← Адаб

Адаб · id 36075

الفلاكة والمفلوكون

الدلجي، أحمد بن علي

Полный текст (145 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى عليه وقال: إنه جاب البلاد وتغرب وأكثر التنقل والحركات وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان، ولقي ناصر الدين بن مكرم بن العلاء وزير كرمان ومدحه بقصيدته البائية التي يقول فيها: حملنا من الأيام ما لا نطيقه ... كما حمل العظم الكسير العصائبا ومنها في قصر الليل. وليل رجونا أن يدب عذاره ... فما اختط حتى صار بالفجر شعائبا ومن شعره: قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق خلت الديار فلا كريم يرتجي ... منه النوال ولا مليح يعشق ومن العجائب أن نراه كاسداً ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق ومن شعره: وخز الأسنة والخضوع لناقص ... أمران في ذوق النهى مران وللرأي أن تختار فيما دونه ال ... مران وخز أسنة المران ومن شعره: من آلة ست ما عند الوزير سوى ... تحريك لحيته في حال إيماء فهو الوزير ولا أزر يشد به ... مثل العروض له بحر بلا ماء وله: وجف الناس حتى لو بكينا ... تعذر ما تبل به الجفون فما تندى لممدوح بنان ... ولا يندى لمهجو جبين ولد بغزة وتوفي وقد جاوز التسعين ودفن بيلخ سنة ٥٣٤. ومن نظم الغزي: قالوا بعدت ولم تقرب فقلت لهم ... بعدي عن الناس في هذا الزمان حجا إذا خروجك لم يخرجك عن كرب ... حسدت من كان جليس البيت ما خرجا كم عالم لم يلج بالقرع باب غنى ... وجاهل قبل قرع الباب قد ولجا

стр. 107

قعدت في البيت إذ ضيعت منتظراً ... من رحمة الله بعد الشدة الفرجا قال المصنف ﵀: (تنبيه) قال كاتبه ومصنفه أحمد بن علي الدلجي عافاه الله من الفلاكة مهما وجدت في ترجمة عالم أو شاعر إنه طاف البلاد وجال وتنقل فاحكم عليه ما لم يكن محدثاً بأنه في غاية الفلاكة، وهذا أمر يصححه عندي الذوق والوجدان ولا أشك فيه، وأنا اقطع بأن التنقل من لوازم الفلاكة وما خرج أحد من بلد ويمكنه الإقامة فيها والله أعلم. الفارابي محمد أبو نصر بن محمد بن أوزلغ بن طرخان من مدينة فاراب من بلاد الترك، كان إماماً فاضلاً وفيلسوفاً كاملا برع في الفلسفة وأتقنها وأظهر محاسنها وتفنن في فن الموسيقى واخترع فيه ما لم يسبق إليه، وشرح كتب الأوائل. كان في أول الأمر قاضياً ببلاده فأودع عنده رجل من التجار جملة من كتب ارسطاطاليس فنظر فيها فصادفت منه قبولا فترك القضاء واكب عليها بجملته وتجرد وسافر إلى بغداد وأقام بها وقرأ بها المنطق على يوحنا بن حبلان، وقرأ النحو على أبي بكر بن السراج ثم سافر إلى مصر ثم رجع إلى دمشق وأقام بها إلى مات. قال أبو الحسن الآمدي: كان الفارابي مقتنعاً باليسير من الرزق، وكان في أول أمره ماطوراً ببستان بدمشق وهو في مثل هذه الحالة ملازم للاشتغال ليله ونهاره، وكان في أكثر لياليه يستضيء على المطالعة بقنديل الحارس، ولم يزل كذلك حتى ظهر فضله وكثرت تلامذته واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله الثعلبي فأكرمه وأوسع عليه، فلم يقبل منه سوى أربع دراهم فضة في اليوم يصرفها في الضروري من عيشه. ومن دعائه (اللهم ألبسني حلل البهاء وكرامات الأنبياء وسعادة الأغنياء وعلوم الحكماء وخشوع الأتقياء) ومن شعره: بزجاجتين قطعت عمري ... وعليهما عولت أمري فزجاجة ملئت بحبر ... وزجاجة ملئت بخمر فبذي أدون حكمتي ... وبذي ازيل هموم صدري

стр. 108

وكان يرى الإنفراد على شرب الخمر ولا يحب المنادمة عليها. توفي ﵀ في شهور سنة ٣٣٤. نقلت ذلك كله من عيون الأنباء في طبقات الأطباء مما اختاره الحسن ابن أحمد بن زفر الابلي الشافعي من تاريخ اصيبعة. الهروي صاحب الغريبين أبو عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن عبيد العبدي الهروي القاشاني من كبار العلماء، وأخذ عن أبي منصور الأزهري اللغوي، وكتابه المذكور فسر فيه غريب القرآن وغريب الحديث النبوي وسار في الآفاق، قال ابن خلكان: وقيل إنه كان يحب البذلة ويتناول في الخلوة ويعاشر أهل الأدب في مجالس اللذة والطرب عفا الله عنه، وقد أشار الباخرزي في ترجمة بعض أدباء خراسان إلى شيء من ذلك. توفي سنة٤٠١. وضبط القاشاني بالقاف والشين المنقوطة. ابن فارس اللغوي أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد الرازي اللغوي، كان إماما في علوم شتى خصوصا اللغة فإنه أتقنها وألف كتابه المجمل في اللغة، وهو على اختصاره جمع أشياء كثيرة، وله رسائل أنيقة ومسائل في اللغة يعايي بها الفقهاء، ومنه اقتبس الحريري ذلك الأسلوب في مقامته التي وضع فيها مائة مسألة وعنه اخذ البديع الهمذاني، ومن نظمه: إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هم الدرهم وله: سقى همذان الغيث لست بسائل ... سوى ذا وفي الأحشاء نار تضرم وما لي لا أصفي الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت اعلم نسيت الذي أحسنته غير إني ... مدين وما في جوف بيتي درهم وله: وقالوا كيف حالك قلت خير ... تقضي حاجة وتفوت حاج

стр. 109

إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوما يكون لها انفراج نديمي هرتي وأنيس نفسي ... دفاتر لي ومعشق في السراج (جحظة) أبو الحسين أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك المعروف بجحظة البرمكي، كان فاضلا صاحب فنون وأخبار ونجوم ونوادر ومنادمة وأشعار، ومن شعره: فقلت لها بخت على يقظى ... فجودي في المنام لمستهام فقالت لي صرت تنام أيضا ... وتطمع أن أزورك في المنام وله: أصبحت بين معاشر هجروا الندى ... وتقلبوا الأخلاق من أسلافهم قوم أحاول نيلهم فكأنما ... حاولت نتف الشعر من آنافهم هات اسقينها بالكبير وغنى ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم وله: وقائلة لي كيف حالك بعدنا ... أفي ثوب يسر أنت أم ثوب معسر فقلت لها لا تسأليني فإنني ... أروح وأغدو في حرام مقتر توفي سنة ٣٢٦. ابن الخياط الشاعر المفطور صاحب الديوان المشهور أبو عبد الله أحمد بن محمد الثعلبي المعروف بابن الخياط، وطاف البلاد وامتداح الناس ودخل بلاد العجم، دخل مرة إلى حلب وهو رقيق الحال لا يقدر على شيء، فكتب إلى ابن حبوس الشاعر المشهور: لم يبق عندي ما يباع بحبة ... وكفاك مني منظري عن مخبري إلا بقية ماء وجه صنتها ... من أن تباع وأين أين المشتري وقصيدته البائية كفاه بفضله، وهي التي أولها (خذا من صباه أمانا لقلبه). توفي سنة ٥١٧.

стр. 110

الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، ذكره الإمام العلامة الحافظ عبد الكريم ابن السمعانى في ذيله على تاريخ بغداد وقال في أثناء ترجمته: كان بحرا في الحديث. وقال أيضا في أثناء الترجمة ردا على الطاعنين فيه: وفضل محمد بن طاهر ومعرفته بعلم الحديث وتصانيفه وتبحره لا ينكر، ومن أنكر من مشايخنا عليه فإنما أنكر سيرته ولعله تاب. ونقل عن أبي الحسن بن أبي طالب الكرخي الفقيه إنه قال عنه: ما كان على وجه الأرض له نظير. ثم نقل عنه إنه صنف كتابا في جواز النظر إلى المراد وإنه قال: رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها. فقيل له: تصلى عليها؟ فقال: صلى الله عليها وعلى كل مليح. ونقل أيضا عنه حكاية خرج منها إنه كان في غاية الفقر، وملخصها أن الحال أعوزته وهو يكتب الحديث ولم يبق معه غير درهم وهو محتاج إلى كاغد وإلى خبز، فردده بين الأمرين يوما وثانيه، فلما كان اليوم الثالث قال: لم يبق إلا الخبز فإني إن اشتريت به كاغدا لا أقدر على النسخ لأجل الجوع، فوضعه في فيه وخرج ليشتري به فاتفق إنه ابتلعه فأخذه الضحك، فلقيه أبو طاهر الصانع فسأله عن سبب ضحكه فكتمه إياه، فألح عليه فامتنع فحلف عليه بالطلاق ليخبرنه الخبر، فأخبره بالحال فحمله إلى البيت وتسبب له في دراهم كثيرة - اهـ ملخصا (أبو العلاء محمد بن محمد بن صالح بن الهبارية) كان إماما في علوم الأدب بحرا في النظم والنثر سلس الشعر مع قوة المعنى وصحة المبنى، ومن نظمه يمدح أمين الدولة بن التلميذ وكان نصرانيا وكان محمد بن الهبارية شريفا عباسيا: يا بني التلميذ لو وافيتكم ... لم تكن نفسي بأهلي شغفه إنما طلقت كرمان بكم ... إنكم لي عوض ما أشرفه برئيس الحكماء المرتجى ... إنه لي جنة مخترقة شمس مجد لا تراها أبدا ... عن سماوات العلى منكسفه

стр. 111

جل أن يدرك وصف مجده ... إنه أكثر من كل صفه لو تمكنت لكانت جملتي ... في زوايا داره معتكفه فبه تفتخر الدنيا التي ... أصبحت من غيره مستنكفه إنما أحبو بني التلميذ بال ... مدح إذ كلهم ذو معرفه فابن يحيى منهم محي الندا ... زاد في الجواد على من خلفه حقق الكنية من والده ... كرما فيه وطبعا ألفه وهم من صاعد عن سادة ... بأبي مجدهم ما أنطفه لا تقسهم بالورى كلهم ... فتقس لب السرى بالجعدفه فابن إبراهيم لاهوت العلى ... من دعاة بشرا ما أنصفه يا رئيس الحكماء استجلها ... من بنات الفكر بكرا مترفه إنني أنفذت نجلي قاصدا ... اشتكي دهرا قليل النصفه قلت: وقوله (فابن يحيى منهم يحيى الندا) الخ أراد به أبو الفرج يحيى بن التلميذ، وهو يحيى بن صاعد بن يحيى بن التلميذ الملقب معتمد الملك، وله فيه مدائح غيرها فمنها قوله: يحيى بن صاعد بن يحيى لم يزل ... للمكرمات إلى حيالي خاليا ما زال يعربني ولم أزل ... بعلاه ما بين البرية خاطبا ومنها: لا تحوجن أخاك لا بل عبدك ال ... قن بن عبدك إن يروم أجانبا فلأنت أولى بي لما عودتني ... عمن غدا لي في الأصول مناسبا ثقة الخلافة سيد الحكماء مع ... تمد الملوك الفيلسوف الكاتبا مازح وطايب ما استطعت فما الفتى ... ممن يكون ممازحا ومطايبا وفداك من نوب الزمان وصرفه ... قوم يزيدون الزمان معايبا وسبب ذلك إنه أتاه إلى اصفهان فحصل له مالا جزيلا من كبارها

стр. 112

ابن المنير أبو الحسين أحمد بن المنير الطرابلسي الملقب مهذب الدين عين الزمان الشاعر المشهور، مهر في اللغة والأدب وقال الشعر فأجاد، قدم دمشق وسكنها وكان كثير الهجاء بذئ اللسان، ولما كثر منه سجنه نورى ابن أتابك صاحب دمشق وعزم على قطع لسانه، فشفع فيه ونفى، وله من جملة القصيدة: وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... في منزل فالرأي أن يتحولا كالبدر لما إن تضاءل جد في ... طلب الكمال فحازه متنقلا ومنها: لله علمي بالزمان وأهله ... ذنب الفضيلة عندهم أن تكملا طبعوا على لؤم الطباع فخيرهم ... إن قلت قال وإن سكت تقولا توفي في جمادي الآخرة سنة ٥٤٨. النفيس أبو العباس أحمد بن أبي القاسم المنعوت بالنفيس، كان من العلماء والأدباء، وله ديوان شعر جاد فيه. ذكره العماد في الخريدة فقال: فقيه مالكي المذهب له يد في علوم الأوائل والأدب، ومن شعره: يسر بالعيد أقوام لهم سغة ... من الثراء وأما المقترون فلا هل سرني وثيابي فيه قوم سبا ... أم راقني وعلى رأسي به ابن جلا توفي سنة ٦٠٣ بقوص بعد أن جاب البلاد واستجدى الناس بشعره أبو الصلت أمية بن عبد العزيز الأندلسي، كان أدبيا ماهرا في علوم الأوائل، ذكره العماد في الخريدة وأثنى عليه، ومن نظمه: وقائلة ما بال مثلك خاملا ... أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز فقلت لها ذنبي إلى القوم إنني ... لما لم يحوزوه من الفضل حائز

стр. 113

توفي سنة ٥٣٨. مبرمان النحوي شارح كتاب سيبويه وان كان لم يمته، هو أبو بكر بن محمد العسكري أخذ عن المبرد وتصدر بالأهواز. قال الذهبي: كان وضيع النفس يأخذ من الطلبة ويطلب حمال قفص فيحمله إلى داره من غير عجز وربما انبسط فبال على الحمال ويتنقل بالتمر فيحذف بنواه الناس توفي سنة ٣٢٧ ولقبه المبرد مبرمان لكثرة سؤاله له. ومن مصنفاته: كتاب شرح سيبويه. وكان إذا ركب في طبلية الحمال وبال عليه اعتذر له بقوله: احسب انك حملت رأس غنم. أبو الحسن الربعي علي بن عيسى بن الفرج بن صالح أبو الحسن الربعي النحوي الزيدي أحد أئمة النحو، كان دقيق النظر في النحو جيد الفهم والقياس، لازم أبا على الفارسي عشرين سنة، فقال له أبو علي: ما بقيت تحتاج إلي ولو سرت من الشرق إلى الغرب لم تجد أنحى منك. ومن تصانيفه شرح الإيضاح للفارسي، وكتاب شرح مختصر الجرمى، وكتاب البديع في النحو، وكتاب المبنى على فعال، وكتاب التنبيه على خطأ ابن حبي في تفسير شرح المتنبي، وكتاب شرح سيبويه. وكان يرمى بالجنون. مر يوما بسكران ملقى على قارعة الطريق فحل سراويله وجلس على انفه وجعل يضرط وينشد: تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار ونازعه يوما شخص في مسألة فعمد إلى شرحه لكتاب سيبويه، فوضعه في اجانة وصب الماء وغسله وجعل يلطم الحيطان ويقول: جزاء من يجعل أولاد البغالين نحاة. وسأل من تلامذة أن يركبوا معه إلى كلواد فظنوا حاجة عرضت، فركبوا معه وعرضوا عليه الركوب فأبى فلما صار بحذائهم أوقفهم على سلم وأخذ كساءا وعصا، وما زال يعدو على كلب هناك وهو يهرب منه تارة ويثب عليه أخرى حتى أعياه ذلك فعاونوه عليه فأمسكه وعضه عضا شديدا وقال: هذا عضني منذ أيام فأردت أخالف فيه قول الشاعر:

стр. 114

شاتمني عبد بني مسمع ... قصنت عنه النفس والعرضا ولم أجبه لاحتقاري له ... ومن يعض الكلب إن عضا توفي سنة ٤٣٠. القالي أبو الحسن علي بن أحمد بن علي القالي، كانت له نسخة من كتاب الجمهرة لابن دريد وكان كلفا بها، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها فاشتراها الشريف المرتضى، فوجد فيها أبياتا بخط بائعها أبي الحسن القالى المذكور: أنست بها عشرين حولا وبعتها ... فقد طال وجدي بعدها وحنيني وما كان ظني إنني سأبيعها ... ولو خلدتني في السجون ديوني ولكن لضعف وافتقار وصبية ... صغار عليهم تستهل جفوني فقلت ولم املك سوابق عبرة ... مقالة مكوي الفؤاد حزين وقد تخرج الحاجات يا أم مالك ... ودائع من رب بهن ضنين البيهقي أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي الخسر وجردي الإمام أبو بكر، و (خسروجرد) بضم الخاء المعجمة وسكون السين المهملة وفتح الراء وسكون الواو وكسر الجيم وسكون الراء وفي آخره دال، هو الإمام الجليل الحافظ الفقيه الأصولي القائم بنصره مذهب الشافعي صاحب التصنيفات، له: كتاب السنن الكبير، وكتاب المبسوط في نصوص الشافعي، وكتاب دلائل النبوة، وكتاب شعب الإيمان، وكتاب معرفة السنن والآثار. قال تقي الدين البسكي معناه معرفة الشافعي بالسنن والآثار وغير ذلك. قال تاج الدين السبكي في الطبقات: كان على سيرة العلماء قانعا من الدنيا باليسير متجملا في زهده وورعه. توفي في نيسابور في جمادي الأولى سنة ٤٥٨. أبو سعيد الإصطرخي الحسن بن أحمد بن يزيد بن عيسى الإمام الجليل أبو سعيد الاصطخري القاضي.

стр. 115

قال الخطيب: أحد الأئمة المذكورين من شيوخ الفقهاء الشافعيين، كان ورعا زاهدا متقللا. قال الطبري: وحكى عن الداركي إنه قال: ما كان أبو إسحاق المروزي يفي بحضرة الإصطخرى، قال أبو إسحاق المروزي: سئل يوما أبو سعيد عن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا هل تجب لها النفقة؟ فقال: نعم. فقيل: ليس هذا من مذهب الشافعي فلم يصدق فأراه كتابه فلم يرجع وقال: إن لم يكن مذهبه وإلا فهو مذهب على ابن عباس. قال أبو إسحاق: فحضر يوما مجلس النظر مع أبي العباس بن شريح فتناظرا فجرى بينهما كلام، فقال له أبو العباس: أنت سألت مسألة فأخطأت فيها وأنت رجل كثرة أكل الباقلاء قد ذهبت بدماغك. فقال له أبو سعيد: وأنت كثرة أكل الخل والمري قد ذهب بدينك. قال الطبري: وكان من الورع والزهذ بمكان لم يصله سواه، يقال إنه كان قميصه وعمامته وسراويله وطيلسانه من شقة واحدة وكانت فيه حدة، وله تصانيف كثيرة فمنها: كتاب أدب القضاء ليس لأحد مثله، ومن مفردات مسائله قوله (إنه ينتقض الوضوء بمس الأمرد). توفي ببغداد في ثاني الجمادين سنة ٣٢٨ نقلته من طبقات السبكي. السيد ركن الدين الحسن بن محمد بن شرفساه العلوي الحسيني الإسترابادي تلميذ النصير الطوسي أبو الفضائل، له عدة مصنفات منها: شرح أصول ابن الحاجب وشرح مقدمته في النحو، وشرح الحاوي شرحين. وكان له ادرارات وجوامك كل يوم ستون درهما، يعيد دروس النصير الطوسي في الحكمة. قال الشيخ شهاب الحسباني ومن خطه نقلت: وكان في دينه رقة توفي سنة ٧١٨ بالموصل. أبو هفان عبد الله بن أحمد بن حرب بن خالد أبو هفان النحوى اللغوي، روى عن الأصمعي وصنف كتبا منها: كتاب صناعة الشعر كبير، وكتاب أخبار الشعراء. قرأت بخط الحسباني إنه كان مقترا عليه ضيق الحال، وإن دعبلا الخزاهي أضافه وسقاه نبيذا حلوا ووصى الجواري أن لا يدلوه على الخلاء ثم تركه ونام، فقال لبعض الجواري: أين الخلاء؟ فقلت لها الأخرى:

стр. 116

ما يقول سيدي؟ فقالت: يقول غنى خلا من آل عاتكة الديار ... فمثوى أهلها منهم قفاز فغنت هذه وصرخت هذه وشربوا أقداحا، فقال: أحسنتم غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي، فلما أجهده الأمر قال: لعل الجارية بغدادية لا تعرف الخلاء فقال لها: أين المستراح؟ ففعلوا كفعلهم الأول فقال: لعلهن حجازيات أين الحش؟ ففعلوا كذلك ثم قال: لعلهن كوفيات دعبل وأمر له بثياب، وهي حكاية طويلة. قال سعيد بن حميد لأبي هفان لأن ضرطت عليك ضرطة لأبلغنك إلى فيد. فقال له أبو هفان: أسعدني بأخرى تبلغني إلى مكة فإني ما حججت بعد. مات سنة ٢٥٥. الرياشي العباس بن الفرج الرياشي مولاهم. قال المبرد: سمعت المازنى يقول: قرأ الرياشي علي كتاب سيبويه فاستنفدت منه أكثر مما استفاد منى يعني إنه أفاده لغته وشعره وأفاده هو النحو. قال المبرد: وكان الرياشي والله أحمق، ومن حمقه إنه كان صائما لا يبلع ريقه. ابن بانشاذ النحوي البصري العلامة طاهر بن أحمد بن بابشاذ أبو الحسن، وكان يأكل يوما مع بعض أصحابه طعاما، فجاء قط فرمى إليه بشيء فأخذه وذهب به وعاد سريعا، ثم فعل ذلك مرة بعد أخرى فعلم أن له سببا فاتبعوني فإذا بقط آخر أعمى في سطح فقال الشيخ: هذا حيوان بهيم قد ساق الله له رزقه أفلا يرزقني وأنا عبده، فترك علائقه الدنيوية ولزم غرفة في جامع عمرو بن العاص وأقبل على العلم وجمع تعليقه في المحو قريبا من خمسة عشرا مجلدا، وأصحابه كابن بري وغيره ينقلون منها ويسمونه تعليقة الغرفة، وكان له معلوم وراتب على قراءته للكتب التي يكتبونها عن السلطان وإصلاحها تعرض عليه قبل أن تحمل إلى الجهة التي عينت لها. سقط من سطح جامع بن العاص فمات من وقته سنة٣٦٩

стр. 117

عبد الرحمن ابن محمد بن عبيد الله بضم العين مصغر ابن يعيد كمال الدين أبو البركات الأنباري النحوي، صاحب التصانيف المفيدة منها: هداية الذاهب في معرفة المذاهب، وبداية الهداية في الأصول، والداعي إلى الإسلام في الكلام، النور اللائح في اعتقاد السلف الصالح. وفي الأدبيات ما يزيد على خمسين مصنفا انتهت الرحلة إليه بالعراق من سائر الأقطار. قال الموفق عبد اللطيف: لم نر في العباد والمنقطعين أقوى طريقة ولا اصدق منه في أسلوبه جد محض، ولا يعتريه تصنع ولا يعرف السرور ولا أحوال العالم، كان له من أبيه دار يسكنها ودار وحانوت مقدار أجرتهما نصف دينار في الشهر يقنع به ويشتري منه ورقا ولا يوقد عليه ضوأ، وتحته حصير قصب وعليه ثوب وعمامة قطن يلبسهما عند المضي إلى الجمعة ويلبس في بيته ثوبا خلقا ولا يخرج منه إلا يوم الجمعة وسير إليه المستضيء خمسمائة دينار فردها فقال له: اجعلها لولدك. فقال: إن كنت خلقته ارزقه. توفي ليلة الجمعة تاسع شعبان سنة ٤٧٧ ودفن في تربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. الواحدي علي بن أحمد بن محمد أبو الحسن الواحدي، كان مفسرا نحويا لغويا أصوليا أنفق في صباه مالا على تحصيل العلم وكان من أولاد التجار وذكر في مقدمة تفسيره الذي البسيط أشياخه ومن قرأ عليه. قيل للغزالي لما صنف كتبه: ما علمت شيئا أخذت الفقه من إمام الحرمين من نهايته وأسماء الكتب من الواحدي، وكان الغزالي يقول: من أراد أن يسمع التفسير كأنه من فم رسول الله ﷺ فعليه بتفسير الواحدي، وله كتاب نفي التحريف عن القرآن الشريف وغيره، وكان عديم النظير إلا إنه كان يبسط لسانه في العلماء. توفي سنة ٤٦٨. ابن البرهان عبد الواحد بن علي بن عمر بن إسحاق بن إبراهيم أبو القاسم بن برهان النحوي الأسدي العكبري، صاحب العربية والنحو والتاريخ وأيام العرب، قرأ على عبد السلام

стр. 118

البصري وأبي الحسن التميمي، كان فيه شراسة على من يقرأ عليه، وكان الطلبة يمشون حوله يمينا وشمالا وهو يلقى عليهم المسائل وتكبر على أولاد الرؤساء، وكان يتعصب لمذهب أبي حنيفة، وكان يحب الباذخان ويقول في تفضيله: الناس يأكلونه ثمانية أشهر في العام وهم أصحاء واو أكلوا الرمان أربعة أشهر فلجوا. قرأت بخط الشيخ شهاب الدين الحسباني: إنه كان على إمامته وديانته يحب مشاهدة المليح ويقبل أولاد الأمراء والأتراك وأرباب النعم بمحضر من آبائهم، ولا ينكرون عليه ذلك لعلمهم بدينه وورعه. وتوفى سنة ٤٤٦ قال: ولم يكن يلبس سراويل ولا على رأسه غطاء. الحريري صاحب المقامات القاسم بن علي بن محمد بن عثمان أبو محمد البصري الحرامي الحريري، أحد الأئمة في النظم والنثر، وعمل بعد الحريري مقامات كثيرة: مقامات ابن الصقيل، مقامات أبي العباس يحيى النصراني المعروفة بالمسيحية، مقامات أبي الهيجاء شهنيروز. شرح المقامات ابن ظفر شرحين كبير وصغير والمطرزي والشريشي وغير واحد. قيل: وكانت مسوداتها نحو حمل جمل، سمع الحريري من أبي تمام محمد بن الحسن بن موسى المقريء وأبي القاسم بن الفضل المقصافي الأديب، وقرأ النحو على أبي الحسن بن فضال المجاشعي شيخ إمام الحرمين في العربية، وتفقه على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. كان الحريري غنيا له ثمانية عشر ألف نخلة كل نخلة في السنة بدينار، وقيل إنه كان قذرا في نفسه وشكله ولبسه قصيرا ذميما بخيلا مولعا بنتف ذقنه، وحكى بعض أهل الأدب أن الحريري لما قدم بغداد وكان الناس يهتفون بفضائله ويتطلعون إلى لقائه، فحضر إليه ابن حكينا المعروف بالبرغوث الشاعر فلم يجده على ما كان في ظنه فنظم أبياتا: شيخ لنا من ربيعة الفرس ... ينتف عثنونه من الهوس أنطقه الله بالشان وقد ... ألجمه في العراق بالحرس وقيل أن الحريري حضر مجلسا فذكروا فيه القول بعض الأدباء (إن لم يكن لنا طمع في درك درك فأعفنا من شرك شرك) استحسنها الحاضرون، فعمل الحريري في الحال

стр. 119

(إن لم تدننا من مبارك مبارك فأعدنا عن معارك معارك). وبلغه أن صاحبا له يسمى أبا زيد المطهر ابن سلام البصري الذي عمل المقامات على لسانه شرب مسكرا، فكتب إليه: أبا زيد اعلم من شرب الطلا تدنس فافهم سر قولي المهذب، ومن قبل سميت المطهر والفتى يصدق بالأفعال تسمية الأب، فلا تحسها كي ما تكون مطهرا وإلا فغير ذلك الاسم واشرب. أبو العباس أحمد بن الحسين المحوي الموصلي المعروف بابن الخباز، كان من علماء النحو وفرسانه أديبا لطيف الروح عذب العبارة حسن النظر كثير الاطلاع والحفظ. قال ابن هشام مصنف المغنى فيما وجدته بخطه: وكأنه كان غير مصنف من أهل زمانه، وقد وقفت له على عدة تآليف يشكو فيها حاله، فمن ذلك قوله في خطبة كتابه الذي سماه الفريدة في شرح القصيدة وهي قصيدة أبي عثمان سعيد بن المناس الشهير بابن الدهان (فإن أصبت فمن فضل الله الرحيم وان أخطأت فمن الشيطان الرجيم، ومن علم حقيقة حالي عذرني إذا قصرت بأن عندي من الهموم ما يزع الجنان عن حفظه ويكف اللسان عن لفظه، ولو أن ما بي بالجبال لهدها وبالنار أطفأها وبالماء لم يجر وبالناس لم يحيوا وبالدهر لم يكن وبالشمس لم تطلع وبالنجم لم يسر، وأنا اسأل الله العظيم أن يكفيني شر شكواي وان لا يزيدني على بلواي، فاني كلما أردت خفض العيش صار مرفوعا وعاد بالحزن سبب المسرة مقطوعا، والله المستعان في كل حال منه المبدأ واليه المآل) نفلت ذلك كله من خط العلامة جمال الدين بن هشام المصنف ﵀. نقلت من خط الشيخ نور الدين الأبياري (الصعاليك من العرب عروة ابن معدي كرب الزبيدي والأسعر بن مالك الأودي وعمرو بن براق الهمداني وشراحيل بن الأشهب الجعفى وأبو خراش الهذلي وعمرو ذو الكلب الهذلي) ونقلت من خطه أيضا: قال الذهبي كان في الأشعر دعابة ومزحكثير وكان يقنع باليسير، وكان له بعض قرية من وقف جدهم الأمير جلال الدين با أبي بردة، ويقال إنه بقي إلى سنة ٣٣٠.

стр. 120

الفصل الحادي عشر في مباحث تتعلق بالفصل قبله ومن مباحث النكبات الحاصلة للأعيان لا يحملنك قلة من عددنا في الفصل قبله من العلماء الذين تقلصت عنهم الدنيا على توهن انبساط الدنيا على غالبي العلماء أو معظمهم واعتقاد تمتعهم بها، فإن لانحصارهم في العدد المذكور في الفصل قبله أسبابا: منها أنا لم نذكر من العلماء إلا من زويت عنه الدنيا ولم يترجم بزهد وشدة تقشف ورد للدنيا وإعراض عنها، وسقط بذلك طائفة كثيرة مثل الشيخ محيي الدين النواوي يحيى بن شرف بن مري مع إنه كان لا يأكل إلا أكلة بعد عشاء الأخيرة، ولا يشرب إلا شربة واحدة عند السحر، ولا يشرب الماء المبرد، ولا يأكل من فاكهة دمشق معللا ذلك بأن الأوقاف والأملاك للمحاجير فيها كثيرة والتصرف لهم ولا يجوز إلا على وجه الغبطة والمعاملة فيها على وجه المساقاة، وفيها خلاف والناس لا يفعلونها إلا على جزء من ألف جزء للمماليك، وكان لا يدخل الحمام ولم يتزوج ولم يشرب الفقاع، ومأكله كعك يابس وتين حوران يأتيه به أبوه وملبسه الثياب المرقعة. توفي سنة ٦٧٦. السهروردي صاحب عوارف المعارف إمام وقته لسانا وحالا وعلما عملا، مع إنه عمي في آخر عمره واقعد ومات ولم يخلف كفنا. توفي سنة ٦٣٢. والحسن بن العباس السرخسي الأصفهاني مع إنه كان يسمع عليه الحديث وهو في رثاثة من الملبس والمفرش بحيث لا يساوي طائلا كما ذكره ابن كثير في طبقاته. توفي سنة ٥٦١ إبراهيم بن إسحاق ابن بشير أبو إسحاق الخوي أحد الأئمة في الفقه والحديث وغير ذلك، إمام مصنف عالم يقاس بالإمام أحمد شيخ الدارقطني، كان يقول: الرجل الذي يدخل غمه على نفسه

стр. 121

ولا يدخله على عياله. وقد كان بى شقيقة منذ خمس وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدا قط، ولي عشر سنين أبصر بفرد عين ما أخبرت به أحدا، أنفق على نفسه وعياله في بعض الرمضانات درهما وأربعة دوانيق ونصفا، وبعث إليه المعتضد بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها، فرجع الرسول يقول له: قال لك أمير المؤمنين فرقها على جيرانك. فقال: هذا شيء لا نجمعه ولا نفرقه إما أن يتركنا وأما أن نتحول من بلده. توفي لتسع بقين من ذي الحجة سنة ٢٨٤ وكغيرهم من العلماء والأولياء. (ومنها) أنا لم نذكر أيضا من لم ينص على فقرة صريحا أو بلازم واضح، وكثيرا ما يقول المترجمون: (كان متقللا) ويقتصر عليه، فلا أذكره مع الظن بأنه من المستحقين للذكر في الفصل قبله، فمن ذلك: ابن الأنباري عبد الرحمن بن محمد بن الأنباري صاحب أسرار العربية والمصنفات التي تزيد على مائة تصنيف، فانهم قالوا في ترجمته انقطع للعبادة والعلم صابرا على خشن العيش والتقلل منه. توفي سنه ٣٧٧. عزيزي ابن عبد الملك الشافعي المعروف بشيدله، صاحب مصارع العشاق، فإنهم قالوا في ترجمته: كان زاهدا متقللا من الدنيا. توفي سنة ٤٩٤. المبارك ابن محمد بن عبد الله السوادي الواسطي نزيل نيسابور، أحد أركان الفقهاء المكثرين الحافظين للمذهب القوى المناظرة، قالوا في ترجمته: كان متجملا قانعا باليسير. ومع ذلك ما ذكرته وغيرهم ممن لم يتضح لي فقرة إلا بلازم ضعيف أو عبارة مجمجمة وسقط بذلك طائفة كبيرة. (ومنها) أني لم أذكر إلا من صرح بفقرة أو بلازم فقره الجلي، أما من لم يصرح بفقره ولا بغناه ولا يسند إليه تولية منصب ولا تدريس بل ترجموه بالعلم وسيبوه فلم أذكره. وفيه بحث لأنه لا يلزم من عدم ذكر الفقر عدم الفقر، ولا يقال هو معارض بمثله لأنه لا يلزم من عدم ذكر الغنى عدم الغنى، لأنا نقول: لكن الترجيح معنا، لما أن المؤرخين بصدد ذكر كمالات المترجم، حتى أنهم يذكرون تداريس لا يعبأ بها في بعض التراجم، فلو كان الذكر لتوفر الداعية على نقله فلما لم يذكر علم إنه لم يقع وسقط بذلك طائفة كثيرة: مثل (ابن الحاجب) أبي

стр. 122

عمرو عثمان المالكي المتوفى سنة ٦٤٦. ومثل (ابن عصفور) علي بن مؤمن بن محمد العلامة الاشبيلي المتوفى سنة ٦٤٤. ومثل أبي محمد عبد الله (ابن الخشاب) وغيرهم من العلماء الأئمة ومثل (الزمخشري) ومن نظمه: خليلي هل تجدي على فضائلي ... إذا أنا لم ارفع على كل جاهل من الغبن ذو نقص ينال منازلا ... أخو الفضل محقوق بتلك النازل كفى حزنا أن يرغم العلم والحجا ... بضد زياد طيشه غير عاقل ومن لي بحق بعد ما وقرت على ... أراذلها الدنيا حقوق الأماثل كذا الدهر كم شوهاء في الحلي جيدها وكم جيد حسناء المقلد عاطل ومما شجاني إن غر مناقبي ... يغني بها الركبان بين القوافل وطارت إلى أقصى البلاد قصائدي ... وسارت مسير النيرات رسائلي وكم من أمال لي وكم من مصنف ... أصاب بها ذهني محز المفاصل غنى من الآداب لكنني إذا ... نظرت فما في الكف غير الأنامل فيا ليتني أصبحت مستغنيا ولم ... أكن في خوارزم رئيس الأفاضل ويا ليتني مرض صديقي ومسخط ... عدوي وأني في فهاهة باقل فلست بفضلى بالغا ولو أنني ... كقس إياد أو كسحبان وائل وما حق مثل أن يكون مضيقا ... وقد عظمت عند الوزير وسائلي فلا تجعلوني مثل همزة واصل ... فيسقطني حذف ولا راء واصل فكل امرئ أمثاله عدد الحصا ... وهات نظيري في جميع المحافل فوقع إلى هذا الزمان فإنه ... غلامك يجعلني كبعض الأراذل (ومنها) أنا لم نذكر من ترجم بفقر ثم بغنى زائد تغليبا لجانب الغنى المتأخر، وسقط بذلك ايضا طائفة. (ومنها) أن الكتب والزمان لم يساعدا على استيفاء هذا المقام وإعطائه حقه، فلعل ما لم نره أكثر مما وقفنا عليه. (ومنها) إنا لم نذكر إلا ما وقفنا عليه في كتاب معتمد وضع للتراجم، أما الكتب الأدبية ففيها أشياء كثيرة لم أذكرها. (منها) ما في العقد لابن عبد ربه وشرح الزيدونية لابن نباتة أن أبا الأسود الدؤلي النحوي

стр. 123

وسهل بن هارون الملقب بزر جمهر الإسلام والكندي الإمام في العلوم العقلية الملقب بفيلسوف العرب كانوا في غاية البخل، وفي عدم ذكر أبي الأسود الدؤلي معنى آخر هو جلالته وصيانته عن نسبة البخل إليه. (ومنها) إني لم أذكر في الفصل قبله في النكبات العارضة للأعيان، فقلما خلا عالم أو نبيل من نكبة، وأنا أذكر هنا طرفا لائقا بمقصودي من ذوي النكبات: مالك ابن أنس ابن أبي عامر بن الحرث بن غيمان - بالغين المعجمة - أبو عبد الله الإمام المدني، أحد أئمة الإسلام، سعى به جعفر بن سلمان بن علي ابن عم أبي جعفر المنصور، فدعا به وجرده وضربه سبعين سوطا، ومدت يداه حتى انخلع كتفاه. وسبب ضربه أنهم سألوه عن مبايعة محمد ابن عبد الله بن حسن وقالوا له: إن في أعناقنا مبايعة أبي جعفر. فقال إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين، فأسرع الناس إلى محمد فسعى به فضرب لذلك، ثم لم يزل بعده في علو ورفعه كأنما كانت تلك السياط حليا تحلى بها. توفي سنة ١٧٤. أبو الحنيفة النعمان بن ثابت الفقيه الكوفي أحد الأئمة المتبوعين، كان يزيد بن عمر بن هبيرة الفزارى أمير العراقين فأراد لقضاء الكوفة أيام مروان بن محمد آخر ملوك بني أمية فأبى، فضربه مائة سوط وعشرة اسواط كل يوم عشرة أسواط، وبقي على الامتناع وسجنه فتوفى بالسجن في أحد القولين سنة ١٥٠ ببغداد. الإمام أحمد بن حنبل أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي ثم البغدادي استحوذ على المأمون جماعة من المعتزلة وقولوه بخلق القرآن، فعن له بطرسوس أن يكتب إلى نائب بغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو لناس إلى القول بخلق القرآن، فكان ذلك أول الفتنة، وكان ذلك آخر عمر المأمون قبل موته بشهور سنة ٢١٨، فلما وصل الكتاب استدعى جماعة من العلماء فامتنعوا فهددهم بالضرب وقطع الأرزاق

стр. 124

فأجاب أكثرهم مكرهين واستمر على الامتناع أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح الحيد سابوري فحملا على بعير متعادلين مقيدين إلى الخليفة عن أمره بذلك، ثم جاء الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير. ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولي الخلافة وإن الأمر شديد فرد إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ومات محمد بن نوح في الطريق وأودع الإمام أحمد السجن ببغداد نحوا من ثمانية وعشرين شهرا، أحضره المعتصم في قيوده وأجلسه فجلس ودعاه إلى القول بخلق القرآن فامتنع وقال: فما قال ذلك ابن عمك رسول الله ﷺ دعا إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وإن القرآن علم الله ومن علم أن علم الله مخلوق فقد كفر أعطوني شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به. وناظره أحمد ابن أبي دؤاد وغيره وأنكروا الآثار التي أوردها وقالوا للمعتصم: هذا أكفرك واكفرنا. وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلي سبيله ويغلب خليفتين، فعند ذلك حمى واشتد غضبه فأخذ وجيء بالعقابيين والسياط وضربه ضربا مبرحا شديدا حتى أغمي عليه وغاب عقله وأمر بإطلاقه إلى أهله، فنقله وهو لا يشعر، ولما شفي من الضرب بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، وكان الضرب في الخامس والعشرين من رمضان سنة٢٢١ وتوفي سنة ٢٤١. البويطي يوسف بن يحيى البويطي صاحب الإمام الشافعي، كان الشافعي يسأل عن الشيء فيحيل عليه فإذا أجاب قال: هو كما أجاب. وقال عنه الشافعي: هو لساني، حمل إلى بغداد في أيام الواثق بالله من مصر وفي عنقه غل وفي رجليه قيد، وبين الغل والقيد سلسلة حديد فيها طوق وزنتها أربعون رطلا، وأرادوه على القول بخلق القرآن فامتنع ومات بالسجن في قيوده سنة ٢٣١. البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، أراد منه خالد بن أحمد الذهلي أن يأتيه في بيته

стр. 125

يسمع أولاده فأبى وقال (في بيته يؤتى الحكم)، فاتفق أن جاءه كتاب من محمد بن يحيى الذهلي من نيسابور بأن البخاري يقول بأن لفظه بالقرآن مخلوق، وكان قد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام وصنف البخاري في ذلك كتابه خلق أفعال العباد فأراد الأمير أن يصرف الناس عن السماع من البخاري فلم يقبلوا، فأمر عند ذلك بنفيه من البلاد فخرج منها ودعا على خالد بن أحمد فلم يمض شهر حتى أمر ابن طاهر بأن ينادى على خالد بن أحمد على أتان، وزال ملكه وسجن ببغداد حتى مات، فبرح البخاري إلى بلد يقال لها (خزنتك) فمات سنة ٣٥٦ - نقلته بلفظه من تاريخ ابن كثير. النسائي أحمد بن علي بن شعيب النسائي صاحب السنن، إمام عصره والمقدم على اضرابه، رحل الآفاق واخذ عن الحذاق، وكان ينسب إلى شيء من التشيع. قالوا: دخل دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشيء من فضائل معاوية. فقال: ما يكفي معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل، فجمعوا يطعنون فيه حتى اخرج من الجامع، فسار إلى مكة فمر بالرملة فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه، فضربوه في الجامع فقال: أخرجوني إلى مكة فأخرجوه وهو عليل، فتوفي بمكة مقتولا شهيدا سنة ٣٠٣ أبو عمرو عيسى الثقفي النحوي شيخ سيبويه، صاحب كتاب الجامع الذي قيل أن سيبويه أخذه وزاد عليه ما استفاده من الخليل ونسبه إليه. أودعه شخص وديعة فنمى الخبر إلى يوسف بن عمر أمير العراقين، فكتب إلى نائبه بالبصرة يأمره أن يحمل إليه عيسى بن عمرو مقيدا، فدعا به ودعا حدادا وأمره بتقييده، فلما قيده قال له: لا بأس عليك إنما أرادك لتعليم ولده. قال: فما بال القيد إذا، فلما وصل إليه سأله فأنكر، فأمر بضربه فضرب بالسياط. توفي سنة١٤٩. كان كثير الاستعمال للغريب والتقعر في كلامه، وهو القائل: (افرنقعوا عني). قال يوما لأبي عمرو بن العلاء أنا أفصح من معد بن عدنان، فاستنشده أبو عمرو بيتا فيه

стр. 126

بدا بمعنى ظهر وقال له: كيف تسنده إلى جماعة الإناث أتقول بدين أو بدان؟ فقال: بدين. فقال: أخطأت ولو قال بدان لا خطأ أيضا. وإنما أراد أبو عمرو تغليطه وإنما الصواب بدون من بدا يبدوا إذا ظهر، وبدأ يبدأ إذا شرع في الشيء معنى آخر - ذكرت هذا استطرادا لاشتماله على فائدة. محمد بن الزيات أبو جعفر بن عبد الملك وزير المعتصم ثم ابنه هارون الواثق، ثم لما مات الواثق أشار هو بتولية ولده وأشار القاضي أحمد بتولية أخيه المتوكل، وتم أمر المتوكل فحقد ذلك عليه مضموما إلى حقده عليه القديم لأنه كان يغلط عليه في حياة الواثق تقربا إليه، وكان ابن الزيات قد صنع تنورا من حديد في أيام وزارته وله مسامير محددة إلى داخله يعذب فيه الناس، وكان يقول إذا استرحم: الرحمة خور في الطبيعة، فلما اعتقله المتوكل أدخله التنورة وقيده بخمسة عشر رطلا من الحديد، ومات في التنور فوجد قد كتب في التنور بفحمة: من له عهد بنو ... ر يرشد الصب إليه سهرت عيني ونامت ... عين من هنت عليه رحم الله رحيما ... دلت عيني عليه توفي سنة ٣٣٣. ابن الدهان ناصح الدين أبو محمد سعيد المعروف بابن الدهان النحوي البغدادي شارح كتاب الإيضاح والتكملة وكتاب اللمع لابن جني، وكان يفضل على أبي محمد الجواليقي وابن الخشاب وابن الشجري المعاصرين له، انتقل إلى الموصل قاصدا جناب الوزير جمال الدين الأصفهاني المعروف بالجواد، وكانت كتبه ببغداد واستولى الغرق في تلك السنة على البلد فغرقت كتبه، وكان خلف داره مدبغة ففاضت بالغرق إلى بيته فتلفت كتبه بهذا السبب زيادة على تلف الغرق، فأرسل من أحضرها له وكان قد أفنى عمره فيها

стр. 127

فأشاروا عليه أن يطيبها بالبخور ويصلح ما أمكنه فيها، فبخرها بالإذن ولازمها بالبخور إلى أن بخرها بأكثر من ثلاثين رطلا لأذنا، فطلع ذلك إلى رأسه وعينيه فأحدث له العمى. توفي سنة ٥٦٩. ابن عطاء أبو العباس أحمد بن محمد بن عطاء، أحد أئمة الصوفية، حدث عن يوسف بن موسى القطان والمفضل وغيرهما. كانت له ختمة يتلوها ١٧ سنة يتدبرها مات ولم يكملها، أحضر في أمر الحلاج وقد كتب الحلاج اعتقاده، فسأله الوزير حامد بن عباس عما قاله الحلاج فقال: من لا يقول بهذا فهو بلا اعتقاد. فقال له الوزير: ويحك تصوب مثل هذا الاعتقاد؟ فقال: مالك ولهذا، عليك بما نصبت له من أخذ أموال الناس وظلمهم، مالك والكلام مع هؤلاء السادة. فأمر الوزير بضرب شدقية ونزع خفيه وان يضرب بهما رأسه، فما زال يفعل به كذلك حتى سال الدم من منخريه وأمر بسجنه. فقيل له: أيها الوزير إن العامة تشوش بهذا فحمل إلى منزله. قال ابن عطاء: اللهم اقتله أخبث قتله واقطع يديه ورجليه، فمات ابن عطاء بعد سبعة أيام سنة ٣٠٩، وقتل الحلاج قبله يعد أن ضرب نحوا من ألف سوط وقطعت يداه ورجلاه، ثم أحرقت جثته بالنار ونصبت يداه ورجلاه ورأسه أياما على الجسر، وكان ذلك لست بقين من ذي الحجة سنة ٣٠٩، ثم مات الوزير مثل ما دعا عليه ابن عطاء مقطوع اليدين والرجلين مقتولا. ابن شنبود المقرئ محمد بن أحمد بن أيوب بن الصلت أبو الحسين المقرئ المعروف بابن شنبود، روى عن أبي مسلم وبشر بن موسى وخلف، وكان يختار حروفا أنكرها أهل زمانه عليه، وصنف أبو بكر بن الأبناري محمد ابن القاسم الحافظ الذي كان يحفظ في كل جمعة عشرة آلاف ورقة كتابا في الرد عليه. كان بكر المذكور من أعلم الناس بالنحو والأدب، وكان لا يأكل إلا البقالي ولا يشرب ماء إلا قريب العصر مراعاة لحفظه. عقد لابن شنبود مجلس في دار الوزير أبي علي محمد بن مقلة وادعى عليه بالحروف التي كان يقرؤها

стр. 128

فأقر بالبعض، فضر به الوزير أبو علي رأسه واستتيب، فدعا على ابن مقلة فلم يفلح بعد ذلك. وتوفي سنة ٣٢٨. ابن مقلة الوزير أحد المشاهير الكتاب محمد بن علي بن الحسين بن عبد الله أبو علي المعروف بابن مقلة الوزير، كان له بستان كبير جدا وعليه جمعية شبكة من ابريسم وفيه من الطيور والقماري والهزار والطواويس شيء كثير، وفيه الغزلان وبقر الوحش وحميره والنعام والأيل شيء كثير أيضا. وولى الوزارة لثلاثة من الخلفاء المقتدر والقاهر والراضي، وبنى له دارا فجمع عند بنائها خلق كثير من المنجمين فاتفقوا على أن تبنى في الوقت الفلاني، فأسس جدرانها بين العشائين كما أشاروا، فما لبث بعد استتمامها إلا يسيرا، وقد انشد فيه بعض الشعراء: قل لابن مقلة لا تكن عجلا ... واصبر فانك في أضغاث أحلام تبنى بأنقاض دور الناس مجتهدا ... دارا سنقض أيضا بعد أيام ما زلت تختار سعدا تطلبن لها ... فلم يوف من نحس بهرام إن القرن وبطليموس ما اجتمعا ... في حال نقض ولا في حال إبرام ثم عزل عن وزارته وأحرقت داره وانقلعت أشجاره وقطعت يده ثم قطع لسانه واغرم ألف ألف دينار، ثم سجن وحده مع الكبر والضعف والضرورة، وكان يستقى الماء بنفسه من بئر عميق يدلي الحبل بيده اليسرى ويمسكه بفيه، وقاسى جهدا جهيدا حتى مات في الحبس سنة ٣٢٨، ومن نظمه وهو يبكي على يده: إذا ما مات بعضك فابك بعضا ... فإن البعض من بعض قريب والنكبات كثيرة لا تحصى وفيما ذكره مقنع، فإن الكتاب كله أنموذج ومسودة في بابه. والله تعالى أعلم.

стр. 129

الفصل الثاني عشر في أشعار المفلوكين ومن في معناهم من مقاصد شتى وبيان أن الحامل عليها إنما هو الفلاكة اعلم أن الفلاكة إذا استولت على شخص وسلبته القدرة على الأفعال انتقل إلى الاسترواح والتنفس بالأقوال، وذلك لما أن في الكلام راحة وفرجا وتنقيصا من ألم الباطن، ولذلك قلما يطيق كتمان الأسرار إلا الواحد الفذ، وكذلك أيضا قلما يطيق الإنسان استدامة أقوال تخالف ما في باطنه بل لا بد له من فلتات مطابقة لما في باطنه، لما أن النفس بطبعها تطمح إلى طلب الراحة والاستلذاذ بحسب المقدور. وإذا اتضح أن في الأقوال تنفسا وراحة ولذة وتنقيصا من آلام الباطن وضحت الحكمة في انتصاب المفلوكين خطباء وشعراء وحكماء فمرة يسلون أنفسهم بترجيح الكمالات النفسانية على الكمالات المالية بالأدلة الخطابية والتشبيهات الشعرية، ومرة يذكرون عوارضهم الأزمة بمقتضى الفلاكة ويضرعون عنها أعذارا وحكمة وتشبيهات رائقة وكلمات فائقة تنقيصا من قبح صورتها، وليشغلوا الناس بما أورده فيها من محاسن الكلام عن الفكرة في صورتها الشنيعة، ومرة يسابقون إلى ذكر نقائصهم ويجعلونها رقة أدبية أو نكتة شعرية أو كلمة هزلية قبل أن يذكرها غيرهم عنهم ليصرفوا الناس عن الاشتغال بها لأن النفوس تكره المعاد، ولذلك قيل في الأمثال (أقبح من معاد) وليكون ذلك أخف على نفوسهم، لما أن الشخص لا يتأنف من نفسه ما يتأنفه من غيره ولا يثقل عليه كلامه ككلام غيره. حكي إن الاخفش الصغير كان يحفظ الأهاجي التي هجاه بها ابن الرومي ويوردها في جملة ما يورده، والحكمة فيه ما ذكرته لا ما ذكره ابن خلكان في تاريخه من إنه كان يقول (أنوه بذكري بها) فإن ذلك أن قاله الأخفش فقوله غطاء على المعنى الحقيقي. ولذلك أيضا يذكرون الأسفار ويغرون بها مرة وينهون عنها أخرى، فالإغراء لما قدمته في الفصل الرابع، والنهي يكون حيرة ودهشا، ولذلك أيضا يغرون بتطلب المجد والثروة تارة ويأمرون بالقناعة أخرى قلقا واضطرابا ويذمون الأيام ويتضجرون ويتململون ويستعتبون ويشعرون وهم لا يشعرون ويفتنون وهم يفتنون ويحسبون أنهم صنعا إلا أنهم هم الخاسرون، ويتلطفون وهم يستثقلون ويتعذرون ولكن لا يعذرون أم تسألهم خرجا فهم من مغرم مثقلون، فإنا لله وإنا اله راجعون. والأغنياء عن ذلك كله بمعزل

стр. 130

وعن العناء فيه بألف منزل، قد أغناهم الفعل عن القول والفضل عن الفضول والأعذار والإحسان عن صوغ اللسان، وأنا أورد إن شاء الله تعالى أحاسن ما يحضرني من أشعار المفلوكين ومن في معناهم في هذه المقاصد كلها. وإنما قلت (ومن في معناهم) دفعا لسؤال مقدر توجيه أن المذكور في هذا الفصل من الشعر منه ما هو من كلام الأماثل والعظماء والنبلاء فالجواب إنه وان صدر عن عظيم أو نبيل فإنما ذكر بلسان المفلوكين وشرحا لحالهم ونيابة عنهم ورحمة عليهم، أو عند معارض فلاكة حقيقية عرضت للوجيه العظيم صيرته في حكم المفلوك بحسب تلك الحالة، أو عند عارض فلاكة حالية بحكم الوارد على القلة، فإن الوارد - كما هو مقرر في كتب الصوفية - إذا ورد على القلب وشايعته النفس بالاستحسان والاستجلاء ولم يمانعه اكسب حالا، وإذا علمت الأحوال المقتضية للأشعار الآتية والحامل عليها فهاكها غير ناس ولا غافل عما قررته في مقدمة الفصل العاشر فإنه محتاج إليها في هذا الفصل، فمن ذلك القول القائل: - إلى الله أشكو جور دنياكم التي ... تغر الفتى حتى يوارى برمسه فتكسبه إن أقبلت حسن غيره ... وتسلبه إن أدبرت حسن نفسه ومنه: ما تطعمت لذة العيش حتى ... صرت للبيت جليسا أي شيء أعز عندي من العل ... م فما ابتغى سواه أنيسا إنما الذل في مخالطة النا ... س فدعهم وعش عزيزا رئيسا ومنه: تلحى على البخل الشحيح بماله ... أفلا تكون بماء وجهك أبخلا أكرم يديك عن السؤال فإنما ... قدر الحياة أقل من أن تسألا ولقد أضم إلي فضل قناعتي ... وأبيت مشتملا بها متزملا وأرى العدو على الحصاصة شارة ... تصف الغني فيخالني متمولا وإذا امرؤ أفنى الليالي حيرة ... وأمانيا أفنيتهن توكلا

стр. 131

ومنه: عجبت سعاد من ارتياحى للعلا ... في العدم وهو يفل غرب الجامح لا يغشني الإقتار عارا إنني ... رحب الذراع بكل خطب فادح ولربما نهض المقل بعبئه ... وحبا به المثرون حبو الرازح مثل السماكين انتفاعك منهما ... بالأعزل المدحوض فوق الرامح ولئن خفيت عن الورى وفضائلى ... كمد الحسود ونار غيظ الكاشح فالنار في أشجارها مخبؤه ... حتى يتاح لها يمين القادح ومنه: أهوى الخمول لكي أظل مرفها ... مما يعانيه بنو الأزمان إن الرياح إذا عصفن لواقحا ... تولى الأذية شامخ الأغصان ومنه: المرء يحظى ثم يعلو ذكره ... حتى يزين بالذي لم يفعل وترى الشقي إذا تكامل عيبه ... يرمى ويبخل بالذي لم يعمل ومنه: شغلنا بكسب العلم عن مكسب الغني ... كما شغلوا عن مكسب العلم بالوفر وصار لهم حظ من الجهل والغنى ... وصار لنا حظ من العلم والفقر ومنه: لا تحقرن أديبا راق رونقه ... عن الفصاحة أما راح في شمل فالسكر العسلى الحلو من قصب ... والنرجس البابلي الغض من بصل ومنه: ينجد بي تارة ويتهم بى ... ضر زمان بأهله جافي حتى كأني قذاة مقلته ... أو خبث فوق كأسه طافي

стр. 132

ومنه: وقالوا توصل بالخضوع إلى الغنى ... وما علموا أن الخضوع هو الفقر وبيني وبين المال شتان حرما ... علي الغنى نفسي الأبية والدهر إذا قيل هذا اليسر أبصرت دونه ... مواقف خير من وقوفي بها العسر ومنه: ولا تعدن رزقا ما ظفرت به ... إلا إذا دار بين الحلق والحنك ومنه: لا يؤيسنك من مجد تباعده ... فإن للمجد تريجا وترتيبا إن القناة التي أبصرت رفعتها ... تنمو وتحدث أنبوبا فأنبوبا ومنه: والحر من حذر الهوا ... ن يحاذر الأمر الجسيما والعاجز المألوف أق ... عد ما يكون إذا أقيما ومنه المرء يجمع والزمان يفرق ... ويظل يرقع والخطوب تمزق ولئن يعادي عاقلا خير له ... من أن يكون له صديق أحمق وإن امرؤ لسعته أفعى مرة ... تركته حين يجر حبل يفرق لا ألفينك ثاويا في عربة ... إن الغريب بكل نبل يرشق ما الناس إلا عاملان فعامل ... قد مات من عطش وآخر يغرق والناس في طلب المعاش وإنما ... بالجد يرزق منهم كمن يرزق لو يرزقون على وزان عقولهم ... ألفيت أكثر من ترى يتصدق لو سار ألف مدجج في حاجة ... لم يقضها إلا الذي يترفق هذه الأبيات لصالح بن عبد القدوس، وقوله (يتصدق) هو ببناء المجهول حتى يصح

стр. 133

المعنى المراد، وهو أن الغالب على الناس قلة العقل والخفة، وأصله يتصدق عليه فحذف عليه. ولو قرئ ببناء المعلوم لا نعكس المعنى وكان معناه أن العقلاء هم الأكثر، وليس بصحيح لا دارية ولا رواية وهذا الرجل اتهمه المهدي بالزندقة فأمر بحمله إليه، فلما خاطبه أعجب بغزارة علمه وأدبه وحسن ثباته، فأمر بإطلاقه فلما ولى رده وقال: الست القائل: والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنى عاد إلى نكسه فقال: بلى. فقال: وأنت لا تترك أخلاقك، فأمر به فقتل سنة ١٦٧. فانظر إلى الفلاكة قال حكمة فكانت سببا في قتله، ومثله قول عمارة اليمني الملقب نجم الدين الشاعر: هذا ابن تومرت قد كانت بدايته ... كما يقول الورى لحما على وضم وكان أول هذا الدين من رجل ... سعى إلى أن دعوه سيد الأمم أراد إظهار معنى بديع مبتكر، فكان سببا في قتله في أحد الأقوال في سنة ٥٦٩. وكنت هممت أن أضع فصلا في الكلمات التي كانت سببا للحوق ضرر عظيم لأصحابها كهاتين الحكايتين واسميها بالفلاكة اللفظية لتكون الفلاكة ثلاثة أنواع مالية ومعنوية ولفظية، ثم بدا لي في ذلك وخشيت أن يصير الكتاب أدبيا لا علميا، ولنرجع إلى مقصود الفصل ومنه: ليس الحمول بعار ... على امرئ ذي جلال فليلة القدر تخفى ... وتلك خير الليالي ومنه: يا هذه إن رحت في ... شمل فما في ذاك عار هذي المدام هي الحيا ... ة قميصها خرق وقار ومنه: وليس قبح المكان مما ... يزرى به منصبي وديني فالشمس علوية ومع ذا ... تغرب في حمأة وطين

стр. 134

ومنه: احتل لحقدك فاللبي ... ب بلطفه يستل ثاره أمضى الحديد أرقه ... والماء يثقب في الحجاره والهجو بيت منه لا ... يطفى طويل المدح ناره يخفى الكثير من الحلا ... وة في القليل من المراره ومنه: ولا غرو أن يبلى الشريف بناقص ... فمن ذنب التنين تنكسف الشمس ومنه: وإني وإعدادي لدهري محمدا ... كملتمس إطفاء نار بنافخ ومنه: فإن تكن الدنيا إنالتك ثروة ... فأصبحت ذا يسرو وقد كنت ذا عسر فقد كشف الإثراء عنك خلائقا ... من اللؤم كانت تحت ثوب من الفقر ومنه: حيائي حافظ لي ماء وجهي ... ورفقي في مطالبتي رفيقي ولو أنى سمحت ببذل وجهي ... لكنت إلى الغني سهل طريقي ومنه: ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فكيف ما انقلبت يوما به انقلبوا يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت ... عليه يوما بما لا يشتهى وثبوا ومنه: قالت وقد انتضت سيوف اللحظ ... والدر ممازح لذاك اللفظ ذا حظك ما أنقصك قلت لها ... لو شئت لما كنت قليل الحظ ومنه: من منصفي من معشر ... كثروا علي وكبروا

стр. 135

صادقتهم وأرى الحرو ... ج من الصداقة يعسر كالخط يسهل في الطرو ... س ومحوه يتعذر ومتى أردت كشطته ... لكن ذاك يؤثر ومنه: إذا فات الفتى شيئان أضحى ... بعيدا من ممازحة القلوب جمال الوجه أو مال عظيم ... يزين في حضور أو مغيب فكثر المال يشفع في المثاوي ... وحسن الوجه يشفع في الذنوب ومنه: إن الغني ترضى معيشته ... لا من يظل على ما أفات مكتئبا لا تحقرن من الأيام محتقرا ... كل امرئ سوف يجزى بالذي كسبا قد يحقر المرء ما يهوى فيتركه ... حتى يكون إلى توريطه سببا إن العدو وإن أبدى مكاشرة ... إذا رأى منك يوما فرصة وثبا إذا وترت امرأ فاحذر مغبته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا ومنه: أتعبت نفسك بين ذلة كادح ... طلب الحياة وبين حرص مؤمل ونثرت دهرك لا خلاعه ماجن ... حصلت فيه ولا وقار مبجل وأضعت حط النفس في الدنيا وفي ال ... أخرى ورحت عن الجميع بمعزل ومنه: أهل المناصب في الدنيا ورفعتها ... أهل الفضائل محقورون بينهم قد أنزلونا لأنا غير جنسهم ... منازل الوحش في الإهمال عندهم فليتنا لو قدرنا أن نعرفهم ... مقدارهم عندهم أولو دروه هم لهم مريحان من جهل وفرط غنى ... وعندنا المتعبان العلم والعدم

стр. 136

ومنه: إذا كان غير الله في عدة الفتى ... أتته الرزايا من وجوه الفوائد ومنه: إذا لم يكن عون من الله الفتى ... فأكثر ما يجنى عليه اجتهاده ومنه: إذا شئت أن تحيا سعيدا فلا تكن ... على حاله إلا رضيت بدونها ومن يطلب الغالي من العيش لم يزل ... حزينا على الدنيا رهين غبونها ومنه: إني رأيت الدهر في حكمه ... يمنح حظ العاقل الجاهلا وما أراني نائلا ثروة ... كأنه يحسبني عاقلا ومنه: إذا وجد الشيخ من نفسه ... نشاطا فذلك موت خفي ألست ترى إن ضوء السراج ... له لهب قبل أن ينطفي ومنه: انفض يديك من الأنام فكلهم ... شحا يحل وأنت عجزا تعقد ومنه: انفض يديك من الزمان وخيره ... واحذر بنيه تفز بقلة ضيره ولقد صفوت فما وجدت مصافيا ... في الله أصحبه ولا في غيره ومنه: وأخ لي تكدرت ... بعد صفو مشاربه صاحبي حين لا يرى ... في الورى من يصاحبه وإذا ما حظي به ... صد ولزر جانبه

стр. 137

ومنه: إذا لم يكن صدر المجالس سيدا ... فلا خير فيمن صدرته المجالس وكم قائل مالي رأيتك راجلا ... فقلت له من أجل أنك فارس ومنه: وأخ إن رام مني حاجة ... كان بالإنجاح مني واثقا وإذا ما رمت منه حاجة ... كان بالرد بصيرا حاذفا يعمل الحيلة في الرد لها ... قبل أن أفرغ منها ناطقا ومنه: إذا ما مدحت الباخلين فإنما ... تذكرهم ما في سواهم من الفضل وتهدى لهم غما كثيرا وحسرة ... فإن منعوا منك النوال فبالعدل ومنه: وإذا المسافر آب مثلي مفلسا ... صفر اليدين من الذي رجاه وخلا من الشيء الذي يهديه لل ... إخوان عند لقائهم إياه أم يفرحوا بقدومه وتثقلوا ... بوروده وتكرهوا لقياه وإذا أتاهم قادما بهدية ... كان السرور بقدر ما أهداه ومنه: لو كنت أجهل ما علمت لسرني ... جهلي كما قد ساءني ما أعلم فالصعو يرتع في الرياض وإنما ... حبس الهزار لأنه يتكلن ومنه: إن قدم الصاحب ذا ثروة ... وعاق ذا فقر وافلاس فالله لم يدع إلى بيته ... إلا المياسر من الناس ومنه: لا يدرك المجد من لا يركب الحطرا ... ولا ينال العلا من قدم الحذرا

стр. 138

ومن أراد العلا صفوا بلا كدر ... قضى ولم يقض من إدراكه وطرا وأحزم الناس من لو مات من ظما ... لا يقرب الورد حتى يعرف الصدرا ومنه: وقائلة ما بال مثلك خاملا ... أأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز فقلت لها ذنبي إلى القوم إنني ... لما لم يحوزوه من المجد حائز وما فاتني شيء سوى الحظ وحده ... وأما المعالى فهي عندي غرائز ومنه: من أخمل النفس أحياها وروحها ... ولم يبت طاويا فيها على ضجر إن الرياح إذا اشتدت عواصفها ... فليس ترمي سوى العالي من الشجر ومنه: إلا موت يباع فأشتريه ... فهذا العيش مالا خير فيه إلا موت لذيذ الطعم يأتي ... يخلصني من الموت الكريه إذا أبصرت قبرا من بعيد ... وددت لو أنني فيما يليه ومنه: ولو أني استزدتك فوق ما بي ... من البلوى لأعوزك المزيد ولو عرضت على الموتى حياة ... بعيش مثل عيشي لم يريدوا ومنه: قالوا أقمت وما رزقت وإنما ... بالسير يكتسب اللبيب ويرزق فأجبتهم ما كل سير نافعا الحظ ينفع لا الرحيل المقلق وكم سفرة نفعت وأخرى مثلها ... ضرت ويكتدح الحريص ويخفق كالبدر يكتسب الكمال بسيره ... وبه إذا حرم السعادة يمحق ومنه: سافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فصار بدرا

стр. 139

والماء يكسب ما جرى ... طيبا ويخبث ما استقرا وبنقلة الدرر النفي ... سة بدلت بالبحر نحرا ومنه: قوض ركابك عن أرض تهان بها ... وجانب الذل إن الذل يجتنب وارحل إذا كان في الأوطان منقصة ... فالمندل الرطب في أوطانه حطب ومنه: اذا ما نبت بالحر دار يودها ... ولم يرتحل عنها فليس بذي حزم وهبه بها صبا ألم بدر إنه ... سيزعجه عنها الحمام على رغم ولم يكن الدنيا تضيق على فتى ... يرى الموت خيرا من مقام على هضم ومنه: وقالوا اضطراب في الأرض فالرزق واسع ... فقلت ولكن موضع الرزق ضيق إذا لم يكن في الأرض حر يعينني ... ولم يك كسب فمن أين أرزق ومنه: قالوا اغترب عن بلاد كنت تألفها ... إن ضاق رزق تجد في الأرض مقترحا قلت انظروا الريق في الأفواه مختزنا ... عذبا فإن بان عنها صار مطرحا ومنه: عود ركابك كل يوم منزلا ... وتنقلن كي لا تمل وتضجرا فالماء يعذب ما جرى وتلاطمت ... أمواجه فإذا أقام تغيرا ومنه: إذا أنا لم أجد رزقا حلالا ... ولم آكل حراما مت جوعا ومنه: قالوا حسبت فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد

стр. 140

ومنه: لم ينصبوا بالشاد ناج صبيحة ال ... اثنين مسبوقا ولا مجهولا نصبوا بحمد الله ملء قلوبهم ... شرفا وملء صدروهم تبجيلا ما ضره أن بزعنه لباسه ... فالسيف أهول ما يرى مسولا ومنه: لا ينبغي للضيف إن كان ذا ... حزم وتدبير وطبع لطيف أن يتعدى أبدا طوره ... ولا يرى إلا بحكم المضيف فالأمر للإنسان في بيته ... إن شاء أن ينصف أو أن يحيف وإنما ينقص أحكامه ... عليه ذو جهل وعقل سخيف ومنه: إذا شئت أن تستقرض المال منفقا ... على شهوات النفس في زمن العسر فسب نفسك الإنفاق من كنز صبرها ... عليك وإرفاقا إلى زمن اليسر فإن قبلت كنت الغني وإن أبت ... فكل منوع بعدها واسع العذر ومنه: إذا لم تكن ملكا مطاعا ... فكن عبدا لمالكه مطيعا وإن لم تملك الدنيا جميعا ... كما تختار فاتركها جميعا هما سببان من ملك ونسك ... ينيلان الفتى الشرف الرفيعا ومن ينتفع من الدنيا بشيء ... سوى هذين عاش بها وضيعا ومنه: يا أيها العالم لا تشتكي ... فالحذق محسوب من الرزق العلم لا يسلبه أهله ... والمال مسلوب من الخلق ومنه: المال اشرف ما اقتنيت فلا تكن ... سمحا به وتأن في تفصيله

стр. 141

ما صنف الناس العلوم بأسرها ... إلا ليحتالوا على تفضيله ومنه: أحمد الله كم أجود في الده ... ر مقالا وما يفيد المقال كلمى في الأنام سحر ولكن ... أنا والسحر باطل بطال ومنه: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله ... وليس لهم حتى النشور نشور وأرواحهم في وحشة من جسومهم ... وأجسادهم قبل القبور قبور ومنه: من ظن أن الغنى بالمال يجمعه ... فاعلم بأن غناه فقره أبدا فاستعن بالعلم والتقوى وكن رجلا ... لا ترتجى غير رزاق الورى أحدا ومنه: تصفو الحياة لجاهل أو غافل ... عما مضى منها وما يتوقع ولمن يغالط في الحقائق نفسه ... ويسومها طلب المحال فتطمع ومنه: إني تركت لذي الورى دنياهم ... وظللت انتظر الممات وارقب وقطعت عن نفسي المطامع ليس لي ... ولد يموت ولا عقار يخرب ومنه: يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقف الذل أحجما أرى الناس من داناها هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل من لاقيت أرضاه منعما واني إذا ما فاتني الأمر لم أبت ... أقلب طرفي إثره متندما ولكنه إن جاء عفوا قبلته ... وإن مال لم أتبعه لولا وربما

стр. 142

وأقبض خطوي عن أمور كثيرة ... إذا لو أنلها وافر العرض مكرما وأكرم نفسي إن أضاحك عابسا ... وإن أتلقى بالمديح مذمما ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما ولكن أدالوه فهان ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة ... إذن فأتباع الجهل قد كان أحزما ومنه: لا يحطن رتبي سوء حالي ... آية الحسن في الجفون السقام أنا كالنار أطفأ القطر منها ... ولها بعد نفخة اغتلام ومنه: أصبحت مثل السيف أبلى غمده ... طول اعتلاق نجاده بالنكب إن يعتليه صدافكم من صفحة ... مصقولة للماء تحت الطحلب ومنه: وأنت السيف إن تعدم حليا ... فلن تعدم فرندك والغرار ورب مطوق بالتبر يكبو ... بصاحبه وللرهج اعتبار الفصل الثالث عشر في وصايا يستضاء بها في ظلمات الفلاكة وبهذا الفصل نختم الكتاب إن شاء الله تعالى اعلم يا أخي في الوفا وإخوة المصطفى خصوصا المفلوك مثلي إن في الكمالات النفسانية لذة تزيد على اللذات الجسمانية، فلا تستصغرن نعمه الله فيما زويت عنك الدنيا، واستحضر قوله ﷺ : ﴿إن الله يعطي الدنيا لمن يحبه ولمن لا يحبه ولا يعطى الدين إلا لمن يحبه، وإن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ منه فقد أخذ بحظ وافر﴾. وانظر كيف يكون استجلاء لطائف العلوم شاغلا عن الأكل والوقاع أفتراه يكون دونها لذة وهو شاغل عنها، وعليك من العلوم بالكتاب والسنة والتمتع بما

стр. 143

فيهما من النكات واللطائف واستمد منهما برد اليقين وثلج الصدور، ور تقنع بالعلوم العقلية فإنها ملساء مزلة الأقدام، وأصحابها يضطربون فيها اضطراب الأرشية. هذا الإمام فخر الدين على جلالته وإمامته يصحح في بعض كتب ما يضعفه في الآخر، وأبلغ من ذلك أن ابن الراوندي سامحه الله صنف رسائل في خلق الأعمال وفي قدم العالم وغيرها، ثم صنف هو نفسه رسائل في رد ذلك كما ذكره صاحب الفهرست. ولا تجمع لنفسك بين القبح الظاهر وهو الفقر وقبح الباطن وهو الجهل، وسع الناس بأخلاقهم ومعارفك إن لم تسعهم بمالك ومعروفك، واجتنب الإساءة إليهم إن عجزت عن الإحسان لهم، وخذهم بالرجاء لأنه أيسر ولا تأخذهم بالخوف وان كانوا به أطوع لأنه أخطر، وارض بميسورهم وعظم حقيرهم، فلا يحصل للنفوس مقصودها إلا خالقها فلا تطلب المقصود إلا منه، واجعل باطنك وحده لله، وكن شديد الاستهانة بأمور الدنيا ضرا ونفعا عطاءا ومنعا حصولا وفواتا سلامة وآفاتا، وانظر الأصلح لنفسك من ذلك قبل وقوعه وبعده، فتوخه واجتهد فيه ولا تكن وكلابل متحركا كيسا، ورقع خرق عجزك وفلاكتك بحيلتك ومصابرتك والتعرض لتنفيسات الدهر والوثوب عند الفرصة، ولا تيأس من روح الله. قال ﷺ : ﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾. قال الشاعر: والعاجزان الغالبان معاقب ... وينتهي ومعاتب لا يخجل وقال: ثب على الفرصة قي موضعها ... فهي لا تبقى ولا تستكسب واقطع بأن ذرة من حظ خير من قنطار عقل، وان جزءا واحدا من المال خير من أجزاء كثيرة من الكمالات النفسانية، ولله در من سمى المال كمال الكمالات، وتحقق أن المعاصي كالسموم يضر قليلها وكثيرها مع الاستخفاف بها ومع تعظيم ارتكابها وجليها وخفيها، وفلا تغتر بالتستر والحلية فإن لله عيونا من الملكوت ناظرة إليك، وإن للطاعات عبقا وشذا تفوح على أهلها وان كتموها، وللمعاصي نتنا وذفرا تفوح على أهلها وان أخفوها، وإذا نزعت عن الغواية فليكن لله ذاك النزع لا للناس، وخذ الناس إلى

стр. 144

أغراضك بمصالحهم تحقيقا أو توهيما، فإن النفوس تنخدع بالباطل كما تنخدع بالحق، ولا تأخذهم بغرضك المحض فقلما يساعفونك به إلا عوضا عما سلفتهم من غرض لهم سابق، وكن توابا رجاعا أوابا إلى الله عظيم الالتجاء الدعاء والالغاط بأسمائه المطلوب العلمي. قال ﷺ : ﴿الظوا بيا ذا الجلال والإكرام﴾ قال تعالى: ﴿قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم﴾. وإياك إياك من التعويل على واحد بخصوصه وإلقاء الشراشر عليه، فإن من ألقى شراشره على غير الله وكله وما اختار لنفسه. وأنهاك أنهاك عن التوقيف على بواطنك وخفاياك، وآمرك آمرك بسد طريق العلم بذاك جهدك وتكثيف حجابه ما أمكن، وكن مع الناس بلسانك وظاهرك من كمالاتهم الدنيوية التي يعتقدونها كمالا، فإن الدنيا قد صارت مخارق للحقائق، وثم أمور لا يمكن التصريح بها ولا تتم بالتلقين، وأنا اسأل الله أن يوفقك لها ويوقفك على حقيقتها. وهذا آخر ما تيسر لي كتابته في هذا الغرض مما سهل مما حضر وفي النفس من معاودته وبسط القول فيه، فإن هذا الكتاب إنما وضعته مسودة وأنموذجا وبرنامجا في هذا المطلوب وفتحا لباب عسى أن يلج فيه من حركه الله لذلك، ولم ادخر فيه مما حضرني إلا ما خفت على الكتاب من كساده به لغموض وكونه من الحكمة الضرورية أو من مشكلات غيرها من العلوم، فيعسر فهمه أو ينتقده من لا يقف على حقيقة معناه أو لكونه تاريخا محضا فيصبر الكتاب به أدبيا لا علميا، ولم تتسع المادة بمجانس لما أوردته أزيد مما ذكرته، أني زحمت به بالخلخلة ولززت به لزا بين عوائقي النفسانية وشواغلي البدنية مع قلة الكتب وعدمها، وما أحق هذا المقام بقول القائل: ولست بأول ذي همة ... دعته لما ليس بالنائل يشمر للج عن ساقه ... ويغمره الموج في الساحل وأنا أستغفر الله تعالى وأتوب إليه مما لعله فيه مما هو من قبيل الشقشقة والطنطنة، أو من قبيل التمويه والسفسطة، أو من حكم لم يصادف الحق أو قول لعله يوافق

стр. 145

مرضاته سبحانه وله الحمد، أو من نية لعلها لم تخلص لله، أو مقصد مزج بغير إرشاد شرعي، أو من تعليل الأمور بالمقاصد الدنية الدنيوية، واستقيله العثرة في ذلك كله واستوهبه المعذرة واستمنحه المغفرة وأبرأ إليه من ذلك كله، لا إله إلا هو ولا غافر سواه. (اللهم) يا رحمن يا رحيم يا واسع يا عظيم يا ذا الفضل العميم والمن الجسيم يا معطيا قبل السؤال وعالما بالحال أسألك بأسمائك كلها وصفاتك أجمعها وبكل ما إذا ما دعيت به أجبت أن تكشف عناصر الفلاكة والإهمال والحرمان، وان تصرفنا عن مواقع الشر والخذلان، وان تحفظ ألسنتنا وقلوبنا من الشيطان، وان تكلأنا بالتوفيق وتؤيدنا بالتكلان يا رحيم يا رحمن لا حول ولا قوة إلا بك يا علي يا عظيم. (اللهم) إني أشكو إليك ضعف حلتي وقلة قوتي وهواني على الناس رب المستضعفين وربي إلى من تكلني إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي لكن رحمتك أوسع لي. (اللهم) اقبل معاذيري وتجاوز عن تقصيري ولا تتركني حقيرا ولا تسلط علي تغييرا واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا. (اللهم) قد رفعت يدي إليك فلا تردهما صفرا. (اللهم) ضع فيهما من خيرك وبركتك. ما أنت بالسبب الضعيف وإنما ... نجح الأمور بقوة الأسباب فاليوم حاجتنا إليك وإنما ... يدعى الطبيب لساعة الاوصاب (اللهم) انقطع الرجاء إلا منك وحصل اليأس إلا من رحمتك لا تعكس ظنا قد عول على فضلك ولا تخيب أملا طال تعلقه بك أعتق عنقا مد إليك من رق غيرك فك أسيرا لا يملك فكاكه إلا أنت. (اللهم) ليس على عطائك عائق ولا يعجزك شيء فلك القدرة الكاملة والرحمة الواسعة والحكمة البالغة وكلتا يديك سخاء ولا ينقص فيضك العطاء وتستحي من تخيب آمليك غاية الحياء وعلمك قد أحاط بما في الأرض والسماء وبما في الظواهر والضمائر من الجلاء والخفاء انظر إلينا منك بنظرة رحيمة ربنا مسنا ضر نفوسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، لا آله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، سمع الله نظر الله سبحان الله آمين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.