← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 36074

العتاب بين الأصدقاء

أبو نصية التميمي

Полный текст (85 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ظلمات القطيعة والجفاء! إنّ المجازفة في الإنسان سمة فطريّة، والاحتراس والتّأني عارضان، والله تعالى يقولُ: ﴿إنّا عَرَضنَا الأَمَانَةَ عَلى السمَوَتِ وَالأَرضِ وَالجِبَالِ فَأَبَينَ أَن يَحمِلنَها وَأشفَقنَ مِنها وَحَمَلَها الإِنسَنُ إِنّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ الأحزاب (٧٢). فالمجازفة ظلمٌ وجَهالةٌ، وأيّ شيءٍ أظلمُ وأجهلُ من المجازفة بالصّديق؟! - أما مرساة الرفق والاحتراس فحريّة بالاستعمال في مثل هذه الظروف وإلا أكلها الصدأ! يحكى أن إحدى السيدات ذهبت إلى صديقاتها في بعض مناسباتهن، وطلبت من زوجها أن يأتيها في موعد محدد، فتأخر عليها الزوج، حتى لم يبق أحد من الزائرات سواها، وأصبحت تشعر بالخجل من ذلك التأخر لما ترى على قسمات المضيفة من الإرهاق والتعب والمجاملة في تحمّلها، فلما عاد الزوج وانطلق بالسيارة قافلا إلى المنزل وقد أوشكت المرأة على البكاء من الخجل جرّاء ذلك الموقف، وهي تراود نفسها في البدء بالوابل الحارق من عبارات اللوم والعتاب على الزوج، بادرها قائلا: إنّي أمضيت الوقت كلّه في البحث عن الجهاز الذي طلبته منّي قبل فترة،

стр. 37

ولم أدع محلاً ولا بائعاً إلا سألت فيه عن ذلك الجهاز، ألم تلحظيه في المقعد الخلفي!؟ فعلمت الزوجة أن العتاب في هذا الموقف ليس له وجه من المناسبة، وقررت إظهار الفرح بصنيعه وشكره على إحسانه، ولك أن تتخيل لو أنها انقضت عليه بمخالب اللوم وأنياب العتاب، كيف ستنقلب العاقبة؟ أطفئ الغضب ! عن أبي هريرة ﵁ أنّ رجلاً قال للنبي ﷺ : أوصني، فقال: "لا تغضب، فردد مراراً فقال: لا تغضب") (١) (- (رواه البخاري). شكراً لك يا صديقي! طلب مني أحد الأصدقاء مساعدته للتخلص من هذه العادة السيئة، وكلنا ذاك الصديق نرغب في طرد الغضب) (٢) (، - حتى أشرس الرجال غضباً يستعمل

стр. 38

المسكنات الطبية من أجل ذلك - ولقد جعلني هذا الطلب من ذلك الصديق أتنبه لضرورة إطفاء الغضب حال معاتبة الأصدقاء، فشكرا لك يا صديقي؛ ولا يعزب عنك مثقال ذرّة التفكّر في آثار الغضب الضارية بالنفس والجسد، والندامة الموالية لتصرفات الغضوب، حتى لقد اعتبرها الفقهاء من قبيل تصرفات المخمورين والمجانين، ولك أن تقول: هو الجنون الأصغر! وإذا ما علمت أن الرفق الذي نتحدث عنه، هو طرد الغضب في بعض معانيه، وجب عليك دفعه بالوسائل المتاحة لك، ومنها: ١. التعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إذا اعترتك من موجة الغضب فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فعن سليمان بن صُرد قال: استبّ رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمرّ وجهه، فقال ﷺ : "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: "أعوذ بالله كم الشيطان الرجيم" - (متفق عليه). ٢. الجلوس أو الاضطجاع: روي عن أبي ذر ﵁ أنه كان يسقي على حوض له فجاء رجل يرد الحوض فدقه، وكان أبو ذر قائماً فجلس، ثم اضطجع، فقيل له:

стр. 39

يا أبا ذر لم جلست ثم اضطجعت؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال لنا: "إذا غضب أحدكم وهو قائِم، فليَجلِس، فإن ذهب عنه الغضَب، وإلا فَليَضطَجِع" - (سلسلة الأحاديث الضعيفة: الألباني). ٣. الوضوء: فعن عطية السعدي ﵁ قال: "إن الغَضَبَ من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النّار وإنما تطفَأُ النّار بالماء، فإذا غَضِبَ أحدُكم فليتوضأ" - (أخرجه أبو داود). فهذه أربعة (١) وسائل تساعدك على التكيف مع حالة الغضب، ثم أرجو أن لا تغترّ بمن يزعم أن الغضب حالةٌ نفسيةٌ طَبَعِيّة لا مناص للهروب منها، فإن ذلك لو لم يكن ممكناً لما أمر به الرسول ﷺ فقال: "لا تغضب"، وقد تقرر لدينا أن الشريعة لا تكلف بما لا يطاق، وعلى كل حال؛ عندما تكون غاضباً حاول أن لا تعاتب من أغضبك، لأنك ولا ريب ستتحول إلى المعنى الأول من العتاب (٢) وربما تخسر النزال.

стр. 40

وأحْلى العَتْب يَصْدرُ مِنْ حَبِيبٍ ... "ويبْقى الودُّ ما بَقِيَ العِتَابُ" (الأدِيب الوالد محمّد أبونصيّة)

стр. 41

استعطاف المعاتب . "إذا جاءتك خادم المطعم تحمل صحناً من البطاطس المسلوقة وكنت قد طلبت بطاطس محمرة، فقل لها: (آسف إذا أزعجتك، ولكني أُفضّل البطاطس المحمرة على الطريقة الفرنسية) فستجيب: (لا إزعاج إطلاقاً) وستسرّ بخدمتك لأنك أظهرت احتراماً لها". (ديل كارنيجي: كيف تكسب الأصدقاء) إنّ من الجفاء أن لا يمتزج بالمعاتبة تهللٌ بادئ اللقاء، أو دعابة في المنطق وتجمّلٌ بالثناء، وغير ذلك مما يبهج الصديق، ويدفع الضيق، ويمهد الطريق، وفي خبر عتاب رسول الله ﷺ للأنصار الذي سنورده في آخر الباب، تصويرٌ لأثر ما أشرنا إليه. وكنت إذا استبطأت ودّك زرته ... بتفويف شعر كالرداء المحبّر عتابٌ بأطراف القوافي كأنّه ... طِعانٌ بأطراف القنا المتكسّر (البحتري) حدّثني والدي عن بعض مواقفه مع أخيه الشيخ عبد الله أبونصيّة لمّا كان مشرفاً على النشاط الطلاّبي في إحدى المدارس الابتدائية، فقد حصدت المدرسة جوائز متتالية من الأنشطة لعدّة سنوات، وفي أحد المواسم

стр. 42

قررت اللجنة - التي يتصدّرها والدي - حجب مشاركة المدرسة مما أحدث أثرةً في مدير المدرسة ومعلّميها وطلاّبها، وقد عرضت المدرسة استنكارها وعتابها على ذلكم الصنيع في فقرة مسرحيّة تخللت حفل نهاية العام الدراسي، فاستأذن أبي في المشاركة وأجابهم على منبر الحفل بأبيات كان مطلعها: حنانكِ أمّنا وضَحَ الصوابُ ... وعفوكِ إنّهُ انْقشَعَ الضَبَابُ فتَحْتِ الصَدْرَ أعْواماً عِجافاً ... فذلّ لنا منَ العلمِ الصعابُ وفيها: عِتابكم هو الشَهْدُ المصفّى ... وبعضُ العتْبِ مهْلَكَةٌ وصابُ وأحلى العتْب يصدر من حبيبٍ ... "ويبقى الودُّ ما بقيَ العِتَابُ" * * * لئنْ حُجبَتْ مساهَمَةٌ لعَمْري ... سماءُ الله يحْجُبها سحابُ وتلك الغادةُ الحسْناء يدنو ... لها الخطّابُ والأدبُ الحجابُ فهذا عتاب لطيف استوجب جواباً حسناً، عادت به المياه إلى مجاريها، والقلوب إلى تصافيها، بل وأحسن وزيادة، وهكذا العواطف حينما تتحرك في جوانح النفوس الكريمة، يأسرها التلطف ويستميلها التودد، من أجل ذلك تدرك عناية الشريعة بحسن التعامل مع الآخرين.

стр. 43

إن أساليب الاستعطاف لا تكاد تحصى، وإن كنت أعرض عليك قواعد عامة تخلُق العطف في مشيمة الصداقة، إلا أني سأذكر لك مثالاً واحداً ربما غفل عنه الكثيرون أو ظنوه غير مجدٍ وهو عظيم الجدوى، جرب مرّة أن تنادي صديقك نداء استعطاف باسمٍ خلاف الذي اعتاده منك كأن تنادي: (أبا محمد) بصريح اسمه: (عليّ) من المؤكد أن ذلك سيثير اهتمامه ولابد أن يكون تأثيره مذهلاً. تحدث للقلوب: إن للقسوة موروث بغيض على القلب، ثقيل على النفس، يتأبطه الصديق فيحرج به الآخرين، وقد انطبعت تلك القسوة وإرثها على أعراب الصحراء القاسية تكيفاً غير مجذوذ، حتى جاء الإسلامُ يجذ كل بذاءة، ويتلف كل رذيله، ويتمم مكار الأخلاق، فكان مماحض عليه الهدوءَ واللين، ففي الحديث الذي في الصحيحين: "كل سلامى من الناس عليه صدقة ... " قال: "والكلمة الطيبة صدقة"، وقد تعلم الصحابةُ هذا الدرس التربوي فكانوا: ﴿رحماء بنيهم﴾ الفتح: (٢٩). إلاّ أن أحسن الأحوال أن يستغنى في التسامح عن الكلام فـ"تبسمك في وجه أخيك صدقة"، وكم اختصرت

стр. 44

الابتسامات كثيراً من العبارات! يغفل كثير من الناس عن محاسن هذا الهدي النبوي فيفعل بالأصدقاء فعل الحميم في الصيف والجليد في الشتاء - من العبوس والحدّة والأنَفة، أما البِشرُ والبشاشة فهما الربيع بذاته - وتعلم يا محبّ كيف يفعل الربيع! قال الأستاذ الخضر ﵀: ومما يدلك على أنّ صداقة صاحبك قد تنبت في صدر سليم؛ أن يجد في نفسه ما يدعوه إلى عتابك، حتى إذا لقيته بقلبك النقي، وجبينك الطلق، ذهب كل ما في نفسه، ولم يجد للعتاب داعيا، قال أحد الأدباء: أزورُ مُحمّداً فإذا التقينا ... تكلّمَتِ الضّمَائِرُ في الصّدورِ فأرجعُ لمْ ألمْهُ ولمْ يلمْني ... وقدْ رضِيَ الضَميرُ عن الضميرِ"

стр. 45

"أُعَاتِبُ من يحلو بِقَلْبي عِتابُه ... وأترُكُ من لا أشتَهي لا أُعَاتِبُه" (عبيد الله بن الطاهر)

стр. 46

العتاب للخاصّة . "عاتب من ترجو رجوعه". (الأصمعي) لم يزل الناس منذ أن عرف الناسُ الناسَ، يصطفي أحدهم من الآخرين أصدقاء يحفظون عليه حاجتهُ إلى المدنية، ومتى كان صديق الفضيلة فاضلاً؟ إلا أن تختصَه عن غيره بمزيد ودّ وتقدير واحترام، يشعر حينها بأفضليته ويبادلك الشعور الذي يعز له النظير، وهؤلاء هم الخاصة المعنيون بالرسالة، المستحقون للعتاب الإيجابي، أما من سواهم فلن يزيدهم العتاب إلاّ فراراً: وقد أدرك هذا المعنى الشاعر الساخر إبراهيم المازني فقال: خليلي ما يغني العتاب إذا انطوى ... على البغض قلبٌ كالزمان حؤول إذا لم يكن صدقي الوداد بنافعي ... فكل مقالات العتاب فضول لم تزل العامة تقول: (غلطة الشاطر بعشر) أي تعادل عشر أغلاط من غيره، والذي يستدعي العتاب فيما بين الأصدقاء هي تلك الغلطة التي تصدر من الشاطر! أما من استربت ودّهُ لحداثة العهد بالصداقة أو غيرها، فعتابه ومن شاكله معدود من البوائق العائدة على صاحبها بالوكسة، والملول من جنس ذلك، قال ابن الروميّ:

стр. 47

إذا أنت عاتبت الملول فإنما ... تخط على صحف من الماء أحرفاً وهبه ارعوى بعد العتاب ألم تكن ... مودته طبعاً فصارت تكلّفا وعلى ذلك يحمل قول منصور النَّمرريّ: أقلل عتاب من استربت بوده ... ليست تنال مودة بعتاب

стр. 48

ظَواهِرُ العَتْبِ لْلإخْوانِ أَحْسَنُ مِنْ ... بواطِنِ الحِقْدِ في التّسْدِيدِ للْخَلَلِ (اِبْنُ المُقرِي)

стр. 49

الخطورة في كتمان العتاب . عتابي أخي في كلّ ذنبٍ أتى به ... مخُوفٌ على حال الأخوّة في الودّ ولست أرى وجهاً لترك عتابه ... على ما جنى إذْ كان خيراً من الحقدِ (ابن وكيع) وربما وجد المرء في نفسه ما لا بد منه على صديقه، فأحسن أحوال العتاب، صيانة الحال من أن يجري فيها شيء من الاختلال، وأي اختلال في المودة يكون بعد كتمان العتاب عن ما لا بد منه؟! بل العتاب حينئذٍ دليلٌ على صدق الأخوة، ومتانة الصلة، وهذا خطْبٌ مُريع في دار الأخوّة، وطبق من ضريع على مائدة الصداقة، لا دواء له ولا شفاء منه إلاّ بالمُكاشفة والمُصارحة بما يحوم في مكنون الضمير، فإن امتنع المُصَابُ عن شرْبِ الدّواء، انتشر الدّاء، وكان الموت الزؤام. قال بعضهم: "الصبر على مضَضِ الأخ خيرٌ من معاتبته، والمعاتبة خيرٌ منَ القطيعة، والقطيعة خيرٌ منَ الوقيعة". وقال آخر: "ظاهر العتاب خير من مكنون الحقد". وعلى هذا المعنى يصدق قول محمد بن داود: "من

стр. 50

لم يعاتب على الزلّة، فليس بحافظٍ للخلة". وقد وقع لي من بعض من أحبّ، أنْ اتُهمْتُ عنده بذنب ما قارفتُه طرفة عين، فحام ذلك في نفسه طويلاً، حتى صرت حديث سوء على لسانه، وجانياً بما لم أقارفه لسوء ظنه وعمى إمعانه، ولو أنّه توجّه إليّ بالعتاب والملامة، لأبصرته الحقيقة بابتسامة، فزال الدّاء واتّصَلَ الرّجَاء وعمّ الهَناء، "ففي العتاب حياة بين أقوام"، ولكنّه التجليح وركوب الرأس، منّ الله علينا بالعافية: ظواهر العتب للإخوان أحسن من ... بواطن الحقد في التسديد للخلل (ابن المُقَري) ومثله أو أجودَ منه للمتنبي: لعلّ عتبك محمودٌ عواقبه ... وربّما صحّت الأجساد بالعللِ وقال آخر: ترك العتاب إذا استحق أخٌ ... منك العتاب ذريعة الهجران! "معاتبة الأخ خيرٌ من فقده، ومن لك بأخيك كلّه؟ " (أبو الدرداء ﵁) فربما كان في العتاب كشف للبسٍ جرى بين الصديقين، وهذا لا سبيل إلى معرفته إلا بمثل ما أشرنا

стр. 51

إليه من المعاتبة والمحاورة، ومن ذلك أنه لمّا قدم معاوية المدينة سنة تسع وخمسين، عزل مروان بن الحكم وحجبه، ثم أذن له فقال: يا أمير المؤمنين لم عزلتني وحجبتني؟ قال عزلتك أنّي رأيتك تخطرفت فوق ما أردت بك، وقد شكت رملة بنت أمير المؤمنين أنّك ضلعت عليها مع زوجها عمرو بن عثمان أن كان أقرب إليك منها بأبٍ، وظننتُ أن ذلك لشيء تسرّه في نفسك وتصنع له، وحجبتك لأني أردت أن أغضب عليك لئلا تغضب علي. قال مروان: أمّا ما زعمت أني تخطرفت فوق ما أردت بي، فوالله لو جهدت ما بلغت الذي أردت بي. وأمّا رملةُ فإنها أرادت أن تأخذ بقدر فضلها على زوجها، فعلمت أن ذلك فراق بينهما، فقصرتها على الحق، فلم تره يلزمها، والله لقد بذلت العدل بالحجاز حتى من نفسي، فكيف أضلع على بنت أمير المؤمنين؟ قال معاوية: ما أراك إلاّ صادقاً، فدع هذا اليوم فليذهب بعتابه، فإنّ لك يوماً لا عتاب فيه. ولك أن تتخيل لو أنّ أمير المؤمنين حجب مروان بن الحكم ولم يأذن له بالدخول، إذاً؛ لتهدمت أواصر

стр. 52

القرابة بينهما، ولسَخِطَ لسَخَطِ ابن الحكم أقوامٌ ما كان يغني أمير المؤمنين سخطهم، فالعتاب باب خير إن شاء الله، متى ما أحسن استعماله جيداً.

стр. 53

"ومِمْا يَنبَغي عَلَيكَ؛ أَن تُحسِنَ جَوابَ العِتابِ بالإيابِ وَعدَمِ التّعَسّفِ والتّأجِيل، فَمَن حَالُه كَهذا لا يُؤمَنُ علَيه مِثلُ عَاقِبَةِ صَاحِبِ الحْيص بيص إذ يَقولُ فيه: وجوهٌ لا يُحَمِّرُها عِتابٌ ... جديرٌ أنْ تُصَفَّرَ بالصَّغارِ فما دانَ اللِّئامُ لغير بأسٍ ... ولا لانَ الحديدُ بغيرِ نار" (أبوهِلالٍ العَسْكَرِيّ)

стр. 54

متى تعلم بأنك نجحت في عتابك ؟ احتجتُ مرّةً إلى أحد الأصدقاء كي يسعفني في صيانة بعض الأجهزة الالكترونية، ثمّ إني تأخرت في استعادتها بعد تمام الصيانة مما دعاه إلى الاتصال بي ليقول بكلّ حدّة: "إن لم تحضر الآن لاستلامها فسأمنعك من استعادتها لاحقاً"! فمضيت ذاهباً إليه - والله يعلم ما يلمّ بي من ضائقة تمنعني من الحضور في ذلك الوقت - واستعدتها وشكرته، ثمّ أرسلت بعد هنيهة على هاتفه: (إني لا أفهم الغرض المنشود وراء تصرفك بهذه الحدّة؟ ولكن العرب كانت تقول: "إذا عزّ أخوك فهن"! كيف إذاً وأنت أخٌ عزيز، ومسكٌ وإبريز). فلمّا كان من اليوم التالي - اتّصل بي واعتذر عمّا بدر منه بالأمس، وحينها - فقط - علمت بأنّ عتابي قد تكلل بالنجاح. إنّ أبرز نتائج العتاب وأولاها (الاعتذار)، وهل العتاب إلا وسيلة لجلب الاعتذار؟ يطالب كثيرٌ من علماء الاجتماع - وخبراءِ فنونِ التعامل - بعدم إلجاء الآخرين إلى الاعتراف بأخطائهم تجاهنا، وهذه مطالبة تخالف طباع البشر السويّة، فكانوا كمن يتطلب في الماء جذوة اللهب!

стр. 55

والأولى من ذلك، مطالبة المخطئ بسرعة الاعتراف، فإنك عندما تكون مخطئاً وتلاقي صديقك بهذه العبارة: "آسف، لقد أخطأت في حقك" تجده ولابد يجيبك بقوله: "لا عليك، لم يكن ذلك بشيء" وهو - بلا شك - أخف على النفس من توبيخ العتاب، وقد أدرك هذا المعنى أخوة يوسف ﵇ عندما قابلوه بالذنب الذي لا يغتفر - ألقوه في البئر وهو ذلك الطفلُ الصغير - فـ ﴿قَالُواْ تَاللهِ لَقَدءَاثَرَكَ اللهُ عَلَينَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾، ليأتي الجواب سريعاً ومباغتاً وبلا عتاب: ﴿لا تَثرِيبَ عَلَيكُمُ اليَوم﴾! " .. كلّ مغفل يسعه أن يدافع عن أخطائه - ومعظم المغفلين يفعلون! - أمّا أن تسلم بأخطائك فهو سبيلك إلى الارتفاع درجاتٍ فوق الناس والإحساس بالرقي والسمو" (ديل كارنيجي) إنّ الاعتراف بالخطأ فضيلة كبرى، والمطالبة بذلك الاعتراف قوّة فطرية، فلا شيء أدعى إلى الضجر والسخط من إنكار المخطئ لأخطائه الفادحة، ومن أجل ذلك احتجنا للعتاب الذي يؤدي في أصح استعمالاته إلى الاعتراف والاعتذار، فإذا وجدت على أعقاب عتابك أحد هذين المطلبين تكون حينها قد تحققت من النجاح.

стр. 56

"إذا واخَيْتَ أحداً في هذا الزمان فلا تعاتبه على ما تكرهه، فإنّك لا تأمن من أنْ يُرى في جوابه ما هو شرٌّ من الأوّل" (أبوسُلَيْمانِ الدْارانيّ)

стр. 57

كيف يفعل من وقع في العتاب المذموم . قال الكاتب الأستاذ محمد إبراهيم الحمد: "ومن وقع في شدّة العتاب، وإسراف في اللوم، فيحسن به إذا وقع منه ذلك أن يبادر إلى الاعتذار أو الهديّة، وإظهار الأسف والاعتراف بالخطأ، دون أن تأخذه العزّة بالإثم، فما هو إلاّ بشر، وما كان لبشر أن يدّعي أنه لم يفعل إلاّ صوابا". ما يعينك على ترك العتاب المذموم . ومما يعين على ترك المعاتبة، أنْ تتذكّر بأنّك ربما ألجأت الصديق إلى أنْ يواجهك بما هو شرّ مما هو فيه، فيصار لما عرّفه أبو علي اليمامي: صار العتاب يزيدني بعدا ... ويزيد من عاتبته صدّا فقد نقل عن أبي سليمان الداراني أنّه قال لأحمد بن أبي الحواريّ: "إذا واخَيْتَ أحداً في هذا الزمان فلا تعاتبه على ما تكرهه، فإنّك لا تأمن من أنْ يرى في جوابه ما هو شرٌّ من الأوّل"، قال: "فجرّبته فوجدته كذلك". وتذّكر أنّ العتاب غير مأمون العاقبة، وأنّ السلامة في ترك غيرِ ما استثنيناه، وأنّه لربما استحالت الصلة هجراً وحال دون الوصل بعد ذلك الفراق، وفي ذلك

стр. 58

يقول ابن حزم: "وهل هَجَسَ في الأفكار، أو قام في الظنون، أشنع وأوجع من هجر عتاب وقع بين محبّيْن، ثمّ فاجأهم النّوى قبل حلول الصلح وانحلال عقدة الهجران، فقاما إلى الوداع وقد نسي العتاب وجاء ما طمّ على القُوى وأطار الكرى ... إلخ"

стр. 59

"لعمري إنّ فيه - أي العتاب - إذا كان قليلاً للذة، وأمّا إذا تفاقم فهو فألٌ غير محمود، وأمارةٌ وبيئة المصدر، وعلامة السوء، وهي بجملة الأمر مطيّة الهجران، ورائدة الصّريمة، ونتيجة التجنّي، وعنوان الثقل، ورسول الانفصال، وداعية القِلى، ومقدّمة الصدّ، وإنما يُسْتَحْسَنُ إذا لَطُفْ وكان أصله الإشفاق". (ابن حزم)

стр. 60

صورة من العتاب . بل من أرقى صور العتاب، وأمثَلِ أساليب الخطاب، عتابٌ حلو المذاق، بديع السياق، ممزوج بالتأديب المعتدلِ ما بين التأنيب والتطييب، دونك إياه، تحسسه وتأمله، تفهم الدرس بإذن الله. خطبة الرسول ﷺ للأنصار عقب حُنين (المعركة): _ إن غنائم المسلمين التي غنموها في معاركهم مع رسول الله ليست بشيء في مقابل ما غنموه من حُنين وحدها، فلقد كانت تلك المعركة أمراً استثنائياً له حساباته الخاصة. _ وها هو الرسول الأعظم - وهو أعدلُ الناسِ على الإطلاق - يقسم الغنائم فيعطي أبا سفيان بن حرب وابنيه يزيد ومعاوية، وحكيم بن حزام والنضر بن الحارث بن كلدة والعلاء بن حارثة الثقفي والعباس بن مرداس وغيرهم من رجالات قريش والعرب، إلا ذلك الحي من الأنصار لم يكن لهم من القسمة حظوة ولا نصيب! _ إن أفعال الرسول ﷺ وحيٌ يجلّ عن الخطأ والحَيدة، وعندما يظهر لنا أنها على

стр. 61

خلاف الرأي والحكمة، فذلك لقصور مداركنا وعجزها عن استيعاب القرار الحكيم، كما حصل من عمر ﵁ في صلح الحديبية - قبل أن يتبين له وللآخرين أنّ ذلك الصلح هو الفتح المبين-، وهو الذي صدر من نبي الله موسى مع الخضر ﵉ وها هو الآن يتكرر على أعقاب قسمةِ غنائم حنين. _ فلقد وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم لما ما نالهم من القسمة الذي نال غيرهم، فكثرت منهم القالةُ حتى قال قائلهم: لقيَ واللهِ رسولُ الله قومَه، وفي ذلك قال شاعر الإسلام الأوّل حسّان بن ثابت: دعْ عنك شمّاءَ إذْ كانت مودتها ... نزرا وشرّ وصالِ الواصل النزرُ وأت الرسول فقل: يا خير مؤتمن ... للمؤمنين إذا ما عدد البشرُ علام تُدعى سليم وهي نازحة ... قدّام قوم همْ آووا وهم نصروا سمّاهم الله أنصارا بنصرهم ... دين الهدى وعوان الحرب تستعرُ _ إن الأنصار يقدمون في الإسلام على رأس الهرم - واللهُ اختصهم على العالمين ليكونوا شركاءَ في تبليغ الدعوة الإسلامية الخالدة، أفلا يجدوا اليوم في أنفسهم من هذه القسمة شيئا؟! _ دخل سعد بن عبادة على رسول الله صلّى الله

стр. 62

عليه وسلّم، فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمتَ في قومك وأعطيتَ عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة. فخرج سعد وجمع الأنصار، وبعد قليلٍ ستُعقد جلسةُ عتابٍ تاريخيةٍ يتحادث الناس عنها دهراً طويلاً. _ لما اجتمعوا أتى سعدٌ رسول الله مخبراً باجتماع القوم، فأتاهم الرسول ﷺ ، وحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "يا معشر الأنصار، ما قالةٌ بلغتني عنكم، وجدَةٌ وجدّتموها عليّ في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلاّلاً فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداءَ فألّف الله بين قلوبكم"؟ قالوا: "بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل". قال: "ألا تجيبونني يا معشر الأنصار"؟

стр. 63

قالوا: "بم نجيبك يا رسول الله، للهِ ولرسوله المن والفضل". قال ﷺ : "أما والله لو شئتم لقلتم، فلصَدَقتم ولصُدّقتم: أتيتنا مكذَّباً فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك؛ أَوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصارِ في أنفسكم على لِعَاعَةٍ من الدنيا تألّفتُ بها قوماً لِيُسْلِموا (١)، ووكلتُكُمْ إلى إسلامكم. ألا ترضَون يا معشَرَ الأنصار، أن يذهبَ الناسُ بالشّاةِ والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم؟ فو الذي نفسُ محمّدٍ بيده لولا الهجرة لكنتُ امرءً منَ الأنصار، ولو سلَكَ الناسُ شعباً وسلكت الأنصار شعباً، لسلكت شعب الأنصار.

стр. 64

اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار". لقد كانت الأنصار أبرّ وأوفى من أن يجدوا في أنفسهم شيئاً على تلك اللعاعة، فلا عجب إذاً إذا بكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: "رضينا برسول الله قسماً وحظاً".

стр. 65

الصداقة بقلم العلامة محمد الخضر حسين ﵀ - عاطفة سامية القدر، غزيرة الفائدة، تلك هي الصداقة، والشارع رغب في أن تكون المعاملة بين المسلمين معاملة الصديق للصديق، ألا ترونه كيف أمر المسلم بأن يحب لأخيه المسلم ما يحبه لنفسه،؟ بل استحب للمسلم أن يؤثر أخاه المسلم وإن كان به حاجة، وذلك أقصى ما يفعله الصديق مع صديقه. هذا الأدب الإسلامي نبهني لأن أتحدث إليكم في هذه الليلة عن الصداقة: ما هي الصداقة ؟ المحبة إما أن تكون للمنفعة، وإما أن تكون للذة، وإما أن تكون للفضيلة، وقد يطلق على كل واحد من هذه الأقسام الثلاثة اسم الصداقة. صداقة المنفعة: هي أن يحب الإنسان شخصاً لما يناله منه من منافع، وشأنُ هذه الصداقة أن تبقى معقودة بين الشخصين ما دامت المنافع جارية، فإن انقطعت المنافع انقطعت هذه الصداقة. صداقة اللذة: هي المحبة التي تثيرها الشهوة، وقد تشتد فتسمى عشقاً، وشأن هذه الصداقة - أيضاً - أن تنقطع عندما

стр. 66

تنصرف النفس عن اللذة التي بعثتها. صداقة الفضيلة: هي المحبة التي يكون باعثُها اعتقادُ كلٍّ من الشخصين أن صاحبه على جانب من كمال النفس، وهذه هي الصداقة التي يهمنا الحديث عنها في هذا المقام. الصداقة فضيلة: ليست صداقة المنفعة ولا صداقة اللذة بمعدودة في خصال الشرف، وإنما الذي يصح أن يعد خصلة شريفة هو الصداقة التي يبعثها في نفسك مجردُ اعتقادِ أن صاحبك يتحلى بخلق كريم. وهذه الصداقة تشبه سائر الفضائل في رسوخها في النفس، وإيتائها ثمراً طيباً في كل حين، وهي التي توجد من الجبان شجاعة، ومن البخيل سخاءً؛ فالجبان قد تدفعه قوة الصداقة إلى أن يخوض في خطر؛ ليحمي صديقه من نكبة، والبخيل قد تدفعه قو ة الصداقة إلى أن يبذل جانباً من ماله لإنقاذ صديقه من شدة؛ فالصداقة المتينة لا تحل في نفس إلا هذبت أخلاقها الذميمة؛ فالمتكبر تنزل به الصداقة إلى أن يتواضع لأصدقائه، وسريع الغضب تضع الصداقة في نفسه شيئاً من كظم الغيظ، ويجلس لأصدقائه في حلم وأناة، وربما اعتاد التواضع والحلم، فيصير بعدُ متواضعاً حليماً. والفضل

стр. 67

في خروجه من رذيلتي الكبر وطيش الغضب عائد إلى الصداقة. وإن شئت فقل: إن حب الشخص لك لفضيلتك علامة على كمال أصل خلقه؛ فإنك لا ترجو من شخص أن يحبك لفضيلتك إلا أن يكون صاحب فضيلة. وليس يعرف لي فضلي ولا أدبي ... إلا امرؤ كان ذا فضل وذا أدب الداعي إلى اتخاذ الأصدقاء: في اتخاذِ صديقٍ حميمٍ لذةٌ روحية يدركها من يَسَّر الله له أن انعقدت بينه وبين رجل من ذوي الأخلاق النبيلة، والآداب العالية مودة، ولا منشأ لهذه اللذة الروحية إلا الشعور بما بينه وبين ذلك الرجل النبيل المهذب من صداقة. وصديق الفضيلة هو الذي يجد في لقاء صديقه ارتياحاً وابتهاجاً، ويعد الوقت الذي يقضيه في الأنس به من أطيب الأوقات التي لا تسمح بها الأيام إلا قليلاً. ثم إن الصداقة - وإن قامت على أساس الفضيلة، ولم يكن للمنفعة أثر في تكوين رابطتها - تستدعي بطبيعتها جلب المنفعة أو دفع الضرر؛ فإنها تبعث الصديق على أن يدفع عن صديقه الأذى بما عنده من قوة، وتهزه لأن يسعده في الشدائد بما أوتي من جاه أو سطوة. ولمثل هذا أوصى بعض الحكماء باتخاذ الأصدقاء

стр. 68

فقال: "أعجز الناس من فرط في طلب الأخوان، وأعجز منه من ضيع من ظفر به منهم". وقال الشاعر الحكيم: لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكن إخوان الثقات الذخائر الاستكثار من الأصدقاء: متى حظي الإنسان بأصدقاء كثيرين فقد ساقت له الأقدار خيراً كثيراً، ففي الصداقة ابتهاج القلب عند لقاء الصديق، وفيها لذة روحية ولو في حال غيبة الصديق، وفيها عون على تخفيف مصائب الحياة. وكذلك أوصى بعض الحكماء ابنه فقال: "يا بني إذا دخلت المصر، فاستكثر من الصديق أما العدو فلا يهمنك". وقال بعض الأدباء: ولن تنفك تُحسد أو تُعادى ... فأكثر ما استطعت من الصديق ومبنى هذه النصيحة على أن شأن حساد الرجل وأعدائه تدبير الوسائل للكيد له، وطَرْقُ كلِّ باب يحتمل أن يكون من ورائه ما يشفي صدورهم؛ فإذا ساعده القدر على أن يُكْثِر من الأصدقاء فقد أكثر من الألسنةِ التي تدحض ما يُرمى به من المزاعم، والأيدي التي تساعده على السلامة من الأذى. علامة الصداقة الفاضلة: ليس من علامة الصداقة الفاضلة أن يقوم لك الرجل مُبْتَدراً، أو يلاقيك باسماً، أو يثني عليك في

стр. 69

وجهك مسهباً ومكرراً؛ فذلك شيء يفعله كثير من الناس مع من يحملون له أشدَّ العداوة والبغضاء، وأصبح كثير منهم يعدونه من الكياسة، ويخادعون به من إذا أسمعوه مدحاً فكأنما سقوه خمراً. وربما استثقلوا من لم يسلك هذه الشعبة من النفاق، ونسبوه إلى جفاء الطبع، وقلة التدرب على الآداب الجارية في هذا العصر. وقد ذكر الأدباء للصداقة الخالصة علامات منها أن يدفع عنك وأنت غائب عنه. قال العتابي: وليس أخي مَنْ ودَّني رأي عينِه ... ولكن أخي من صدَّقْتهُ المغائب ومنها أن تكون مودته في حال استغنائك عنه واحتياجك إليه سواء. قال الأحنف بن قيس: "خير الإخوان من إن استغنيت عنه لم يزدك في المودة، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها". ومنها أن ينهض لكشف الكربة عنك ما استطاع كشفها، لا يحمله على ذلك إلا الوفاء بعهد الصداقة، قال بعضهم في صديق له: وكنت إذا الشدائد أرهقتني ... يقوم لها وأقعد أو أقوم والألمعي يَعْرف الصداقة من نظرات العيون، ويحسها من في أساليب الخطاب، ويلمحها من وراء

стр. 70

أحرف الرسائل: والنفس تدرك من عيني محدثها ... إن كان من حِزْبها أو مِنْ أعَاديها ومن الْمُثُل العالية للصداقة المتينة صداقة الوزير الوليد بن عبد الرحمن بن غانم للوزير هاشم بن عبد العزيز. نقرأ في تاريخ الأندلس أن الوزير هاشماً بعثه السلطان محمد بن عبد الرحمن الأموي على رأس جيش، فوقع هذا الوزير أسيراً في يد العدو، وجرى ذكره يوماً في مجلس السلطان محمد بن عبد الرحمن، فاستقصره السلطان، ونسبه للطيش والعجلة والاستبداد بالرأي، فلم ينطق أحد الحاضرين في الاعتذار عنه بكلمة، ما عدا صديقه الوليد؛ فإنه قال: "أصلح الله - تعالى - الأمير، إنه لم يكن على هاشم التخير في الأمور، ولا الخروج عن المقدور، بل قد استعمل جهده، واستفرغ نصحه، وقضى حق الإقدام، ولم يكن ملاك النصر بيدهِ، فخذله مَنْ وثق به، ونَكَل عنه من كان معه، فلم يزحزح قدمه عن موطن حفاظه، حتى مُلِكَ مقبلاً غير مدبر، ملبياً غير فشل، فجوزي خيراً عن نفسه وسلطانه؛ فإنه لا طريق للملامة عليه، وليس عليه ما جنته الحرب الغشوم. وأيضاً فإنه ما قصد أن يجود بنفسه إلا رضاً للأمير، واجتناباً لسخطه، فإذا كان ما اعتمد فيه الرضا جالب

стр. 71

التقصير، فذلك معدود في سوء الحظ". وقع هذا الاعتذار من السلطان موقع الإعجاب، وشكر للوليد وفاءه لهاشم، وترك تفنيد هاشم، وسعى في تخليصه. ووصل خبر هذا الاعتذار إلى هاشم، فكتب خطاب شكر للوليد ومما يقول في هذا الخطاب: "الصديق من صدقك في الشدة لا في الرخاء، والأخ من ذب عنك في الغيب لا في المشهد، والوفي من وفى لك إذا خانك زمان". ومما جاء في هذا الخطاب من الشعر: أيا ذاكري بالغيب في محفل به ... تَصَامَتَ جَمْعٌ عن جوابٍ به نصري أتتني والبيداءُ بيني وبينها ... رُقَى كلماتٍ خَلَّصَتْني من الأسر لئن قَرَّب الله اللقاء فإنني ... سأجزيك ما لا ينقضي غابر الدهر فكتب إليه الوليد جواباً يقول فيه: "وصلني شكرك على أن قلتُ ما علمتَ، ولم أخرج عن النصح للسلطان بما ذكرته للسلطان من ذلك، والله - تعالى - شاهد على أني أتيت ذلك في مجالس غير المجلس المنقول إلى سيدي، إن خفيت عن المخلوق فما تخفى عن الخالق، ما أردت بها إلا أداء بعض ما اعتقده لك، وكم سهرتَ وأنا نائم، وقمتَ في حقي وأنا قاعد، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً".

стр. 72

الصداقة تقوم على التشابه: لا تنعقد الصداقة الصافية بين شخصين إلا أن يكون بين روحيهما تقارب، وفي آدابهما تشابه، قال عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة: وما يلبث الإِخوان أن يتفرقوا ... إذا لم يُؤلِّف روحُ شكلٍ إلى شكل فإن وجدت صحبة بين بخيل وكريم، أو جبان وشجاع، أو غبي وذكي، أو مهتد ومبتدع - فاعلم أن الصحبة لم تبلغ أن تكون صداقة بالغة، قال الطائي: عصابةٌ جاورتْ آدابُهم أدبي ... فهم وإن فُرِّقُوا في الأرض جيراني أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أبدانُنا بشآم أو خُراسان البعد من صداقة غير الفضلاء: ينبغي للرجل أن يتخير لصداقته الفضلاء من الناس، فهؤلاء هم الذين تجد الصداقة فيهم قلوباً طيبة، فتنبت نباتاً حسناً، وتأتي بثمر لذيذ، قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: عزيزٌ إخائي لا ينال مودتي ... من القوم إلا مسلمٌ كاملُ العقل وقال آخر: وبغضاء التقىِّ أقلُّ ضيراً ... وأسلم من مودة ذي الفسوق وكثيراً ما يقاس الرجل بأصدقائه، فإن رآه الناس يصاحب الفساق والمبتدعين سبق إلى ظنونهم أنه راضٍ عن الابتداع ولا يتحرج من الفسوق. وقد صرح أحد الشعراء بأنه ترك مودة رجل من

стр. 73

أجل أنه يصاحب الأراذل من الناس، فقال: يزهدني في ودك ابن مساحق مودتُك الأرذال دون ذوي الفضل الاحتراس من الصديق: قد يوصي بعض الأدباء بالاحتراس من الصديق، كما قال أحدهم: أما العداة فقد أروك ظنونهم ... وأقصد بسوء ظنونك الإخوانا وأتى على هذا المعنى آخر، وأبدى له وجهاً، هو الخوف من أن ينقلب الصديق إلى عدو، فيكون أدرى بوجه الضرر، فقال: احذر عدوك مرة ... واحذر صديقك ألف مرة فلربما انقلب الصديـ ... ـق فكان أعلم بالمضرة والقول الفصل في هذا أن صديق المنفعة متى عرف الإنسان وجه صداقته كان له أن يحترس منه، ويكون هذا موضع الأشعار التي تنصح بالاحتراس مع الأصدقاء. أما من انعقدت بينك وبينه صداقة الفضيلة، وكنت على يقين من أن هذا وجه صداقتكما - فلا موضع للاحتراس منه. فإن اجتهدت أيها الألمعي رَأْيَك في صداقة شخص، وبدا لك أنها صداقة فضيلة، ثم رأيت منه ما لم تكن تحتسب - فلا يَحْمِلْك هذا الخطأُ في الاجتهاد

стр. 74

على الاحتراس من كل صداقة؛ فإن ما وقع إنما هو أمر نادر، والأمور النادرة لا تتخذ مقياساً في معاملة الأصدقاء، ولا تستدعي أكثر من أن تستعيذ بالله من شرها، ثم تمضي مع أصدقائك الفضلاء في وداعه خلق، وسماحة نفس. هل الصداقة اختيارية ؟ إذا كانت الصداقة الشريفة ترجع إلى محبة الشخص لفضيلته، كانت غير اختيارية؛ لأنها ترتبط بسبب هو الفضيلة. وقد أشار بعض الأدباء إلى أنه لا منة له في الصداقة حتى يستحق عليها الحمد، فكتب إلى صديق له: "إني صادفت منك جوهر نفسي، فأنا غير محمود على الانقياد إليك بغير زمام؛ لأن النفس يتبع بعضها بعضاً". والواقع أن الاختيار يرجع إلى فتح الصدر لها، وربط القلب عليها، والسير في الأقوال والأفعال على مقتضى عاطفتها؛ فإذا حمدت الرجل على صداقته فإنما تحمده على أنْ أَقرَّها في صدره مغتبطاً بها، ثم جرى على ما تستدعيه من نحو المواصلة والمؤانسة. دعوى أن الصداقة الخالصة مفقودة: يزعم بعض الأدباء أن الصداقة الخالصة من كل شائبة مفقودة، ومن هؤلاء من ينفيها من الدنيا بإطلاق

стр. 75

كما قال أبو الجوائز الحسن ابن علي: دعِ الناسَ طرَّاً واصرف الودَّ عنهمُ ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح ولا تبغ من دهرٍ تظاهرَ رَنْقُهُ ... صفاء بنيه والطباع جوامح وشيئان معدومان في الأرض: درهمٌ ... حلالٌ، وخلٌّ في الحقيقة ناصح وقال آخر: زمانٌ كلُّ حبٍّ فيه خِبٌ ... وطعم الخِلِّ خَلٌّ لو يذاق له سوق بضاعته نِفَاق ... فنافِقْ فالنِّفَاقُ له نَفَاق ومنهم من يشكو أهل زمانه، ويخبر بأنه لم يجد من بينهم من يصطفيه للصداقة، كما قال بعضهم: خَبَرْتُ بني الأيام طُرَّاً فلم أجد ... صديقاً صدوقاً مسعداً في النوائب وأصفيتهم مني الودادَ فقابلوا ... صفاءَ ودادي بالنَّوى والشوائب وما اخترت منهم صاحباً وارتضيته ... فأحمدته في فعله والعواقب وكما قال الطُّغرائي: فلا صديق إليه مشتكى حزني ... ولا أنيس إليه منتهى جذلي والحق أن صاحب الفضيلة لا يعدم الصديق الفاضل، وتُحْمَل هذه الأشعار وأمثالها على أن أصحابها قد نظموها في أحوال خاصة، كأن يروا من بعض من كانوا يعدونهم أصدقاء أموراً يكرهونها، أو يروا منهم سكوناً حيث يجب عليهم أن يتحركوا لإسعادهم. الصديق المخلص عزيز: إن كان أصدقاء المنفعة كثيراً فإن الذي يحبك لفضلك، وتحبه لفضله حباً يبقى ما بقيت الفضيلة -
следующие страницы →