Полный текст (70 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد: حمداً لله الذي ما خاب من اكتفى به، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي اختاره لنفسه واصطفاه من أحبابه، وعلى آله وأصحابه. فهذه نبذة من الاكتفاء، غزيرة المنال، قليلة المثال، كانت أزاهر في رياض الأدب منثورة فجمعتها، وجواهر لا يعرف لها قيمة فاستخرجتها من معادنها النفسية ونظمتها شعراً:
بكلِّ معنى بديعٍ لو يمرُّ على ... الفهمِ السقيم ولو في نومه شَفِيا
وكلما أبصرَتْهُ عينُ ذي أدبٍ ... إلا وراحَ بذَاكَ الدُّرِ مكتفيا
وسميتها (الشفاء في بديع الاكتفاء)، ورتبتها على ثلاثة أبواب، والله أسأل أن يهديني إلى طريق الصواب، فهو حسبي وبه أكتفي، وأسأله المزيد مما في الدنيا والآخرة.
стр. 2
الباب الأول: في حده ورسمه
عرف ابن رشيق القيرواني بأن قال. الاكتفاء هو أن يدخل موجود الكلام على محذوفه. واعترضه الشيخ بدر الدين بن الصاحب تبعاً للشيخ صفي الدين الحلي، بدخول الحذف فيه نحو قوله تعالى: (أنَا أُنَبِئُكُمْ بِتَأوِيلِهِ فَأرْسِلُونِ. يُوسُفُ أَيَّها الصِّدِّيقُ).
واعترض ابن الصاحب أيضاً على من مثل الاكتفاء يقول الشاعر (وهو من البحر الكامل):
إني لأذكُركُمْ وقد بَلَغ الظَمَأ ... مني فأشرقُ بالزلالِ الباردِ
وأقولُ ليتَ أحبتي عاينتُهم ... قبلَ المماتِ ولو بيومٍ واحدِ
أي وقد بلغ الظمأ غايته أو حده. قال: وهو أيضاً الحذف لا من الاكتفاء. وليس مراد بدر الدين الحذف المصطلح عليه في فن
стр. 3
البديع، الذي هو عبارة عن أن يتجنب المتكلم في كلامه حرفاً أو حروفاً من حروف الهجاء أو جميع الحروف المعجمة أو المهملة؛ كما فعل الحريري في المقامة السمرقندية، حيث أتى فيها بخطبة بديعة كلها عاطلة، فإن ذلك لا ينطبق عليه حد الاكتفاء بل هو قريب منه، وإنما مراده إيجاز الحذف كما صرح به الشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعتيه، فإن الإيجاز على ضربين: إيجاز قصر، وهو اختصار الألفاظ بدون حذف، والإتيان بمعان بألفاظ يسيرة، كقوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةُ). وإيجاز حذف. قال ابن أبي الإصبع: وتبعه عليه الحلي وهو حذف بعض الألفاظ لدلالة الباقي عليه؛ كقوله تعالى: (وأسألِ القَرْيَةَ) أي أهل القرية وقول الشاعر:
ورأيتُ زوجَك في الوغَى ... متقلداً سيفاً ورمحَا
أي ومعتقلاً رمحاً. وقول عبيد الراعي النميري:
стр. 4
إذا ما الغانياتُ برزنَ يوماً ... وزَجحَن الحواجبَ والعيونَا
أي وكحلن العيونا، وقول الآخر:
أعلفتها تبناً وماءً بارداً
أي سقيتها على أحد التأويلين في جميع الأمثلة. ثم قال الشيخ بدر الدين: والحق أنه عبارة عن أن يأتي الشاعر ببيت من الشعر وقافيته متعلقة بمحذوف، ويتغاضى ذكره ليفهم المعنى فلا يذكره لدلالة ما في لفظ البيت عليه، ويكتفي بما هو معلوم في الذهن مما يقتضي تمام المعنى كقوله:
واللهِ لا خَطر السلُّ بخاطري ... ما دمتُ في قيدِ الحياةِ ولا إذا
فمن المعلوم أن تمامه: ولا إذا مت. قلت أما البيت فللصاحب جمال الدين بن مطروح والتمثيل به صحيح، وأما الحد فهو للشيخ صفي الدين الحلي في شرح بديعتيه. ولا يخفى ما فيه من العلاقة والحشو والتطويل والإخلال، فإنه صريح في تقييده بالشعر وكونه في القافية، وقد صرح علماء البديع بأنه لا يتقيد بواحد منهما وأمثلتهم ناطقة بذلك، وصرح هو أيضاً - أعني ابن الصاحب - لوقوعه في شرح الحريري في قوله:
بوركَ فيه من طَلا ... كما بورك في لاَ ولاَ
стр. 5
وفي شرح القاضي الفاضل في قوله:
وقد صدق والله المتنبي عليك إذ يقول:
إنك الرجلُ الذي تضرب به الأمثالُ ... والمهذبُ الذي لا يقال مَعَه
ومثل وقوعه أيضاً في شرح السراج الوراق، وفي شرح عن القافية بل قال إنه ظفر به في الكتاب العزيز كما سيأتي بيانه، على أنك إذا تأملت حد الشيخ بدر الدين وجدته راجعاً في المعنى إلى حد ابن رشيق، وأورد عليه ما أورده هو على ابن رشيق مع قصوره وتقييده مما لا يليق فافهم ذلك، على أن في حد ابن رشيق تسامحاً من جهة أخرى، وهو أن الاكتفاء ليس نفس الدلالة، وإنما هو الحذف والاستغناء لها عن المحذوف، فينبغي أن يقال: هو أن يحذف بعض الكلام
ويستغني بدلالة الموجود عليه. وأما الجواب عن دخول الحذف فيه وكون البيتين بعده من الحذف لا من الاكتفاء فسيأتي الكلام ليه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.
стр. 6
الباب الثاني: في وقوعه في القرآن الكريم
وحديث نبيه عليه أشرف الصلاة وأفضل التسليم وكلام العرب
نقل الشيخ بدر الدين بن الصاحب عن الشيخ زكي الدين ابن أبي الإصبع قال: ومما جاء في الاكتفاء العزيز قوله تعالى: (وَلَوْ أنَّ قُرْآناً سُيِّرِتْ بهِ الجِبَالُ أوْ قُطِّعَتْ به الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بهِ المَوْتَى) أي لكان هذا القرآن. وقوله تعالى: (وَإذَا قِيْلَ لَهُمُ اتّقُوا مَا بَيْنَ أيْديكُمْ وَمَا خَلْفْكُمْ تُرْحَمُونَ) أي أعرضوا، بدليل (إلاَّ كَانَوا عَنْهَا مُعْرِضينَ). وقوله تعالى: (قُلْ أرَأيْتُمْ إنْ كَانَ مِنْ عِنْدَ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدُ مِنْ بني إسْرائيلَ عَلَى مِثْلِهِ فآمَنَ واسْتَكْبَرْتُمْ) أي ألستم ظالمين بدليل (إنَ الله لا يَهْدي القوم الظالمين) قلت: في هذا النقل نظر لأن ابن أبي الإصبع لم يتعرض لنوع الاكتفاء ولا عده من أنواع البديع فضلاً من أن يقول في وقوعه في القرآن وإلا ما أخلى منه كتابه المسمى بـ (تحرير التخيير) سيما وقد قال في خطبته أنه لم يصنفه حتى وقف على
стр. 7
أربعين كتاباً في هذا العلم وعدد مصنفيها أولهم عبد الله بن المعتز وآخرهم شرف الدين التيفاشي ولا ذكر بعده أحد من المشهورين كالسكاكي وصاحب التخليص والإيضاح ولا نظمه العميان في بديعتيهما، وإنما نظمه الحلي تبعاً لابن رشيق، فالله أعلم من استخرجه أولاً. ثم قال الشيخ بدر الدين: هذه الآيات من الإيجاز لا من الاكتفاء. قال: وقد مثل لها السكاكي في أواخر المعاني.
قلت: قد مثل هو للاكتفاء بقول القاضي ناصح الدين الأرجاني:
سترتْ محيَاها مخافةَ فتْنَتي ... ببنانِها عني فَكانَت أفتَنا
وقال الآخر:
وتجردت أطرافُها من زينةٍ ... عمداً فكانَ لها التجردُ أزينَا
أي لسرك ذلك: وقول مهيار الديلمي:
ولمتِ في البرقِ زفراتي فلو علِمتْ ... عيناكِ من أين ذاك البارقُ الساري
أي لما لمتني، فيلزم أن يعترض على نفسه، بمثل ما اعترض به
стр. 8
على ابن علي الإصبع، فإن المحذوف هنا وفي الآيات جواباً الشرط وأما قوله إن هذه الآيات من الإيجاز لا من الاكتفاء فجوابه أنه لا مانع أن يكون كل منهما إيجازاً أو اكتفاء إذ الاكتفاء نوع من الإيجاز لأن التحقيق في تعريف الإيجاز أن يقال هو أن يحذف بعض الكلام ويدل بدلالة أما لفظية نحو: (وَكانَ وَرَاءَهُم مَلِكُ يَأخُذُ كُلَّ سَفينَةٍ غَصْبَا) أي صالحة بدليل (أن أعيبها) وإن قري كذلك وأن يعيبها ألا يخرجها عن كونها سفينة فلا فائدة حينئذ، أو عقلية نحو: (وأسْألِ القَرْيةَ) أي أهل القرية لامتناع توجه السؤال لها عقلاً. والاكتفاء ما دل عليه بدلالة لفظية كما تقدم. فهو أخص منه ومستلزم فيلزم من كون هذه الآية الشريفة مشتملة على الاكتفاء اشتمالها على الإيجاز. وكذلك البيتان بعدها لانطباق كل من التعريفين عليها ودخولها تحت قيد واحد وهو الدلالة اللفظية وساغ كونها لفظية أن كل شرط يقتضي جواباً وكذا كل ما صح أن يكون شاهداً على نوع الاكتفاء صح أن نستشهد به على الاتحاد من غير عكس وتقسيم دلالة المجاز إلى لفظية وعقلية وهو ما صرح به السكاكي ومن تبعه خلافاً لما أسلفناه من تعريف ابن أبي الإصبع المقتضى لاختصاصها باللفظية لما يلزم عليه من اتحاده مع تعريف الاكتفاء، ومنه نشأ سؤال ابن الصاحب المتقدم وعلى تقدير اتحادهما فيقال الاتحاد من مباحث علم المعاني والاكتفاء من مقولات فن البديع ولا يعترض على أهل فن باصطلاح غيرهم ولهذا لم يذكر الاكتفاء غالب البلغاء في علم البديع لاستغنائهم عنه بذكر الإيجاز في علم المعاني لأنه إما عينه أو نوع منه على ما تقدم من إخلاف التعريض مع أنه لا اعتراض على من ذكره فيهما
стр. 9
خالف بين تعويضهما.
أما من ذكرهما معاً في علم واحد، وهو حذف البعض لدلالة الباقي عليه كالحلي، فهو خطأ ظاهر، وتكرار محض وكأنه رأي بعضهما في بعض السبعين كتاباً التي قال أنه وقف عليها قبل نظم بديعتيه يسمى باسمه الخاص، ثم رأى الآخر في البعض الآخر منها فسمي باسمه الآخر، ورأى بعض الاختلاف في لفظ للحدين. ولم تتأمل رجوعهما في المعنى إلى شيء واحد، فجمع بينهما في بديعتيه ظناً منه أنهما غيران ثم قال الشيخ بدر الدين: وقد ظفرت له بمثال في الكتاب العزيز وهو قوله تعالى: (إنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وإنَّهُ). قال بعضهم: التقدير إنه من تعلمون وإن كان محتملاً فالظاهر خلافه وأن قوله بسم الله الرحمن الرحيم وما بعده خبر إن. أي أن المكتوب هذا لفظ يدل عليه قول البغوي: تبينت ممن الكتاب فقالت: إنه من سليمان وتبينت المكتوب فقال: وإنه بسم الله الرحمن الرحيم: (ألاّ تَعْلُوا عَلّيَّ وَأْتُوني) ويحتمل أن يكون منه قوله تعالى: (سَرابيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ). قال البغوي، قال أهل المعاني: أراد الحر والبرد اكتفى بذكر أحدهما لدلالة الكلام عليه فلفظه اكتفى مشعرة بتسمية النوع الاصطلاحي اللهم إلا أن يريد الاكتفاء اللغوي فيحتمله ويحتمل الإيجاز والله أعلم. ومن وقوعه في كلام العرب قول
стр. 10
الشاعر: (وقيل إنه لرؤبة):
قالت بناتُ العمِّ: يا سلمى وإنْ ... كانَ فقيراً معدَما؟ قالت: وإنْ
أي: وإن كان فقيراً معدماً ترضينه أو تقبلينه؟ قالت: وإن كان فقيراً معدماً أرضاه وأقبله. فحذف من الأول جواب الشرط ومن الثاني الشرط وجوابه معاً.
وقول الآخر:
فجئت قبورَهم بدواً ولَّما ... فناديتُ القبورَ فلم تُجبْنَا
أي: ولما أكن بدواً قبل ذلك. والبدو السيد الأول في السيارة والثنيان الذي يليه في السؤدد، وقال أوس بن معزاء السعدي:
ثُنايا إن أتاهم كان بدوهم ... وبدوهم أن أتانا كان ثُنَيانا
وقول عبيد بن الأبرص:
(فاجمعْ جموعَكَ ثم وجهم إلينا)
أي الذين عرفوا بالشجاعة أو الذين جمعوا جموعاً.
وقول النابغة الذبياني:
стр. 11
أفدَّ الترحلُ غيرَ أن ركابَنا ... لَما تَزَلْ بِرحَالِنَا وكأن قَدِ
أي وكأن قد زالت، بقرينة لما يزل. وقول الإمام الشافعي ﵁ وقد بلغه أن أشهب يدعو عليه بالموت.
تمنى رجالُ أن أموتَ وإنْ أمتْ ... فتلك سبيلُ لستُ فيها بأوحدِ
وقول ابن قيس الرقيات:
بكرتْ عليَّ عواذلي ... يلحينني وألومُهنَّه
ويقلن شيبُ قد عَلاَك ... وقد كبرتَ فَقلتُ إنَّه
أي أنه قد كان ما يقلن قال الجوهري قال أبو عبيدة: وهذا اختصار من كلام العرب يكتفي به الضمير لأنه قد علم منه انتهاء.
ويعجبني قول بعض الأعراب:
ألا يا حَبَذا أطلالُ ليلى على البلى ... ومن بذلتْ من نوالٍ وإنْ قَلاْ
وما يتمادى العهد إلا تجددت ... مودَّتها عندي وإن زَعَمَتْ أنْ ل
стр. 12
ا
أي أن لا تصل.
تنبيه:
من الغريب أن العلماء البديع مثلوا الاكتفاء الذي هو من محاسن الكلام بأمثلة منع بعضها جماهير النحاة مطلقاً وأجاز بعضها على قلة وخصوا بعضها بضرورة الشعر فمن الأول حذف الفاعل كما سيأتي من قول كشاجم الكاتب.
فقلتُ لهم لو كنتُ أضمرتُ توبةً ... وعانيتُ هذا في المنامِ بدا لي
أي نقصها، وحذف المجرور في قول الشيخ شرف الدين ابن الفارض: أن غاب عن إنسان عيني فهو في (أي قلبي).
وقول ابن سابة:
أذكر بعذالها فاسكر من وردِ ... خَديها فارتع في
أي من مخمر معتق. هكذا كنت كتبت هذا الموضع قديماً ولم أدر الآن من أين نقلت ثم رأيت في الصحيح ما يخالفه وهو ما رواه البخاري في تفسير سورة البقرة عن عبد الصمد قال: حدثني أيوب عن نافع
стр. 13
عن ابن عمر (فأتُوا حَرْثَكُمْ أنَّى شِئْتُمْ): قال بأتيها في. قال الشيخ بدر الدين الزركشي في التمقيح: كذا الرواية وكأنه أسقط الباقي وهو الدير لاستنكاره وقد أنكره عليه ابن عباس. ومن الثاني حذف صلة الموصول في قول ابن الفارض: وأدفع عنك غيك بالتي. وقول القيراطي: وادفع عدوك بالتي فإذا الذي. ومن الثالث حذف جملة الشرط وجوابه معاً في قوله: قالت وأن قال في التسهيل ويحذفان أي الشرط والجزاء بنيان في الضرورة ومثل له السراج بهذا البيت وحذف المجزوم بلم في بيت بديعتيه الحلي وهو:
قالوا: ألم تَدْرِ أن الحبّ غايتُهُ ... سلبُ الخواطِرِ والألباب قلتُ: لَمْ
وفي ما سيأتي من قول الصفدي: إن كنت في القوم أو لم، فقد صرح علماء العربية بأن ذلك مخصوص بالضرورة وأنشدوا عليه:
احفظ وديعتك التي استودعتها ... يوم الأعارِبِ إن نَطَقتَ وإنْ لَم
بخلاف حذف مجزوم لما فإنه جائز اختياراً وهو أحد الأمور الخمسة التي تفارق لم فيها كما قال:
فجئت قبورَهم بدوراً ولمّا ... فناديتُ القبور فلم تَجبنَا
стр. 14
أي ولما بدا قبل ذلك إلى غير ذلك مما ستقف عليه في موضوعه وكأنهم والله أعلم سهوا عن استحضارهم تلك الأحكام وتنزيل كلامهم بينا عليه وإلا فمثل ذلك مخل بمطلق الكلام فضلاً عن أن يكون بديعاً، ويمكن أن يجاب عن التضمين الأخير بأن قتلته واختصاص بالضرورة لا يخرجانه عن كونه بديعاً. بل يجوز أن يدعى أنه من المحسنات لكن لا يتوصل إليه إلا بارتكاب ما ذكر ولا يلزم منهما أن يورثا الكلام نقصاً ولو لزم. فذلك باعتبار آخر واصطلاح قوم لأن النحوي يبحث عن المعنى الذي يفهم عن الكلام المركب بحسب اختلاف أواخر الكلام. والبديعي يبحث عن وجوه تحسين الكلام بعد رعاية مطابقته لمقتضى الحال ووضوح الدلالة ويشهد لذلك ما ذكره الشيخ سعد الدين في بحث الإيجاز عند تعداد التي فصل بها قوله تعالى (ولَكُمْ في القِصَاصِ حَيَاةُ) على قولهم: القتل أنفى للقتل، وقول صاحب التلخيص: وخلوه عن التكرار أي خلو قوله: (ولكم في القِصَاصِ حَيَاةُ) عن التكرار في قولهم القتل أنفى للقتل. والتكرار من حيث أنه تكرار من عيوب الكلام بمعنى أن ما يخلو عن التكرار أفضل مما اشتمل عليه ولا يلزم على هذا أن يكون التكرار مخلاً بالفصاحة ثم قال: فإن قيل في هذا التكرار العجز إلى الصدر، وهو من المحسنات في الكلام قلنا ليس حسنه من جهة التكرار ولهذا قالوا: الأحسن في رد العجز إلى الصدر أن لا يؤدي إلى التكرار بأن يكون كل من اللفظيين بمعنى آخر (انتهى). فعلى هذا يسوغ للبديعي استعمال القسم الثاني في الاكتفاء مطلقاً والقسم الثاني في النظم خاصة لأنه الموضع الذي آذنت فيه العرب فلا تتجاوز إلى غيره.
стр. 15
وأما القسم الأول: فما لا يضار إليه البتة في سعة ولا ضرورة لعدم وروده في كلام العرب الذي هو مرجع الفريقين، أعني النحاة والبديعين على أن بعضهم أجاز حذف فعل الشرط وجوابه بعد أن في السعة وقال في المعنى أنه يطرد وأجاز
الكسائي حذف الفاعل وتابعه عليه السهيلي، وابن مضاء فعلى ذلك فيستعملان مطلقاً ولكن الصحيح ما قدمناه. وبالجملة فقد توسعوا في هذا الباب جداً وأدخلوا فيه ما ليس منه حتى إنك إذا تأملت غالب ما أوردته، في هذا الكتاب غير سائغ من جهة التراكيب العربية، أو مبنياً على تأويلات ضعيفة ما كان الاكتفاء فيه به بعض الكلمة فإن العرب لم تنطبق به إلا في قول لبيد: (درس المنا) أراد المنازل قال الجوهري وهو قبيح، وفي قولهم لا أدر فإنهم حذفوا الياء منه تخفيفاً لكثرة استعمال هذه اللفظة. بخصوصها في كلامهم فلا يتعدى إلى غيرها نحو لا أرمي ولا أعطي وإذا امتنع حذف الفاعل والمفعول والمجرور لكونهما بمنزلة الجزء مما قبلهما فما ظنك بالجزء
стр. 16
الحقيقي لا يغال هذا يلتحق البيت وهذا المثال بما تقدم مما أجازت العرب حذفه لضرورة أو على قلة لأننا نقول: إن حذف بعض الكلام معهود في كلامهم بل هو أكثر من أن يذكر سيما إذا دل عليه دليل بخلاف حذف بعض الكلمة فإنه من الشذوذ بمكان وليت شعري ما في حذف الزاي واللام من المنازل من المحسنات وأما الدليل الذي دل عليه فكذا حذف الهاء والدال من شاهد في قول أبي الفتح قابوس: إذا طلبت وصله كفى بالدمع شا. وإنما أولع بهذا النوع بعض المتأخرين والعصريين وزاملوه بشعار التورية، فحسن في الذوق ولطف في السمع وتبع بعضهم بعضاً في ذلك ورأيت أشياخنا أئمة هذه الصناعة، ومالكي أزمة البراعة، كالشيخ بدر الدين السبكي - سقى الله عهده - ومولانا قاضي القضاة شهاب الدين العسقلاني - أعز الله تعالى أحكامه - وقد شادوا قصوراً في هذا النوع وأجادوا في وصف أبياتها وصفهم فاقتديت خلفهم
وهل أنا إلا من غزيّة إن غوتْ ... غويتْ وإن تَرْشُدْ غزيَّة أَرشُدِ
بيد أني خرجت من العهدة بالتنبيه على ما فيه، وإلا لما أمكن تأليف هذا الكتاب، وهو في الحقيقة بناء على غير أصل، وإذا شبه الشيخ سعد الدين الاعتبار بوجوه
تحسين الكلام دون رعاية مطابقته لمقتضى الحال ووضوح الدلالة بتعليق الدر على أعناق الخنازير، فهذا أولى ولعل هذا العذر إن لم يذكر نوع الاكتفاء من البديعيين لكون بعضه أو غالبه لم يجزه العرب، وما أجازته فداخل فيبعض الإيجاز، فتأمل ما يرد إليك من الأمثلة في هذا الكتاب وغيره ونزله على قوانين العربية فما طابق
стр. 17
أصولها فاعتمده وإلا فدعه والله الموفق.
وقريب من هذا التنبيه أن الخليل بن أحمد الأزدي، ذهب في علم القوافي إلى منع إعادة الكلمة التي فيها الروي تكريرها في بيت آخر، بشرط وقوع العوامل عليها سواء اتفق معناهما كرجل وريجل أم اختلف كثغر الفم وثغر لما يلي دار الحرب. وسماه إبطاء وجعله عيباً من عيوب القوافي وهذا يؤدي إلى سد باب كبير من البلاغة وغالب الجناس المماثل أحد قسمي التام ولم يوافقه على ذلك أحد من أئمة البلاغة ولا غيرهم بل رد عليه الجمهور وخالفوه في ذلك وغلطه ابن القطاع وغيره وإن كان هو الذي اخترع علم العروض قائلين بأن الإبطاء مخصوص بما إذا أعيدت الكلمة بلفظها ومعناها، قبل مضي سبعة أبيات أو عشرة خلاف في ذلك رجع إلى أقل ما تطبق عليه القصيدة وإنما كان يميناً والحالة هذه لدلالته على ضعف طبع الشاعر وقلة مادته حيث قصر فكره، وأحجم طبعه عن أن يأتي بقافية أخرى فاستروح إلى الأولى ما جبلت عليه النفوس من معاداة المعادن. أما إذا أعيدت بلفظها دون معناها فليس بإبطاء، سواء وقعت عليها العوامل أو لم تقع إذ لا مدخل لها في ذلك لوقوعه كثيراً في أشعار الفصحاء، ودلالته على غزارة
стр. 18
مادة الشعر وقوة ملكته واقتداره على اقتناص أوابد المعاني المختلفة بالألفاظ المتفقة حتى جعلوها من محاسن الكلام وسموه تجنباً، وذلك عكس السبب المقتضي لقبح والله سبحانه أعلم.
стр. 19
الباب الثالث: في أقسامه وأمثلته
اعلم أن الاكتفاء إما أن يكون بجميع الكلمة، أو ببعضها. والاكتفاء بالجميع إما أن يكون عارياً من ملابس التورية، أو مزملاً بشعارها. والاكتفاء بالبعض أيضاً، إما أن يكون خارجاً عن الوزن إذا كان مزملاً بشق التورية الآخر أو غير خارج عنه وغير الخارج إما أن يكون في البيت الثاني فقط أو في البيتين معاً لسلامة القافية فيهما فهذه ستة أقسام نذكرها أن شاء الله على الترتيب بشواهدها وأمثلتها فنقول:
стр. 20
القسم الأول
ما كان الاكتفاء فيه بجميع الكلمة عارياً من الملابس التورية، وهو المذكور في عامة كتب في عامة كتب البديعيين ولم يعرف المتقدمون سواه في ذلك قول أبي الطيب أحمد المتنبي:
أتى الزمانُ بنوه في شبيبتهِ ... فسرهم وأتيَناه على الهرم
أي فساءنا.
وقوله:
بما بجفنيك من سقمٍ صلي دَنِفَا ... يهوى الحياةَ وأما إن صددتِ فلا
أي فلا يهواها.
ومنه ما كتبه بعض الغواني على عصابتها:
ما أحسنَ الصبرَ وأما على ... أن لا أرى وَجهك يوماً فَلا
أي فلا يحسن وبعده:
لو أن يوماً منك أو ساعةً ... تُباعُ بالدنْيا، إذا ما غَلا
ومنه ما كتبت به على كتابي المسمى (الغزلان في وصف الحسان من الغلمان):
стр. 21
أيا مرتع الغُزلان ى زلت أهلاً ... ويا منزل الأحباب حييت منزلا
يحن فؤادي نحوَ سكان رامةٍ ... وتطمع عَيني أن تُرَاكَ فكَيف لا
فالمحذوف في جميع هذه الأبيات معلوم. ومتى ذكر الشاعر تمامه في البيت الذي بعده كان عيباً من عيوب القافية ويسمى التضمين والتتميم.
كقول النابغة:
وهم وردوا الجفارَ على تميم ... وهم أصحابُ يوم عكاظَ إني
شهدت لهم مواطنَ صادقاتٍ ... شهدت لهم بصدقِ الودَ مِني
وكقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
ماذا الذي في الحبِّ يُلحي أما ... واللهِ لو حملتُ منهُ كَمَا
حملتُ في الحبّ رخيمَ لمَا ... ملت على الحب فَدَعْني وما
أطلب إلي لست أرَى بمَا ... قلتُ ألا أنني بينما
أنا في باب القصرِ في بعض مَا ... أطلب من قصرهم إذا رَمَى
شبهُ غزال بسهام فَمَا ... أخطأ سهماه ولكنما
عيناه سهمَان له كُلَّما ... أرادَ قَتلي بِهمَا سلما
فالتضمين موجود في جميع هذه الأبيات، ما عدا الأخير، ولو
стр. 22
جعله اكتفاء لكان ألطف في المعنى، وأعذب في الذوق، وأوقع في النفس، ولنرجع إلى ما كنا فيه. قال أمير المؤمنين عبد الله بن المعتز:
زاحَمَ لمي لمه فالتويا ... وافقَ كَفي كفه فاستويا
وطالما ذاقَا الهوى فاكتويا ... يا قرةَ العين ويا مَوتي ويَا
الشيخ سعد الدين بن عربي:
رعاك اللهُ من زمنٍ تقضَّى ... كأني قد رأيتُ به مَنَامَا
فيما ما كَان أحسَنه زمانَا ... ويا ما كانَ أطيَبه ويا ما
القاضي ناصح الدين بن الأرجاني من أبيات:
في دمه الله ذلك الركبُ إنَّهم ... ساروا وفيهم حياةً المغرمِ الدنِفِ
فإنْ أعشْ بعدهم فرداً فيا عَجبي ... وإن أمت هَكذا وجداً فَيَا أسفِ
شهاب الدين التلعفري:
يا راشقاً أسهماً من لحظِ مقلتِهِ ... فغير فؤادي ليس من هدفِ
قد كنتُ قبل النوى أشكو الصدود فوا ... لَهَفي على الصدِّ في يومي ويا أسفي
أبو بكر بن حجة:
غصن هذا مثمر بالحَسَن واعحبي ... وهو الذي لثمار الصبر قد قَطفَا
دينارُه اليوسفيُّ مذ غَابَ عن نظري ... وصرت يعقوب حزن صحتُ يا أسفي
стр. 23
أبو الفتح الكاتب:
يقولون تبْ والكأسُ في كفِّ أغيدٍ ... وصوتُ المثاني والمثالثِ عالي
فقلت لهم لو كنت أضمرتُ توبةً ... وعانيتُ هذا في المنامِ بدا لي
ويحكى هنا حكاية ظريفة، وهي أن مروان بن الحكم منع الخمر في أيام خلافته، وأمر أصحاب الشرطة أن يدوروا ليلاً فمن وجدوه سكران أحضروه بين يديه، فبينما هم ذات ليلة إذ وجدوا شاباً لم يرَ أحسن منه سكران وهو ينشد:
البدرُ يكملُ كلَّ شهرٍ مرةً ... وجمالُ وجهكِ كلَ يومٍ كاملُ
وحلولُه في برجِ قلبٍ واحدٍ ... ولك القلوبُ جميعهُنّ منازلُ
فلما فرغ من إنشاده قالوا له: أليس قد بلغك نداء أمير المؤمنين بترك السكر، قال: إني رجل غريب كما قدمت، وما علمت بما ذكرتموه. فحذروه وتركوه ومضوا. فلما
стр. 24
كانت الليلة الثانية وإذا به سكران أكثر من الليلة الأولى وهو يقول:
يقولون تُبْ والكأسُ في كف أغيدٍ ... وصوتُ المثاني والمثالثِ عالي
فقلتُ لهم لو كنت أضمرت توبةً ... وعنيت هذا في المنامِ بدا لي
فأحاطوا به أيضاً، وقالوا أليس تقدم معك بالأمس ما يغني عن إعادة القول؟ قال: فإني بت وأنا سكران، وملت إلى النسيان فإن عاقبتم فلكم الفضل وأن عفوتم فلكم
الأجر. فحذروه أن لا يعود ومضوا فلما كانت في الليلة الثالثة وإذا به سكران أكثر مما قبلها وهو يقول:
يا مَن لصبٍ كئيب دَابَ من أسَفٍ ... أضحتْ حَشَاه بنارٍ الهجرِ تلتهبُ
يموت وَجداً ولكن دونَ وصلِكم ... تعطفوا فلكم يبكي وينتحبُ
فامسكوه وأحضروه بين يدي مروان، فضرب الحد، فلما فرغوا من جلده ثمانين، قال: أصلح الله الأمير إني عبد وقد جلدتني جلد الأحرار فأعطني حق جنايتك علي، فقال: أعطوه حق جنايتنا عليه. فقال: أصلح الله أمير المؤمنين أن رأى أن يعطيني حق جنايته على شرب الخمر لمن يريد فليفعل فاستظرفه وجعله من جلسائه.
وقال عبد الله بن سلمة بن جندب:
قل للمليحةِ في الخمارِ الأسودِ ... ماذا فعلتِ بزاهدِ متعبدِ
قد كان شمَّرَ للصلاةِ ثِيابَه ... حتى وقفت له بباب المسجدِ
ولهذه الأبيات حكاية أظرف من التي قبلها، وهي أن عبد الله بن سلمة بن جندب ذكر يوماً عند المهدي فاستظرفه فقيل له ما يعجبك من ظرفه قال: قدم تاجر عراقي إلى المدينة ببز كان معه، فباعه كله إلا خمراً سوداً فلم يبع منها شيء لكسادها، وعزم على ردها لبلده فقال له جندب: ماذا عليك أن نفقتها لك؟ قال: جميع الربح. قال: لا ولكن أقنع بنصفه. قال: نعم. فذهب ابن جندب إلى بيته ونظم هذين البيتين:
(قل للمليحة في الخمار) إلى آخرها وصاغ لهما لحناً وغناه حكم
стр. 25
الوادي فلم يبق في المدينة حرة ولا غيرها اشترت خماراً أسوداً حتى طلب خمار بزنته ذهب فلم يوجد فربح التاجر أضعافاً فأوفى له بالشرط.
وقال ابن الفارض من قصيدة:
وقالوا شربت الإثمَ كلا وإنما ... شربت التي في تركها عندي الإثمُ
هنيئاً لأهل الدين كم سكروا بها ... وما شربوا منها ولكنهم هموا
ولبعضهم:
والروض يبدي زهرَه متبسماً ... فكأنه ببكا الحمامِ قد استَفَا
قم فاسقني بسلافةٍ متداركاً ... دمعي فقلبي بالهموم على شفا
ولبعضهم:
وذي هيفٍ يغريهِ بتاليته صمتُهُ ... إذا سمعته ردَّ الجوابَ تكلفَا
وطرف محلى عن شفائي مقامهِ ... فهلا صابر بات منه على شفَا
ولابن القيرواني شهاب الدين الحاجري من أبيات:
إن شاَء قلبي النومَ منها هجَرها ... فلأطعن بالوصلِ منها في غدِ
ولأعصين عواذلي في حبِّها ... إن لم أنل منها الرضى فكأن قدِ
الشيخ جمال الدين بن نباتة:
رفقاً بناظري القريحِ فَقَدَ كفا ... ما قد جَرى من عبرةٍ وتسهيدِ
وحشاشة لم يبق فيها للأسى ... فالهم إلا لمحةً وكأنَّ قدِ
ومن وقوع الاكتفاء في الحشو قول صفي الدين الحلي:
وليلةٍ زارني فقيه ... في رشدِه ليس بالفقيه
стр. 26
رأى بيمناي كأسَ خمرٍ ... فظل ينأى ويتقيه
فقلت هلا فقال كلا ... فقلت لم لا فقال إيه
فماذا تعني فقلت إني ... أنزه الكأس عن سفيه
وقول الشيخ زين الدين بن الوردي:
نمتُ وإبليسُ أتى بحيلةٍ منتدبه ... فقال: ما قولك في حشيشة منتخبه
فقلت: لا قال: ولا خمرة كرم مذهبه ... فقلت: لا. قال: ولا مليحة مطيبه
فقلت: لا. قال: ولا آلة لهو مطربه ... فقلت لا قال فنم ما أنت إلا حطبه
فعارضه الصفي الحلي فقال ولم يخرج عن الاكتفاء:
وليلةٍ طالَ سُهادي بها ... فجاء لي إبليس عند الرقادْ
فقال لي: هل لك في شفقةِ ... كبسية تطرد عنك السهادْ
فقلت: نعم قال: وفي قهوةٍ ... عتقها العاصر من عهدِ عادْ
قلت: نعم قال: وفي مطربٍ ... إذا شدا يطرب منه الجمادْ
قلت: نعم قال: وفي طفلةٍ ... في وجنتيها للحياء اتقادْ
قلت: نعم قال: وفي شادنٍ ... قد كحلت أجفانه بالسهادْ
قلت: نعم قال: فنم آمناً ... يا كعبة العشقِ وركن الفسادْ
يقرأ لدين الحمامي:
رب ليلٍ ضمني مجلسُ ... للشرب في حضرته في مَلا
стр. 27
قام بكأس الراح لي خدمة ... وقال لي: سرك ذاك؟ قلت: لا
القاضي السعيد بن سناء الملك:
رأيت طرفك يوم البين حين هَمى ... والدمع لغزُ وكحلُ الجفون لمى
فأكفف ملامك عني حينَ الثُمُه ... فما شككت بأني قد لَثمت فَمَا
لومك كان يعلم مع علمي بقسوته ... تألم القلبُ من دجوِ الكلام لَما
وقال الشيخ سعد الدين محمد بن عربي فقال:
أما لقدٍ من ماءِ الشلبيبة مرتو ... فيا حضرة الممشوق لم تشتكي الظمَا
حمى تفسره عني تصادم لحظهِ ... فلو رمت تقبيلا لذاك اللما لَمَا
الشيخ سراج الدين الوارق:
قال لي: ريقُ شهدٍ ... قلتُ ذا من فيك أحلى
ما يرى واردُه الظمآن ... يزداد إلا عبرةً مكتفياً مقتبسا
اختياري أن لا أفارق مغَناك ... ولا أسعى سواه محّلا
ولقد شئت لو ساعدَ الدهرُ ... علمته وما تساوي إلا
وجه يفوق الهلال حسنا ... ويخجل البدر أن تحلا
يقول في الحال من رآه ... أشهد أن لا إله إلا
ويقول ابن سناء الملك من قصيدة:
دنوت وفقد أبدى الكرى منه ما أبدأ ... فقبلته في الخد تسعين أو إحدى
ولبعض الشعراء:
ما أحسن بعض الناس مرسَلا ... ضرب كل الناس قَتلا
стр. 28
أمرت جفونك بالهوى ... من كان يعرفه ومن لا
لم يبق غير حشاشة ... في مهجتي وأخاف أن لا
ولبعض الشعراء:
وبمهجتي من لا أسميه ... وأكتم لئلاً
ولبست فضل قناعة ... بيدي قمر تجلا
ولثمته في خده تسعين ... أو تسعين إلا
ولبعض الشعراء في مطلع قصيدة (أهلاً بضيفكم وسهلاً).
لو كنت للإعفاء أهلاً ... وقد حلف المها على أن لا
أن لم تزوروا فاجمعوا ... بخيالكم في النوم شملا
ولقد قنعت بوعدكم ... فترى أفوز بذلك أم لا
راموا عظامي عن هوى ... عذبنه كهلا وطفلا
فوضعت طوقي في يدي ... وقلت خلوني وإلا
وقلت لمن استدعى لبعض الأصحاب:
شهر الصيام تَقَضَّى ... وشهر شوال هلا
وقد جلسنا جميعاً ... إلى المدام فَهَلا
حسنه مولاي خيب ظني ... وكان ظني أن لا
وقلت إنك تأتي ... إذا حضرنا فلم لا
وختمه بقولي:
هذي كناية عبد ... الآن قولاً وفعلا
وقد نصحتك جهدي ... فإن حضرت وإلا
стр. 29
الصاحب بهاء الدين زهير يستدعي أيضاً:
أما تقدر أنا ... فلم تأخرت عنا
وما الذي كان حتى ... حللت ما قد عقدنا
سيف الدين المنشد من أبيات:
بين أكناف المصلى ... قمرُ ثَمَّ تجلى
لا تلمني في هواه ... استمع نصحي وإلا
طاف بالراح علينا ... فرأينا الشمسَ تَجلى
نلتُ بكر خندريس ... نطقت معنىً وشكلا
لست أدري من سَناهاً ... هي في الكاسات أم لا
عيسى العالية من قصيدة:
قد ضن بالسلام علي ... وقدماً كان يمنحني الوصلا
كأن حسودي فيه حين خلا به ... أسر له زوراً وعاهده ألا
ابن نباتة:
ولقد كلمت فما يقال لقدِه ... حزت الجمالَ جميعه إلا
ولبعضهم:
لام العذول على من ... كالبدرِ حين تجَلى
دع يا عذولي ملامتي ... والله ما أنت إلا
القاضي محب الدين:
أخلانا إلا ما جد إنْ رحلتم ... ولم ترعوا لنا عهداً وإلاّ
стр. 30
نودعكم ونودعكم قلوياً ... لعل الله يجمعنا وإلاّ
وجمع الوادعي بين تضمينين واكتفائين في بيت واحد فقال:
يا لائمي في هواهَا ... أفرطتَ في اللومِ جهلاً
ما يعلم الشوق إلا ... ولا الصبابة إلا
وكذلك الشيخ أبو الحسن النحوي:
يا جاهلاً عابَ شعري ... فكذا قلبي وآلم
عليَّ نحتُ القوافي ... وما علي إذا لم
ولكن الشيخ صلاح الدين يطارف في هذا التضمين حيث أتى به تورية بإشارة التصحيف مع بديع الاكتفاء وكان محله في القسم الثاني ولكن ذكره أنسب فقال:
إنكَ من هجا شعرا ... أوتيانه بزحاف
وقل إذا ما هجوه ... عليَّ نحت القوافي
وجمع ابن نباتة بين اكتفائين فقال:
أفدي التي تاجها وفاتها ... كأنه همزة على ألفِ
أذكر ثغراً لها فاسكر من ... ورد خديها فارتع في
وكذلك شيخ الشيوخ الأنصاري وبالغ فقال:
أيَّ آسادِ عرين نظرتْ ... فسبتها أيَّ غزالٍ وأيّ
стр. 31
صادني منها غزيزاً أغيدُ ... فيه ما يشغل عندَ وي
قد أضنيتَ جسمي ... قال: قد. قلت: كي
يذهب روحي ... قال: لي
وقال صاحبنا القاضي مجد الدين بن مكناس في مطلع قصيدة:
يا عذولي في فؤادي منك كيّ ... وبذلت الروحَ والعصيانَ لي
والسابق في هذه الحلبة إلى الغابة الشيخ شرف الدين بن الفارض حيث قال:
أي ليالي الوصل هل من عودةِ ... ومن التعليل قول الصب أيّ
وبأي الطرق أرجَو رجعها ... وبما أمضي ولا أدري بأي
ومن وقوع الاكتفاء في حشو البيت قول الشاب الظريف:
رأى رضاباً عن تسليه ... أولو العشق سلو
ما ذاقه وشاقه هذا ... وما كيف ولو
ومثله قول البهاء زهير يصف ليلة أنس:
ولي ليلةُ طُرقتْ بالسعود ... فحدثْ بما شئتَ عن ليلتي
فما كان أحسنَ من مجلس ... ولا كانَ أرفعَ من همتي
بشمس الضحى ويبدو الدَّجى ... على يميني وعلى يسرتي
وبتُّ عن خبري لا تسلْ ... بذاك الذي وبتلك التي
стр. 32
ومثله قول الشيخ برهان الدين القيراطي:
بمكارم الأخلاق كن متخلقاً ... ليفوح مسكُ ثيابكِ العطرُ الشذي
وأنفع صديقك إنْ صدقت صداقة ... وادفع عدوك بالتي فإذا الذي
وتبعه عليه شيخنا الشيخ شمس الدين الجروي:
شيطانُنا المغويَّ عدوُّ فاعتصم ... بالله منه والتجئْ وتعوذ
وعدوك الإنسي دارِ ودارهِ ... تملكه وادفعْ عدَوك بالتي
الشيخ شرف الدين بن الفارض:
هو الحب إن لم يقض لم يقض مأرباً ... فاختر ذاك أو خلتي
ودع عنك دعوى الحب واختر لغيره ... فؤادك وادفع عنه غيك بالتي
ابن صاحب تكريت في مطلع قصيدة:
أترى يعود الشملُ بعد تشتًّتِ ... فلقدْ أطلتُ إلى الديار تلفتي
هيهات ما قد فاتَ ليس براجعٍ ... أترى تعودُ ليالينا التي
ابن سناء الملك:
وطبي حكا ريمَ الفلاني نفارهِ ... فما باله لم يحكهِ في التَلفَّتِ
يدافعني عن وصله بتهجم ... فما ضره لو كان يدفع بالتي
ابن أبي حجلة وقد زاد النيل زيادة مفرطة:
стр. 33
يا ربَ إن النيلَ زاد زيادةً ... أدت إلى هدم وفرطٍ تَشتتِ
ما ضره لو جاء على عاداتهِ ... في وقعهِ أو كانَ يدافعُ بالتي
سعد الدين بن كتاب المرج في المعنى:
تأملْ يا ملكَ الأنهارِ قد سرتْ ... منك الأماني شراباً طبيباً رغداً
وقد دخلت القُرى يلقي منافعها ... فعمها بعد فرط النفع منك إذا
فقال أيذكر عني أنني ملك ... وثلثي ماشياً إن الملوك إذا
ويحكى أن الأمير بدر الدين الخازندار كان أحضره إلى البلاد تاجر وكان يحسن إليه وهو في رقه فلما باعه وصار إلى ما صار إليه افتقر نكتب إليه رقعة فيها:
كنا جميعين في بؤسٍ نكابدُه ... والقلب والطرف منا في أذىً وقذى
واليوم أقبلت الدنيا عليك بما ... تهوي فلا تنسني أن الكريم إذا
أشار بذلك إلى قول إبراهيم بن العباس الصولي الكاتب:
أولى البرية طرأ أن تواسيه ... عند السرور الذي وأساك في الخزن
إن الكرام إذا ما أسهلوا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن
ويحكى أن الصاحب جمال الدين بن مطروح كتب إلى بعض الرؤساء رقعة على يد صديق لم يسمع فيها عنده فكتب إليه الرئيس هذا
стр. 34
الأمر على ما فيه مشقة فكتب
ابن مطروح في جوابه: (لولا المشقة) ففهم الرئيس مراده وقضى حاجته والإشارة في ذلك إلى قول المتنبي:
لولا المشقة سادَ الناسُ كلُّهم ... الجودُ يفقرُ والإقدامُ قتّالُ
الشيخ زين الدين بن الوردي مورياً مكتفياً لكن التورية في غير القافية فلهذا ذكرناها في هذا القسم.
ماذا تقولون في محب ... عن غير أبوابكم تخلَّى
وجاءكم زائراً عفيفاً ... عن مالك هل يجوز أم لا
القاضي مجد الدين بن مكناس في مطلع قصيدة:
يا غصناً في الرياض مالا ... حمَّلتني في هواك مالا
عبد الله القرشي في مليح اسمه علي:
محب قد براه السقمَ حتى ... غدا يكايده عليلا
إذا طلب الوصال لكي يداوي ... يقول لي علي لا
ولبعضهم على سبيل التورية:
يا شاذلي دمعُ عيني أضحى إليهم رسولي ... قلبي لديكم عليل ردوا علي لي
سعد الدين محمد بن عربي في مليح اسمه أيوب:
يلوم على حبِّه العاذلون ... ولا يسمع العذال فيه ولا
يسمى بأيوب من هُمْتُ بِهِ ... ولكن عاشقه المبتلى
وكتب البهاء زهير إلى الصاحب جمال الدين بن العديم يسأله
стр. 35
حاجه:
دعوتُك لما أن بدت لي حاجةَ ... وقلت كريمُ مثله من تَفَضلا
إذا لم يكن إلا تحمل حاجة ... فمنك وأما من سواك فلا ولا
الشيخ برهان الدين القيراطي من أبيات:
وإلى الخطة نسبت سهام لحاظه ... لما رمى ولكم أصابت مقتلا
زرق الأسنة لا تحاكي سودها ... قالوا ولا بيض الظبا قلنا ولا
وقد نظمت هذه القافية تورية كما ستقف عليها في القسم الذي يليه.
جمال الدين بن مطروح:
وبمهجتي رشأُ أطالت عذلي ... فيه الملام وقد حوى ما قد حوى
قالوا أفيه سوى رشاقةِ قدِّه ... وفتور عينيه وهل موت سوى
سعد الدين محمد بن عربي:
تُرى يسمحُ الدهرُ الضنينُ بقربكم ... وأحفى بكم يا جيرةَ العَلمِ الفردِ
إذا لم يكن لي عندكم يا أحبتي ... محلُ ولا قدرُ فإنَّ لكم عندي
جمال الدين بن مطروح في مطلع قصيدة:
هزوا القدود فأخجلوا سمرَ القَنا ... وتقلدوا عوضَ السيوفِ الأعينا
وتقدموا للعاشقين فكلهم ... طلب الأمان لنفسه إلا أنا
القاضي سعد الدين بن سناء الملك:
قتلت بطرف ظل يعدي سقمه ... أرأيتم من ضنَّ حتى بالضَّنا
يا عاذلين جهلتم فضل الهوى ... فعذلتم فيه ولكني أنا
غيره فإذا المنية ... فسوف تصادفه أينما
الصلاح الصفدي:
يا من إذا أتاه أهلُ المودة أو لم ... أنا محبك حقاً إن كنتَ في القوم أو لم
стр. 36
غيره:
قال لي العاذل: لم لا تنتهي ... عن هواه؟ قلت: يا عاذلُ لم
قوله:
قال لي: تهوى سواه قلت لما ... قال: هل تعشقه؟ قلت: نعم
شيخ الشيوخ الأنصاري مضمناً مكتفياً:
صلي ودعي بُعادك عن محبٍ ... يذكرك أنسُ والليل ساكن
فما إن شبت من كبر ولكن
للكشك ريح غليظ ... محرك للسواكن
أصلاه ذر وبر ... أقم الحدود ولكن
القاضي فخر الدين بن مكانس مضمناً مكتفياً:
لنا فرسُ نلاقي منه رفقاً ... كبرِّ الوالدين إذا ثَمِلَنا
يرانا حين نركبه سُكارى ... يميل على جوانبه كأنا
مولانا قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر:
خليلي ولي العمرُ منا ولم نَتبْ ... وننوي فعال الصالحين ولكنَا
فحتى متى نبني قصوراً مشيدةً ... وأعمارنا منا تهد ولا تُبنى
ولآخر:
قسماً به ما أنت يا بدر الدجى ... إلا حكيت جماله لكنما
стр. 37
أبو بكر بن حجة مضمناً:
صهباءُ ريقتُه رشفتُ سُلافَها ... فتقلبت وعجزتُ أن أتكلما
فإذا سئلت أقل لمن هو سائلُ ... إني لأفهم ما تقول وإنما
وقال أيضاً:
يا من يقول بأن رشف لمى الحبائب لم يرق ... وغداً يعنفني به دع عنك تعنيفي
وذُقْ
الشيخ جمال الدين:
اسقني الخمرة صرفَا ... كي تحت ألحت حتا
ودع العذال فيها ... يضربون الماء حتى
ابن أبي حجلة في فانوس مضمناً (كلام غير موجود بتاتاً).
أعز من حمى كليب، لما أسن المهلهل وخرف وكان له عبدان يخدمانه فملا منه وخرج يريد بهما سفرا، فأناخا به في بعض الفلوات وعزما قتله فلما عرف بذلك كتب بسكين على رجل ناقته وقيل أوصاهما إذا وصلا إلى قومه أن يقولا:
مبلغ الحيين أنْ مهلهلاً ... لله دركما ودر أبيكما
ثم رجعا إلى قومه فقالا مات وأنشدا قوله ففكر بعض ولده وقال أن مهلهلاً لا يقول هذا الشعر الذي لا معنى له وإنما أراد:
стр. 38
من مبلغ الحيين أن مهلهلاً ... أمسى قتيلاً في الفلاة مجندلا
للهِ دُرُكما ودرُ أبيكما ... لا يُفلت العبدان حتى يُقتلا
فضربوا العبدين فأقرا بقتله. فأنظر كيف اكتفى بصدر البيتين اعتماداً على استحضار نيتهما.
ويحكى أن رجلاً سأل رئيساً حاجة فكتب إليه يعتذر (لولا المشقة) ولم يزد على ذلك فلما ورد عليه قضى حاجته فسئل عن ذلك فقال أنه يشير إلى قول أبي الطيب:
لولا المشقةُ سادَ الناسُ كلُّهم ... الجودُ يعدمُ والإقدامُ قتّالُ
وقال آخر أيضاً مضمناً:
يتبادلان فينصفان ... وليس بينهما ارتيابُ
فيصيب هذا ماء هذا ... كالبحر يمطرهُ السحابُ
أبو بكر بن حجة من أبيات:
رسائل دمعي فيه صبُ مبردُ ... ألم تره لمل بدا كيف أسبلا
وريقته يا صاح في الذوق خمرةُ ... فلو ذاقا عمر لأنشدها ألا
الشيخ ظهير الدين بن البارزي:
غدا أسوداً بالشعر أبيضَ وجهه ... فأصبح من بعد التنعم في ضنكِ
على وجهه أضحى بخطى عذارِه ... تناديهما عيناه حزناً قفا نبكِ
ابن مطروح من أبيات:
بانتْ أباريقُ المُدامِ لدليمٍ ... تقهقه من فرط المسرة والضحكِ
فقم ننهب اللذاتِ قبلَ فواتِها ... ودعني من قول ابن حجر قفا نبكِ
стр. 39
سيف الدين بن المسند يصفه نفسه بالبراعة:
شعارُ يبلغ بل بلاغةُ شاعرٍ ... معانيه بل ألفاظهُ حلوةُ السبك
لقد ترك الضحاك في الناس ضحكةً ... وأبكى الذي قد قالَ قِدْماً قفا نبكِ
شرف الدين بن الوردي في مليح مغن:
رب مغنٍ ذكر لفظه ... مؤنث يسلب منا الفؤاد
وكلما أنث في لفظه ... وبان لي أنشدت بانت سعاد
الشيخ شرف الدين بن الفارض:
أهوى رشا هواه للروح غدا ... ما أحسن فعله ولو كان إذا
لم أنس قد قلت له الوصل متى ... مولاي إذا شيء قال إذا
ابن نباتة:
بروحي معسول اللما يتحجب ... إذا لم يزر لم يهن عيشي ولا إذا
إذا ذقت منا حلاوة ريقه ... أتانا رقيب بليغ المن بالأذى
وله وأبدع في التضمين:
قالت: إذا غمضت جفونك فارتقبْ ... طيفي فقلت لها: نعم لكن إذا
وسمعتُ عن ريحٍ يوسفَ قبلها ... حتى انثنت ورنت فقلت: هما اللذا
стр. 40
ابن سناء الملك:
ما أبعدَ الدارَ وأدنى الجَوى ... لما نأى الأهلُ وجفَ القطين
بانَ عليها الذالُ من بعدهم ... وزادَ حتى كادَ أنْ لا يبين
فإن يقل أين الذين اعتدوا ... يقل صداها لك أين الذين
الشيخ برهان الدين بن رقاعة مكتفياً مقتبساً:
خيالُ طه مُذ سَرى ... لكهف قلبي المحتذي
عوذته لما سَبا ... قلبي بسبحان الذي
ومثله قول الشيخ زين الدين الوردي:
عوادةُ عوادةُ ... بالنعم الملذذي
قالت لنا أوتارُها ... أنطقنا الله الذي
شهاب الدين بن طوغان المقري المعروف بالأوحدي:
إني إذا ما نابني ... أمر نفى تلذذي
واشتد منه جزعي ... وجهت وجهي للذي
ومثله قول الآخر:
أفديه من حذرها وردة ... وفوقه خالُ له حالك
следующие страницы →