← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36074

العتاب بين الأصدقاء

أبو نصية التميمي

Полный текст (85 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

العتاب بين الأصدقاء علي محمد أبو نصية "ويبقى الود ما بقي العتاب"

стр. 2

علي بن محمد ابو نصية التميمي، ١٤٣٢ هـ حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م

стр. 3

الإهداء إلى الطَاهِرَةِ .. التي لقّنَتْنِي الحَيَاة .. أُمّي ..

стр. 4

"أَخَاكَ أَخَاكَ .. إِنّ مَن لا أخَا لَهُ ... كَسَاعٍ إِلى الهَيجَا بِغَيرِ سِلاحِ" (مِسكِينُ الدارِمِيّ) و .. "رُبَّ أخٍ لَكَ لَم تَلِدهُ أُمّكَ"! (العَرَبُ تَقُولُ ذَلِكَ)

стр. 5

المقدمة في مجريات حياتك اليومية ربما تلاقي يتيماً ليس له أب أو أم، أو مشرداً ليس له بيت أو وطن، أو عاطلاً ليست لديه وظيفة أو مهنة، ولكن هل سبق وأن لاقيت قط إنساناً بغير صديق؟! هذه المدنيّة التي وهبها الله للإنسان حتّمت عليه أن ينتخب من بني جنسه (١) أصدقاءَ يجدُ فيهم لذّته وأنسه، وهذه المدنيّة ذاتها جعلته نهبا لما يخلّ بحقوق أولئك الأصدقاء، وأيّ قارئ كريم يمتلك حصانة تحرسه دون الإخلال - أو على الأقل تهمة الإخلال - بحقوق الصديق؟! لقد أضجرني في إحدى الأماسيّ من بعض الأصدقاء أنّ ريبة امتزجت في إناء قلبه بتخيلاتهِ لأجل

стр. 6

حكايةٍ لفّقها عليّ رُوّادُ التلفيق من دُعاة التفريق أنني هجوته! - تحسبُ أنه دعاني فعاتبني فضلاً عن أن يسامحني بله يباعد عنّي صحة دعواهم وحماقة نجواهم؟ كلاّ، ولا شَرُفَ على أقلّ أحوال الفضل أن يكون من كاظِميّ الغيظ، إنما شنّع بي على كل شرفة، وعبر كل نافذة، فلمّا أبَنْتُ له الصواب، واستبنت منه عن الأسباب، قال: الإقلالَ من معاتبة الإخوان! وهذا من قصورِ الرأي وإساءةِ الاستعمال لهذا الأسلوب من المعاملات الاجتماعية. ثمّ رأيتُ المتحابين، من بات منهم وهو لا يطيق جلوساً مع صديقه الذي يمطره بوابلٍ من عتاب الهون، ولومٍ من سجيّن، مختتماً ذلك كلّه بحجةِ (لا يعاتبك إلا من يحبك) فهل كان صادقاً فيما زعمه وادّعاه؟ (١) من أجلِ ذلك جاءت هذه الرسالة - بعد ما عدمت نظيرها، وافتقدت في المكتبات العربية والأجنبية مثيلها، جعلتها ميسورة في أبسط صورة، موْضِحاً فيها متى

стр. 7

يحسن العتاب ومتى لا يحسن ولا يفيد، وغيره من الإشارات والتلويحات في هذا الباب، ثمّ ألحقتُها بمقالةٍ للعلامة محمد الخضر حسين بعنوان (الصداقة) فإنّك لن تدرك معنى العتاب قبل أن تدرك معنى الصداقة، وحسبك أن الأستاذ محمد الخضر من أجود من تحدث عن الصداقة ومارسها (١). سائلاً المولى أن يَبسط للقارئ الكريم خيرها، وأن يكفّ عن أعين النقّاد خللها، والزيادة مطلوبة، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. وكتب؛ علي محمد أبونصيّة التميمي ١٦ - ٣ - ١٤٣٢ هـ

стр. 8

ما هو العتاب ؟ من خلال الاستقراء لمواضيع هذه المفردة ومناسبات إطلاقها في كتب الأدب، وأبيات العرب، نجد أنّها مترددة بين؛ عتاب عدوٍ وعتاب صديق. فأمّا عتاب العدو كنحو قول بشّار: إذا الملك الجبار صعّر خدّه ... مشينا إليه بالسيوف نعاتبه ومن سياق البيت يظهر لك أنّ عتاب العدوّ يدخل فيه الاعتداء والمنازلة الحسيّة، بينما يعاتب المقنّعَ الكنديَ قومُه، بمعنى يلومونه على أمرٍ فعله (١) فهو يقول: يعاتبني في الدين قومي وإنّما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا وما نريد تناوله تحت هذا العنوان هو الصنف الثاني، الذي عرّفه الخليل بمخاطبة الإجلال، ومذاكرة الموجدة، وهو العتاب حينما يكون بين الأصدقاء. هل اللوم والعتاب من صفات الصديق الصادق ؟ إنّ المحبّة في الله من أوثق عرى الصداقة، وأشرف مراتب الأخوّة، وأنفس كنوز الدنيا، ولها في الإسلام من العناية الحظ الوافر، والقدر الظاهر، فموعود أهلها الظلّ

стр. 9

والغرف والسرائر، ولما لها من هذه المنزلة الكبيرة، كانت من أهلها بالرعاية جديرة، فلا ترى المتحابين بجلال الله كثيريّ اللوم والعتاب، بل إنه يغلب عليهم في التعامل الصفح والتسامح، ولا غرابة في ذلك مادامت علاقاتهم عن شوائب الدنيا وصخبها ومصالحها خالصة وبعيدة. وليس اللوم والعتاب بشيمة لأهل النفوس الكريمة، ولا بمسلك ومذهب لأولي الألباب والأرب، ومن كان ذا طبع سليم، وخلق كريم، فإنه يربأ بالنفس عن كثرة اللوم والمعاتبة، لعلمه ما في ذلك من العواقب الموجبة لإيراث النفرة، وتوليد الرهبة، وإيجاب السآمة والملل. فَدَعِ العِتَابَ فَرُبَّ شَـ ... ـرٍّ هاجَ أوّلُهُ عِتَاب وكما أنك لا تجد في عقد الصداقة عقدة هي أودى ببريقه من العتاب، فإنك لن تعدم في تلك العقدة شراً تكفه بله تصلُ طرفي العقد ليكتمل حسنه وينتظم رسمه، وبذلك تدرك أن تلك الأداة الحساسة جداً ذاتِ حدّين فتسأل حينئذٍ: متى أعاتب؟ وكيف أعاتب؟ وماذا بعد العتاب؟

стр. 10

"مَنْ شَدّدَ نَفّرَ، وَمَنْ تَرَاخى تَألّف، والشْرَفُ في التّغافُل" (أَكْثَمُ بْنُ صَيْفِيّ)

стр. 11

قبل أن تعاتب، تعلم درساً في التغاضي . إنك وحينما تنظر في سيرة محمد الله ﷺ ، تدرك مراعاته لهذا الجانب في التعامل مع الآخرين، فلا ينتقم لنفسه، ولا يحمل في ثنايا فؤاده ما يدفعه إلى ذلك أو يدنس قلبه شيء من هذه القاذورات، وتأمل موقفه مع خادمه الصغير أنس بن مالك، وهو في ذلك العمر مظنّةٌ للوقوعِ في التقصيرِ والخطأ، ما قال له رسوله الله أُفٍ قط، ولا لشيء صنعه: لِمَ صنعتَه، ولا لشيء تركه: لِمَ تركتَه. (متفق عليه) والأمثلة من هذه السيرة في هذا الباب وفيرة، وبالاحتفاء والمطالعة للاقتداء جديرة. وفي كتبُ السيَرِ من الأمثلة البليغة ما حُكي عن بنت عبد الله بن مطيع، أنّها قالت لزوجها طلحة بن عبد الرحمن بن عوف وكان أجود قريش في زمانه: ما رأيت قوماً ألأم من إخوانك! قال: مهْ، ولِمَ ذلك؟ قالت: أراهم إذا أيسرتَ لزموك، وإذا أعسرتَ تركوك! فقال: هذا والله من كرمهم، يأتوننا في حال القوّة بنا عليهم، ويتركوننا في حال الضعف بنا عليهم!. فانظر كيف تأوّل بكرمه هذا التأويل، حتى جعل

стр. 12

قبيح فعلهم حسنا، وظاهر غدرهم وفاءً، وهذا محض الكرم، ولباب الفضل، وبمثل هذا يَلزم ذوي الفضل أن يتأوّلوا الهفوات من إخوانهم. وعلى هذا النحو كان خالد بن صفوان لمّا مر به صديقان، فعرج عليه أحدهما وطواه الآخر، فقيل له في ذلك، فقال: عرج علينا هذا لفضله، وطوانا ذاك لثقته. ولئن كان العتاب باب فضل وخير فما هو ببالغ مزيّة التغاضي والمغفرة، وهل العتاب إلا سبيل إلى المغفرة والصفح؟! قال أعرابي لصاحب له: قد درن ذات بيننا، فهلم إلى العتاب لنغسل به هذا الدرن، فقال له صاحبه: إن كان كما تصف فذاك لبادرة ساءتك مني، إما لك وإما لي، فهلا أخذت بقول القائل: إذا ما أتت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالاً لزلته عذرا والله لا صفت مودتنا، ولا عذب شربها لنا إلا بعد أن يغفر كل واحد منا لصاحبه ما يغفره لنفسه من غير منّ ولا أذى. وسبب ذلك كون العتاب غير مأمون العواقب، ولا مضمون النتيجة، وهذا ما أدركه الشاعر الذي يقول:

стр. 13

أردت عتابكم فصفحت إني ... رأيت الهجر مبدؤه العتاب يقول الأستاذ محمد الخضر ﵀ في مقاله البديع: "يرى الباحثون في طبائع البشر، أن ليس فيهم من يتخذ صديقاً ويرجّي منه أن يسير على ما يرضي صديقه في كل حال، ودلتهم التجارب على أن الصديق - وإن بلغت صداقته المنتهى - قد يظهر لك من أمره ما لا يلائم صلة الصداقة، فلو أخذتَ تَهجُرُ من إخوانك كل من صدرت منه هفوة، لم تلبث أن تفقدهم جميعا، ولا يبقى لك على ظهر الأرض صديقٌ غير نفسك التي بين جنبيك، عرف هذا المعنى الشاعر الذي يقول: ولست بمستبقٍ أخاً لا تُلمه ... على شعث أيّ الرجال المهذب والذي يقول: أُغمضُ للصديقِ عن المساوي ... مخافَة أنْ أعيشَ بلا صديقِ والذي يقول: ومن يتتبع جاهداً كلّ عثرةٍ ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحبُ وقد عبر عن هذا المعنى بشار: إذا كنتَ في كلِّ الأُمورِ مُعاتِباً ... صديقكَ لمْ تلقَ الذي لا تُعاتبه فعشْ واحداً أو صلْ أخاك فإنه ... مقارفُ ذنبٍ مرةً ومُجانبه إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت؛ وأيّ الناس تصفو مشاربه

стр. 14

وإذا كان الصفح عن الزلاّت من أفضل خصال الحمد، فأحق الناس بأن تتغاضى عن هفواتهم، رجال عرفت منهم المودة، ولم يقم لديك شاهد على أنهم صرفوا قلوبهم عنها". وقديمًا قال الأوّل: تريد مهذّباً لا عيب فيه ... وهل عودٌ يفوح بلا دخان؟! ويقول الحسن بن وهب: من حقوق المودّة أخذ عفو الإخوان، والإغضاء عن التقصير إن كان. وقد روي عن عليّ ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَاصْفَح الصَفْحَ الجَمِيل﴾، قال: الرضا بغير عتاب. قال الأستاذ محمد الخضر ﵀: "وإذا كانت نفس الإنسان التي هي أخصّ النفوس به، ومدبّرة باختياره وإرادته لا تعطيه قيادتها في كلّ ما يريد، ولا تجيبه إلى طاعته في كلّ ما يحب، فكيف بنفس غيره؟! فحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره، وفي ذلك يقول ابن الرّومي: همُ الناس والدنيا ولابدّ من قذىً ... يلمُّ بعينٍ أو يُكدّر مشربا ومن قلّة الإنصاف أنّك تبتغي الـ ... مهذّب في الدنيا ولست المهذّبا" ويقول ابن حبّان ﵀: "من لم يعاشر الناس على لزوم الإغضاء عما يأتون

стр. 15

من المكروه، وترك التوقع لما يأتون من المحبوب، كان إلى تكدير عيشه أقرب منه إلى صفائه، وإلى أن يدفعه الوقت إلى العداوة والبغضاء، أقرب منه أن ينال منهم الوداد وترك الشحناء". "ثمّ ما أحسن أنْ يتغاضى المرء ويتغافل؛ فذلك من دلائل سموّ النفس وشفافيتها وأريحيتها، كما أنّه يعلي المنزلة، ويريح من الغضب وآثاره المدمّرة" (محمد إبراهيم الحمد). وتغافل عن أمورٍ إنه ... لم يفز بالحمد إلاّ من غفل (ابن الوردي) أغمض عيني عن صديقي تجسّما ... كأني بما يأتي من الأمر جاهلُ وما بي جهل غير أنّ خليقتي ... تطيق احتمال الكره فيما تحاولُ

стр. 16

(ثعلب) "قَد أكَلنا الطَيّبَ ولبسْنا اللّين وركِبنا الفارِهَ ولم يبقَ لي لذّة إلاّ صديقٌ أطرحُ مَعَهُ فيمَا بَيني وبَينه مُؤنةَ التحَفّظ". (سُلَيمَان بن عَبدالملك)

стр. 17

بعض الكلام؛ يشمّ ولا يفرك ! "إنّ عدم التكلف، يجمع ويؤلف". (مقالةٌ اشتُهرت) إذا اعتبرنا أن الأمثال ليست على إطلاقها فالمقولة صحيحة، أمّا على الإطلاق .. كلاّ! فلقد علمتنا التجربة أن اطّراح الكُلفة بين الأب وأبنائه جعلتهم من أزهد الناس فيه - لو كان عالما، "فالعالم من بعيد تجده محتشماً - يعني - في الغالب عليه السمت، أمّا الأبُ فتراه على هيئات فيها شيء من ترك الحشمة، وذلك لوجوده بينهم في كل وقت وفي كل حين، فهم يشاهدون تصرفاته وتصرفاته تصرفات بشرية لا شك أنه يعتريها ما يعتريها من النقص" (العلامة عبد الكريم الخضير). ولئنْ كانت الجملة المشتهرة يراد بها التكلف في الكرم، فإن التكلف في سائر الشؤون يدخل فيه دخولا أولياً، ومتى كانت الكلفة في المحاورة مطّرحة بين الصديقين فذلك مظنة الوقوع في الزلل والخطأ. والواجب تجاه تلك الزلات أن تشمها ولا تفركها، تماما كما يفعل معاوية ﵁. قرأتُ في كتب أحد المعاصرين (١)، أنّ سفيهاً

стр. 18

تراهن مع صديقٍ له على أن يستثير غضب الداهية الأمير؛ معاوية بن أبي سفيان، وهو المعروف بحلمه وعبقريته، لكن السفيه قد أعد لذلك من الطيش وسوء الأدب ما يفوق حدود الحلم، فقد اتّجه إلى الأمير بعد أن فرغ من الصلاة ووضع يده على لحمه وسط ذهول الجميع ثمّ قال له بكل وقاحة: "مرحى يا معاوية لقد ضاهيت أمّك هنداً في لحمها وشحمها! " وحبس الحاضرون أنفاسهم انتظاراً لما سيفعل به الخليفة! لكنه فاجأهم بقوله وبصوتٍ هادئ: "رحمها الله رحمة واسعة .. لم تكن كذلك في أخريات أيامها! " ثمّ انصرف، وباخ السفيه. إنك في حال ما استوقفت الآخرين عند كل صغيرة وكبيرة، تضطرُّهم ليعاملوك بنفس تلك الطريقة، ولات حين مناص من الإدانة. وإذا ما أصبح التلاوم والعتاب صدر كل صالة، وفوق كل موقف، وجرس كل مجلس، تتصرمُ حبال الود، وتنسلّ لآلئ الحب من العقد، وليس يعود إلا الوبال حينها والندامة! أنا لا أقترح عليك في هذا السياق انتظارَ مثل ذلك السفيه - الذي قاده سوء الطالع للعبث مع الخليفة - حتى تُجيبه بهذا الأسلوب الذكي، فأحيانا ما تصدر مثل

стр. 19

هذه الحماقات عن الأصدقاء! - هل قال لك أحد إنّ الصديق لا يكون أحمق أحياناً؟ خذ على ذلك مثالاً: كان مصطفى النحاس أحد كبراء رجال السياسة في مصر، وهو الذي ساهم في تأسيس جامعة الدول العربية، وخلال أيام تزعمه لحزب الوفد أجرى عدة جولات على بعض القرى المصرية، وكان من عادته أن يلقي في كل مناسبة خطبةً يكتبها صديق له شاعرٌ وصحفيٌ معروفٌ بخفة دَمِه وحلمه، إلا أنه فوجئ بالجماهير في إحدى الجولات يطلبون منه أن يلقي عليهم خطبة - لم تكن مرسومة في الخطّة ولا مُعَدّاً لها - وبتلقائية كانت معروفةً في النحّاس قال وهو على شرفة القصر: "لا مانع من ذلك"، ثم همس لمن حوله في شرفة القصر: "قولوا للحمار الذي يكتب لنا الخطب أن يكتب خطبة جديدة وبسرعة! ". ففوجئ بالشاعر الصحفي بين الواقفين حوله وقد سمع مقالته يجيبه: "الحمار جاهز يا دولة الباشا!! ". هل تعلم ماذا حصل؟ لقد أُغرق الجميع في الضحك وكان دولة الباشا والشاعر الصحفيّ أعلاهم ضحكاً، وانتهى ذلك الموقف بأن اعتذر إليه - أمام الجميع - وقبّل رأسه.

стр. 20

إن التعامل مع هفوات الأصدقاء - خصوصا تلك التي يكون فيها إخلال بجوانب الأدب العام - بمثل هذه العبارات (جزاك الله خيرا)، (سامحك الله)، (هذا من حسن تعاملك)، (مقبولة منك)، يساعد على حفظ حق النفس وجانب الصداقة في آن واحد، فهي تحمل في طيّاتها رسائل معبّرةً تختصر كل عتاب.

стр. 21

"الصَّدِيقُ إنْسَانٌ هُوَ أَنْتَ إلَّا أَنَّهُ غَيْرُك" (الْكِنْدِيُّ)

стр. 22

من آداب العتاب "استبقاك من عاتبك". (ابن حزم) لا شك بأن المعاتبة من آكد ما يحفظ الوداد بين العباد وإنما المعنى المعنيّ بالذم والمنع، هو القدر الزائد الذي لا ينفك عن السمع، ومتى كان العتاب مقرونا بالآداب التي سأذكر منها نزرا يسيرا، فإنه بذلك يكون للحب وحفظ الود معينا وظهيرا. ادّخر عتابك للمواقف الحرجة . إذا كنت تغضب في غير ذنب ... وتعتب من غير جرمٍ عليّا طلبت رضاك؛ فإنْ عزّني ... عددتك ميتاً وإنْ كنت حيّا (ابن أبي فنن) "من لم يوآخِ إلاّ من لا عيب فيه قلّ صديقه، ومن لم يرضَ من صديقه إلاّ بالإخلاص له دام سخطه، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه". (رجاء بن حيوة) ادّخار العتاب أوّل الأمور التي ينبغي مراعاتها؛ قال الأستاذ الخضر ﵀: "إن الصديق لا يخلو وهو معرّض للغفلة والضرورة والخطأ في الرأي، أن يّخلّ بشيء من واجبات الصداقة؛ فإن كنت على ثقة من صفاء مودّة صديقك أقمت له من نفسك عذراً وسرت في معاملته على أحسن ما تقتضيه

стр. 23

الصداقة، فإن حام في قلبك شبهة أن يكون هذا الإخلال ناشئاً عن التهاون بحق الصداقة - فهذا موضع العتاب - والعتاب يستدعي جواباً، فإن اشتمل الجواب على عذر أو اعتراف بالتقصير، فاقبل العذر وقابل التقصير بصفاء الخاطر وسماحة النفس، وعلى هذا الوجه يحمل قول الشاعر: أُعاتب ذا المودّة من صديق ... إذا ما سامني منه اغترابُ إذا ذهب العتاب فلا ودادٌ ... ويبقى الودُّ ما بقي العتابُ" وذكر غير واحد، منهم الثعالبي وصاحب المستظرف، عن إياس بن معاوية قال: "خرجتُ ومعي رجلٌ من الأعراب، فلما كان ببعض المناهل لقيه ابن عمّ له فتعانقا وتعاتبا، وإلى جانبهما شيخٌ من الحيّ يفن، فقال لهما: انعما عيشاً، إنّ المعاتبة تبعث التجني، والتجني يبعث المخاصمة، والمخاصمة تبعثُ العداوة، ولا خير في شيء ثمرته العداوة". إذاً؛ فعندما يقول لك صديقك إنّ العتاب هو صابون القلوب، أخبره أنّ رغوة الصابون قد تحرق العيون!

стр. 24

"نحْنُ لا نَكْرَهُ الأَشْخاصَ بَلْ نَكرَهُ أَخْطاءَهم" (غانْدِي)

стр. 25

لا تذكّره بأخطائه القديمة ولا تعاوده العتاب على الخطأ مرتين . "الإكثار من العتاب داعية إلى الملال". (أسماء بن خارجة) أحيانا يصدر من البعض أن يتغاضى عن أخطاء الصديق المتكررة، ويتحمل ذلك كله من باب ما ذكرناه في مزيّة التغافل، حتى إذا وقع ما لا يغتفر إلا بالعتاب، انفجر عليه وسامه بسوط من عذاب الحساب، فتراه يسرد تلك الأخطاء التي استحقت المغفرة، فإذا به يفسد المعذرة وقد أوشكت أن تكبره، وهذا من أثقل أنواع العتاب، وأقربها إلى تصريم حبال الود بين الأحباب. وفي نظري أنّ سبب ذلك النوع من العتاب الامتعاضي، عدم الصِدق في التغاضي، فتجد صاحب ذلك الصنيع، لا يذهبن تغاضيه ما يغيظ، ومتى صدق المرء في التغافل وأعقبه العفو والتسامح، استقر القلب بالطمأنينة والانشراح، ونعم البال بالهدوء واستراح، وقديماً قيل: "ما عتب من اغتفر". واعلم أنه في حال تذكيرك للصديق بالذنب القديم، فإنك تشعره بالمنة المستحقة لك عليه، وليس

стр. 26

ذلك من خصال الحمد، ولا من صنيع العقلاء، وما هكذا يحسن التعامل، ولا يحمد بهذا الأسلوب التغافل، ليس في رواق الصداقة وحسب، قال الشيخ محمد بن إبراهيم الحمد في سياق الحديث عن عتاب الرجل لزوجته: "وإنْ أتت المرأة بما يوجب العتاب فلا يحسن بالزوج أنْ يكرّر العتاب، وينكأ الجراح مرّةً بعد مرّة؛ لأنّ ذلك يفضي إلى البغيضة، وقد لا يبقي للمودّة عينا ولا أثراً"، ليعلم أن هذا الأسلوب عقيم إلا عن إفساد الألفة.

стр. 27

" إذاَ أَحبَّ أحدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيخبِره" (حديثٌُ شريف)

стр. 28

أنصف المعاتَب؛ وتخيّر له الوقت والأسلوب المناسب . لا أدري لم يحتفظ كثير من الناس بمشاعره تجاه من يحب في نفسه، وقد نبهنا الرسول ﷺ على عدم كتمان شيء من ذلك الشعور، فقال: "إذا أحب أحدكم أخاه فليخبره". (أخرجه أبو داود والترمذي وقال حسن صحيح). هل اغتروا بمن قال: لا تظهرنّ مودة لحبيب ... فترى بعينك منه كل عجيب أظهرت يوماً للحبيب مودتي ... فأخذت من هجرانه بنصيبي مع أن ذلك محمول على الحب الذي تختلجه الشُبَه، كحُبّ كُثير عزّة، ومجنون ليلى، وقيس لُبنى (١)، ومن شاكلهم ونحا نحوهم، وهو بعيد كل البعد عما نحن بصدد حراسته والذود عنه، الحبُّ النّامي في مندوحَةِ الشّرف، المُحتَمَلُ مآلهُ إلى الغُرف، إذْ لا يفيده الكتمان، ولا يصونه الامتنان. (٢)

стр. 29

إنّ إظهار مشاعر الحب للآخرين مما يساعد في حل الأزمات الاجتماعية على كافّة الأصعدة، فياليت شعري كيف اغتالت الأعرابيّة الجلفة هذه الحاجة الفطرية للتعايش والتكامل حتى أصبحَ القائلُ: (إني أُحبّك)، مجرما في حق الرجولة، منتهكاً لحرمة التقاليد والأعراف، وكأنّ محمداً ﷺ لم يقلها يوماً لمعاذ وغيره! ولو أنّ المتمثل بالمقولة الشائعة: "لا يعاتبك إلاّ من يحبك" أنصف حبيبه بإظهار مشاعره تجاهه، إذاً لما رأينا من العتاب ما يستحق الذم، وهذا الأسلوب هو الأسلوب الشرعي الذي له أصل من السنة المطهرة كما جاء في الحديث. وأمّا الوقت المناسب فبابه واسع، غير أنّه لا بد من تجنّب المعاتبة حال مواقعة الذنب، أو مسايرة الصحب، ووقت المساء أنسب من وقت الصباح، وساعة العشاء

стр. 30

أنسب من ساعة العصر، وربما تفاوتت الأوقات بحسب الظروف والأشخاص. كما يحسن - بل يوشك أن يجب - على المعاتِب أن لا يلجأ إلى عتاب الصديق إذا ما كان في ضيق من الوقت أو خطبٍ ملمٍ، فإن ذلك طوفانٌ هادم وسيلٌ جرّارٌ يقتلع شجرة الودّ من أصولها، وربما أفسد كل أرض خصبة تصلح لإعادة النماء، قال الأوّل: خليليّ لو كان الزمان مسالمي ... وعاتبتماني لم يضق عنكما صدري فأمّا إذا كان الزمان محاربي ... فلا تجمعا أن تؤذياني مع الدهر وباعتبار أحسن الأحوال فإنه سيجيبك كما قال هذا: أتاني عتاب لم أسغهُ وإن حلا ... وَكل لَذيذ لا مساغَ لَهُ مُر وفي الأسلوب تفصيل؛ فعتاب الكتاب أقرب للقبول، والإشارة بالفعل أنسب من القول، والهدية تجعل طريقك للعتْب مريح، والتلميح أنجع من التصريح، قال ابن مشرف السني في نغمة الأغاني: حافظ على الصديقِ ... في الوسع والمضيقِ وإن تردْ عتابهمْ ... فلا تُسئْ خطابهمْ عاتبْ أخاك الجاني ... بالبرِّ والإحسان وأحسن العتابِ ... ما كان في كتابِ

стр. 31

والعتْبُ بالمُشافَهة ... ضرْبٌ منَ المُسافهة ومتى جعلتَ الآخرين يتوّصلون إلى فكرتك، فمن ثم يتبين للمخطئ خطأه بالتلميح، فإن ذلك أبلغ في قبول العتاب، وأدعى إلى ترك الخطأ بالاجتناب، وكذلك فإنه مؤذن بتعجيل الاعتذار وطلب العفو. يُذكر أن رجلاً في الهند كان يعادي إمام الدعوة محمد بن عبد الوهاب عداءاً شديداً، ويحارب كتبه ومؤلفاته ويحذر منها، فاحتال أحد الفضلاء حيلة، غيّر بها اسم الشيخ من: محمد بن عبد الوهاب، إلى: محمد بن سليمان التميمي! وأهدى جملة كتب الشيخ لهذا العالم الهندي فلمّا قرأها أعجب بها، ووجدت في قلبه قبولاً وأثراً حسناً؛ فأعلمه هذه الحكيم أن هذه الكتب من مؤلفات محمد بن عبد الوهاب، فما كان من هذا العالم الهندي إلا أن جثا على ركبتيه من البكاء والحسرة والألم على ما كان منه من عداء للإمام، فصار من أكثر الناس دعوة وتوزيعا ونشرا لكتبه في محيطه. وقد وقعت بين يديّ حكاية تصلح لبعض ما ذكرناه من الأساليب المفيدة من الإشارة وتقديم الهديّة والكتابة، وهي ما حكاه ابن كثير وغيره من المؤرخيّن:

стр. 32

أنّ ابن الزبير كان له مزرعةٌ في المدينة، ولمعاوية مزرعة بجانب مزرعته، فدخل عمّال معاوية على مزرعة ابن الزبير، فغضب وكتب رسالة إلى معاوية يقول فيها: (يا ابن آكلة الأكباد! إمّا أنْ تمنع عمّالك من دخول مزرعتي أو ليكوننّ لي ولك شأن). فقرأ معاوية الرسالة، وإذا هي حارّة من رجل من الرعيّة وهو الملك. فقال لابنه يزيد: ماذا ترى؟ قال يزيد: أرى أنْ ترسل له جيشاً أوّله في المدينة وآخره عندك، حتى يأتوا لك برأسه. قال: بل أقرب من ذلك صلةً، وأقرب رحماً، فكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم .. من معاوية بن أبي سفيان إلى ابن حواريّ الرسول ﷺ وابن ذات النطاقين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أمّا بعد؛ فوالله الذي لا إله إلا هو، لو كانت الدنيا بيني وبينك لهانت عليّ، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ عمّالي إلى عمّالك، ومزرعتي إلى مزرعتك). فلما قرأها ابن الزبير، بكى حتى بلّها بالدموع، وسار من ساعته إلى دمشق فقبّل رأس معاوية، وقال: لا

стр. 33

أعدمك الله عقلاً أحلّك من قريش هذا المحلّ. فرحم الله معاوية ما كان أحكَمه وأحلَمه. ومما يحسن الإشارة إليه هاهنا، ونحن في سياق الحديث عن الأسلوب الأنسب للعتاب؛ التحذير من الإلحاح ومجاوزة الحد وإلقاء التهمة، فإنّ ذلك يضّر بالصديق ولا يجدي له شيئا، وفي الأوّل يقول ابن زُرَيق البغدادي في قصيدته اليتيمة: جاوزتِ في لوْمِهِ حدّاً أضرّ به ... من حيث قدّرت أنّ اللّومَ ينفعهُ ومنه قول المتنبي في مرثيّته: ويزيدني غضب الأعادي قسوة ... ويلمّ بي عتب الصديق فأجزع أمّا توجيه التهمة إذا صاحبه عنف في الخطاب، ونبرةٌ حادّة في الصوت، فهو عين العتَب المذموم، ولربّما اضطره ذلك إلى تبرِئتِ نفسه فيقابل الحجر بالحجر، لتشتعل شرارة اللوم مضرمةً النار في وقود الكبرياء، فتتصعّد القضية وتوغر في صدره، ويتعسر حينها إطفاء الحريق.

стр. 34

"ما كان الرّفْقُ في شيءٍ إلاّ زانه، ولا نُزِعَ من شيءٍ إلاّ شانَه" (حدِيثٌ شَريف)

стр. 35

عليك بالرفق جاء عن أنس بن مالك في الصحيحين أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنّ الله رفيقٌ يحبُّ الرّفق". وعنه عند مسلم: "ما كان الرّفْقُ في شيءٍ إلاّ زانه، ولا نُزِعَ من شيءٍ إلاّ شانَه". وفي حادثة الأعرابي الذي بال في مسجد رسول الله معتبر ومدّكر؛ حيثُ يَدْخُل ذلك الأعرابيّ إلى المسجد والصحابة جلوسٌ حول رسول الله ﷺ ، فحسر الأعرابي حسراً شديداً حتى أنه بال في ناحية من المسجد! فستشاطّ غضبُ الصحابة وهرعوا إليه يزجرونه ورسول الله ﷺ ينهاهم عن فعلهم هذا، فلما فرغ من حاجته، ناداه فقال له: "يا هذا إن المساجد ما بنيت لهذا" كلمات لطيفة تخرج في رحمة وإشفاق تلامس شِغَافَ رجُلِ البادية، فيرفرفُ قلبُه حبُوراً لها، ويقول في ذهول: "اللهم ارحمني ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا". لطالما أحاطت الندامة بصديقين خاضا غمار الحياة يجدفان على قارب الحبّ بمجاديف الوفاء والإخاء، وفي لحظة غضب تثور عاصفة المشاحنة وتهدر أمواج اللوم ويعظم الخطب بالقارب الجميل ليخرج عن المسار الصحيح ويرتطم بصخرة الخصومة غارقاً في

стр. 36

ظلمات القطيعة والجفاء! إنّ المجازفة في الإنسان سمة فطريّة، والاحتراس والتّأني عارضان، والله تعالى يقولُ: ﴿إنّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلى السمَوَتِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَها وَأشفَقنَ مِنها وَحَمَلَها الإِنسَنُ إِنّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ الأحزاب (٧٢). فالمجازفة ظلمٌ وجَهالةٌ، وأيّ شيءٍ أظلمُ وأجهلُ من المجازفة بالصّديق؟! - أما مرساة الرفق والاحتراس فحريّة بالاستعمال في مثل هذه الظروف وإلا أكلها الصدأ! يحكى أن إحدى السيدات ذهبت إلى صديقاتها في بعض مناسباتهن، وطلبت من زوجها أن يأتيها في موعد محدد، فتأخر عليها الزوج، حتى لم يبق أحد من الزائرات سواها، وأصبحت تشعر بالخجل من ذلك التأخر لما ترى على قسمات المضيفة من الإرهاق والتعب والمجاملة في تحمّلها، فلما عاد الزوج وانطلق بالسيارة قافلا إلى المنزل وقد أوشكت المرأة على البكاء من الخجل جرّاء ذلك الموقف، وهي تراود نفسها في البدء بالوابل الحارق من عبارات اللوم والعتاب على الزوج، بادرها قائلا: إنّي أمضيت الوقت كلّه في البحث عن الجهاز الذي طلبته منّي قبل فترة،

стр. 37

ولم أدع محلاً ولا بائعاً إلا سألت فيه عن ذلك الجهاز، ألم تلحظيه في المقعد الخلفي!؟ فعلمت الزوجة أن العتاب في هذا الموقف ليس له وجه من المناسبة، وقررت إظهار الفرح بصنيعه وشكره على إحسانه، ولك أن تتخيل لو أنها انقضت عليه بمخالب اللوم وأنياب العتاب، كيف ستنقلب العاقبة؟ أطفئ الغضب ! عن أبي هريرة ﵁ أنّ رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني، فقال: "لا تغضب، فردد مراراً فقال: لا تغضب") (١) (- (رواه البخاري). شكراً لك يا صديقي! طلب مني أحد الأصدقاء مساعدته للتخلص من هذه العادة السيئة، وكلنا ذاك الصديق نرغب في طرد الغضب) (٢) (، - حتى أشرس الرجال غضباً يستعمل

стр. 38

المسكنات الطبية من أجل ذلك - ولقد جعلني هذا الطلب من ذلك الصديق أتنبه لضرورة إطفاء الغضب حال معاتبة الأصدقاء، فشكرا لك يا صديقي؛ ولا يعزب عنك مثقال ذرّة التفكّر في آثار الغضب الضارية بالنفس والجسد، والندامة الموالية لتصرفات الغضوب، حتى لقد اعتبرها الفقهاء من قبيل تصرفات المخمورين والمجانين، ولك أن تقول: هو الجنون الأصغر! وإذا ما علمت أن الرفق الذي نتحدث عنه، هو طرد الغضب في بعض معانيه، وجب عليك دفعه بالوسائل المتاحة لك، ومنها: ١. التعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إذا اعترتك من موجة الغضب فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فعن سليمان بن صُرد قال: استبّ رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمرّ وجهه، فقال ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: "أعوذ بالله كم الشيطان الرجيم" - (متفق عليه). ٢. الجلوس أو الاضطجاع: روي عن أبي ذر ﵁ أنه كان يسقي على حوض له فجاء رجل يرد الحوض فدقه، وكان أبو ذر قائماً فجلس، ثم اضطجع، فقيل له:

стр. 39

يا أبا ذر لم جلست ثم اضطجعت؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: "إذا غضب أحدكم وهو قائِم، فليَجلِس، فإن ذهب عنه الغضَب، وإلا فَليَضطَجِع" - (سلسلة الأحاديث الضعيفة: الألباني). ٣. الوضوء: فعن عطية السعدي ﵁ قال: "إن الغَضَبَ من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النّار وإنما تطفَأُ النّار بالماء، فإذا غَضِبَ أحدُكم فليتوضأ" - (أخرجه أبو داود). فهذه أربعة (١) وسائل تساعدك على التكيف مع حالة الغضب، ثم أرجو أن لا تغترّ بمن يزعم أن الغضب حالةٌ نفسيةٌ طَبَعِيّة لا مناص للهروب منها، فإن ذلك لو لم يكن ممكناً لما أمر به الرسول ﷺ فقال: "لا تغضب"، وقد تقرر لدينا أن الشريعة لا تكلف بما لا يطاق، وعلى كل حال؛ عندما تكون غاضباً حاول أن لا تعاتب من أغضبك، لأنك ولا ريب ستتحول إلى المعنى الأول من العتاب (٢) وربما تخسر النزال.

стр. 40

وأحْلى العَتْب يَصْدرُ مِنْ حَبِيبٍ ... "ويبْقى الودُّ ما بَقِيَ العِتَابُ" (الأدِيب الوالد محمّد أبونصيّة)
следующие страницы →