية بهما، يقول سبحانه: آتوهم حقهم، وحقهم صلتهم بالمودة والزيارة وحسن المعاشرة والمؤالفة على السراء والضراء والمعاضدة إن كانوا مياسير، وتعهدهم بالمال إن كانوا عاجزين عن الكسب انظر التفصيلات في كتب الفقه وجاء رجل إلى النبي ﷺ وقال: إني أريد الغزو، فقال ﵊: أحيٌّ أبواك؟ قال: نعم، قال: فَفيهما فَجاهِدْ. وسئل الحسنُ البَصْرِيُّ ﵁ عن برِّ الوالدين، فقال: أنْ تَبْذُلَ لهما ما ملكت، وتطيعَهما فيما أمَراك، ما لم يكن معصيةً، وآية ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ

стр. 29

لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾. . . ومما يؤثر من أخبار البَرَرة: ما يقول المأمون بن الرشيد: لم أرَ أحداً أبرَّ من الفضل بن يحيى - البرمكي - بأبيه، بلغ من برِّه به أن يحيى كان لا يتوضأ إلا بماء مُسخّن وهما في السجن، فمنعهما السجان من إدخال الحطب في ليلة باردة، فقام الفضل - حين أخذ يحيى مضجعه - إلى قمقمٍ كان يسخن فيه الماء، فملأه ثم أدناه من المصباح، فلم يزل قائماً وهو في يده حتى أصبح. . . وقيل لعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃: إنك من أبرّ الناس بأمك ولسنا نراك تأكل مع أمك في صحفة، قال: إني أخاف أن تسبقها يدي إلى شيء سبقت عينها إليه فأكونَ قد عققتها. وقيل لعمر بن ذرٍّ - وقد مات ابنه -: كيف كان برُّ ابنك بك؟ قال: ما ماشيته قط نهاراً إلا مشى خلفي، ولا ليلاً إلا مشى أمامي، ولا رقى سطحاً وأنا تحته. ومما يروى في باب العقوق وأحوال العققة: والعقوق ضد البِرِّ،

стр. 30

وأصله من العقِّ وهو الشقّ والقطع، يقال عقَّ الولد والده يَعُقُّه عَقاً وعُقوقاً ومَعَقّةً: إذا شقّ عصا طاعته، وعقَّ والديه: قطعهما ولم يصل رحمَه منهما وقد يُعَمُّ بلفظ العقوق جميعُ الرحم، والولد عاق، والجمع عَققةٌ، مثل كفرة. فمن قولهم في العقوق: العقوق ثُكلُ من لا يَثْكَلُ. . . . . . . . . الثكل الموت والهلاك، وأكثر ما يستعمل في فقدان الرجل والمرأة ولدهما، يعنون أن من ابتلي بولدٍ عاقٍّ فكأنه ثكله وقال بعضهم لابن له عاقٍّ: أنت كالإصبع الزائدة، إن تُركت شانت وإن قُطعت آذت. . . وقيل لأعرابي كيف ابنك؟ - وكان عاقاً - فقال: عذابٌ رَعِفَ به الدهرُ، فليتني قد أودعته القبر، فإنه بلاءٌ لا يقاومه الصبر، وفائدة لا يجب فيها الشكر قوله رَعِفَ به الدهرُ: يريد تقدم به الدهر وعجل. وأورد أبو العباس المبرّد في الكامل هذه الأبيات لامرأة يقال لها أمُّ ثواب الهزّانية، في ابنها - وكان لها عاقاً - وقد اختارها أبو تمام في حماسته: رَبَّيْتُهُ وهُوَ مِثْلُ الفَرْخِ أَعْظَمُهُ ... أُمُّ الطَّعَامِ تَرَى في ريشِه زَغَبَا حَتَّى إذا آضَ كالفُحّالِ شَذَّبَهُ ... أبَّارُهُ ونَفَى عَنْ مَتْنِهِ الكَرَبا أَنْشَا يُخَرِّقُ أثْوابي ويَضْربُني ... أبَعْدَ سِتِّينَ عِنْدِي يَبْتغي الأدبا إنِّي لأُبْصِرُ في تَرْجِيلِ لِمَّتِهِ ... وخَطِّ لِحْيَتِهِ في وَجْهِهِ عَجَبَا قالَتْ لهُ عِرْسُهُ يَوْماً لِتُسْمِعَني ... رِفْقاً فإنَّ لنا في أُمِّنا أرَبا ولوْ رَأتْنيَ في نارٍ مُسَعَّرَةٍ ... مِنَ الجحِيم لزَادَتْ فَوْقَهَا حَطَبَا هذه أبيات من شعر الفطرة، تصف في دِقّةٍ حالَ الابن العاقّ يكون ضَلْعُه وهَواه مع زَوْجه على أمِّه، وكذلك تصف ذلك العداء القديمَ بين الكَنَّةِ

стр. 31

وحَماتِها، وقولها: أعْظَمُه أمُّ الطَّعام، وصف للفرخ، ومعناه: أكبرُ أعضائه أمُّ الطعام: أي معدته، وكذلك قولها: ترى في ريشه زغبا: وصف آخر للفرخ، والزَّغب: أول ما يبدو من ريش الفرخ، تصف ضعف نشأة ابنها، وآض: صارَ، والفُحّال: فحال النخل، أي الذَكرُ منه، وأبّارُه: الذي يصلحه يقال: أبَّرْت النخل: إذا لقَّحتَه، وشذَّبَه: قطع ما عليه من الكرانيف وهي أصول السّعَف الغلاظ التي إذا يَبِسَت صارت أمثال الأكتافِ، ومتنُه: فمتن كل شيء ما ظهر منه، والكرب: ما يبقى من أصول السّعف في النخل تريد: حتى إذا بلغ أشده واستوى طوله، وأنشا: أصله أنشأ، تريد: ابتدأ وأقبل، وقولها: أبعد ستين عندي يبتغي الأدبا، تريد: أن ضربه إياها يريد تأديبها بعد أن بلغت الستين حمقٌ منه وعبث، إذ من العناءِ رياضة الهَرِم، وقولها: إني لأبصر. . . البيت، فاللمة: الشعر الذي يلم بالمنكب، والترجيل: تسريح الشعر تصفه بالحسن والجمال، وعرسه: زوجُه، وأمنا. . . أضافتها إلى نفسها خديعة، وأربا: حاجة، تريد: لا ينبغي لك أن تهينها. . . وقيل لرجل أبطأ في التزوج: لِمَ أبطأت؟ فقال: أريد أن أسبق أولادي في اليُتْم قبل أن يسبقوني في العقوق. . . وأورد المبرِّد أيضاً عن رجل يسمى أبا المِخَشّ حديثاً طريفاً قال: قال أبو المِخَشّ: كانت لِيَ ابنة تجلس معي على المائدة فتُبرز كفَّاً كأنها طَلْعَة، في ذراعٍ كأنَّها جُمّارة، فلا تقعُ عينُها على أُكْلَةٍ نفيسةٍ إلا خصّتني بها

стр. 32

فزوَّجْتُها. . . وصار يجلسُ معي على المائدة ابنٌ لي، فيُبرز كفَّاً كأنها كِرْنافة، في ذِراعٍ كأنه كَرَبة، فواللهِ إن تَسْبَق عيني إلى لُقْمةٍ طيِّبةٍ إلا سبقت يدُه إليها. . . الطلعة في كلام أبي المخشّ هذا جمعها طَلْع، وهو نَورُ النخلة ما دام في الكافور، وهو وعاؤه الذي ينشقّ عنه، والجُمارة: شحمة النخلة التي إذا قطعت قمةُ رأسها ظهرت كأنها قطعة سنام، والكرنافة: طرف الكَرْبَة العريض الذي يتصل بالنخلة كأنه كتف، وقوله: إن تسبق عيني فإن نافية بمعنى ما. وأورد أبو تمام في باب الهجاء من حماسته لأحد الشعراء أبياتاً لها قصة فيها اعتبار لمن أراد أن يعتبر من عَققةِ الأبناء، وإليك هذه القصة والأبيات: كان في زمن عبد الملك بن مروان رجل يسمى مُنازلَ بنَ فرعان، وكان لمُنازلٍ هذا ابنٌ يقال له خليجٌ - وهو من رهط الأحنف بن قيس - فعقَّ خليجٌ أباه مُنازلاً، فقدّمه إلى إبراهيم بن عربيٍّ، والي اليمامة، مستعدياً عليه - وقال: تَظلَّمني حَقِّي خَليجٌ وعَقَّني ... على حِينَِ كانت كالحَنيِّ عِظامي لَعَمْري لقد رَبَّيْتُه فرِحاً به ... فلا يفْرحَنْ بَعْدي امْرُؤٌ بغُلامِ وكيْفَ أُرَجِّي النفعَ منْهُ وأمُّهُ ... حَرَامِيَّةٌ؟ ما غَرَّني بحَرامِ ورَجَّيْتُ منهُ الخيْرَ حينَ استَزَدْتُه ... وما بعضُ ما يزْدادُ غيْرَ غَرامِ

стр. 33

فأراد إبراهيم بن عربيّ ضربه، فقال: أصلح الله الأمير، لا تعجل عليَّ أتعرف هذا؟ قال: لا، قال: هذا مُنازل بن فُرعان، الذي عقَّ أباه، وفيه يقول أبوه: جَزَتْ رَحِمٌ بَيْني وبَيْنَ مُنازلٍ ... جَزاءً كما يَسْتَنْزِلُ الدَّيْنَ طالِبُهْ لَرَبَّيْتُهُ حتّى إذا آضَ شَيْظَماً ... يَكادُ يُساوي غارِبَ الفَحْلِ غارِبُهْ فلمَّا رَآني أُبْصِرُ الشَّخْصَ أَشْخُصاً ... قَريباً وذا الشَّخْصِ البَعيدِ أُقارِبُهْ تَغَمَّدَ حَقِّي ظالِماً ولَوَى يَدِي ... لَوَى يَدَهُ اللهُ الذي هُو غالِبُهْ وكانَ له عِنْدي إذا جاعَ أوْ بَكى ... مِنَ الزَّادِ أحْلَى زادِنا وأطايبُهْ ورَبَّيْتُه حتى إذا ما ترَكْتُه ... أخا القَوْمِ واسْتَغْنَى عن المَسْحِ شارِبُهْ وجَمَّعْتُها دُهْماً جِلاداً كأنها ... أَشَاءُ نخيلٍ لمْ تُقَطَّعْ جَوانِبُهْ

стр. 34

فأخْرَجني منها سَليباً كأنَّني ... حُسَامُ يَمانٍ فارَقَتْهُ مَضارِبُهْ أَإنْ أُرْعِشَتْ كَفَّا أبيكَ وأصْبَحَتْ ... يَدَاكَ يَدَيْ لَيْثٍ فإنَّكَ ضارِبُهْ فقال الوالي: يا هذا، عققت فعُققت، فما لك مثلاً إلا قول خالد لأبي ذؤيب: فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنْتَ سِرْتَها ... فأوَّلُ رَاضِي سِيرَةٍ مَنْ يَسِيرُها قال الإمام التبريزي: وذلك أن أبا ذؤيب هذا كان غلاماً، وكان لرجل صديقةٌ، فكان الرجل يبعث أبا ذؤيب إلى صديقته بالرسائل، فلما ترعرع أبو ذؤيب كسرها على الصديق - يريد أفسدها وأمالها عنه إليه -، ولما ترجل أبو ذؤيب - يريد صار رجلاً - مُنع منها وحجبت عنه وحجب عنها، فكان يبعث خالداً إليها بالرسائل، وخالد يومئذ غلام، فلما ترعرع خالد كسرها على أبي ذؤيب، فقال أبو ذؤيب يعنف المرأة: تُريِدينَ كيْما تجْمَعيني وخالداً ... وهل يُجمَعُ السَّيْفانِ وَيْحَكِ في غِمْدِ وجعل يؤنب خالداً، فقال خالد:

стр. 35

فلا تَجْزَعَنْ مِنْ سِيرَةٍ أَنْتَ سِرتها . . . البيت ولأمية بن أبي الصلت الشاعر الجاهلي أبياتٌ حسانٌ يشكو فيها هو الآخر ابنه الذي عقّه وأساء إليه: وقد اختارها أبو تمام في حماسته قال: غَذَوْتُكَ مَوْلوداً وعُلْتُكَ يافعاً ... تُعَلُّ بمَا أُدْنِي إليْكَ وتُنْهَلُ إذا ليْلةٌ نابَتْكَ بالشَّكوِ لمْ أَبِتْ ... لِشَكْواكَ إلاَّ ساهِراً أتَمَلْمَلُ كأني أنا المَطروقُ دونَكَ بالذي ... طُرقْتَ به دُوني وعَيْنِيَ تَهْمُلُ فلمَّا بلغتَ السِّنَّ والغايةَ الَّتي ... إليْها مَدَى ما كنتُ فِيكَ أؤمِّلُ جَعَلْتَ جزائي مِنْكَ جَبْهاً وغِلْظةً ... كأنكَ أنْتَ المُنعِمُ المُتفَضِّلُ

стр. 36

فليْتَكَ إذْ لمْ تَرْعَ حَقَّ أبُوَّتي ... فعَلْتَ كما الجارُ المجاوِرُ يَفْعَلُ وسَمَّيْتَني باسْمِ المُفَنَّدِ رَأُيُهُ ... وفي رَأْيِكَ التَّفْنيدُ لو كُنتَ تَعْقِلُ تَراهُ مُعِدَّاً للخلافِ كأنَّهُ ... برَدٍّ على أهْل الصوابِ مُوَكَّلُ ومن المستطرف من أقوالهم في الأولاد المتخلفين: ما يروى أن رجلاً بعث ابنه ليشتري حبلاً، فقال له: اجعله عشرين ذراعاً، فقال الولد: في عرض كم؟ قال: في عرض مصيبتي فيك. . . وكان لأبي العباس المبرّد صاحب الكامل ابنٌ متخلف، فقيل له يوماً: غطِّ سوءَتك، فوضع يده على رأس ابنه. . . وقيل لصبي: لم لا تتعلم الأدب؟ فقال: إني أخاف أن أُكذِّبَ والدي، لأنه قال لي: إنك لا تفلح أبداً. . . هذا وكما أن لوالدك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حقٌّ: ومما ورد في ذلك ما جاء في الحديث: (من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه، وأن يُعِفَّه إذا بلغ). أن يحسن أدبه: أن يعنى بتربيته وتهذيبه وتعليمه، وأن يعفه: أي يعمل على أن يكون عفاً عن الحرام فيزوجه. . . وقال حكيم من أدَّب ولده صغيراً، سُرّ به كبيراً، وقالوا: من أدَّب ولده، أرغم حاسده. ومن آداب الإسلام: إذا بلغ أولادكم سبع سنين فمُروهم بالطهارة والصلاة وإذا بلغوا عشراً فاضربوهم عليها، وإذا بلغوا ثلاثة عشر ففرقوا بينهم في المضاجع، ومن كلامهم: لاعِب ابنك سبعاً وعلِّمه سبعاً وجالس به إخوانك

стр. 37

سبعاً يتبين لك أخَلَفٌ هو بعدك أم خَلْفٌ الخَلَف - بفتح اللام: الولد الصالح، والخلْف - بسكونها: الطالح، تقول: أعطاك الله خلَفاً مما ذهب لك ولا تقل خَلْفاً، وتقول أنت خَلْفُ سوء من أبيك، هذا هو الأعرف عند أهل اللغة وقال رجل لأبيه: يا أبتِ، إن عظيم حَقّك عليّ لا يُذهب صغيرَ حقّي عليك، وإن الذي تمُتُّ به إليّ أمُتُّ بمثله إليك، ولست أزعم أنَّا على سواء، ولكن لا يحلُّ الاعتداء. . . وقالوا: إنّ الولدَ البارَّ أبرُّ من الوالد، لأنَّ بِرَّ الوالدين طبيعة، وبِرَّ الولدِ واجبٌ، والواجب أبداً ثقيل، ولعل المتنبي ينظر إلى هذا المعنى إذ يقول: إنَّما أنتَ والِدٌ والأبُ القا ... طعُ أحْنَى من واصِلِ الأولادِ ومما يُستطرف في هذا الباب ما يُروى من احتجاج بعض العَققةِ لعقوقهم: فقد قيل لبعض الفلاسفة: لمَ تعقُّ والديك؟ قال: لأنّهما أخرجاني إلى الكونِ والفساد. . . وضرب رجل أباه، فقيل له: أما عرفت حقَّه؟ قال: لا، لأنّه لم يعرف حقّي، قيل: فما حق الولد على الوالد؟ قال: أن يتخيَّر أمَّه، ويحسن اسمَه، ويختنَه، ويعلمَه القرآنَ، ثم كشف عن عورته فإذا هو أقلف - لم يُختن - وقال: اسمي برغوث. . . ولا أعلم حرفاً من القرآن، وقد استولدني من زنجية. . . فقيل للوالد: احتمله، فإنك تستأهل. . .

стр. 38

وعيَّر رجلٌ ابنَه بأمِّه، فقال الابن: هي والله خيرٌ لي منك، لأنها أحسنت الاختيار فولدتني من حرٍّ، وأنتَ أسأت الاختيارَ فولدتني من أمةٍ. . . وقال رجل لابنه: ما أطيب الثُّكْلَ يا بنيَّ! فقال الابن: اليُتمُ أطيب منه يا أبت! وقيل لبعضهم: أيُّ ولدك أحبُّ إليك؟ قال: صغيرُهم حتى يَكبرَ، ومريضُهم حتى يبرأ، وغائبُهم حتّى يقدَم. . . أقولُ: وإنّما قال صغيرهم حتى يكبر، لأنّ كبيرَ الأولادِ في العادة قلّما يَظفرُ من حبّ أبيه بمثل ما يظفر به الصغير، وقد قالوا في ذلك ما يُبين عن السبب، وهو ما روي أن رجلاً من العرب رأى بنيه يَثِبون على الخيل وقد تنادَوا بالغارةِ، فذهب يرومُ ذلك مرةً وثانية فلَمْ يَقْدِرْ، فقال: من سرَّه بنوه ساءته نفسُه. . . وفي ضِدِّ هذا المعنى يقول أكثمُ بنُ صَيفيٍّ حكيمُ العرب: إنَّ بَنِيَّ صِبْيةٌ صَيْفِيُّونْ ... أفْلَحَ مَن كان له رِبْعِيُّونْ يقال أصافَ الرجلُ يُصيف إصافةً: إذا لم يُولَدْ له حتّى يُسِنَّ ويَكبر وأولادُه صَيْفيّون، والواحدُ صَيْفيٌّ، والرِّبعِيّون: الذين وُلِدوا في حَداثتِه وأوَّل شبابه، ولمّا حَضرتْ سليمانَ بنَ عبد الملك الوفاةُ تمثّل بهذا البيت لأنّه لم يكنْ في أبنائِه مَنْ يقلِّده العَهْدَ بعده، ومعنى ذلك عندهم: أنّ الأولاد الكبار أفضلُ من الصغارِ لدى الوالدِ، ولاسيّما إذا كَبِر. . . وهذا على نقيض قولِ القائل: من سرَّه بَنوهُ ساءته نفسُه، وإن كان لكلٍّ وِجهةٌ هو مولّيها. وناول عمر بن الخطاب رجلاً شيئاً فقال له: خَدمَك بنوك، فقال عمر: بل أغنانا اللهُ عنهم.

стр. 39

وكان يقال: ابنُك ريحانُك سبعاً، وخادمُك سبعاً ثم عدوٌّ أو صديق. . . وفي الأثرِ: ريحُ الولدِ من ريحِ الجنَّة. . . وكان رسول الله يُقبِّل الحسنَ بن علي ﵁ وهو حفيد المصطفى - يوماً، فقال الأقرعُ بن حابس: إن لي عشرةً من الأولاد ما قبّلت واحداً منهم، فقال رسول الله: فما أصنع إن كان اللهُ نزعَ الرحمةَ من قلبك! ويروى عن رسول الله ﷺ : (إذا ماتَ الرجلُ انقطع عمله، إلا من ثلاث، صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له). وقالوا: خيرُ ما أعطي الرجلُ بعد الصِّحَّة والأمن والعقل ولدٌ موافقٌ من زوجةٍ موافقةٍ، ومتعةُ العيشِ بينَ الأهلِ والولدِ وكانتِ العربُ تُسمّي من لا ولدَ له صُنبوراً، والصُّنبور في اللغة: الأبترُ لا عقبَ له ولا أخٌ، فإذا مات انقطع ذكرُه وكان كفار قريشٍ يطلقون على رسول الله: صُنبوراً، فأنزل الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ شانئك: مُبغضك، والأبتر الذي لا عقب له. وقال حكيمٌ في ميّت: إن كان له ولدٌ فهو حيٌّ وإن لم يكن له ولدٌ فهو ميِّتٌ. ومن أمثال العرب: ابنُك ابنُ بُوحك أي ابنُ نفسِك لا من تَبَنَّيْتَه، ومثله: ولدُكِ من دَمَّى عَقِبَيْكِ يعنون: الذي نَفِسْتِ به فأدمى النفاسُ عقبيكِ، أي: ابنك من ولدتِه لا من تبنيته وقيل لحكيم: ما السَّعادة؟ قال: أن يكون للرجل ابنٌ واحدٌ، فقيل له: الواحد يُخشى عليه الموتُ! قال: لَمْ تسألوني عن الشقاوة. . .

стр. 40

وهناك فريقٌ من الناس يذهبون إلى ذمِّ الولدِ وقلَّة جَدْاوه: ومما يُروى في هذا الباب أنه قيلَ لبعض الزهَّاد: هلاَّ تزوَّجْت؟ فربما يكون لك خَلَفٌ؟ فقال: كفى بالتَّزهيد فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، وقوله : ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. . وقالوا: قلة العيال أحدُ اليَسارينِ، وقال المتنبي: وما الدَّهْرُ أَهْلٌ أن يُؤَمَّلَ عنْدَه ... حَيَاةٌ وأن يُشْتاقَ فيه إلى النَّسْلِ هَلِ الوَلدُ المحْبُوبُ إلاَّ تَعِلَّةٌ ... وهلْ خَلْوَةُ الحَسْناءِ إلا أذَى البَعْلِ وقد ذُقْتُ حَلْوَاَء البنينَ على الصِّبَا ... فلا تحْسَبَنِّي قلتُ ما قلت عن جَهْلِ وقال المعرِّي - وهو إمام الساخطين، أو المتشائمين كما يقولون اليوم -: أرَى وُلْدَ الفتى عِبْئاً عليه ... لقدْ سَعِدَ الذي أضْحى عَقيمَا فإمَّا أَنْ يُرَبِّيَهُ عدُوَّاً ... وإمّا أَنْ يُخلِّفَهُ يَتيمَا وإمَّا أنْ يُصادِفَهُ حِمَامٌ ... فيبقى حُزْنُه أبداً مُقيما وبُشِّر الحسن البصريُّ بابنٍ فقال: لا مرحباً بمَن إن كنت غنياً أذهَلَني، وإن كنتُ فقيراً أتْعبني، لا أرضى كدِّي له كدّاً، ولا سَعْيي له في الحياة سعياً، أهتمُّ بفقره بعد وفاتي، حين لا ينالني به سرور، ولا يُهمّه لي حُزْن. وأصحر الحسن يوماً - أي ذهب إلى الصحراء - فرأى صيّاداً فقال: ما أكثرُ
следующие страницы →