Полный текст (628 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
تَسيلُ على حَدِّ الظُّباتِ نُفوسَنا ... ولَيْسَتْ على غَيْرِ الظُّباتِ تَسيلُ
وقال عنترة:
بَكَرَتْ تُخَوِّفُني الحُتوفَ كأنَّني ... أصْبَحْتُ عَنْ عَرَضِ الحُتوفِ بِمَعْزِلِ
فأجَبْتُها: إنَّ المَنيَّةَ مَنْهلٌ ... لابُدّ أنْ أسْقى بِكأسِ المَنْهَلِ
فَاقْنَيْ حَياَءكِ لا أبالكِ واعْلَمي ... أنّي امْرُؤٌ سَأموتُ إنْ لَمْ أقْتَلِ
إنَّ المَنيَّةَ لَوْ تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ ... مِثلي إذا نَزَلوا بِضَنْكِ المَنْزِلِ
الحُتوف: المَكاره والمَتالف، وعن عَرَضٍ أي ما يعرض منها وبمعزل، أي في ناحية منعزلة عن ذلك، و: منهل: مورد، وقوله: فاقْنَيْ حياءَك، أي احفظيه ولا تضيّعيه،
والضنك: الضيق يقول: إنَّ المنيةَ لو خُلقت مِثالاً لكانَتْ في مثل صورتي. . . . .
وقال خالد بن الوليد وهو في مرض الموت: لقد لَقيتُ كذا وكذا زَحْفاً، وما في جَسدي مَوْضِعُ شِبْرٍ إلا وفيه طعنةٌ أو ضربةٌ أو رَمْيةٌ، ثُمَّ ها أنا ذا أموتُ على فراشي حَتْفَ أنفي! فلا نامت أعْينُ الجُبناء. . .
وقد تقدم ذلك
وقال المُفضَّل بن المهلب بن أبي صُفرة:
стр. 562
هَلِ الجودُ إلا أنْ تَجودَ بِأنْفُسٍ ... على كُلِّ ماضي الشَّفْرتَيْنِ قَضيبِ
ومَنْ هَرَّ أطْرافَ القَنا خَشْيةَ الرَّدى ... فلَيْسَ لِمَجْدٍ صالِحٍ بِكَسوبِ
وما هِيَ إلا رَقْدةٌ تُورِث العُلا ... لِرَهْطِكَ ما حَنَّت رَوائِمُ نيبِ
هرَّ أطرافَ القنا يقال: هرَّ الشَّيء يَهِرُّ - بالكسر والضَّم - هرّاً وهَريراً: كَرِهه يقال: هَرَّ فلانٌ الكأسَ والحرب هَريراً: أي كرهها قال عنترة:
حَلَفْنا لَهُمْ والخَيْلُ تَرْدي بِنا مَعاً ... نُزايِلُكُمْ حتَّى تَهِرُّوا العَوالِيا
عَوالِيَ زُرْقاً مِنْ رِماحِ رُدَيْنَةٍ ... هَريرَ الكِلابِ يَتَّقينَ الأفاعِيا
وقوله: وما هي إلا رقدة. . . ألبيت قال المبرّد: مأخوذٌ من قول أخيه يزيد بن المهلّب، وذلك أنه قال في يوم العقر، وهو اليوم الذي قتل فيه -: قاتلَ اللهُ ابنَ الأشْعث - عبد الرحمن بن الأشعث - ما كان عليه لو غَمّضَ عينيه ساعةً للموت ولم يكن قتيلَ نفسه. . . وذلك أنَّ ابن الأشعث قام في الليلِ وهو في سَطْحٍ للبول، فزَعموا أنّه رَدّى نفسَه، وغيرُ أهلِ هذا القول يقولون: بل سَقَطَ منه بسِنَةِ النوم. وقوله تورث العُلا لرهطك، فالمعنى: تورث العُلا رهطك، ومثله قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ والنيب جمع ناب وهي: المُسِنّة من الإبل سمَّوْها بذلك حين طال نابُها وعظم، والروائِمُ: العاطِفات على أولادها
стр. 563
من يخوض الحرب
لابد أن يوطّن نفسه على الموت
قالت الخنساء:
ومَنْ ظَنَّ مِمّنْ يُلاقي الحُروبَ ... بأنْ لا يُصابَ فَقَدْ ظَنَّ عَجْزا
وقالوا: إنَّ الشجاعةَ مَقْرونٌ بِها العَطَبُ
وقال تأبّط شرّاً من أبياتٍ اختارها أبو تمام في حماسته:
ومَنْ يُغْرَ بالأعْداءِ لابُدَّ أنَّه ... سَيَلْقى بِهِمْ مِنْ مَصْرَعِ المَوْتِ مَصْرَعا
في القتل حياة
قال المهلّب بن أبي صفرة: ليسَ شيءٌ أنْمى مِنْ سيف! ولقد صدق فما نال السيفُ أنمى عدداً وأكرم ولداً من وَلَدِ المهلّب. . . وقال الحجاج لامرأةٍ من الخوارج: واللهِ لأحْصِدنَّكُمْ حصداً، فقالت: أنْتَ تحصد واللهُ يزرع، فانْظُرْ أين قدرةُ المخلوقِ معَ قُدرةِ الخالق!
ومما يصحُّ أن يُورد هُنا وإنْ كانَ من وادٍ آخرَ قولُه تعالى: ﴿وَلَكُمْ
стр. 564
فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ﴾
تأثير الخوف والمخوف منه
والموفى على الجماعة
قيل لعليِّ بن أبي طالب: بِمَ غَلَبْتَ الأقران؟ قال: بتمكُّنِ هَيْبَتي في قلوبهم. . . وبعث أميرٌ في طلب قومٍ رجلاً، فما لبث أنْ جاءه برجُلٍ أطولَ ما يكون، فقال: كيف تمكَّنت منه؟ فقال: وقع في قلبي أن آخُذَه، ووقع في قلبِه أنّه مأخوذ، فنصَرَني عليه خوفُه وجُرْأتي. . .
ونظر رجلٌ إلى علي بن أبي طالب وقد شقَّ العسكر، فقال: قد علمْتُ أن ملكَ الموت في الجانب الذي فيه عليٌّ.
ومن المأثور عن المصطفى صلوات الله عليه قوله: (نُصِرْتُ بالرّعب مَسيرةَ شهر). . . قال ابن الأثير: كان أعداء النبي ﷺ قد أوْقعَ اللهُ في قلوبهم الخوفَ منه، فإذا كان بينه وبينهم مَسيرةُ شهرٍ هابوه وفزِعوا منه.
стр. 565
وقال المتنبي:
ويَسْتَعْظِمونَ المَوْتَ والمَوْتُ خادِمُهْ
وقال سلم الخاسر:
كأنَّ المَنايا جارِياتٌ بأمْرِهِ
وقال الفرزدق:
تَلمََّظَ السَّيفُ مِنْ شَوْقٍ إلى أنَسٍ ... فالمَوْتُ يَلْحَظُ والأقْدارُ تَنْتَظِرُ
أظلَّه مِنْكَ حَتْفٌ قَدْ تَجلَّلَه ... حتّى يُؤامِرَ فيهِ رأيَكَ القَدَرُ
وقيل للإسكندر: إنّ في عسكر دارا ألفَ مُقاتل، فقال: إن القصّاب الحاذقَ وإنْ كان واحداً لا يَهولُه كثرةُ الغَنَمِ. . . وقال شاعر:
فواحِدُهُمْ كالألْفِ بأساً ونَجْدةً ... وألْفُهُمُ لِلْعُجْمِ والعُرْبِ قاهِرُ
وقال أبو تمام يمدح أبا سعيد الطائي ويذكر ما صنع بالخُرَّميَّة:
لقيتَهُمْ والمَنايا غَيْرُ دافِعةٍ ... لِما أمَرْتَ بهِ والمُلْتقى كَبَدُ
في مَوْقفٍ وَقَفَ المَوْتُ الزُّؤامُ بهِ ... فالمَجْدُ يُوجَدُ والأرْواحُ تُفْتَقَدُ
مُسْتَصْحِباً نِيّةً قدْ طالَما ضَمِنَتْ ... لكَ الخُطوبَ فأوْفَتْ بالّذي تَعِدُ
ورُحْبَ صَدْرٍ لَوَ أنَّ الأرْضَ واسِعةٌ ... كَوُسْعِه لَمْ يَضِقْ عَنْ أهْلِه بَلَدُصَدَعْتَ جَرْيَتَهُمْ في عُصْبَةٍ قُلَلٍ ... قَدْ صَرَّحَ الماءُ عَنْها وانْجَلى الزَّبَدُ
стр. 566
مِنْ كُلِّ أرْوَعَ تَرْتاعُ المَنونُ لَهُ ... إذا تَجَرَّدَ، لا نِكْسٌ ولا جَحِدُ
يكادُ حينَ يُلاقي القِرْنَ مِنْ حَنَقٍ ... قَبْلَ السِّنانِ عَلى حَوْبائِه يَرِدُ
قلُّوا ولكِنَّهُمْ طابوا فأنْجَدَهُمْ ... جَيْشٌ مِنَ الصَّبْرِ لا يُحْصى له عَدَدُ
المتبرِّم بالحرب والسخرية منه
قال سعد بن مالك أحدُ سادات بكرِ بن وائل في الجاهلية وفرسانها
يا بُؤسَ لِلحَرْبِ الّتي ... وَضَعَتْ أراهِطَ فاسْتَراحوا
وهي من أبيات جيدة اختارها أبو تمام في حماسته وبعده:
стр. 567
والحَرْبُ لا يَبْقى لِجا ... حِمِها التَّخيُّلُ والمِراحُ
إلا الفَتى الصَّبَّارُ في ال ... نَّجْداتِ والفَرَسُ الوَقاحُ
مَنْ صدَّ عَنْ نيرانِها ... فأنا ابْنُ قَيْسٍ لا بَراحُ
المَوْتُ غايتُنا فَلا ... قَصْرٌ ولا عَنهُ جِماحُ
وكأنّما وِرْدُ المَنِي ... ة عِنْدنا مَاءٌ وراحُ
قوله يا بؤس للحرب، أصلُه: يا بؤسَ الحرب، فأقحِمَتْ اللامُ بين المُتضايفين، يدعو على الحرب ويذمُّ نكباتِها سُخريةً، ومعنى وضعت أراهِطَ: حطَّتْهم وأسقطتهم فلم يكن لهم ذكر ولا شرف في هذه الحرب فاسْتراحوا من مكابدتِها كالنساء، قال بعض الأعراب لرجل: إنّه قد وضع المكارم فاستراح، وقال رجل للأحنف: لا أبالي أهُجيتُ أم مُدحت، فقال: استرحت
من حيث تعبَ الكرامُ، وأراهط إمّا جمعُ أرْهُط جمع رَهْط وإما جمع رهط على خلاف القياس، والرهط: النفر من ثلاثة إلى عشرة، والجاحم: المكان الشديد الحر، من جَحَمَتِ النارُ فهي جاحمة: إذا اضطرمت، ومنه الجحيم، والتخيل: التكبُّر، من الخُيلاء. يقول: إنها لا تبقي على نخوة المنخوِّ، وذلك أنّ أولى الغَناء يتكرّمون عن الخُيلاء. ويختال المغرور فإذا جُرِّب فلم يُحْمدِ افتُضِحَ وسقط، أو تقول من كان ذا خُيلاء ومرح ثم بُلي بالحرب شغلته عن خُيلائه ومرحه. والمِراح بكسر الميم: النشاط، أي أنّها تكفُّ حَدَّة البَطِرِ النّشيط، وهذا تعريضٌ بالحارث بن عباد بأنّه صاحب خيلاء ومرح. والصبّار مبالغة صابر والنجدة: الشدة والبأس في الحرب، والوقاح: الفرسُ الذي حافِرُه صُلبٌ شديد، ومنه الوَقاحة.
стр. 568
وقوله: فأنا ابن قيس لا براح، أي: أنا المشهور في النجدة كما سمِعْتَ وأضاف نفسَه إلى جدِّه الأعلى لشهرته به، وجملةُ لا براحُ حالٌ مؤكدة لقوله: أنا ابن قيس كأنّه قال: أنا ابن قيسٍ ثابتاً في الحرب، والبَراحُ مصدر بَرِحَ الشيء بَراحاً: إذا زال من مكانه. وقوله: فلا قَصْرٌ هناك ولا جِماح فالقَصْر. الحبس، والجِماحَ مصدر جَمَحَ: إذا انفلَتَ وهَرِبَ يريد: لا يمكن حبس نفسٍ عن الموت ولا مَهْرَبَ عنه. والوِرْد: الورود وهو دخول الماء، وقيل: حُضورُه وإنْ لَمْ تدخلْه
وقال شاعر:
ما ذاقَ هَمَّاً كالشُّجاعِ ولا خَلا ... بِمَسرَّةٍ كالعاجِزِ المُتواني
الممدوح بقوة نفسه دون جسمه
قال أبو تمام:
والصَّبْرُ بالأرْواحِ يُعْرَفُ فَضْلُه ... صَبْرُ المُلوكِ ولَيْسَ بالأجْسامِ
وقال شاعر:
وإنّي لَلْقَويُّ على المَعالي ... وما أنا بِالقويِّ على الصِّراعِ
وقال معاوية ﵁: ما كان في الشبّانِ شيءٌ إلا وكانَ فيَّ منه مُسْتَمْتعٌ، إلا أنّي لم أكن نُكَحَةً ولا صُرَعَةً. رجل نُكَحَةٌ: كثيرُ النِّكاحِ - الوطء - ورجلٌ صُرَعَةٌ: يصرع الناس
وأورد أبو تمام في حماسته لبعض الشعراء:
لا قوَّتي قوّةُ الراعي قلائِصَه ... يَأوي فيَأوي إليهِ الكَلْبُ والرُّبَعُمِنّا الأناةُ وبَعْضُ القومِ يَحْسَبنا ... أنّا بِطاءٌ وفي إبْطائِنا سَرَعُ
стр. 569
يقول: ليس غَنائي من المُهمَّاتِ غَناءَ الرِّعاءِ الذين سعيهم مقصورٌ على ضمِّ القِلاصِ وحفظها في مراعيها فإذا أوى إلى موضع أوى إليه كلبُه الذي يحرسه ورُبَعُه، وهو ما نُتِجَ في الربيع، والسَرَع: السُّرعة
القصد إلى العدى مُجاهرةً
قال السَّريُّ الرفَّاءُ: مِنْ أبياتٍ يمدحُ بها سيفَ الدولة بْنَ حَمْدان:
ويَجْعَلُ بِشْرَهُ نُذْرَ الأعادي ... فيَبْعَثُه جَنوباً أو شَمالا
ولَمْ يُنْذِرْهُمُ مِقةً ولكِنْ ... تَرَفّعَ أنْ يُصيبَهُمُ اغْتيالا
وأشار على الإسكندر المقدونيِّ أصحابُه أن يُبيِّتَ الفُرْسَ، فقال: ليس من الإنْصافِ أن أجعلَ غلبتي سَرِقةً. . .
المقاتل عن حريمه
ليمَ الإسكندرُ على مُباشرتِه الحروبَ بنفسه، فقال: ليس من الإنصافِ أنْ يُقتلَ قومي عَنِّي وأتركَ القتالَ عنهم وعَنْ أهلي ونفسي. . .
وقيل للحسن البصري: يا أبا سعيد، إنّا نكونُ في هده البُعوثِ والسّرايا فنُصيبُ المرأة مِنَ العدوّ، وهي ذات زَوْجٍ، أفَتَحِلُّ لَنا مِنْ قبلِ أنْ يُطلِّقَها زوجُها؟ وكان الفرزدق حاضراً فقال الفرزدق: قد قلتُ أنا
стр. 570
في مِثلِ هذا شِعْراً، وأنشد:
وذاتِ حَليلٍ أنْكَحَتْها رِماحُنا ... حَلالاً لِمَنْ يبني بها ولَمّا تُطلَّقِ
فقال الحسن: أصَبْتَ، كنت أرى أنَّكَ أشعرُ مِنّي فإذا أنْتَ أفقَهُ قال ابن رشيق في العُمدة: وما أظنُّ الفرزدق إلا أرادَ مَذْهبَ الجاهليَّةِ في السَّبايا. . . .
وقال زياد الأعْجَمُ من كلمته التي يرثي بها المُغيرة بنَ المُهلّب بن أبي صُفرة:
صَفَّانِ مُخْتلِفانِ حينَ تَلاقَيا ... آبا بِوَجْهِ مُطَلِّقٍ أو ناكِحِ
المستنكف من السلب
قال أبو تمّام من بائيّته المشهورة التي يُهنئ فيها المعتصمَ بِفَتْح عمُّوريَّة:
إنَّ الأسودَ أسودَ الغابِ هِمَّتُها ... يومَ الكَريهةِ في المَسْلوبِ لا السَّلَبِ
وقتل علي بن أبي طالب ﵁ رجُلاً فأراد قَنْبرٌ أن يأخُذَ سلَبَه، فقال: يا غُلام، لا تُعَرِّ فرائسي. . . وقال عنترة في معلقته:
هلاَّ سَألْتِ الخَيْلَ يا ابْنةَ مالِكٍ ... إنْ كُنْتِ جاهِلةً بِما لَمْ تَعْلَمي
يُخْبِرْكِ مَنْ شَهِدَ الوَقيعةَ أنّني ... أغْشى الوَغى وأعِفُّ عِنْدَ المَغْنَمِ
стр. 571
الشبان والكهول في الحرب
قال رجل لآخر: لأغْزُونَّك بِمُرْدٍ على جُرْدٍ، فقال له: لألْقَيَنَّك بِكُهولٍ على فُحول.
وقال المتنبي:
سَأطْلُبُ حَقِّي بِالقَنا ومَشايِخٍ ... كأنَّهُمُ مِنْ طولِ ما الْتَأَموا مُرْدُ
ثِقالٍ إذا لاقَوْا خِفافٍ إذا دُعوا ... كثيرٍ إذا شدّوا قليلٍ إذا عُدُّوا
وطَعْنٍ كأنِّ الطَّعْنَ لا طَعْنَ عِنْدَه ... وضَرْبٍ كأنَّ النارَ مِنْ حَرِّه بَرْدُ
стр. 572
إذا شِئْتُ حَفَّتْ بي عَلى كُلِّ سابِحٍ ... رِجالٌ كأنَّ المَوْتَ في فَمِها شَهْدُ
وهم يفضلون الشبَّانَ على الكهول في الحروب، وقد أورد الراغب في محاضراتِه أبياتاً عزاها إلى طاهرِ بن الحسين، في هذا المعنى، والأبيات وإن كانت في معناها قد أصابت مقطع الحق والسَّدادِ بيدَ أنَّ مبناها ليس من الجمال في شيء ومن ثمَّ استحسنّا أن نَنْثُرَها ونوردَها عليك منثورة بألفاظنا مع المحافظة على المعنى، وهاكَها: من صائب الرأي أن تستظهر في تدبير حَرْبك بالشيوخ المحنّكين الذين تمرّسوا بالأيام حلوِها ومُرِّها، والذين تغني آراؤها غناءَ العمل، وإياك أن تغشى الوغى إلا بحديث السن مقتَبَلِ الشَّباب، فإن الكهول الذين تنفس بهم العمر واقتربوا من مناهلِ الموت تراهم يتمثلون الموتَ أبداً بين أعينهم خوفاً وجزعاً، ومن جرَّاء ذلك يَجبُنون، أما حديثُ السن فإنَّ له شأواً بعيداً يُريغه، وآمالاً عِراضاً يُحاولُ تحقيقها، ومن هنا كان جريئاً طموحاً بعيدَ مُرتقى الهمّة فهو لا يُبالي أسقط على الموت أم سَقطَ الموتُ عليه، لأن الموت ليس منه على بال. . .
стр. 573
العاجز أعاديه عن إصلاح ما أفسده وعكس ذلك
قال علي بن جَبَلَة المعروف بالعَكوَّك من أبياتٍ يمدح بها أبا غانم حميدَ بنَ عبد الحميد الطّوسيّ:
يَرْتُقُ ما يَفْتُقُ أعْداؤُه ... وليْسَ يأسو فتقَه آسي
فالنّاسُ جِسْمٌ وإمامُ الهُدى ... رأسٌ وأنْتَ العَيْنُ في الرّاسِ
وقال الكُميت:
لا يَهْدِمُ الناسُ ما تَبْني أكُفُّهُمُ ... مِنَ الفَعالِ ولا يَبْنونَ ما هَدَموا
وقال أشجع السُّلمِيّ من قصيدة يمدح بها جعفر بن يحيى البرمكي وزيرَ الرشيد:
ولا يَرْفَعُ النّاسُ مَنْ حَطَّه ... ولا يَضَعونَ الذي يَرْفَعُ
وبعده:
تُريد المُلوكُ مَدى جَعْفَرٍ ... ولا يَصْنَعونَ كَما يَصْنَعُ
ولَيْسَ بأوْسَعِهِمْ في الغِنى ... ولَكِنَّ معروفَه أوْسَعُ
وهذا البيت الثالث من قول ابن زيادٍ الأعرابيّ:
ولَمْ يَكُ أكثرَ الفِتيانِ مالاً ... ولكِنْ كانَ أرْحَبَهُمْ ذِراعا
стр. 574
وقال المتنبي:
لا يَجْبُرُ النّاسُ عَظْماً أنْتَ كاسِرُه ... ولا يَهيضونَ عَظْماً أنْتَ جابِرُهُ
من تصحبه الطيور والسباع في القتال
أول من وصف المُحاربَ تصحبه الطيورُ والسِّباعُ ثقةً بانتصاره، وبالشِّبَعِ من فرائِسه، النابغة الذُّبياني إذ يقول في قصيدةٍ له يمدح بها عمرَو بنَ الحارث الأصغر من ملوك غسّانَ بالشام:
إذا ما غَزَوْا بالجَيْشِ حَلَّقَ فَوْقَهمْ ... عَصائِبُ طَيْرٍ تَهْتَدي بِعَصائِبِ
يُصاحِبْنَهُمْ حتَّى يُغِرْنَ مُغارَهُمْ ... مِنَ الضَّارِياتِ بِالدِّماءِ الدَّوارِبِ
تَراهُنَّ خلْفَ القومِ خُزْراً عُيونُها ... جُلوسَ الشُّيوخِ في ثِيابِ المَرانِبِ
جَوانِحَ قدْ أيْقَنَّ أنَّ قبيلَه ... إذا ما الْتَقى الجَمْعانِ أوَّلُ غالِبِ
لَهُنَّ عليهِمْ عَادَةٌ قَدْ عَرَفْنَها ... إذا عَرَّضَ الخِطِّيُّ فَوْقَ الكَواثِبِ
العصائب: الجماعات. وقوله: يصاحبنهم يقول: تسير جماعاتُ الطير معهم كأنّما تُغير بإغارتهم على الأعداء، وهذه الطيور من المتدرّبات الضاريات المُولعات بدماء القتلى. والخُزْرُ جمع أخْزَر وخَزْراء أي: ضيّقة العيون خِلقةً؛ أو أنّها تتخازر، أي تقبض أجفانها، لتحدِّد النظر، وقوله جلوس الشيوخ، أي أنّها لدى اشتداد القتال تقع على أعالي الأرض
والهضاب كأنها في ريشها ووقوفها وتحديد النظر تترقّب القتلى جالسةٌ جلوسَ الشيوخ إذا التفُّوا بأكيسة المرانب يحدِّدون النظر إلى شيءٍ بعيد، والمرانب
стр. 575
جمع مَرْنَبانيِّ، وهو الثوب المبطَّن بفِراء الأرانب. وجوانح: مائلات للوقوع. والخِطِّيّ: أي القنا المنسوبة إلى الخِطِّ - بلد بالبحرين - والكواثب - بالثاء المثلثة - جمع كاثبة، وهي من جسم الفرس ما تحت الكاهل إلى الظهر بحيث إذا نُصِبَ عليه السّرجُ كانت أمام القَرْبوسِ يضع الفارسُ عليها رمحَه مُسْتعرصاً، يقول: اعتادت الطيرُ أن الرماح إذا عرضت على الكواثب كان ذلك لرِزْقٍ يُساق إليها.
وقال أبو تمام:
وقد ظُلِّلَتْ عِقْبانُ أعْلامِه ضُحًى ... بِعِقْبانِ طَيْرٍ في الدِّماءِ نَواهِلِ
أقامَتْ مَعَ الرّاياتِ حتَّى كأنّها ... مِنَ الجَيْشِ إلا أنَّها لَمْ تُقاتِلِ
وقالت جَنوبُ أختُ عَمْرٍو ذي الكَلْبِ ترثيه:
تَمْشي النُّسورُ إليهِ وهْيَ لاهِيةٌ ... مَشْيَ العَذارى عَلَيْهِنَّ الجَلابيبُ
الجلباب: ثوبٌ أوسعُ من الخمار دون الرّداء تغطّي بها المرأةُ رأسَها وقيل: المُلاءةُ التي تشتمل بها، ومعنى قوله وهي لاهيةٌ: أنَّ النُّسورَ آمِنَةٌ مِنْه لا تَفْرَقُه لكونه مَيّتاً فهي تمشي إليه مشي العذارى، وأول هذه المرثية:
كلُّ امْرِئٍ بِطُوالِ العَيْشِ مَكْذوبُ ... وكلُّ مَنْ غَالَبَ الأيَّامَ مَغْلوبُ
وقال المتنبي:
стр. 576
تَرَكْتَ جَماجِمَه في النَّقا ... وما يَتَخلَّصْنَ للنَّاخِلِ
فأنْبَتَّ مِنْهُمْ رَبيعَ السِّباعِ ... فأثْنَتْ بِإحْسانِكَ الشَّامِلِ
وقال:
سَحابٌ مِنَ العِقبانِ يَزْحَفُ تَحْتَها ... سَحابٌ إذا اسْتَسْقَتْ سَقَتْها صَوارِمُهْ
وقال في صفةِ جيشٍ وقد ألمَّ بهذا المعنى:
وذي لَجَبٍ لا ذو الجَناحِ أمامَه ... بِناجٍ ولا الوحْشُ المُثارُ بِسالِمِ
تَمُرُّ عليه الشَّمْسُ وهْيَ ضَعيفةٌ ... تطالِعُه مِنْ بَيْنِ ريشِ القَشاعِمِ
إذا ضَوْؤها لاقى مِنَ الطَّيْرِ فُرْجةً ... تَدَوَّرَ فوقَ البيضِ مِثْلَ الدَّراهِمِ
وقال:
يُطَمِّعُ الطَّيْرَ فيهم طولُ أكْلِهِمُ ... حتّى تكادَ على أحْيائِهِمْ تَقَعُ
стр. 577
وقال أبو نواس:
تَتأيَّا الطَّيْرُ غُدْوتَه ... ثِقَةً بالشِّبعَِ مِنْ جَزَرِهْ
تأيَّا الشيء: قَصَدَ آيتَه، أي شَخْصَه. والجَزَر: قِطَعُ اللحم
عذر من يلبس الدروع
ونحوها في الحرب والمُستغني بشجاعته ويقينِه عنها
قال أبو تمام في المُستغني بجلادته عن الدروع:
إذا رأوْا لِلْمَنايا عارِضاً لَبِسوا ... مِنَ اليَقينِ دُروعاً ما لها زَرَدُ
وسُئلَ بعضُ الأبطال: في أيِّ الجُنَنِ تُحبُّ أن تلقى عدوَّك؟ قال: في أجلٍ مُسْتأخرٍ. . . . وقيل لآخرَ: لَوِ احْترسْتَ! فقال: كفى بالأجلِ حارِساً. . .
ومِمّا يُؤثر في كثرةِ لِبْسِ الدُّروعِ والاستعدادِ للحرب أبداً قولُ مسلم بن الوليد من قصيدته التي يمدح بها يَزيدَ بن مزيد الشيبانيّ وهو ابْن أخي معن بن زائدة:
تَراه في الأمْنِ في دِرْعٍ مُضاعَفَةٍ ... لا يأمَنُ الدَّهْرَ أنْ يُدْعى على عَجَلِ
وبعده:
لا يَعْبَقُ الطِّيبُ خدِّيْهِ ومَفْرِقَهُ ... ولا يُمَسِّحُ عَيْنَيْه مِنَ الكَحَلِ
يُروى أنَّ عمَّه مَعْنَ بنَ زائدة كان يقدِّمه على أولاده فعاتَبَتْه إمرأتُه في ذلك، فقال لها: فأريكِ ما تَبْسطينَ به عُذْري، يا غلامُ، اذهبْ فادْعُ حسّاساً وزائدة وعبد الله وفلاناً وفلاناً حتّى أتى على جميع أولاده فلم يَلْبثوا
стр. 578
أن جاؤوا في الغلائِلِ المُطَيَّبة والنِّعالِ السِّنديَّة، وذلك بعد هُدْأةٍ من الليل، فسلَّموا وجلسوا، ثم قال مَعْن، يا غُلام، ادْعُ يَزيدَ، فلم يلبث أنْ دخَلَ عَجِلاً وعليه سلاحُه، فوضع رُمْحَه بباب المجلس، ثم دخل، فقال معنٌ له: ما هذه الهيئة يا أبا الزُّبير، فقال: جاءني رسول الأمير فَسَبقَ وَهْمي إليَّ أنه يريدني لمُهِمٍّ فلبستُ سلاحي وقلت: إنْ كان الأمر كذلك مضيت ولم أعَرِّجْ وإنْ كان غيرَ ذلك فنزعُ هذه الآلةِ عنّي من أيسرِ الأشياء، فقال معن: انصرفوا في حفظ الله، فلمّا خرجوا قالت زوجتُه قد تبيَّنَ لي عذرُك، فأنشد متمثِّلاً:
نَفْسُ عِصامٍ سَوَّدَتْ عِصاماً ... وعَلَّمَتْه الكَرَّ والإقْداما
وصَيَّرَتْهُ مَلِكاً هُماماً
وإلى ذلك أشار مُسلم بالبيتين المَذْكورين. ويُروى: أنَّ مُسلماً لمّا انْتَهى في إنشادِ هذه القصيدة إلى البيت الأول قال له يزيدُ الممدوح: هلا قُلْتَ كما قال أعشى بكرِ بنِ وائل في مدحه قيسَ بنَ معد يكرب:
وإذا تُجيءُ كَتيبةٌ مَلْمومةٌ ... شَهْباءُ تَجْتَنِبُ الكُماةُ نِزالَها
كَنْتَ المُقدَّمَ غَيْرَ لابِسِ جُنَّةٍ ... بالسَّيْفِ تَضْرِبُ مُعْلَماً أبطالَها
стр. 579
فقال مسلم: قولي أحسنُ من قوله لأنّه وصفه بالخُرْق وأنا وصفتُه بالحَزْم. ويُروى مثلُ هذا لعبد الملك بن مروان مع كُثيِّر عزّة. . .
تحريم الملاهي على المحارب
قال معاوية ﵁: ما ذقتُ أيَامَ صفِّينَ لحماً ولا حَلْواءَ بل اقتصرت على الخبز حتى فرغت. وكتب عامل اليمن إلى عبد الملك بن مروان في وقت محاربته عبد الرحمن بن الأشعث: إنّي قد وجّهت إلى أمير المؤمنين بجاريةٍ اشتريتُها بمالٍ عظيم، ولم يُرَ مثلُها قطُّ، فلما دُخل بها عليه رأى وَجْهاً جميلاً وخَلْقاً نبيلاً، فألقى إليها قضيباً كان في يده فنكَسَتْ لتأخذَه، فرأى جِسْماً قد بهره، فلما همَّ بها أعلَمَه الآذِنُ أنَّ رسولَ الحجّاج بالباب فأذِنَ له، ونَحّى الجارية، فأعطاه كتاباً من عبد الرحمن، فكتب إليه عبد الملك كتاباً، ثمَّ بات يُقلِّبُ كفَّ الجارية ويقول: ما أفدْتُ فائدةً أحبَّ إليَّ منك، فتقول: فما بالك يا أمير المؤمنين وما يَمْنعك؟ فقال: يمنعني ما قاله الأخطل، لأنّي إنْ خَرَجْتُ منه كنت ألأمَ العَربِ:
قومٌ إذا حارَبوا شَدُّوا مآزِرَهُمْ ... دونَ النِّساءِ ولَوْ باتَتْ بِأطْهارِ
فما إليكِ سبيلٌ أو يحكمَ اللهُ بيني وبين عبدِ الرحمنِ بن الأشعث، فلم يَقْرَبْها حتّى قُتلَ عبد الرحمن قول الأخطل: ولَوْ باتت بأطهار،
стр. 580
يعني: أنّه يجتنِبُها في طُهْرها وهو الوقت الذي يستقيم له غِشيانُها فيه. وفي هذا المعنى يقول الأعشى من كلمة له يمدح بها هَوْذةَ بن علي الحنفيّ:
وفي كلِّ عامٍ أنْتَ جاشِمُ غَزْوةٍ ... تَشُدُّ لأقْصاها عَزيمَ عَزائِكا
مُوَرِّثةً مالاً وفي الحَيِّ رِفْعةً ... لِما ضاعَ فيها من قُروءِ نسائِكا
جاشم اسم فاعل جَشِمَ الأمرَ - بالكسر - تكلَّفه على مشقَّةٍ، والعزيمُ كالعزيمة مصدر عَزَمَ على الأمر: جَدَّ في عمله، والعزاء: الصبر. يقول الأعشى: أنت في كل عام تكلِّف نفسَك الغزوَ واقتحامَ مكارهِه تَشدُّ وتوثِّق عزيمةَ صبْركَ لأقْصاها، أي أبعدها وأعلاها، أو غايتها ومنتهاها، وهذه الغزوات تورثك مالاً كثيراً بغنائِمِها، ورِفْعةً لك في الحيِّ. والقُروء جمع قَرْء وهو: الطُّهر هنا، وقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ اختلف العلماء فقال الحجازيّون القُروء: الأطهار، وقال أهل العراق الحيضُ، أما في قول الأعشى فالقُروء الأطهار لا الحيض لأن النساء إنّما يؤتَيْنَ في أطْهارِهَنَّ لا في حيضهنَّ فإنّما ضاع بغزوه وغلبتِه عنهنَّ أطهارُهُنَّ. هذا واللام في قوله: لِما ضاع فيها لامُ العاقبة مثلها مثل اللام في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، وقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ هذا وقوله تعالى ﴿ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ قال الأصمعي: جاء هذا على غير القياس والقياس: ثلاثة أقْرُء ولا يجوز أن يقال ثلاثة فلوس، إنما يقال: ثلاثة أفلُس فإذا أكثرت فهي الفلوس، ولا يقال: ثلاثة رجال إنما هي ثلاثة رَجِلَةٍ ولا يقال ثلاثة كلاب إنَّما هي ثلاثة أكلُب. وقال النحويون: في قوله تعالى: ﴿ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ﴾ أراد بها ثلاثةً من القروء
стр. 581
طائفة من عبقرياتهم في الصلح
والتحذير من الحرب
قال : ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾. السِّلْمُ: الصلح، بفتح السين وكسرها، وتُذَكَّر وتؤنث، وقال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ نزلت هذه الآية الكريمة في قتالٍ حدث بين الأوس والخزرج في عهده ﵊ بالسَّعَفِ والنِّعال، والجمع في اقتتلوا باعتبار المعنى فإنّ كلَّ طائفةٍ جمع، وبغت: تعدّت، وتفيء: ترجع، وأقسطوا: اعْدِلوا.
ومن كلامِهم: الحَرْبُ صعبةٌ مُرَّة، والصلح أمنٌ ومسرَّة.
ومنه: إيّاك والمعاداةَ، فإنك لن تَعْدِمَ مَكْرَ حَليمٍ، أو مُفاجأةَ لئيم.
ومنه: لا تستثيروا السِّباعَ مِنْ مرابضها فتندموا، وداروا الناسَ في جميع الأحوال.
ومنه: الفتنة نائمةٌ، فمَنْ أيقظَها فَهْوَ طَعامها الفتنة هُنا: ما يقع بين الناس من القتال
والحروب. وقال زهير بن أبي سُلمى في معلقته:
وما الحَرْبُ إلا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ ... وما هُوَ عَنْها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ
مَتى تَبْعَثوها تَبْعَثوها ذَميمةً ... وتَضْرَ إذا ضَرَّيْتُموها فَتَضْرَمِ
فتَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحى بِثِفالِها ... وتَلْقَحْ كِشافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ
стр. 582
فَتُنْتَجْ لكُمْ غِلمانَ أشأمَ كُلُّهُمْ ... كَأحْمَرِ عادٍ، ثمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
فتُغْلِلْ لكُمْ ما لا تُغِلُّ لأهْلِها ... قُرًى بِالعِراقِ مِنْ قَفيزٍ ودِرْهَمِ
إلى أن قال:
ومَنْ يَعْصِ أطْرافَ الزّجاجِ فإنَّه ... يُطيعُ العَوالي رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْذَمِ
المُرَجَّم من الحديث: المَقولُ بطريق الظَّنِّ لا عن تحقيق، يقول: وما حديثي عن الحرب وتخويفكم أهوالَها بالحديث المفترى، وإنّما أنتم قد علمتم ويلاتِ الحرب وذُقتموها فلا تقربوها؛ وضَرِيَ يَضْرَى: اشتدَّ حِرْصُه والتَّضْرية: الحمل على الضّراوة. وضَرِمَتِ النارُ تَضْرَم: التهبت يقول: متى تَهيجوا الحربَ تَهيجوها مذمومةً، أي تُذمّون على إثارتها، ويشتد حرصها إذا حملتموها على شدة الحرص فيشتد حَرُّها وتلتهب نارها، يحثّهم على التمسُّك بالصلح وينذرهم بسوء عاقبة إيقاد نار الحرب. وقوله: فتعرككم ألبيت، فالعَرْك: الدَّلك، والثِّفال: الجلدُ أو الخرقة تُوضعُ تحت الرّحى ليقعَ عليها الطحين، والباء في بثِفالها بمعنى مَع، واللّقاح: حمل الولد يقال: لَقِحَتِ الناقةُ تَلْقَحُ: إذا حملت، وتلقح كِشافاً: أي تلقح لِقاحاً كِشافاً، بأن تحمل في عامين متواليين وتُتْئم: أي تأتي في كل مرّة بتَوْءَمين، يقول: إذا هجتم الحرب طحنتكم طحنَ الرّحى الحَبَّ مع ثِفالها وتطول شِدّتُها وويلاتُها وتتولّد من جرّائها صنوفٌ وضروب من الأهوال والشرور، ومثلها في ذلك مثل الناقة تحمل حَمْلَيْن في عامين مُتواليين ثم لا تلدُ إلا تَوْءَمين، جعل إفناءَ الحربِ إيّاهم بمنزلة طحن الرّحى الحبَّ وجعل صنوفَ الشرِّ تتولد من الحرب بمنزلة الأولاد الناشِئة من الأمَّهات وبالغ في وصفها باستتباع الشرِّ شيئين: أحدهما جَعْلُه إيّاها لاقِحة كِشافاً،
стр. 583
والآخر إتْآمُها. وأشأم مَصدرٌ من الشّؤم، على وزْنِ أفْعل، أو صفة لمَحذوف، وأحمرُ عاد: لقب لعاقِرِ ناقة صالح ﵇ نبيِّ ثمود واسمه قِدار، وكان عقْرُه لهذه الناقة شُؤماً على قومه، ويريد بعاد ثمودَ إمّا توهُّماً وخطأً وإمّا لأنَّ ثمودَ مِن عاد، يقول: إنّ هذه الحرب تطول ويلاتُها وشرورُها وتنتج
لكم غِلمانَ شؤمٍ أو غِلمانَ أبٍ أشأم شؤم قِدار عاقر الناقة، ثم تعيش هذه الغلمان فترضعهم الحرب وتفطمهم، وكل ذلك كنايةٌ عن طول ويلات الحرب وطول شرورها. وقوله: فتغلل لكم. . . ألبيت يقول: فتغلُّ لكم هذه الحرب ضُروباً من الغَلاّت ليست كغلات قرى العراق من الحبِّ الذي يُكال بالقفيز، أو من ثمن الغلة وهي الدراهم، يعني: أن المضارّ المتولِّدة من هذه الحرب تُربي على المنافع المتولدة من هذه القرى، وكل هذا حثٌّ منه لهم على الاعتصام بعُرى الصلح وزجرٌ عن إيقادِ نارِ الحرب التي تلك أفاعيها وأهوالها. وقوله: ومن يعص. . . ألبيت فالزجاج جمع زِجّ وهو الحديدُ المُرَكّب في أسفل الرمح، واللَّهْذمُ: السِّنانُ الطويل يقول: من يعصِ أطرافَ الزّجاج أطاع عوالي الرّماحِ التي رُكّبت فيها الأسنة الطّوال الحادّة والمعنى: من أبى الصُّلْحَ ذلّلته الحربُ وليَّنَتْه، وكانت العرب إذا التقت فئتان منهم سَدَّدت كلُّ طائفة منهما نحو صاحبتها زجاج الرِّماح وسعى الساعون في الصلح، فإن أبتا إلا التمادي في القتال قلبت كل واحدة منهما الرّماحَ واقتتلتا بالأسنّة. وقال كثَيِّر:
رَمَيْتَ بأطْرافِ الزِّجاجِ فلَمْ يُفِقْ ... مِنَ الجَهْلِ حتَّى كلَّمَتْه نِصالُها
وخطب بعضهم خُطبةً طويلةً لصلح أمّة، فقال له رجل: أنت مُذِ اليوم ترعى في غير مَرْعاك. . . أفلا أدُلُّك على المقال؟ فقال: نعم فقال:
стр. 584
أمّا بعد فإنَّ الصُّلْحَ بقاءُ الآجال، وحفظ الأموال، والسلام. فلمّا سمع القوم ذلك تعانَقوا وتَواهبوا الدِّيات. وكتب سَلْمُ بن قتيبةَ بنِ مسلم إلى سعيد المُهلَّبي لما تحاربا بالبصرة:
خُذوا حَظَّكُمْ مِنْ سَلْمِنا إنَّ حِزْبَنا ... إذا زَبَنَتْه الحَرْبُ: نار تَسَعَّرُ
وإنّي وإيّاكم على ما يَسوؤُكُمْ ... لَمِثْلانِ أو أنْتُمْ إلى الصُّلْحِ أفْقَرُ
وقال حكيم: دافع بالحرب ما أمكن، فإنّ النفقةَ في كل شيءٍ من الأموال، إلا الحرب، فإنّ النفقة فيها من الأرْواح، عِلاوةً على الأموال.
وقال النابغة الجَعْديُّ:
وتَسْتَلِبُ المالَ الذي كانَ ربُّها ... ضَنيناً بهِ والحَرْبُ فيها الحَرائِبُ
وقد تبعه أبو تمام فقال:
والحَرْبُ مُشْتقّةُ المَعْنى مِنَ الحَرَبِ
الحَرَبُ: أنْ يُسْلبَ الرجلُ مالَه
وقال شاعر يُسمى حلحَلةَ بن قيس الكناني:
دَعاني أشُبُّ الحَرْبَ بَيْني وبينَه ... فقلْتُ له: لا، بلْ هَلُمَّ إلى السَّلْمِ
وهَلا عَنِ الحَرْبِ التي لا أديمُها ... صَحيحٌ وما تَنْفَكُّ تأتي على سُقْمِ
فإنْ يَظْفَرِ الحِزْبُ الذي أنْتَ مِنْهُمُ ... وآبوا بِدُهْمٍ مِنْ سِباءٍ ومِنْ غُنْمِ
стр. 585
فَلا بُدَّ مِنْ قَتلي لَعلّكَ فيهِمُ ... وإلا فَجُرْحٌ ليسَ يَكْني عَنِ العَظْمِ
فلمّا أبى أرْسَلْتُ فَضْلَةَ ثَوْبِه ... إليهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِعَزْمٍ ولا حَزْمِ
فلَمّا رَمانيها رَميْتُ سَوادَه ... ولا بُدَّ أنْ تَرْمي سَوادَ الذي يَرْمي
فبِتْنا على لَحْمٍ من القوم غودِرَتْ ... أسِنَّتُنا فيهِ وباتوا على لَحْمِ
وكانَ صَريعَ الجَهْلِ أوَّلَ وَهْلةٍ ... فبُعْداً لَه مُخْتارَ جَهْلٍ على عِلْمِ
الحرب تصيب جانيها وغير جانيها
العربُ تقول: الحَرب غَشومٌ، لأنها قد تنال غيرَ جانيها.
وتقول:
وليس يَصْلى بنارِ الحَرْبِ جانيها
وأصْبَحَ مَنْ لَمْ يَجْنِ فيها كَذي الذَّنْبِ
وقال الحارث بن عبَّاد:
قَرِّبا مَرْبِطَ النَّعامةِ مِنِّي ... لَقِحَتْ حَرْبُ وائلٍ عَنْ حِيالِ
لَمْ أكُنْ مِنْ جُناتِها عَلِمَ اللهُ وإنِّي بِحَرِّها اليَوْمَ صالِ
قَرِّباها فإنَّ كَفِّيَ رَهْنٌ ... أنْ تَزولَ الجِبالُ قبلَ الرِّجالِ
النّعامة: فرسُه، ولَقِحَتْ: حَمَلَت، وحَرْبٌ لاقِحٌ؛ مثلٌ بالأنْثى الحامل، وعن حيال: بعدَ حيال، أي بعد أن لم تَحْمِلْ، وصَلي بالنار: قاسى حرَّها أو احترق بها
وقال ابن الرُّومي:
رأيْتُ جُناةَ الحَرْبِ غيرَ كُفاتها ... إذا اخْتَلَفَتْ فيها الرِّماحُ الشَّواجِرُ
стр. 586
كَذاكَ زِنادُ النارِ عَنْها بِنَجْوةٍ ... ولكِنَّما يَصْلَى صِلاها المَساعِرُ
المَساعر: جمع مِسْعَرٍ، وهو: ما تُحرّك به النارُ من خشَبٍ ونحوه، ومِسْعَرُ الحرب: مُوقِدُها
الممتنع من الصلح
قال أبو زبيد الطائي - شاعر مخضرم، كان في الجاهلية مقيماً في أخواله بني تغلب بالجزيرة، وفي الإسلام منقطعاً إلى الوليد بن عُقبة بن أبي مُعَيط في ولاية الجزيرة وولاية الكوفة، ولم يزل به الوليد حتى أسلم، وقد كان نصرانياً، والأكثر على أنّه مات على نصرانيَّته -:
بَعثوا حَرْبَنا إلَيْهِمْ وكانوا ... في مقامٍ لو أبصروا ورَخاءِ
ثُمَّ لمّا تَشَذَّرَتْ وأنافَتْ ... وتَصلَّوْا منها كَريهَ الصِّلاءِ
طَلَبوا صُلْحَنا ولاتَ أوانِ ... فأجَبْنا أنْ لَيْسَ حينَ بَقاءِ
فلَحا اللهُ طالِبَ الصُّلْحِ منَّا ... ما أطافَ المُبِسُّ بالدَّهْناءِ
لو أبصروا فلو للتمنِّي، ورخاء: عطف على مقام، وتشذَّرت يقال: تشذَّر فلان إذا تهيأ للقتال، وتشذر القوم في الحرب: أي تطاولوا واشْرأبُّوا، وأنافت: زادت، وتصلَّوا: من صَلِيَ النارَ صَلاً، من باب تعب: قاسى حَرّها، والصِّلاءُ ككتاب: حَرُّ النار، وطلبوا صُلْحنا: جواب لمّا، وقوله: ولات أوانِ فللنحويين في تخريجها كلامٌ كثير وأوْجَهُها أنّ أصلَها: ولات أوانَ صُلْحٍ، فحذفت الجملة وبُني أوان على الكسر، وليس حين بقاء: أي ليس الحينُ حينَ بقاء، والبقاء: اسم من قولهم أبْقَيْتُ على فلان إبقاء: إذا رَحِمته وتلطَّفت به، والمشهور
стр. 587
أنّ الاسمَ منه، البُقياء والبَقْوى، ولحا الله: أي قبَّحَ الله، وما أطاف: فما مصدرية ظرفية، وأطاف وطاف: بمعنى دارَ على الشيء، والمبِسُّ حادي الإبل، وهو في الأصل اسم فاعل من أبْسَسْتُ الإبلَ: إذا زَجْرْتَها والدهناء: موضع في بلاد بني تميم
وقال الزِّبرقان:
فلَنْ أصالِحَهُمْ ما دُمْتُ ذا فَرَسٍ ... واشْتَدَّ قَبْضاً على الأسْيافِ إبْهامي
ضارع يطلب الصلح
قال المتنبي:
مَنْ أطاقَ الْتِماسَ شيءٍ غِلاباً ... واغْتصاباً لَمْ يَلْتَمِسْهُ سُؤالاً
التحذير من صغير يفضي إلى كبير
قال الفرزدق:
تَصَرَّمَ عنِّي وُدُّ بكرِ بنِ وائلِ ... وما كادَ عَنّي وُدُّهُمْ يَتَضَرَّمُ
قوارِصُ تأتيني وتَحْتَقِرونَها ... وقدْ يَمْلأ القَطْرُ الإناَء فيُفْعَمُ
يفعم: يمتلئ، والقوارِصُ جمع قارصة: الكلمة المؤذية
وقال آخر:
ذروا الأمرَ الصَّغيرَ وزَمِّلوه ... فتَلْقيحُ الجليلِ من الدَّقيقِ
زمِّلوه: أخفوه
وقال آخر:
قَدْ يَحْقِرُ المَرْءُ ما يَهْوى فيَرْكَبُه ... حتَّى يكونَ إلى تَوْريطِه سَببا
стр. 588
وقال آخر:
إنَّ الأمورَ دَقيقَها ... ممّا يَهيجُ بهِ العَظيمُ
ومن كلامهم: من الحبَّةِ تنبت الشجرةُ العميمة؛ ومن الجَمْرة تكونُ النار العظيمة. والتَّمْرَةُ إلى التَّمْرَةِ تَمْرٌ، والذَّودُ إلى الذَّوْدِ إبل.
وفأوَّلُ الغَيْثِ قَطْرٌ ثُمَّ يَنْسَكِبُ
وكَمْ بِذي الأثلِ دَوْحةٌ مِنْ قَضيبِ
طائفة من عبقرياتهم في التهديد والوعيد
قلة غناء الوعيد
من أمثالهم: الصِّدْقُ يُنْبئ عنكَ لا الوعيد، أي: إنّما يُنبئ عدوَّك عنك أنْ تَصْدُقَه في القتال، لا أن تُوعِدَه ولا تُنَفِّذَ ما تُوعِدُه به
وقالوا: من علاماتِ العاقلِ تَرْكُ التَّهْديدِ قبل إمكان الفُرص، وعِنْدَ إمكانِها الوثوبُ مع الثِّقةِ بالظَّفر.
وقالوا:
إنّ الوَعيدَ سِلاحُ العاجِزِ الحَمِقِ
الحَمِق: الأحْمق
وقالوا:
إنَّ الكتائبَ لا يُهْزَمْنَ بِالكُتُبِ
مَنْ يتهدَّد بظهر الغيبِ ولا يُغْني غَناءً
قال عنترة في معلقته:
ولَقَدْ خَشيتُ بأنْ أموتَ ولَمْ تَكُنْ ... لِلَحَرْبِ دائِرةٌ على ابْنَيْ ضَمْضَمِ
стр. 589
الشّاتِمَيْ عِرْضي ولَمْ أشْتِمْهُما ... والناذِرَيْنِ إذا لَمْ ألْقَهُما دَمي
الدائرة: اسمٌ للحادثة، سُمّيت بها لأنها تدور من خير إلى شرٍّ ومن شرٍّ إلى خيرٍ، ثم استعملت في المكروهةِ دون المحبوبة، والدائرة: الهَزيمة والسوء يقال: عليهم دائرة السّوء، وفي الحديث: (فيجعل الدائرةَ عليهم)، أي الدولة بالغلبة والنصر، وقوله سبحانه: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾. قيل: الموت أو القتل، وقوله: والناذرين يقول: والموجبان على أنفسهما سفكَ دمي إذا لم ألقهما، يريد: أنّهما يتوعّدانِه حالَ غيبته أما في حال حضوره فلا يتجاسران على ذلك
وقال القُرمطي:
تَتَمنّاني إذا لَمْ تَرَني ... فإذا جِئْتُ قَطَعْتَ القَنْطَرَهْ
يا بَني العبّاسِ مَنْ يَنْصُرُكُمْ ... أصَبِيٌّ أمْ خَصِيٌّ أمْ مَرَهْ
وقال آخر:
كالصَّدى يُسْمعُ مِنْه صوتُه ... فإذا طالَبْتَه لَمْ يَسْتَبِنْ
الصدى: ما يُجيبك من صوتِ الجبلِ ونحوه بمثل صوتك
من لا يبالي بتهديده
قال جرير:
زَعَمَ الفَرَزْدقُ أنْ سَيَقْتُلُ مِرْبَعاً ... أبْشِرْ بِطولِ سَلامةٍ يا مِرْبَعُ
وقال مقاتل بنُ مِسْمع لِعَبّاد بن الحصين: لولا شيءٌ لأخذت رأسَك فقال: أجل، ذلك الشيءُ سيفي. . . .
стр. 590
وقال ابن أبي عُيينة:
فَدَعِ الوَعيدَ فما وعيدُكَ ضائِري ... أطَنينُ أجْنَحةِ الذُّبابِ يَضيرُ
وقال الفرزدق:
ما ضَرَّ تَغْلِبَ وائلٍ أهَجَوْتَها ... أمْ بُلْتَ حَيثُ تَناطَحَ البَحْرانِ
وأبْرقَ رَجلٌ لآخر وأرعد فلمّا زاد أنشد:
قَدْ هَبَّتِ الرّيحُ طولَ الدَّهْرِ واخْتَلَفَتْ ... على الجِبالِ فَما نالَتْ رَواسيها
طائفة من عبقرياتهم
في الهزيمة والخوف وأنّ الفِرارَ لا يقي من الموت
قال جل شأنه: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ يقول سبحانه: لَنْ ينفعَ الناسَ الفِرارُ فإنه لابد لكل شخص من حتف أنفٍ أو قتل في وقتٍ معيَّن سبق به القضاءُ وجرى عليه القلم، ثم قال جل شأنه: وإن نفعكم الفرار مثلاً فمُتِّعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتُّع إلا تمتيعاً وزماناً قليلاً. وقال سبحانه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ البروج: الحصون، والمشيَّدة: المرتفعة.
وقال عليٌّ يومَ الجمل: إنَّ الموتَ طالبٌ حثيث، لا يعجزه المُقيم ولا يفوتُه الهارب، وإن لَمْ تُقتلوا تموتوا، وإنَّ أشرفَ الموتِ القتلُ.
ومن أمثال العرب: فلانٌ أجرأُ مِن فارسٍ خَصاف. وخَصاف كقَطام فرسٌ قال النّسّابون: كان مالك بن عَمْرو الغسانيُّ يقال له: فارسٌ خَصاف، وكان من أجبنِ الناس، فغزا يوماً، فأقبل سهمٌ حتّى وقع
стр. 591
عند حافر فرسه فانْغَرَزَ في الأرض وجعل يهتزُّ حيناً فقال: إنَّ لِهذا السَّهمِ سبباً ينجُثُه - يُحرِّكه - فاختفى عنه، فإذا هو قد وقع على نفقِ يربوع فأصاب رأسَه، فتحرَّك اليربوع ساعةً ثم مات، فقال: هذا في جوف جُحْرٍ جاءَه سَهْمٌ فقتله، وأنا ظاهرٌ على فرس! ما المرء في شيءٍ ولا اليربوع، ولا أقْتَلُ إلا بأجلي، ثُمَّ شدَّ عليهم فأنكى في القوم، فكان بعدَ ذلك من أشجع الناس. . . وكان معاويةُ يتمثل بهذين البيتين كثيراً:
أكانَ الجبانُ يَرى أنّه ... سَيُقْتَلُ قبلَ انْقِضاءِ الأجَلْ
فَقَدْ تُدْركُ الحادِثاتُ الجبانَ ... ويَسْلَمُ منها الشُّجاعُ البَطَلْ
تفضيل القتل على الهرب
قال سُقراط لرجل هرب من الحرب: الهرب من الحرب فضيحةٌ! فقال الرجل: شرٌّ من الفضيحة الموت، فقال سُقراط: الحياة إذا كانت صالحةً فمُسَلَّمٌ، وإذا كانت رديئةً فالموتُ
أفضلُ منها.
ولمّا قَتل الاسكندرُ المقدونيُّ ملكَ الهِند قال لحُكمائه: لِمَ مَنعْتم الملكَ مِن الطاعة؟ قالوا: ليموتَ كَريماً ولا يعيشَ تحتَ الذُّلِّ.
الممتنع من الفرار
قالت امرأةٌ من عبد القيس:
أبَوْا أنْ يَفِرُّوا والقَنا في نُحورِهُمْ ... ولَمْ يَبْتَغوا مِنْ خَشْيةِ المَوْتِ سُلَّما
ولَوْ أنّهمْ فَرُّوا لَكانوا أعِزَّةً ... ولكِنْ رَأوْا صَبْراً عَلى المَوْتِ أكْرَما
ولمْ يبتغوا يُروى: ولمْ يرتقوا
стр. 592
المعيَّر بانهزامه
من كلام الحجّاج: ولّيْتُمْ كالإبل الشَّوارِدِ إلى أوطانها، النّوازِعِ إلى أعْطانِها، لا يلوي الشيخ على بَنيه، ولا يسأل المَرْءُ عن أخيه. . . وقال أبو تمام من قصيدته البائية التي يمدح بها المعتصم ويذكر فتح عمُّورية وانْهزام ملكِ الروم:
وَلَّى وقَدْ ألْجَمَ الخِطِّيُّ مَنْطِقَه ... بِسَكْتةٍ تَحْتها الأحشاءُ في صَخَبِ
أحْذى قَرابينَه صَرْفَ الرَّدى ومَضى ... يَحْتَثُّ أنْجى مَطاياهُ مِنَ الهَرَبِ
مُوَكّلاً بِيَفاعِ الأرْضِ يُشْرِفُهُ ... مِنْ خِفَّةِ الخَوْفِ لا مِنْ خِفّةِ الطَّرَبِ
وقال البحتري من أبيات يمدح بها أحمد بن طولون:
تَخَطّى حُزونَ الأرْضِ راكِبَ وَجْهِه ... لِيَمْنَعَ منهُ البُعْدُ ما يَبْذُلُ القُرْبُ
ولَوْ كانَ حُرَّ النّْفسِ والعَيْشِ مُدْبِرٌ ... لَماتَ وطَعْمُ المَوْتِ في فَمِه عَذْبُ
وقال أبو جعفر المنصور لبعض الخوارج: عرّفني: من أشدُّ أصحابي إقْداماً؟ فقال: لا أعرفُهم بوُجوهِهم، فإنّي لَمْ أرَ إلا أقفاءَهم. . .
وقال ابن الروميِّ في سليمان بن عبد الله بن طاهر:
قِرْنُ سُليمانَ قَدْ أضَرَّ بِه ... شَوْقٌ إلى وَجْهِهِ سَيُدْنِفُهُ
لا يَعْرفُ القِرْنُ وَجْهَه ويَرى ... قفاهُ مِنْ فَرْسَخٍ فيَعْرِفُهُ
وقال المتنبي لمَّا أوقع سيف الدّولة ببني عَقيل وقُشير وبَني العجلان
стр. 593
وبني كلاب ويذكر إجفالَهم من بين يديه:
فَلَزَّهُمُ الطِّرادُ إلى قتالٍ ... أحَدُّ سِلاحِهِمْ فيهِ الفِرارُ
مَضَوْا مُتسابقي الأعْضاءِ فيهِ ... لأرْؤُسِهِمْ بأرْجُلِهمْ عِثارُ
لزَّه إلى الشيء: ألجأه إليه وأدناه منه يقول: أحوجهم طِرادُك إيّاهم إلى قتالٍ شديد لم يكن لهم سِلاحٌ يدفعه عنهم غيرُ الفِرار، ثم قال في البيت الثاني: لإسراعهم في الهرب والهزيمة خوفاً من القتل كانت أعضاؤهم كأنّما يسابق بعضُها بعضاً، الأرْجل تسابق الرؤوسَ والرؤوس تسابق الأرجل، وكأنّ الرؤوسَ تتعثر بالأرجل حين تريد الرؤوس الإسراع فتمنعُها الأرجل.
وقال زيد بن علي بن الحسين حين خرج من عند هشامٍ مُغْضباً: ما أحبَّ أحدٌ الحياةَ إلا ذلّ، وتمثَّل:
شَرَّدَه الخَوْفُ فأزْرى به ... كَذاكَ مَنْ يَكْرَه حَرَّ الجِلادِ
قَدْ كانَ في الموتِ لهُ راحةٌ ... والموتُ حَتْمٌ في رِقابِ العِبادِ
شرّده: جعله شريداً طريداً ويقال: شرّد به: إذا سَمَّع به، وأزْرى به: قصَّر به وحقّره وهوَّنه، وحَرّ الجِلاد: شِدَّته، والجِلاد: القتال بالسيوف
ترك اتباع المنهزم
قيل لعلي بن أبي طالب: أنْتَ رجلٌ مِحْرَبٌ وتركب بغلة، فلو اتَّخذت الخيل! فقال: أنا لا أفِرُّ مِمَّنْ كَرَّ ولا أكُرُّ على مَنْ فرَّ. مِحْرَبٌ شديد الحرب شجاع، وكَرَّ على العدو يَكُرُّ: عطف
وأوصى الإسكندر صاحبَ جيشٍ له فقال: حَبِّبْ إلى أعدائِك الهربَ.
стр. 594
قال: كيف أصنع؟ قال: إذا ثَبَتوا جُدَّ في قتالهم وإذا انْهزموا لا تتبعهم.
وعاتب الحجاجُ المهلّب بن أبي صفرة في تركِه أتباعَ الخوارج لمّا انْهزموا، فكتب إليه: أما علمتَ أنَّ الكلبَ إذا أجْحَرَ عَقَرَ. . . .
أجْحَرَ: دخل الجُحْر
الفارّ وقت الفِرار والثابت وقت الثبات
قالوا: الهرب في وقته خيرٌ مِنَ الصَّبْرِ في غير وقته.
وقالوا: مَنْ هرب من معركةٍ فعرف مصيرَه إلى مستقرِّه فهو شجاع.
وقال معاوية يوماً: لقد علم الناسُ أنَّ الخيل لا تَجْري بمثلي، فكيف قال النجاشيُّ:
ونَجَّى ابْنَ حَرْبٍ سابِقٌ ذو عُلالَةٍ ... أجَشُّ هَزيمٌ والرِّماحُ دَواني
فقال عمرو بن العاص له: لقَدْ أعْياني أنْ أعْلَمَ أجَبانٌ أنْتَ أمْ شُجاع؟ فقال:
شُجاعٌ إذا ما أمْكَنَتْني فُرْصةٌ ... وإلا تَكُنْ لي فُرْصَةٌ فَجَبانُ
وقال المهلَّب بن أبي صفرة: الإقدامُ على الهَلكةِ تضييعٌ، كما أنّ
стр. 595
الإحجام عن الفُرْصة عَجْزٌ.
وقال المتوكِّل الخليفة العبّاسي لأبي العيناء: إنّي لأفْرَقُ من لِسانِك! فقال: يا أمير المؤمنين، الكريمُ ذو فَرَقٍ وإحْجام، واللَّئيمُ ذو وَقاحةٍ وإقْدام.
وقال الشاعر:
أقاتِلُ حتّى لا أرى لي مُقاتِلاً ... وأنْجو إذا غُمَّ الجَبانُ مِنَ الكَرْبِ
المتفادي من حضور الحرب
والمحتجُّ لانهزامه بالخوف من القتل
قيل لأعرابيٍّ: ألا تغزو فإنّ الله قد أنذرك؟ فقال: واللهِ إنّي لأبغض الموت على فراشي فكيف أمضي إليه ركضاً!
ورأى المعتصم الخليفة العباسي في بعض متنزّهاته أسداً، فنظر إلى رجل أعجبه زيُّه وقوامُه وسلاحُه فقال له: أفيك خيرٌ؟ فعلم الرجل مرادَه، فقال: لا، فقال: لا قبَّح الله سواك.
واجتاز كسرى في بعض حروبه برجل قد استظلَّ بشجرةٍ وألقى سلاحه وربط دابته فقال له: يا نذل، نحن في الحرب وأنت بهذه الحالة! فقال: أيُّها الملك، إنّما بلَغت هذه السِّنَّ بالتوقِّي، فقال: زِه، وأعطاه مالاً. . . . .
وقيل لرجل: إنك انهزمت! قال: غَضبُ الأميرِ عليَّ وأنا حيٌّ خيرٌ من أنْ يرضى وأنا ميّت. وقال أبو دُلامة:
قالوا: تَقَدَّم قلْتُ: لستُ بِفاعلٍ ... أخافُ على فخّارتي أن تَحَطَّما
стр. 596
فلَوْ كانَ لي رأسانِ أتْلَفْتُ واحِداً ... ولكنَّه رأسٌ إذا زال أعْقَما
ولَوْ كانَ مُبتاعاً لدى السُّوقِ مِثلُه ... فَعَلْتُ ولَمْ أحْفِلْ بأنْ أتَقَدَّما
وقال:
يقولُ ليَ الأميرُ بِغَيْرِ نُصْحٍ: ... تَقدَّمْ حينَ جَدَّ بِنا المِراسُ
وما لي إنْ أطَعْتُك مِنْ حَياةٍ ... وما لي بعدَ هذا الرّاسِ راسُ
وقيل لجبان: لِمَ لا تقاتل؟ فقال: عندَ النِّطاحِ يُغلبُ الكبشُ الأجمُّ الأجم: الذي لا قَرْنَ له، وهذا مثلٌ يضربُ لِمَنْ غلبَه صاحبُه بِما أعدَّ له
وقالوا: الشُّجاع مُلْقًى والجَبانُ مُوقًى، وقال البديع الهمذاني:
ما ذاقَ هَمّاً كالشُّجاعِ ولا خَلا ... بِمَسرَّةٍ كالعاجِزِ المُتواني
وهرب سليمان بن عبد الملك من الطاعون فقيل له: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فَرَرْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾. فقال ذلك القليلَ نُريد.
هارِبٌ يعتذر عن هربه
بأنّه نَبْوَة أو قَدَر
قال زُفَرُ بنُ الحارث وقد فرَّ يومَ مَرْج راهط عن رفيقيه:
أيَذْهبُ يومٌ واحِدٌ إنْ أسأتُه ... بِصالِحِ أيّامي وحُسْنِ بَلائيا
فلَمْ تُرَ مِنِّي زَلَّةٌ قَبْلَ هَذِه ... فِراري وتَرْكي صاحِبيَّ وَرائِيا
وقديماً قال عمرو بن معد يكرب - وكان قد فرّ من بني عبس:
وليسَ يُعابُ المَرْءُ مِنْ جُبْنِ يَوْمِه ... إذا عُرِفَتْ مِنْهُ الشَّجاعةُ بالأمْسِ
وقد تقدَّم قولُ الشاعر الجبان:
стр. 597
قامَتْ تُشَجِّعُني هِنْدٌ فقُلْتُ لَها: ... إنّ الشَّجاعةَ مَقْرونٌ بِها العَطَبُ
لا والّذي مَنَعَ الأبْصارَ رؤيتَه ... ما يَشْتهي المَوْتَ عِنْدي مَنْ لَهُ أرَبُ
لِلْحَرْبِ قومٌ أضَلَّ اللهُ سَعْيَهمُ ... إذا دَعَتْهُمْ إلى نيرانِها وَثبوا
ولَسْتُ مِنْهم ولا أهْوى فِعالَهُمُ ... لا القَتلُ يُعْجِبني مِنْها ولا السَّلَبُ
وجاء في كليلة ودمنة: إنّ الحازمَ يكرهُ القِتالَ ما وجد بُدّاً منه، لأنّ النفقةَ فيه من الأنْفسِ والنفقةَ في غيره من المال. وفي هذا المعنى يقول أبو تمام:
كَمْ بينَ قَوْمٍ إنّما نَفَقاتُهم ... مالٌ وقَوْمٍ يُنْفِقون نُفوسا
المتخلفُ عن قومه
قالوا: الشُّجاعُ يقاتلُ مَنْ لا يَعْرفُه، والجبانُ يَفِرُّ من عِرْسِه، والجوادُ يُعطي مَنْ لا يسأله،
والبخيل يَمْنعُ مِنْ نفسِه. وقال الشاعر:
يَفِرُّ جَبانُ القومِ عَنْ أمِّ نفسِه ... ويَحْمي شُجاعُ القومِ مَنْ لا يُناسِبُهْ
ويُرْزقُ مَعْروفَ الجوادِ عَدُوُّه ... ويُحْرمُ مَعْروفَ البَخيلِ أقارِبُهْ
وقال حسان بن ثابت ﵁ يعيِّر الحارثَ بن هشام حين فَرَّ يوم بدر:
إنْ كُنْتِ كاذِبةَ الّذي حَدَّثْتِني ... فَنَجَوْتِ مَنْجى الحارِثِ بنِ هِشامِ
تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دونَهم ... ونَجا بِرأسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
مَلأتْ بهِ الفَرْجَيْنِ فارْمَدَّتْ بهِ ... وثَوى أحِبّتُه بِشَرِّ مُقامٍ
الطِّمِرّة: الفرسُ الكثيرُ الجري، والفَرْجان: ما بين يديها ورِجْلَيْها وملأتهما: ملأتهما جَرْياً.
وارمدَّت: أسرعت، وثوى: أقام
стр. 598
وقال أبو تمام من قصيدة يمدح بها المعتصمَ ويذكر هزيمة بابك الخُرَّمِيِّ:
ونَجا ابْنُ خائِنِةِ البُعولَةِ لَوْ نَجا ... بِمُهَفْهَفِ الكَشْحَيْنِ والآطالِ
تَرَكَ الأحِبَّةَ سالِياً لا ناسِياً ... عُذْرُ النَّسِيِّ خِلافُ عُذْرِ السَّالي
خائنة البُعولة: كنايةٌ عن الزانية، والكَشْحان: جانِبا البطن من ظاهر وباطن، والمهفهف: الضامر الدقيق، والآطال جمع إطِل وإطْل كإبِل وإبْل: الخاصرة، والنَّسِيّ: الناسي
من نجا وقد استولى عليه الخوف
قال أبو تمام من قصيدةٍ يمدح بها أبا دُلَفٍ ويذكر هزيمة بابكٍ الخُرَّمِيَّ كذلك:
ظلَّ القَنا يَسْتَقي مِنْ صفِّه مُهَجاً ... إمّا ثِماداً وإمّا ثَرَّةً خُسَفا
مِنْ مُشْرِقٍ دَمُهُ في وَجْهِه بَطلٌ ... وواهِلٍ دَمُهُ للرُّعْبِ قد نُزِفا
فذاكَ قَدْ سُقِيَتْ مِنْه القَنا جُرَعاً ... وذاكَ قدْ سُقِيَتْ مِنْه القَنا نُطَفا
من صفِّه: من صفّ بابك، والمُهج جمع مُهْجة: دم القلب. والثِّماد: الماء القليل، والثرّة: من قولهم: عينٌ ثرّة: كثيرة الماء، والخُسْفُ جمعُ خَسيف وخَسوف: البئر لا ينقطع ماؤها، والواهل الخائف جداً، ونزف: ذهبَ دمُه، وبطل إمّا قرأته بالرفع على أنّ دمه مبتدأ وبطل خبر ولك أن تقرأه بالخفض على أنّه مردود إلى مُشرق ويكون دمه فاعل مشرق وقوله: فذاك. . . . . البيت أراد أبو تمام أن يقول: البطل الذي دمُه في وجهه سَقيْت الرماحَ منه جُرعاً، أي كثيراً والجبان الذي طار دمه من
стр. 599
الفزع سَقيت منه نُطفاً أي قليلاً وقد يُعبّر عن
الكثير بالنُّطفةِ فيكون: الأول مُراداً به الجبان والثاني مُراداً به البطل.
وقيل لرجلٍ تعرَّض له الأسدُ فأفلتَ منه: كيف حالُك؟ قال: سَلِمْتُ غيرَ أنّ الأسدَ خَرأ في سَراويلي. . .
وقالت امرأةٌ من بني المهلّب:
فإنْ ثَبُتوا فَعُمْرُهُمُ قَصيرٌ ... وإنْ هَرَبوا فوَيْلُهُمُ طويلُ
تسلية المُنهزم
قال المتنبي يعتذرُ عن سيف الدولة في هزيمةٍ وَقَعتْ لجماعةٍ من جيشه:
قُلْ للدُّمُسْتُقِ إنَّ المُسلَمينَ لكُمْ ... خانوا الأميرَ فَجازاهُمْ بِما صَنَعوا
وجَدْتُموهُمْ نِياماً في دِمائِكُمُ ... كأنَّ قَتْلاكُمُ إيّاهُمُ فَجَعوا
لا تَحْسَبوا مَنْ أسَرْتُمْ كانَ ذا رَمَقٍ ... فلَيْسَ يأكُلُ إلا الميِّتَ الضَّبُعُ
وإنَّما عَرَّضَ اللهُ الجُنودَ بِكُمْ ... لِكَيْ يكونوا بلا فَسْلٍ إذا رَجَعوا
فكُلُّ غَزْوٍ إليكُمْ بَعْدَ ذا فلَه ... وكلُّ غازٍ لِسَيْفِ الدَّوْلةِ التّبَعُ
الدُّمستق: قائد جيش الروم؛ و: المُسلَمين - بفتح اللام -: الذين أسلَمهم سيفُ الدَّولة للعدوِّ لتخاذلِهم عَنْه، وقوله: وجدتموهم. . . ألبيت هو بيانٌ لما صَنعوا، وقوله: في دمائكم: أي في دماء قتلاكم وذلك أنهم تخلّلوا قتلى الروم فتلطّخوا بدمائِهم، وألقوا أنفسهم بينهم تشبُّهاً بهم خوفاً من الروم، ثم قال: كأنّهم كانوا مَفجوعين بقتلاكم فهم فيما بينهم يتوجّعون لهم. وقوله: لا تحسبوا من أسَرْتم. . . ألبيت، يقول: ليسَ لكم أن تفخروا
стр. 600
بهؤلاء الذين أسرتم ولا تظنوهم كان فيهم رمقٌ - بقية حياة - وإنّما هم أموات، من الجبن والخوف، وأنتم لخِسَّتكم ودناءة نفوسكم لا تقدرون إلا على أمثالهم، كما أنّ الضَّبُعَ لا تفترس إلا الجثث الميّتة. وقوله: وإنما عرَّض الله. . . البيت يقول: إنّما خذل الله هؤلاء الجنود وجعلهم لكم عِرضة ليطهّر الله عسكرَ سيف الدولة من أمثالهم فيعودَ إليكم بجنودٍ أبطالٍ ليس فيهم فَسْلٌ ولا نذلٌ. وقوله: فكلُّ غزْوٍ إليكم. . . البيت يقول فكلّ غزوة إليكم بعد اليوم تكون له لا عليه لأنّ الأدنياء من جنوده قد أسِروا ولم يَبْقَ إلا المختارون من الأخيار، وكلُّ غازٍ تبعٌ له لأنه سيِّد الغزاة.
ولمَّا انهزم بعضُ القواد دخل عليه بعض الأفاضل فقال: الحمد لله الذي نظر لَنا عليك ولم
ينظر لك علينا، فقد تقدَّمْتَ للشهادةِ بجهدك ولكن علمَ اللهُ حاجَتنا إليكَ فأبقاك لنا.
صدر من عبقرياتهم في الجبن
قال : ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾. . .
وقالت عائشة ﵂: (إنّ لله خلقاً قلوبُهم كقلوب الطير، كلَّما خففتِ الريحُ خفقت معها، فأُفٍّ للجبناء، أُفٍّ للجبناء).
ومما قيل في الجبن من الشعر القديم قولُ القائل:
ولَوْ أنَّها عُصْفورةٌ لَحَسِبْتَها ... مُسَوَّمةً تَدْعو عُبيداً وأرْنَما
يقول لَوْ رأيتُ عُصفورةً لحسبتها من جُبنك خيلاً مُسَوّمةً، وعُبيد وأرنم: قبيلتان
следующие страницы →