← Адаб

Адаб · id 36072

الذخائر والعبقريات

البرقوقي

Полный текст (628 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بَرَزَتْ صحيفةُ وجْهِ والده ... ومَضى على غُلَوائِه يجري أولى فأولى أن يساويَه ... لولا جَلالُ السِّنِّ والكِبْرِ وهُما وقد بَرزَا كأنّهما ... صَقْرانِ قد حَطَّا إلى وَكْرِ قولها: مُلاءة الحضر: فالحضر: العَدْو والجري، وإنما تريد بملاءة الحضر: الغبار وكأن عَديَّ ابن الرِّقاع نظر إلى هذا في قوله يصف حماراً وأتاناً: يتعاورانِ في الغُبارِ مُلاءةً ... بيضاَء مُحدَثَةً هُما نَسَجَاها ونزت القلوب: يريد طمحت واشرأبت لتعرف من السابق، ولُزَّت: قرنت والعذر: جمع عِذار وهو ما سال من اللجام على خد الفرس، ويروى القَدر بالقَدر، والقدر: المنزلة، والكِبر: أظنها بضم الكاف بمعنى الأكبرِ أي ولولا جلال الأكبر، ولك أن تقرأها الكبر بكسر الكاف أي الكِبرَ ولكنها أسكنت الباء ضرورة. أما الإسلام فقد عد الشرف والحسب إنما هو بالتقى فقال سبحانه: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، قال بعضهم: ما أبقى الله بهذه الآية لأحد شرفَ أبوّة. . . ورأى عمر بن الخطاب رجلاً يقول أنا ابن بطحاءِ مكة، فوقف عليه وقال: إن كان لك دينٌ فلك شرف، وإن كان لك عقلٌ فلك مروءة وإن كان لك علم فلك شرف، وإلا فأنت والحمار سواء، وقالوا: كان الشرف في الجاهلية بالبيان والشجاعة والسماحة، وفي الإسلام بالدين والتقى. . . وقالوا في الدِّعْوة: أي ادّعاء الولد الدَّعِيِّ غيرَ أبيه، أي انتسابَه إلى غير أبيه، وقد كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فنهى الإسلام عنه، وكان سيدنا رسول الله قد تبنّى زيد بن حارثة عتيق الرسول، فكانوا يقولون له: ابن

стр. 72

محمد، فأمر الله أن ينسب الناس إلى آبائهم وأن لا ينسبوا إلى من تبنّاهم فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ أي لا حقيقة له في الواقع والله يقول الحق أي ما له حقيقة عينية وهو يهدي السبيل، ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله هو: أي دعوتهم لآبائهم، وأقسط: أعدل، ومعناه البالغ في الصدق ﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾. . . والأحاديث في ذلك متوافرة، فمنها قوله صلوات الله عليه: (الولد للفراش وللعاهر الحَجرُ). . . يعني أن الولد لصاحب الفراش، من السيد أو الزوج، وللزاني الخيبة والحرمان، وهذا كما تقول: مالك عندي شيء غير التراب، وما بيدك غير الحَجر، وذهب قوم إلى أنه كنّي بالحَجر عن الرجم، قال ابن الأثير: وليس كذلك لأنه ليس كلُّ زانٍ يُرجم. . . وقالوا في التعريض بالنسب - والقائل أبو نواس: إذا ذَكَرْتَ عَدِيَّاً في بني ثُعَلٍ ... فقدِّم الدَّالَ قبلَ العينِ في النَّسَبِ ودخل ابن مُكرّم على أبي العيناء - صاحب النوادر والمجون وكان ضريراً - ليهنيه بابنٍ وُلد له، فوضع عنده حَجراً، فلما خرج أُخبر أبو العيناء، فقال: لعن اللهُ هذا، أما تعلمون ماذا عَنَى؟ إنما أراد قول رسول الله: (الولد للفراش وللعاهر الحجر). . . ولقي رجلٌ رجلاً فقال له: ممن أنت؟ قال: قُرشي والحمد لله، فقال: الحمد لله في هذا الموضع ريبة. . وقال زياد بن أبيه - وهو ابن أبي سفيان لرببة - لرجل: يا دَعيّ، فقال: الدِّعْوة قد تشرّف بها المُدَّعي عليّ، فكيف عيّرَ بها!

стр. 73

وفي قولهم فيمن لا يشبه والديه وذويه خِلْقةً: ألوانُهُم إليك عن ... أنسابِهم مُعْتَذِرَهْ وكان بأصبهان رجلٌ مجنون يعرف بابن المستهام، فقيل لأحمد بن عبد العزيز: إنه مليح ذو نوادر، فاستحضره، فلما تأمّله قال - أي المجنون -: في اختلافِ الوجُوه من آلِ عِجْلٍ ... لَدَلِيلٌ على فسادِ النساءِ فأراد أحمد أن يبطش به، ثم كفَّ عنه مخافة أن يتحدّث الناس بذلك. . . ومن طريف ما قالوا أيضاً في التّعريضِ بالرجل أنّ ابنه من زنية، ما يُروى أنه قيل لرجل: إن امرأة فلان ولدت بعد الزفاف بخمسة أشهر فقال: إنه بنى جدارَه على أُسّ غيره. . . وخاصم ذو الرمة رجلاً من ولد زياد بن أبيه فقال له الزيادي: يا دعيّ، فأنشد ذو الرمة: بُثَيْنَةُ قالت يا جميلُ أرَبْتنا ... فقلتُ كِلانا يا بثينُ مريبُ ومما يصحّ أن يذكر في هذا الباب: كما يصح أن يذكر في كتاب النساء قولهم في أن الولد الذي يَنْسُلُ من الأقارب يخرج ضاوِياً ضعيفاً، فمن ذلك قوله صلوات الله عليه: (اغتربوا لا تضووا) أي تزوّجوا الغرائب دون القرائب فإن ولد الغريبة أنجب وأقوى من ولد القريبة، وقد أضوت المرأة إذا ولدت ولداً ضعيفاً، فمعنى لا تضووا: لا تأتوا بأولادٍ ضاوين، أي ضعفاء نحفاء، الواحد: ضاوٍ وكذلك قال صلوات الله عليه: (لا تنكِحوا القرابة القريبة

стр. 74

فإن الولد يُخلق ضاوياً). . . ونظر عمر ﵁ إلى قوم من قريش صغار الأجسام فقال: ما لكم صَغُرتم؟ قالوا: قُرْب أمّهاتنا من آبائنا، قال: صدقتم، اغتربوا لا تضووا. . . وقال العتبيّ: تزوّج أهل بيت، بعضهم في بعض، فلما بلغوا البطن الرابع بلغ بهم الضعف إلى أن كانوا يَحْبون حبواً لا يستطيعون القيام ضعفاً. . . الرضاعة وكذلك نورد هنا قولهم في الرَّضاعة: قال رسول الله: (يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النسب) انظر كتب الفقه ونهى رسول الله عن رضاع الحمقاء وقال: (لا تسترضعوا الحمقاء فإن الولد ينزع إلى اللبن). . . وقال رجلٌ في وصف آخر نسبه إلى الرعونة: كيف لا يكون أرعنَ وقد أرضعته فلانة! ووالله إنها كانت تَزُقّ الفرخ - أي بفيها - فأرى الرعونة في طيرانه. . ورووا أنّ الحسن البصري رحمة الله عليه كانت أمّه تغشى أمّ سلمة زوج سيدنا رسول الله، فدرت عليه من لبنها، فورث منه علمه وفصاحته وورعَه. الإحسان وعبقرياتهم في الجود واصطناع المعروف وقِرى الأضياف وذم البخل والسؤال وهذا لون ثانٍ من ألوان البِرِّ هو في الواقع ينتظم لونين، فأما أولهما فهو هذا الذي نحن بصدده الآن، وهو الجود واصطناع المعروف، وسائر ما يمتّ إلى ذلك بسببٍ واصلٍ من قرى الأضياف وذمّ البخل، وأما الآخر فهو حسن الخلق، وسنفرد له وَصلاً تراه عقيب هذا.

стр. 75

تحفي الإسلام بالإحسان: وكما أن صلة الرحم بعامة، وبرَّ الوالدين بخاصة، مما تحفّى به الإسلام كل التحفّي، حتى قرنه بالتوحيد وبالتقوى، ترى هذا الدين الحنيف، لقد تحفّى كذلك كل التحفّي بالإحسان إلى مستحقيه، وذمَّ الشُّحَّ ونَعاه، على أهليه، وامتدح الجود ونوّه به كل التنويه، حتى قرن ذكره بالإيمان، ووصف أهله بالفلاح، والفلاح اسم جامع لسعادة الدارين، فقال سبحانه وتقدس: ﴿الم، ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. . وقال في وصف الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. . . الخصاصة: الفقر، ويوقى: يُصان وقال : ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، إلى أن قال سبحانه: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾. . . الآيات. . . قوله سبحانه: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾. . . الآية، فإن ذلك تمثيلٌ لا يقتضى وقوعه، والجنة: البستان، والربوة: الموضع المرتفع، وشجره في العادة يكون أحسن منظراً وأزكى ثمراً، والوابل: المطر العظيم وقال: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. والبر ههنا: فهو برُّ الله، أي خير الدنيا والآخرة، أي السعادة والفلاح والفوز، أو تقول: لن تنالوا البر: أي لن تنالوا حقيقة البر حتى تنفقوا مما تحبون.

стр. 76

قال الراغب في الذريعة: وحُقَّ للجود أن يُقرن بالإيمان، فلا شيء أخصُّ به، وأشدُّ مجانسة، منه، إذ من صفة المؤمن انشراحُ الصدر: ﴿فَمَن يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾. . . وهذا من صفات الجواد والبخيل، لأن الجواد يوصف بسعة الصدر للإنفاق، والبخيل يوصف بضيق الصدر للإمساك. . . الناس مجبولون على البخل وأما بعد فإن أكثر هذا الناس لقد جبلوا على البخل، فالبخل هو الأصل، وإنما الجود في سائر ألوانه، تكلُّفٌ وتعمُّلٌ وحَمْلٌ للنفس على مكروهها وعلى غير ما جُبلت عليه، وقد قيل لحاتم الطائي الذي يضرب به المثل في الجود: كيف تجد الجود في قلبك؟ فقال: إني لأجده كما يجده الناس، ولكني أحمل نفسي على خُططِ الكرام، وقال بعض الأجواد: إنّا لنجد كما يجد البخلاء ولكنّا نصبر ولا يصبرون. . . وفي هذا المعنى يقول البحتري: وَأشَقُّ الأفْعالِ أَنْ تَهَبَ الأن ... فُسُ ما أُغْلِقتْ عليهِ الأكُفُّ ويقول أبو يعقوب الخُريميّ: ودُونَ النَّدى في كُلِّ قَلْبٍ ثنِيَّةٌ ... بهَا مَصْعَدٌ حَزْنٌ ومُنْحدَرٌ سَهْلُ ويقول أبو العتاهية: اِطْرَحْ بطَرْفِكَ حيْثُ شِئْ ... تَ فلن تَرَى إلاَّ بخيلا ويقول ابن نُباتة السّعدي:

стр. 77

كيف السبيلُ إلى الغِنى ... والبُخْلُ في الناسِ فِطْنَهْ وأكثر من يتسخّى ويجود فإنما يجود رغباً أو رهباً - رغباً في عاجل الجزاء، كملقي الحب للطير ليصيد به لا لينفعه ومَنْ يَظَّنُّ نَثْرَ الحَبِّ جُوداً ... ويَنْصِبُ تحْتَ ما نَثَرَ الشِّباكا ورهباً من عابٍ يلتصق به أو مكروهٍ يصيبه: مِثْلُ الحِمارِ المُوَقَّعِ الظّهْر لا ... يُعطيك شيئاً إلا إذا رَهِبا وهناك صِنفٌ من الناس يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرماًً، وإنما يكون ذلك تهوراً واندفاعاً منه مع نزوة من نزوات النفوس، كما قال الأديب أبو بكر الخوارزمي في الوزير الصاحب بن عباد: لا تَحْمَدنَّ ابنَ عبَّادٍ وإنْ هَطَلتْ ... يداهُ بالجُودِ حتَّى أخْجلَ الدِّيَمَا فإنّها خَطَراتٌ مِن وَساوِسِه ... يُعْطِي ويمنعُ لا بُخْلاً ولا كَرما وقل من الناس من يجود استجابةً لفطرته، ولداعي الضّمير، كما يقولون: فليُلْحظ هذا، وليُلْحظ كذلك أنّ البخل رذيلةٌ تستتبع رذائل، وناهيك بالجبن رذيلةً، هي ألزم الرذائل للبخل: كما أن الجود فضيلةٌ تستتبع فضائلَ، وحسبك بالشجاعة فضيلةً هي أخص الفضائل بالجود:

стр. 78

ذَرِيني فإنَّ الشًُّحَّ يا أُمَّ هَيْتمٍ ... لِصالحِ أخلاقِ الرِّجالِ سَروقُ وإذا اختبرْتَ عَلِمْتَ غيرَ مُدافَعٍ ... أنَّ السّماحَ سَجِيَّةُ الأبطالِ وقال أبو تمام في ذلك - من أبيات يمدح بها خالد بن يزيد الشيباني: وإذا رأيتَ أبا يزيدٍ في نَدًى ... وَوَغًى ومُبدِيَ غارةٍ ومُعِيدا يَقْرِي مُرَجِّيه مُشاشَةَ مالِه ... وشَبَا الأسِنَّةِ ثُغْرةً ووَريدَا أيقنتَ أنَّ مِن السّماحِ شجاعةً ... تُدْمِي وأنَّ مِن الشَّجاعةِ جودا وقال المتنبي: هو الشجاع يَعُدُّ البُخْلَ مِن جُبُنٍ ... وهْوَ الجوادُ يَعُدُّ الجُبْنَ مِنْ بُخُلِ وقد عدوا الشجاعة لوناً من الجود فقال مسلم بن الوليد: يجُودُ بالنَّفسِ إذْ ضَنَّ البخيلُ بها ... والجودُ بالنَّفْسِ أقْصَى غايةِ الجودِ

стр. 79

ولأجل هذين الملحظين، تظاهرت الآيات والأحاديث وما أثر عن الأوائل من العلماء والحكماء والشعراء والربانيين، على ذمِّ البخل وامتداح الجود والإحسان، وأكثروا وافتنوا وأبدعوا، الأمر الذي يدلّ على أنهم قدروا أثر الجود والبخل في الخُلق حقَّ قدره، وأنهم لذلك شنُّوا هذه الغارة الشعواء على الإنسان الأناني الكزِّ الشَّحيح الكامن في نفس كل إنسان. . . عبقرياتهم في مدح الجود وذمّ البخل ولنأخذ الآن في عبقرياتهم في ذمّ البخل ومدح الجود والإحسان واصطناع المعروف، والكلام في هذه المعاني يدخل بعضُه في بعض. . . كتب رجلٌ من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يخوّفه الفقر، فأجابه: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾. . . وإني أكره أن أترك أمراً قد وقع لأمرٍ لعلّه لا يقع. يقول سبحانه: إن الشيطان يعد الناس الفقر في الإنفاق، أي يقول لهم: إن عاقبة إنفاقكم أن تفتقروا - والوعد كما يستعمل في الخير يستعمل في الشر - ويأمركم بالفحشاء، أي يغريكم بالبخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور، فالفحشاء هنا: البخل، والفاحش عند العرب: البخيل، قال طرفة بن العبد في معلّقته: أرَى المَوْتَ يَعْتَامُ الكِرَامَ ويَصْطَفي ... عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ ثم قال سبحانه: والله يعدكم في الإنفاق مغفرة لذنوبكم وكفارةً لها، وأن

стр. 80

يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم وقيل لإبليس: مَن أحبُّ الناس إليك؟ فقال: عابدٌ بخيل. . قيل: فمن أبغض الناس إليك؟ قال: فاسِقٌ سخي، فإن سخاءه يُنجيه. . . أفرأيت! أليس هذا الكلام تمثيلاً جميلاً لحالَيْ البخيل والجواد! حتى إنهم فضلوا الفاسق السخي على العابد البخيل، وأحسن منهما جميعاً لعمري: العابد الكريم، وإنما كان العابد البخيل مفضولاً، لأن العبادة الحق لا تجتمع والبخلَ. . . وقال بعضهم لآخر: إنك متلافٌ، فقال: مَنْعُ الجودِ سوءُ ظنٍّ بالمَعْبود، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾. ومن هذا قول بعض الحكماء: عليكم بأهل السخاء والشجاعة فإنهم أهل حسن ظن بالله، ولو أن أهل البخل لم يدخل عليهم من ضرِّ بخلهم، ومذمَّةِ الناس لهم، وإطباق القلوب على بُغضهم، إلا سوءُ ظنّهم بربهم في الخَلَف - أي العَوض - لكان عظيماً، وفي هذا المعنى يقول محمود الوراق: مَنْ ظَنَّ باللهِ خيراً جاد مُبْتَدِئاً ... والبُخْلُ مِنْ سُوءِ ظَنِّ المَرْءِ باللهِ وورد في الحديث: (خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل والكبر) وقال بعضهم في هذا المعنى: أُناسٌ تائهُونَ لَهم رُوَاءٌ ... تَغِيمُ سَماؤُهمْ مِنْ غَيْرِ وَبْلِ ومن أمثالهم في ذلك: رُبّ صَلْفٍ تحتَ الراعدة. . . الراعدة: السحابة ذات الرعد، والصلف قلة الخير، وهذا المثل يضرب للبخيل مع الوجد والسّعة، ولأئمة اللغة كلام كثير في هذا المثل راجعه في مادة صلف بلسان

стр. 81

العرب. . . ومن قولهم في البخيل لا يُرْجى خيرُه ولا يَبِضُّ حَجَرُه: يُعالِجُ نفساً بيْنَ جَنْبَيْهِ كَزَّةً ... إذا هَمَّ بالمعروفِ قالتْ لهُ مَهْلا ومن المستطرف من كناياتهم في هذا المعنى ما يُروى: أنّ امرأةً قالت لزوجها: واللهِ ما يقيم الفأرُ في دارك إلا لحبِّ الوطن. . . وقال رجلٌ: إني أقصد فلاناً راجياً نداه، فقال له صاحبه: تَرْجُو النَّدَى من إناءٍ قَلَّمَا ارْتَشَحَا ... كالمُستَذيبِ لِشَحْمِ الكلبِ مِنْ ذَنَبِهْ وقال ابن الرومي - وهو من مقذعاته المضحكة -: يُقَتِّرُ عِيسى على نفْسِه ... وليس بباقٍ ولا خالِدِ ولَوْ يَسْتَطيعُ لِتَقْتِيرِه ... تَنفَّس مِنْ مَنْخَرِ واحِدِ المنخر: ثقب الأنف وقال آخر: يُحِبُّ المديحَ أبو خالدٍ ... ويَفْزَعُ من صِلَةِ المادِحِ كبِكْرٍ تَوَدُّ لَذيذَ النّكاحِ ... وتَهْلَعُ من صَوْلةِ النّاكحِ وقال البحتري - وهو معنى بديع -: جِدَةٌ يذُودُ البُخْلُ عن أطْرافِها ... كالبَحْرِ يدْفَعُ مِلحُهُ عن مائِه وقال بشار: إذا جِئتَهُ في حاجةٍ سَدَّ بابَهُ ... فلَمْ تَلْقَهُ إلا وأنْتَ كَمينُ إذا سَلّمَ المِسكينُ طار فُؤادُهُ ... مخافةَ سُؤْلٍ واعْتراهُ جُنُونُ

стр. 82

وقال ابن الرومي. وهو كذلك من هجائه المضحك: تجنَّبْ سليمانَ قُفْلَ النَّدى ... فقد يَئسَ الناسُ من فَتْحِه ولَوْ كانَ يملكُ أمْرَ استِهِ ... لما طَمِعَ الحُشُّ في سَلْحِه الحُشُّ: المُستراح - موضع قضاء الحاجة - والسّلح: النجو - الغائط -. وقال ابن الرومي أيضاً - وهو معنى بديع - وإن كان من بابةٍ غير هذه البابة: وإذا امْرُؤٌ مَدَحَ امْرءاً لِنوالهِ ... وأطال فيه فقد أرادَ هِجاَءهُ لو لم يُقَدِّرْ فيه بُعْدَ المُسْتَقَى ... عندَ الورودِ لما أطالَ رِشاَءهُ الرشاء: حبل الدلو وقالوا: من لم يأت الخير صغيراً لم يأته كبيراً، وفي ذلك يقول المعلوط السعدي - وهو شاعر إسلامي -: إذا المَرْءُ أعيَتْه المُروَءةُ ناشِئاً ... فمَطْلَبُها كهْلاً عليه شديدُ وقالوا في البخيل كلما ازداد ثراءً ازداد بخلاً وكزازةً، والقائل ابن الرومي - والبيتان من أوابده وتوليداته البديعة: إذا غَمرَ المالُ البَخيلَ وَجَدْتَهُ ... يَزيدُ به يُبْساً وإنْ ظُنَّ يَرْطُبُ وليسَ عجيباً ذاكَ منه فإنَّهُ ... إذا غَمرَ الماءُ الحِجارَةَ تصْلُبُ وقال: ألم تَرَ أنَّ المالَ يُهلِكُ أهْلَهُ ... إذا جَمّ آتِيهِ وسُدَّ طريقُهُ

стр. 83

ومَنْ جاورَ الماَء الغزِيرَ مَجَمُّهُ ... وسُدَّ سبيلُ الماءِ فهْوَ غَريقُهُ وقال: المالُ يُكْسِبُ رَبَّهُ - ما لم يَفِضْ ... في الراغبينَ إليه - سُوَء ثناءِ كالماءِ تأسُنُ بئْرُهُ إلا إذا ... خَبَطَ السُّقاةُ جِمامَه بدلاءِ تأسن: تتغير، وخبطه: ضربه، والجمام: بتثليث الجيم: معظم الشيء. عبقرياتهم في الجود واصطناع المعروف ولنَدَعِ البخلَ والبخلاءَ لحظةً وننتقل إلى عبقرياتهم في الجود والإحسان واصطناع المعروف: جاء في كليلة ودمنة: إن أحسن الناس عيشاً من حَسُنَ عيشُ الناس في عيشه، وإنّ من ألذِّ اللذَّة الإفضالَ على الإخوان، وفي الحديث: (ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت فأمضيت، وما سوى ذلك فهو ملك الوارث)، وقال شاعرهم: أنتَ للمالِ إذا أمْسَكْتَهُ ... فإذا أنفقْتَه فالمالُ لَكْ وقال سعيد بن العاص من خُطبة له: من رزقه الله رزقاً حسناً فلينفق منه سراً وجهراً حتى يكون أسعد الناس به، فإنّه إنما يترك لأحد رجلين: إما مُصلِح، فلا يقلُّ عليه شيء، وإما مفسد فلا يبقى له شيء. . . فقال معاوية: جمع أبو عثمان طرفي الكلام. . . وقال الأحنف بن قيس: ما شاتمت رجلاً مذ كنت رجلاً، ولا زَحَمت ركبتايَ ركبتيه، وإذا لم أصِلْ مُجْتَدِيَّ حتى يَنْتِحَ جبينُه عرقاً كما يَنْتِحُ الحَميتُ، فواللهِ ما وصلتُه. . . قوله: مُجتديَّ: يريد. الذي يأتيه يطلب مالَه يقال: اجتداه يجتديه واعتفاه يعتفيه واعتراه يعتريه واعترَّه يعترُّه وعراه

стр. 84

يعروه: إذا قصده يتعرّض لنائله. ويَنْتح كيَضْرِب: يرشح، والحَميت: وعاء السمن. يقول الأحنف: إنه لا يُحْوِجُ سائله إلى أن يترشح جبينُه عرقاً لمبادرته بإعطائه وقال معاوية بن أبي سفيان لوِردان مولى عمرو بن العاص: ما بقي من الدنيا تلذُّه؟ قال: العريضُ الطويلُ، قال: وما هو؟ قال: أن ألقى أخاً قد نَكَبه الدهرُ فأجبره، قال: نحن أحقُّ بهذا منك. . . قال: إن أحقّ بهذا منك مَنْ سبقك إليه. . . وقال ابن عباس: ثلاثة لا أكافئهم: رجل بدأني بالسلام، ورجل وسّع لي في المجلس، ورجل اغْبرّت قدماه في المشي إليّ إرادةَ التسليم عليّ؟ فأما الرابع فلا يكافئه عني إلا الله ، قيل: ومن هو؟ قال: رجلٌ نزل به أمرٌ فبات ليلتَه يفكِّر بمن يُنْزِلُه، ثم رآني أهلاً لحاجته فأنزلها بي. وقال ابن عباس أيضاً: لا يزهدنّك في المعروف كفرُ مَنْ كَفَره، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه: كفر من كفره: يريد: كفر النعمة، أي عدم شكرها، وقوله: من لم تصطنعه إليه يريد الله . وأنشد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، أحدُ الأجواد في الإسلام قولَ الشاعر: إنَّ الصَّنيعةَ لا تكونُ صنيعةً ... حتَّى يُصابَ بها طريقُ المَصْنَعِ فقال: هذا رجلٌ يريد أنْ يُبخِّلَ الناسَ، امْطُر المعروفَ مَطْراً فإن صادف موضعاً فهو الذي قصَدْتَ له، وإلا كنت أحقَّ به. وبعد فهناك في هذا المعنى كما ترى مذهبان، فمذهب يرى إعطاء

стр. 85

المستحقّ وغير المستحقّ، الكريم واللئيم، الشاكر، والكافر: ويقول هذا المذهب - والقائل الشاعر محمود الوراق: فإمَّا كريمٌ صُنْتُ بالجودِ عِرْضَهُ ... وإمّا لئيمٌ صُنْتُ عن لُؤْمِه عِرْضي وقال بعضهم: لأن أُخْطِئ باذلاً، أحبُّ إليّ من أن أصيبَ مانعاً باذلاً ومانعاً: حالان من فاعل أخطئ وأصيب. ومذهب آخر يرى حرمانَ اللئام ومن يُستَضَرُّ بإعطائه، قال قائلهم: اتقوا صولةَ الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع. وقالوا: اللئيم يزداد بالعُرْفِ خَبالاً، كما يزداد المريضُ من كثرة الطعام وبالاً، خبالاً: فساداً. وقال شاعر: ليس في مَنعِ غَيْرِ ذي الحَقِّ بُخْلُ وقال الآخر: ومَنْ يَصْنَعِ المعروفَ معْ غيرِ أهلِهِ ... يُلاقي كما لاقى مُجِيرُ امِّ عامرِ

стр. 86

وأخيراً قالوا - والقائل أبو العتاهية -: إذا المالُ لم يُوجِبْ عليكَ عطاَءه ... صنيعةُ تقوى أو خليلٌ تُخالِفُهْ منَعْتَ وبعضُ المَنْعِ حزمٌ وقوّةٌ ... ولم يبْتَذِلْكَ المالَ إلا حقائِقُهْ وقال الحسن والحسين رضوان الله عليهما لعبد الله بن جعفر: إنك قد أسرفت في بذل المال! قال: بأبي أنتما، إن الله عوّدني أن يفضِّل عليَّ، وعوّدته أن أفضِّلَ على عباده، فأخاف أن أقطع العادة، فيقطع عنِّي. . . ومرّ يزيدُ بن المُهلّب بأعرابيّةٍ، في خروجه من سجن عمرَ بنِ عبد العزيز، يريد البصرة، فقَرَتْه عنزاً فقَبِلها، وقال لابنه معاوية: ما معك من النفقة؟ فقال: ثمانمائة دينار، قال فادفعها إليها، فقال له ابنه: إنك تريد الرجالَ، ولا يكون الرجالُ إلا بالمال، وهذه يرضيها اليسير، وهي بعدُ لا تعرفك، فقال له: إن كانت ترضى باليسير فأنا لا أرضى إلا بالكثير، وإن كانت لا تعرفني، فأنا أعرف نفسي، ادْفَعْها إليها. . . وأورد المبرّد في الكامل ما يأتي: وأشرف عُمرُ بن هبيرة الفَزاري - والي العراقين ليزيد بن عبد الملك - من قصره بالكوفة يوماً، فإذا هو بأعرابيٍّ

стр. 87

يرقِّصُ جَمَلَه الآلُ فقال لحاجبه: إن أرادني هذا فأوْصِلْه إليّ، فلما دنا الأعرابي سأله، فقال: قصدت الأمير، فأدخله إليه، فلما مثل بين يديه قال له عمر: ما خطبك؟ فقال الأعرابي: أصْلَحَكَ اللهُ قلَّ ما بيَدي ... فما أُطيقُ العِيالَ إذْ كَثُرُوا أَلحَّ دَهْرٌ أنحَى بكَلْكلِه ... فأرْسَلُوني إليك وانتَظَرُوا رَجَوْكَ لِلدَّهْرِ أنْ تكونَ لهم ... غَيْثَ سحابٍ إن خانَهُم مَطَرُ فأخذت عمرَ الأريحيةُ، فجعل يهتزُّ في مجلسه، ثم قال: أرسلوك إليَّ وانتظروا! إذن والله لا تجلس حتى ترجع إليهم غانِماً. وأمر له بألف دينار، وردّه على بعيره. . قال المبرّد: وحُدِّثتُ أن الخبر لمعن بن زائدة. أقول: وقد أورده ابن خلكان منسوباً لمعن. وهذا معن بن زائدة هو الآخر له في المكارم غُررٌ وأوضاحٌ، وهو أشهر في باب الأريحية والجود والإقدام والحلم من أن ينوّه به، وهو معن بن زائدة الشيباني، كان في أيام بني أمية متنقلاً في الولايات، ومنقطعاً إلى يزيد بن عمرَ بن هبيرة والي العراقين، فلما أدال من بني أمية بنو العباس، وجرى بين أبي جعفر المنصور وبين يزيد بن عمر المذكور ما جرى، أبلى يومئذ معنٌ مع يزيدَ بلاءً حسناً، فلما قتل يزيد خاف معن من أبي جعفر المنصور، فاستتر عنه مدة وجرى له مدة استتاره غرائبُ، وهنا يحدثنا شاعره الفحل مروان بن حفصة بحديث طريف من هذه الغرائب. قال:

стр. 88

أخبرني معنٌ وهو يومئذ متولّي بلادَ اليمن: أن المنصور جدّ في طلبي، وجعل لمن يحملني إليه مالاً، قال معن: فاضطررت لإلحاحه في الطلب إلى أن تعرضت للشمس حتى لوّحت وجهي، ولبست جُبّةَ صوفٍ، وركبت جملاً وخرجت متوجهاً إلى البادية لأقيم بها، فلما خرجت من باب حربٍ - أحد أبواب بغداد - تبعني أسودُ متقلِّدٌ سيفاً حتى إذا غبت عن الحرس، قبض على خِطام الجَمل، فأناخه، وقبض على يدي، فقلت له: ما بك؟ قال: أنت طلبة أمير المؤمنين، قلت: ومن أنا حتى أُطلَب! قال: أنت معن بن زائدة، فقلت له: يا هذا، اتقِ اللهَ ، وأين أنا من معنٍ! فقال: دعْ هذا، فإني - والله - لأعرفُ بك منك، فلما رأيت منه الجِدَّ قلت له: هذا عقدُ جوهرٍ قد حملته معي بأضعاف ما جعله المنصور لمن يجيئه بي، فخذه ولا تكن سبباً لسفكِ دمي، قال: هاته، فأخرجته إليه، فنظر فيه ساعةً، وقال صدقت في قيمته، ولست قابلَه حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك، قلت: قل، قال: إن الناس قد وصفوك بالجود، فأخبرني: هل وهبت مالك كلّه قطّ؟ قلت: لا، قال فنصفَه، قلت: لا، قال: فثلثَه، قلت: لا، حتى بلغ العشر، فاستحييت وقلت: أظن أني قد فعلت هذا، قال: ما ذاك بعظيم، أنا والله راجلٌ - يريد من المشاة - ورزقي من أبي جعفر المنصور كل شهر عشرون درهماً، وهذا الجوهر قيمته ألوف دنانير، وقد وهبته لك ووهبتك لنفسِك ولجودِك المأثورِ بين الناس ولتعلم أنّ في هذه الدُّنيا من هو أجود منك، فلا تعجبك نفسُك، ولتحقر بعد هذا كلَّ جودٍ فعلته ولا تتوقف عن مَكْرمة، ثم رمى العقد في حِجْري، وترك خِطامَ الجملِ، وولّى منصرفاً، فقلت: يا هذا، والله لقد فضحتني،

стр. 89

ولسفكُ دمي عليَّ أهونُ مما فعلت، فخذ ما دفعته لك فإني غنيٌّ عنه، فضحك وقال: أردت أن تكذّبني في مقالي هذا! والله لا أخذته ولا آخذ لمعروف ثمناً أبداً، ومضى لسبيله، فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت، وبذلت لمن يجيء به ما شاء فما عرفت له خبراً، وكأن الأرض ابتلعته. . ألا ترى معي أن ما فعله هذا الجُنديّ الفقير إن لم يفق به معن بن زائدة وأشباه معن بن زائدة، في باب المروءة والفتوة والنجدة والكرم وعبقرية الروح فإنه لا يقل عنهم! جُهْدُ المُقِلِّ إذا أعطاكَ نائلَهُ ... ومُكْثرٌ من غِنًى سِيَّانِ في الجُودِ فهو كما قال الشاعر: ولَمْ يكُ أكْثرَ الفِتيانِ مالاً ... ولكن كانَ أرْحَبَهمْ ذِراعا ومن هنا حثوا على الجود والمروءة والتسخي حتى في حالة العسر والضيق فمن ذلك ما قرأناه منسوباً لبُزُرْ جِمِهْرَ أو ليحيى بن خالد البرمكي أو لامرأة من العرب توصي به ابنها، وهو: إذا أقبلت عليك الدُّنيا فأنفق، فإنَّها لا تفنى، وإذا أدبرت عنك فأنفق فإنَّها لا تبقى. أخذه بعض الشعراء فقال: وأنْفِقْ إذا أنفقتَ إنْ كنْتَ مُوسِراً ... وأَنفِقْ على ما خيَّلَت حينَ تُعْسِرُ فلا الجودُ يُفْني المالَ والجَدُّ مقْبلٌ ... ولا البخلُ يُبقي المالَ والجَدُّ مُدْبرُ وقال الآخر في معناه: لا تَبْخَلنَّ بدُنْيا وهي مُقْبِلةٌ ... فليس يَنْقُصُها التَّبْذيرُ والسَّرَفُ

стр. 90

فإنْ توَلَّتْ فأحْرَى أنْ تَجُودَ بها ... والشُّكْرُ منها إذا مَا أَدْبرَتْ خلَفُ ولاتنس أن مرادهم بالإنفاق والجود هنا: الإنفاق في سبيل الله والبِرّ لا في سبيل الشيطان والإثم، والجود على ذوي الحقوق ومن هم في حاجة إليك حتّى مع إدبار الدنيا عنك، وبالحريِّ مرادهم بالسرف: السرف في الشرف، وما يكسب المرءَ مَحْمِدةً ومِقةً. ويؤثر عن معاوية أو المأمون - وقد قيل لأحدهما: لا خير في السرف - فقال: لا سرفَ في الشرف. . . وقال سلم بن قتيبة: أحدكم يحقر الشيءَ فيأتي ما هو شرٌّ منه، يعني المنع، يريد الحث على إعطاء القليل إن لم يستطع إعطاءَ الكثير، وقال حماد عجرد في ذلك من أبيات: بُثَّ النَّوَالَ ولا تمنَعكَ قِلَّتُهُ ... فكلُّ ما سَدَّ فقْراً فَهْوَ مَحْمودُ يقول فيها: إنَّ الكَريمَ ليُخْفِي عَنْكَ عُسْرَتَهُ ... حَتَّى تراهُ غَنيِّاً وهوَ مَجْهُودُ إذا تكرَّمْتَ أَنْ تُعْطي القليلَ ولمْ ... تَقْدِرْ على سَعةٍ لمْ يَظْهرِ الجُودُ ولِلْبَخيلِ على أمْوالِه عِلَلٌ ... زُرْقُ العُيونِ علَيْها أَوْجُهٌ سُودُ أَوْرِقْ بخَيْرٍ تُرَجَّى لِلنَّوالِ فَما ... تُرْجى الثِّمارُ إذا لم يُورِقِِ العودُ والعرب تقول: من حقَرَ حرَمَ. . حقر الشيء: عدّه حقيراً، أي من حقر يسيراً يقدر عليه ولم يقدر على الكثير ضاعت لديه الحقوق وفي الحديث: (لا تردّوا السائل ولو بظِلْفٍ مُحْرَقٍ الظلف من كل ما يجترُّ من

стр. 91

الحيوانات كالبقرة والظبي بمنزلة الحافر من الفرس، ويقال: أحرق الشيء بالنار وحرّقه شدّد لكثرة وقال المعري: إذا طرقَ المِسْكينُ بابَكَ فاحْبُهُ ... قليلاً ولو مِقْدَارَ حبَّةِ خَرْدَلِ ولا تحتَقِرْ شيئاً تُساعِفُه به ... فكمْ من حَصاةٍ أَيَّدَتْ ظَهْرَ مِجْدَلِ المجدل: القصر المشرف وكان ابن عباس يقول: صاحب المعروف لا يقع، فإن وقع وجد متّكأً. وهذا من قول سيدنا رسول الله ﷺ : (المعروف يقي مصارع السوء). . . وكان ابن عباس يقول أيضاً: ما رأيت رجلاً أوليته معروفاً إلا أضاء ما بيني وبينه، ولا رأيت رجلاً أوليته سوءاً إلا أظلم ما بيني وبينه، ومما يروى في هذا المعنى أن رجلاً كان في مجلس خالد بن عبد الله القسري، فقام من المجلس، فقال خالد: إني لأبغِضُ هذا الرجل وما له إليّ ذنبٌ، فقال رجلٌ من القوم: أولِه أيّها الأميرُ معروفاً ففعل، فما لبث أن خفَّ على قلبه وصار أحدَ جلسائه. وفي هذا المعنى يقول سيّد موسيقي الإسلام أبو إسحاق الموصلي: أرى الناسَ خُلاَّنَ الجَوادِ ولا أرى ... بَخيلاً له في العالمينَ خليلُ ومِنْ خَيرِ حالاتِ الفتى لو عَلِمْتِه ... إذا نالَ شيئاً أن يكونَ يُنِيلُ فإنّي رأيتُ البخلَ يُزْري بأهلِه ... فأكرَمْتُ نفسي أنْ يُقالَ بَخيلُ ويقول المتنبي: وأحسَنُ وَجْهٍ في الورَى وجْهُ مُحْسِنٍ ... وأيمَنُ كفٍّ في الورى كَفُّ مُنْعِمِ وقال رسول الله ﷺ : (من اتّصلت نِعَمُ اللهِ عليه، كثرت حوائجُ الناسِ إليه، فمن لم يحتمل تلك المُؤن عُرِّض لزوالِ تلك النعم)، وقال خالد بن عبد الله القسري أيضاً: حوائج الناس إليكم نعمٌ من اللهِ عليكم،

стр. 92

فلا تملّوا النعمَ فتتحوّل نِقماً، قال الشاعر: بَدَا - حينَ أثْرَى - بإخْوانِه ... فَفلَّلَ عنهمْ شَباةَ العَدَمْ وذكَّرَه الحزمُ غِبَّ الأُمورِ ... فبادرَ قبْلَ انْتِقالِ النِّعَمْ وعن سيدنا رسول الله: (تنزل المعونة على قدر المؤونة) ومعناه: أنه كلما تكاثر على المرء من يحقُّ عليه أن يعولَهم ويقومَ بمؤونتهم، ففعل، أو كلّما أنفق المرء في سبيل البِرّ، أعطاه الله بمقدار ذلك، وجاء في الحديث المرفوع: (من وسّع وُسِّعَ عليه)، و: (كلما كثُرَ العيال كثر الرزق). . . وقالوا في معنى النجدة وإقالة العثرات وواجبات ذوي الجاه: بذل الجاه زكاة الشرف. وفي الحديث: (إن الله يسأل العبدَ عن جاهه كما يسأله عن ماله وعمره، فيقول: جعلت لك جاهاً فهل نصرت به مظلوماً أو قوّمت به ظالماً أو أغثت به مكروباً!) وفي الحديث أيضاً: (أفضل الصدقة أن تعين من لا جاه له). . . وقال أبو تمام: وإذا امْرُؤٌ أٍَسْدى إليَّ صنِيعَةً ... مِنْ جاهِهِ فكأنّها من مالِه وكان زياد بن أبيه يقول لأصحابه: اشفعوا لمن وراءكم فليس كل من أراد السلطان - يريد: كل من بيده الأمر - وصل إليه، ولا كل من وصل استطاع أن يكلّمه. . . والأصل في هذا قوله سبحانه: ﴿مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً﴾. قال المفسرون: الشفاعة الحسنة: هي التي رُوعي بها حقُّ مسلمٍ ودفع بها عنه شرٌّ أو جُلب إليه خيرٌ وابتغي وجهُ الله ولم

стр. 93

تؤخذ عليها رشوةٌ، والسيئة ما كانت بخلاف ذلك. وقوله سبحانه: يكن له نصيب منها: فذلك النصيب: هو ثواب الشفاعة وجزاؤها عند الله، وقوله يكن له كفل منها: أي نصيب من وزرها مساوٍ لها في القدر، وقوله : وكان الله على كل شيء مقيتاً، فالمقيت: المقتدر من أقات على الشيء إذا قدر، قال الزبير بن عبد المطلب وقيل لأبي قيس بن رفاعة -: وذي ضِغْنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ ... وكنتُ على مَسَاَءتِهِ مُقيتَا وفُسِّر المقيتُ بالحافظ واشتقاقه من القُوت، فإنه يقوّي البدن ويحفظه. ومن أجمل ما قيل في الجود قول حاتم طيء: أماوِيَّ ما يُغْني الثَّرَاءُ عن الفَتَى ... إذا حَشْرَجَتْ يوماً وضاقَ بها الصَّدْرُ

стр. 94

أماوِيَّ إنْ يُصْبِحْ صَدَايَ بِقَفْرَةٍ ... مِنَ الأرْضِ لا ماءٌ لَدَيَّ ولا خَمْرُ تَرَيْ أَنَّ ما أَبْقَيْتُ لمْ أَكُ رَبَّهُ ... وأنَّ يَدِي ممَّا بَخِلْتُ بِهِ صِفْرُ أماوِيَّ إنَّ المَالَ غادٍ ورَائِحٌ ... ويَبْقَى مِنَ المَالِ الأحاديثُ والذِّكرُ غنِينَا زَماناً بالتَّصَعْلُكِ والغِنى ... وكُلاًّ سَقاناهُ بكأسَيْهمَا الدَّهْرُ فما زادنا بَأْواً على ذي قَرابةٍ ... غِنانا ولا أزْرَى بأحسابنا الفقْرُ ألست معي في أن على هذه الأبيات مسحةً من الجمال وأثراً بيّناً من الصدق وأن لها لوطةً من ثمّ بالقلب! أليس حاتمٌ يقول: الحق أقول: إنه لا ينبغي لك يا ماوية أن تلوميني على إنفاق مالي في سبيل البرِّ والإلطاف، والتخرق في النوال وقرى الأضياف، أما تعلمين أنّ مال المرء لا يغني عنه شيئاً إذا ما الموت رماه بسهامه وغادر هذه الحياة، أما تعلمين أنَّ المرء متى نُبِذ جسدُه بالعراء وأودع حفرةً موحشةً مقفرةً ليس معه شيء مما كان يحتازه في هذه الدنيا من مال، بدا لك أنّ المال الذي تركته وبخلت به على مستحقيه أصبح

стр. 95

مُلكاً لغيري وأصبحت أنا خالي الوِفاضِ بادي الإنفاض لا أملك من هذا المال شَرْوى نقير! أليس الأخلق بي لذلك أن أنفقه وأتسخّى به على أهليه، فأنتفع بعد موتي - إذا أنا فعلت - بالذكر في الناس والحديث الحسن! وأيّةُ قيمةٍ للمال يا ماويّة، ذلك الذي يجيء ويذهب، ويغدو ويروح! أليس الأخلق بالعاقل الثاقب النظر أن يفيد منه ما هو أبقى على الزمن الباقي من الزمن - أن يفيد منه الذكرَ من طريق إنفاقه، والجود به في وجوه استحقاقه! لقد عشنا يا زوجتي حيناً من الدهر أغنياء كما عشنا حيناً فقراء، وكلاً سقاناه الدهر بكأسيهما، فما أزرى الدهر بأحسابنا، ولا أصغى إناءَ أعراضنا، ولا أسف بأخلاقنا، كما هو شأنه مع ضعفاء النفوس، وكذلك إذ كنا أغنياء، ما أبطرنا الغنى، وما أطغانا، على ذوي قُربانا، لأنّا نعلم علماً ليس بالظن أن المال عرض زائل، أما الجوهر، أما الذكر، أمّا الشرف، أما الخُلق، فكل أولئك هو الذي عليه المعوَّل، وإنه لذخيرة لا تنفد، وهي حسب العاقل الذي راضَ نفسَه على السكون إلى الحقائق، ولم يخلد إلى أمِّ دَفْرٍ باطلِ الأباطيل. . . أما بعد فلقد أذكرتنا هذه العبقرياتُ الكريمة من القول، عبقريةَ رجلٍ من رجالات السلف لقد بلغ المبالغ في الإحسان واصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، وإنه لحقٌّ علينا أن نعرض شيئاً لهذه العبقريّة من الفعال، إذ أنّ كتابنا هذا ليس بمقصور على العبقريّ من القول وإنما نعرض كذلك للعبقريّ من الأناسيّ في أي معنًى من المعاني على شريطة أن يكون ذلك لِماماً، فلا

стр. 96

نُغْفِل الإغفالَ كلَّه ما يعنينا من سير العبقريين، ويمتُّ منها بسببٍ واصلٍ إلى أيّ باب من أبواب هذا الكتاب، ولا نتبسَّط التبسُّط الذي يلحقنا بأصحاب السِّيرِ والمُترجمين؛ وشخصيتنا التي حبب الله إلينا أن نلمَّ بعبقريّتها في باب البرّ والإحسان هو رجلٌ من رجال أسلافنا كما قلنا - هو قاضي القضاة أحمد بن أبي دواد . . . أحمد بن أبي دواد كان هذا أحمد بن أبي دُوادٍ شخصيةً ضخمةً ذاتَ أثرٍ فعّالٍ خالدٍ في تاريخ الإسلام، إذ أنّه كان من أشياع المعتزلة، وكان في طليعة القائلين بخلق القرآنِ، العاملين على ترويج هذه البِدعة، مستظهِراً على ذلك بجاهه ونفوذِه لدى المأمون والمعتصم والواثق. وليس فيه من مَغْمزٍ - في نظر رجال الحديث وأهل السُّنّة والجماعة - إلا هذه. . . قال محمد بن يحيى الصُّولي: لولا ما وضع به نفسَه من محبَّة المِحْنة - مِحْنة القولِ بخلقِ القرآن، وحمل الناس عليه - لاجتمعت الألسن عليه، ولم يُضف إلى كرمِه كرمُ أحدٍ. . . ومن أحبَّ الوقوف على موقف ابن أبي دوادٍ من هذه المسألة فليرجع إلى مظانّها. . . ومن قولهم في مكانته من العلم والأدب، ومنزلته من الجاه والسلطان، ورسوخِ قدمِه في الفضلِ والنُّبلِ ومكارمِ

стр. 97

الأخلاق، وأفاعيلِه المخلَّدة في هذه المعاني - والكلام يدخلُ بعضُه في بعض -: قال أبو العيناء ما رأيت رئيساً قطّ أفصحَ ولا أنطقَ من ابن أبي دُواد، وقال: كان ابن أبي دُوادٍ شاعراً مُجيداً، فَصيحاً بليغاً: وقد ذكره دِعْبِل بن عليّ الخزاعي - الشاعر العبقري - في كتابه الذي جمع فيه أسماءَ الشعراءِ وروى له أبياتاً حِساناً. وقال أبو بكر الجرجاني: سمعت أبا العيناء الضّرير يقول: ما رأيت في الدُّنيا أقومَ على أدبٍ من ابن أبي دُواد - يريد أبو العيناء بالأدب هنا: أدب النفس - ما خرجت من عندِه يوماً قطُّ فقال: يا غلام خُذْ بيده، بل قال: يا غُلام اخرُجْ معه، فكنت أنتقد هذه الكلمة عليه، فلا يخلُّ بها ولا أسمعها من غيره. . . قالوا: وهو أول من افتتح الكلامَ مع الخلفاء، وكانوا لا يبدؤهم أحدٌ حتى يبدؤوه. وقال إبراهيم بنُ الحسن: كنّا عند المأمون، فذكروا من بايعَ من الأنصار ليلةَ العقبة، فاختلفوا في ذلك، ودخل ابن أبي دُواد، فعدَّهم واحداً واحداً بأسمائهم وكُناهم وأنسابهم، فقال المأمونُ: إذا استجلس الناس فاضلاً فمثلَ أحمد، فقال أحمد: بل إذا جالس العالِمُ خليفةً فمثلَ أمير المؤمنين، الذي يفهم عنه، ويكون أعلم بما يقوله منه. وقال أحمد بن عبد الرحمن الكلبي: ابن أبي دُواد رُوحٌ كلُّه من قرنِه إلى قدمِه. وقال لازونُ بن إسماعيل: ما رأيت أحداً قطّ أطوعَ لأحد، من المعتصم لابن أبي دُواد، كان - المعتصم - يُسأل الشيءَ اليسيرَ فيمتنع منه، ثم يدخل ابن أبي دُواد فيكلِّمه في أهله

стр. 98

وفي أهل الثغور وفي الحرمين وفي أقاصي أهل المشرق والمغرب، فيجيبه إلى كلِّ ما يريد، ولقد كلّمه يوماً في مقدار ألف ألف درهم ليُحفرَ بها نهرٌ في أقاصي خراسان، فقال له: وما عليَّ من هذا النهر: فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يسألك عن النظر في أمر أقصى رعيتك، كما يسألك عن النظر في أمرِ أدْناها، ولم يزل يَرْفُق به حتى أطلقها. قالوا: وكان ابتداءُ اتصال ابن أبي دُواد بالمأمون ما حدّث به ابن أبي دُواد نفسُه، قال: كنت أحضر مجلسَ القاضي يحيى بن أكثم، مع الفقهاء، فإنّي عنده يوماً إذ جاءه رسولُ المأمون، فقال له: يقول لك أمير المؤمنين: انْتقِلْ إلينا أنت وجميعُ من معك من أصحابك، فلم يحبَّ أن أحضرَ معه، ولم يستطع أن يؤخِّرَني، فحضرت مع القوم، وتكلّمنا بحضرة المأمون، فأقبل المأمون ينظرُ إليَّ إذا شرعت في الكلام، ويتفهَّم ما أقول، ويستحسنه، ثم قال لي: من تكون؟ فانتسبْتُ له، فقال: ما أخَّرك عنّا؟ فكرهت أن أحيلَ على يحيى، فقلت: حَبْسةُ القدر، وبلوغ الكتاب أجلَه، فقال: لا أعلَمَن ما كان لنا من مجلس إلا حضرتَه، فقلت: نعم، يا أمير المؤمنين، ثم اتصل الأمرُ، وقيل: قدم يحيى بن أكثم قاضياً على البصرة من خراسان، من قبل المأمون، في آخر سنة ٢٠٢ وهو حَدَثٌ، سِنُّه نيفٌ وعشرون سنة، فاستصحب جماعةً من أهل العلم والمروءات، منهم ابن أبي دُواد، فلمّا قدم المأمون بغداد في سنة ٢٠٤ قال ليحيى: اختر لي من أصحابِك جماعةً يجالسونني ويكثرون الدخولَ إليّ، فاختار منهم عشرين، فيهم ابن أبي دُواد، فكثروا على المأمون، فقال: اختر منهم، فاختار عشرة فيهم ابن أبي دُواد، ثم قال: اختر منهم، فاختار خمسةً، فيهم ابن أبي دُواد، واتصل أمرُه. . . وكان من وصية المأمون إلى أخيه المعتصم عند الموت:

стр. 99

وأبو عبد الله أحمد بن أبي دُواد لا يفارقك الشِّرْكة في المشورة في كل أمرك، فإنه موضعُ ذلك، ولا تتّخذنَّ وزيراً، فلما ولي المعتصم، جعل ابن أبي دُواد قاضيَ القضاة مكان يحيى بن أكثم، وكان لا يفعل فِعلاً باطِناً ولا ظاهراً إلا برأيه. . . ولما مات المعتصم وتولى بعده ولده الواثق بالله حسنت حال ابن أبي دُواد، وما زال إلى أن ولِيَ أخوه المتوكل، فأصيب ابن أبي دُواد بالفالج فكانت مدة عظمة ابن أبي دُواد ونفوذه وجاهه نحواً من ثمانٍ وعشرين سنة. . . قال ابن خِلّكان - الذي نعتمد عليه في هذا الباب -: وكان ابن أبي دُواد كثيراً ما يُنشد - ولم يذكر أنهما له أو لغيره -: ما أنْتَ بالسَّببِ الضَّعيفِ وإنّما ... نُجْحُ الأمورِ بقُوَّةِ الأسْبابِ فاليومَ حاجَتُنا إليكَ وإنّما ... يُدْعَى الطَّبيبُ لِشِدَّةِ الأوْصابِ ومن كلامه: ثلاثةٌ ينبغي أن يُبجَّلوا وتُعرفَ أقدارُهم: العلماءُ، وولاةُ العدل، والإخوانُ، فمن استخفَّ بالعلماء أهلكَ دينَه، ومن استخفَّ بالولاةِ أهلكَ دُنياه، ومن استخفَّ بالإخوانِ أهلك مروءتَه، ومن كلامه أيضاً: ليس بكاملٍ مَنْ لم يحمل وليَّه على منبرٍ ولو أنّه حارسٌ، وعدوَّه على جِذْعٍ ولو أنّه وزير

стр. 100

وكان بين ابن أبي دُواد وبين الوزير الجبّار محمد بن عبد الملك الزيات، الذي تؤثر عنه هذه الكلمة: الرَّحْمة خَوَرٌ في الطّبيعة - منافساتٌ وشحناء، حتى إن شخصاً كان يصحب ابن أبي دُواد ويختصُّ بقضاء حوائجه، منعَه الوزير المذكورُ من التردّد إليه، فبلغ ذلك ابن أبي دُوادٍ، فجاء إلى الوزير وقال: والله، ما أجيئك متكثّراً بِك من قلّة، ولا متعزّزاً بك من ذِلّة، ولكن أمير المؤمنين رتَّبك مرتبةً أوجبت لقاءَك، فإن لقيناك فلَه، وإن تأخّرنا عنك فلك. . . ثم نهض من عنده. . . قال ابن خلكان: وكان فيه - في ابن أبي دُواد - من المكارم والمحامد ما يستغرق الوصفَ. . . وكان يقال: أكرم من كان في دولةِ بني العباس البرامكةُ ثم ابن أبي دُواد. . . حدث الجاحظ قال: غضب المعتصم على رجلٍ من أهل الجزيرة الفراتية، وأُحضِر السيفُ والنطعُ فقال له المعتصم: فعلْتَ وصنَعْتَ، وأمر بضربِ عنُقه: فقال له ابن أبي دُواد: يا أميرَ المؤمنين، سبقَ السيفُ العَذَلَ، فتأنَّ في أمره فإنّه مظلوم، قال: فسكن المعتصم

стр. 101

قليلاً: قال ابن أبي دُواد: وغمرني البولُ فلم أقدِرْ على حَبْسِه، وعلمت أنّي إن قمتُ قُتِلَ الرجلُ، فجمعت ثيابي تحتي وبُلْتُ فيها، حتى خلّصتُ الرجل قال: فلمّا قمت نظر المعتصمُ إلى ثيابي رطبةً فقال: يا أبا عبد الله، أكان تحتكَ ماءٌ؟ فقلت: لا، يا أمير المؤمنين، ولكنّه كان كذا وكذا! فضحك المعتصم، ودعا لي وقال، أحسنت، باركَ اللهُ عليك، وخلَعَ عليه وأمر له بمائة ألف درهم. . . وقال أبو العيناء: كان الأفشينُ - التركي وكن من أجلِّ قوادِ المعتصم، وأبلى في أمر بابكٍ الخُرَّميِّ بلاءً حَمِدَه له - يحسد أبا دُلَفَ القاسمَ بن عيسى العجلي - وهو كذلك أحد قواد المأمون ثم المعتصم من بعده، وكان تحت إمرة الأفشين في حرب بابك - للعربية والشجاعة

стр. 102

فاحتال عليه حتى شهد عليه بجنايةِ قتلٍ، فأخذه ببعض أسبابه، فجلس له وأحضره، وأحضر السيّافَ ليقتلَه، وبلغ ابنَ أبي دُؤاد الخبرُ، فركب من وقته مع من حضر من عُدوله، فدخل على الأفشين، وقد جيء بأبي دُلَفٍ ليُقتل، فوقف، ثم قال: إنّي رسولُ أمير المؤمنين إليك، وقد أمرك أن لا تُحْدِثَ في القاسم بن عيسى حَدثاً حتى تسلِّمَه إليَّ، ثم التفت إلى العُدول وقال: اشهدوا أني أدَّيتُ الرسالةَ إليه عن أمير المؤمنين والقاسم حيٌّ معافًى، فقالوا: قد شهدنا، وخرج، فلم يقدر الأفشين عليه، وسار ابن أبي دُواد إلى المعتصم من وقته، وقال: يا أمير المؤمنين، قد أدَّيت عنك رسالةً لم تقُلْها لي، ما أعتدُّ بعملِ خيرٍ خيراً منها، وإني أرجو لك الجنّة بها، ثم أخبره الخبر، فصوَّب رأيَه، ووجَّه من أحضر القاسم، فأطلقه ووهب له: وعنّف الأفشين فيما عزم عليه. . . ومن مُروءاته: أن المعتصم كان قد اشتدّ غيظُه على محمد بن الجهم البرمكي، فأمر بضرب عُنقِه، فلما رأى ابن أبي دُواد ذلك وأنْ لا حيلةَ له فيه وقد شُدَّ برأسِه وأقيمَ في النّطع وهُزَّ السيفُ قال ابن أبي دُوادٍ للمعتصم: وكيف تأخذ مالَه إذا قتلتَه؟ قال المعتصم: ومن يحول بيني وبينَه؟ قال: يأبى اللهُ تعالى ذلك، ويأباه رسولُ الله ﷺ ويأباه عدلُ أميرِ المؤمنين، فإنَّ المالَ للوارثِ إذا قتلتَه حتى تقيمَ البيِّنةَ على ما فعلَه، وأمرُه باستخراجِ ما اختانَه أقربُ عليكَ وهو حيٌّ، فقال: احبِسوه حتّى يُناظرَ، فتأخَّر أمرُه على مالٍ حَمله أي كفله وخلَصَ محمد. . . وقال أبو العيناء: غضب المعتصم على خالد بن يزيد بن مزيد الشيباني، وأشخصه من ولايته، لعجزٍ لحِقَه في مالٍ طُلِبَ منه، وأسبابٍ غيرِ ذلك، فجلس المعتصم لعقوبتِه، وكان قد طرح نفسه على ابن أبي دُواد، فتكلّم فيه فلَمْ يُجبْه المعتصمُ،

стр. 103

فلما جلس لعقوبته حضر ابن أبي دُواد، فجلس دون مجلسه، فقال له المعتصم: يا أبا عبد الله، جلست في غير مجلسِك! فقال له: ما ينبغي أن أجلسَ إلا دونَ مجلسي هذا. . . فقال له: وكيف؟ قال: لأنّ الناس يزعُمون أنّه ليس موضعي موضعَ مَنْ يَشفع في رجل فلا يُشفَّع، قال: فارجع إلى مجلسك، قال: مُشَفّعاً أو غيرَ مُشَفّعٍ؟ فقال: بل مُشَفّعاً، فارتفع إلى مجلسه، ثمّ قال: إن الناس لا يعلمون رضا أمير المؤمنين عنه إن لم يَخلع عليه - فأمر بالخلع عليه، فقال: يا أمير المؤمنين، قد استحقّ هذا وأصحابُه رزقَ ستةِ أشهرٍ لا بدَّ أن يقبضوها، وإن أمرت لهم بها في هذا الوقت قامت مقامَ الصِّلة، قال: قد أمرت لهم بها، فخرج خالد وعليه الخِلع، والمالُ بين يديه، وإن الناس ينتظرون في الطرق الإيقاعَ به، وصاح رجلٌ: الحمد لله على خلاصك يا سيِّد العرب، فقال خالد: اسكت، سيد العرب والله أحمد بن أبي دُواد. . . وقال الواثق يوماً لابن أبي دُواد - تضجُّراً بكثرة حوائجه: قد اختلّت بيوتُ المالِ بطلباتك لِلائذين بك والمتوسّلين إليك! فقال: يا أمير المؤمنين، هي نتائجُ شكرُها متّصلٌ بك، وذخائرُ أجرُها مكتوبٌ لك. وما لي من ذلك إلا أن أخلّدَ المدحَ فيك، فقال: أحسنت. وبعد فلْنتجزأ بهذا المقدار من مساعي ابن أبي دُواد سيّد العرب وعبقريِّها في النجدة والمروءة والكرم والأريحية والشجاعة الأدبيّة

стр. 104

وما لَفّ لِفّ هذه المعاني الكريمة مما انبعثت له قرائح فحول شعراء الإسلام، أمثال أبي تمام، فأنطقتهم بالمأثورِ من الشعر الفخم، وامتدحوا به هذا الرجل العظيم، فقال أبو تمام: لقد أنْسَتْ مَساوِيَ كلِّ دَهرٍ ... محاسِنُ أحمدَ بْنِ أَبي دُوادِ وما سافَرْتُ في الآفاقِ إلا ... ومِن جَدْواكَ رَاحِلَتي وزادي قال علي الرازي: رأيت أبا تمّام عند ابن أبي دُواد ومعه رجلٌ يُنشد عنه قصيدةً منها هذان البيتان، فلما أنشدهما قال ابن أبي دُواد لأبي تمام: هذا المعنى تفرّدت به أم أخذْتَه؟ فقال: هو لي، وقد ألممت فيه بقول أبي نواس: وإنْ جَرَتِ الألفاظُ مِنَّا بِمِدْحَةٍ ... لغيركَ إنْساناً فأنْتَ الذي نَعْنِي ومدحه أبو تمام أيضاً بقصيدته التي أوّلها: أَرَأَيْتَ أَيَّ سوالِفٍ وخُدُودِ ... عَنَّتْ لنا بين اللِّوى وزَرُودِ وفيها الأبيات الثلاثة البديعة في الحسد: وإذا أرادَ اللهُ نَشْرَ فضِيلَةٍ ... طُوِيَتْ أتاحَ لها لسانَ حَسودِ لولا اشْتعالُ النارِ فيما جاوَرَتْ ... ما كانَ يُعْرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ لولا التَّخَوُّفُ لِلعواقِبِ لم تزلْ ... للحاسِدِ النُّعمَى على المحْسُودِ ودخل أبو تمام عليه يوماً، وقد طالت أيامُه في الوقوف ببابه ولا يصل إليه، ولما وصل قال له ابن أبي دُواد، أحسبك عاتباً يا أبا تمام، فقال أبو تمام: إنّما يُعْتَبُ على واحدٍ وأنت الناسُ جميعاً، فكيف يُعتب عليه! فقال له: من أين لكَ هذا يا أبا تمّام؟ فقال من قول الحاذق - يعني أبا نواس - في الفضل بن الربيع:

стр. 105

وليس على اللهِ بِمُسْتَنْكَرٍ ... أَنْ يجمعَ العالَمَ في واحدِ ولمّا وُلِّي ابنُ أبي دُواد المظالمَ قال أبو تمام قصيدةً يتظلَّم إليه، من جملتها قوله: إذا أنْتَ ضَيَّعْتَ القَريضَ وأَهْلَهُ ... فلا عجَبٌ إنْ ضَيَّعَتْهُ الأعاجِمُ فقدْ هَزَّ عِطْفَيْه القريضُ توَقُّعاً ... لِعَدْلِك مُذْ صارتْ إليك المَظالِمُ ولولا خِلاَلٌ سَنَّهَا الشعرُ ما دَرَى ... بُغاةٌ العُلى مِنْ أين تؤْتَى المَكارِمُ ومدائح أبي تمام وغير أبي تمام فيه كثيرةٌ متوافرة. . . وقال أبو بكر بنُ دريد: كان ابن أبي دُواد مؤالفاً لأهل الأدب من أيّ بلدٍ كانوا، وكان قد ضمّ منهم جماعةً يعولهم ويموِّنُهم، فلما مات حضر ببابه جماعةٌ منهم وقالوا يُدفن من كان ساقةَ الكرمِ وتاريخَ الأدبِ ولا نتكلم فيه! إنّ هذا وهنٌ وتقصير، فلما طلع سريرُه قام إليه ثلاثةٌ منهم، فقال أحدهم: اليومَ ماتَ نِظامُ المُلْكِ واللَّسَنِ ... وماتَ من كان يُسْتَعْدَى على الزَّمَنِ

стр. 106

وأظْلمَتْ سُبُلُ الآدابِ إذْ حُجِبَتْ ... شمْسُ المكارِمِ في غَيْمٍ مِنَ الكَفَنِ وتقدم الثاني فقال: تَرَكَ المنابِرَ والسَّريرَ تَواضُعاً ... وله مَنَابرُ لَوْ يَشا وسَريرُ ولغيره يُجْبَى الخراجُ وإنّما ... تُجْبَى إليْهِ مَحَامِدٌ وأُجُورُ وتقدم الثالث فقال: وليس فَتِيقُ المسْكِ رِيحَ خُيُوطِهِ ... ولكنَّهُ ذاك الثناءُ المُخَلَّفُ وليس صَريرُ النَّعْشِ ما تَسْمَعُونَهُ ... ولكنه أصْلابُ قوْم تَقَصَّفُ رسالة للجاحظ ينضح فيها عن الجود وبعد فلنعطف على كلامهم في الجود وذمِّ البخل: أورد الجاحظ في كتابه البخلاء رسالةً جميلةً جداً نسبها إلى أبي العاصي بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي - أرسلها إلى رجلٍ من عشيرته، وقد سمع بأنه يجلس إلى قوم من البخلاء، أمثال سهل بن هارون والأصمعي، وقد تأثّر بمذهبهم في البُخل وامتداحهم إيّاه، فكتب إليه هذه الرسالةَ ينعى فيها على البخلاء مذهبَهم، ويذمُّ البخل وينوِّه بالجود - ونحن فإنّا نقتطف من هذه الرسالة نُتفاً ونترك سائرها لمن يحبّ أن يراجعها في كتاب البخلاء - قال:

стр. 107

وهل تزيد حالُ من أنفق جميعَ ماله، ورأى المكروهَ في عيالِه، وظهر فقرُه، وشَمَِت به عدوُّه، على أكثر من انصراف المؤنسين عنه، وعلى بُغض عيالِه، وعلى خُشونة الملبس، وجُشوبة المأكل؟ وهذا كلُّه، مجتمع في مَسك البخيل، ومصبوبٌ على هامةِ الشّحيح، ومعجَّلٌ للئيم وملازمٌ للممنوع؛ ألا إن المنفقَ قد ربح المحمدة، وتمتّع بالنعمة، ولم يعطّل المقدرة ووفّى كلَّ خصلة من هذه حقّها، ووفَّر عليها نصيبَها، والممسكُ معذَّب، بحصر نفسه، وبالكدِّ لغيره؛ مع لزوم الحجة، وسقوط الهمّة والتعرُّض للذمِّ والإهانة، ومع تحكيم المِرّة السوداء في نفسه وتسليطها على عرضِه، وتمكينها من عيشِه، وسرورِ قلبه. إن الله جوادٌ لا يبخل، وصدوقٌ لا يكذب، ووفيٌ لا يغدر، وحكيمٌ لا يعجل، وعدلٌ لا يظلم. وقد أمرنا بالجود، ونهانا عن البخل، وأمرنا بالصدق، ونهانا عن الكذب، وأمرنا بالحلم، ونهانا عن العجلة، وأمرنا بالعدل، ونهانا عن الظلم، وأمرنا بالوفاء، ونهانا عن الغدر.

стр. 108

فلم يأمرنا إلا بما اختار لنفسِه، ولم يزجُرْنا إلا عمّا لم يرضَه لنفسه: وقد قالوا بأجمعهم: إنَّ الله أجودُ الأجودين، وأمجد الأمجدين؛ كما قالوا: أرحم الراحمين، وأحسن الخالقين. وقالوا في التأديب لسائليهم، والتعليمِ لأجوادِهم: لا تُجاوِدوا اللهَ فإنَّ الله - جلَّ ذكرُه - أجودُ وأمجدُ. وذكر نفسه ﷻ ، وتقدّست أسماؤه - فقال: ﴿ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ و ﴿ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقال: ﴿ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾. وذكروا النبيَّ ﷺ ، فقالوا: لم يضع درهماً على درهمٍ، ولا لبنةً على لبنةٍ. وملك جزيرةَ العرب، فقبضَ الصدقاتِ، وجُبيت له الأموال، ما بين غُدرانِ العراق إلى شَحْرِ عُمان إلى أقصى مَخاليفِ اليمن ثم تُوفّيَ وعليه دينٌ، ودِرْعُه مرهونةٌ. ولم يُسأل حاجةً قطّ فقال: لا. وكان إذا سُئل أعطى، وإذا وَعد أو أطمع، كان وعدُه كالعِيان، وإطماعُه كالإنجاز. ومدحته الشعراء بالجود. وذكرته الخطباءُ بالسَّماح. ولقد كان يهب للرجل الواحد الضَّاجعةَ من الشاءِ والعَرْجَ من الإبل - وكان أكثر ما يهب الملِكُ من العرب مائةَ بعير، فيقال: وَهب هُنيدةً. وإنما

стр. 109

يقال ذلك، إذا أريد بالقول غايةُ المدح، ولقد وهب لرجلٍ ألفَ بعير. فلمّا رآها تزدحم في الهوادي قال: أشهد أنّك نبيٌّ. وما هذا مما تجودُ به الأنفُسُ. وأجْمعتِ الأممُ كلُّها بخيلُها وسخيُّها وممزوجُها على ذمِّ البخل، وحَمْدِ الجود، كما أجمعوا على ذمِّ الكذب وحَمْدِ الصدق. فمن أراد أن يخالف ما وصف الله - جلَّ ذكرُه - به نفسَه، وما منح من ذلك نبيَّه ﷺ ، وما فَطرَ على تفضيله العربَ قاطبةً، والأممَ كافةً، لم يكن عندنا فيه إلا إكفارُهُ واستسقاطُه. ولَمْ نرَ الأمةَ أبغضت جواداً قطّ ولا حقَرَتْه، بل أحبّته وأعظمته، بل أحبّت عَقِبَه وأعظمت من أجله رَهْطَه. ولا وجدناهم أبغضوا جواداً، لمجاوزته حدَّ الجود إلى السَّرف، ولا حقَرَتْه، بل وجدناهم يتعلمون مناقبَه، ويتدارسون محاسنَه، وحتى أضافوا إليه من نوادِرِ الجميل ما لم يفعله ونَحَلوه من غرائب الكرم ما لم يكن ليبلغَه، ولذلك زعموا أن الثناء في الدنيا يُضاعف كما تُضاعف الحسنات في الآخرة. نعم، وحتى أضافوا إليه

стр. 110

كلَّ مديح شارد، وكلَّ معروفٍ مجهولِ الصاحب. ثمَّ وجدنا هؤلاء بأعيانهم للبخيل على ضدِّ هذه الصفة، وعلى خلاف هذا المذهب: وجدناهم يُبغضونه مرَّة، ويُحقِّرونه مرَّة، ويُبغضون بفضل بغضه ولدَه، ويحتقرون بفضل احتقارهم له رَهْطَه، ويضيفون إليه من نوادر اللؤم ما لم يبلُغْه، ومن غرائب البُخل ما لم يفعله، وحتى ضاعفوا عليه من سوء الثناء بقدر ما ضاعفوا للجواد من حسن الثناء. وعلى أنَّا لا نجد الجوائحَ إلى أموال الأسخياء، أسرعَ منها إلى أموال البخلاء، ولا رأينا عددَ من افتقر من البخلاء أقلَّ. والبخيل عند الناس ليس هو الذي يبخل على نفسه فقط، فقد يستحقّ عندهم اسمَ البخيل ويستوجب الذمَّ، من لا يدع لنفسه هَوىً إلا ركبَه، ولا حاجةً إلا قَضاها، ولا شهوةً إلا ركبها وبلغ فيها غايتَه. وإنّما يقع عليه اسمُ البخيل، إذا كان زاهداً في كل ما أوجب الشكرَ، ونوّه بالذكر، وادّخر الأجر. وقد يُعَلِّق البخيلُ على نفسِه من المُؤن، ويُلْزِمها من الكُلَف، ويتخذ من الجواري والخدم، ومن الدوابِّ والحشم، ومن الآنية العجيبة، ومن البِزَّة الفاخرة. والشّارة الحسنة، ما يُربي على نفقة السخيِّ المثري ويَضْعف على جودِ الجوادِ الكريمِ فيذهب مالُه وهو مذمومٌ، ويتغيَّر
следующие страницы →