← Адаб

Адаб · id 36075

الفلاكة والمفلوكون

الدلجي، أحمد بن علي

Полный текст (145 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

تعالى، فاتفق أن غنت جارية بحضور الواثق بقول العرجي: أظلوم إن مصابكم رجلا واختلف من بالحضرة في رفع رجل ونصبه، فأشخصه الواثق لإعراب البيت، فلما أعربه أمر له بألف دينار. توفي سنة ٦٤٩. وموضع الاستشهاد قول المبرد (أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة اضاقتك). ولا يقال كان زاهداً بدليل قول المترجمين له (انه كان شديد الورع) لأن الورع لا يستلزم الزهد بدليل قبوله الإلف الموهوب له، لأن الفاقة الدائمة يلزمها حوائج مجتمعة ومصارف مؤخرة لا تفي بها الألف ولا ما فوقها، والدنانير إنما هي دنانير بغداد وهي دراهم في الحقيقة. السيرافي أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي، شرح كتاب سيبويه وصنف عدة تصانيف، كان نزهاً عفيفاً حسن الأخلاق، وكان معتزلياً ولم يظهر منه شيء، وكان لا يأكل إلا من كسب يده ينسخ ويأكل. توفي سنة ٣٦٨. نجم الدين ابن أخي قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان، كان فقيهاً فاضلا وولى القضاء ببعض البلاد الشامية، وكان مهوساً بالحكمة ويقول عن نفسه: أنا حكيم الزمان، فانقطع رزقه بهذا السبب ومقت ونسبوه إلى انحلال العقيدة، فسافر إلى الديار المصرية وقعد مع الشهود حتى مات سنة ٧٦٢. الأنماطي إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن الحافظ البارع تقي الدين أبو الطاهر ابن الأنماطي المصري الشافعي، كان إماماً ثقة حافظاً مبرزاً فصيحاً واسع الرواية ناظماً ناثراً بعيد الشبيه معدوم النظير إلا إنه كان كثير الدعابة مع الرد. مات سنة ٦١٩. بدر الدين بن مالك هو محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك، كان نحوياً عارفاً بعلم البيان

стр. 72

والعروض والأصول والمنطق ذكياً إلا إنه ينسب إلى لعب ومعاشرة من لا تليق معاشرته. توفي سنة ٦٨٦. العفيف التلمساني سليمان بن علي بن عبد الله الأديب البارع، كان حسن العشرة كريم الأخلاق ذا وجاهة وخدم في عدة جهات من المكس، كان يتهم بالخمر والفسق والقيادة كما قاله في الجزء السابع من دول الإسلام مختصر تاريخ الإسلام لعلي بن خلف بن كامل الغزي الشافعي. قال الشيخ قطب الدين: رأيت جماعة ينسبونه إلى رقة الدين والميل إلى مذهب النصيرية، وحكى تلميذه البرهان بن الفاشوشة قال: رأيت ابنه في مكان بين ركبدارية وذا يكبس رجليه وذا يبوسه، فتألمت لذلك وانقبضت ودخلت إلى الشيخ وأنا كذلك فقال: مالك؟ فأخبرته بالحال الذي وجدت عليه ابنه محمداً، فقال: أفرأيته في تلك الحالة منقبضاً حزيناً. فقلت: سبحان الله كيف يكون ذلك بل كان أسر ما يكون، فهون الشيخ علي وقال: لا تحزن أنت إذا كان هو مسروراً، فعرفت قدر الشيخ وسعيه. قال الذهبي: هذا هو الشيخ الذي لا يستحي الله من عذابه. توفي سنة ٦٩٠. الحريري علي بن أبي الحسن بن منصور أبو الحسن وأبو محمد مقدم الطائفة الحريرية صاحب الزاوية، كان له مكاشفات وكرامات، وكان عنده من القيام بواجب الشريعة - كما قاله الشيخ شهاب الدين أبو شامة - ما لم يقم به أحد من المتشرعين ظاهراً وباطناً، ومن إقامة شرائع الحقيقة ما لم يكن عنه أحد في عصره من المحافظة على محبة الله وذكره والدعاء إليه والمعرفة به، وأكثر الناس يغلطون في أمره الظاهر وفي أمره الباطن. صحب الشيخ أبا علي المغربل خادم الشيخ رسلان، كان يلبس الطويل والقصير والمدور والمفرح والأبيض والأسود والعمامة والمئزر والقلنسوة وثوب المرأة والمطرز والملون، ولما حبس سأله أصحابه أن يسأل ويتشفع فلم يفعل، فلما أقام في الحبس أربع سنين زاد سؤالهم فأمرهم أن يكتبوا قصة فيها: من الخلق الضعيف إلى الرأي الشريف ممن هو

стр. 73

ذنب كله إلى من هو عفو كله، سبب هذه المكاتبة الضعف عن المعاتبة (اصغر خدم الفقراء علي الحريري) فقير ولكن من صلاح ومن تقى ... وشيح ولكن في الفسوق إمام فسعوا في القصة وأرادوا أن أتصل إلى السلطان، فما قرأ أحد من الدولة القصة إلا ورمى بها، فبلغه ذلك فاحتد وقال: ما قلت لكم ألم أنهكم عن السعي. وأقام بالحبس ست سنين وسبعة أشهر، كان يعاشر الأحداث ويصحبهم ويقيمون عنده، ولم يكن عنده مراقبة ولا مبالاة بل يدخل مع الصبيان الأحداث ويعتمد معهم ما يسمونه تخريباً، وكان له قبول عظيم لاسيما عند الأحداث، فإنه كان إذا وقع نظره على أحد من الأحداث مال إليه بحيث لا ينتفع به. توفي سنة ٦٤٥. القطب الشيرازي قطب الدين محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي، كان إمام عصره في المعقولات وفي غاية الذكاء، وله التلاميذ الكثيرة والتصانيف المشهورة منها شرح المختصر لابن الحاجب، كان كريما متطوحاً إلا إنه كان متهاوناً بالدين محباً للخمر ويجلس في حلق المساخر كما قاله الأسنوي في طبقاته، ومع ذلك كان معظما عند ملوك التتار فمن دونهم، وهو تلميذ النصير الطوسي. توفي سنة ٧١٠. ابن دريد محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزدي اللغوي البصري إمام عصره في اللغة والأدب والشعر الفائق، كان يشرب الخمر إلى أن جاوز تسعين سنة. قال ابن شاهين: كما ندخل على ابن دريد فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب مصفى موضوعاً. توفي سنة ٣٢١. يحيى بن اكتم ابن محمد التميمي المروزي أحد أعلام الدنيا، روى عنه الإمام أحمد ابن حنبل وغيره،

стр. 74

وغلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعاً، وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب وتركها الناس لطولها، وكان له كتب في الأصول أيضا، وكان من أدهى الناس واخبرهم بالأمور كان إذا رأى فقيهاً سأله عن الحديث أو محدثاً سأله عن النحو أو نحوياً سأله عن الكلام فيخجله ويقطعه. كان ابن زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى ابن اكتم وكان غلاماً متناهي الجمال، فقرص القاضي خده فخجل الغلام واستحيا وطرح القلم من يده، فقال له: خذ القلم واكتب فأملاه: أبا قمراً خمشته فتغضبا ... وأصبح لي من تيهه متجنبا إذا كنت للتخميش والعض كارهاً ... فكن أبداً يا سيدي متنقبا ولا تظهر الأصداغ للناس فتنة ... وتجعل منها فوق خديك عقربا فتقتل مسكيناً وتفتن ناسكاً ... وتترك قاضي المسلمين معذباً ولما تواتر النقل عن يحيى إلى المأمون في هذا المعنى أراد امتحانه، فأغرى به مملوكاً في غاية الجمال وذهب إلى الخلاء ثم تجسس عليه فسمعه يقول له: لولا انتم لكنا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد بيتي ابن حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب: وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهراً ... فأعقبنا بعد الرجاء قنوط متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط ذكر ذلك كله ابن خلكان في تاريخه، وذكرى الحصري في كتابه الذي سماه زهر الآداب وتحامل عليه في هذا المعنى بما لا يليق ذكره وذكر ولوع الشعراء به، ومما أنشده فيه قول الشاعر: ياليت يحيى لم تلده اكتمه ... ولا وطت ارض العراق قدمه ألوط قاضي في الأنام نعلمه ... أي دواة لم يلقها قدمه وأي حجر لم يلجه أرقمه توفي سنة ٢٤٢. محمد بن علي ابن يوسف بن هود الشيخ الزاهد الكبير بدر الدين أبو علي بن هود

стр. 75

المرسي، أحد الأجلاء في التصوف، ترك الحشمة وتغرب وصحب ابن سبعين واشتغل بالفلسفة والطب وترهات الاتحادية وزهديات التصوف وخلط هذا بهذا. كان ذاهبية وسكون وتلامذة، على رأسه قبعة وعلى جسده دلق، وكان غارقاً في الفكرة قليل الصلاة والذكر متواصل الأحزان، حمل مرة إلى والى البلد وهو سكران أخذوه من حارة لليهود، وكان له مشاركات في علوم شتى. توفي سنة ٦٩٩ بدمشق. القاضي الرفيع عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل قاضي قضاة دمشق رفيع الدين أبو حامد الشافعي، كان فقيهاً فاضلا متكلما مناظراً متفلسفاً رديء العقيدة مغتراً، ثم ولى قضاء دمشق في أيام صاحبها الملك الصالح إسماعيل ووزيره أمين الدولة السامري، فاتفق هو وأمين الدولة في الباطن على المسلمين، فكانت عنده شهود زور ومدعون زوراً تدعي وتشهد على شخص بألف دينار فيأمره بالصلح. قال أبو المفر ابن الجوزي: حدثني جماعة من الأعيان إنه كان فاسد العقيدة دهرياً مستهزئاً بأمور الشريعة، يجيء إلى صلاة الجمعة سكران، وان داره كانت مثل الحانة، ثم أوقعت الدنيا بينه وبين الوزير فغدره السامري وسعى به عند السلطان فاعتقل ببعلبك واستأصل ماله، ثم نقل إلى جبل لبنان وخنق هناك أو دفع من شاهق فوقع فمات سنة ٦٤٣. البدر التستري بدر الدين محمد بن أسعد التستري، إمام وقته في الأصلين والمنطق والحكمة، وضع تعاليق البيضاوي والطوالع والمطالع متضمنة لنكت غريبة وان كانت عباراتها قلقة ركيكة، وشرح كتب ابن سيناء، كان مداوما على لعب الشطرنج رافضيا كثير الترك للصلاة. قال الأسنوي: ولهذا لم يكن عليه أنوار أهل العلم ولا حسن هيئهم مع ثروته الزائدة وحسن شكله توفي بهمذان في نيف وثلاثين وسبعمائة. أبو عبيدة اللغوي النحوي معمر بن المثنى، لم يكن في الأرض خارجي ولا إجماعي اعلم بجميع

стр. 76

العلوم منه، وكان الغريب يغلب عليه وأخبار العرب وأيامها، وكان يكسر الشعر ولا يقيم وزنه، وإذا قرأ أو حدث لحن اعتمادا منه، وكان وسخا ألثغ مدخول النسب هجاء يميل إلى مذهب الخوارج لا تقبل له شهادة عند أحد من الحكام لأنه كان يتهم بالميل إلى الغلمان. قال الأصمعي: دخلت أنا وأبو عبيدة يوما المسجد فإذا على الأسطوانة التي يجلس إليها أبو عبيدة: صلى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله آمينا فقال لي: يا أصمعي امح هذا، فركبت ظهره ومحوته بعد أن أثقلته فقال: أثقلتني وقطعت ظهري. فقلت: لقد بقيت الطاء فقال: هي شر حروف البيت. وكان الكاتب لها أبا نؤاس وبعد البيت: فأنت عندي بلا شك بقيهم ... منذ احتملت وقد جاوزت تسعينا توفي سنة ٢٠٩. ابن هانئ أبو الحسن محمد بن هانئ الازدي الأندلسي الشاعر المشهور، كان متهما بمذهب الفلاسفة مشتهرا بحب الخمر. إضافة شخص ببرقة فأقام عنده في مجلس الأنس أياما فيقال أنهم عربدوا عليه فقتلوه سنة ٣٦٢. صاعد الربعي اللغوي البغدادي أبو العلاء صاحب كتاب الفصوص، كان محسنا في السؤال حاذقا في استخراج الأموال، غير إنه كان يتهم بالكذب في نقله فلهذا رفض الناس كتابه، ولما ظهر للمنصور كذبه في النقل وعدم تثبته رمى كتاب الفصوص في النهر، فقال فيه بعض شعراء عصره: قد غاص في البحر كتاب الفصوص ... وهكذا كل ثقيل يغوص فلما سمعه صاعد أنشد:

стр. 77

عاد إلى عنصره إنما ... تخرج من قعر البحور الفصوص توفي سنة ٤١٧ بصقلية. ابن النحاس بهاء الدين محمد بن إبراهيم بن محمد الإمام العلامة، كان من أذكياء بني آدم وله خبرة بالمنطق واقليدس، مشهور بالدين والصدق مع إطراء التكليف والتجمل وصغر العمامة فيه ظرف النحاة وانبساطهم، وكان يتحدث في تعليمه وخطابه بلغة عامة الحلسيين ولا يتقعر في عبارته وأظنه لم يتزوج توفي سنة ٦١٨. أبو الحسن علي بن صاعد الصدفي المنجم المعروف بابن يونس المصري المشهور صاحب الزيج الحاكمي المعروف بزيج ابن يونس في أربع مجلدات كبار كان ابن يونس المذكور أبله مغفلا يعمم على طرطور طويل ويجعل رداءه فوق العمامة، وكان طويلا وإذا ركب ضحك الناس منه لشهرته وسوء حاله ورثاثة لباسه، وكان له مع هذه الهيئة إصابة بليغة غريبة في النجامة لا يشاركه فيها غيره، وكان أحد الشهود ومتفننا في علوم كثيرة. دخل مرة على الحاكم العبيدي صاحب مصر ومداسه في يده فقبل الأرض وجلس والمداس إلى جانبه والحاكم يراها وهو بالقرب منه، ولما انصرف قبل الأرض ولبسها وانصرف. توفي سنة ٣٩٩. التاج المراكشي تاج الدين محمد بن إبراهيم بن يوسف المراكشي، حصل علوما عديدة أكثرها بالسماع لأنه كان ضعيف البصر مقاربا للعمى، كان ذكيا عجولا محتقرا للناس كثير الوقعية فيهم، ولهذا عمل عليه قاضي القضاة جلال الدين القزويني حتى أخرجه من مصر إلى دمشق مرسما عليه. توفي فجأة سنة ٧٥٢. العلم الاصفوني علم الدين أحمد بن محمد بن عبد العليم المعروف بالأصفوني، كان رجلا

стр. 78

فاضلا مشاركا في علوم متعددة مشاركة جيدة، لكنه كان شرس الأخلاق مائلا إلى الحسد لا تدوم له صحبة مع أحد لاسيما من يرى إقبال الناس عليه من أهل العلم. توفي سنة ٧٤٩. الفخر الفارسي الفيروزابادي نزيل مصر الشافعي الصوفي المحقق المحدث، له مصنفات كثيرة منها كتاب مطية النقل وعطية العقل والأصول والكلام وغير ذلك، كان فاضلا بارعا فصيحا متكلما ذا معاملات ورياضيات ومقامات، إلا إنه كان بذيء اللسان كثير الوقيعة في الناس لمن عرف ومن لم يعرف كثير الجرأة لا يفكر فيما يقول، وعنده دعابة في غالب الوقت - كذا قاله عمر بن الحاجب وابن بعطة فيما نقله عنهما عماد الدين ابن كثير في طبقاته. توفي سنة ٦٢٢. الشيخ خضر الكردي شيخ الملك الظاهر، كاشف السلطان في أشياء كثيرة أصاب فيها، وكان حظيا عنده وله المكانة الرفيعة لديه، ينزل السلطان إليه في كل أسبوع مرة أو مرتين وبنى له جامعا، شهد عليه عند السلطان بالزنا واللواط وشرب الخمر، وكان السلطان قد قدمت له هدية من صاحب اليمن من جملتها كر نفيس فأعطاه السلطان للشيخ خضر فدفعه لامرأة وزنى بها وأحضرها وأحضروا الكر بين يدي السلطان. توفي سنة ٦٧١. ابن الخشاب أبو محمد عبد الله بن أحمد المعروف بابن الخشاب البغدادي العالم المشهور في الأدب والنحو والتفسير والحديث والنسب والفرائض والحساب، له العلوم اليد الطولي، كان فيه بذاءة وقلة اكتراث بالمأكل والملبس زاد الحافظ الذهبي ناقلا له عن ابن النجار وجمال الدين القفطي إنه كان بخيلا وسخا قذرا، تبقى عمامته على رأسه حتى تنقطع مما يلي رأسه من الوسخ، ويرمي عليها العصافير ذرقها فيتركه على حاله، ولم يتزوج

стр. 79

قط ولا تسري، وكان يستقي بجرة مكسورة ويلعب بالشطرنج حيثما وجده ويقف على المشعبذ وأصحاب النرود، ويستعير الكتاب فلا يعيده متعللا بضياعه بين كتبه، وكان مزاحا - وساق ابن النجار عنه من ذلك حكايات فمنها إنه قرأ عليه بعض المعلمين قول العجاج: أطربا وأنت قنسري ... وإنما يأتي الصبا الصبي فجعله الصبي بالياء فيهما فقال له: هذا عندك في المكتب فاستحى. ومنها إنه سأله بعض تلامذته فقال: القفا يمد أو يقصر؟ فقال: يمد ثم يقصر. ومنها إنه سأل بعض تلامذته: ما بك؟ فقال: فؤادي يوجعني. فقال: لو لم تهمزه ما وجعك. توفي سنة ٥٦٧. ابن بري أبو محمد عبد الله ابن أبي الوحش بن بري المقدسي، الإمام المشهور في علم النحو واللغة والرواية والدراية. كان علامة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره، وله على كتاب الصحاح للجوهري حواش فائقة استدرك فيها عليه مواضع، كان عارفا بكتاب سيبويه، وكانت فيه غفلة ولا يتكلف في كلامه. ولا يتقيد بالإعراب بل يسترسل في حديثه كيفما اتفق. قال يوما لبعض تلاميذه: اشتر لي هندبا بعروقو. فقال له التلميذ: هندبا بعروقه، كلامه وقال: لا تأخذه إلا بعروقو وان لم يكن بعروقو فلا آكله. ومن غفلته إنه كان يدخل الحطب والبيض جميعا في كمه وعليه الثياب الفاخرة، وربما جاء إلى البيت فلم يجده مفتوحا فيرمى بالبيض من الطاق إلى داخل، ويضع العنب بين الحطب فيتفجر وينقط على رجليه فيقول: مطر والسماء صاحية. وقريب من حكاية رمي البيض ما نقل عن أبي علي الشلوبين إنه وقع من يده كراس في الماء وبقي معه آخر فجره به من الماء فتلفا جميعا. توفي سنة ٥٨٢. الباجي علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحمن المعروف بالباجي، الإمام في الأصلين والمنطق الفاضل فيما عداها من أذكياء الناس، قريحته لا تكاد تنقطع إلا إنه كان قليل

стр. 80

المطالعة جدا ولا يكاد أحد يراه ناظرا في كتاب، وكذلك نقل عن محمد بن زياد أبي عبد الله بن الأعرابي صاحب اللغة إنه كان يحضر مجلسه زهاء مائة نفس كل يسأله أو يقرأ عليه وهو يجيب من غير كتاب. قال أبو العباس: لزمته بضع عشرة سنة ما رأيت بيده كتابا قط. توفي ابن الأعرابي سنة ٢٢١، وكان الباجي المذكور يجلس في حوانيت الشهود، وناب في الحكم بالشارع ثم ترك ذلك كله وأعرض عن التكلف في حاله كله. توفي سنة ٧١٤. الحافظ المزي بكسر الميم أبو الحجاج جمال الدين يوسف الحلبي المعروف بالمزي، وانتهت إليه الرحلة من أقطار الأرض، كان إماما في اللغة والتصريف، صنف تهذيب الكمال في أسماء الرجال وكتاب الأطراف، ودرس بدار الحديث. كان منقبضا عن الناس طارحا للتكلف فقيرا. توفي سنة ٧٤٢. أبو جعفر أحمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحاس المصري النحوي، كان من الفضلاء، وله التصانيف المفيدة منها: إعراب القرآن، والناسخ والمنسوخ، وتفسير أبيات سيبويه بما لم يسبق إلى مثله، وفسر عشرة دواوين وأملأها، وله كتاب طبقات الشعراء، وله شرح الحماسة وله غير ذلك. وكان فيه خساسة وتقتير على نفسه، وإذا وهب عمامة قطعها ثلاث عمائم بخلا وشحا، وكان يلي شراء حوائجه بنفسه ويتحامل فيها على أهل معرفته، ومع هذا كان للناس رغبة كثيرة في الأخذ عنه. توفي بمصر سنة ٣٣٨وكان سبب موته إنه جلس على درج المقياس على شاطئ النيل واخذ يقطع العروض من الشعر، فقال بعض العوام: هذا يسحر النيل حتى لا يزيد فتغلو الأسعار، فدفعه برجله في النيل فلم يوقف له على خير. والنحاس نسبة إلى الصفر. مروان بن أبي حفصة الشاعر المشهور المشكور، كان يمدح الخلفاء والبرامكة ومعن بن زائدة،

стр. 81

وكان يحصل له من الأموال شيء كثير جدا، وكان مع ذلك من ابخل الناس لا يكاد يأكل من اللحم من بخله ولا يشعل في بيته سراجا ولا يلبس من الثياب إلا الكرابيس والفرو الغليظ. خرج يوما إلى المهدي فقالت امرأة من أهله: أن أطلق لك الخليفة شيئا فاجعل لي منه شيئا. فقال: إن أعطاني مائة ألف درهم فلك درهم، فأعطاه ستين ألف درهم فأعطاه أربعة دوانيق. توفي سنة ١٨٢. محمد بن داود ابن علي أبو بكر الفقيه ابن لفقيه الطاهري بن لطاهري. كان عالما بارعا أديبا شاعرا فقيها ماهرا. قال ابن كثير: قال ابن الجوزي في المنتظم: وقد ابتلى بحب صبي اسمه محمد بن جامع ويقال محمد بن زخرف ويعشقه ولم يزل ذلك دأبه فيه مع العفاف حتى كان سبب وفاته. وقيل عنه إنه كان يبيح العشق بشرط العفاف، وحكي هو عن نفسه إنه لم يزل يتعشق مذ كان في الكتاب، وإنه صنف كتاب الزهرة في ذلك، وكان يتناظر هو وأبو العباس بن شريح فقال له ابن شريح يوما: أنت بكتاب الزهرة أمهر منك بهذا. فقال له: أتعيرني بكتاب الزهرة وأنت لا تحسن تشم قراءته، وهو كتاب جمعناه هزلا فاجمع أنت مثله جدا. توفي سنة ٢٩٧. الحسن بن سفيان ابن عامر أبو العباس الشيباني النسوي محدث خراسان، والذي كانت تضرب آباط الإبل إليه في معرفة الحديث والفقه. رحل إلى الآفاق وتفقه على أبي ثور وأخذ الأدب من أصحاب النضر بن شميل. اتفق له إنه كان هو وجماعة من أصحابه بمصر في رحلتهم لطلب الحديث، فضاقت عليهم الحال حتى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون فيها شيئا ولا يجدون ما يبيعونه للقوت، واضطرهم الحال إلى تجشم السؤال وأنفت نفوسهم من ذلك والحاجة تضطرهم، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يقوم بهذا الأمر فوقعت القرعة على الحسن بن سفيان، فقام عنهم واختلى في زاوية المسجد وصلى ودعا، فما انصرف من الصلاة حتى دخل شاب حسن الهيئة فقال: الأمير ابن طولون يتعذر إليكم وهذه مائة

стр. 82

دينار لكل واحد منكم. فقلنا: وما الحامل؟ فقال: إنه أحب أن يتخلى فجاءه فارس بيده رمح في الهواء وقال: قم فأدرك الحسن وأصحابه فإنهم في المسجد الفلاني جياعا. توفي سنة ٣٠٣. بشر بن غياث أبو عبد الرحمن المرسي المتكلم، شيخ المعتزلة واليه تنسب الطائفة المرسية، راج عند المأمون وحظي عنده. كان لا يحسن النحو وكان يلحن لحنا فاحشا كما قاله ابن كثير. توفي في ذي الحجة سنة ٢١٨ وصلى عليه عبيد الشوبيري المحدث فليم في ذلك فقال: إلا تسمعون كيف دعوت له في صلاتي قلت: (اللهم إن عبدك هذا كان ينكر عذاب القبر اللهم فأذقه عذاب القبر، وكان ينكر شفاعة نبيك فلا تجعله من أهلها، وكان ينكر رؤيتك في الدار الآخرة فاحجب وجهك الكريم عنه). وهذا معنى ما قاله بعض السلف من كذب بكرامة لم ينلها - قاله ابن كثير. واصل بن عطاء المعتزلي أبو حذيفة المعروف بالغزال لملازمته الغزالين، أحد الأئمة البلغاء المتكلمين، وكان يلثغ بالراء فيجعلها غينا، ولكونه قبيح اللثغة في الراء كان يخلص كلامه منها ولا يفطن لذلك أحد لاقتداره على الكلام وسهولة ألفاظه، وإلى ذلك أشار الشاعر بقوله: وجعلت وصلى الراء لم تنطق به ... وقطعتني حتى كأنك واصل كان طويل العنق، فنظر إليه عمر بن عبيد فقال من قبل أن يكلمه: لا يصلح هذا ما دامت عليه هذه العنق. توفي سنة ١٣١. أبو حاتم الرازي محمد بن إدريس بن المنذر أبو حاتم الحنظي الرازي، أحد الحفاظ الأثبات العارفين بعلل الحديث والجرح والتعديل، وهو قرين أبي زرعة الرازي تغمدها الله برحمته، سمع الكثير وطاف الأقطار والأمصار وروى عن خلق من الكبار، وحدث عنه الربيع بن سليمان ويونس بن عبد الأعلى وهما اكبر منه. قال لابنه عبد الرحمن: يا بني مشيت

стр. 83

على قدمي في طلب الحديث أكثر من ألف فرسخ، وذكر إنه لم يكن له شيء ينفق منه في بعض الأحيان، وإنه مكث ثلاثا لا يأكل شيئا حتى استقرض من بعض أصحابه نصف دينار. توفي سنة ٢٧٧. سيبويه أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر البصري الحجة في النحو والعلم فيه إمام النحاة، شرح النحاة كتابه فانغمروا في لجج بحره واستخرجوا من جواهره حاصله ولم يبلغه إلى قعره. وزعم ثعلب إنه لم ينفرد بتصنيفه وقد ساعده جماعه في تصنيفه كانوا نحوا من أربعين نفسا هو احدهم وهو أصول الخليل بن أحمد ونكته فادعاه سيبويه لنفسه - هكذا نقله ابن كثير عن ثعلب. ونقله في مرآة الزمان عن أبي عبد الله المرزباني وتعقيبه وقال: هذا وهم من المرزباني لا جماعهم على أن سيبويه هو الذي جمع أوزان العرب وحصرها وقرر أصول الكتاب وفصوله ورتب أبوابه. وقال ابن كثير بعد نقله ذلك عن ثعلب: وقد استبعده السيراني في طبقات النحاة. ولما قدم سيبويه بغداد وناظر الكسائي وأصحابه فلم يظهر عليهم سأل عمن يرغب من الملوك في النحو؟ فقيل طلحة بن طاهر، فشخص إلى خراسان فلما انتهى إلى ساوة مرض الموت فتمثل: يؤمل دنيا لتبقى له ... فمات المؤمل قبل الأمل حثيثا يروي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل توفي وعمره ثنتان وثلاثون سنة سنة ١٨٠. والفسيل والفسيلة: الودي، وهو صغار النخل، والجمع الفسلان - قاله الجوهري. شريك ابن عبد الله بن أبي شريك أبو عبد الله القاضي النخعي الكافي، سمع أبا إسحاق السبيعي وغير واحد، أكرهه المنصور على القضاء، كان مشكورا في حكمه وإمضائه إياه على الأكابر. ذكر الخطيب بسنده أن عمر بن الهياج قال: كنت صاحب شريك

стр. 84

فأتيته يوما فخرج إلي في فروليس تحته قميص وعليه كساء، فقلت له: لقد أصبحت عن مجلس الحكم فقال: غسلت أمس ثيابي تجف وأنا منتظر جفافها اجلس. قال: فجلست فجعلنا نتذاكر باب العبد يتزوج بغير إذن مولاه، وكانت الخيزران قد وجهت رجلا نصرانياً وكتبت إلى موسى بن عيسى لا يعصي له أمرا، فظلم رجلا فتعلق ذلك الرجل بشريك فاقتص له منه بيده، ثم عاد يذاكر عمر في العبد تزوج كأن لم يفعل شيئا، وقد ساق الحكاية بطولها في مرآة الزمان ناقلا لها عن الخطيب. قال في مرآة الزمان: وقد روى عن ابن عون أن شريكا كان يشرب النبيذ المثلث على رأي أهل العراق، وبذلك عابوه. توفي سنة ١٧٧. ابن يونس موسى بن محمد بن منعه المعروف بابن يونس الموصلي الشافعي، أحد المتبحرين في العلوم المتنوعة. قيل إنه كان يتقن أربعة عشر علما، كان يقرأ عليه الحنفيون كتبهم، وكان يقرأ عليه أهل الكتاب التوراة والإنجيل فيقرون أنهم لم يسمعوا بمثل تفسيره لها، وكان الشيخ تقي الدين بن الصلاح يبالغ في الثناء عليه، فقيل له يوما: من شيخه؟ فقال: هذا الرجل خلقه الله عالما لا يقال على من اشتغل فإنه اكبر من هذا. قال ابن خلكان: وكان يتهم في دينه لكون العلوم العقلية غالبة عليه. توفي سنة ٦٣٩. وأنشد العماد المعري في ابن يونس: أجدك أن قد جاد بعد التعب ... غزال بوصل لي وأصبح مؤنسي وعاطيته صهباء من فيه مزجها ... كرقة شعري أو كدين ابن يونس قال الموفق عبد اللطيف: وكان مستغرق الوقت والعقل في حب الكيمياء حتى صار يستخف بكل ما عداها. أبو بكر النيسابوري عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري الحافظ الفقيه الشافعي العلامة المعروف بأبي بكر زياد. قال يوسف القواس: سمعت أبا بكر النيسابوري يقول: أتعرف من أقام

стр. 85

أربعين سنة لم ينم الليل ويتقوت كل يوم خميس حبات؟ ثم قال: أنا هو توفي سنة ٣٢٢. محمد شمس الدين أبو عبد الله بن الإمام العلامة عفيف الدين التلمساني الشاعر بن الشاعر، تعاني الكتابة وولي عمالة الخزانة، كان فيه عشرة ولعب وخلاعة كما قاله الغزي في مختصر تاريخ الإسلام. قال في الذيل: وكان شمس الدين محمد المذكور قد أضافه أولاد المشطوب وطلبوا منه أن يبيت عندهم، فقال لهم: أعملوا والدي بمبيتي حتى لا يتشوش خاطره وهو والوالدة فبعثوا إلى والده الشيخ عفيف الدين ولدهم العماد إسماعيل - وهو يومئذ من أحسن الفتيان صورة - لإعلام الشيخ عفيف الدين بمبيت ولده عندهم، فتكلم عفيف الدين بديها هذين البيتين وبعث بهما صحبة العماد إسماعيل: بعثتموا لي رسولا في رسالته ... حلو المراشف والأعطاف والهيف وقدتما ويسير ذاك إنكما ... أوقدتما النار في بادي الضنى دنف فرد عليه ولده شمس الدين بديها وكتب على ظهره الرقعة: مولاي كيف انثني عنك الرسول ولم ... تكن لوردة خديه بمقتطف جاءتك من بحر ذاك الحسن لؤلؤة ... فكيف ردت بلا ثقب إلى الصدف لما قدم السجاعي دمشق خاف منه شمس الدين لكونه كاتب الخزانة خوفا عظيما انقطع منه قلبه، فمات شابا سنة ٦٨٨. ابن حزم أبو محمد علي الظاهري، الإمام العلامة الحافظ المجتهد. كان كثير الوقوع في العلماء فنفرت عنه القلوب وتألب عليه الفقهاء واتفقوا على بغضه وتضليله وشنعوا عليه وحذروا سلاطينهم من فتنته ونهوا عوامهم عن الدنو منه، فأقصته الملوك وشردته عن بلادها حتى انتهى إلى بادية فلاة فتوفي بها سنة ٤٥٦. أبو الحسن علي بن بوعت، كان شاعرا مجيدا إلا إنه كان قليل الحظ من الدنيا، لم يزل رقيق

стр. 86

الحال ضعيف القدرة إلى أن توفي وهو على حاله من الضرورة وشدة الفاقة بمصر سنة ٤١٦. أبو حاتم السجستاني قال التبغاشي وغيره: كان أفضل أهل زمانه علما وورعا، وبلغ من فضله إنه كان يتصدق كل يوم بدينار ويختم القرآن في كل أسبوع، وكان من أظرف أهل زمانه وأطيبهم خلوة وأحسنهم مفاكهة إلا إنه كان مولعا بالغلمان يذهب فيهم مذهب الاستمتاع بالنظر لاقتضاء الوطر، وذكر أن البرد أبا العباس كان يحضر حلقته يقرأ عليه، وكان المبرد من أجمل أهل زمانه، فقال فيه أبو حاتم: وقف الجمال بخده ... فسما به حذو الإمام حركاته وسكونه ... تحيا بها مهج الأنام فإذا خلوت بمثله ... وعزمت فيه على اغترام لم أعد أفعال العفا ... ف وذاك أو كد للغرام نفسي فداؤك يا أبا ال ... عباس حل بك اعتصام فارحم أخاك فإنه ... نزر الكرى بادي السقام وانله ما دون الحرا ... م فليس يطمع في الحرام وقرأت من خط الشيخ شهاب الدين السجستاني: أبو حاتم السجستاني سهل بن محمد ابن عثمان السجستاني ثم البصري النحوي المقرئ صاحب المصنفات، أخذ عن أبي عبيدة وأبي زيد الأنصاري والأصمعي وغيرهم، وحمل الناس القرآن والحديث والعربية، وكان جماعا للكتب وله اليد الطولي في اللغة والشعر والعروض والمعمى، ولم يكن حاذقا في النحو. وله إعراب القرآن، وكتاب ما يلحن فيه العامة، والمقصور والممدود، وكتاب القسي والنبال والسهام، وكتاب الهجاء، وكتاب الشتاء والصيف، وكتاب النحل والعسل. كان أبو العباس المبرد يلازم حلقته وهو غلام وسيم في نهاية من الجمال، فعمل فيه أبو حاتم. . . وذكر الأبيات المذكورة. توفي سنة ٢٥٠.

стр. 87

ابن الجبان الأصفهاني محمد بن علي بن عمر بن الجبان الأصفهاني أبو منصور، أحد حساب الري وعلمائها الأعيان، جيد المعرفة باللغة، ومن تصانيفه كتاب أبنية الأفعال وكتاب الشامل في اللغة وهو كتاب كبير وشرح الفصيح وهو حسن. قال ياقوت: وجدت خطه على كتاب الشامل له، وقد كتبه في سنة ٤١٦. ذكره يحيى بن مندة فقال: بينه وبين الصاحب بن عباد مكاتبات، وعلق غلاما من الديلم يقال له التركاني، فاتفق للغلام إنه عزم على الحج فلم يجد ابن الجبان بدا من موافقته ومرافقته، فلما بلغا الميقات وأحرما وأخذا في التلبية قال ابن الجبان (لبيك اللهم لبيك والتركاني ساقني إليك) وكان هجيراه: يا نسيم الروض في السحر ... وشبيه الشمس والقمر إن من أسهرت ليلته ... لقرير العين بالسهر ثم ابتلى بفراقة فكتب إليه: يا وحشني لفراقكم ... أترى يدوم على هذا الموت والأجل المتا ... ح وكل معضلة ولا ذا نقلت هذه الترجمة من خط الشيخ نور الدين الأبياري. السهيلي عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد أبو القاسم وأبو زيد وأبو الحسن الخثعمي السهيلي الأندلسي المالقي النحوي الحافظ. ناظر علي بن الحسن ابن الطراوة في كتاب سيبويه وسمع منه كثيرا من كتب اللغة، ذكر إنه استخرج الروض الأنف من نيف وعشرين ومائة ديوان، وله كتاب التعريف والإعلام بما أبهم في القرآن، وكتاب شرح آية الوصاية وشرح الجمل ولم يتمه، واستدعي إلى مراكش ليسمع بها وبها توفى. قال ابن خلكان: وكان يتسوغ بالعفاف ويتبلغ بالكفاف حتى نمى خبره إلى صاحب مراكش فطلبه وأحسن إليه وأقام بها نحو ثلاثة أعوام، ثم توفي سنة ٥٨١.

стр. 88

ابن دحية الكلبي العلامة أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي بن محمد بن الجميل المعروف بابن دحية الكلبي، كان يكتب لنفسه ذو النسبتين بين دحية والحسين وإنه سبط أبي السام الحسيني الفاطمي. كان له التصانيف الفائقة والرحلة الواسعة والدراية الحسنة بالنحو واللغة والحديث متنا وإسنادا، وروى عن جماعة وروى عنه جماعة طول الحافظ الذهبي روايته ومن روى هو عنه وأطال ترجمته إلى أن قال: قال ابن واصل: وكان أبو الخطاب مع فرط معرفته بالحديث متهما بالمجازفة في النقل، وبلغ ذلك الملك الكامل وقد بنى له دار الحديث بالقاهرة، فأمره أن يعلق شيئا على أحاديث الشهاب، فعلق كتابا تكلم فيه على أحاديثه وإسناده، فلما وقف الملك الكامل على ذلك قال له بعد حين: قد ضاع مني فعلق لي مثله ففعل، فجاء في الثاني بمناقصة الأول، فعلم السلطان صحة ما نقل عنه وعزله من دار الحديث. قال ابن نقطة: كان يدعى أشياء لا حقيقة لها، ذكر لي أبو القاسم بن عبد السلام وهو ثقة قال: نزل عندنا ابن دحية فكان يقول: أنا أحفظ صحيح مسلم والترمذي، فخلطنا له أحاديث من الترمذي بأحاديث موضوعة وامتحناه بها فلم يعرف منها شيئا. قال ابن خلكان: وصنع للمظفر صاحب اربل قصيدة ادعى إنها له، فظهرت في ديوان الأسعد بن مماتي. قال الذهبي: وكذلك نسبة شيء لا حقيقة له، قرأت بخط ابن مدى: كان أبوه تاجراً يعرف بالكلبي بين الفاء والباء وهو اسم موضع بدانية، وكان أبو الخطاب يكتب أولا الكلبي معا إشارة إلى النسب والبلد. توفي سنة ٦٣٣. المسعودي شارح المقامات محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مسعود أبو سعيد وأبو عبد الله ابن أبي السعادات المسعودي الخراساني، وروى عن جماعة وروى عنه جماعة، وكان المحدثون يلينونه كما قال الذهبي. قال ابن خليل الآدمي: لم يكن في نقله بثقة ولا مأمون. توفي سنة ٥٨٤.

стр. 89

الشاطبي القاسم بن فيرة بن خلف الرعيني الأندلسي الشاطبي المقرئ أحد الأعلام. كان إماما علامة نبيلا واسع المحفوظ كثير الفنون بارعا في القراءات وعللها حافظا للحديث أستاذا في العربية، وقصيدتاه في القراءات والرسم مما يدل على تبحره. قال الذهبي: وصبر على فقر شديد ثم قدم القاهرة فطلبه القاضي الفاضل للإقراء بمدرسته فأجاب بعد شروط اشتراطها. قال السخاوي: أقطع بأنه كان مكاشفا وإنه سأل الله تعالى كفاف حاله ما كان أحد يعلم أي شيء هو. توفي سنة ٥٩٥. ابن طارق أحمد بن طارق بن سنان أبو الرضي الكركي الأصل البغدادي المولد التاجر المحدث، سمع من أبي نصر موهوب بن الجواليقي وابي الفضل بن الأموري وأحمد بن طاهر المهسي وجماعة غيرهم، طول روايته وذكر من روى عنه الذهبي ثم قال: قال ابن النجار: إلا إنه كان في التشيع شحيحا مقترا على نفسه يشتري من لقم المكدين ويتبع المحدثين ليأكل معهم ولا يشعل في بيته ضوأ وخلف تجارة تساوي ثلاثة آلاف دينار. مات في سنة ٥٩٢ وبقي في بيته أياما لا يدري به وأكلت الفارة أذنيه وانفه. القاضي الفاضل أبو علي بن القاضي الأشرف أبي الحسين اللخمي العسقلاني البيساني، مسودات رسائله لا تقصر عن مائة مجلد. قال الموفق عبد اللطيف: كان قليل النحو لكن له دربة قوية تعرض له قلة اللحن، وكان متقللا في مطعمه ومنكحه وملبسه، لباسه البياض لا يبلغ جميع ما عليه دينارين، وكان فيه سوء خلق يكتمه ولا يظهره. توفي سنة ٥٩٦. ابن بيان ذو الرياستين محمد بن محمد ذي الرياستين بن أبي الطاهر الأبياري المصري أبو الفضل، سمع من خلق وكتب الكثير بخطه، وتولى ديوان النظر في الدولة المصرية، وتقلب في الخدم في الأيام الصلاحية، وكان القاضي لفاضل ممن يغشي بابه ويمتدحه

стр. 90

ويفتخر بالوصول إليه، فلما جاءت الدولة الصلاحية قال القاضي الفاضل: هذا رجل كبير القدر يصلح أن يجري عليه ما يكفيه ويجلس في بيته ففعل به ذلك، ثم إنه توجه إلى اليمن ووزر لسيف الإسلام، ثم عاد وعليه ديون ثقيلة وأدى أمره إلى أن جلس في الجامع الأزهر، كان ينتقص القاضي الفاضل لا يراه بالعين الأولى والفاضل يقصر في حقه فيقصر الناس معه مراعاة له، وكان بعض من له دين أعجميا جاهلا فصعد إلى سطح الجامع وسفه عليه وقبض على لحيته، ففر وألقى نفسه من سطح الجامع فتهشم وحمل إلى داره فبقي أياماً ثم مات سنة ٥٩٦. ابن بصيلة عبد الله بن خلف بن رافع الحافظ أبو محمد بن بصيلة المكي الأصل القاهري. كان حافظاً محصلاً عالما بالتواريخ والوفيات، وجمع مجاميع مفيدة وشرع في تاريخ مصر وعجز عن إكماله لضيق ذات يده. توفي سنة ٥٩٨. شميم علي بن الحسن بن عنبر الأديب أبو الحسن النحوي المعروف بشميم الشاعر الحلي، قدم بغداد وتأدب بها على أبي محمد بن الخشاب وغيره وحفظ كثيرا من أشعار العرب واحكم اللغة والعربية، قال الشعر الجيد إلا أن حمقه أخره. قال الذهبي: قرأت بخط محمد بن عبد الجليل الموماني قال بعض العلماء: وردت إلى آمد سنة ٥٩٤فرأيت أهلها مطبقين على وصف هذا الشيخ، فقصدته ودخلت عليه فوجدته شيخا كبيرا نحيف الجسم وبين يديه حملان مملوء كتبا من تصانيفه، فسلمت عليه ثم قلت: إنما جئت لأقتبس من علومك شيئا. فقال: أي علم تحب؟ قلت: الأدب. قال: إن تصانيفي في الأدب كثيرة وذلك أن الأوائل جمعوا أقوال غيرهم وبوبوها وأما أنا فكل ما عندي من نتائج فكري، فإنني قد علمت كتاب الحماسة وأبو تمام جمع أشعار العرب في حماسته وأنا فعلت حماسة من شعري، ثم سب أبا تمام وقال: رأيت الناس مجمعين على استحسان خمريات أبي نؤاس فعملت كتاب الخمريات من شعري، ورأيتهم مجمعين على خطب

стр. 91

ابن نباتة فعملت خطبا. وجعل يزري بالمتقدمين ويصف نفسه ويجهل الأوائل ويقول ذاك الكلب قال كذا. قلت: فأنشدني شيئا من شعرك، فأنشدني من الخمريات له فاستحسنت ذلك فغضب وقال: ويلك ما عندي غير الاستحسان. فقلت: فما أصنع؟ قال: تصنع هكذا، ثم قام يرقص ويصفق إلى أن تعب ثم جلس يقول: ما أصنع ببهائم. ثم شطح في الكلام وقال: ليس في الوجود إلا خالقان واحد في السماء وواحد في الأرض، فالذي في السماء هو الله تعالى والذي في الأرض أنا. ثم التفت إلي وقال: هذا لا يحتمله العامة لكونهم لا يفهمونه، إذا لا اقدر على خلق شيء إلا خلق الكلام. فقلت: يا مولانا أنا محدث وإن لم يكن في المحدث جرأة مات بغيظه وأحب أن أسألك عن شيء، فتبسم وقال: ما أراك تسأل إلا عن معضلة هات. فقلت: لم سميت شميما، فشمني وقال: اعلم إنني بقيت مدة لا أتغوط ثم يجيء كالبندقة من الطين، فكنت آخذه وأقول لمن انبسط إليه شمه فإنه لا رائحة له، فقلت بذلك ارضيت يابن الفاعلة. قال ابن النجار: كان أديبا مبررا في علم اللغة والنحو، لكنه كان أحمق قليل الدين رقعا يستهزئ بالناس ولا يعتقد أن في الدنيا مثله ولا يكون أبدا. وحكي ابن العديم بسنده إنه كان لا يأكل إلا التراب، فكان رجيعه يجيء يابسا لا ريح له، فيجعله في جنبه فمن دخل عليه أشمه إياه ويقول: قد تجوهرت. توفي سنة ٦٠١ وله عدة كتب كثيرة يطول ذكرها. الجزلي عيسى بن العزيز بن بللبخت بن عيسى العلامة أبو موسى الجزولي اليزدكتني المراكشي النحوي، حج ولزم العلامة عبد الله بن بري وأخذ العربية عنه جماعة، وكان علامة لا يشق غباره في النحو مع جوده التفهيم وحسن العبارة، وأتى في مقدمته بالعجائب حتى أن الشخص يعرف المسألة من النحو معرفة جيدة وإذا رآها في الجزولية يدور رأسه فيها، واسم هذه المقدمة (القانون)، وكان ينكر إنها له تورعا لأنها نتائج بحوثه على ابن بري وبحوث رفقائه. وبللخت جده رجل بربري، وجزولة بطن من البربر. قال الذهبي: وقرأت بخط محمد بن عبد الجليل الموقاني أن الجزولي قاسى بمدة مقامه بمصر كثيرا من

стр. 92

الفقر ولم يدخل مدرسة، وكان يخرج إلى الضياع يؤم بقوم فيحصل ما ينفقه في غاية الصبر، ورجع إلى المغرب فقيرا مدقعا، فلما وصل إلى المرية أو نحوها رهن كتاب ابن السراج الذي قرأه على ابن بري وعليه خطه، فأنهى المرتهن أمره إلى الشيخ أبي العباس المغربي أحد الزهاد بالمغرب، وكان يصاحب بني عبد المؤمن، فأنهى أبو العباس ذلك إلى السلطان فأمر بإحضاره وقدمه وأحسن إليه انتهى. وصنف كتابا في شرح أصول ابن السراج واخذ عنه النحو أبو علي الشلوبين ويحيى بن معطي. توفي سنة ٦٠٧. التاج الكندي زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن العلامة تاج الدين أبو اليمن الكندي البغدادي المقرئ النحوي اللغوي، أعلى أهل الأرض إسنادا في القراءات. قال ابن النجار: كان اعلم أهل زمانه بالنحو، أظنه يحفظ كتاب سيبويه، ما دخلت عليه قط إلا وهو في يده يطالع فيه، وهو في مجلد واحد بخط رفيع. والشيخ يقرأه بلا كلفة وقد بلغ التسعين. قال القفطي: كان بحلب يبتاع الخليع من الملبوس ويتجر به إلى بلد الروم. ثم ترقت به الحال وكان لينا في الرواية معجبا بنفسه فيما يذكره ويرويه، إذا نواظر جبه بالقبيح ولم يكن موفق العلم. رأيت له أشياء باردة. قال: واشتهر عنه إنه لم يكن صحيح العقيدة. قال الموفق عبد اللطيف: كان معجبا بنفسه مؤذيا لجليسه. توفي سنة ٦١٢. ياقوت ابن عبد الله شهاب الدين الرومي الحموي البغدادي الإمام النحوي اللغوي الإخباري. صنف كتاب معجم البلدان، وكتاب معجم الأدباء وإرشاد الالباء إلى معرفة الأدباء في أربع مجلدات، وأخبار الشعراء المتأخرين، ومعجم الشعراء، وكتاب المشترك وضعا المختلف صعقا، وكتاب المبدأ والمال في التاريخ، وكتاب المقتضب في النسب. اتفق له مرة إنه تنقص عليا ﵁ فثار عليه الناس وكادوا يقتلونه فهرب إلى حلب ثم إلى الموصل واربل ودخل خراسان واستوطن مرو يتجر، ثم دخل خوارزم فصادفه خروج التتار فانهزم بنفسه وقاسى شدائد وتوصل إلى الموصل وهو فقير دائر. قال الذهبي: قال جمال

стр. 93

الدين القفطي في تاريخ النحاة له إنه كتب إليه رسالة من الموصل شرحا لما تم على خراسان، ومنها (كان المملوك لما فارق مولاه أراد استعتاب الدهر الجامع واستدرارا حلب الزمان الجامح اغترارا بأن الحركة بركة والاغتراب داعية الاكتساب فامتطى غارب الأمل إلى الغرابة وركب ركوب التطواف مع كل صحبة، فلم يرث له دهره الخؤون ولا رق له زمانه المفتون). إن الليالي والأيام لو سئلت ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا وهيهات مع حرفة الأدب بلوغ وطر أو إدراك أرب، ومع عبوس الحظ ابتسام الدهر الكظ، ولم أزل مع الدهر في تفنيد وعتاب حتى رضيت من الغنيمة بالإياب، وهي طويلة. توفي ٦٢٦. ابن معطي يحيى بن عبد النور الشيخ زين الدين أبو الحسين الزواوي المغربي النحوي الحنفي، صنف في الأدب والنحو والعروض وحمل الناس عنه، وكان إماماً مبرزا في علم اللسان شاعراً محسناً، وكان أحد الشهود بدمشق وليس له من طرق الكسب ما يقوم بكفايته كما قال الحافظ الذهبي، فحضر مع العلماء عند الملك الكامل، وكان له طرف من النحو، فسألهم فقال (زيد ذهب به) هل يجوز في زيد النصب؟ فقالوا: لا فقال ابن معطي يجوز النصب على أن يكون المرتفع بذهب المصدر الذي دل عليه ذهب وهو الذهاب، وعلى هذا فموضع الجار والمجرور الذي هو به النصب، فيجيء من باب مررت به، إذ يجوز في زيد النصب فكذلك هاهنا. فاستحسن السلطان جوابه وأمره بالسفر معه إلى مصر، فسافر وقرر له معلوماً. قال الذهبي: فلم تطل مدة حياته فتوفي سنة ٦٢٨. أبو حامد الاسفرايني احمد بن محمد بن أحمد الإسفرايني الشيخ أبو حامد بن أبي طاهر، شيخ طريقة العراق بل إمام المذهب على الإطلاق، شيخ الإسلام والمسلمين قاطبة ورحلة الطلاب، طبق الشيخ أبو حامد الأرض بالأصحاب وجمع مجلسه ثلاثمائة متفقه،

стр. 94

واتفق الموافق والمخالف على تفضيله حتى قال أبو الحسين القدوري: هو عندي أفقه أو أنظر من الشافعي، وأفتى وهو ابن سبع عشرة سنة وقام يفتي إلى ثمانين سنة، انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا حتى إنه قال للخليفة: انك لست بقادر على عزلي من ولايتي التي أولاني الله تعالى إياها وأنا قدر أن أكتب إلى خراسان بكلمتين أو ثلاثة أعزلك عن خلافتك، وأرسل إلى مصر فاشترى أمالي الشافعي بمائة دينار السبكي في الطبقات عن سليم الرازي: أن الشيخ أبا حامد كان يحرس في درب كان يطالع في زيت الحرس ويأكل من أجرة الحرس توفي في شوال سنة ٤٥٦. ابن عنين محمد بن نصر الله بن مكارم بن الحسين بن عنين الأديب الرئيس شرف الدين أبو المحاسن الأنصاري الكوفي الدمشقي الشاعر المشهور، سمع من الحافظ أبي القاسم بن عساكر، كان غزير المادة مطلعاً على أشعار العرب، واشتغل على القطب النيسابوري والفخر الرازي وجال في البلاد ومدح الملوك والوزراء وهجا الصدور والكبراء، أقامه الملك المعظم مقام نفسه في ديوانه فأحسن السياسة، إلا إنه في الأخير ظهر منه سوء اعتقاد وطعن في السلف واستهتار بالشريعة وكثر عسفه وظلمه وترك الصلاة وسب الأنبياء صلوات الله عليهم، ولم يزل يستورد الخمر إلى ما قبل وفاته بقليل. توفي سنة ٦٣٠. ابن حموية اليزدي علي بن أحمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين حموية الإمام أبو الحسن اليزدي الشافعي المقرئ المحدث نزيل بغداد، حدث عن خلق ذكرهم الحافظ الذهبي وذكر من روى عنه. قال: وقرأت بخط أحمد بن شافع أن مصنفاته زادت على خمسين مصنفا. قال أبو سعيد السمعاني: فقيه فاضل سخي النفس بما يملك، كان له عمامة وقميص بينه وبين أخيه إذا خرج ذلك قعد هذا وإذا خرج هذا قعد الآخر، هكذا ترجمه الذهبي وطول في ترجمته فذكر مشيخته وكراماته إلا إنه قال: زاهد. توفي سنة ٥٥١.

стр. 95

نفطويه إبراهيم بن عرفة أبو عبد الله النحوي المعروف، أخذ العربية المبرد وثعلب ومحمد بن الجهم، وخلط نحو الكوفة بنحو البصرة، وتفقه على مذهب داود بن علي الظاهري، ومن تصانيفه كتاب التاريخ، غريب القرآن، المقنع في النحو، المصادر، الوزراء. وغير ذلك. وكان مع كونه من أعياء العلماء غير مكترث بإصلاح نفسه، وكان يفرط به الصنان فلا يعره، وحضر يوماً مجلس وزير المقتدر حامد بن العباس، فتأذى هو وجلساؤه من صنانه فطلب الوزير مرتكا فبدأ بنفسه وأداره على الجماعة فتمرتكوا وفطنوا مراده، فقال نفطويه: لا حاجة لي به. فراجعه فأبى فاحتد حامد وقال: عاض كذا من أمه إنما تمرتكنا من أجلك فإنا تأذينا بصنانك قم لا أقام الله لك وزنا، أخرجوه وأبعدوه ببغداد. توفي سنة ٣٢٣ ولقب نفطويه لرمامته وأذيته تشبيها بالنفط. إمام الأئمة ابن خزيمة محمد بن إسحاق بن خزيمة إمام الأئمة أبو بكر السلمي النيسابوري المجتهد المطلق البحر العجاج، روى عن خلائق وروى عنه الأئمة البخاري ومسلم ويحيى بن محمد بن صاعد وغيرهم. قال الحاكم: سمعت أبا عمرو ابن إسماعيل يقول: كنت في مجلس ابن خزيمة فاستمد مدة فناولته القلم بيساري إذ كانت يميني قد اسودت من الكتابة، فلم يأخذ القلم وأمسك فقال بعض أصحابه: لو ناولت الشيخ بيمينك فقد امتنع من أن يأخذ من يسارك، فأخذت القلم وناولته إياه فأخذه مني. وقد أطال الحاكم في تاريخ نيسابور ترجمته بما لا مزيد على حسنه. قال السبكي في الطبقات قال أبو أحمد الدرامي: كان له قميص يلبسه وقميص عند الخياط، فإذا فرغ الذي يلبسه وهبه وغدوا إلى الخياط وجاءوا بالقميص الآخر، وقيل له يوما: لو حلقت شعرك في الحمام؟ فقال: لم يثبت عندي إن رسول الله ﷺ دخل حماما قط ولا حلق شعره إنما تأخذ شعري جارية بالمقراض. توفي سنة ٣١١.

стр. 96

أبو عمر غلام ثعلب محمد بن عبد الواحد الزاهد المعروف بغلام ثعلب، أحد أئمة اللغة المشاهير المكثرين، صحب أبا العباس ثعلبا فعرف به، وله تصانيف كثيرة وكان لسعة روايته وحفظه يكذبه أدباء زمانه في أكثر نقل اللغة ويقولون لو طار طائر يقول أبو عمر حدثنا ثعلب عن ابن الأعرابي ويذكر في معنى ذلك شيئا، وكان أغلب تصانيفه من حفظه حتى إنه املي في اللغة ثلاثين ألف ورقة فلهذا الإكثار نسب إلى الكذب. قال الملك المؤيد صاحب حماه في تاريخه: وكان اشتغاله بالعلوم قد منعه من اكتساب الرزق فلم يزل مضيقا عليه. توفي سنة ٣٤٥. أبو الوقت السجزي عبد الأول بن عيسى بن شعيب بن إبراهيم بن إسحاق أبو الوقت السجزي الأصل الهروي الصوفي، مسند العصر ورحلة الدنيا، روى عن خلائق وروى عنه أمم لا يحصون. حكي عن والده إنه أخذه ماشيا من هراة إلى بوشبخ ليسمعه الحديث وكان أبوه أيضا ماشيا، فكان إذا أعيا حمله على كتفه وعمره إذ ذاك دون عشر سنين. قال: وكنا نلتقي أفواه الطرق فلاحين فيقولون: يا شيخ عيسى ادفع إلينا هذا الطفل نركبه وإياك. فيقول: معاذ الله أن يركب في طلب حديث رسول الوفود ترحل إلي من الأمصار. توفي سنة ٥٥٤. ابن نباتة السعدي أبو نصر عبد العزيز بن نباتة السعدي، أديب فضله تام وروض علمه زاهر، اصفي عليه حرمانه ولم يسعفه زمانه، ورد على أبي الفضل ابن العميد وامتدحه بقصيدته التي أولها: برح اشتياق وادكار ... ولهيب أنفاس حرار ومدامع عبراتها ... ترفض عن نوم مطار لله قلبي ما يجن ... من الهموم وما يواري

стр. 97

وكبرت عن وصل الصغا ... ر وما سلوت عن الكبار ومنها: لم يبق لي عيش يل ... ذ سوى معانفة العقار وإذا استهل فتى العمي ... د تضاحكت ديم القطار حر صفت أخلاقه ... صفو السبيك من النضار فتأخرت صلته فشفع هذه القصيدة بأخرى وأتبعها برقعة فلم يزدها ابن العميد غير الإهمال، فتوصل إلى أن دخل عليه ومجلسه محتفل بالأعيان فأشار بيده إليه وقال: أيها الرئيس إني لزمتك لزوم الظل وذللت لك ذل النعل وأكلت النوى المحرق انتظارا لصلتك، ووالله ما بي الحرمان ولكن شماته قوم نصحوني فاغتششتهم وصدقوني فاتهمتهم فبأي وجه ألقاهم، فإن كان للنجاح علامة فأين هي وما هي، إن الذي تحسدهم على ما مدحوا به كانوا من طينتك وان الذين هجوا كانوا مثلك، فزاحم بمنكبيك أعظمهم سناءا وأنوارهم شعاعا. فحار ابن العميد وشده وأطرق ساعة ثم قال: هذا وقت يضيق عن الإطالة منك في الاستزادة وعن الإطالة منا في المعذرة، وإذا ترامينا ما دفعنا إليه استأنفنا ما نتحامد عليه فقال ابن نباتة: هذه نفثة مصدور والغني إذا مطل لئيم. فاستشاط ابن العميد وقال: والله ما استوجبت هذا العتب من أحد من خلق الله، ولست ولي نعمتي فأحتملك ولا صنيعتي فأغضى عنك، وإن بعض ما أقررته في مسامعي تنقض منه مرة الحليم ويبدد شمل الصبر، هذا وما استقدمتك بكتاب ولا استدعيتك برسول ولا سألتك مدحي. فقال ابن نباتة: لما جلست في صدر إيوانك بأبهتك وقلت (لا يخاطبني أحد إلا بالرياسة) دعوتني بلسان الحال وان لم تدعني بلسان المقال. فثار ابن العميد مغضبا ودخل حجرته وتعوص المجلس، وسمع ابن نباتة ذاهبا وهو يقول: والله إن سف التراب والمشي على الجمر أهون من هذا، فلعن الله الأدب إن كان بائعه مهينا له ومشتريه مماكسا فيه، فلما سكن غيظ ابن العميد وثاب إليه علمه التمسه ليتعذر إليه فكأنما غاص بين سمع الأرض وبصرها، فكان حسرة في قلب ابن العميد إلى ان مات - ملخصا من ابن خلكان.

стр. 98

الزبيدي محمد بن يحيى بن علي بن مسلم القرشي الزبيدي الواعظ أو عبد الله كان له معرفة بالنحو والأدب. قال الذهبي: قال أحمد بن صالح بن شافع كان له في علم الأصول وعلم العربية حظ وافر، وصنف كتبا في فنون العلم تزيد على مائة تصنيف. قال الحافظ الذهبي: وكان صبورا على الفقر متعففا حنفي المذهب. قال أبو الفرج ابن الجوزي: حدثني الوزير ابن هبيرة قال: جلست مع الزبيدي من بكرة إلى قريب الظهر وهو يلوك شيئا في فيه، فسألته فقال: لم يكن فينا عجيبا يخضب بالحناء ويركب حمارا مخضوبا ويعظ ويجبه بالحق. توفي سنة ٥٥٥. أبو النجيب السهر وردي عبد القاهر بن عبد الله بن محمد الشيخ أبو النجيب السهر وردي الصوفي الواعظ الفقيه الشافعي. قال الذهبي: الزاهد حفظ كتاب الوسيط في التفسير للواحدي وسمع كتب الحديث المشهورة وتفقه على اسعد الميمنى وتأدب على الفصيحى وكتب عنه أبو سعد السمعاني. قال ابن النجار: أنبأنا يحيى بن القاسم التكريتي أنبأنا أبو النجيب قال كنت ابقي اليوم واليومين لا استطعم بزاد، وكنت أنزل إلى دجلة وأتقلب في الماء حتى يسكن جوعي، حتى دعتني الحاجة إلى ان اتخذت قربة وكنت استقي بها الماء لأقوام، فلما تعذر ذلك في الشتاء خرجت إلى بعض الأسواق فوجدت رجلا بين يديه طبرزين وعنده جماعة يدقون. فقلت: هل لك أن تستأجرني. فقال: أرني يديك فأريته فقال: هذه يد لا تصلح إلا للقلم، ثم ناولني قرطاساً فيه ذهب. فقلت: ما آخذ إلا أجرة عملي وكان رجلا يقظاً فقال: اصعد. وقال لغلامه: ناوله تلك المدقة، فناولني فدققت معهم فلما عملت ساعة قال: تعال. فجئت إليه فناولني الذهب وقال: هذه أجرتك، فأخذته وانصرفت ثم وقع في قلبي الاشتغال فاشتغلت. ثم قال ابن النجار: ثم وعظ على أصحابه بخربة على دجلة يحضره الرجل والرجلان إلى أن اشتهر اسمه وصار له القبول عند الملوك وزارته السلاطين وبني تلك الخربة رباطاً وبنى إلى جانبها مدرسة، ثم ولى التدريس بالنظامية وعزل عنها بعد سنتين.

стр. 99

توفي سنة ٥٤٥. الميداني أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم أبو الفضل الميداني، صاحب الأمثال، تلميذ أبي الحسن الواحدي، واشتمل كتابه في الأمثال على ستة ألف مثل، ولما وقف عليه الزمخشري حسده فزاد في لفظة الميداني نوناً قبل الميم فصار النميداني، وهو بالفارسية الذي لا يعرف شيئاً، فعمد إلى تصنيف الزمخشري وعمل الميم نوناً فصارت الزمخشري وهو بالفارسية بائع زوجته. قال محمد بن المعالي في كتابه ضالة الأديب من الصحاح والتهذيب: سمعت أكابر أصحاب الميداني يقولون: لو كان للوفاء والشهامة والفضل صورة لكان الميداني صورتها. ومن نظمه رحمه الله تعالى: شفة لماها زاد في آلامي ... في رشف ريقتها شفاء سقامى قد ضمنا جنح الدجى وللثمنا ... صوت كقطك أرؤس الأقلام توفي سنة ٥٣٩. أبو العلاء الهمذاني الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد الحافظ أبو العلاء الهمذاني العطار المقرئ الحنبلي المحدث شيخ مدينة همذان، أربى على أهل زمانه في كثرة السماعات وتحصيل الأصول، وبرع على حفاظ عصره في حفظ ما يتعلق بالحديث من الإنسان والتواريخ والأسماء والكنى والقصص والسير. قال الحافظ عبد القادر الرهاوي: شيخنا الإمام أبو العلاء أشهر من أن يعرف بل تعذر وجود مثله في أعصار كثيرة، سمعت أن من جملة محفوظاته كتاب الجمهرة، رآني يوماً وعلى رأسي قلنسوة مكشوفة فقال: لا تلبسها مكشوفة فإن أول من أظهر لبس القلانس مكشوفة أبو مسلم الخراساني، ثم شرع في ذكر أبي مسلم فذكر أحواله من أولها إلى آخرها. وجاءته مرة فتوى في أمر عثمان، فأخذها وكتب فيها من حفظه ونحن جلوس درجاً طويلاً ذكر فيها وفاته وسنه ومولده وأولاده وما قيل فيه إلى غير ذلك. وكان من أبناء التجار وورث مالاً فأنفقه في طلب العلم حتى

стр. 100

سافر إلى بغداد واصبهان مرات كثيرة ماشياً وكان يحمل كتبه على ظهره، وسمعته يقول: كنت أبيت ببغداد في المساجد وآكل خبزاً أدهن، وسمعت شيخنا أبا الفضل الأديب الهمذاني يقول: رأيت الحافظ أبا العلاء في مسجد من مساجد بغداد يكتب وهو قائم على رجليه لأن السراج كان عالياً، ثم نشر الله ذكره في الآفاق وعظم شأنه عند الملوك والعوام، حتى إنه كان يمر في همذان فلا يبقى أحد يراه إلا قام ودعا له حتى الصبيان واليهود. توفي سنة ٥٦٩. ابن مكتوم صاحب الدر اللقيط تلميذ أبي حيان أحمد بن عبد القادر بن أحمد ابن مكتوم القيسي الحنفي تاج الدين الإمام النحوي المحدث المؤرخ، صاحب التصانيف المفيدة فمنها: تاريخ النحويين، وكتاب الحيل، وكتاب الدر اللقيط الذي انتقاده من البحر المحيط لأبي حيان، ومنها شرح تصريف ابن الحاجب، واختصار تاريخ القفطي، وشرح فصيح ثعلب، وله مجاميع حسنة بخطه. ورأيت بخط العلامة نور الدين الأبياري أشياء حسنة يذكر إنه نقلها من خطه، قال ابن مكتوم ومن خطه نقلت: اذكره مرة وقد حمل الحسد على العلم بعض من ابتلاه الله بالجهل ممن كان يجالسني من الشهود على أن تألب علي وأعانه على ذلك نويس من أشكاله، فاجتمع عنده نحو الخمسة منهم وكتب هو بخطه رسماً نسبني فيه إلى الوقوع فيما يعلم الله براءتي منه وقدمه إليهم ليشهدوا فيه عليّ زوراً بما تضمنه، فأراد كل منهم أن يتقدمه غيره إلى ذلك وجبنوا وألقى الله الرعب في قلوبهم وضرب عليهم الذلة والمسكنة، فتفرقوا من فورهم خاملين وصاروا عن قليل بعد الصحبة الأكيدة متعادين يذكر كل منهم عن الآخر ما إذا سمعه أحزنه وغمه، ولا يرقب في شتمه واغتيابه إلا ولا ذمه، فالحمد لله الذي كفاني شرهم وجعل محل كيدهم نحرهم، وحتى بلغني ذلك من بعضهم ومن آخرين سواهم فلم أعتب أحداً منهم على ما فعلته، إذ داء الحسد كما علم لا دواء له، فقال: سوى وجع الحساد داء فإنه ... إذا حل في قلب فليس يحول وقال محمد بن عيسى بن حمدان القرطبي:

стр. 101

كن من أخ في فؤاده دغل ... أخوف من كاسح يجاهده انتهى ما أردت نقله من خطه، وجدت بخطه مجموعاً ومنه نقلت ما كتبت هنا، وهو مكتوب في ظهور الحجج والوثائق التي تجتمع عند الشهود بحيث إنه صار مقسوماً صفحتين صفحتين بين كل ظاهرين باطنان فيهما الوثيقة، وهذا إما عن فقر عظيم أو عن شح عظيم، وأياً ما كان فهو مستحق للذكر في هذا الفصل. ابن خالويه الحسين بن أحمد بن حمدان بن خالويه الهمذاني اللغوي المقرئ النحوي أبو عبد الله، أحد العلماء المشهورين والأدباء المصنفين، ومن تصانيفه: كتاب الاشتقاق، وكتاب الجمل في النحو، وكتاب القراءات وكتاب إعراب ثلاثين سورة من القرآن، وكتاب المقصور والممدود، وشرح شعر أبي فراس الحمداني وغير ذلك. قرأت بخط العلامة ابن مكتوم إنه كان يلقب بذي النونين لأنه كان يطولهما في خطه وهما نون الحسين ونون ابن. قال: وقد رأيتهما طويلتين في آخر كتاب الجمرة بخطه وقد طولهما جداً كما ذكر عنه، ووجد على نسخة من إصلاح المنطق بخط أبي الحسن علي بن عبد الله بن أحمد البزار ما مثاله لما فرغت من هذا الجزء كان أبو سعيد العطاردي حاضراً فقال على لساني: قرأت ما فيه على الحسين ... قراءة صدق لم تشب بمين مستفهم الشكل مرتين ... فجاء كالمسك على لجين أو كعذار فوق عارضين ... حتى إذا ما تم لي باون شرفني الإسناد بالنونين قال ابن مكتوم كما نقلته من خطه: وكان ابن خالويه على إمامته في اللغة ضعيفاً في النحو وعلله ضعيفاً في التصريف، وله في ذلك مع أبي علي الفارسي وتلميذه أبي الفتح بن جني حكايات معروفة. ويحكى أن أبا الطيب المتنبي لما أنشد سيف الدولة ابن حمدان قوله: وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه

стр. 102

قال له ابن خولويه: إنما يقال (شجاه) لا أشجاه توهمه ماضياً فقال له المتنبي: أسكت فما وصل الأكر إليك. وجرى بينه وبين الفارسي كلام فقال ابن خالويه: نتكلم في كتاب سيبويه. فقال له الفارسي: لا بل نتكلم في الفصيح. ولأبي على الفارسي في تغليطه كتاب نقض الهادور قلت: وأنت إذا وقفت على ضعفه في العربية وقفت على سر الحكاية المشهورة عنه وإنها ليست من هضم النفس في شيء، وهي إنه قال له رجل: أشتهي أن أتعلم من العربية ما أقيم به لساني. فقال: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو ما تعلمت ما أقيم به لساني. توفي سنة ٣٧٠. ابن الجصاص المتمول الصدر الرئيس أبو عبد الله الحسين بن عبد الله الجصاص البغدادي الجوهري التاجر السفار. وقال ابن طولون: لا يباع لنا شيء إلا على يد ابن الجصاص. صادره المقتدر في سنة ٣٠٢ فأخذ له من الذهب والجوهر ما قوم بأربعة آلاف دينار. وقال ابن الجوزي في المنتظم اخذوا له ما مقداره ستة عشر ألف ألف دينار عيناً وورقاً وخيلا وقماشاً ويحكى عنه بله وتغفل، مر به صديق له فقال: كيف أنت؟ فقال ابن الجصاص: الدنيا كلها محمومة وكان قد حم. ونظر مرة في المرآة فقال لصاحبه: ترى لحيتي قد طالت. فقال: المرآة في يدك. قال: الشاهد يرى مالا يرى الغائب. ودخل يوماً على الوزير ابن الفرات فقال عندنا كلاب يحرموننا ننام. فقال الوزير: لعلهم جراء. فقال: بل كل واحد قدي وقدك. وفرغ من الأكل فقال: الحمد لله الذي لا يخلف بأعظم منه. وأراد أن يقبل يوماً رأس الوزير فقال: إن فيه دهناً: فقال: أقبله ولو أن فيه خرءاً. ووصف يوماً مصحفاً قديماً فقال: كسروي. توفي سنة ٣١٥. الأديب أبو بكر بن بقي ترجم لهصاحب القلائد العقيان فقال: نبيل النثر والنظام، قليل الإرتياط والانتظام، ضناً عليه حرمانه وما صفا له زمانه، فصار قعيد صهوات وقاطع فلوات، مع توهم لا يطفئه بأماني، ومن نظمه الرقيق المعاني:

стр. 103

عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك العتيق لناشق حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئاً وكان معانقي باعدته عن أضلع تشتاقه ... كي لا ينام على وساد خافق وله من قصيدة: ولكن ما جدى صبا غير لاقح ... يسد طريق المزن عن ارضي الفل أخلاي والآادب تجمع بيننا ... وبعض طباع لست اقضي على كل ذوى أملى عند اهتزاز عصوبة ... وارخصني الدهر كالذي كان بي يعلى ومنها: وامدحهم ما حسبي الله كاذباً ... فيجزونني بالمنع شكلا على شكل أبو الحسن علي بن أحمد بن نونحت، كان أديباً مجيداً إلا إنه كان قليل الحظ من الدنيا، لم يزل رقيق الحال ضعيف المقدرة حتى توفي بمصر في شعبان سنة ٤١٦، وهو على حاله من الضرورة وشدة الفاقة، فكفنه أبو محمد ابن حيران متولي كتب السجلات بمصر. الصولي أبو بكر بن محمد بن يحيى بن عبد الله المعروف بالصولي، أحد الأدباء الفضلاء المشهورين. روى عن أبي داود السجستاني والمبرد وغيرهم وروى عنه الدارقطني والمرزباني، وله التآليف المشهورة، وكان أوحد وقته في لعب الشطرنج وبه يضرب المثل فيه، خرج من بغداد لإضافة لحقته فتوفي سنة ٣٣٥. ابن ظفر أبو عبد الله محمد الصقلي، له التصانيف المتعددة منها: سلوات المطاع، وخبر البشر، وأنباء نجباء الأبناء، والينبوع في التفسير، وشرح مقامات الحريري، والحاشية على درة الغواص ذكره العماد في الخريدة ولم يزل يكابد الفقر حتى مات. قيل إنه زوج ابنته بحماه من غير كفء للضرورة، فرحل بها الزوج عن حماه في بعض البلاد. توفي سنة ٥٧٥.

стр. 104

ابن السكيت أبو يوسف يعقوب بن إسحاق بن السكيت الإمام اللغوي النحوي، كان أول الأمر يؤدب أولاد العامة ببغداد بدرب القنطرة، ثم أدب ولدا بن طاهر والمتوكل وجعفر. قال الحسين بن عبد المجيب: سمعت يعقوب بن السكيت في مجلس أبي بكر بن شبة يقول: ومن الناس من يحبك حباً ... ظاهر الحب ليس بالتقصير فإذا ما سألته نصف فلس ... لحق الحب باللطيف الخبير قيل: إن المتوكل قتله، وذلك أن المتوكل أمره بشتم رجل من قريش فلم يفعل فأمر القرشي أن ينال منه ففعل فأجابه يعقوب، فلما أجابه يعقوب قال له المتوكل: أمرتك أن تفعل فلم تفعل فلما شتمك فعلت، فأمر بضربه فحمل من عنده صريعاً مقتولاً. ووجه المتوكل إلى بني يعقوب من الغد عشرة آلاف درهم - قاله الابياري في نزهة الألباء. الأديب أبو جعفر ابن المثني، ترجم له صاحب قلائد العقيان فقال: رافع راية القريض وصاحب آية التصريح والتعريض، أقام شرائعه واظهر روائعه وجعل عصيه طائعه، وكان أليف غلمان وحليف كفر لا إيمان، ما نطق متشرعاً ولا رتق متورعاً ولا اعتقد حشراً ولا صدق بعثاً ولا نشرا، وربما تنسك مجوناً وفتكا وتمسك باسم التقي وقد هتك هتكا لا يبالي كيف ذهب ولا بما تمذهب، وقد اثبت له ما يرتشقه ريقا ويلحو الأوان منه شروقاً، فمن ذلك قوله: كيف لا يزداد قلبي ... من جوى الشوق خبالا وإذا قلت علي ... بهر الناس جمالا هو كالغصن وكالبدر ... قواماً واعتدالاً إن من رام سلوى ... عنه قد رام محالا لست أسلو عن هواه ... كان رشداً أو ضلالا

стр. 105

ولما اشتهر عند ناصر الدولة ما تقرر وتردد على مسامعه انهتاكه وتكرر أخرجه ونفاه وطمس رسم فسوقه وعفاه. الإمام أبو سهل الصعلوكي محمد بن سليمان بن محمد بن سليمان بن هارون الحنفي مسباً من بني حنيفة العجلي الإمام أبو سهل الصعلوكي، شيخ عصره وإمام الدنيا في الفقه والتفسير والأدب واللغة والنحو والشعر والكلام والتصوف وغير ذلك من أصناف العلوم. وعن الصاحب أبي القاسم بن عباد لم تر خراسان مثله ولا أرى هو مثل نفسه، لقي أبا بكر بن خزيمة وأبا العباس علي الثقفي وغيرهم. وحكي عنه إنه قال: ما مرت بي جمعة إلا ولي على الشبلي وقفة أو سؤال، وإنه قال: دخل الشبلي على أبي إسحاق المروزي فرآني عنده فقال: هذا المجنون من أصحابك لا بل من أصحابنا. وعن الشيخ أبي عبد الرحمن السلمي إنه قال: قلت للأستاذ أبي سهل في كلام جرى بيننا: لم؟ فقال لي: أما علمت إنه من قال لأستاذه لم لم يفلح أبداً. قال السبكي في الطبقات قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: سمعت أبا عبد الرحمن السلمي يقول: وهب الأستاذ أبو سهل جبته من إنسان في الشتاء، وكان يلبس جبة النساء حين يخرج إلى التدريس إذا لم يكن له جبة أخرى، فيقدم الوفد المعروفون من فارس وفيهم من كل نوع أمام من الفقهاء والمتكلمين والنحويين، فأرسل إليه صاحب الجيش أبو الحسن وأمره أن يركب لاستقبالهم، فلبس دراعة فوق تلك الجبة التي للنساء وركب. فقال صاحب الجيش: إنه مستخف بي أمام البلد يركب في جبة النساء، ثم ناظرهم فغلبهم أجمعين في كل فن. توفي في ذي القعدة سنة ٣٦٩ وصلى عليه ابنه أبو الطيب ودفن في المجلس الذي كان يدرس فيه. الغزي أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى بن عثمان بن محمد الكلبي الغزي الشاعر المشهور، ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخه وقال: إنه دخل دمشق ثم بغداد وأقام بالمدرسة النظامية سنين كثيرة ومدح ورثى، ثم رحل إلى خراسان وانتشر شعره هناك وأثنى عليه.

стр. 106

وذكره العماد الكاتب في الخريدة وأثنى عليه وقال: إنه جاب البلاد وتغرب وأكثر التنقل والحركات وتغلغل في أقطار خراسان وكرمان، ولقي ناصر الدين بن مكرم بن العلاء وزير كرمان ومدحه بقصيدته البائية التي يقول فيها: حملنا من الأيام ما لا نطيقه ... كما حمل العظم الكسير العصائبا ومنها في قصر الليل. وليل رجونا أن يدب عذاره ... فما اختط حتى صار بالفجر شعائبا ومن شعره: قالوا هجرت الشعر قلت ضرورة ... باب الدواعي والبواعث مغلق خلت الديار فلا كريم يرتجي ... منه النوال ولا مليح يعشق ومن العجائب أن نراه كاسداً ... ويخان فيه مع الكساد ويسرق ومن شعره: وخز الأسنة والخضوع لناقص ... أمران في ذوق النهى مران وللرأي أن تختار فيما دونه ال ... مران وخز أسنة المران ومن شعره: من آلة ست ما عند الوزير سوى ... تحريك لحيته في حال إيماء فهو الوزير ولا أزر يشد به ... مثل العروض له بحر بلا ماء وله: وجف الناس حتى لو بكينا ... تعذر ما تبل به الجفون فما تندى لممدوح بنان ... ولا يندى لمهجو جبين ولد بغزة وتوفي وقد جاوز التسعين ودفن بيلخ سنة ٥٣٤. ومن نظم الغزي: قالوا بعدت ولم تقرب فقلت لهم ... بعدي عن الناس في هذا الزمان حجا إذا خروجك لم يخرجك عن كرب ... حسدت من كان جليس البيت ما خرجا كم عالم لم يلج بالقرع باب غنى ... وجاهل قبل قرع الباب قد ولجا

стр. 107

قعدت في البيت إذ ضيعت منتظراً ... من رحمة الله بعد الشدة الفرجا قال المصنف ﵀: (تنبيه) قال كاتبه ومصنفه أحمد بن علي الدلجي عافاه الله من الفلاكة مهما وجدت في ترجمة عالم أو شاعر إنه طاف البلاد وجال وتنقل فاحكم عليه ما لم يكن محدثاً بأنه في غاية الفلاكة، وهذا أمر يصححه عندي الذوق والوجدان ولا أشك فيه، وأنا اقطع بأن التنقل من لوازم الفلاكة وما خرج أحد من بلد ويمكنه الإقامة فيها والله أعلم. الفارابي محمد أبو نصر بن محمد بن أوزلغ بن طرخان من مدينة فاراب من بلاد الترك، كان إماماً فاضلاً وفيلسوفاً كاملا برع في الفلسفة وأتقنها وأظهر محاسنها وتفنن في فن الموسيقى واخترع فيه ما لم يسبق إليه، وشرح كتب الأوائل. كان في أول الأمر قاضياً ببلاده فأودع عنده رجل من التجار جملة من كتب ارسطاطاليس فنظر فيها فصادفت منه قبولا فترك القضاء واكب عليها بجملته وتجرد وسافر إلى بغداد وأقام بها وقرأ بها المنطق على يوحنا بن حبلان، وقرأ النحو على أبي بكر بن السراج ثم سافر إلى مصر ثم رجع إلى دمشق وأقام بها إلى مات. قال أبو الحسن الآمدي: كان الفارابي مقتنعاً باليسير من الرزق، وكان في أول أمره ماطوراً ببستان بدمشق وهو في مثل هذه الحالة ملازم للاشتغال ليله ونهاره، وكان في أكثر لياليه يستضيء على المطالعة بقنديل الحارس، ولم يزل كذلك حتى ظهر فضله وكثرت تلامذته واجتمع به الأمير سيف الدولة أبو الحسن علي بن عبد الله الثعلبي فأكرمه وأوسع عليه، فلم يقبل منه سوى أربع دراهم فضة في اليوم يصرفها في الضروري من عيشه. ومن دعائه (اللهم ألبسني حلل البهاء وكرامات الأنبياء وسعادة الأغنياء وعلوم الحكماء وخشوع الأتقياء) ومن شعره: بزجاجتين قطعت عمري ... وعليهما عولت أمري فزجاجة ملئت بحبر ... وزجاجة ملئت بخمر فبذي أدون حكمتي ... وبذي ازيل هموم صدري

стр. 108

وكان يرى الإنفراد على شرب الخمر ولا يحب المنادمة عليها. توفي ﵀ في شهور سنة ٣٣٤. نقلت ذلك كله من عيون الأنباء في طبقات الأطباء مما اختاره الحسن ابن أحمد بن زفر الابلي الشافعي من تاريخ اصيبعة. الهروي صاحب الغريبين أبو عبيد أحمد بن محمد بن محمد بن عبيد العبدي الهروي القاشاني من كبار العلماء، وأخذ عن أبي منصور الأزهري اللغوي، وكتابه المذكور فسر فيه غريب القرآن وغريب الحديث النبوي وسار في الآفاق، قال ابن خلكان: وقيل إنه كان يحب البذلة ويتناول في الخلوة ويعاشر أهل الأدب في مجالس اللذة والطرب عفا الله عنه، وقد أشار الباخرزي في ترجمة بعض أدباء خراسان إلى شيء من ذلك. توفي سنة٤٠١. وضبط القاشاني بالقاف والشين المنقوطة. ابن فارس اللغوي أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد الرازي اللغوي، كان إماما في علوم شتى خصوصا اللغة فإنه أتقنها وألف كتابه المجمل في اللغة، وهو على اختصاره جمع أشياء كثيرة، وله رسائل أنيقة ومسائل في اللغة يعايي بها الفقهاء، ومنه اقتبس الحريري ذلك الأسلوب في مقامته التي وضع فيها مائة مسألة وعنه اخذ البديع الهمذاني، ومن نظمه: إذا كنت في حاجة مرسلا ... وأنت بها كلف مغرم فأرسل حكيما ولا توصه ... وذاك الحكيم هم الدرهم وله: سقى همذان الغيث لست بسائل ... سوى ذا وفي الأحشاء نار تضرم وما لي لا أصفي الدعاء لبلدة ... أفدت بها نسيان ما كنت اعلم نسيت الذي أحسنته غير إني ... مدين وما في جوف بيتي درهم وله: وقالوا كيف حالك قلت خير ... تقضي حاجة وتفوت حاج

стр. 109

إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا ... عسى يوما يكون لها انفراج نديمي هرتي وأنيس نفسي ... دفاتر لي ومعشق في السراج (جحظة) أبو الحسين أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك المعروف بجحظة البرمكي، كان فاضلا صاحب فنون وأخبار ونجوم ونوادر ومنادمة وأشعار، ومن شعره: فقلت لها بخت على يقظى ... فجودي في المنام لمستهام فقالت لي صرت تنام أيضا ... وتطمع أن أزورك في المنام وله: أصبحت بين معاشر هجروا الندى ... وتقلبوا الأخلاق من أسلافهم قوم أحاول نيلهم فكأنما ... حاولت نتف الشعر من آنافهم هات اسقينها بالكبير وغنى ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم وله: وقائلة لي كيف حالك بعدنا ... أفي ثوب يسر أنت أم ثوب معسر فقلت لها لا تسأليني فإنني ... أروح وأغدو في حرام مقتر توفي سنة ٣٢٦. ابن الخياط الشاعر المفطور صاحب الديوان المشهور أبو عبد الله أحمد بن محمد الثعلبي المعروف بابن الخياط، وطاف البلاد وامتداح الناس ودخل بلاد العجم، دخل مرة إلى حلب وهو رقيق الحال لا يقدر على شيء، فكتب إلى ابن حبوس الشاعر المشهور: لم يبق عندي ما يباع بحبة ... وكفاك مني منظري عن مخبري إلا بقية ماء وجه صنتها ... من أن تباع وأين أين المشتري وقصيدته البائية كفاه بفضله، وهي التي أولها (خذا من صباه أمانا لقلبه). توفي سنة ٥١٧.

стр. 110

الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، ذكره الإمام العلامة الحافظ عبد الكريم ابن السمعانى في ذيله على تاريخ بغداد وقال في أثناء ترجمته: كان بحرا في الحديث. وقال أيضا في أثناء الترجمة ردا على الطاعنين فيه: وفضل محمد بن طاهر ومعرفته بعلم الحديث وتصانيفه وتبحره لا ينكر، ومن أنكر من مشايخنا عليه فإنما أنكر سيرته ولعله تاب. ونقل عن أبي الحسن بن أبي طالب الكرخي الفقيه إنه قال عنه: ما كان على وجه الأرض له نظير. ثم نقل عنه إنه صنف كتابا في جواز النظر إلى المراد وإنه قال: رأيت جارية بمصر مليحة صلى الله عليها. فقيل له: تصلى عليها؟ فقال: صلى الله عليها وعلى كل مليح. ونقل أيضا عنه حكاية خرج منها إنه كان في غاية الفقر، وملخصها أن الحال أعوزته وهو يكتب الحديث ولم يبق معه غير درهم وهو محتاج إلى كاغد وإلى خبز، فردده بين الأمرين يوما وثانيه، فلما كان اليوم الثالث قال: لم يبق إلا الخبز فإني إن اشتريت به كاغدا لا أقدر على النسخ لأجل الجوع، فوضعه في فيه وخرج ليشتري به فاتفق إنه ابتلعه فأخذه الضحك، فلقيه أبو طاهر الصانع فسأله عن سبب ضحكه فكتمه إياه، فألح عليه فامتنع فحلف عليه بالطلاق ليخبرنه الخبر، فأخبره بالحال فحمله إلى البيت وتسبب له في دراهم كثيرة - اهـ ملخصا (أبو العلاء محمد بن محمد بن صالح بن الهبارية) كان إماما في علوم الأدب بحرا في النظم والنثر سلس الشعر مع قوة المعنى وصحة المبنى، ومن نظمه يمدح أمين الدولة بن التلميذ وكان نصرانيا وكان محمد بن الهبارية شريفا عباسيا: يا بني التلميذ لو وافيتكم ... لم تكن نفسي بأهلي شغفه إنما طلقت كرمان بكم ... إنكم لي عوض ما أشرفه برئيس الحكماء المرتجى ... إنه لي جنة مخترقة شمس مجد لا تراها أبدا ... عن سماوات العلى منكسفه
следующие страницы →