Полный текст (628 стр.). Показаны 596–628 · переход к 601.
стр. 596
فلَوْ كانَ لي رأسانِ أتْلَفْتُ واحِداً ... ولكنَّه رأسٌ إذا زال أعْقَما
ولَوْ كانَ مُبتاعاً لدى السُّوقِ مِثلُه ... فَعَلْتُ ولَمْ أحْفِلْ بأنْ أتَقَدَّما
وقال:
يقولُ ليَ الأميرُ بِغَيْرِ نُصْحٍ: ... تَقدَّمْ حينَ جَدَّ بِنا المِراسُ
وما لي إنْ أطَعْتُك مِنْ حَياةٍ ... وما لي بعدَ هذا الرّاسِ راسُ
وقيل لجبان: لِمَ لا تقاتل؟ فقال: عندَ النِّطاحِ يُغلبُ الكبشُ الأجمُّ الأجم: الذي لا قَرْنَ له، وهذا مثلٌ يضربُ لِمَنْ غلبَه صاحبُه بِما أعدَّ له
وقالوا: الشُّجاع مُلْقًى والجَبانُ مُوقًى، وقال البديع الهمذاني:
ما ذاقَ هَمّاً كالشُّجاعِ ولا خَلا ... بِمَسرَّةٍ كالعاجِزِ المُتواني
وهرب سليمان بن عبد الملك من الطاعون فقيل له: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾. فقال ذلك القليلَ نُريد.
هارِبٌ يعتذر عن هربه
بأنّه نَبْوَة أو قَدَر
قال زُفَرُ بنُ الحارث وقد فرَّ يومَ مَرْج راهط عن رفيقيه:
أيَذْهبُ يومٌ واحِدٌ إنْ أسأتُه ... بِصالِحِ أيّامي وحُسْنِ بَلائيا
فلَمْ تُرَ مِنِّي زَلَّةٌ قَبْلَ هَذِه ... فِراري وتَرْكي صاحِبيَّ وَرائِيا
وقديماً قال عمرو بن معد يكرب - وكان قد فرّ من بني عبس:
وليسَ يُعابُ المَرْءُ مِنْ جُبْنِ يَوْمِه ... إذا عُرِفَتْ مِنْهُ الشَّجاعةُ بالأمْسِ
وقد تقدَّم قولُ الشاعر الجبان:
стр. 597
قامَتْ تُشَجِّعُني هِنْدٌ فقُلْتُ لَها: ... إنّ الشَّجاعةَ مَقْرونٌ بِها العَطَبُ
لا والّذي مَنَعَ الأبْصارَ رؤيتَه ... ما يَشْتهي المَوْتَ عِنْدي مَنْ لَهُ أرَبُ
لِلْحَرْبِ قومٌ أضَلَّ اللهُ سَعْيَهمُ ... إذا دَعَتْهُمْ إلى نيرانِها وَثبوا
ولَسْتُ مِنْهم ولا أهْوى فِعالَهُمُ ... لا القَتلُ يُعْجِبني مِنْها ولا السَّلَبُ
وجاء في كليلة ودمنة: إنّ الحازمَ يكرهُ القِتالَ ما وجد بُدّاً منه، لأنّ النفقةَ فيه من الأنْفسِ والنفقةَ في غيره من المال. وفي هذا المعنى يقول أبو تمام:
كَمْ بينَ قَوْمٍ إنّما نَفَقاتُهم ... مالٌ وقَوْمٍ يُنْفِقون نُفوسا
المتخلفُ عن قومه
قالوا: الشُّجاعُ يقاتلُ مَنْ لا يَعْرفُه، والجبانُ يَفِرُّ من عِرْسِه، والجوادُ يُعطي مَنْ لا يسأله،
والبخيل يَمْنعُ مِنْ نفسِه. وقال الشاعر:
يَفِرُّ جَبانُ القومِ عَنْ أمِّ نفسِه ... ويَحْمي شُجاعُ القومِ مَنْ لا يُناسِبُهْ
ويُرْزقُ مَعْروفَ الجوادِ عَدُوُّه ... ويُحْرمُ مَعْروفَ البَخيلِ أقارِبُهْ
وقال حسان بن ثابت ﵁ يعيِّر الحارثَ بن هشام حين فَرَّ يوم بدر:
إنْ كُنْتِ كاذِبةَ الّذي حَدَّثْتِني ... فَنَجَوْتِ مَنْجى الحارِثِ بنِ هِشامِ
تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دونَهم ... ونَجا بِرأسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
مَلأتْ بهِ الفَرْجَيْنِ فارْمَدَّتْ بهِ ... وثَوى أحِبّتُه بِشَرِّ مُقامٍ
الطِّمِرّة: الفرسُ الكثيرُ الجري، والفَرْجان: ما بين يديها ورِجْلَيْها وملأتهما: ملأتهما جَرْياً.
وارمدَّت: أسرعت، وثوى: أقام
стр. 598
وقال أبو تمام من قصيدة يمدح بها المعتصمَ ويذكر هزيمة بابك الخُرَّمِيِّ:
ونَجا ابْنُ خائِنِةِ البُعولَةِ لَوْ نَجا ... بِمُهَفْهَفِ الكَشْحَيْنِ والآطالِ
تَرَكَ الأحِبَّةَ سالِياً لا ناسِياً ... عُذْرُ النَّسِيِّ خِلافُ عُذْرِ السَّالي
خائنة البُعولة: كنايةٌ عن الزانية، والكَشْحان: جانِبا البطن من ظاهر وباطن، والمهفهف: الضامر الدقيق، والآطال جمع إطِل وإطْل كإبِل وإبْل: الخاصرة، والنَّسِيّ: الناسي
من نجا وقد استولى عليه الخوف
قال أبو تمام من قصيدةٍ يمدح بها أبا دُلَفٍ ويذكر هزيمة بابكٍ الخُرَّمِيَّ كذلك:
ظلَّ القَنا يَسْتَقي مِنْ صفِّه مُهَجاً ... إمّا ثِماداً وإمّا ثَرَّةً خُسَفا
مِنْ مُشْرِقٍ دَمُهُ في وَجْهِه بَطلٌ ... وواهِلٍ دَمُهُ للرُّعْبِ قد نُزِفا
فذاكَ قَدْ سُقِيَتْ مِنْه القَنا جُرَعاً ... وذاكَ قدْ سُقِيَتْ مِنْه القَنا نُطَفا
من صفِّه: من صفّ بابك، والمُهج جمع مُهْجة: دم القلب. والثِّماد: الماء القليل، والثرّة: من قولهم: عينٌ ثرّة: كثيرة الماء، والخُسْفُ جمعُ خَسيف وخَسوف: البئر لا ينقطع ماؤها، والواهل الخائف جداً، ونزف: ذهبَ دمُه، وبطل إمّا قرأته بالرفع على أنّ دمه مبتدأ وبطل خبر ولك أن تقرأه بالخفض على أنّه مردود إلى مُشرق ويكون دمه فاعل مشرق وقوله: فذاك. . . . . البيت أراد أبو تمام أن يقول: البطل الذي دمُه في وجهه سَقيْت الرماحَ منه جُرعاً، أي كثيراً والجبان الذي طار دمه من
стр. 599
الفزع سَقيت منه نُطفاً أي قليلاً وقد يُعبّر عن
الكثير بالنُّطفةِ فيكون: الأول مُراداً به الجبان والثاني مُراداً به البطل.
وقيل لرجلٍ تعرَّض له الأسدُ فأفلتَ منه: كيف حالُك؟ قال: سَلِمْتُ غيرَ أنّ الأسدَ خَرأ في سَراويلي. . .
وقالت امرأةٌ من بني المهلّب:
فإنْ ثَبُتوا فَعُمْرُهُمُ قَصيرٌ ... وإنْ هَرَبوا فوَيْلُهُمُ طويلُ
تسلية المُنهزم
قال المتنبي يعتذرُ عن سيف الدولة في هزيمةٍ وَقَعتْ لجماعةٍ من جيشه:
قُلْ للدُّمُسْتُقِ إنَّ المُسلَمينَ لكُمْ ... خانوا الأميرَ فَجازاهُمْ بِما صَنَعوا
وجَدْتُموهُمْ نِياماً في دِمائِكُمُ ... كأنَّ قَتْلاكُمُ إيّاهُمُ فَجَعوا
لا تَحْسَبوا مَنْ أسَرْتُمْ كانَ ذا رَمَقٍ ... فلَيْسَ يأكُلُ إلا الميِّتَ الضَّبُعُ
وإنَّما عَرَّضَ اللهُ الجُنودَ بِكُمْ ... لِكَيْ يكونوا بلا فَسْلٍ إذا رَجَعوا
فكُلُّ غَزْوٍ إليكُمْ بَعْدَ ذا فلَه ... وكلُّ غازٍ لِسَيْفِ الدَّوْلةِ التّبَعُ
الدُّمستق: قائد جيش الروم؛ و: المُسلَمين - بفتح اللام -: الذين أسلَمهم سيفُ الدَّولة للعدوِّ لتخاذلِهم عَنْه، وقوله: وجدتموهم. . . ألبيت هو بيانٌ لما صَنعوا، وقوله: في دمائكم: أي في دماء قتلاكم وذلك أنهم تخلّلوا قتلى الروم فتلطّخوا بدمائِهم، وألقوا أنفسهم بينهم تشبُّهاً بهم خوفاً من الروم، ثم قال: كأنّهم كانوا مَفجوعين بقتلاكم فهم فيما بينهم يتوجّعون لهم. وقوله: لا تحسبوا من أسَرْتم. . . ألبيت، يقول: ليسَ لكم أن تفخروا
стр. 600
بهؤلاء الذين أسرتم ولا تظنوهم كان فيهم رمقٌ - بقية حياة - وإنّما هم أموات، من الجبن والخوف، وأنتم لخِسَّتكم ودناءة نفوسكم لا تقدرون إلا على أمثالهم، كما أنّ الضَّبُعَ لا تفترس إلا الجثث الميّتة. وقوله: وإنما عرَّض الله. . . البيت يقول: إنّما خذل الله هؤلاء الجنود وجعلهم لكم عِرضة ليطهّر الله عسكرَ سيف الدولة من أمثالهم فيعودَ إليكم بجنودٍ أبطالٍ ليس فيهم فَسْلٌ ولا نذلٌ. وقوله: فكلُّ غزْوٍ إليكم. . . البيت يقول فكلّ غزوة إليكم بعد اليوم تكون له لا عليه لأنّ الأدنياء من جنوده قد أسِروا ولم يَبْقَ إلا المختارون من الأخيار، وكلُّ غازٍ تبعٌ له لأنه سيِّد الغزاة.
ولمَّا انهزم بعضُ القواد دخل عليه بعض الأفاضل فقال: الحمد لله الذي نظر لَنا عليك ولم
ينظر لك علينا، فقد تقدَّمْتَ للشهادةِ بجهدك ولكن علمَ اللهُ حاجَتنا إليكَ فأبقاك لنا.
صدر من عبقرياتهم في الجبن
قال : ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾. . .
وقالت عائشة ﵂: (إنّ لله خلقاً قلوبُهم كقلوب الطير، كلَّما خففتِ الريحُ خفقت معها، فأُفٍّ للجبناء، أُفٍّ للجبناء).
ومما قيل في الجبن من الشعر القديم قولُ القائل:
ولَوْ أنَّها عُصْفورةٌ لَحَسِبْتَها ... مُسَوَّمةً تَدْعو عُبيداً وأرْنَما
يقول لَوْ رأيتُ عُصفورةً لحسبتها من جُبنك خيلاً مُسَوّمةً، وعُبيد وأرنم: قبيلتان
стр. 601
ومثله قول عروة بن الورد:
وأشْجَعُ قدْ أدْرَكْتُهمْ فَوَجَدْتُهُمْ ... يَخافونَ خَطْفَ الطَّيْرِ مِنْ كُلِّ جانِبِ
وقال الآخر:
ما زِلْتَ تَحْسبُ كلَّ شَيْءٍ بَعْدَهُمْ ... خيلاً تَكُرُّ عليْهِمُ ورِجالا
وقال ابن الرومي:
وفارِسٍ أجْبنَ من صِفْرِدٍ ... يَحولُ أو يَغورُ مِنْ صَفْرَهْ
لو صاحَ في الليلِ بهِ صائِحٌ ... لكانَتِ الأرْضُ لهُ طَفْرَهْ
يَرْحَمُه الرَّحْمنُ مِنْ جُبْنِه ... فيَرْزُقُ الجُنْدَ به النُّصْرَهْ
الصِفْرِد: طائرٌ جبان يقال له: أبو المليح
وقال أبو تمام:
حَيْرانُ يَحْسَبُ سَجْفَ النَّقْعِ مِن دَهَشٍ ... طَوْداً يُحاذِرُ أنْ يَنْقَضَّ أوْ جُرُفا
السَّجْفُ: السّتر، والنَّقع: غبارُ الحرب، والطَّود: الجبل، والجُرْف: جانب الجبل الأملس
وقال دِعْبل:
كأنَّ نفسَه مِنْ طولِ حَيْرتِها ... مِنْها على نفسِه يومَ الوَغى رَصَدُ
وأتيَ الحجاجُ برجلٍ من أصحاب ابن الأشعث، فقال للحجّاج: أسألك أن تقتلَني وتخلِّصَني، فقال له الحجاج: لِمَهْ؟ فقال: إنّي أرى كلَّ ليلةٍ في المنام أنّك تقتلُني، وقِتْلةٌ واحدةٌ خيرٌ، فضحِكَ وخلّى سبيلَه.
стр. 602
من يظهر الشجاعة خارجَ الحرب ويجبُنُ فيها
قالوا: فلانٌ يَتَثَعْلَبُ في الهيجاءِ ويَتَنمََّرُ في الرخاء.
وقال دعبل:
أسودٌ إذا ما كانَ يومُ كريهةٍ ... ولكِنَّهُمْ يومَ اللقاءِ ثَعالِبُ
وقال:
عَيْرٌ رأى أسَدَ العَرينِ فراعَه ... حتَّى إذا ولَّى تَولّى يَنْهَقُ
وقال آخر:
يَفِرُّ بِحَيْثُ تَخْتلِفُ العَوالي ... وإنْ يأمَنْ فَذو كِبْرٍ وتيهِ
عبقريات شتى في الشجاعة والحرب
قالوا: أحسنُ ما قيل في وصف الحربِ والمتحاربين قولُ الأول:
كأنَّ الأفْقَ مَحْفوفٌ بِنارٍ ... وتَحْتَ النارِ آسادٌ نَزيرُ
ومما يتصل بذلك ما قيل في ليالي صفّين:
اللَّيْلُ داجٍ والكِباشُ تَنْتَطِحْ ... نِطاحَ أسْدٍ ما أُراها تَصْطَلِحْ
فَمَنْ يُقاتِلْ في وَغاها ما نَجا ... ومَنْ نَجا بِرأسِه فَقَدْ رَبِحْ
стр. 603
وكان يزيد بن عُمَر بن هُبَيرة والي العَراقين من قبل بني أميّة لا يُمِدُّ نَصْرَ بنَ سيّارٍ واليَ خُراسان مِنْ قِبَلهِ بالرجال، ولا يرفع ما يَرِدُ عليه من أخبار خُراسان إلى مروان بن محمد آخر الدولة الأموية، فلمّا كثر ذلك على نصر كتب إليه كتاباً وفيه هذه الأبيات:
أرى خَلَلَ الرَّمادِ وَميضَ جَمْرٍ ... ويُوشِكُ أنْ يكونَ له ضِرامُ
فإنَّ النارَ بالعودينِ تُذْكى ... وإنَّ الحَرْبَ أوَّلُها الكَلامُ
فإنْ لَمْ يُطْفِها عُقلاءُ قَوْمٍ ... يكونُ وَقودَها جُثَثٌ وهامُ
فقُلْتُ مِنَ التَّعَجُّبِ لَيْتَ شِعْري ... أأيْقاظٌ أميَّةُ أمْ نِيامُ
قوله: وإن الحرب أولها الكلام نحوه قول بعضهم: إن الفتنة تُلْقَحُ بالنّجوى وتُنْتَجُ بالشّكوى. . .
ومما قيل في كثرة الجيش من قديمِ الشعر قولُ الأخنس بنِ شهاب التَّغلبي وهو ممّن حضرَ حربَ البسوس:
بِجأواَء يَنْفي وِرْدُها سَرَعانَها ... كأنَّ وَميضَ البَرْقِ فيها كَواكِبُ
الجأواء: الكتيبة يَضربُ لونُها إلى الكُلْفة - اللون الكدر - وذلك من صدأ الحديد، والسَّرَعان: الأوائل، يقول: إن المياهَ لا تسعهم والأماكنَ تضيق بهم فكلّما نزلت فرقةٌ منهم رحل مَنْ تقدّمهم
وقول أوس بن حجر:
стр. 604
تَرى الأرْضَ مِنَّا بالفَضاءِ مَريضةً ... مُعَضِّلةً مِنّا بِجَمْعٍ عَرَمْرَمِ
عَضَّلَتِ الأرْضُ بأهْلِها: إذا ضاقت بهم لكثرتهم! وعَضَّلتِ المرأةُ بولدِها تعضيلاً: إذا نَشِبَ الولدُ فَخَرجَ بعضُه ولَمْ يَخْرُجْ بَعْضٌ فبَقِيَ مُعْتَرِضاً
وقال أبو نواس:
أمامَ خَميسٍ أدْجُوانٍ كأنَّه ... قَميصٌ مَحوكٌ مِنْ قنًا وجِيادِ
الأدْجوانُ: الأسود، واشتقاقه مِنَ الدُّجى، ويروى: أرْجُوانٍ، وهْوَ: الأحْمر
وقال ابن الرومي:
فلَوْ حَصَبَتْهُمْ بِالفضاءِ سَحابةٌ ... لَظَلَّ عَلَيْهِمْ حَصْبُها يَتَدَحْرَجُ
وهو من قول قيس بن الخطيم:
لَوَ انَّكَ تُلْقي حَنْظلاً فَوْقَ بَيْضِنا ... تَدَحْرَجَ عَنْ ذي سامِهِ المُتَقارِبِ
البيض جمع بَيضة: الخوذة، سميت بذلك لأنها على شكل بيضة النعام، والحنظل ثمر يشبه البطيخ لكنه أصغر منه جداً ويضرب المثل بمرارته، وقوله: عن ذي سامه، أي على ذي سامه، فعن فيه بمعنى على والهاء في سامه يرجع إلى البيض المُمَوَّه به، أي البيض المُمَوّه بالسام، والسام: عروق الذهب والفضة، وهو هنا الطرائق الْمُذهبة في البيض، قال الإمام ثعلب: معناه: أنهم تراصُّوا في الحرب حتى لو وقع حنظل على رؤوسهم على إمّلاسِه واستواء أجزائه لم ينزل إلى الأرض
وقال أبو عمرو بن العلاء: أحسنُ ما قيل في صفة الجيش قول النابغة:
إنّي لأخشى عليكم أنْ يكونَ لكم ... مِنْ أجْلِ بَغْضائِكُمْ يَوْمٌ كأيّامِ
стр. 605
أوْ تَزجُروا مُكْفهِرّاً لا كِفاَء له ... كالَّليْلِ يَخْلِطُ أصْراماً بأصْرامِ
تَبْدو كواكِبُه والشَّمْسُ طالِعةٌ ... نوراً بِنورٍ وإظْلاماً بِإظْلامِ
أو تزجروا عطف على ما قبله، والمُكْفهِرّ: الجيش العظيم، ولا كِفاءَ له: لا نظير له، ويخلط أصراماً بأصرام إمّا جعلته صفةً لليل والأصْرام جمعُ صريم وهو الليل المظلم فيكون المعنى يخلط مُظلماً بمظلم، وإمّا جعلته صفةً للجيش فيكون المعنى: يخلط كلّ حي بقبيلته خوفاً من الإغارة عليه، وقوله تبدو كواكبه. . . البيت يريد: شِدّة الهول والكرب، وهذا كما تقول العامة: أرَيْتُه النُّجومَ وسطَ النهار.
قال الفرزدق:
أريكَ نُجومَ اللّيلِ والشَّمْسُ حَيَّةٌ
وقال طرفة:
وتُريكَ النَّجْمَ يَجْري بالظُّهُرْ
وفي هذا المعنى يقول جرير:
والشَّمْسُ طالِعةٌ لَيْسَتْ بِكاسِفةٍ ... تبكي عليك نُجومَ الليلِ والقَمَرا
يقول: إن الشمس طالعة وليست بكاسفة نجومَ الليل، لشدة الغم والكرب الذي فيه الناس، فنجوم مفعولُ كاسفة
قالوا: وأحسنُ من قولِ النابغة قولُ زيد الخيل:
بَني عامرٍ هلْ تَعْرِفونَ إذا غَدا ... أبو مِكْنَفٍ قدْ شَدَّ عَقْدَ الدَّوابِرِ
بِجيشٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حَجَراتِه ... تَرى الأكْمَ منه سُجَّداً للحَوافِرِ
وجَمْعٍ كمثلِ الليلِ مُرْتَجِس الوَغى ... كثيرٍ تواليه سَريعِ البَوادِرِ
قوله: قد شدَّ عقدَ الدوابر أراد: شدَّ دوابِرَ البَيْضة - أي مآخيرَها - بالدَّرْع لئلا تسقط إذا ركض الفارس: وقوله: تضلُّ البلق في حَجراته فحَجَراته: نواحيه جمعُ حَجْرة يقول: لكثرته لا يُرى به الأبلق
стр. 606
والأبلقُ مشهورُ المنظر لاختلاف لونَيْه - السواد والبياض - وكان رؤساء العرب لا يركبون البُلْقَ في الحرب لئلا تنِمَّ عليهم فيُقْصَدوا بشرّ، وقوله: ترى الأكْمَ منه سجداً للحوافر يقول: لكثرة الجيش يَطْحَن الأكم حتّى يُلْصقَها بالأرض:
يَدَعُ الأكامَ كأنَّهن صحارى
وقوله: كمثل الليل يريد: ظلمةً يكاد سوادُه لكثرته يسدُّ الأفق، والوغى: الأصوات، والارتجاس: صوت الشيء المختلط العظيم كالجيش والرعد، والتوالي: اللواحق
ومن بارع ما قيل في الكيد في الحرب قولُ أبي تمام:
هَزَزْتَ له سَيْفاً من الكيدِ إنّما ... تُجَذُّ به الأعْناقُ ما لَمْ يُجَرَّدِ
يَسُرُّ الذي يَسْطو به وهْوَ مُغْمَدٌ ... ويَفْضَحُ مَنْ يَسْطو بهِ غيرَ مُغْمَدِ
يقول: إن أخفيت الكيدَ ظفِرْتَ وسُررت، وإن أظهرته افتِضِحْت وخِبْتَ
وقال يصف أفاعيل رُمْح الممدوح في أعدائه:
أنْهَبْتَ أرْواحَه الأرْماحَ إذْ شُرِعَتْ ... فَما تُرَدُّ لِرَيْبِ الدَّهْرِ عَنْه يَدُ
كأنَّها وهْيَ في الأوْداجِ والِغةٌ ... وفي الكُلى تَجِدُ الغَيْظَ الذي تَجِدُ
مِنْ كُلِّ أزْرقَ نَظَّارٍ بلا نَظَرٍ ... إلى المَقاتلِ ما في مَتْنِه أوَدُ
كأنَّه كانَ خِدْنَ الحُبِّ مُذْ زَمَنٍ ... فلَيْسَ يُعْجِزُه قَلْبٌ ولا كَبِدُ
стр. 607
ما غُزي قومٌ قطّ في عقر دارهم إلا ذلُّوا
ومِنْ خُطْبة لعلي بن أبي طالب ﵁ وقد انتهى إليه: أنّ خيلاً لمُعاويةَ وردت الأنبارَ فقتلوا عاملاً له يُسمى حسانَ بن حسان، فخرج مُغْضباً يَجُرُّ ثوبَه حتى أتى النُّخيلة واتّبعه الناس فَرقِيَ ربارةً من الأرض فحَمِد اللهَ وأثنى عليه وصلى على نبيه ﷺ ثم قال:
أمّا بعدُ فإنّ الجِهاد بابٌ من أبواب الجنة، فمَنْ تركَه رغبةً عنه ألبسهُ اللهُ الذُّلَّ، وسيمَ الخَسْفَ، ودُيِّثَ بالصَّغار، وقد دعوتكم إلى حربِ هؤلاء القوم ليلاً ونهاراً وسِرّاً وإعْلاناً وقلتُ لكم: اغْزوهم من قبلِ أن يغزوكم فوَ الذي نفسي بيده: ما غُزيَ قومٌ قطُّ في عُقْرِ دارِهم إلا ذلّوا، فتخاذلتم وتواكلتُم وثقُلَ عليكم قولي واتَّخذْتُموه وراءَكم ظِهْريَّاً، حتّى شُنَّت عليكم الغاراتُ، هذا أخو غامِدٍ قد وردت خيلُه الأنبارَ وقَتلوا حسانَ بن حسان ورجالاً منهم كثيراً ونساءً، والذي نفسي بيده لقد بلغني أنّه كان يُدْخلُ على المرأة المسلمة والمُعاهدة فتُنْتزع أحْجالُهما ورُعْثُهما ثم انصرفوا
стр. 608
موفورين لم يُكْلَمْ منهم أحدٌ كلْماً، فلو أنّ امْرأً مُسلِماً مات من دون هذا أسَفاً ما كان فيه مَلوماً بل كان به عندي جَديراً. يا عجباً كلَّ العجب، عجبٌ يميتُ القلبَ ويشغل الفهمَ ويُكثر الأحزان، مِنْ تضافرِ هؤلاء القوم على باطِلهم وفَشلِكم عن حقِّكم حتّى صَبحتم غَرضاً تُرْمَوْنَ ولا تَرْمونَ، ويُغارُ عليكم ولا تُغيرون، ويُعْصى اللهُ فيكم، ولا تَرْضَوْن، إذا قلتُ لكم: اغزوهُمْ في الشتاء قلْتُمْ: هذا أوانُ
قُرٍّ وصِرٍّ، وإنْ قلت لكم: اغزوهم في الصّيف قلتم: هذه حَمارّةُ القَيظِ أنْظِرْنا يَنْصرمُ الحَرُّ عَنّا، فإذا كنتم من الحرّ والبرد تفِرّون فأنتم واللهِ من السيف أفرُّ، يا أشباهَ الرجالِ ولا رجال، ويا طَغامَ الأحلامِ، ويا عُقولَ ربَّاتِ الحِجالِ، واللهِ لقد أفسدتم عليّ رأيِي بالعِصْيان، ولقَدْ ملأتم جوفي غَيْظاً، حتّى قالت قريشٌ: ابن أبي طالب رجلٌ شجاعٌ ولكن لا رأيَ له في الحرب! لله درُّهم، ومن ذا يكون أعلمَ بها منِّي أو أشدَّ لها مِراساً! فو الله لقد نهضْتُ فيها وما بلغت العشرين. ولقد نَيَّفْتُ اليوم على الستّين ولكن لا رأيَ لِمَنْ لا يُطاع. . . وإليك شرح بعض ألفاظ هذه الخطبة الخالدة، قوله: وسيم الخسف معناه: كُلِّف وألزِمَ وجُشِّم قال تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ﴾. أي يُجشمونكم أشدَّ العذاب، فسيم: كُلِّف وألزم، والخسف: الذلُّ والهوان، وأصله أن تُحبسَ الدابَّة على غير علفٍ ثم استُعيرَ فوُضِعَ موضعَ الهوان: ودُيِّث: ذُلّل. ومنه اشتقاق الدّيّوث وهو: الرجل الذي لا غيرةَ له. وقوله: في عُقر دارهم: أي في أصل دارهم، والعُقر: أصل كلِّ شيء ومن ثمّ قيل. لفلان عَقارٌ: أي أصل مالٍ يعتمد عليه من منزل وضيعة ونخيل ونحو ذلك. وقوله: وتواكلتم يقال: وكَلْتُ
стр. 609
الأمرَ إليك ووَكَلْتَه أنْتَ إليَّ: أي لم يتولَّه واحدٌ منّا دونَ صاحبِه ولكن أحالَ به كلُّ واحدٍ منّا على الآخر: وقوله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً﴾: أي رميتُم به وراءَ ظهوركم، أي لم تلتفتوا إليه، ويقال في المثل: لا تجعل حاجتي منك بِظَهْرٍ: أي لا تطرحها غير ناظِرٍ إليها، وقوله: حتّى شنَّت عليكم الغارات: أي صُبَّت وبُثَّت عليهم من كلِّ وجه. وقوله: فتنتزع أحْجالَهما يعني: الخلاخيل واحدُها حِجل. والرُّعْث: جمع رعاث جمع رَعْثة والرَّعْثة: الشَّنْفُ أي القُرْط الذي يُوضع في الأذن، وقوله: وانصرفوا موفورين أي: لم يُرْزؤا، أي لم يُصابوا ولَمْ يُنلْ أحدٌ منهم في بَدنِه ولا مالِه. ولم يُكْلمْ أحدٌ منهم أي لم يُخْدشْ أحدٌ منهم خدشاً. وكلُّ جرحٍ صغر أو كبرَ فهو كَلم. وقوله مات من دون هذا أسفاً يريد: تَحَسُّراً. وقوله: من تضافر هؤلاء القوم على باطلهم أي: مِنْ تَعاونهم وتظاهُرهم. ويقال: فشل فلان عن كذا: إذا هابَه جُنباً وفزعاً فأحْجم عنه وامتنع من المضيِّ فيه. والقُرّ - بضم القاف - البَرْد أما القَرَّ - بالفتح - فهو اليوم البارد. والصِّرّ - بكسر الصاد - شِدّة البرد. قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾. والقيظ: الصيف، وحَمارَّتُه: اشتدادُ حَرّه واحتدامُه. والطَّغام: مَن لا عقلَ له ولا معرفة عنده. وقوله: ويا عقول ربّات الحِجال: فالحِجال جمع الحَجَلة وهْي كالقُبّة وبيت
للعروس يزيّن بالثياب والسُّتور، ينسبهم إلى ضعف النساء
ومِنْ روائعِ الشعرِ القديمِ في باب الحثِّ على الإقدام والذّودِ عن الذِّمارِ ووصف الأبطال والمُتخاذِلين المُتباطئين قولُ شاعر من بني العنبر اسمُه
стр. 610
قُرَيْطُ بنُ أُنيف - شاعر إسلامي - وكان ناسٌ من بَني شيبان قد أغاروا عليه فأخذوا له ثلاثينَ بعيراً فاستنجد قومَه فلم يُنْجدوه فأتى مازنَ تميم فركب معه نفرٌ فأطْرَدوا لبني شيبان مائةَ بعيرٍ فدفعوها إليه فقال هذه الأبياتَ التي افتتح بها أبو تمام حماسته:
لَوْ كُنْتُ مِنْ مازنٍ لَمْ تَسْتَبِحْ إبِلي ... بَنو الشّقيقةِ مِنْ ذُهْلِ بنِ شَيْبانا
إذاً لَقامَ بِنَصْري مَعْشَرٌ خُشنٌ ... عِندَ الحَفيظةِ إنْ ذو لَوْثةٍ لانا
قَوْمٌ إذا الشَّرُ أبْدى ناجِذَيْه لهُمْ ... طاروا إليهِ زَرافاتٍ ووُحْدانا
لا يَسْألونَ أخاهُمْ حينَ يَنْدُبُهُمْ ... في النائِباتِ على ما قالَ بُرْهانا
لكِنَّ قَوْمي وإنْ كانوا ذَوي عَددٍ ... لَيْسوا مِنَ الشَّرِّ في شَيْءٍ وإنْ هانا
يَجْزونَ مِنْ ظُلْمِ أهْلِ الظُّلْمِ مَغْفِرةً ... ومِنْ إساءةِ أهْلِ السّوءِ إحْسانا
كأنَّ ربَّكَ لَمْ يَخْلُقْ لِخَشْيَتِه ... سِواهُمُ مِنْ جَميعِ النّاسِ إنْسانا
فلَيْتَ لي بِهِمُ قوماً إذا رَكِبوا ... شَنُّوا الإغارةَ فُرْساناً ورُكْبانا
بنو الشقيقة هي الروايةُ الصحيحةُ وإنْ كانت رواية شُرّاح الحماسة: بَنو اللقيطة، والشقيقة: امْرأةٌ من بَني ذُهْلِ بن شَيْبان، وبَنوها كانوا سيَّارةً مَرَدةً ليس يأتون على شَيْءٍ إلا أفسدوه، وأما اللقيطةُ فهْي امرأةٌ من فَزارة، هكذا زعم أبو محمد الأعرابيّ. والاستباحة: في معنى الإباحة وهي شِبْه النُّهْبَى، استباحه: انتهبَه حتّى لكأنّه مُباحٌ لا تَبِعَةَ عليه فيه، وخُشن جمع أخْشن وهو من صفات الرِّجال مَثَلٌ يُراد به امتناعُ الجانب وإباءُ الضَّيْم. ورجلٌ ذو لوثة: بطيءٌ مُتَمَكّث ذو ضعفٍ واسترخاء، يقول: لو لم أكن من بني العنبر وكنت من بني مازن ثمّ نالني من بني الشقيقة ما نالني من استباحتِهم إبلي لكان لي منهم من ينصُرُني عليهم ويأخذ بحقِّي اقتِساراً منهم
стр. 611
إذا لأن ذو الضَّعف والوهن فلم يدفع ضَيْماً ولم يحمِ حقيقة، ومُراد الشاعر تَهْييجُ قومِه على الانتقام له من أعدائه لا إلى ذَمِّهم، والحفيظة: الغضب والحميّة والمنع للشيء الذي ينبغي أن يُحافَظَ عليه. وقوله: قومٌ إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهم فإبداءُ الشرّ نواجذَه مثلٌ لشدّته وصَوْلته، وذلك أن السَّبُعَ إذا صال أو شدَّ كَشّر عن أنْيابِه، فشبَّه
الشَّرَّ به في حال شدّته، وطاروا إليه يريد: أسرعوا إليه، ووُحْدانا جمع واحد كراكب ورُكبان، والزَّرافات: الجَماعات، يقول في هذا البيت. إنهم لحرصهم على القتال وحبّهم إيّاه لا ينتظر بعضُهم بعضاً، لأنّ كُلاًّ منهم يعتقد أنّ الإجابة تعيَّنَتْ عليه، فإذا سَمِعوا بذكر الحرب أسرعوا إليها مُجتمعين ومُتفرِّقين، ومثله قول حُمَيْد بن ثور الهلاليّ الصَّحابي:
قَوْمٌ إذا هَتَفَ الصَّريخُ رأيْتَهُمْ ... ما بينَ مُلْجِمِ مُهْرِه أو سافِعِ
وقوله: لا يسألون أخاهم. . . البيت يقول: إذا دُعوا إلى الحرب أسرعوا إليها غير سائلين من دعاهم لها، ولا باحثين عن سَببها، لأنّ الجبانَ رُبّما تعلَّل بذلك فتباطأ عن الحرب. ونحوه قولُ سلامة بن جندل:
إنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ... كانَ الصراخَ لهُ قَرْعُ الظّنابيبِ
يقول سلامة: إذا دعانا إلى إعانته أجَبْناه إليها مُجدّين، والظُّنوب: عَظْمُ الساق، يقال: قَرَعَ لهذا الأمرِ ظُنوبَه: إذا جدَّ فيه
стр. 612
وقوله: لكنَّ قومي وإن كانوا ذوي عدد. . . . ألبيت وصف قومه بأنهم يؤثرون السلامة والعفو عن الجُناة ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، ولو أرادوا الانتقام لقَدَروا بعددهم وعُدَدِهم. هذا إذا كان الشاعر لا يريد كما قلنا هجاءَ قومِه وإنّما يريد حثَّهم على الانتقام، أمّا إذا كان يريد ذمَّهم فإنّه يهجوهم ويعيِّرهم بالجُبن في هذا البيت. وقوله: كأنَّ ربك. . . . البيت تهكُّمٌ منه وسخرية. ومعنى قوله: فُرْسانا ورُكباناً: أنهم كانوا يُقاتلون على الخيل والإبل، ومِنْ ذا قولُ عمرَ بن الخطاب لسعدِ بن أبي وقّاص في حرب القادسية: أخبرني: أيُّ فارسٍ كانَ أشْجْعَ؟ وأيُّ راكبٍ كانَ أشدَّ غَناءً؟ وأيُّ راجِلٍ كانَ أصْبر؟ فذَكَرَهُمْ له وميَّزَهم.
ومن طريفِ أبياتِ الحماسة التي أوردها أبو تمام في حماسته والمبرِّد في الكامل أبياتٌ قال المبرّد: إنّها لأعرابيٍّ من بني سعد ونَسبها أبو تمام إلى الهُذْلول بنِ كعب العنبري - وكلاهما شاعر جاهلي - وكان هذا القائل مُمْلَكاً - أي عُقِدَ له على امرأة ولم يبتنِ بها - فنزل به أضيافٌ فقامَ إلى الرَّحى فطَحَنَ لهم، فمرَّت به زوجتُه في نِسوةٍ، فقالت لهن: أهذا بعلي؟ فأُعْلِمَ بذلك فقال:
تَقولُ: وصَكَّتْ نَحْرَها بِيَمينِها: ... أبَعْلِيَ هَذا بالرَّحى المُتقاعِسُ؟
فقُلْتُ لَها: لا تَعْجَلي وتَبَيَّني ... فَعالي إذا التفَّتْ عليَّ الفوارِسُ
ألَسْتُ أرُدُّ القِرْنَ يَرْكَبُ رَدْعَه ... وفيهِ سِنانٌ ذو غِرارَيْنِ نائِسُ
стр. 613
وأحْتَمِلَ الأوْقَ الثَّقيلَ وأمْتَري ... خُلوفَ المَنايا حينَ فرَّ المُغامِسُ
وأقْري الهُمومَ الطَّارِقاتِ حَزامَةً ... إذا كَثُرَتْ للطَّارِقاتِ الوَساوِسُ
إذا خامَ أقْوامٌ تَقَحَّمْتُ غَمْرَةً ... يَهابُ حُمَيَّاها الأكَدُّ المُداعِسُ
لَعَمْرُ أبيكِ الخيرِ إنّي لَخادِمٌ ... لِضَيْفي وإنّي إنْ رَكِبْتُ لَفارِسُ
وإنّي لأشْري الحَمْدَ أبْغي رَباحَه ... وأتْرُكُ قِرْني وهْوَ خَزْيانُ ناعِسُ
القَعَس: دخول الظهر وخروج الصدر، وهو نقيض الحَدَب، وقول المرأة: أبعلي هذا؟ إشارةُ تحقيرٍ، تعْجَبُ ممّا رأت، وقوله: بالرحى المتقاعس فإنّ بالرحى تبيينٌ ومعنى ذلك أن كلمة المتقاعس تدلُّ على أنّ هناك تقاعساً ولمّا قال بالرّحى دلّ ذلك على أنّ التقاعسَ حدث بالرحى، ولم يُرِدْ أن يُعمِلَ المتقاعسَ في قوله بالرحى لأنّ ذلك على ما قال النحاةُ ممنوعٌ، لأنّ أل في المتقاعس اسمٌ موصول كالذي وبالرحى صلة ولا يجوزُ أن تتقدم الصلةُ على الموصول. وقوله: ألَسْتُ أردُّ القِرْنَ يركب رَدعه، فالقِرن: من يقاومك في قتال، وقوله: يركب رَدْعه، قيل: الردع ههُنا: الدَّمُ على سبيل التشبيه برَدْعِ الزّعفران، ومعنى ركوبه دمَه: أنّه جُرح فسال دمُه فسقط فوقَه مُتّشحاً به، وقيل: الرَّدْع: العنق أي سقط على رأسه فاندقّت عُنُقُه، وقيل معناه: صُرع منكوساً رأسُه
стр. 614
أسْفلَه، مِن ارْتدعَ السّهمُ: إذا رَجعَ النَّصلُ متأخراً في السِّنْخ. وذو غِرارين: ذو حَدَّين، ونائِس: مُضطرب، من ناسَ يَنوسُ: إذا تحرّك واضطرب، وتُروى: يابس ومعناه: صُلْبٌ ذكرٌ لا تأنيثَ فيه. والأوْقُ: الثِّقل وقد آقَ عليه يَؤوق: مال بِثِقَلِه، ووصفه بالثقيل مبالغةٌ. والخُلوف جمع خِلْف - بالكسر - وهو في الأصل: ضَرْعُ الناقة، وامتراؤه: استخراج ما فيه من اللبن. يريد: أنه يستخرج خبيئاتِ المنايا بأفاعيلِه المُدهشة وقد جدَّ الخطبُ واشتدّت الحرب، والمُغامس: الذي ينغمس في لُجّة الحرب لا يبالي أصابَ أم أصيب، وقوله: وأقري الهمومَ الطارقاتِ حَزامة. . . ألبيت يقول: أحزمُ عندها إذا اشتدّت وكثُرت أحاديثُ النفسِ بها. وخام: جَبُنَ ونَكَصَ يقال: خامَ عن القتال يَخيم خَيْماً وخيماناً: جَبُنَ. والحُمَيّا: صدْمةُ الشرِّ، والألدُّ في الأصل: الشديدُ الخصومة الذي يَحيد عن الحق، والمُراد هنا الذي لا ينثني عن الحرب. والمُداعس: المُطاعن يقال: دَعَسَه بالرُّمح: إذا طعنه. والرَّباح مصدر كالرِّبح وقوله: وأترك قرني الخ
يقول: أُهينه فأكسرُه حتّى يَبقى مُطْرِقاً مُتَنَدِّماً كمَنْ غلَبَه النعاسُ، وقيل معنى ناعس: مُشرف على الموت يقال طَعَنْتُ صاحبي فأنَمْتُه: أي قتلتُه.
وقالَتْ ليلى الأخْيَلِيّة وهي من أبيات الحماسة:
لا تَغْزُوَنَّ الدَّهْرَ آلَ مُطَرِّفٍ ... لا ظالِماً أبَداً ولا مَظْلوما
قَوْمٌ رِباطُ الخَيْلِ وَسْطَ بُيوتِهِمْ ... وأسِنَّةٌ زُرْقٌ تُخالُ نُجوما
ومُخَرَّقٍ عَنْه القَميصُ تَخالُه ... وَسْطَ البُيوتِ مِنَ الحَياءِ سَقيما
стр. 615
حتَّى إذا رُفِعَ اللِّواءُ رَأيْتَه ... تَحْتَ اللِّواءِ عَلى الخَميسِ زَعيما
قولها: لا تَغْزُوَنَّ يروى لا تَقْرَبنَّ وقولها: لا ظالِماً أبداً ولا مظلوما تريد: لا مُبْتَدِئاً لهم بالحرب من غير أن يُحارِبوك ولا مُنْتقماً مِنْهم إنْ حاربوك، لأنّهم أولو بأسٍ شديدٍ لا يُطاقون على أي حال، ويُروى:
لا ظالماً فيهم ولا مظلوما
قال البكري شارحُ الأمالي: وهذه الرِّوايةُ هي الجيّدة لوجهين أحدُهما: أنّها أفادت معنى حسناً، لأنّه قد يكون ظالماً أو مظلوماً من غيرهم فيستجير بِهم لِرَدِّ ظُلامتِه، أو لاسْتِدْفاع مكروهِ عقوبته فلا بُدَّ لهم من إجارتِه، والوجهُ الثاني أن قولها: لا تقربنَّ الدَّهْرَ قد أغنى عن قولها: أبداً، فصار حَشْواً لا يُفيد معنًى، وقولها: قومٌ رباط الخيل. . . ألبيت تقول: إنّهم أصحابُ خيل ورماح مستعدون أبداً لدفع الأعداء والذَّوْدِ عن حِياضهم، وأسِنَّةٌ زُرْقٌ: صافيةٌ لامِعَةٌ كأنّها نجوم في الصّفاء واللّمعان، وقولها: ومُخَرَّق عنه القميص فيه قولان: أحدُهما: أنَّ ذلك إشارةٌ إلى جَذْبِ العُفاة له، والثاني: أنّه يُؤْثِرُ بِجَيِّدِ ثيابِه فيَكْسوها ويكتَفِي بِمَعاوِزِها - أي الثياب البالية مِنها لأنها ثيابُ المُعْوِزين - وقولها: تخاله من الحياء سقيما تريد أنّه لإمعانِه في الكرم والسخاء تظنه سقيماً من الحياء خشيةَ أن لا يكونَ قد بلغَ من إكرام الضيف ما ينبغي، تمدحه بالجود كما تمدحه بالشجاعة. والخميس: الجيش، والزعيم: الكفيل والرئيس.
وقال بعضُ بني مازِن:
وقدْ علِموا بأنَّ الحَرْبَ لَيْسَتْ ... لأصْحابِ المَجامِرِ والخَلُوقِ
ضَرَبْناكُمْ على الإسلامِ حتّى ... أقَمْناكم على وَضَحِ الطَّريقِ
стр. 616
المجامِر: المَباخِر، أي التي تُوضَعُ فيها النارُ والبخور ليُتَبَخَّرَ بِها ويُتَطَيَّب، والخَلوق: طيبٌ معروفٌ يُتّخذ من ألوانٍ شتّى من الطّيب، وقيل: الزّعفران
وقال أبو تمّام في مرثيَّته المشهورة لمحمد بن حميد الطوسي التي أوّلُها:
كَذا فَلْيَجِلَّ الخَطْبُ وَلْيَفْدَحِ الأمْرُ ... فلَيْسَ لِعَيْنٍ لَمْ يَفِضْ ماؤُها عُذْرُ
قال:
فتًى ماتَ بينَ الطَّعْنِ والضَّرْبِ ميتةً ... تَقومُ مَقامَ النَّصْرِ إذْ فاتَه النَّصْرُ
وما ماتَ حتّى ماتَ مَضْرِبُ سَيْفِه ... مِنَ الضَّرْبِ، واعْتَلَّتْ عَلَيْه القَنا السُّمْرُ
وقدْ كانَ فَوْتُ المَوْتِ سَهْلاً فَرَدَّه ... إليهِ الحِفاظُ المُرُّ والخُلُقُ الوَعْرُ
ونَفْسٌ تَعافُ العارَ حتّى كأنّما ... هُوَ الكُفْرُ يومَ الرَّوْعِ أوْ دونَه الكُفْرُ
فأثْبَتَ في مُسْتَنْقَعِ المَوْتِ رِجْلَه ... وقالَ لَها: مِنْ تَحْتِ أخْمَصِكِ الحَشْرُ
غَدا غُدْوَةً والحَمْدُ نَسْجُ رِدائِه ... فلَمْ يَنْصَرِفْ إلا وأكْفانُه الأجْرُ
تَرَدَّى ثِيابَ المَوْتِ حُمْراً فما دَجا ... لَها اللّيلُ إلا وهْيَ مِنْ سُنْدُسٍ خُضْرُ
قوله: تقوم مقامَ النصرِ: لأنّه قُتل قِتْلةَ بطلٍ شجاعٍ، إذْ لم يقتل حتّى تثَلَّمَ حدُّ سيفِه من شدَّة ما ضَرب به وحتّى تقصَّفتِ الرِّماحُ في يديه
стр. 617
كما قال في البيت التالي، قال نَقَدَة الشعر: إن أبا تمام نظر في هذا المعنى إلى قول عروة بن الورد:
ومَنْ يَكُ مِثْلي ذا عِيالٍ ومُقْتِراً ... مِنَ المالِ يَطْرَحْ نَفْسَه كُلَّ مَطْرَحِ
لِيَبْلُغَ عُذْراً أوْ يَنالَ رَغيبةً ... ومَبْلِغُ نَفْسٍ عُذْرَها مِثْلُ مُنْجِحِ
قالوا: إنّ عروةَ جعل اجتهادَه في طلب الرزق عُذراً يقوم مقامَ النّجاح وأبو تمام جعل الموت في الحرب الذي هو أقصى اجتهاد المجتهد في لقاء الأعداء قائماً مقام النصر. هذا، ومضربُ السيف: حدُّه، وقوله: واعتلَّتْ عليهِ القَنا السُّمْرُ فمعنى اعتلال القنا أن العلة أصابتها فلم تستطع العملَ معه وتحقيقَ مطالِبِ هِمَّته من الصمود للأعداء، أو تقول: معنى اعتلالها: أنّها تَجَنَّتْ عليه الذنوبَ واتّخذت ذلك ذريعةً إلى العصيان والخلاف عليه، وما ذنبُه عِندها إلا كثرةُ تكاليفها الطعن لا يُريحها من ذلك، والحِفاظ: الحميَّة والغضب مُحافظةً على الحُرْمَة وكلِّ ما يجب على المرءِ حمايتَه، والخلق الوعر: الشديد الأنفة، ولا يُمْدح به إلا في العداوَة. قال المازني:
تُعاتِبُني فيما تَرى مِنْ شَراسَتي ... وشِدَّةِ نَفْسي أمُّ سَعْدٍ وما تَدْري
فقلتُ لَها: إنَّ الكريمَ وإنْ حَلا ... لَيُوْجَدُ أحْياناً أمَرَّ مِنَ الصَّبْرِ
الروع هنا: الحرب وفي الأصل: الخوف. وقوله: فأثبت في مستنقع الموت رجله. . . ألبيت. جعل للموت مستنقعاً كمستنقع الماء، وهو: مُجتمعُهُ في بطن الوادي، وأخْمصُ القدم: مالا يصيبُ الأرض من باطنها يقول: إنَّه لشجاعته قد صمد للموتِ فلا تتحول رِجْلُه إلى أن يموتَ حتّى كأنَّ الحشرَ - يوم يُحشر الناس إلى ربهم يوم القيامة - من
стр. 618
تحت أخْمَصِه. وقوله: غدا غدوة. . . ألبيت يقول: إنّه عاش محموداً مشكوراً ومات مثوباً مأجوراً. وقوله: تردّى ثياب الموت. . . ألبيت يقول: إنّه ارتدى الثياب المُلَطَّخة بالدم فلم يَنْقَضِ يومُ قَتْلِه ولم يَدْخُلْ في ليلتِه إلا وقدْ صارَتْ الثيابُ خُضْراً مِنْ سُندسِ الجَنَّة. قال علماء البيان: في هذا البيتِ الطِّباقُ المُسمّى بالتَّدْبيح، وهو أنْ يذكرَ الشاعرُ أو الناثرُ في معنًى من المدح أو غيره ألْواناً لِقَصْد الكنايةِ أو التَّوْرِية، ويُسمّى تَدْبيحَ الكناية أيضاً، فإنه هنا ذكر لون الحُمْرةِ والخُضْرَةِ والمُرادُ من الأول الكنايةُ عن القتلِ ومن الثاني الكنايةُ عَنْ دُخول الجنة
وقال البُحْتُرِيُّ:
مَعْشَرٌ أمْسَكَتْ حُلومُهُمُ الأرْ ... ضَ وكادَتْ لَوْلاهُمْ أنْ تَميدا
فإذا الجَدْبُ جاَء كانوا غُيوثاً ... وإذا النَّقْعُ ثارَ ثارُوا أسُودا
وكأنَّ الإلَهَ قالَ لَهُمْ في الْ ... حَرْبِ كونوا حِجارةً أو حَديدا
وقال مسلم بن الوليد:
لَوْ أنَّ قَوْماً يَخْلُقونَ مَنِيَّةً ... مِنْ بأسِهِمْ كانوا بَني جِبْريلا
قورٌ إذا حَمِيَ الوطيسُ لديهِمُ ... جَعلوا الجَماجِمَ للسُّيوفِ مَقيلا
وقيل للمُهلَّب بن أبي صُفْرة: إنّكَ لَتُلْقي نَفْسَك في المَهالِكِ! فقال: إنْ لَمْ آتِ الموتَ مُسْترْسِلاً، أتاني مُسْتَعْجلاً، إنّي لستُ آتي الموتَ من حُبِّه، وإنَّما آتيه مِنْ بُغْضِه، وتَمثّلَ بقولِ الحُصَيْن بن الحمام:
تأخَّرْتُ أسْتَبْقي الحياةَ فلَمْ أجِدْ ... لِنَفْسِي حياةً مِثْلَ أنْ أتَقَدَّما
وقَدْ تَقدَّم
стр. 619
وقال المتنبي:
شُجاعٌ كأنَّ الحَرْبَ عاشِقةٌ لَه ... إذا زارَها فَدَّتْه بالخَيْلِ والرَّجْلِ
المُراد بالخيل: الفرسان، والرَّجْل جمع راجل يقول: هو شجاع يَقْتلُ ولا يُقْتلُ فكأنَّ الحرب تعشقه فإذا زار الحرْبَ استَبْقَتْه وأفنت مَنْ سِواه من الفرسان والرجال، فكأنّما جَعَلتْهم فِداءً له.
وقال:
وكَمْ رِجالٍ بِلا أرْضٍ لِكَثْرتِهِمْ ... تَرَكْتَ جَمْعَهُمُ أرْضاً بِلا رَجُلِ
ما زال طِرْفُك يَجْري في دِمائِهِمُ ... حتّى مَشى بِكَ مَشْيَ الشّارِبِ الثَّمِلِ
قوله: وكم رجال. . . ألبيت يقول: كم جمع الأعداءُ لك جُموعاً تغيبُ الأرضُ من كثرتهم وتخفى على الأبصار حتّى كأنّهم رجالٌ بلا أرض فقتلتهم وأفنيتَهم حتّى خلِيَت أرضهم فبقيت ولا رجلَ فيها، وفي هذا البيت نظر من ناحية كثرة الجيش إلى قول أبي تمَّام في صفة جيش:
مَلأَ المَلا عُصَباً فكادَ بأنْ يُرى ... لا خَلْفَ فيهِ ولا لَه قُدّامُ
وقوله: ما زال طِرفك. . . . ألبيت، فالطِّرْف: الفرس الكريم، والثَّمِل السّكران، يقول: ما زِلْتَ تخوض دماءَهم بفرسِك حتّى تعثّر بالقتلى وأمالَتْه دماؤُهم عن سُنَنِ جَرْيِِه وأزْلَقَتْه حتّى مشى بك مشْيَ السكران
وقال الشَّابُ الظّريفُ من قصيدةٍ له يمدح بها ابن عبد الظاهر:
ومَعْشَرٍ لَمْ تَزَلْ لِلْحَرْبِ بِيضُهُمُ ... حُمْرَ الخُدودِ وما مِنْ شَأنِها الخَجَلُ
стр. 620
إذا انْتَضَوْها بُروقاً صُيِّرَتْ سُحُباً ... يَسيلُ مِنْ جانِبَيْها عارِضٌ هَطِلُ
يَثْني حَديثُ الوَغى أعْطافَهُمْ طَرَباً ... كأنَّ ذِكْرَ المَنايا بَيْنَهُمْ غَزَلُ
كَمْ نارِ حَرْبٍ بِهِمْ شُبَّتْ وهُمْ سُحُبٌ ... وأرْضِ قَوْمٍ بِهِمْ فاضَتْ وهُمْ شُعَلُ
وقال الشاعر أبو الفرج البَبَّغاء شاعرُ اليتيمة:
يَسْعى إلى المَوْتِ والقَنا قِصَدٌ ... وخَيْلُه بالرؤوس تَنْتَعِلُ
كأنَّه واثِقٌ بأنَّ لَه ... عُمْراً مُقيماً وما لَه أجَلُ
والقنا قِصَدٌ: أي قِطَعٌ، والمفرد: قِصْدَة وهي: القِطعة من الشيء إذا انكسر
وقال آخر:
كأنَّ سُيوفَه صيغَتْ عُقوداً ... تَجولُ عَلى التَّرائِبِ والنُّحورِ
وسُمْرَ رِماحِه جُعِلَتْ هُموماً ... فَما يَخْطُرْنَ إلا في ضَميرِ
ومن كلام علي بن أبي طالب: رُبَّ حياةٍ سَببُها التَّعرُّضُ للموت، ورُبَّ منيَّةٍ سببُها طلبُ الحياة.
وبعد فإنّ عبقرياتِهم في الشجاعة والتمدُّح بها لا تكاد تُحصى كثرةً، وإنّ الناظرَ في الأدب العربيِّ ولا سيَّما المَنْظوم منه يتحقّق من أنّ الشجاعةَ
стр. 621
والإشادةَ بها تكاد تكون أحدَ شَطْرَيْ ما يتمدّحون به ويُنوِّهون بفضله، أمّا الشَّطْرُ الآخرُ فهو الجودُ والكرم، وبِحَسْبك بهاتَيْن الخَلَّتين، وإنّهما دَعامَتا سائرِ الفَضائل، ولْنَجْتَزِئ بِهذا المقدار وإنْ كانَ قَطْراً من بَحْرٍ
صدر من عبقرياتهم
في وصف آلات الحرب
قال البُحتري يَصِف السيف:
يَتَناوَلُ الرُّوْحَ البَعيدَ مَنالُه ... عَفْواً، ويَفْتَحُ في القَضاءِ المُقْفَلِ
ماضٍ وإنْ لَمْ تُمْضِهِ يَدُ فارِسٍ ... بَطلٍ، ومَصْقولٌ وإنْ لَمْ يُصْقَلِ
يَغْشى الوَغى فالتُّرْسُ لَيْسَ بِجُنَّةٍ ... مِنْ حَدِّه والدِّرْعُ ليسَ بِمَعْقِلِ
مُصْغٍ إلى حُكْمِ الرَّدى، فإذا مَضى ... لَمْ يَلْتَفِتْ، وإذا قَضى لَمْ يَعْدِلِ
مُتألّقٌ يَفْري بِأوَّلِ ضَرْبَةٍ ... ما أدْرَكَتْ ولَوَ انّها في يَذْبُلِ
وإذا أصابَ فَكُلُّ شَيْءٍ مَقْتَلٌ ... وإذا أُصيبَ فَما لَه مِنْ مَقْتَلِ
وقال عبدُ الله بن المعتز يصفُه:
ولي صارِمٌ فيهِ المَنايا كَوامِنٌ ... فَما يُنْتَضى إلا لِسَفْكِ دِماءِ
تَرى فوقَ مَتْنَيْه الفِرِنْدَ كأنَّه ... بَقيّةُ غَيْمٍ رَقَّ دونَ سَماءِ
وقال ابن الرُّومي:
خَيْرُ ما اسْتَعْصَمَتْ بهِ الكَفُّ عَضْبٌ ... ذَكَرٌ هَزُّهُ أنيثُ المَهَزِّ
стр. 622
ما تَأَمَّلْتَه بِعَيْنِكَ إلا ... أُرْعِدَتْ صَفْحَتاهُ مِنْ غَيْرِ هَزِّ
مِثْلُه أفْزَعَ الشُّجاعَ إلى الدِّرْ ... عِ فَغالى بِها عَلى كُلِّ بَزِّ
ما يُبالي أصَمَّمَتْ شَفْرتاهُ ... في مَحَزٍّ أمْ حادَتا عَنْ مَحَزِّ
ولما صار الصمصامةُ سيفُ عَمْرو بن مَعْد يكربَ إلى موسى الهادي أذِنَ للشُّعراءِ أنْ يَصِفُوه، فبَدَأهُمْ ابْنُ يامينَ فقال:
حازَ صَمْصامةَ الزُّبَيْدِيِّ مِنْ دو ... نِ جَميعِ الأنامِ موسى الأمينُ
سَيْفَ عَمْرٍو وكانَ فيما سَمِعْنا ... خَيْرَ ما أغْمِدَتْ عليهِ الجُفونُ
أخْضَرَ المَتْنِ بينَ حَدَّيْهِ نورٌ ... مِنْ فِرِنْدٍ تَمْتَدُّ فيهِ العُيونُ
أوْقَدَتْ فوقَه الصَّواعِقُ ناراً ... ثُمَّ شابَتْ بهِ الذُّعافَ القُيونُ
فإذا ما سَلَلْتَهُ بَهَرَ الشَّمْ ... سَ ضِياءً فلَمْ تَكَدْ تَسْتَبينُ
يَسْتَطيرُ الأبْصارَ كَالقَبَسَ الْمُشْ ... عَلِ ما تَسْتَقِرُّ فيهِ العُيونُ
وكَأنَّ الفِرِنْدَ والرَّوْنَقَ الجا ... رِيَ في صَفْحَتَيْهِ ماءٌ مَعينُ
وكأنَّ المَنونَ نيطَتْ إلَيْه ... فَهْوَ مِنْ كُلِّ جانِبَيْهِ مَنونُ
ما يُبالي مَنِ انْتَضاهُ لِضَرْبٍ ... أشِمالٌ سَطَتْ بهِ أمْ يَمينُ
قال أبو هلال العسكري: وقد أُخِذ عليه في هذه الأبيات تشبيهُه السيفَ بالشمس ثم بالقَبَس، لأنّه قد حطّه درجاتٍ. . .
ولمناسبة عَمْرِو بنِ مَعْدِيكرب وصَمْصامتِه يُروى أنّ عُمرَ بن الخطاب بعث إلى عمرٍو أن يبعثَ إليه بسَيْفه الصَّمصامةِ هذا، فبعثَ إليه به، فلمّا
стр. 623
ضرب به وجدَه دون ما بلغَه عنه، فكتب إليه في ذلك، فأجابه يقول: إنما بَعَثْتُ إلى أمير المؤمنين بالسيف ولم أبْعَثْ له بالسَّاعِدِ الذي يَضْرِبُ به. وسأله عمرُ يوماً عن السلاح فقال: ما تقول في الرُّمح؟ قال: أخوك ورُبَّما خانك فانْقَصف؛ قال: فما تقولُ في التُّرس؟ قال: هو المِجَنُّ وعليه تدور الدّوائر، قال: فالنَّبل؟ قال: منايا تُخْطِئ وتُصيب، قال: فما تقول في الدِّرع؟ قال: مَثْقَلَةٌ للرّاجِلِ مَشْغَلَةٌ للرّاكِبِ، وإنّها لَحِصنٌ حَصين؛ قال: فما تقول في السيف؟ قال: هُنالك قارَعَتْكَ أمُّك عن الثُّكل؛ قال: بل أمُّك! قال: بل أمُّكَ يا أميرَ المؤمنين! فَعَلاه أمير المؤمنين بالدِّرّة، وقيل: بلْ قال له - لمّا قال عمر بل أمُّك - قال: أمِّي يا أميرَ المؤمنين الحُمَّى أضْرَعَتْني لك أراد: أنّ الإسلامَ قيّدني، ولَوْ كنتُ في الجاهليّةِ لَمْ تُكلِّمني بهذا الكلام، وهو مثلٌ تضربُه العربُ إذا اضْطُرّت للخضوع.
ومثلُ ذلك قولُ الأغرِّ النهشلي لابنه لمّا بعثَه لحضور ما وقع بينَ قَومه فقال: يا بُنَيَّ، كُنْ
يَداً لأصْحابِك على مَنْ قاتَلَهم، وإيّاكَ والسيفَ فإنّه ظِلُّ الموتِ، واتَّقِ الرُّمْحَ فإنّه رِشاءُ المَنيَّة، ولا تَقْرَبِ السِّهامَ فإنَّها رُسُلٌ تَعْصي وتُطيع، قال: فبِمَ أقاتل؟ قال: بِما قال الشاعر:
جَلاميدُ أمْلاءُ الأكُفِّ كأنَّها ... رُؤوس رِجالٍ حُلِّقَتْ في المَواسِمِ
стр. 624
فعَليكَ بِها وألْصِقْها بالأعْقابِ والسُّوق. قولُه: جلاميدُ أملاءُ الأكُفِّ. . . البيت هو أحدُ أبياتٍ أوردها المُبرِّد وهي:
تُغطِّي نُمَيْرٌ بِالعَمائِمِ لُؤْمَها ... وكَيْفَ يُغطِّي اللِّؤْمَ طَيُّ العَمائِمِ
فإنْ تَضْرِبونا بالسِّياطِ فإنَّنا ... ضَرَبْناكُمُ بالمُرْهَفاتِ الصَّوارِمِ
وإنْ تَحْلِقوا مِنّا الرُّؤوسَ فإنّنا ... حَلَقْنا رُؤوساً باللَّها والغَلاصِمِ
وإنْ تَمْنَعوا مِنَّا السِّلاحَ فَعِنْدَنا ... سِلاحٌ لَنا لا يُشْترى بالدِّراهِمِ
جَلاميدُ أمْلاءُ الأكُفِّ كأنَّها ... رُؤوس رِجالٍ حُلِّقَتْ في المَواسِمِ
قولُه: حلقنا رؤوساً: يُريدُ أزلْناها بالسُّيوف، واللَّها بفتح اللام جمع لَهاة وهي لَحْمة مُشرفة على عَكَدَةِ اللّسان، والغَلاصم جمع الغَلصمة وهي لَحْمةٌ بينَ الرأسِ والعُنق، والجَلاميد جمع جلمود وهو الحَجَر تأخذُه بيدك وهو بيانٌ لقوله سِلاحٌ لنا لا يُشترى بالدراهم
وقال المعرِّي:
كأنَّ أراقِماً نَفَثَتْ سِماماً ... عَلَيْهِ فعادَ مُبْيَضّاً نَحيلا
ومَنْ تَعْلَقْ بِه حُمَةُ الأفاعي ... يَعِشْ - إنْ فاتَه أجَلٌ - عَليلا
كأنَّ فِرِنْدَهُ واليَوْمُ حَمْتٌ ... أفاضَ بِصَفْحِه سَجْلاً سَجيلا
تَردَّد ماؤُه عُلْواً وسُفْلاً ... وهَمَّ فَما تَمَكَّنَ أنْ يَسيلا
يَكادُ سَناهُ يُحْرِقُ مَنْ فَراهُ ... ويُغْرِقُ مَنْ نَجا مِنْه كُلولا
كأنّ أراقماً. . . البيت يقول: كأنَّ الحيّاتِ نفخت السُّمومَ على هذا السيفِ فصارَ أبيضَ ناحلاً، وذلك أن السُّمَّ موصوفٌ بالبياضِ، ومَنْ نَكَزَتْه الحيّةُ ونفثت فيه سُمَّها نَحَلَ جِسْمُه، فجَعَلَ البياضَ في السَّيْفِ لَوْناً للسُّمِّ والنَّحافةَ فِعْلَه، وقوله: ومَنْ تَعْلَقْ به: البيت لمّا وصفَ السيف
стр. 625
بالنُّحولِ لمّا نفثت الأراقمُ عليه سِمامَها حقَّقَ وجْهَ نُحوله، وهو أنّ مَنْ خالطَه سُمُّ الأفاعي هلك في غالبِ الأمر، وإن فاتَه الهلاكُ عاش عليلاً، والعليل نحيلُ الجسم لا محالة، وقوله: كأنَّ فِرنده. . . البيت فالفِرِنْد: جوهرُ السيف وماؤه، ويومٌ حَمْتٌ: شديد الحر،
والسَّجْل الدَّلْو، إذا كان فيها ماءٌ، ولا يُقال لها وهي فارغة: سَجْلٌ ولا ذَنوب، والسَّجيل: الضخم العظيم، يصف بياضَ السيف وبريقَه، أي كأنَّ جوهرَ السيف وقد صُبَّ بوجْهِه دَلْوٌ من الماء في يومٍ شديد الحرّ، فهو أبيضُ بَرّاق كأنّه ماء، وإنّما ذكر شِدّة الحرّ لأنّه إذا كان اليومُ شديدَ الحر كانت الحاجة إلى الماء أشدَّ، أو لأن الماء مع إشراق الشمس أشدُّ بريقاً ولمعاناً. وقوله: تردَّد ماؤه. . . البيت لمّا شبّه فرند السيف بالماء وصفه بأنّ الماء كأنّه يتردَّد فيه من أعلاه إلى أسفله ومن أسفله إلى أعلاه، ويَهُمُّ الماء أنْ يسيلَ من صفحته فلا يتمكّن من السَّيلان، لأنه محصورٌ في أجزائه، وقوله: يكاد سَناه. . . . البيت فالسَّنا: الضَّوء، وفَراه: قَطَعه، وكلَّ السيفُ والرُّمْحُ يَكِلُّ كُلولاً: إذا نَبا عن العمل، يقول: إنّ هذا السيفَ جمعَ بين النار والماء فهو يُحْرِقُ مَنْ قَطَعه ويُغْرِقُ بمائِه مَنْ كَلَّ السيفُ عنه فَنجا مِنه.
وقال إسحاق بن خلف:
ألْقى بِجانِبِ خَصْرِه ... أمْضى مِنَ الأجَلِ المُتاحِ
وكأنَّما ذَرُّ الهَبا ... ءِ عَلَيْهِ أنْفاسُ الرِّياحِ
وقال النابغة:
تُطيرُ فِضاضاً بَيْنَهُمْ كلّ قَوْنَسٍ ... ويَتْبَعُها مِنْهُمْ فَراشُ الحَواجِبِ
стр. 626
تَقُدُّ السَّلوقيَّ المُضاعَفَ نَسْجُه ... وتُوقِدُ بالصُّفَّاحِ نارَ الحُباحِبِ
فَضَضْتُ الشَّيْءَ أفضُّه فَضّاً فهو مَفْضوضٌ وفَضيضٌ: كَسَرْتُه وفَرَّقْتُه، وفُضاضه وفِضاضه: ما تكسَّر مِنْه وتفرّق، والقونس: مُقَدَّم الرأس، وقونَسُ البَيْضةِ من السّلاح: أعْلاها، والفَراش: عَظْمُ الحاجب، أو قشرةٌ تكونُ على العظم دونَ اللّحم، ويقال: ضَرَبَه فأطارَ فَراشَ رأسِه وذلك إذا طارت العِظامُ رِقاقاً من رأسِه، والسَّلوقيُّ: الدِّرْع المنسوبة إلى سَلوق، وهي قريةٌ باليمن تعرف بِسَلَقْيَة وإليها تُنْسَبُ أيضاً الكِلابُ السَّلوقيّة، والصُّفّاحُ جمع صُفّاحة وهي: كلُّ عريضٍ من الحجارة ونحوها، والحُباحِب: الشَّررُ الذي يسقط من الزِّناد يقول في البيت الثاني: إنّ هذه السيوف تَقُدُّ - تقطع - الدِّرْعَ التي ضُوعِفَ نسجُها والفارس والفرس وتصل إلى الأرْضِ فتَقْدحُ النارَ بالصُّفَّاح.
وقال البحتري يصِف الدِّرْعَ:
يَمْشونَ في زَرَدٍ كأنَّ مُتونَها ... في كُلِّ مُعْتَرَكٍ مُتونُ نِهاءِ
بَيْضٌ تَسيلُ على الكُماةِ فُضولُها ... سَيْلَ السَّرابِ بِقَفْرَةٍ بَيْداءِ
وإذا الأسِنَّةُ خالَطَتْها خِلْتَها ... فيها خَيالُ كَواكِبٍ في ماءِ
وقال عبد الله بن المعتز:
كَمْ بَطَلٍ بارَزَني في الوَغى ... علَيْهِ دِرْعٌ خِلْتُها تَطَّرِدْ
كأنَّها ماءٌ عليهِ جَرى ... حتَّى إذا ما غابَ فيهِ جَمَدْ
وقال المتنبي:
تَرُدُّ عَنْهُ قَنا الفُرْسانِ سابِغَةٌ ... صَوْبُ الأسِنَّةِ في أثْنائِها دِيَمُ
стр. 627
تَخُطُّ فيها العَوالي لَيْسَ تَنْفُذُها ... كأنَّ كُلَّ سِنانٍ فوقَها قَلَمُ
يقول في البيت الأول: تمنع الرِّماحَ مِنَ النفوذِ في عَدوِّ الممدوح دِرْعٌ سابغة قد تلطّخت بالدماء التي تسيل من الأسِنّةِ عليها، أو أنّ وقْعَ الأسِنّةِ في هذه الدِّرْعِ كديمةِ المَطر تَتابُعاً. ويقول في البيت الثاني: إنَّ الرِّماحَ تؤثِّر في دِرْعه، أي تَجْرحُها، ولا تنفذها إلى جِسْمِه، حتّى كأنَّ أسِنَّتَها أقلامٌ تَخُطُّ في القِرْطاس ولا تَخْرُقه. وقال المعري:
إذا طُوِيَتْ فالقَعْبُ يَجْمَعُ شَمْلَها ... وإنْ نُثِلَتْ سالَتْ مَسيلَ ثِمادِ
وما هي إلا رَوْضةٌ سَدِكٌ بِها ... ذُبابُ حُسامٍ في السَّوابِغِ شادِ
على أنَّها أمُّ الوَغى وابْنَةُ اللَّظى ... وأخْتُ الظُّبَى في كُلِّ يَوْمِ جِلادِ
القعْبُ: القَدَحُ الصغير، ونَثَلَ الدِّرْعَ ينثلها: إذا ألْقاها على نفسِه وصبَّها عليه، والثِّمادُ جمعُ ثمد وهو: الماءُ القليل. يقول: إذا طُوِيَتْ صَغُرَ حجمُها بالطّي حتى يَسعَها القعب. وإنْ لُبست سالت على البَدنِ كالماء. وقوله: وما هي إلا روضةٌ. . . . البيت، فسَدك بالشيء: لَزِمَه، وشدا يشدو فهو شادٍ: إذا رفع صوتَه بالغناء، شبَّه هذه الدِّرْعَ بالرّوضة، والذُّبابُ يجتمع في الرّياض ويُصوِّت فيها، يقول: إنّ هذه الدرعَ روضةٌ قد أولِعَ بها ذُبابُ السيف، وهو: حَدّه الذي يتغنّى في الدّرع، أي أنّها دِرْعٌ لا تزال على بطلٍ مُحاربٍ تَرِدُها سيوفُ الأقرانِ وتقارعُها فيُسْمع صوتُ وقْعِها. وقوله: على أنّها. . . البيت فالجِلاد: الضِّرابُ بالسّيوف، وجعل الدّرْعَ أمَّ الوغى - أي الحرب - إذْ أنّها تجري مَجْرى الأصل والملجأ الذي يُلْجأ إليه، وجعلها ابنةَ اللَّظى - أي النار - لأنّها إنّما عُمِلَتْ بالنار، وأختُ الظُّبَى -
جَمْعُ ظُبَةٍ وهي حدُّ السيف - إذْ لا تزال
стр. 628
تَرِدُها ظُباتُ السّيوفِ وتقارنُها ولا تؤثّر فيها، وصَفها بهذه الأسماءِ المُنْبِئَةِ عن القرابات مُريداً بِها ما يُناسبُها مِنَ المعنى.
ولأبي العلاء المعرّي في الدُّروع مقطوعاتٌ كثيرة، لقد افْتَنَّ فيها افْتِناناً، وأبْدعَ ما شاءَتْ عبقريَّتُه تَراها في سَقطِ الزّند.