Полный текст (628 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
فليْتَكَ إذْ لمْ تَرْعَ حَقَّ أبُوَّتي ... فعَلْتَ كما الجارُ المجاوِرُ يَفْعَلُ
وسَمَّيْتَني باسْمِ المُفَنَّدِ رَأُيُهُ ... وفي رَأْيِكَ التَّفْنيدُ لو كُنتَ تَعْقِلُ
تَراهُ مُعِدَّاً للخلافِ كأنَّهُ ... برَدٍّ على أهْل الصوابِ مُوَكَّلُ
ومن المستطرف من أقوالهم في الأولاد المتخلفين: ما يروى أن رجلاً بعث ابنه ليشتري حبلاً، فقال له: اجعله عشرين ذراعاً، فقال الولد: في عرض كم؟ قال: في عرض مصيبتي فيك. . . وكان لأبي العباس المبرّد صاحب الكامل ابنٌ متخلف، فقيل له يوماً: غطِّ سوءَتك، فوضع يده على رأس ابنه. . . وقيل لصبي: لم لا تتعلم الأدب؟ فقال: إني أخاف أن أُكذِّبَ والدي، لأنه قال لي: إنك لا تفلح أبداً. . .
هذا وكما أن لوالدك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حقٌّ: ومما ورد في ذلك ما جاء في الحديث: (من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه، وأن يُعِفَّه إذا بلغ). أن يحسن أدبه: أن يعنى بتربيته وتهذيبه وتعليمه، وأن يعفه: أي يعمل على أن يكون عفاً عن الحرام فيزوجه. . . وقال حكيم من أدَّب ولده صغيراً، سُرّ به كبيراً، وقالوا: من أدَّب ولده، أرغم حاسده.
ومن آداب الإسلام: إذا بلغ أولادكم سبع سنين فمُروهم بالطهارة والصلاة وإذا بلغوا عشراً فاضربوهم عليها، وإذا بلغوا ثلاثة عشر ففرقوا بينهم في المضاجع، ومن كلامهم: لاعِب ابنك سبعاً وعلِّمه سبعاً وجالس به إخوانك
стр. 37
سبعاً يتبين لك أخَلَفٌ هو بعدك أم خَلْفٌ الخَلَف - بفتح اللام: الولد الصالح، والخلْف - بسكونها: الطالح، تقول: أعطاك الله خلَفاً مما ذهب لك ولا تقل خَلْفاً، وتقول أنت خَلْفُ سوء من أبيك، هذا هو الأعرف عند أهل اللغة وقال رجل لأبيه: يا أبتِ، إن عظيم حَقّك عليّ لا يُذهب صغيرَ حقّي عليك، وإن الذي تمُتُّ به
إليّ أمُتُّ بمثله إليك، ولست أزعم أنَّا على سواء، ولكن لا يحلُّ الاعتداء. . .
وقالوا: إنّ الولدَ البارَّ أبرُّ من الوالد، لأنَّ بِرَّ الوالدين طبيعة، وبِرَّ الولدِ واجبٌ، والواجب أبداً ثقيل، ولعل المتنبي ينظر إلى هذا المعنى إذ يقول:
إنَّما أنتَ والِدٌ والأبُ القا ... طعُ أحْنَى من واصِلِ الأولادِ
ومما يُستطرف في هذا الباب ما يُروى من احتجاج بعض العَققةِ لعقوقهم: فقد قيل لبعض الفلاسفة: لمَ تعقُّ والديك؟ قال: لأنّهما أخرجاني إلى الكونِ والفساد. . . وضرب رجل أباه، فقيل له: أما عرفت حقَّه؟ قال: لا، لأنّه لم يعرف حقّي، قيل: فما حق الولد على الوالد؟ قال: أن يتخيَّر أمَّه، ويحسن اسمَه، ويختنَه، ويعلمَه القرآنَ، ثم كشف عن عورته فإذا هو أقلف - لم يُختن - وقال: اسمي برغوث. . . ولا أعلم حرفاً من القرآن، وقد استولدني من زنجية. . . فقيل للوالد: احتمله، فإنك تستأهل. . .
стр. 38
وعيَّر رجلٌ ابنَه بأمِّه، فقال الابن: هي والله خيرٌ لي منك، لأنها أحسنت الاختيار فولدتني من حرٍّ، وأنتَ أسأت الاختيارَ فولدتني من أمةٍ. . .
وقال رجل لابنه: ما أطيب الثُّكْلَ يا بنيَّ! فقال الابن: اليُتمُ أطيب منه يا أبت! وقيل لبعضهم: أيُّ ولدك أحبُّ إليك؟ قال: صغيرُهم حتى يَكبرَ، ومريضُهم حتى يبرأ، وغائبُهم حتّى يقدَم. . .
أقولُ: وإنّما قال صغيرهم حتى يكبر، لأنّ كبيرَ الأولادِ في العادة قلّما يَظفرُ من حبّ أبيه بمثل ما يظفر به الصغير، وقد قالوا في ذلك ما يُبين عن السبب، وهو ما روي أن رجلاً من العرب رأى بنيه يَثِبون على الخيل وقد تنادَوا بالغارةِ، فذهب يرومُ ذلك مرةً وثانية فلَمْ يَقْدِرْ، فقال: من سرَّه بنوه ساءته نفسُه. . . وفي ضِدِّ هذا المعنى يقول أكثمُ بنُ صَيفيٍّ حكيمُ العرب:
إنَّ بَنِيَّ صِبْيةٌ صَيْفِيُّونْ ... أفْلَحَ مَن كان له رِبْعِيُّونْ
يقال أصافَ الرجلُ يُصيف إصافةً: إذا لم يُولَدْ له حتّى يُسِنَّ ويَكبر وأولادُه صَيْفيّون، والواحدُ صَيْفيٌّ، والرِّبعِيّون: الذين وُلِدوا في حَداثتِه وأوَّل شبابه، ولمّا حَضرتْ سليمانَ بنَ عبد الملك الوفاةُ تمثّل بهذا البيت لأنّه لم يكنْ في أبنائِه مَنْ يقلِّده العَهْدَ بعده، ومعنى ذلك عندهم: أنّ الأولاد الكبار أفضلُ من الصغارِ لدى الوالدِ، ولاسيّما إذا كَبِر. . . وهذا على
نقيض قولِ القائل: من سرَّه بَنوهُ ساءته نفسُه، وإن كان لكلٍّ وِجهةٌ هو مولّيها.
وناول عمر بن الخطاب رجلاً شيئاً فقال له: خَدمَك بنوك، فقال عمر: بل أغنانا اللهُ عنهم.
стр. 39
وكان يقال: ابنُك ريحانُك سبعاً، وخادمُك سبعاً ثم عدوٌّ أو صديق. . . وفي الأثرِ: ريحُ الولدِ من ريحِ الجنَّة. . .
وكان رسول الله يُقبِّل الحسنَ بن علي ﵁ وهو حفيد المصطفى - يوماً، فقال الأقرعُ بن حابس: إن لي عشرةً من الأولاد ما قبّلت واحداً منهم، فقال رسول الله: فما أصنع إن كان اللهُ نزعَ الرحمةَ من قلبك!
ويروى عن رسول الله ﷺ : (إذا ماتَ الرجلُ انقطع عمله، إلا من ثلاث، صدقةٍ جارية، أو علمٍ يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له).
وقالوا: خيرُ ما أعطي الرجلُ بعد الصِّحَّة والأمن والعقل ولدٌ موافقٌ من زوجةٍ موافقةٍ، ومتعةُ العيشِ بينَ الأهلِ والولدِ
وكانتِ العربُ تُسمّي من لا ولدَ له صُنبوراً، والصُّنبور في اللغة: الأبترُ لا عقبَ له ولا أخٌ، فإذا مات انقطع ذكرُه وكان كفار قريشٍ يطلقون على رسول الله: صُنبوراً، فأنزل الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ شانئك: مُبغضك، والأبتر الذي لا عقب له.
وقال حكيمٌ في ميّت: إن كان له ولدٌ فهو حيٌّ وإن لم يكن له ولدٌ فهو ميِّتٌ.
ومن أمثال العرب: ابنُك ابنُ بُوحك أي ابنُ نفسِك لا من تَبَنَّيْتَه، ومثله: ولدُكِ من دَمَّى عَقِبَيْكِ يعنون: الذي نَفِسْتِ به فأدمى النفاسُ عقبيكِ، أي: ابنك من ولدتِه لا من تبنيته وقيل لحكيم: ما السَّعادة؟ قال: أن يكون للرجل ابنٌ واحدٌ، فقيل له: الواحد يُخشى عليه الموتُ! قال: لَمْ تسألوني عن الشقاوة. . .
стр. 40
وهناك فريقٌ من الناس يذهبون إلى ذمِّ الولدِ وقلَّة جَدْاوه: ومما يُروى في هذا الباب أنه قيلَ لبعض الزهَّاد: هلاَّ تزوَّجْت؟ فربما يكون لك خَلَفٌ؟ فقال: كفى بالتَّزهيد فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، وقوله : ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾. . وقالوا: قلة العيال أحدُ اليَسارينِ، وقال المتنبي:
وما الدَّهْرُ أَهْلٌ أن يُؤَمَّلَ عنْدَه ... حَيَاةٌ وأن يُشْتاقَ فيه إلى النَّسْلِ
هَلِ الوَلدُ المحْبُوبُ إلاَّ تَعِلَّةٌ ... وهلْ خَلْوَةُ الحَسْناءِ إلا أذَى البَعْلِ
وقد ذُقْتُ حَلْوَاَء البنينَ على الصِّبَا ... فلا تحْسَبَنِّي قلتُ ما قلت عن جَهْلِ
وقال المعرِّي - وهو إمام الساخطين، أو المتشائمين كما يقولون اليوم -:
أرَى وُلْدَ الفتى عِبْئاً عليه ... لقدْ سَعِدَ الذي أضْحى عَقيمَا
فإمَّا أَنْ يُرَبِّيَهُ عدُوَّاً ... وإمّا أَنْ يُخلِّفَهُ يَتيمَا
وإمَّا أنْ يُصادِفَهُ حِمَامٌ ... فيبقى حُزْنُه أبداً مُقيما
وبُشِّر الحسن البصريُّ بابنٍ فقال: لا مرحباً بمَن إن كنت غنياً أذهَلَني، وإن كنتُ فقيراً أتْعبني، لا أرضى كدِّي له كدّاً، ولا سَعْيي له في الحياة سعياً، أهتمُّ بفقره بعد وفاتي، حين لا ينالني به سرور، ولا يُهمّه لي حُزْن.
وأصحر الحسن يوماً - أي ذهب إلى الصحراء - فرأى صيّاداً فقال: ما أكثرُ
стр. 41
ما يقع في شبكتِك؟ قال: كلُّ طيرٍ زاقٍ أي يَزُقُّ أفراخه أي يطعمها بفيه فقال الحسن: هلك المُعيلون أي الذين لهم عيال كُثْر.
وقال المصطفى ﷺ لأحد ابنَيْ بنتِه: (إنّكم لتُجَبِّنون وإنكم لتُبَخّلون وإنكم لمِنْ ريحانِ الله)، وفي الحديث أيضاً: (الولدُ مَجْبنةٌ مَجْهلةٌ مَبْخلة). . . يقول ﵇: إن الولدَ يحمل أباه على الجُبن، فلا يُجاهد ولا يَشجع، لأنه يحبُّ البقاءَ لأجله، وعلى الجهلِ، بمُلاعبته إيّاه ونُزوله إلى مُستواه، وتركه العقلَ ومقتضاه، أو باشتغاله به عن طلب العلم، وعلى البُخل، لأنّه يُبقي على المال لأجلِه ويبخل به ويَشِحّ.
ومن أحسن ما قيل في الإشفاق على الأولاد: قول حِطَّانَ بنِ المُعلَّى - وهو شاعر إسلامي، وأبياته هذه في الحماسة -:
أنْزَلني الدَّهْرُ على حُكْمِهِ ... مِنَ شامِخٍ عالٍ إلى خَفْضِ
وغالَني الدَّهْرُ بِوَفْرِ الغِنى ... فليْسَ لي مالٌ سِوَى عِرْضِي
أبْكانيَ الدَّهْرُ ويا رُبَّما ... أضْحَكَني الدَّهْرُ بما يُرْضِي
لولا بُنَيَّاتٌ كزُغْبِ القَطَا ... رُدِدْنَ من بَعْضٍ إلى بعضِ
لَكانَ لي مُضْطَرَبٌ واسِعٌ ... في الأرْضِ ذاتِ الطُّولِ والعَرضِ
وإنّما أوْلادُنا بَيْنَنا ... أَكْبادُنا تَمْشي على الأرْضِ
لو هَبَّتِ الرِّيحُ على بَعْضِهمْ ... لامْتنعت عَيْني من الغُمْضِ
أنزلني الدهر على حكمه: أنزله من العزةِ إلى الذلَّة يحكم فيه بما شاء، ومن شامخ: من جبل شاهق طويل في السماء، وإلى خفض: إلى مطمئن من الأرض، وهذا تمثيل. وغالني الدهر: أخذه غيلة من حيث لم يدر، وبوفر
стр. 42
الغنى: يريد: في كثرة ماله، وقوله: فليس لي مال سوى عرضي يريد: لم يبقِ له الدهر شيئاً إلا أتى عليه سوى عرضه فلم ينتقصه. والعرض: قال ابن الأثير: موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن يُنتقص ويُثلب، وقال أبو العباس ثعلب: إذا ذكر عرض فلان فمعناه أموره التي يرتفع أو يسقط من جهتها بحمد أو بذم، فيجوز أن تكون أموراً يوصف هو بها دون أسلافه ويجوز أن تذكر أسلافه لتلحقه النقيصة بعيبهم وقول الشاعر:
وأُدْرِكُ مَيسورَ الغِنَى ومعِي عِرضي
أي أفعالي الجميلة
وقوله: بما يرضي: أي أضحكني أحياناً بما يرضيني. وقوله: كزغب القطا: واحدتها زغباء والذكر أزغب والمصدر الزغب، وهو أوّل ما يبدو من ريش الفرخ، وكذا من شعر الصبي، وقوله: رُدِدن من بعض إلى بعض: تصوير لهيئة تداخل الأفراخ وانضمام بعضهن إلى بعض أول نشأتهن، يصف بناتِه بأنهن ضعاف لا يستطعن القيام بشؤونهن. ومضطرب: أي اضطراب، أي تحرك. وأكبادنا: تمثيل لمعنى الشفقة عليهن، وقد بينها بقوله: لو هبت الريح. . . البيت. . . والغمض بضم الغين: النوم.
ويقول إسحاق بن خلف - من شعراء الدولة العباسية - في بنت أخت له
стр. 43
تسمى أميمة كان حدِباً عليها كلِفاً بها، وهي من أبيات الحماسة:
لولا أمَيْمَةُ لم أجْزَعْ من العَدَمِ ... ولم أَقاسِ الدُّجى في حِنْدِسِ الظُّلَمِ
وزادَني رَغْبَةً في العَيْشِ مَعْرِفتي ... ذُلَّ اليتيمةِ يجفُوها ذَوُو الرَّحِمِ
أُحاذِرُ الفَقْرَ يوْماً أنْ يُلِمَّ بها ... فيَهْتِكَ السِّتْرَ عن لَحْمٍ على وَضَمِ
تَهْوَى حَياتي وأَهْوَى مَوْتَهَا شَفَقاً ... والمَوْتُ أَكْرَمُ نَزَّالٍ على الحُرَمِ
أخْشَى فَظَاظَةَ عَمٍّ أوْ جَفَاَء أَخ ... وَكُنْتُ أُبْقِي عَلَيْهَا مِنْ أَذَى الكَلِمِ
العدم: الفقر، وقوله: فيهتك الستر، فالهتك: جذبك السِّتر تقطعه من موضعه أو تشق منه
جزءاً فيبدو ما وراءَه، وإسناده إلى الفقر مجاز، وقوله عن لحم على وضم، فالوضم: ما وضع عليه اللحم من خشب ونحوه، وكانت العرب في باديتها إذا نُحر بعير لِلحيِّ يقتسمونه، تقلع شجراً وتضع عليه اللحم مقطّعاً يأخذ منه كل شريك قَسْمَه ولم يَعْرِض له أحد، وكانت تضرب المثل في
стр. 44
ضعف النساء وقلة امتناعهن على طُلابهنَّ إلا أن يُذاد عنهنَّ، بذلك اللحم ما دام مع الوضم.
وقوله: شفقاً، أي خيفة، وقد شَفق يَشفَق - بالفتح - وأشفق عليه يُشفِق: خاف، وقوله: والموت أكرم نزّالٍ على الحُرم، فالحرم، جمع حُرمة، وهي عيال الرجل ونساؤه، يريد: أن الموت أكرم ضيف ينزل عليهن، وفي هذا المعنى قولهم. . . دفنُ البنات، من المَكْرمات، وسيمر عليك كلامهم في هذا المعنى في باب النساء، وقوله: وكنت أبقي عليها: من أبقيت عليه: إذا أرعيتَ عليه ورحمته. . . وقال عِمرانُ بنُ حِطّان - وقد كان رأسَ القَعَدِ من الصُّفْريةِ طائفة من الخوارج وكان خطيبهم وشاعرَهم، وهو من التابعين -:
لقدْ زاد الحياةَ إليَّ حُبَّا ... بَنَاتِي أَنَّهُنَّ من الضِّعَافِ
مَخَافَةَ أنْ يَرَيْنَ البُؤْسَ بَعْدِي ... وَأَنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِ
وأنْ يَعْرَيْنَ إنْ كُسيَ الجَوَارِي ... فَتَنْبُو العَيْنُ عَنْ كَرَمٍ عِجَافِ
ولولا ذاك قد سَوّمْتُ مُهري ... وفي الرحمن لِلضُّعَفَاءِ كافِ
أبانا مَنْ لنا إنْ غِبْتَ عَنَّا ... وصارَ الحَيُّ بعدك في اختلافِ
الرنق: الماء الكدر، وكرم: قال ابن سيده وغيره: رجل كرَمٌ: أي كريم، وكذلك الاثنان والجمع والمؤنث تقول: امرأة كَرمٌ ونسوة كَرمٌ لأنه وصف بالمصدر، وعجاف: جمع عجفاء على غير قياس، والعجف: الهُزال وسوّمت مهري: فالخيل المسوّمة: المرسلة وعليها ركبانها، وفي التنزيل العزيز: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، من قولك سوَّمت فلاناً إذا خلّيته وسَوْمَه، أي: وما يريد، وقيل الخيل المسوّمة، هي التي عليها السمة والسومة وهي العلامة.
وقال شاعر جاهلي يمتدح ابنه لبره به، وهي من أبيات الحماسة:
رأيتُ رِبَاطاً حينَ تَمَّ شَبَابُهُ ... وولّى شبابي ليسَ في بِرِّه عَتْبُ
إذا كان أولادُ الرجالِ حَزَازَةً ... فأنتَ الحلالُ الحُلْوُ والبارِدُ العذْبُ
стр. 45
لنا جانِبٌ منه دَمِيثٌ وجانبٌ ... إذا رَامَهُ الأعداءُ مُمْتَنِعٌ صَعْبُ
وتأخُذُهُ عند المكارم هِزّةٌ ... كما اهْتَزَّ تحْتَ البارِحِ الغُصُنُ الرَّطْبُ
قوله ليسَ في بِرِّه عَتْبُ: يريد ليس في بره لَومٌ ولا سخط، وقوله: إذا كان أولاد الرجال حزازة، فالحزازة: وجع في القلب من غيظٍ ونحوه والجمع حزازات، وتروى: إذا كان أولاد الرجال مرارةً، وهي الأنسبُ بقوله فأنت الحلال الحُلو، يكنى به عن الرجل الذي لا ريبة فيه، على المَثَل بالحُلو الحلال مما يُذاق، يصف طيب أخلاقه، وقوله: دميث: أي سهل ليّن، والبارح: الريح تهب من الشمال في الصيف خاصة.
وقال عمرو بن شأس - وهو شاعر فارس شهد مع سيدنا رسول الله الحديبيةَ وكانت امرأته تُؤذي ابنَه عِراراً - وكان من أمة سوداءَ - تعيِّره بالسواد وتشتمُه، فلما أعيَتْ أباه عمراً أنشأ كلمة عدتها عشرون بيتاً اختار منها أبو تمام هذه الأبيات:
أرادَتْ عِرَاراً بالهَوَانِ ومَنْ يُرِدْ ... عِرَاراً لَعَمْري بالهَوانِ فقد ظَلَمْ
فإنْ كنتِ منِّي أو تُريدينَ صُحْبتي ... فكوني له كالسَّمْنِ رُبَّ له الأدَمْ
وإنْ كُنْتِ تَهْوينَ الفِرَاقَ ظَعِينتي ... فكوني له كالذِّئْبِ ضاعَت له الغَنَمْ
وإلاَّ فَسِيري مِثلَ ما سار راكبٌ ... تجشَّمَ خِمْساً ليس في سَيْرِهِ يَتَمْ
وإنَّ عِراراً إن يكُنْ ذا شَكِيمَةٍ ... تُقاسِينَها مِنه فما أمْلِكُ الشِّيَمْ
وإنَّ عِراراً إنْ يكنْ غيرَ واضحٍ ... فإني أحِبُّ الجوْنَ ذا المَنْكِبِ العَمَمْ
قوله: فإن كنت مني: نقل الكلام من الإخبار إلى الخطاب ومعنى فإن كنت مني: فإن كنت توافقينني، من قولهم فلان منّا. أي: يوافقنا. وقال المرصفي: معناه: فإن كنت مثل نفسي سيدة، وقوله أو تريدين صحبتي: أي أو تكونين مثل غيرك في المعيشة لا حظَّ
стр. 46
لها في السيادة، وقوله: فكوني له كالسمن: أي كوني له كالسمن الذي لا يتغير، والرب: خلاصة التمر بعد طبخه وعصره، والأدم: اسم جمع للأديم وهو الجلد المدبوغ، يريد الأسقية التي يجعل فيها الرب. وكانت العرب تدهن وعاء السمن بالرب لتمنع فساده ويزيد في طيب ريحه، فقوله: رُبَّ له الأدم: أي جُعل فيه الرب لئلا يفسد، وقوله وإن كنت تهوين الخ يقول: وإن كنت تؤثرين مفارقتي مصممة على ذلك فكوني له ذئباً أهملت له الغنم يعيث فيها، ويقال لزوج الرجل: ظعينة، وهي مقيمة، والأصل في الظعينة المرأة في هودجها وهي سائرة، وقوله: وإلا فسيري إلخ، فالخِمْسُ: فلاة بعد ماؤها حتى إن الإبل لترده في
اليوم الرابع سوى اليوم الذي شربت فيه وصدرت، واليَتم: الفتور والتقصير والإبطاء، يقول: وإلا فارقيني وسيري سير راكب تكلف ورود الماء للخمس، وقوله: وإن عراراً. . . البيت، فالشكيمة: شدة النفس وإباؤها، والشيمة: الخليقة، وكان عرار هذا حديد القلب ذرب اللسان، يقول: لا اقدر على تغيير خلقه، فإما أن تلائميه على ما تقاسينه من حدته، وإما أن تفارقيني فإنه أحب إليّ منك، وقوله غير واضح: أي غير أبيض: مستعار من وضح الصبح وهو بياضه، والجون هنا: الأسود المشرب حمرة، والمنكب: مجتمع عظم العضد والكتف، يصفه بالقوة والشدة، والعمم: التام قالوا: كان عرار هذا أحد فصحاء العقلاء، توجه عن المهلب بن أبي صفرة إلى الحجاج رسولاً في بعض فتوحه، فلما مثل بين يدي الحجّاج لم يعرفه وازدراه، فلما استنطقه أبان وأعرب ما شاء وبلغ الغاية والمراد في كل ما سأل، فأنشد الحجاج متمثلاً:
أرادت عِراراً بالهَوانِ ومن يُرِدْ ... عِراراَ لَعَمْري بالهوانِ فقدْ ظَلَمْ
стр. 47
فقال عرار: أنا - أيد الله الأمير - عِرار، فأعجب به وبذلك الاتفاق.
صلة الرحم: وبعد فلنورد بعض ما قالوا في صلة الرحم، والرحم في الأصل: موضع تكوين الولد، ثم سميت القرابة رَحماً، فالرحم: خلاف الأجنبي، وقال ابن الأثير: ذوو الرحم: هم الأقارب، ويقع على كل من يجمع بينك وبينه نسب - قرابة - ويطلق في الفرائض - علم المواريث - على الأقارب من جهة النساء. ويقال: رَحِم ورَحْم ورِحْم، وهي مؤنثة، قال زهير ابن أبي سُلمى:
خُذُوا حَظَّكُمْ يا آل عِكْرِمَ واذكرُوا ... أواصِرَنا والرَّحْمُ بالغَيْبِ تُذْكَرُ
ومما ورد في صلة الرحم: قوله جل شأنه: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ أي واتقوا الأرحام أن تقطعوها، وفي قراءة: والأرحام بالخفض، وإذن يكون المعنى: تساءلون به وبالأرحام، وهو قولهم: نشدتك بالله وبالرحم. . .، وقال ﷺ : (الرَّحم شُجْنَةٌ من الله - وفي رواية: من الرحمن - معلقة بالعرش تقول اللهمَّ صِلْ من وصلني واقطع من قطعني). . . قال الجوهري: الشُّجنة بالضم والفتح والكسر: عروق الشجر المشتبكة، و: بيني وبينه شُجنةُ رَحم: أي قرابة مشتبكة، ومن ذا قولهم: الحديثُ ذو شجون: أي ذو شعبٍ وامتساكٍ بعضه ببعض، وعبارة أبي عبيدة في تفسير هذا الحديث: شجنة من
الله: أي قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق، شبهه بذلك مجازاً واتساعاً، وأصل الشجنة. شعبة من غصن
стр. 48
من غصون الشجر ثم استعمل اتساعاً في الرحم المشتبكة وقال عبد الله بن أبي أوفى: كنا مع النبي ﷺ ، فقال: لا يجالسنا قاطع رحم، فقام شاب، فأتى خالةً له، - وكان بينه وبينها شيء - فأخبرها بقول النبي ﷺ ، فاستغفرت له واستغفر لها، ثم رجع والنبي ﷺ في مجلسه فأخبره، فقال النبي: إن الرحمة لا تنزل على قاطع رحم. وفي الحديث: (من أحب أن يبسط له في رزقه، ويُنسأ له في أجله، فليصل رحمه) ينسأ: يؤخر ومنه الحديث. (صلة الرحم مثراة في المال منسأة في الأثر). منسأة: مفعلة من النسء أي مظِنَّة له وموضع، والأثر: الأجل، وفي الحديث: لا تستنسؤوا الشيطان أي إذا أردتم عملاً صالحاً فلا تؤخروه إلى غد ولا تستمهلوا الشيطان، يريد: أن ذلك مهلة مسوّلة من الشيطان. ولعل المراد من تبسيط الرزق ومد العمر: البركة والخير والسعادة ورفاغة العيش، وللعلماء في ذلك كلام كثير راجعه في المطولات. . .
وكان الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم: مَن كان منهم يؤثر أقرباءه بالولايات والعِمالات وإسناد أمور الدولة إليهم، فإنما كان ذلك - بعد كفاية الأقرباء واستحقاقهم - للبر صِرْفاً، أي امتثالاً لأمر الله في وجوب صلة الرحم، ومن كان منهم يؤثر الأجانب ويُقصي الأقارب ويحرمهم أعمالَ الدولة. فإنما كان ذلك للبر أيضاً، إذ كان ذلك إمعاناً في التورع والتأثم وتَركاً لما يريب إلى ما لا يريب. . . وفي ذلك يقول الخليفة عثمان بن عفان ﵁: كان عمر يمنع أقرباءه ابتغاء وجهِ الله، وأنا أعطي قراباتي لوجه الله، ولن يُرى مثلُ عمر. . . فتأمل قوله: ولن يُرى مثل عُمر. . . أي لن يبلغ إنسان مبلغه في
стр. 49
الحزم والسياسة الرشيدة وضبطِ النفس أن تسترسل مع ما يُشبه الهوى. . . يعني أن عمرَ أفضلُ مني، رضي الله عن الجميع. . .
ومما يروى في معنى حث الأقارب على التعاون: أن أكثمَ بنَ صيفيٍّ حكيمَ العرب دعا أولاده عند موته، فاستدعى بضِمامةٍ من السهام أي حزمة منها، لغة في الإضمامة وتقدم إلى كل واحد أن يكسرها، فلم يقدر واحد على كسرها، ثم بددها وتقدم إليهم أن يكسروها، فاستسهلوا كسرها، فقال: كونوا مجتمعين، ليعجز من ناوأكم أي عاداكم عن كسركم، لعجزكم. . . وقال الشاعر في هذا المعنى:
إنَّ القِدَاحَ إذا اجتمعْنَ فرَامَها ... بالكْسرِ ذو حَرْدٍ وبَطْشٍ أَيِّد
عَزَّتْ فلَمْ تُكْسَرْ، وإن هِيَ بُدِّدَتْ ... فالوَهْنُ والتكْسِيرُ لِلمُتَبَدِّدِ
وقال آخر في هذا المعنى:
إذا ما أرادَ اللهُ ذُلَّ قبيلةٍ ... رَمَاها بتشتيتِ الهوى والتَّخاذلِ
وهذا كما يقال في الأقارب يقال في كل جماعة بينهم لحمة تجمعهم، من وطن وغير وطن ومما يروى: أن رجلاً من العرب قتل ابن أخيه، فدفع إلى أخيه ليقتاد منه فلما أهوى بالسيف أرعدت يداه، فألقى السيف من يده وعفا عنه، وقال: - والبيتان في الحماسة -:
стр. 50
أقولُ لِلنفْسِ تَأسَاءً وتَعْزِيةً ... إحْدى يَدَيَّ أصابَتْني ولم تُردِ
كِلاهُما خَلَفٌ مِن فَقْدِ صاحبه ... هذا أخي حينَ أَدْعُوهُ وذا وَلَدِي
وفي مثل هذا المعنى يقول الحارث بن وعلة الذهلي - وهي من أبيات الحماسة -:
قَوْمِي هُمُ قتَلوا، أُمَيْمَ، أخي ... فإذا رَمَيْتُ يُصِيبُني سَهمِي
فلِئنْ عَفَوْتُ لأعْفُوَنْ جَلَلاً ... ولئنْ سَطْوتُ لأُوهِنَنْ عَظْمي
لا تأْمَنَنْ قوْماً ظَلَمْتَهُمُ ... وبَدأْتَهُمْ بالشَّتْمِ والرَّغْمِ
أَنْ يأبِرُوا نخْلاً لِغَيْرِهِمُ ... والشيءُ تَحْقِرُه وقدْ يَنْمي
وزَعَمتُمُ أَنْ لا حُلومَ لنا ... إنّ العصَا قُرِعَتْ لذِي الحِلْمِ
ووَطِئْتَنا وطْأً على حَنَقٍ ... وَطْأ المُقَيَّدِ نابِتَ الهَرْمِ
وترَكْتَنا لَحْماً على وَضَمٍ ... لو كنتَ تَسْتَبْقي من اللّحْمِ
يقول في البيت الأول: قومي - يا أميمة - هم الذين فجعوني بأخي ووتروني فيه، فإذا حاولت الانتصار منهم عاد ذلك بالنكاية في نفسي، لأن عز الرجل بعشيرته. وهذا الكلام تحزّن وتفجّع وليس بإخبار. وقوله: فلئن عفوت. . . البيت. يقول: إن تركت طلب الانتقام منهم صفحت عن أمر عظيم، وإن انتقمت منهم أوهنت عظمي: أي أضعفته، ويقال:
стр. 51
عفوت عن الذنب: إذا صفحت عنه، والسطو: الأخذ بعنف، والجلل: من الأضداد: يكون الصغير ويكون العظيم، وهو المراد ههنا. وقوله: لا تأمنن قوماً. . البيتين، حوّل الكلام عن الإخبار إلى الخطاب متوعداً، والرغم: مصدر رغمت فلاناً: إذا فعلت به ما يرغم أنفه ويذلَّه، وقوله: أن يأبروا: في موضع نصب على البدل من قوماً في البيت الذي قبله، كأنه قال: لا
تأمن أبر قومٍ ظلمتهم نخلاً لغيرهم، يقال: أبَرْتُ النخل وأبَّرْتُه: إذا لقّحته. يقول: إذا ظلمت قوماً فلا تأمنهم أن ينتقموا منك فتشتفي أعداؤك منك. فتكون كمن أصلح أمر غيره، وقال بعضهم: المعنى: إن ظلمتمونا تحولنا عنكم، فلا يكون لكم بعدنا مقام - إقامة - فتتحولون أو يملككم العدو، فيكون ما أبرنا نحن وأنتم، لهم دوننا ودونكم، وقال أبو العلاء المعري: قد اختلف في معنى هذا البيت، فقيل: أراد أنه يفارقهم ويهبط هو وقومه أرضاً ذات نخل كان لغيرهم فيدفعونهم عنه ويأبرونه، كأنه يتهددهم بترحله عنهم، لأن ذلك يؤديهم إلى الذل، واستدلوا على هذا الوجه بقوله في القصيدة:
قوِّضْ خِيامَكَ والْتَمِسْ بلَداً ... يَنْأى عن الغَاشِيكَ بالظُّلْمِ
وقيل: بل يريد أنه يحاربهم فيصلحهم لغيره فيجعلهم كالنخل التي قد أبرت، إذ كان عدوهم ينال غرضه منهم إذا أعانه عليهم، وقيل: بل عنى أنه يسبي نساءهم فتوطأ فيكون ذلك كالإبار الذي هو تلقيح النخل. قال التبريزي: وهذا الوجه أشبه بمذهب العرب مما تقدم، لأنهم يكنون عن النخلة بالمرأة. وقوله: وزعمتم أن لا حلوم لنا: فأكثر ما يستعمل الزعم فيما كان باطلاً أو فيه ارتياب، والحلوم: العقول، وقرع العصا: كناية عن التنبيه،
стр. 52
واختلف في أول من قرعت له العصا، فقيل عمرو بن الظرب العدواني وقيل عمرو بن حممة الدوسي، وخبرهما: أن كل واحد منهما كان حكماً للعرب يتحاكمون إليه في كل معضلة، قالوا: إن العرب أتوا عمرو بن حممة يتحاكمون إليه، فغلط في حكومته - وكان قد أسنَّ - فقالت له ابنته: إنك قد صرت تَهِمُ في حكومتك - أي تغلط - فقال: إذا رأيتِ ذلك منّي فاقرعي العصا، فكان إذا قرعت له العَصا فطن. يقول: زعمتم أنه لا عقول لنا وأننا سفهاء، فإن كان الأمر على ما زعمتم فنبهونا أنتم، وهذا تهكم من الشاعر بهم، وقوله: ووطئتنا. . البيت، فالحنق: الغيظ، والهرم: شجر، أو البقلة الحمقاء - هي التي تسمى الرجلة -، أو ضرب من الحِمْض فيه ملوحة وهو أذلّه وأشدُّه انبساطاً على الأرض واستبطاحاً. . . وفي المثل: أذل من الهرمة، يقول: وأثرت فينا تأثير الحنق الغضبان كما يؤثر البعير المقيد إذا وطئ هذا النبت الضعيف، وخص المقيد لأن وطأته أثقل، لأنه لا يتمكن من وضع قوائمه على حسب إرادته. كما خص الحنق لأن إبقاءه أقل. ومن قول العرب: أعوذ بالله من وطأة الدليل، أي من أن يطأني، لأن وطأته أشد لسوء ملكته، كما قال امرؤ القيس:
فإنّك لم يَفْخَرْ عليكَ كفاخرٍ ... ضعيفٍ ولم يَغْلِبْكَ مثلُ مُغَلَّبِ
وخص النابت وأراد: الحديث النبات، وهو أغض له وأرق، ويروى: يابس الهرم، وقوله وتركتنا لحماً على وضم: فالوضم: الخشبة التي يضع الجزار اللحم عليها يوقى بها اللحم من الأرض، أو تقول: خوان الجزار، وقد تقدم يقول. تركتنا لا دفاع بنا كاللحم على الوضم يتناوله من شاء، ثم قال: لو كنت تستبقي من اللحم، أي لو كنت تترك بقية، قال التبريزي: جعل ذلك مثلاً
стр. 53
لاستفساده لهم وسماحته بهم.
والعرب تقول في العطف على القريب والحمية له وإن لم يكن وادّاً: أنفكَ منكَ وإنْ ذَنَّ وعيصك منك وإن كان أشِباً وقال قائلهم - وهو حريث بن جابر -:
إذا ظُلِمَ المولَى فَزَعتُ لِظُلْمِه ... فحرَّك أحشائِي وهَرَّتْ كِلابِيا
وقيل لأعرابيٍّ: ما تقول في ابن العم؟ فقال عدوّك وعدوّ عدوّك، ولما مات عبادة بن الصامت بكى عليه أخوه أوس بن الصامت، فقيل له: أتبكي عليه وقد كان يريد قتلك؟ فقال: حركني للبكاء عليه ارتكاضنا في بطنٍ، وارتضاعنا من ثديٍ. . . ودخل رجل من أشراف العرب على بعض الملوك، فسأله عن أخيه، فأوقع به يعيبه ويشتمه، وفي المجلس رجل يشنؤه - يبغضه - فشرع معه في القول، فقال له: مهلاً! إني لآكلُ لحمي ولا أدعه لآكلٍ. . . وقال الشاعر - قيل هو زرارة بن سبيع، وقيل نضلة بن خالد، وقيل دودان بن سعد، وكلهم من بني أسد، شعراء جاهليون، والأبيات من الحماسة:
لَعَمْرِي لَرَهْطُ المرءِ خيرُ بَقيَّةٍ ... عليهِ وإنْ عالَوْا به كُلَّ مَرْكَبِ
مِنَ الجانبِ الأقْصى وإن كان ذا غِنىً ... جزيلٍ ولم يُخْبِرْكَ مِثْلُ مُجَرِّبِ
стр. 54
إذا كُنتَ في قومٍ عِدًى لستَ مِنْهُمُ ... فكلْ ما عُلِفْتَ مِنْ خَبيثٍ وطَيِّبِ
عالوا به يريد: علوا به، كل مركب: صعب أو ذلول، يريد: وإن حمّلوه ما لا يستطيع، ومن الجانب الأقصى، يريد: من الحيِّ الأبعد، وقوله: ولم تك منهم، يروى:
إذا كنت في قوم عِديً لستَ منهم
وعِدًى بالكسر: غرباء، فأما قوم عدى فقد ورد فيها الضم والكسر وقوله: فكل ما علفت: فهذا مثل، يريد به: المسالمة والمداراة، ويروى للشاعر بعد هذا البيت:
فإنْ حَدَّثتك النفسُ أنّك قادِرٌ ... على ما حَوَتْ أَيْدِي الرجالِ فكَذِّبِ
وقديماً أكثروا من شكوى الأقارب: من جهة أنهم بحكم تجاورهم وقرابتهم أدنى إلى الحسد والعداوة، فقالوا: الأقارب عقارب وأمتُّهم بك رَحِماً أشدُّهم بك لَدْغا، وقال بعض حكماء العجم: ثلاث لا يستصلح فسادهم بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في الملوك. . . ولذلك شكوا من أن عداوة الأقارب أشد على النفس من عداوة الأباعد فقالوا: - والقائل طرفة بن العبد -:
وَظُلمُ ذَوِي القربى أشَدُّ مَضاضةً ... على المرءِ مِنْ وَقْعِ الحُسامِ المُهنَّدِ
وقال الشريف الرّضيّ:
ولِلذُّلِّ بين الأقربينَ مَضاضةٌ ... والذُّلُّ ما بينَ الأباعدِ أرْوَحُ
وإذا أتَتْكَ مِن الرجالِ قَوَارِصٌ ... فسِهامُ ذِي القُربى القريبةِ أجْرَحُ
فمنهم من يحلم ويبقى على مقتضيات القرابة، ويتجافى عن ذنوب
стр. 55
أقربائه على الرغم من عدائهم، فيقولون - والقائل محمد بن عبد الله الأزدي - صحابي جليل - وهذه الأبيات في الحماسة -:
ولا أدْفَعُ ابنَ العَمِّ يَمْشي على شَفاً ... وإن بَلَغَتْني مِن أذَاهُ الجنَادِعُ
ولكن أُواسِيهِ وأنسَى ذُنُوبَه ... لِتَرْجِعَهُ يوماً إليَّ الرَّواجِعُ
وحَسْبُك مِن ذُلٍّ وسوءِ صنيعةٍ ... مناواةُ ذي القُربى وإن قيل قاطِعُ
الشفا: حرف الشيء وحدُّه، مثل الشفير، وقد أشفى على الهلاك: أشرف والجنادع في الأصل - كما قال أبو حنيفة الدينوري -: الجنادب الصغيرة، وجنادب الضب: دواب أصغر من القردان تكون عند جُحره، فإذا بدت هي عُلِم أن الضبَّ خارجٌ فيقال حينئذ: بدت جنادِعُه، ثم قيل لأوائل الشر: بدت جنادِعُه، يقول الشاعر: لا أدفعه يمشي على حد الهلاك وإن بالغ في الإساءة، والمناواة: المعاداة، وأصله الهمز يقال: ناوأه مناوأة: أي عاداه، وقوله: وإن قيل قاطع: يريد: وإن قيل في ذي القربى إنه قاطع لرحمه فلا يحملنك ذلك على مناوأته، وقال الفضل بن العباس ابن عتبة بن أبي لهب:
مَهْلاً بَنْي عمِّنا مهْلاً موَالينا ... لا تنْبِشُوا بَيْنَنَا ما كان مَدْفونا
لا تَطْمَعُوا أَنْ تُهِينُونا ونُكْرِمَكُمْ ... وَأَنْ نَكُفَّ الأذى عنكم وتُؤْذُونا
مهْلاً بني عمِّنا مِنْ نَحْتِ أَثْلَتِنا ... سِيرُوا رُوَيْداً كما كُنْتُمْ تسيرونا
اللهُ يعْلَمُ أَنَّا لا نُحِبُّكُمُ ... ولا نَلومُكُمُ إنْ لم تُحبّونا
كلٌّ له نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحبِه ... بنعمةِ اللهِ نَقْليكمْ وتَقْلونا
مهلاً: يريد: رفقاً وسكوناً لا تعجلوا، ويريد ببني عمه: بني أمية، وقد كان في صدورهم أحقاد، وقوله لا تنبشوا: يريد لا تستخرجوا ما كان بيننا
стр. 56
من العداوة مدفوناً في الصدور، وقوله: من نحت أثلتنا، فالأثلة: واحد الأثل وهو من العضاه شجر طوال مستقيم الخشب ومنه تصنع الأقداح والجفان ونحتها: قشرها أو نشرها، يريد: مهلاً بني عمنا في إظهار المثالب والمعايب التي تلصقونها بنا، وقوله: كل له نية الخ يريد: إنا وإياكم لعلى طرفي نقيض نحن نبغضكم لاغتصابكم الملك واستيلائكم على أموال المسلمين وأنتم تبغضوننا على قرابتنا من النبي صلوات الله عليه، وقلاه يقليه قلى: أبغضه، وقد حذف نون الرفع من تقلونا ضرورة.
وقال ذو الأصبع العدواني:
لولا أواصرُ قُرْبى لَسْتَ تَحْفَظُهَا ... ورَهْبَةُ اللهِ في موْلىً يُعَاديني
إذَنْ بَرَيْتُكَ بَرْياً لا انْجِبَارَ لهُ ... إنِّي رَأَيْتُكَ لا تَنْفَكُّ تَبْرِيني
ومنهم من اضطُرّ إلى الانتقام من أقاربه: أو ممّن تربطه بهم آصرةٌ ما ثم تأسّف، فقال قيس بن زهير في ذلك:
شَفَيْتُ النَّفْسَ من حَمَلِ بن بَدرٍ ... وسَيْفي مِنْ حُذَيْفَةَ قَدْ شفَانِي
قتَلتُ بإخْوَتي ساداتِ قَوْمي ... وقد كانوا لنا حَلْيَ الزَّمانِ
فإنْ أَكُ قَدْ برَدْتُ بهم غَليلي ... فلم أقطَع بِهِمْ إلاَّ بَنَانِي
وقال النّميريّ:
فإنَّكَ حِينَ تَبْلُغُهُمْ أَذاةٌ ... وإن ظَلَمُوا لَمُحْترِقُ الضّميرِ
стр. 57
وقال المتنبي في ذلك:
وكيف يَتِمُّ بأسُكَ في أُناسٍ ... تُصِيبُهمُ فَيُؤْلِمُكَ المُصَابُ
وقال البحتريّ من قصيدةٍ له يمدح بها المتوكل على الله العباسي ويذكر صلحَ بني تغلب -:
وفِرسانِ هَيْجاءٍ تَجِيشُ صدُورُها ... بأحقادها حتى تضيقَ دُرُوعُها
تُقتِّلُ من وِتْرٍ أعَزَّ نُفوسِها ... عليها بأيْدٍ ما تكادُ تُطيعها
إذا احْترَبتْ يوْماً ففاضَتْ دِماؤُها ... تَذكَّرَتِ القُرْبى ففاضتْ دموعُها
وقال سيدنا علي كرم الله وجهه - حين تصفح القتلى يوم الجمل: شفيت نفسي، وجدعت أنفي - وسيمر بك هذا الكلام بتمامه في موضع آخر من هذا الكتاب. . . ومنهم من يركب رأسه ويُخِبُّ في عداء أقاربه خبّاً ولا يُبالي - وقد قال قائلهم - أوس بنُ حَبْناء التّميمي -:
إذا المَرْءُ أولاك الهَوانَ فأَوْلِه ... هَواناً وإنْ كانَتْ قريباً أواصِرُ
ويبلغ الحمق بهذا الصنف من الناس أن يظاهر الأجنبي على القريب وقد شبه العرب هذا الصنف بذئب السوء قال الفرزدق:
وكُنتَ كذِئبِ السُّوءِ لمَّا رَأى دَماً ... بصاحبِه يَوماً أحالَ على الدَّمِ
وهو معلوم أن الذئب إذا رأى بصاحبِه دماً أقبل عليه ليأكله وإنه لبديهي أن هذا التمالؤ للأجنبي على القريب لا يثمر إلا الضررَ الموبقَ، وقد قال قائلهم في ذلك - وهو أبو يعقوب الخريمي -:
كانوا بني أمٍّ ففَرَّقَ شَمْلَهُم ... عَدمُ العُقولِ وخِفَّةُ الأحْلامِ
стр. 58
وقد ورد في علاج العداء الذي يحدث بين الأقارب: وهو علاج مسكن. . . ولكنه لا علاج غيره - قول أكثم بن صيفي حكيم العرب: تباعدوا في الديار تقاربوا في المودة. . وكتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري: مُرْ ذوي القرابات أن يتزاوروا ولا يتجاوروا. . .
وقال في هذا المعنى وزاد شاعر جاهلي من بني أسد - وكان له ابن عم يترصد له مواقع السوء -:
داوِ ابْنَ عمِّ السُّوءِ بالنَّأيِ والغِنى ... كفَى بالغِنى والنَّأيِ عنهُ مُداوِيا
يَسُلُّ الغِنى والنَّأيُ أدْواَء صَدرِه ... ويُبْدي التَّداني غِلْظَةً وتَقاليا
أعانَ عليَّ الدَّهْرَ إذْ حَكَّ بَرْكهُ ... كفَى الدهْرُ لو وَكَّلْتَهُ بيَ كافِيا
النأي: البعد، والغنى: مصدر غني عن الشيء يغنى: استغنى عنه واطرحه فلم يلتفت إليه، ويسلُّ: ينتزع برفق، وأدواء صدره: أضغانه وأحقاده، والتداني: يريد إظهار التقارب منه، وتقاليا: تباغضا، وحك بركه: فالحك، إمرار جرم على جرْم، والبرك في الأصل: كلكل البعير، وهو صدره الذي يدكُّ به ما تحته، استعاره للدهر، وقوله. كفى الدهر إلخ: يريد:
كفى حدثان الدهر وحده في الإساءة فلا تكونُ إعانته وحادث الدهر معاً عليه.
ومن كلامهم في الإخوة: ما ورد أن رسول الله ﷺ قال: حقُّ كبير الإخوة على صغيرهم كحق الوالد على ولده. . . ويُروى أن إخوةً حضروا عند النبي ﷺ ، فتكلم أصغرهم، فقال ﵇: الكُبْرَ الكُبْرَ. . . الكبر: جمع الأكبر، كأحمر وحُمر: أي ليبدأ الأكبر بالكلام، أو قدموا الأكبر، إرشاداً إلى الأدب في تقديم الأسنّ وقيل لحكيم معه أخ أكبر منه، أهذا أخوك؟ فقال بل أنا أخوه. . .
وكان بين الحسن والحسين ﵄ كلام، فقيل للحسين: ادخُلْ
стр. 59
على أخيك فهو أكبر منك، فقال: إني سمعت جدِّي ﷺ يقول: أيّما اثنين جرى بينهما كلام، فطلب أحدهما رضا الآخر، كان سابقَه إلى الجنة، وأنا أكره أن أسبق أخي الأكبر، فبلغ قوله أخاه، فأتاه عاجلاً وأرضاه. . .
ومما يتصل بالإخوة وينشعب به القول في هذا الباب: ما يُروى في الأخوين يختلفان في النجابة والتخلف والحسن والدمامة، فهذا كيِّسٌ رفيع، وهذا أحمق وضيع؛ وهذا جميل، وهذا دميم، قال الأصمعي: لم يقل أحد في تفضيل أخ على أخ وهما لأبٍ وأمٍ مثل قول ابن المعتز لأخيه صخر:
أبوك أَبي وأنت أخي ولكن ... تفَاضَلَتِ المَناكِبُ والرُّؤُوسُ
وفي هذا المعنى يقول بعضهم:
تفرَّدَ بالعلياء عن أهْل بيتِه ... وكُلٌّ يُهَدِّيه إلى المَجْدِ والدُ
وتختلفُ الأثمارُ في شَجَراتِهَا ... إذا شَرِقَتْ بالماءِ والماءُ واحِدُ
وقال رجل لأخيه: لأهجونك، فقال: كيف تهجوني وأنا أخوك لأبيك وأمك؟ فقال:
غُلامٌ أَتاهُ اللُّؤْمُ مِنْ شَطْرِ نفْسِهِ ... ولم يَأتِه مِنْ شَطْرِ أُمٍّ ولا أبِ
وقال رجل لآخر، وكان هذا الآخر قبيحاً ومعه أخ صبيح: ما أمّك إلا شجرةُ البلوط، تحمل سنة بلوطاً وسنة عَفصاً وفي هذا المعنى يقول آخر:
стр. 60
أمَا رَأيْتَ بَنِي بَدْرٍ وَقدْ خُلِقُوا ... كَأنَّهُم خُبْزُ بَقَّالٍ وَكُتَّابِ
قطيعة الإخوة
ومما جاء في قطيعة الإخوة وتبريرها - والقطيعةُ الهجران، ضِد الصِّلة -: ما روي أنه
قيل لأعرابي: لِمَ تقطع أخاك شقيقَك؟ فقال: أنا أقطع الفاسِدَ من جسدي الذي هو أقرب إليّ منه، فكيف لا أقطعه إذا فسد! وكتب الفضلُ بن سهلٍ الوزير إلى المأمون - الخليفة العباسي -: أما بعد، فإن المخلوع - يريد الأمين أخا المأمون - وإن كان قسيمَ أمير المؤمنين في النسب واللُّحمة، فقد فرَقَ كتابُ الله بينهما فيما اقتصَّ علينا من نبأ نوحٍ، فقال: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، فلا صِلةَ لأحد في معصية الله، ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله، والسلام. . . وقيل لبُزُرْجُمهر: أخوك أحبُّ إليك أم صديقك؟ فقال: إنما أحِبُّ أخي إذا كان صديقاً. ويقال: القرابة محتاجة إلى المودَّة، والمودَّة أقرب الأنساب، والبيت المشهور في هذا:
فإذَا القَرابةُ لا تُقَرِّبُ قاطِعاً ... وإذا المَودَّةُ أَقرَبُ الأنْسابِ
الناس تجاه البنات
وقد كان الأوائلُ تُجاه البنات - وكذلك الناس إلى يومنا هذا - فريقين -: فأمَّا فريقٌ فقد كانوا يُفضِّلونهنَّ ويحنون عليهن، ومن قولهم في ذلك ما يُروى أن مَعْنَ بنَ أوْسٍ المُزَني - شاعر إسلاميٌّ من الفحول -
стр. 61
كان مِئناثاً - وكان له ثمانُ بناتٍ، وكان يحسن صحبتَهنَّ وتربيتَهنَّ، فوُلِدَ لبعض عشيرته بنتٌ، فكرهَها وأظهرَ جَزعاً من ذلك، فقال معن:
رَأَيْتُ رِجَالاً يَكْرَهُونَ بَناتِهِمْ ... وفِيهِنَّ - لا تُكْذَبْ - نِسَاءٌ صَوَالِحُ
وفِيهِنَّ - والأيَّامُ يَعْثُرْنَ بالفتَى - ... عَوائِدُ لا يَمْلَلْنَهُ ونَوَائِحُ
ودخل عمرو بن العاص على معاويةَ وعنده ابنتُه عائشة، فقال: من هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه تفاحةُ القلب، فقال: انبُذْها عنك، قال: ولِمَ؟ قال: لأنَّهنَّ يِلِدْنَ الأعداء، ويقرِّبنَ البُعداء، ويؤرِّثن الضغائِنَ، فقال: لا تقل ذاك يا عمرو، فوالله ما مَرَّض المرضى ولا نَدب الموتى ولا أعان على الأحزان مثلُهن، وإنك لواجدٌ خالاً قد نفعَه بنو أخته؛ فقال له عمرو: ما أعلمك إلا حبَّبتهنَّ إليَّ. . .
وقال بعضهم: البنات حسناتٌ. والبنون نعمٌ، والحسناتُ مُثابٌ عليها، والنعم مسؤول عنها. . .
وأما الفريق الآخر فيكره البنات: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ - كما قال وقديماً قالوا: نِعْم الخَتَنُ القبرُ. . . ودفنُ البنات من المَكْرُمات. .
وما خَتَنٌ فينا أعَفُّ مِنَ القَبْرِ
ونظر أعرابيٌّ إلى بنتٍ تدفن، فقال: نِعم الصهرُ صاهرتم. . . وقال
стр. 62
الحسين بن علي ﵁: والد البنت مُتعب، ووالد بنتين مُثقلٌ، ووالد ثلاث فعلى الناس أن يعينوه. . . وقال الزُّهريُّ: كانوا لا يرون على صاحب ثلاث بنات صدقة ولا جهاداً. . . وكانت العرب لا تأكل طعام صاحب البنات وقد قال قائلهم:
إذا ما المَرْءُ شبَّ له بَنَاتٌ ... عَصَبْنَ برأسِه عَنَتاً وَعَارا
وأد البنات: وناهيك في هذا الباب شُنعةً وسوءَ صنيعةٍ بما كان العرب يفعلون في الجاهلية من وأد البنات. . وما فتئوا إلى أن أرسِل سيِّدُ البشر صلوات الله عليه، فنهى عن ذلك، وأنزل الله عز وتقدس: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ﴾؟ وكثيراً من الآيات في هذا المعنى المفظِع. . . ودخل قيس بن عاصم المِنْقَريُّ - وهو سيِّد أهل الوبر - على النبي ﷺ ، فقال: إني وأدت اثنتي عشرة بنتاً، فما أصنع؟ فقال رسول الله: أعتق عن كل موءودة نسمةً، فقال له أبو بكر ﵁: فما الذي حملك على ذلك وأنت أكثر العرب مالاً؟ فقال: مخافة أن يَنْكِحَهنَّ مثلك، فتبسم رسول الله وقال: هذا سيّد أهل الوبر. . . قال قيس: ما وُلدت لي ابنةٌ إلا وأدتها سوى بنيّةٍ ولدتها أمُّها وأنا في سفر، فلما عدت ذكرت أنّها ولدت ابنة ميّتة. . فأودعتها أخوالها حتى كبرت، فأدخلتها منزلي متزيِّنة،
стр. 63
فاستحسنتها، فقلت: من هذه؟ فقالت: هذه ابنتك، وهي التي أخبرتك أنني ولدتها ميّتةً، فأخذتها ودفنتها حيّةً وهي تصيح وتقول: أتتركني هكذا؟ فلم أعرِّج عليها، فقال ﷺ : من لا يرحم لا يُرحم. .
الخال والخؤولة
بقي بعد ذلك أن نورد شيئاً مما قالوا في الخؤولة والخال: والقول في ذلك ينشعب أيضاً، فقد قالوا في مدح الخال وذمّه، وقالوا في معنى نزاع الولد إلى خاله، فلننتقِ شيئاً مما قالوا في هذه المعاني، فأما قولهم في اعتبار الخؤولة وكونها كالأبوة، فمن ذلك ما يُروى أن الأسود بن وهب خال رسول الله ﷺ استأذن عليه، فبسط ﷺ له رداءه، فقال الأسود: حسبي أن أجلس على ما أنت عليه، فقال ﷺ : اجلس
فإن الخال والدٌ. . . ومن طريف هذا الباب ما يُروى أن الحجاج قال لابن معمر: إنك تزعم أن الحسن والحسين ابنا رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قال: والله لأقتلنك، فقال ابن معمر: أليس الله يقول: ومن ذريته داوود وسليمان، إلى قوله: وزكريا ويحيى وعيسى، وإنما عيسى بن مريم: ابن بنت، فقال نجوت. . . وأما من عدّ الخؤولة ليست من النسب والقرابة، فمن قولهم في ذلك - والقائل ضَمْرَة بن ضمرة بن جابر بن قَطَن - شاعر جاهلي - وقيل غيره -:
إذا كنْتَ في سَعْدٍ وأُمُّكَ مِنْهُمُ ... غريباً فلا يَغْرُرْكَ خالُك منْ سَعْدِ
стр. 64
فإنَّ ابنَ أُخْتِ القومِ مُصْغًى إناؤُه ... إذا لم يُزاحِمْ خالَه بأبٍ جَلْدِ
وتقدَّم شاب إلى عبد الله بن الحسين ﵁ فقال: إن جدي أوصى بثلث ماله لولد ولده، وأنا من ولد بنته، والوصي ليس يعطيني منه، فقال: لا حق لك فيه، أما سمعت قول الشاعر:
بنُونَا بنُو أبْنَائِنَا وبَنَاتُنا ... بَنُوهُنَّ أبْنَاءُ الرِّجالِ الأباعِدِ
يقول: إن بني أبنائنا مثلُ بنينا، أما بنو بناتِنا فليسوا مِنّا وإنما هم أبناء الأجانب، فبنونا خبر مقدم وبنو أبنائنا مبتدأ مؤخر، وهذا البيت لا يعرف قائله على شهرته. قال الإمام العيني: هذا البيت استشهد به النحاة على جواز تقديم الخبر، والفرضيون - علماء المواريث - على دخول أبناء الأبناء في الميراث وأن الانتساب إلى الآباء، والفقهاء كذلك في الوصية، وأهل المعاني والبيان في التشبيه، ولم أر أحداً منهم عزاه إلى قائله.
وقالوا في نزاع الولد إلى خاله:
عليكَ الخالَ إنَّ الخالَ يَسْرِي ... إلى ابْنِ الأُخْتِ بالشَّبَهِ المُبِينِ
وقالوا:
لِكلِّ امْرِئٍ شَكْلٌ يَقَرُّ بعَيْنِه ... وقُرَّةُ عَيْنِ الفَسْلِ أنْ يَصْحَبَ الفَسْلا
وتَعْرِفُ في مَجْدِ امْرِئٍ مَجْدَ خالِهِ ... ويَنْذُلُ أنْ تَلْقَى أَخا أُمِّهِ نَذْلا
стр. 65
الفسل: النذل الذي لا مروءة له ولا جلد وقال رافع بن هريم: - شاعر مخضرم أدرك الإسلام وأسلم، يخاطب بني أخوته -:
فَهَلاَّ عيْرَ عَمِّكُمُ ظَلَمْتُمْ ... إذا ما كنتُمُ مُتَظلِّمِينا
عفاريتاً عليَّ وأكْلِ مَالي ... وَجُبْناً عَنْ رجالٍ آخرينا
ولو كنتُمْ لِمُكْيِسَةٍ أكاسَتْ ... وكَيْسُ الأُمِّ كَيْسٌ للبنينا
ولكن أمُّكُمْ حَمُقَتْ فجئتم ... غِثاثاً ما نرى فيكم سَمِينا
وموضع هذه الأبيات باب إنجاب الأمهات في كتاب النساء وترى نظائر له هناك.
قوله متظلمينا، تقول: تظلمني مالي: أي ظلمني مالي، وما في: إذا ما كنتم: زائدة، والمكيسة: المرأة التي تلد أولاداً أكياساً، وأكاست المرأة: ولدت ولداً كيساً، والكيس: خلاف الحمق، ورجل كيّس: أريب ظريف، وقوله: ولكن أمكم حمقت: أي صارت حمقاء، والغِثاث: جمع غثيث بمعنى مهزول.
مُدَّعُو القرابة البعيدة
ومما يستطرف من محاسنهم في مدّعي القرابة البعيدة: قول رجل لآخر: لست ترعى حقي وبيننا قرابة! فقال: من أين؟ قال: إن أباك كان قد خطب أمي، فلو تمّ الأمر لكُنْتُ أنا أنت. . . فقال: هذه والله رحمٌ ماسة. . . وتعرض رجل لهشام بن عبد الملك وادّعى أنه أخوه، فسأله: من أين ذلك؟ قال: من آدم! فأمر بأن يُعطى درهماً، فقال: لا يعطي مثلك درهماً، فقال هشام: لو قسمت ما في بيت المال على القرابة التي ادّعيتها لم ينلك إلا دون ذلك. . . وفي هذا المعنى - معنى ادعاء القرابة وانتفائها - يقول حسان بن ثابت:
стр. 66
لَعَمْرُكَ إنَّ إِلَّكَ مِنْ قُرَيْشٍ ... كإلِّ السَّقْبِ من رَألِ النعامِ
محاسنهم في الآباء والأبناء والأقارب من بابات شتى
ولنعطف على سائر محاسنهم في الآباء والأبناء والقرابات من بابات شتى: فمن ذلك تفاخرهم بالحسب وكرم المَحْتد، قال عدي بن أرطاة لإياس: دُلّني على قوم من القرّاء أوَلّيهم، فقال: القرّاء ضربان: ضربٌ يعملون للدنيا، فما ظنُّك بهم: وضرب يعملون للآخرة فلا يعملون لك، ولكن عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم. . . وقال زهير بن أبي سلمى:
وما يَكُ مِن خَيْرٍ أَتَوْهُ فإنّما ... توارَثَهُ آباءُ آبائِهم قبلُ
وقال:
وهل يُنْبِتُ الخَطِّيَّ إلاّ وَشِيجُهُ ... وتُغْرَسُ إلا في مَنابتها النخلُ
الخطِّي: الرمح، قال أبو حنيفة الدينوري العالم النباتي الأشهر: الخطِّي: الرماح، وهو نسبة قد جرى مجرى الاسم العلم ونسبته إلى الخطّ، خط البحرين، وإليها ترفأ السفن إذا جاءت من أرض الهند، وليس الخَطّي - الذي هو الرماح - من نبات أرض العرب. وزاد الجوهري: وإنما نسبت إلى الخط لأنها تحمل من بلاد الهند فتقوّم به. ووشيجه: فالوشيج شجر الرماح. . .
ودخل بعض أولاد عبد الله بن الزبير على سليمان بن محمد، فجلس على نُمْرُقةٍ
стр. 67
الوسادة يتكأ عليها فاغتاظ من ذلك وقال: مَن أجلسك ههنا؟ قال: صَفيَّة بنت عبد المطلب: فسكن غضبه. وقال أبو تمام:
نَسَبٌ كأنَّ عليه من شَمْس الضُّحى ... نُوراً وَمِن فلَقِ الصَّباحِ عَمودا
وقالوا فيمن يشبه أباه في علاء ابتناه: شِنْشِنةٌ أعرِفها من أخزم و:
وإنَّ امْرَءاً في الفَضْلِ أشْبَهَ جَدَّهُ ... ووالِدَهُ الأدْنى لَغَيْرُ ظلومِ
وقال أبو تمام فيمن مكارمُه تدلُّ على كرمِ أسلافه:
فُروعٌ لا تَرِفُّ عليْكَ إلا ... شَهِدتَ بها على طِيبِ الأُرومِ
وفي الشَّرَفِ الحديث دليلُ صِدْقٍ ... لِمُخْتَبِرٍ على الشَّرَفِ القديمِ
وقال عامر بن الطفيل في المستغني بنفسه عن حسبه:
إني وإن كنْتُ ابْنَ فارِسِ عامرٍ ... وفي السِّرِّ منها والصَّميمِ المهذَّبِ
فما سوَّدَتْني عامِرٌ عن وِرَاثةٍ ... أبَى اللهُ أنْ أَسْمُو بأُمٍّ ولا أبِ
ولكِنَّني أحْمِي حِماها وأتَّقي ... أذاها وأَرْمِي مَنْ رَماها بمقْنَبِ
стр. 68
وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
لَسْنا وإنْ كَرُمَتْ أَوَائِلُنا ... يوْماً على الأحْسابِ نتَّكِلُ
نَبْني كما كانت أَوَائِلُنا ... تَبْني ونَفْعَل مثْلَ ما فعلوا
وقال المتنبي:
خُذْ ما تراهُ ودَعْ شيْئاً سَمِعْتَ به ... في طَلْعَةِ الشَّمْسِ ما يُغنيكَ عن زُحَلِ
وقال:
لا بِقَوْمي شَرُفْتُ بل شَرُفوا بي ... وبِنَفسي فَخَرْتُ لا بِجُدودي
وما فُضِّل الولد على الوالد بأحسنَ من قول المتنبي:
وإنْ تكن تَغلِبُ الغَلْباءُ عُنْصُرَها ... فإنَّ في الخمرِ مَعْنًى ليس بالعِنَبِ
وقوله أيضاً:
فإنك ماءُ الورْدِ إنْ ذَهَب الوَرْدُ
وقال ابن الرومي فيمن ازداد شرفُ آبائه به:
وَكمْ أَبٍ قدْ عَلاَ بابْنٍ ذُرَا شَرَفٍ ... كما عَلَتْ بِرَسولِ الله عَدنانُ
يَسْمُو الرجالُ بآباءٍ وَآوِنةً ... تَسْمُو الرجالُ بأبناءٍ وتَزْدانُ
وقالوا في أنه لا اعتدادَ بمن شَرُفَ أصله إذا لم يَشْرُفْ بنفسه:
والقائل المعلم الأول أرسطوطاليس -: إذا كان الإنسان خسيس الأبوين شريف النفس، كانت خسة أبويه زائدةً في شرفه، وإذا كان شريف الأبوين خسيس النفس، كان شرف أبويه زائداً في خسته. وقال ابن الرومي:
وما الحَسَبُ الموروثُ لا دَرَّ دَرُّهُ ... بمُحْتَسَبٍ إلا بآخَرَ مُكتَسبْ
إذا العُودُ لم يُثْمِرْ وإن كان شُعْبَةً ... منَ المُثْمِراتِ اعْتَدَّه الناسُ في الحَطَبْ
стр. 69
لا درّ درّه: لا زكا عمله، دعاء عليه أن لا يجعله الله نافعاً.
وقال سقراط - في الاعتذار عمن شرفت نفسه ولم يشرف أصله - وقد عيّره رجل بحسبه: حَسبي مني ابتدأ، وحسبك إليك انتهى. . . وقال قائل في هذا المعنى: لأن يكون الرجل شريف النفس دنيء الأصل، أفضل من أن يكون دنيء النفس شريف الأصل، ألا ترى أن رأس الكلب خير من ذنب الأسد!
ومما يستظرف من اعتذار المتخلفين الأنذال، عن تخلفهم عن آبائهم الأشراف ما روي: أنه قيل لأعرابي: ما أشبهت أباك! فقال: لو أشبه كلُّ رجلٍ أباه كنا كآدم. . . وخطب رجل قصّر عن أبيه إلى رجل رفيع القدر، ابنته، فقال له العظيم: لو كنت مثل أبيك! فقال: لو كنت مثل أبي لم أخطب إليك. . .
ومن محاسنهم في ذمّ من قصّر عن آبائه: قول بعضهم:
لَئِنْ فَخَرْتَ بآبَاءٍ لهم شرَفٌ ... لقد صَدَقْتَ ولكن بِئْسَما وَلَدُوا
وقول أبي تمام:
يا أكرمَ الناسِ آباءً ومُفْتَخَراً ... وألأَمَ الناسِ مَبْلُوّاً ومُخْتَبَرَا
ونظر رجل إلى ابنٍ نذلٍ من أب كريم فقال: سبحان الله من قائل: يخرج الخبيث من الطيب.
وقال شاعر في لئيم النفس كريم الأبوين:
فلا يَعجَبَنَّ الناسُ مِنك ومنهما ... فما خَبَثٌ مِنْ فِضَّةٍ بِعَجِيبِ
الخبث من الحديد والفضة ونحوهما: ما نفاه الكير ولا خير فيه.
стр. 70
وقالوا فيمن يَخْزى من ذكر آبائه: فمن ذلك أن رجلاً سئل عن نسبه، فقال: أنا ابن أخت فلان، فقال أعرابي: الناس ينتسبون طولاً وأنت تنتسب عرضاً.
ومن محاسنهم فيمن لا يعتدُّ بأبيه: قول الأخطل:
وإذا وَضَعْتَ أباكَ في ميزانِهم ... رَجَحوا وشَالَ أبوكَ في الميزانِ
شال الميزان: ارتفعت إحدى كفتيه، ويقال: شال أبوك في الميزان، وهو مثل في المفاخرة يقال: فاخرته فشال ميزانه: أي فخرته بآبائي وغلبته وقال بعض شعراء أصفهان:
تَبَجّحَ بالكتابةِ كُلُّ وَغْدٍ ... فقُبْحاً للكتابةِ والعِمَالَهْ
أرَى الآباَء نِسْبَتُهم جميعاً ... إلى الأبناءِ من فرطِ النذالَهْ
وقالوا في الابن يجاري أباه: العصا من العُصَيّة و: هل تلد الحيّة إلى حُيَيّة. وقال شاعر:
وإنَّ أحَقَّ الناسِ أنْ لا تلومَهُ ... على الشَّرِّ مَنْ لم يفْعَلِ الخيْرَ والِدُهْ
إذا المَرْءُ ألفَى والِدَيهْ كِليْهِما ... على اللُّؤْمِ فَاعْذِرْهُ إذا خابَ رَائِدُهْ
وقالت الخنساء - وقيل لها: ما مدحتِ أخاكِ حتّى هجوتِ أباكِ! فقالت:
جارَى أباه فأقبلا وَهُما ... يتَعاوَرانِ مُلاَءةَ الحُضْرِ
حتّى إذا نَزَتِ القُلوبُ وقد ... لُزَّتْ هُناكَ العُذْرُ بالعُذْرِ
وعَلا هُتافُ النَّاس أيُّهما ... قالَ المُجيب هناك: لا أدري
стр. 71
بَرَزَتْ صحيفةُ وجْهِ والده ... ومَضى على غُلَوائِه يجري
أولى فأولى أن يساويَه ... لولا جَلالُ السِّنِّ والكِبْرِ
وهُما وقد بَرزَا كأنّهما ... صَقْرانِ قد حَطَّا إلى وَكْرِ
قولها: مُلاءة الحضر: فالحضر: العَدْو والجري، وإنما تريد بملاءة الحضر: الغبار وكأن
عَديَّ ابن الرِّقاع نظر إلى هذا في قوله يصف حماراً وأتاناً:
يتعاورانِ في الغُبارِ مُلاءةً ... بيضاَء مُحدَثَةً هُما نَسَجَاها
ونزت القلوب: يريد طمحت واشرأبت لتعرف من السابق، ولُزَّت: قرنت والعذر: جمع عِذار وهو ما سال من اللجام على خد الفرس، ويروى القَدر بالقَدر، والقدر: المنزلة، والكِبر: أظنها بضم الكاف بمعنى الأكبرِ أي ولولا جلال الأكبر، ولك أن تقرأها الكبر بكسر الكاف أي الكِبرَ ولكنها أسكنت الباء ضرورة.
أما الإسلام فقد عد الشرف والحسب إنما هو بالتقى فقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، قال بعضهم: ما أبقى الله بهذه الآية لأحد شرفَ أبوّة. . . ورأى عمر بن الخطاب رجلاً يقول أنا ابن بطحاءِ مكة، فوقف عليه وقال: إن كان لك دينٌ فلك شرف، وإن كان لك عقلٌ فلك مروءة وإن كان لك علم فلك شرف، وإلا فأنت والحمار سواء، وقالوا: كان الشرف في الجاهلية بالبيان والشجاعة والسماحة، وفي الإسلام بالدين والتقى. . .
وقالوا في الدِّعْوة: أي ادّعاء الولد الدَّعِيِّ غيرَ أبيه، أي انتسابَه إلى غير أبيه، وقد كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فنهى الإسلام عنه، وكان سيدنا رسول الله قد تبنّى زيد بن حارثة عتيق الرسول، فكانوا يقولون له: ابن
стр. 72
محمد، فأمر الله أن ينسب الناس إلى آبائهم وأن لا ينسبوا إلى من تبنّاهم فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي لا حقيقة له في الواقع والله يقول الحق أي ما له حقيقة عينية وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله هو: أي دعوتهم لآبائهم، وأقسط: أعدل، ومعناه البالغ في الصدق ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾. . .
والأحاديث في ذلك متوافرة، فمنها قوله صلوات الله عليه: (الولد للفراش وللعاهر الحَجرُ). . . يعني أن الولد لصاحب الفراش، من السيد أو الزوج، وللزاني الخيبة والحرمان، وهذا كما تقول: مالك عندي شيء غير التراب، وما بيدك غير الحَجر، وذهب قوم إلى أنه كنّي بالحَجر عن الرجم، قال ابن الأثير: وليس كذلك لأنه ليس كلُّ زانٍ يُرجم. . . وقالوا في التعريض بالنسب - والقائل أبو نواس:
إذا ذَكَرْتَ عَدِيَّاً في بني ثُعَلٍ ... فقدِّم الدَّالَ قبلَ العينِ في النَّسَبِ
ودخل ابن مُكرّم على أبي العيناء - صاحب النوادر والمجون وكان ضريراً - ليهنيه بابنٍ وُلد له، فوضع عنده حَجراً، فلما خرج أُخبر أبو العيناء، فقال: لعن اللهُ هذا، أما تعلمون ماذا عَنَى؟ إنما أراد قول رسول الله: (الولد للفراش وللعاهر الحجر). . .
ولقي رجلٌ رجلاً فقال له: ممن أنت؟ قال: قُرشي والحمد لله، فقال: الحمد لله في هذا الموضع ريبة. . وقال زياد بن أبيه - وهو ابن أبي سفيان لرببة - لرجل: يا دَعيّ، فقال: الدِّعْوة قد تشرّف بها المُدَّعي عليّ، فكيف عيّرَ بها!
стр. 73
وفي قولهم فيمن لا يشبه والديه وذويه خِلْقةً:
ألوانُهُم إليك عن ... أنسابِهم مُعْتَذِرَهْ
وكان بأصبهان رجلٌ مجنون يعرف بابن المستهام، فقيل لأحمد بن عبد العزيز: إنه مليح ذو نوادر، فاستحضره، فلما تأمّله قال - أي المجنون -:
في اختلافِ الوجُوه من آلِ عِجْلٍ ... لَدَلِيلٌ على فسادِ النساءِ
فأراد أحمد أن يبطش به، ثم كفَّ عنه مخافة أن يتحدّث الناس بذلك. . .
ومن طريف ما قالوا أيضاً في التّعريضِ بالرجل أنّ ابنه من زنية، ما يُروى أنه قيل لرجل: إن امرأة فلان ولدت بعد الزفاف بخمسة أشهر فقال: إنه بنى جدارَه على أُسّ غيره. . .
وخاصم ذو الرمة رجلاً من ولد زياد بن أبيه فقال له الزيادي: يا دعيّ، فأنشد ذو الرمة:
بُثَيْنَةُ قالت يا جميلُ أرَبْتنا ... فقلتُ كِلانا يا بثينُ مريبُ
ومما يصحّ أن يذكر في هذا الباب: كما يصح أن يذكر في كتاب النساء قولهم في أن الولد الذي يَنْسُلُ من الأقارب يخرج ضاوِياً ضعيفاً، فمن ذلك قوله صلوات الله عليه: (اغتربوا لا تضووا) أي تزوّجوا الغرائب دون القرائب فإن ولد الغريبة أنجب وأقوى من ولد القريبة، وقد أضوت المرأة إذا ولدت ولداً ضعيفاً، فمعنى لا تضووا: لا تأتوا بأولادٍ ضاوين، أي ضعفاء نحفاء، الواحد: ضاوٍ وكذلك قال صلوات الله عليه: (لا تنكِحوا القرابة القريبة
стр. 74
فإن الولد يُخلق ضاوياً). . . ونظر عمر ﵁ إلى قوم من قريش صغار الأجسام فقال: ما لكم صَغُرتم؟ قالوا: قُرْب أمّهاتنا من آبائنا، قال: صدقتم، اغتربوا لا تضووا. . . وقال العتبيّ: تزوّج أهل بيت، بعضهم في بعض، فلما بلغوا البطن الرابع بلغ بهم الضعف
إلى أن كانوا يَحْبون حبواً لا يستطيعون القيام ضعفاً. . .
الرضاعة
وكذلك نورد هنا قولهم في الرَّضاعة: قال رسول الله: (يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النسب) انظر كتب الفقه ونهى رسول الله عن رضاع الحمقاء وقال: (لا تسترضعوا الحمقاء فإن الولد ينزع إلى اللبن). . . وقال رجلٌ في وصف آخر نسبه إلى الرعونة: كيف لا يكون أرعنَ وقد أرضعته فلانة! ووالله إنها كانت تَزُقّ الفرخ - أي بفيها - فأرى الرعونة في طيرانه. . ورووا أنّ الحسن البصري رحمة الله عليه كانت أمّه تغشى أمّ سلمة زوج سيدنا رسول الله، فدرت عليه من لبنها، فورث منه علمه وفصاحته وورعَه.
الإحسان
وعبقرياتهم في الجود واصطناع المعروف
وقِرى الأضياف وذم البخل والسؤال
وهذا لون ثانٍ من ألوان البِرِّ هو في الواقع ينتظم لونين، فأما أولهما فهو هذا الذي نحن بصدده الآن، وهو الجود واصطناع المعروف، وسائر ما يمتّ إلى ذلك بسببٍ واصلٍ من قرى الأضياف وذمّ البخل، وأما الآخر فهو حسن الخلق، وسنفرد له وَصلاً تراه عقيب هذا.
стр. 75
تحفي الإسلام بالإحسان: وكما أن صلة الرحم بعامة، وبرَّ الوالدين بخاصة، مما تحفّى به الإسلام كل التحفّي، حتى قرنه بالتوحيد وبالتقوى، ترى هذا الدين الحنيف، لقد تحفّى كذلك كل التحفّي بالإحسان إلى مستحقيه، وذمَّ الشُّحَّ ونَعاه، على أهليه، وامتدح الجود ونوّه به كل التنويه، حتى قرن ذكره بالإيمان، ووصف أهله بالفلاح، والفلاح اسم جامع لسعادة الدارين، فقال سبحانه وتقدس: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. .
وقال في وصف الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. . . الخصاصة: الفقر، ويوقى: يُصان وقال : ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ
وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، إلى أن قال سبحانه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾. . . الآيات. . . قوله سبحانه: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾. . . الآية، فإن ذلك تمثيلٌ لا يقتضى وقوعه، والجنة: البستان، والربوة: الموضع المرتفع، وشجره في العادة يكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً، والوابل: المطر العظيم وقال: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. والبر ههنا: فهو برُّ الله، أي خير الدنيا والآخرة، أي السعادة والفلاح والفوز، أو تقول: لن تنالوا البر: أي لن تنالوا حقيقة البر حتى تنفقوا مما تحبون.
следующие страницы →