← Адаб

Адаб · id 36075

الفلاكة والمفلوكون

الدلجي، أحمد بن علي

Полный текст (145 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لمن يستحق الحمد لذاته وهويته، ويستوجب الشكر لكمال إلهيته، وتتقاصر الأوهام عن دقائق أقداره وأقضيته، وتتحير الأفهام في لطائف آلائه ورأفته وتدهش العقول في كمال مصنوعاته وحكمته، وتقف الأفكار حيرى في كبريائه وقاهريته. الخلق مقهورون محجوجون بساطع حجته، والقلوب في تصرفه يقلبها كيف يشاء على وفق مشيئته. ما من شيء إلا وفي خزائنه غير معدوم، وما ننزله إلا بقدر معلوم. ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾. على علمه الخير والشر، والنفع والضر، والحركة والسكون، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره كل في فلك يسبحون. جعل لكل أجل كتاباً، وللمسببات أسباباً، وربط المسببات بالأسباب وهو خالق الأسباب والمسببات، وأوقع الشبع عقيب الأكل دائما على العادة وهو غني عن العادات، وهب العقل فيسربه سواء السبيل، وركب الحرق فنقص به الخط من التحصيل. ﴿ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إنه على صراط مستقيم﴾، ﴿إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون﴾. أغنى وأقنى، وأضحك وأبكى وأمات واحيا. ﴿لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون﴾. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم أشد عذاب أليم وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الهادي بإذنه إلى صراط مستقيم ﴿عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف

стр. 2

رحيم﴾ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وذويه، وسائر أتباعه وأوليائه ومحبيه وسلم تسليماً كثيراً. وبعد، فقد منحتكم يا معشر إخواني المفاليك كتاباً بديع المثال، منسوجاً على غير منوال، مخترعاً من غير سابقة مثال مسلاة وتمثلا وحكمة وعللا، تتخذونه مفاكهة وأمثالاً، وتتصرفون به في ظنونكم رداً وأعمالاً، وتنزعون به أيديكم من ربقة انتزاعاً، وترفعون به نحو الأغراض والمقاصد شرعاً. وكان المحرك لهذه الكتابة أن سائلا سأل عن السبب في علية الفلاكة والإهمال على نوع الإنسان، فصادف مني نشاطاً للكلام في ذلك نفشة مصدور وضربة موتور، وناراً ساكنة ألقمها حطباً، ودعوة وافقت إرادة ومطلباً. وأنا أعتذر عما لا يوافق الغرض ولا يصيب الغرض، وعن استبدال الجوهر بالعرض، بأن استكشاف أسرار الدقائق واستشفاف أنوار الحقائق مما يتعذر أو يتعسر مع العوائق البدنية والصوارف النفسانية، ولو كان الخاطر صقيلا باتراً ومواد الكلام بحراً زاخراً، فكيف إذا كانت الفكرة كليلة، والبضاعة من العلم قليلة، والصوارف متناصرة، والبواعث متقاصرة والشواغل إلى حد المنع من معاودة التنقيح والتهذيب، والوقت ضيق عن اختيار الألفاظ وجودة الترتيب، والكتب مفقودة أو مستعارة، والهموم تشن غارة بعد غارة. هذا مع إن المخترعات التي لم تسبق بتصنيف ولا بتدوين وترصيف لا تبلغ بها الفائدة نصابها، وتفتح للمعاذير أبوابها. ومن الله استمد العصمة من وصمة الغلط، وغوائل الأوهام وبوادر السقط، وأن يوفقنا لإخلاص النية وإحسان الطوية. ورتبت مقصود هذا الجمع في فصول: الفصل الأول: في تحقيق معنى المفلوك الذي قصر عليه هذا الكتاب. الفصل الثاني: في خلق الأعمال وبيان أن لا حجة للمفلوك في التعلق بالقضاء والقدر. الفصل الثالث: في أن التوكل لا ينافي التعلق بالأسباب وان الزهد لا ينافي كون المال في اليدين. الفصل الرابع: في الآفات التي تنشأ من الفلاكة وتستلزمها الفلاكة وتقتضيها. الفصل الخامس:

стр. 3

في أن الفلاكة والإهمال ألصق بأهل العلم وألزم لهم من غيرهم وبيان السبب في ذلك. الفصل السادس: في مصير العلوم كمالات نفسانية وطاعة ليس إلا بعد كونها صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف وبيان السبب في ذلك. الفصل السابع: في علية الفلاكة والإهمال والإملاق على نوع الإنسان وبيان السبب في ذلك. الفصل الثامن: في أن الفلاكة المالية تستلزم الفلاكة الحالية. الفصل التاسع: في أن التملق والخضوع وبسط أعذار الناس والمبالغة في الاعتذار إليهم وإظهار حبهم ومناصحتهم من أحسن أحوال المفلوكين وأليق الصفات بهم وأفضى الطريق بهم إلى مقاصدهم وبيان الدليل على ذلك. الفصل العاشر: في تراجم العلماء الذين تقلبت عنهم دنياهم ولم يحظوا منها بطائل. الفصل الحادي عشر: في مباحث تتعلق بالفصل قبله ومن المباحث النكبات الحاصلة للأعيان. الفصل الثاني عشر: في أشعار المفلوكين أو من في معناهم وما فيها من مقاصد شتى وبيان أن الحامل عليها إنما هو الفلاكة. الفصل الثالث عشر: في وصايا يستضاء بها في ظلمات الفلاكة نختم به الكتاب. الفصل الأول في تحقيق معنى المفلوك هذه اللفظة تلقيناها من أفاضل العجم، ويريدون بها بشهادة مواقع الاستعمال الرجل الغير المحظوظ المهمل في الناس لإملاقه وفقره، وليس في صحاح الجوهري ولا في القاموس المحيط في هذه المادة مل يصلح لهذا المعنى إلا قول صاحب القاموس (فلك تفليكا: إذا لج في الأمر) فإنه يمكن أن يجعل مصححا لهذا الاستعمال. وبيانه أن اللجاج لازم الإملاق، فإنه يلزم من الإملاق وعدم الحظ اللجاج، فيكون من باب إطلاق اللازم وارادة الملزوم. وهذا مع ما فيه من التكلف مردود بأنه فعل تفعيلا لا يصح أن يكون اسم المفعول منه بزنة مفعول، والذي يظهر إنه مأخوذ من الفلك الذي هو جسم محيط بالعالم، فكأن الفلك يعارض غير المحظوظ في مراده ويدافعه عنه فان قيل: هذا فاسد لفظاً ومعنى: أما اللفظ فلأن الفلك اسم جامد لا يصح أن يشتق منه صيغة مفعول، ولا يصح اشتقاقه من الفلك

стр. 4

لما فيه من معنى الاستدارة، لأن الفلاكة بمعنى عدم الحظ ليست من معنى الاستدارة في شيء ولا على المجاز، على معنى أن عدم الحظ لما استلزم الحركة والاضطراب والجولان كان إطلاقها وإرادته من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم، لأن اللزم لعدم الحظ هو مطلق الحركة والاضطراب لا لحركة المقيدة بالاستدارة، وأما المعنى فإن اشتقاقه من الفلك على معنى أن الفلك يعارضه في مراده ويدافعه عنه غير مستقيم، لما تقرر في الكتب الكلامية أن الله تعالى هو خالق كل شيء. فالجواب عن الأول أن اشتقاق المفلوك من الفلكغير ممتنع، فقد قالوا (رأسته) بمعنى ضربت رأسه، و (رأيته) بمعنى أصبت رئته، وابلغ من ذلك اشتقاقهم من الحروف كما في اشتقاق (احاشي) من الحاشا الحرفية الاستثنائية في أحد التخريجين في قول من قال: (ولا أحاشي من الأقوام من أحد) وأبلغ من ذلك اشتقاقهم من لفظ الجملة كالحوقلة والبسملة والهيللة وعن الثاني أن ذلك من قبيل المجاز العقلي، وهو نسبة الشيء إلى زمانه مجازاً تشبيهاً للتلبس الغير الفاعل بالتلبس الفاعلي، ويشهد لذلك ما قاله العلماء في قوله ﷺ ، (الشؤم في ثلاثة أو أن يكن الشؤم ففي المرأة والدار والفرس) على اختلاف الروايتين جزما وتعليقا من أن ذلك على المجاز والاتساع، أي قد يحصل الشؤم مقارناً لها وعندها لا أنها هي في أنفسها مما توجب الشؤم، فقد تكون الدار قد قضى الله تعالى أن يمت فيها خلقاً من عباده، كما يقدر ذلك في البلد بالطاعون والوباء، فيضاف ذلك إلى المكان مجازاً، والله خلقه عنده وقدره. فقد صح بهذا التقرير جواز أخذ المفلوك من الفلك، على معنى إنه الذي يعارضه الفلك في مراده على جهة التجوز. ولو سلم أن السعود والنحوس لا تدور مع حركات الأفلاك دائماً لم يكن ذلك قادحاً في صحة التجوز، لأن إضافة الفعل إلى زمانه مجازاً لا تحتاج إلى كون القضية دائمة، كما في قولهم (نهاره صائم وليله قائم) وأمثاله مما لا يحصى. على أنا نقول: اللغة اصطلاحية على قول، والألفاظ العلمية التي يدير عليها أهل كل علم - كالرفع والنصب للنحاة مثلا - اصطلاحية إجماعاً ووفاقا. ووجه اختيار لفظ الفلاكة على الفاقة والإملاق والفقر ونحوها أن هذه الألفاظ الثلاثة ونحوها نص صريح في مدلولها، بخلاف لفظة الفلاكة والمفلوك، فإنه يتولد منهما بمعونة القرائن معان لائقة بالمقامات على كثرتها وتفاوتها.

стр. 5

الفصل الثاني في خلق الأعمال وما يتعلق به أما مذهب إمام الحرمين وجمهور الفلاسفة وأبي الحسين البصري من المعتزلة فهو أن الله تعالى يوجد للعبد القدرة والإرادة، ثم تلك القدرة والإرادة يوجبان وجود المقدور. ومذهب أكثر المعتزلة أن القدرة الحادثة موجبة الحدوث مقدورها، وإنه لا تأثير للقدرة القديمة فيه. ومذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري وجماعة من أصحابه والقاضي أبي بكر الباقلاني في أحد أقواله والبخاري من المعتزلة إنه لا تأثير للقدرة الحادثة في حدوث مقدورها ولا في صفة من صفاته وإن أجرى الله العادة بخلق مقدورها مقارناً لها، فيكون الفعل خلقاً من الله إبداعاً وأحداثاً وكسباً من العبد لوقوعه مقارناً لقدرته. واختلف في تفسير الكسب على قولين: (أحدهما) أن ذات الفعل تحصل بقدرة الله تعالى وكونه طاعة ومعصية، كما في لطم اليتيم تأديباً وإيذاء صفات له تابعة لوجوده يحصل بقدرة العبد، لأن مفهوم الفعل أعم من خصوص كونه قياماً وقعوداً وما به التمايز غير ما به الاتحاد، فما به التمايز هو الكسب. صرح بذلك الأبهري في شرح المواقف وبعض شراح الطوال، ولكن المشهور إيراده مذهباً للقاضي أبي بكر الباقلاني وأخذاً من أقواله. (القول الثاني) وهو المشهور في تفسير الكسب إنه تصميم العزم على الفعل، على معنى أن الله تعالى أجرى عادته بأن العبد إذا صمم العزم على المعصية يخلق الله تعالى فعل المعصية فيه، فالعبد وإن لم يكن موجداً إلا إنه كالموجد. واستدلت الأشاعرة على مطلوبهم بمسالك كثيرة ضعفها الآمدي في أبكار الأفكار، ولم يرتض منها إلا مسلكين أخصرهما لو كان العبد خالقا لأفعال نفسه للزم وجود خالق غير الله، ووجود خالق غير الله محال، ويلزم من انتفاء اللازم انتفاء الملزوم. وأما المعتزلة فاستدلوا على مذهبهم بوجوه كثيرة مرجعها إلى أمر واحد، وهو إنه لولا استقلال العبد بالفعل لبطل مدح العباد وذمهم على الطاعات والمعاصي، إذ لا يمدح زيد ولا يذم بما يفعله عمرو من طاعة أو معصية، وإلا ارتفع الثواب والعقاب لأن العبد إذا لم يكن موجداً لفعله لم يستحق ثوابا ولا عقاباً، وكان الله مبتدئا بالثواب والعقاب من غير استحقاق من العبد لذلك، ولو

стр. 6

كان كذلك لجاز عقاب الأنبياء وثواب الكفرة الأغبياء، ولم يبق لأحد وثوق بعمله. ولا يخفى ما في ذلك من تشويش الدين والخبط في الشريعة. وأيضاً لولا الاستقلال لبطل التكليف بالأوامر والنواهي والتأديب، لأنه إذا لم يكن العبد موجداً لأفعاله فكيف يصح عقلا أن يقال: ائت بفعل الإيمان والصلاة والزكاة ولا تأت بالكفر وشرب الخمر والزنا، لأنه تكليف بما لا يطاق، وليطل أيضاً فائدة بعث الأنبياء، وهي دعوة المكلفين إلى فعل الطاعات وزجرهم عن المعاصي إذا لم يصدر منهم عمل فيلزم التكليف بما لا يطاق. والجواب بمنع الملازمات: أما في المدح والذم فلأنهما باعتبار المحلية لا باعتبار الفاعلية، إذ لا يجوز أن يمدح الشيء لحسنه وسلامته ويذم لقبحه وعاهته، فتمدح الجوهرة لحسنها وصفائها ونقائها من العيوب. وأما الثواب والعقاب فلأن عادة الله جارية على خلق الثواب عقيب خلق الطاعات وعلى خلق العقاب عقيب خلق المعاصي، لا أن العبد يوجد الطاعة والمعصية وهما يوجبانهما، كما يخلق الشبع عقيب خلق الأكل والاحتراق عقيب مسيس النار وإن قدر على أن يخلقها ابتداء. وقولهم: (لو لم يكن الثواب جزاء فعل العبد لجاز عقاب الأنبياء وثواب الكفرة) قلنا: مسلم ولكن جوازاً تحيله العادة أو لا تحيله العادة الأول مسلم والثاني ممنوع، فلا يشك في انتفاء ما ذكروه وان كان جائزاً عقلا، وأما حديث التكليف والتأديب والبعثة والدعوة فلأنها قد تكون دواعي الفعل وأجرى الله العادة بترتيب آثارها عليها. وتخليصه أن الأشاعرة لما وردت عليهم هذه الشبهة ورأوا أيضاً تفرقة بديهية بين ما نزاوله من الأفعال الاختيارية ومن حركة المسحور على وجهه والمرتعش، وذادهم ومنعهم البرهان الدال على أن الله خالق كل شيء عن أضافه الفعل إلى اختيار العبد مطلقاً جمعوا بين الأمرين واثبتوا الكسب على التفسيرين السابقين، فإما أن يقال كون خصوص الفعل من كونه طاعة ومعصية واقعاً بقدرة العبد كاف في تكليفه وتأديبه ودعوته، وأما أن يقال العبد إذا صمم على الطاعة يخلق الله فعل المعصية فيه وإذا صمم على الطاعة يخلق الله فعل الطاعة فيه. وعلى هذا يكون العبد كالموجد لفعله وان لم يكن موجداً، وهذا القدر كاف في التكليف والتأديب والدعوة. وهذا أيضاً مشكل، لأن الدواعي والتصميم على فعل من الأفعال مخلوق لله تعالى، فلا مدخل للعبد أصلا. ووجه الاعتذار عن هذا الإشكال كما

стр. 7

قرره الأصفهاني أن الله تعالى يوجد القدرة والإرادة في العبد ويجعلهما بحيث لهما مدخل في الفعل لا بأن تكون القدرة والإرادة لذاتهما اقتضت أن لهما مدخلا في الفعل، بل كونهما بحيث لهما مدخل بخلق الله إياهما على هذا الوجه ثم يقع الفعل بهما، فإنه جميع المخلوقات يخلق الله بعضها بلا واسطة وبعضها بوساطة أسباب، لا بأن تكون تلك الوسائط والأسباب لذاتها اقتضت أن يكون لها مدخل في وجود المسببات. بل بأن خلقها الله تعالى بحيث لها مدخل، فتكون الأفعال الاختيارية المنسوبة إلى العبد مخلوقة لله تعالى، أو مقدورة للعبد بقدرة خلقها الله تعالى في العبد وجعلها بحيث لها مدخل في الفعل. والغرض من هذا الفصل إقامة الحجة على المفلوكين وقطع معاذيرهم وإلجامهم عن التعلق بالقضاء والقدر، وإنه متى نعيت إليهم فلاكتهم أو نودى عليهم بها كان ذلك متجهاً مخيلاً، لأنهم إما فاعلوها استقلالا أو مشاركة وأما بالمحلية والمدخلية على ما سبق تحقيقه. ولو سلم أن ذلك من باب القضاء والقدر الصرف أو فرضت فلاكة سماوية صرفة، فكلمات العلماء في مجاري أبحاثهم طافحة بأن القضاء والقدر لا يحتج به، وذلك لما روى مسلم في صحيحه ﴿أن النبي ﷺ قال: اجتمع آدم مع موسى فقال له موسى: يا آدم أنت خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال آدم: أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة. قال ﷺ : فحج آدم موسى﴾. قال النووي في شرحه: فإن قلت: فإن العاصي منا لو قال هذه المعصية قدرها الله علي لم يسقط عنه اللوم والعقوبة بذلك وان كان صادقاً فيما قاله. فالجواب أن هذا العاصي باق في دار التكليف جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة واللوم والتوبيخ وغيرها، وفي لومة وعقوبته زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل، وهو محتاج إلى الزجر ما لم يمت، فأما آدم فميت خارج عن دار التكليف وعن الحاجة إلى الزجر، فلم يكن في القول المذكور له فائدة بل فيه إيذاء وتخجيل - انتهى. فانظر كيف اعترف بحجية السؤال واعتذر في الجواب بأن الحديث ليس منه، والقضاء والقدر وإن لم يحتج به في الدنيا فجائز أن يحتج به الأنبياء في الآخرة لعلو مقامهم عن الإيذاء والتخجيل، وإذا ثبت أن القضاء والقدر لا يحتج به في المعاصي فغيرها كذلك، إذ لا قائل بالفرق أو المقايسة، لأن العلة التي اقتضت المنع من الإحتجاج بالقدر في المعاصي مطردة في غيرها من أقداره تعالى بالمناسبة والاخالة.

стр. 8

الفصل الثالث في أن التوكل لا ينافي التعلق بالأسباب وأن الزهد لا ينافي كون المال في اليدين ومقصود هذا الفصل يحصل بالكلام على مقامين: المقام الأول مقام التوكل التوكل في اللغة عبارة عن إظهار العجز والاعتماد على الغير، وخص بما يكون الاعتماد فيه على الله تعالى: وفي الاصطلاح عبارة عن دوام حسن ملاحظة القضاء والقدر في جميع الحوادث دون اقتصار النظر على الأسباب الطبيعية، ودوام حسن الملاحظة بجامع التعلق بالأسباب ولا ينافيها. وحينئذ فحركة العبد ببدنه أو بتدبيره إما لجلب نفع كالكسب أو حفظه كالادخار أو دفع ضر كمقاومة الصائل أو قطعه كالتداوي: فأما جلب المنافع ودفع المضار ورفعها فإمضاء الأسباب إليه إما مقطوع به وهي الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير الله تعالى ارتباطاً مطرداً. وأما مظنون ظناً يوثق به وهي المسببات التي ارتبطت ارتباطاً أكثرياً بحيث لا يحصل بدونها إلا نادراً. وأما موهوم وهماً لا يوثق به ولا يطمأن له. فأما المقطوع بإفضائه والمظنون إفضاؤه من الجلب والدفع والرفع كمد اليد إلى الطعام الحاضر واستصحاب الزاد في السفر في البراري المقفرة والمتنحي عن مجرى السيل وعن مفترس الأسد وترك النوم تحت الجدار المائل وإغلاق الباب وعقل البعير والتداوي بالأمور المجربة، فكل ذلك لا ينافي التوكل، وإهماله مراغمة لحكمة الله تعالى في نصب الأسباب وعدم الاكتفاء بالقدرة المجردة، وجهل بسنة الله وعادته. فمن ترك الوقاع ومد اليد إلى الطعام وإبلاغه بإطباق أعالي الحنك على أسافله، وانتظر أن يحصل له ولد كما ولدت مريم ﵍ أو أن يخلق الله له الشبع بغير أكل أو يرسل ملكاً فيمضغه ويدخله في فيه فهو مجنون جاهل بالشريعة، لأن الاكتساب لإحياء النفس واجب، والاكتساب لنفقة الزوجة والبعض أصلا كان فرعاً في الثالث الصحيح واجب أيضاً، ولأن إهمال العيال حرام وإهلاك النفس جوعاً حرام وإغلاق الباب عليه وسد طريق العلم به وامتحان قدرة الأرزاق حرام، وتصبير النفس على الجوع لمن لا تطيق نفسه من ذلك وتضطرب عليه حرام كما قال

стр. 9

على (الجوع مدة فإن كان لا يطيقه ويضطرب عليه قلبه وتتشوش عليه عبادته لم يجز له التوكل) - انتهى. وقد قال ﷺ للأعرابي لما أهمل بعيره وقال توكلت على الله: ﴿أعقلها وتوكل على الله﴾. وقال تعالى: ﴿خذوا حذركم﴾ وقال في كيفية صلاة الخوف: ﴿وليأخذوا أسلحتهم﴾ وقال ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم﴾ وقال لموسى ﴿فأسر بعبادي ليلا﴾ والتحصن بالليل لإخفائهم عن عين العدو نوع تسبب، واختفاء رسول الله ﷺ في الغار عن عين الأعداء للضرر وأخذ السلاح في الصلاة سبب مظنون. وأما الموهوم إفضاؤه دفعاً وتحصيلا كالرقبة والكي والاستقصاء في حيل المعيشة والتدبيرات الدقيقة من وجوه الاكتساب فذلك كله مناف للتوكل، لأنه من ثمرات الحرص وحب الدنيا لا لمنافاته التوكل بالذات، لأنا قد قدمنا أن التوكل عبارة عن دوام حسن ملاحظة القضاء والقدر في جميع الحوادث، وهذا إنما ينافي الاستقصاء وتدقيق باختلاف اللوازم لا بالذات، فحينئذ التوكل هو عدم الاعتماد على الأسباب مفضية كانت إلى مسبباتها بالقطع أم لا، وأن يكون الاعتماد على خالقها، فإن اليد والطعام وقدرة التناول مثلاً كلها من قدرة الله تعالى، وكيف يتكل على اليد وغيرها وربما تفلج في الحال ويهلك الطعام، أو يحدث من تناوله مرض يؤدي إلى الهلاك، أو يتسلط على زاد المسافر غاصب أو سارق وما شاكل ذلك من الآفات، فيجب أن يعتمد على فضل الله تعالى في دفع جميع هذه الأشياء. فقد بان واتضح مما قررناه أن ليس من شرط التوكل ترك الأسباب وإطراحها وإهمال الكسب بالبدن والتدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة اللعى أو كلحم على وضم. فإن ذلك كله حرام في الشرع ولن يتقرب إلى الله بمحارمه. وأما الادخار فما كان منه مع فراغ القلب عن المدخر فليس من ضرورته بطلان التوك، هكذا صرح به في الإحياء، وأما غيره فمن انزعج قلبه بترك الادخار واضطربت نفسه وتشوشت عليه عبادته وذكره واستشرف إلى

стр. 10

ما في أيدي الناس فالادخار له أولى، لأن المقصود إصلاح القلوب لتتجرد لذكر الله، ورب شخص يشغله عنه وجود المال ورب شخص يشغله عدمه، والمحذور هو الشغل عدءاً كان أو وجوداً، فالدنيا في عينها غير محذورة لا وجودها ولا عدمها، ولذلك بعث ﷺ إلى أصناف الخلق وفيهم التجار والمحترفون أي أهل الحرف والصنائع - فلم يأمر التاجر بترك تجارته ولا المحترف بترك حرفته، ولا أمر التارك لهما بالإشغال بهما، بل دعا الكل إلى الله وأرشدهم إلى أن نجاتهم في انصراف قلوبهم عن الدنيا، فصواب الضعيف ادخار قدر حاجته كما أن صواب القوي ترك الادخار، وكذلك المعيل لا يخرج عن حد التوكل بادخار قوت سنة لعياله جبراً لضعفهم وتسكيناً لقلوبهم. وقد ادخر ﷺ لعياله قوت سنته، وأما نهي أم أيمن عن أن تدخر شيئاً لغد، ونهي بلال عن الادخار في كسرة خبز ادخرها ليفطر عليها وقال ﴿انفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا﴾ فلأن الادخار يضر بعض الناس دون بعض، وكذلك ما روى أبو أمامة الباهلي أن بعض أصحاب الصفة توفي فما وجد له كفن، فقال ﷺ (فتشوا ثوبه) فوجدوا فيه دينارين في داخل إزاره فقال ﷺ (كيتان). وقد كان غيره من المسلمين يموت ويخلف أموالاً كثيرة فلا يقال ذلك في حقه، ووجه الجمع بين هذين الأمرين أن إظهار الزهد والفقر والتوكل مع تلك الدنانير تلبيس. قلت: رأيت في ترجمة النجم الخبوشاني الأمار بالمعروف النهاء عن المنكر للملوك فمن دونهم الذي يضرب به المثل في الزهد إنه لما مات وجدوا له ألوف دنانير، هذا مع مبالغة المترجمين له في الثناء عليه، ومع ما في ترجمته من إنه كان يصوم ويفطر على خبز الشعير ويركب الحمار وآنية بيته كلها خزف، فهذا الكلام مع نبوه عن هذا المقام سهل ذكره ما ذكره العلماء في الجمع بين حديث الدينارين وعدم إنكار الأقوال الكثيرة في ميت آخر وان ذلك لما أن إظهار الزهد والباطن بخلافه تلبيس، فما عجب لحال الخبوشاني وأعجب ولا تغتر. المقام الثاني في أن الزهد لا ينافي كون المال في اليدين الزهد في اللغة الرغبة عن الشيء، خصص بما يكون الرغبة فيه عن الدنيا. وفي الاصطلاح ترك المباح المحبوب المقدور عليه لأجل الله. وفي ضابطه قيود: (الأول) - ترك المباح. فتارك المحظورات لا يسمى

стр. 11

زاهداً. (الثاني) - المحبوب، فتارك ما لا يؤبه إليه كالتراب والحجر لا يسمى زاهداً. (الثالث) - كونه لأجل الله، فبذل المال وتركه على سبيل السخاء والفتوة واستمالة القلوب والطمع في الثناء لا يكون زهداً، إذ الذكر والثناء وميل القلوب أهنأ من المال، فهو استعجال حظ آخر للنفس. (الرابع) - المقدور، فمن ترك ما لا يقدر عليه كغير ابن أدهم من أمثالنا في دعوى الزهد في الملك لا يكون زاهداً. وفي إفراد المباح إشارة إلى أن الزهد يتبعض كما أن التوبة تتبعض، فمن ترك بعض التمتعات من الشهوة والغضب والرياسة دون بعض كان زاهداً. وأما القانع فهو المرجح لوجود المال على عدمه ترجيحاً لا يحمله على الدأب فيه، فقولنا (المرجع) خرج به من لا يحب حصوله ولا يكره زواله وهو الراضي، وقولنا (ترجيحاً لا يحمله على الدأب فيه) خرج به من يتركه عجزاً ويسعى فيه ما وجد إليه سبيلا وهو الحريص. وهذه المرتبة - وهي مرتبة الحرص - وإن كانت دنيا فإن لها فضلا لدخولها تحت العمومات الواردة في فضل الفقر، وذلك جمع بين قوله ﷺ ﴿يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام﴾ وبين قوله ﷺ في حديث آخر (بأربعين خريفاً) أي أربعين سنة، بأن الأول تقدير تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب، والثاني تقدير تقدم الفقير الحريص على الغني الراغب، فكأن الفقير الحريص على درجتين من خمسة وعشرين درجة من الفقير الزاهد، إذ هذه نسبة الأربعين إلى الخمسمائة. وأما قوله ﷺ ﴿يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا﴾ فلا يقتضي أن الحريص لا ثواب له على فقره، لأن العمومات تقتضي أن له ثواباً، فلعل المراد بعدم الرضا الكراهة لفعل الله من حبس الدنيا عنه، ورب راغب في المال لا يخطر بقلبه إنكار على الله ولا كراهة لفعله. إذا عرفت تمايز هذه الحقائق بمسمياتها وأسمائها فاعلم أن وجود المال في اليدين لا في القلب ودخول الدنيا على العبد وهو خارج عنها لا ينافي الزهد، فإن ترك المال وإظهار الخشونة سهل على من أحب المدح، فكم من الرهابين من رد نفسه في كل يوم إلى قدر يسير من الطعام ولازم ديراً لا باب له، وإنما أعلى المقامات أن يستوي عند القلب وجود المال وفقده، فإن وجده لم يفرح ولم يتأذ،

стр. 12

وكذلك إن فقده. وقد روي عن عائشة أنها فرقت في يوم مائة ألف درهم، فقالت لها جاريتها: هلا شريت لنا بدرهم لحماً نفطر عليه؟ فقالت: لو ذكرتني لفعلت. وذلك لأن الكاره للدنيا مشغول بالدنيا، كما أن الراغب فيها مشغول بها، والشغل بما سوى الله حجاب عن الله، فالمشغول بحب نفسه مشغول عن الله والمشغول ببعض نفسه مشغول عن الله أيضا، بل كل ما سوى الله. مثاله مثال الرقيب الحاضر في مجلس يجمع العاشق والمعشوق، فإن التفت قلب العاشق إلى الرقيب وبغضه واستثقاله وكراهة حضوره فهو في حال اشتغال قلبه به منصرف عن التلذذ بمشاهدة معشوقه، فكما أن النظر إلى غير المعشوق بحب شرك كذلك النظر إلى غيره ببغض شرك فيه ونقص. وأما هروب الأنبياء والأولياء والأكابر من الدنيا فذلك لأن الدنيا خداعة مدعاة إلى الشهوات والراحة في بذلها أنس بغير الله، والأنس بغير الله بعد عن الله، فالأنبياء والأولياء يتركون الدنيا للتشريع والتعليم والخوف على أتباعهم من أن يتشبهوا بهم مع عدم قوتهم فيهلكوا. ومن دونهم ممن لا قوة له يترك ذلك احتياطاً وحزماً، فإن استواء الذهب والحجر في القلب عسير ومزلة قدم، وهو حال الأنبياء وأفراد الأولياء. ويوضح لك أن المال في اليدين بدون القلب لا ينافي الزهد، إن خزائن الأرض حملت إلى رسول الله ﷺ وإلى أبي بكر وعمر فأخذوها ووضعوها في مواضعها وما هربوا منها. وكان لعثمان عند خازنه يوم قتل ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم وخمسون ومائة ألف دينار، وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان يتصدق بها بين أريس وخيبر ووادي القرى قيمة مائتي ألف دينار، وكان للزبير عند وفاته خمسون ألف ألف ومائتا ألف. قال عروة: كان للزبير بمصر خطط وبالإسكندرية خطط وبالبصرة دور، وكانت له غلات تقدم عليه من أعراض المدينة. وترك عبد الرحمن ابن عوف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة. قال ابن سيرين: كان فيما ترك ذهب قطع بالفؤوس حتى مجلت أيدي الرجال منه، وترك أربع نسوة فأخرجت امرأة من ثمنها بثمانين ألفاً. قال أبو الأسود عن عروة: أوصى عبد الرحمن

стр. 13

بن عوف في السبيل بخمسين ألف دينار. وروى موسى بن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كان طلحة يغل بالعراق ما بين أربعمائة ألف إلى خمسمائة الف، ويغل بالسراة عشرة آلاف دينار أو أقل أو أكثر، وبالأعراض له غلات، وكان يرسل إلى عائشة إذا جاءت غلته كل سنة بعشرة آلاف، وقضى عن صبيحة التيمي ثلاثين ألف درهم. وقال الواقدي: حدثني اسحق ابن يحيى عن موسى بن طلحة أن معاوية ﵁ سأله كم ترك أبو محمد يعني طلحة من العين؟ قال: ترك ألفي ألف درهم ومائتي ألف درهم ومائتي ألف دينار. وقال إبراهيم بن محمد بن طلحة: كان قيمة ما ترك طلحة من العقار والأموال وما ترك من الناض ثلاثين ألف ألف درهم، وترك من العين ألفي ألف درهم ومائتي ألف دينار، والباقي عروض. وقال علي بن رباح: قال عمرو بن العاص حُدثت أن طلحة بن عبيد الله ترك مائة بهار في كسل بهار ثلاث قناطير من ذهب. قال: وسمعت أن البهار جلد ثور، والبهار لغة ثلاثمائة رطل. قال ذلك كله أبو عبد الله محمد بن سعد كاتب الواقدي في طبقاته الكبرى. وأيضاً كان لسعد بن أبي وقاص والبراء بن معرور السلمى والعباس ابن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ وعبد الله بن عمر أموالا كثيرة. ويدل على ذلك أن العباس فدى نفسه وابن أخيه عقيلا بثمانين أوقية ذهباً ويقال ألف دينار. وما روى عن عبد الله بن عمر إنه كان إذا رأى من رقيقه أمراً يعجبه اعتقه فعرف رقيقه منه ذلك فشمروا للعبادة فأعتقهم، فقيل: له إنهم يخدعونك. فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له. وما روى أن سعد بن أبي وقاص قال: مرضت فأتاني رسول الله ﷺ يعودني فقلت: يا رسول الله مال كثير وليس يرثني إلا ابني أفأوصي بثلث مالي؟ قال: لا - الحديث. فهذا كله مما يدلك أن الدنيا ليست مكروهة لعينها وإلا لأمرهم ﷺ بالانسلاخ من أموالهم. وأما المسألة المشهورة في التفضيل بين الغني الشاكر والفقير الصابر، فذهب ابن عطاء الله قدس الله روحه إلى تفضيل الغنى، وخالف في ذلك الجنيد وجمهور الصوفية، وما أوردوه عليه من

стр. 14

أن الغنى وصف الحق والفقر وصف العبد وصفات الربوبية لا ينازع فيها، معارض بأن العلم والمعرفة وصف الرب والجهل والغفلة وصف العبد فليكونا أفضل له. ثم لا شك أن الفقير القانع أفضل من الغني الحريص، والغني المنفق ماله في الخيرات أفضل من الفقير الحريص. قال ابن دقيق العبد في شرح العمدة: الذي تقتضيه الأصول إنهما إن تساويا وحصل الرجحان بالعبادات المالية يكون الغنى أفضل، ولا شك في ذلك وإنما النظر فيما إذا تساويا في أداء الواجب فقط وانفرد كل واحد بمصلحة ما يوفيه، فإذا كانت المصالح متقابلة ففي ذلك نظر يرجع إلى تفسير الأفضلية، فإن فسر الأفضل بزيادة الثواب فالقياس يقتضي أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، وان كان الأفضل بمعنى الأشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذي يحصل للنفس من التطهير للأخلاق والرياضة لسوء الطباع بسبب الفقر أشرف، فترجح الفقر. ولهذا المعنى ذهب الجمهور من الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر، لأن مدار الطريق على تهذيب النفس ورياضتها وذلك مع الفقر أكثر منه مع الغني، فكان أفضل بمعنى الثرف - هكذا قاله ابن دقيق العيد في الكلام على قوله ﷺ ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ لما شكى له أن الفقراء قالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم - الحديث. فقد بان لك واتضح بالكلام في هذين المقامين أن التعلق بالأسباب لا ينافي التوكل، وان وجود المال في اليدين لا في القلب لا ينافي الزهد، والمقصود إلجام المفلوكين عن التعلق بالزهد أو التوكل في انزواء الدنيا عنهم جدلا مهما كانوا محتجين لا زاهدين حقيقة فإن الزاهد حقيقة لا كلام معه، لأن الزهد كما لا ينافي المال لا يستلزمه، وغايته أن الزهد على قسمين: قسم مع المال، وقسم لا مع المال. فلا منافاة ولا استلزام له. الفصل الرابع في الآفات التي تنشأ من الفلاكة وتستلزمها الفلاكة وتقتضيها وهي أكثر من أن تحصى أو يحملها القلم: (فمنها) ضيقة العطن والنزق، وذلك

стр. 15

أن طبيعة الفرح والسرور هو تفشي الروح الحيواني وتخلخله، وينشأ من ذلك سعة الصدر وقبول النفس لما يرد عليها وانفعالها له، ولذلك تتحين أصحاب الحوائج بحوائجهم سرور من يسألونه إياها. وطبيعة الكمد والقبض هو تكاثف الروح الحيواني وتجمعه. وينشأ منه ضيقة العطن والنزق وسوء العشرة والانحراف والانكماش عن الخلق. (ومنها) أن الفلاكة يلزمها القهر والإكراه، ومتى استولى القهر والغلبة على شخص حدثت فيه أخلاق رديئة من الكذب والتخبيب وفساد الطويق والخبث والخديعة، ولذلك كانت اليهود موصوفين بالخبث والذل والخديعة لاستحكام القهر عليهم وغلبة الإكراه على عامة أحوالهم، ولذلك أيضاً ينهى عن إرهاف الحد على الولدان والعبيد ويؤمر بترويحهم ومدّ الطول لهم خشية عليهم من اكتساب هذه الأخلاق الذميمة. أرسل هارون الرشيد إلى خلف الأحمر لتأديب ولده الأمين، فقال له: إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة فؤاده فكن له حيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئه القرآن وعرفه الأخبار وروه الأشعار وعلمه السنن وبصره بمواقع الكلام وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، ولا تمرر بك ساعة إلا وأنت مغتنم فيها فائدة تفيده إياها من غير أن تخرق به فتميت ذهنه أو تهمله فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالتقرب والملاينة، فإن أباهما فعليك بالشدة والغلظة. (ومنها) الحقد، وذلك إنه إذا استحكمت الفلاكة وعرف بها شخص أوسعه الناس إغاظة استهواناً به وعدم مبالاة بغضبه وأمناً من غائلته ومغبته، فإذا تواردت موجبات الغضب وازدحمت عليه من توقيفه على نقائصه والإغماض عن كمالاته وتفريعه بزلاته وتوبيخه على تقصيره وهتك أستاره وإذاعة إسراره وجبهه بأقبح الكلام في وجهه وعدم اعتباره والمبالغة من عتبه ومعاكسته في مراده، أو عدم إسعافه به وعجزه عن الوقوف في ذلك موقف نكير، أو أن ينفس غيظه منه بنفثة مصدور أو ضربة موتور، واستبحرت أسباب الغيظ وزخرت أمواج العجز عن إطفائه بالانتقام عاد ذلك إلى الباطن وأجج فيه ناراً وتحول حقداً وضغينة وسخيمة، وتعوقه موانع الفلاكة عن أعماله فيصير ألما صرفاً ووسواسا سوداوياً ومعصية مجردة. (ومنها) الحسد، وتوجبه الفلاكة من وجوه: (احدها - إنه إذا توالت مقتضيات الغيظ كما قدمنا وعجز المفلوك عن

стр. 16

الانتقام تحول ذلك حقداً وضغناً كما مر، والحقد يقتضي الانتقام فإن عجز أحب أن يتشفى منه انتقام الزمان له منه، وربما يحيل ذلك على كرامته عند الله، وربما إنه لا منزلة له عند الله حيث لم ينتقم منه. وبالجملة فالفلاكة يلزمها الإغاظة، والإغاظة يلزمها الحقد، والحقد يلزمه إرادة الانتقام، والعجز عن ذلك يلزمه حب زوال تلك النعمة التي بها التفاوت اللازم منه الإغاظة، ولازم لازم الشيء لازم لذلك الشيء). (وثانيهما) - إن ينقل على المفلوك أن يترفع عليه غيره، فإذا أصاب مساو له في صفات النفس مالا أو جاهاً وخاف أن يتكبر عليه وهو لا يطيق أن يتكبر عليه ولا تسمح نفسه باحتمال صلفه وتيهه وتفاخره عليه وان يستصغره ويستخدمه وعجز عن زوال الفلاكة عنه واللحوق به في تلك النعمة أحب زوالها عن غيره. (وثالثها) - ما يحدث في نفوس المفلوكين من دعوى الاستحقاق لتلك النعم، ولذلك قال ابن مقلة: وإذا رأيت فتى بأعلى رتبة ... في شامخ من عزه المترقع قالت لي النفس العروف بقدرها ... ما كان أولاني بهذا الموضع حتى أن من المفلوكين من تنتهي به دعوى الاستحقاق إلى حد يرى أن النعم التي بأيدي الناس استحقاقه ومغصوبة منه، والمالك المستحق طالب لزوال ماله من أيدي الغاصبين لا محالة. (ومنها) الغيبة والطعن في أعراض الناس والغض منهم، وذلك أن الغضب والحقد والحسد ثلاثها من البواعث العظيمة على الغيبة، إذا امتلأ المفلوك غضباً وحقداً وحسداً وعجز عن الجري على مقتضاها جهاراً ومواجهة التجأ إلى الفكرة والغوص على مساوئ خصومه وإعمال الحيلة في الاطلاع على موراتهم، وضم إليها أكاذيب وتنميقاً ونشرها على وجه الغيبة مرة إرادة الترفع بنفسه بسلامته من تلك النقائص أو لا تصافه بنقائضها الكمالية على سبيل التعريض، كما يقول فلان فاسق أو شرير إرادة سلامته من ذلك، أو فلان جاهل أو ذهنه ركيك وكلامه ضعيف تعريضاً باتصافه بنقائض ذلك، ومرة إرادة صرف الناس عن الاسترسال في تعظيم خصومه وكفهم عن الإفراط في الثناء عليهم ومحبتهم بتوقيفهم على ما يوجب تنقيصهم وصرف القبول عنهم، ومرة بتمهيد عذر نفسه من اتصافه بالمساوئ والنقائص بمشاركة العظماء له في تلك المساوئ، ومرة على

стр. 17

سبيل اللذة بالطعن في الأعراض تشفياً بحسب المقدور، حتى قال بعض الأعراب: لم يبق من لذات الدنيا إلا الطعن في أعراض اللئام. ثم يتعود لسانه هذه المعصية العظيمة حتى تصير له خلقاً وفكاهة ونقلا ويساعده على ذلك إمكانها وتسهيلها وعدم افتقارها إلى أدوات وآلات، وكونها عبارة عن النطق الذي هو انضغاط الهواء في المجرى على مقاطع الحروف، والهواء والتنفس طبيعي للحيوان بخلاف غيرها من المعاصي لتوقفه على أدوات كثيرة. وأيضاً فالإنسان خلق فعالاً بالطبع كما ذكره الشيخ في الإشارات ولا يتخلف عن مقتضى طبعه من الفاعلية إلا لصارف وصاد كما في الأفعال الشاقة التي لا يمكن مزاولتها إلا بتجشم الكلف والمؤن، وكما في الصارف العقلي أو الوهمي من الكلام المضر. فمهما وجد المقتضى وزال الصارف عن الفعل كما في الكلام عملت الطبيعة عملها، ولذلك كان الامتناع من الكلام ولزوم السكوت عسيراً شديداً. (ومنها) كون الفلاكة غطاءاً وستراً على محاسن المفلوك وكمالاته النفسانية وأدواته ومعارفه، حتى أن الفلاكة تسري إلى نطقه ومصنوعاته ومقاصده، فإما أن يغفل عن محاسن كلامه ومقاصده ولا يعبأ بها ويعرض عنها، وأما أن يصرف كلامه عن ظاهره بوجه من التأويل، وأما أن لا يفهم مراده منه، وأما أن يدعى عليه غير مراده، وأما أن يدعى فساد قصده فيه. ولذلك تروج بعض الكتب بنسبتها إلى رجل مرموق بعين الجلالة كما فعل في الورقات حيث نسبت إلى إمام الحرمين، وليست له بشهادة عباراته الفائقة الرائقة في باقي كتبه ومخالفة الورقات لما في البرهان في التصحيح والحكم، وكما فعل في السر المكنون وفي المضنون به على غير أهله حيث نسبا إلى الغزالي كما قاله الأسنوي في الطبقات وليسأله كما ذكره في الطبقات. ولذلك أيضاً تجد البحث النفيس يلقيه الباحث بين الأفاضل فيبادرونه بالإنكار والتزييف والمناقشة ويضايقونه فيه حتى يقول لهم هذا البحث قاله الإمام فخر الدين الرازي أو الزمخشري مثلا أو من في معناهما، فحينئذ يرجعون إلى ذلك البحث بالتأويل والتثبت ويعترفون بحسنه، وربما يزيدونه توجيهاً وتقريراً. ولكون الفلاكة غطاءاً وستراً على المحاسن تجد الشهرة والصيت والسمعة يقعن في غير موقعها غالباً، فرب شخص مشهور بالعلم أو الصلاح وليس هناك، ورب شخص قعدت عنه الشهرة وهو أحق

стр. 18

بها، وذلك لأن الفلاكة متى زالت عن شخص تزلف إليه بالثناء عليه ونشر المحاسن عنه وحمل كلامه وفعله من المحاسن والمقاصد الجميلة فوق طاقته وتناقلته الألسنة تزلفاً إليه، لما يعلمون من أن النفوس مجبولة على حب الثناء، ووقعت المحاباة والإغماض عن أحواله المدخولة وأفرغت في قوالب جميلة بالتأويل والاعتذار وجاءت المغالطات بالتلبيس والتصنيع، فيطير ذكره في الآفاق وتسير به الركبان ويجيء الصيت والشهرة وليس هناك. وعلى الجملة فالشهرة إنما تقع في غير موقعها من جهة ما يطرق الأخبار من التزلف بالثناء الكاذب أو ما يطرق الأحوال من الخفاء وعدم تطبيقها على الواقع لخفائها بالتلبيس والتصنع، فتنتشر على خلاف ما هي عليه وأنت خبير بأن التزلف بالثناء إنما يكون للأغنياء أو من في معناهم وان الإغماض عن التلبيس والتصنع وعدم كشف الغطاء عنه إنما يكون لهم أيضاً، واعتبر العكس بالعكس. (ومنها) أن الفلاكة مهما استولت على عالم أو فاضل أو نبيه لزمه بسببها آلام عقلية، ولا شك أن الألم العقلي أقوى من الألم الجسماني، ولذلك يكون التعب القلبي أشد إنهاكاً للبدن من التعب الجسماني، ولذلك يتحمل عظيم المشاق البدنية خوفاً من العتب والتوبيخ والملامة والتقريع كما أن اللذة العقلية أقوى من اللذة الجسمانية. والدليل على ذلك من ثلاثة أوجه: (أولها) - أن اللذة عبارة عن إدراك الملائم، وكلما كان الإدراك أشد والمدرك اشرف كانت اللذة أتم، لكن الإدراك العقلي أقوى من الجسمي، لأنه ينفذ في باطن الشيء فيميز بين الماهية وأجزائها وعوارضها وجنسها وفصلها، وأما الحسي فلا شعور له إلا بظاهر المحسوس وسطوحه ومدرك العقل أشرف وهو الله تعالى وصفاته وملائكته وكيفية وضع العالم ومدرك الحس السطوح وعوارضه، وإذا كان كذلك وجب كون اللذة العقلية أقوى من اللذة الجسمانية. (وثانيهما) أنا نعلم بالضرورة أن أحوال الملائكة أطيب من أحوال البهائم، وليس للملائكة شيء من اللذات الحسية فلولا أن اللذة العقلية أطيب وإلا لكان حال البهائم أطيب من حال الملائكة. (وثالثها) الحيوان قد يرجح غيره على نفسه في المطعوم والمشروب عند حاجته إليه، ولولا أن لذة الإيثار أقوى من لذة المطعوم والمشروب وإلا لما كان ذلك، بل الشجاع قد يلقى نفسه في المعركة مع ظن الهلاك أو يقينه، وما ذلك إلا لأن لذة

стр. 19

الحمد أقوى من لذة الحياة، وإذا ثبت ذلك في اللذة ثبت مثله في الألم العقلي والجسماني، لان نسبة هذا الألم إلى الألم الجسماني كنسبة اللذة العقلية إلى اللذة الجسمانية، وكلام الفلاسفة وابن سينا طافح بأن الألم العقلي أقوى من الألم الجسماني. إذا تقرر ذلك كله فالمفلوكين من أهل العقل والفضل والنباهة آلام عقلية تلزمهم: (أولاها) - تشوفهم وتشوقهم إلى المكارم والمعالي ومد أعناقهم نحوها ولا شك أن الشوق إلى المشوق مع عدمه وعدم التمكن من تحصيله وعدم الاشتغال بما يلهي عنه عذاب مذاب، ولذلك لا يبتهجون بالأعياد والمواسم بل تكون زيادة في كمدهم، وستأتي أشعارهم في تشوقهم إلى المعالي وتألمهم على فقدها في الفصل الثاني عشر إنشاء الله تعالى. (وثانيها) تألمهم بذكر نقائصهم الواقعة منهم أحياناً بحكم البشرية، لما ركب الله تعالى في البشر من القوة الشهوانية والغضبية والمتوهمة اللواتي هي أصول الفساد، وهي المشار إليها في قوله تعالى: ﴿إلى ظل ذي ثلاث شعب﴾ في أحد الأقوال، ولما أن للقلب ميلا إلى الأخلاق السبعية والبهيمية والشيطانية على ما هو مقرر في كتب الصوفية، ولما ركب أيضاً في الجشم من التسفل، ولما جعل من أن الفساد أدخل تحت القدرة من الصلاح كالبناء والهدم، ولا شك أن إطلاق النفس وطبيعتها ترويج لها وتنفيس من ألم ضبطها، وحينئذ فيكون الترويح والتنفيس بالنسبة إلى المفاليك ناقصاً مخدجاً لما فيه من ترقب التنقيص، ويكون أيضاً عسير الانتظام نادر الوقوع لذلك، ولقد أحسن من قال: إما ذنابي ولا تعبأ بمنقصة ... أو ذروة المجد واحذر أن تقع وسطا وأشد من ذلك ألما وأعظم مصيبة إضافة النقائص الموهومة أو المكذوبة إليهم وهم منها براء، ولقد عرى أهل الفضل من ذلك شدائد. كان الزمخشري أبو القاسم محمود بن عمرو بن محمد الخوارزمي ساقط إحدى الرجلين، وكان يمشي في حلوب من خشب لسقوطها بالثلج في بعض أسفاره في بلاد خوارزم، فكتب معه محضراً فيه شهادة

стр. 20

خلق كثير بذلك لئلا يرمي بنقيصة السرقة. وكان ابن فضلان أبو القاسم يحيى بن علي بن الفضل البغدادي الملقب جمال الدين الإمام في الأصول والخلاف والجدل الرئيس الوجيه ذاهب إحدى اليدين، لأنه لما خرج من نيسابور سقط عن دابته ففسدت يده وأدت الحال إلى قطعها، فعمل محضراً بذلك خوفاً من التهمة بالقبيح ومع ذلك فقد كان يجري بينه وبين المجير البغدادي مناظرات فيشنع هو على المجير بالفلسفة والمجير يشنع عليه بقطع يده. والسبب في تخصيص أهل الفضل بإذاعة نقائصهم وعدم إقالتهم إياها والتلبيس والافتراء عليهم مهما كانت محققة أو موهومة محتملة أن النفوس مجبولة على المساوة والمباهاة ولا تحب لغيرها تفوقا عليها، فمهما وجدت سبيلا للتنقيص من كمال الكمل واو تلبيساً مقبولاً سلكته تنقيصا للكمال وطلبا للمساواة بحسب الإمكان، بخلاف الناقص في نفسه فإنه لا حاجة إلى تنقيصه. (وثالثها) - ألم الانفراد مع أن الإنسان مدني بالطبع لا يمكنه أن يستقل بنفسه منفرداً عن الغير بحيث لا يستعين بأحد في حاجاته وضروراته بل لأقوام لأحواله إلا بالتعاون، حتى أن الرغيف من الخبز لا يضير رغيفاً إلا بآلات وأعمال تفتقر إلى صناع كثيرين كثرة بالغة. والمدنية في اصطلاح الحكماء هي الاجتماع، ولما أن الإنسان مدني بالطبع في أحواله الكمالية والمصلحية فلا يمكنه أن يستقل بنفسه منفرداً عن الغير بحيث لا يستعين بأحد في أموره الكمالية والمصلحية والوجدان، والتجربة اصدق شاهد في ذلك والمناسبة والاخالة تصحح القياس والإلحاق والمفاليك يلزمهم الانفراد لزوماً لا انفكاك لهم عنه. والسبب في ذلك أن الناس بالإضافة إلى المفلوك أربعة أقسام: مساوله في الفلاكة، أكثر منه فلاكة، أعلى منه بقليل، أعلى منه مطلقاً. ووجه الحصر المأخوذ بالإضافة إلى المفلوك: إما مفلوك أو غير مفلوك، والأول إما مساو أو انزل، والثاني إما أعلى بقليل أو أعلى مطلقا. إذا تقرر ذلك فالقسمان الأولان لا فائدة في الاجتماع بهما، لأن حكمة التمدن مفقودة فيهما، وغاية الاجتماع بهما تضاعف الفلاكة وتكاثفها وتغليظ الحجاب الحاجب عن المقاصد، كانضمام ظلمة إلى أخرى وكغسل العذرة بالبول. والقسم الأخير يمنع من الاجتماع به أمور أعظمها أن العظماء والنبلاء يحرصون على سد الذرائع في أطماع المفلوكين في جانبهم بتبعيدهم والإعراض عنهم خشية من تثقيلهم

стр. 21

بحوائجهم وان يكونوا كلا عليهم، وأنهم يتأنفون المفاليك ويستقذرونهم ويستثقلون ظلهم ويتوقعون من تقريبهم مفاسد وضوحها يغني عن بسطها، ويتوهمون في بعضهم حداً وتملقاً كاذباً صاخياً من غير إخلاص ولا مناصحة. والقسم الثالث يمنع من الاجتماع بهم أمور كثيرة أعظمها عدم تعلق الرجاء والخوف بالمفاليك الذي هو داعية الاجتماع غالبا. وشغل هذا القسم بالمساوين لهم في النباهة بحيث لا يفضون للاجتماع بالمفاليك غالبا وعدم حرص المفاليك على استمالتهم واستعطافهم اضعف الرجاء فيهم. ولكن هذا القسم أقل مانعا من القسم الأخير. ولذلك ربما نال بعض المفاليك حظاً من الاجتماع بهم. (ومنها) وأوعهم بالأسفار ومخاطرتهم بنفوسهم فيها مع ما فيه من العذاب المذاب، بشهادة قوله ﷺ (السفر قطعة من العذاب) ولقد صرح بتعليل السفر بالفلاكة من قال: يقيم الرجال الأغنياء بأرضهم ... وترمى النوى بالمقترين المراميا والسبب في ذلك يفتقر بيانه إلى مقدمة، وهي: أن الظن أقوى من الشك، والعلم أقوى من الظن، ورتب الظنون متفاوتة في نفسها جلاءاً وخفاءاً وأجلى لقوة مستند الظن وضعفه، وكذلك رتب العلوم متفاوتة في المعلومية، فكم بين المشاهدات وبين كل قضية صدق العقل بها بواسطة الحس كعلمنا بحرارة النار وبرودة الثلج، وبين الحدسيات وهي كل قضية يصدق العقل بها بواسطة الحدس كالعلم بحكمة الصانع عند رؤية العالم على غاية الإتقان من التفاوت وان كان كل من المشاهدات والحدسيات مفيداً للعلم، ولذلك لم ينكر العلم المستفاد من الحس إلا السوفسطائية، وكم بين العقلاء من الاختلاف في الحدسيات اختلافاً قوياً وضعيفاً، ولذلك أيضاً فرقوا بين علم اليقين وعين اليقين. ومن هنا ينكشف لك مادة الجواب عن قول إبراهيم ﷺ ﴿بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾. ثم الإنسان متشوف إلى مصلحته، فإذا تعارض عنده في تحصيل مصلحته طريقان احدهما مظنون والآخر مشكوك فيه أو احدهما أجلى في الظن من الآخر أو احدهما أقوى في المعلومية من الآخر فالعمل بهما معاً جمع للنقيضين وتركهما معاً رفع للنقيضين

стр. 22

وكلاهما محال، والعمل بالمرجوح وترك الراجع خلاف صريح العقل، فيتعين العمل بالراجح. إذا تقرر ذلك فالسبب في كثرة تنقلات المفلوكين في الأرض إنه متى استولت الفلاكة على شخص في بلد واضطراب في ارجائها وتلكع في طرق معاشها وذاق طبائع أهلها وراز شهامتهم وعصبيتهم وارتياحهم إلى المحامد وأريحتهم وامتحن قوته في التسلق إلى مطالبه وأبت تلك البلد عليه إلا نبوا ودفعا وممانعة عن المطلوب ومل وجوهاً لا خير فيها ومج سمعه كلاما لا محصل له وقذفهم بقلبه فقذفوه بقلوبهم بل وبظواهرهم، فحينئذ يظن أو يعلم أن تأتي المصلحة في ذلك البلد مستحيل أو متعسر، والبلد الثاني ظن الخير قائم به ولاسيما فيمن يتوهم في نفسه استعداداً لا فاضة الخير عليه، فيحب حينئذ السفر إلى البلد الثاني. والأقيسة العقلية وان اقتضت استمرار الفلاكة في البلد الثاني من جهة أن موجبات الفلاكة القائمة بالمفلوك مصاحبة له سفراً وحضراً وكذلك موجبات فلاكته القائمة بالناس موجودة فيهم في كل بلد، لكن الأدلة متعارضة في البلد الثاني، والعلم المستفاد بالتجربة في البلد الأول مفقود في البلد الثاني، والاحتمالات مقتضية للاضطراب، وليس الخبر كالعيان ولا الشر الحاصل المحسوس كالشر المترقب المعقول وان كانا معلومين، ولذلك من قصده شخص بسيف مصلتاً يريد قتله وهو على سطح عال يرمي بنفسه منه إلى الأرض وإن كان ذلك أحد الطريقين في هلاكه، وربما صار السفر للمفلوك طبيعياً لكثرة ما يعاني من الشدائد والمشاق، كمن وقع في ماء أو نار فإنه بطبعه يأخذ إلى محيط النار وساحل الماء. وإذا اتضح عندك ما قررناه وقفت على الحكمة في تمني المفلوكين تغير الدول وتشوفهم إلى ذلك، فإن الدولة الحاضرة كالبلد الأول والدولة المتمناة كالبلد الثاني، وقوة الرجاء وقيام احتمال الخير المتعلق بالدولة الثانية حكمه حكم البلد الثاني، وقد اشار إلى ذلك من قال: إذا لم يكن للمرء في دولة امرئ ... نصيب من الدنيا تمنى زوالها (ومنها) تعلقهم بالأسباب المستحيلة كالنجوم والكيمياء والمطالب والحرف الهوائية الضعيفة الصدفية كصناعة الشهود لغير المعروف والدلالة لغير المشهود، والسبب في ذلك إنه إذا أخففت مساعي المفاليك وعجزوا عن المعاش الطبيعي والتعلق بالأسباب المقيسة المطردة ودهشوا وتحيروا وعميت عليهم الأنباء وتعلقت نفوسهم بالدنيا ولذاتها

стр. 23

تمنوا الأماني وقنعوا بمخادعة الإملاق بالمواعيد الكاذبة واستنشقوا الغنى من حيث لا تهب ريحه وأتوا السعادة من غير أبوابها، وأنا أبين وجه استحالة الأسباب الأول وهي الكيمياء والنجوم والمطالب واستحالة إفضاء التعلق بالسبب الآخر إلى المطلوب: فأما النجوم فنقول: ليس البحث في تأثير شعاع الكواكب في التسخين عند المسامتة أو التبريد عند الانحراف عن المسامتة، ولا في وجود الضياء في المواضع التي تطلع فيها الشمس والقمر وعدمه فيما غابا عنه، ولا فيما يجري مجرى التأثير الطبيعي على حسب ما نصه سبحانه وله الحمد مثل ان النبات ينمى ويقوى ويشتد ويتكامل وينضج ثمره بالشمس والقمر وكما في امتداد القثاء وطوله وغلظه بالقمر، وسرعة نضج التين وادراكه بمقابلة الشمس وبقائه فجاً بطيء الإدراك بخفائه عن الشمس، ومثل أن البرد بسبب بعد الشمس عن سمت رؤوسنا، وكذلك ليس البحث في أن الشمس إذا طلعت فإن الحيوان ناطقه وبهيمته يخرج من أماكنه واكنته وتظهر القوة والحركة فيه وتزداد قوة الحيوان مع ازدياد صعود الشمس في الربع الشرقي وتنقص وتضعف قوة الحيوان وتفتر مع ميل الشمس عن وسط السماء، ولا في ارتباط فصول العام الأربعة بحركات الشمس، ولا في انفتاح اللينوفر وورق الخطمي وتحركه بطلوع الشمس وضعفه إذا غابت عنه، ولا في المد الحاصل في بحر فارس والهند إذا بلغ القمر مشرقا من مشارق البحر إلى أن يصير القمر إلى وسط سماء ذلك الموضع، ولا في الجزر الحاصل في البحرين المذكورين، ولا في تأثير الشمس والقمر حرارة ورطوبة وبرودة ويبوسة وتوابعها في هذا العالم من الحيوان والنبات بواسطة الهواء وقبوله للسخونة والحرارة بانعكاس شعاع الشمس مثلا عليه عند مقابلتها لجرم الأرض واختلاف حال الهواء بذلك واختلاف أحوال الأبخرة في تكاثفها وبردها ولطفها وحرها، ولا في أن السودان لما كان مسكنهم خط الاستواء إلى محاذاة ممر رأس السرطان وكانت الشمس تمر على رؤوسهم في السنة إما مرة أو مرتين تسودت أبدانهم وجعدت شعورهم وقلت رطوباتهم فساءت أخلاقهم وضعفت عقولهم، ولا في أهل الهند واليمن وبعض أهل المغرب لما كانت مساكنهم اقرب إلى محاذاة ممر السرطان كان السواد فيهم أقل

стр. 24

وطبائعهم وأخلاقهم أحسن وأجسامهم أنصع، ولا في أهل العراق والشام وخراسان وفارس والصين لما كانت مساكنهم على ممر رأس السرطان إلى محاذاة بنات نعش الكبرى والشمس لا تسامت رؤوسهم ولا تبعد عنهم كثيراً وأن لذلك لم يعرض لهم حر شديد ولا برد شديد كانت ألوانهم متوسطة وأجسامهم معتدلة وأخلاقهم فاضلة، ولا في أن هؤلاء مختلفون بحسب اختلاف ذلك: فمن كان من هؤلاء أميل إلى ناحية الجنوب كان أتم في الذكاء والفهم، ومن كان منهم يميل إلى ماحية المشرق فهم أقوى نفوساً واشد ذكورة، ومن كان يميل إلى ناحية الغرب غلب عليهم اللين والرزانة، ولا في أن الترك والصقالبة لما كانت مساكنهم محاذية لبنات نعش والشمس بعيدة عن مساكنهم كان البرد غالبا عليهم، لأنه ليس هناك من الحرارة ما ينشفها، وكان لذلك ألوانهم بيضاء وشعورهم سبطة شقراء وأبدانهم رخصة وطبائعهم مائلة إلى البرودة وأذهانهم جامدة ولا في أن الأخلاط التي في بدن الإنسان تزيد ما دام القمر آخذاً في الزيادة ويكون ظاهر البدن أكثر رطوبة وحسناً، فإذا نقص ضوء القمر صارت هذه الأخلاط في غور البدن والعروق وازداد ظاهر البدن يبسا، ولا في ازدياد ألبان الحيوانات بتزايد القمر أول الشهر إلى نصفه وتناقصها مع نقصانه، ولا في أدمغة الحيوان وامقال البيض التي تزيد أول الشهر وتنقص آخره، ولا في أن الإنسان إذا نام أو قعد في ضوء القمر حدث في بدنه الاسترخاء والكسل وهاج عليه الزكام والصداع، ولا في بلاء الكتان وفساد اللحم وتغير طعمه بانكشافه لضوء القمر، ولا في كثرة الأسماك في البحر وسمنها أول الشهر وقلتها وضعفها خره، ولا في قبول الرياض والأشجار للنمو والنشو إذا غرست أول الشهر وعدم قبولها لذلك إذا غرست آخره. إنما البحث في أن النجوم تؤثر في جملة الحوادث السفلية من السعادة والشقاوة والذكاء والبلادة والحسن والقبح والخديعة والمكر والنذالة والشهامة والشجاعة والجبن والأشكال والمقادير ونحوها، وان ذلك كله باتصالات الكواكب وانفصالاتها ومسامتتها ومباينتها، فإن هذا مما لا برهان عليه لا بخبر من لا يجوز الكذب عليه ولا بضرورة العقل ولا بنظره، وغايته حدس وتخمين وظنون كاذبة وتزوق وتفرس وحيلة وخديعة، حتى أن من لا يتقيد بالشريعة كابن سينا

стр. 25

والفارابي بالغا في الرد على الأحكاميين والنجوميين وأطال في ذلك ابن سينا في آخر الشفاء، وحتى أن أبا معشر وهو من أئمتهم اعترف بأنه تخمين، فإنه قال معتذراً: كل الأغراض الغائبة توهم لا يكون شيء منها يقيناً وإنما يكون توهم أقوى من توهم. وانظر ما كان أقوى تعلق بني برمك بالنجوم حتى في ساعات أكلهم وركوبهم وعامة أفعالهم وكيف كانت نكبتهم الشنيعة، وانظر حال علي ابن مقلة الوزير وتعظيمه لعلم أحكام النجوم ودخوله داره على طالع سعيد فنكب فيها أشد نكبة وقطعت يده ولسانه. والدليل على بطلان ذلك أنا نشاهد عالماً كثيراً يقتلون في ساعة واحدة في حرب وخلقاً يغرقون في ساعة واحدة مع القطع باختلاف طوالعهم واقتضائها عندهم أحوالا مختلفة، ولو كان للطوالع تأثير في هذا لامتنع عند اختلافها الاشتراك في ذلك. ولا ينفعهم الجواب بأن طالع الوقت قد يكون أقوى من طالع الأصل، فيكون الحكم له. لانا نقول: هذا بعينه يبطل الجزم بطالع ويحيل القول بتأثيره، فلعل طوالع الأحوال المتجددة أقوى من طالع الأصل فيرتفع الوثوق بطالع الأصل، إذ لا أمان لاقتضاء الطوالع بعد ضدّ ما اقتضاه، وحينئذ فلا يفيد اعتباره شيئاً. وأيضاً فإنه لو كان طبيعياً وذاتياً لما اختلف، والتالي باطل فالمقدم مثله. أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان التالي فإن المنجمين قلما يجمعون على شيء ويكون كذلك. فمن ذلك اتفاق حذاقهم سنة سبع وثلاثين عام صفين في مخرج علي ﵁ من الكوفة إلى محاربة أهل الشام على إنه يقتل ويقهر جيشه، فظهر كذبهم وانتصر جيشه على أهل الشام ولم يقدروا على التخلص منهم إلا بالحيلة التي وضعوها من نشر المصاحف على الرماح والدعاء إلى ما فيها. ومن ذلك اتفاقهم عند ما تم بناء بغداد سنة ست وأربعين ومائة على أن طالعها يقتضي إنه لا يموت فيها خليفة، وشاع ذلك حتى هنأ الشعراء به المنصور حيث قال بعض شعرائه: يهنيك منها بلدة تقضي لنا ... إن الممات بها عليك حرام لما قضت أحكام طالع وقتها ... أن لا يرى فيها يموت أمام وأكد هذا الهذيان في نفوس العوام موت المنصور بطريق مكة ثم المهدي بما سبذان ثم الهادي بعنيساباد ثم الرشيد بطوس، فلما قتل بها الأمين بشارع باب الأنبار انخرم

стр. 26

هذا الأصل حتى رجع القائل الأول فقال: كذب المنجم في مقالته التي ... نطقت على بغداد بالهذيان قتل الأمين بها لعمري يقتضي ... تكذبيهم في سائر الحسبان ثم مات ببغداد جماعة من الخلفاء مثل الواثق والمتوكل والمعتضد والمكتفي والناصر وغير هؤلاء. ومن ذلك اتفاقهم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين في قصة عمورية على أن المعتصم إن خرج لفتحها كانت عليه الدائرة وان النصر لعدوه، فخرج ففتح عمورية وما والاها من كل حصن وقلعة، وفي ذلك الفتح قام أبو تمام الطائي منشداً: السيف أصدق أنباءاً من الكتب ... في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب والعلم في شهب الارماح لامعة ... بين الخميسين لا في السبعة الشهب أين الرواية أم أين النجوم وما ... صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرصا وأحاديثاً ملفقة ... ليست ينبع إذا عدت ولا غرب وهي نحو من سبعين بيتا أجيز على كل بيت منها بألف درهم. ومن ذلك اتفاقهم وفيهم زعيمهم أبو الحسن العاصمي على أن المكتفي بالله أن خرج لقتال القرامطة لم يرجع وتزول دولته وان طالع مولده يقتضي ذلك، وأخافوا وزيره القاسم بن عبيد الله من الخروج معه فخرج إليهم المكتفي وأخذهم جميعاً، ولما عاد وزيره القاسم أمر بإحضار رئيس المنجمين وصفعه صفعاً عظيماً. ومن ذلك اتفاقهم سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة عندما أراد القائد جوهر بناء مدينة القاهرة المعزبة وقد كان سبق مولاه الملقب بالمعز إلى الدخول إلى الديار المصرية لما أمره ببنائها وأن يكون نجوم طالعها في غاية الاستقامة ويكون بطالع الكوكب القاهر وهو زحل أو المريخ ولذلك سميت القاهرة فجمع القائد جوهر المنجمين فحققوا الرصد وأمر البنائين أن لا يضعوا الأساس حتى يقال لهم ضعوه وان يكونوا على نهاية من التيقظ والإسراع فوضعت على ذلك الإتقان واتفقوا على أن الدولة الفاطمية لا تخرج الدولة عنهم، فلما استولى عليها صلاح الدين يوسف بن أيوب

стр. 27

وكان المصريون قائمين بدعوة العاضد عبد الله بن يوسف توهم الجهال أن ما قاله المنجمون حق، فلما رد صلاح الدين الدعوة إلى بني العباس ظهر كذبهم وكانت المدة بين وضع الأساس وانقراض الدولة نحواً من مائة وثلاثة وتسعين عاماً والاعتذار عنهم بسبق البنائين الأرصاد بعيد لان تبديل البناء وتغييره مع الاحتياط للدولة مع سهولة التغيير مما لا يتسامح به. ومن ذلك اتفاقهم سنة خمس وتسعين وثلاثمائة في أيام الحاكم على إنها السنة التي تنقضي فيها بمصر دولة العبيدين، وذلك عند خروج الوليد ابن هشام المعروف بأبي ركوة الأموي، وحكم الطالع له بأنه هو القاطع لدولة العبيدين وإنه لا بد أن يستولي على الديار المصرية ويأخذ الحاكم بذلك وأكبرهم المعروف بالفكرى منجم الحاكم، فكان أبو ركوة قد ملك برقة وأعمالها وكان من تدبير الحاكم أن دعا خواصهم وأمرهم أن يكاتبوا أبا ركوة ويطعموه باختياره على الحاكم ففعلوا، فزحف أبو ركوة بعساكره حتى نزل بوسيم على ثلاثة فراسخ من مصر فخرجت إليه العساكر الحاكمية فهزمته، فتحقق إنها خديعة فهرب وقتل خلق كثير من عسكره وطلب فأخذ أسيراً ودخل به إلى القاهرة على جمل مشهوراً، ثم أمر الحاكم بقتله سنة ٣٩٧ وأمر الحاكم بالفكرى فقتل. والسبب في استمالة الفكرى للحاكم أن الفكرى أصاب معه في قضيتين (أحدهما) أن الحاكم عزم على إرسال أسطول إلى مدينة صور لمحاربتهم فسأله الفكري أن يكون تدبيره إليه ليخرجه في طالع يختاره وتكون العهدة إن لم يظفر عليه، واتفق ظهور الأسطول. (الثانية) إنه ذكر له أن بساحل بركة موريس مسجداً وأن تحته كنزاً، وسأله أن يتولى هو هدمه فإن ظهر الكنز وإلا بناه هو من ماله، فانفق إصابة الكنز. ولما حكم عليه الفكري بتغير دولته وقضى المنجمون بمثل قضائه وقع في نفس الحاكم أن يغير دولته تغييراً معنوياً، فعمد إلى كل متول في دولته ولاية فعزله منها، وقتل وزيره الحسن بن عماد وصار يأمر في يومه بخلاف ما يأمر به في أمسه، فأمر بسب الصحابة ﵃ على رؤوس المنابر والمساجد، ثم أمر بقطع سبهم وعقوبة من سبهم، وأمر بقطع شجرة الزرجون من الأرض واوجب القتل على من شرب الخمر ثم أمر بغرس هذه الشجرة

стр. 28

واباح شرب الحمر، وأهمل الناس حتى نهب الجانب الغربي من القاهرة، وقتلت فيه جماعة ثم ضبط الأمر حتى أمر أن لا تغلق الحوانيت ليلاً ولا نهارا، وأمر مناياً ينادي: من عدم له ما يساوي درهماً أخذه من بيت المال درهمين بعد أن يحلف على عدمه أو يعضده بشهادة رجلين، حتى تحيل الناس في ستر حوانيتهم بالجريد لئلا تدخل الكلاب. ثم لما قتل الفكري لم يزل اثر التنجيم في نفسه لتشوف النفس إلى التطلع إلى الحوادث قبل وقوعها، فجمع المنجمين جمعاً ثانياً بعد أن جمعهم أولا وعملوا له الرصد الحاكمي الذي خالف فيه الرصد المأموني، فألزموه فيما ألزموه بركوب الحمار وأن يتعاهد الجبل المقطم في أكثر الأيام وينفرد وحده يخاطب زحل، وحكموا بأنه ما دام كذلك كان سالم النفس فلزم ما أشاروا عليه به، فخرج بحماره إلى ذلك الجبل على عادته وانفرد بنفسه لكوكبه، وقد استعد قوم بسكاكين فقطعوه هناك وأعدموا جثته فلم يعلم له خبر. فمن هنا تقول أتباعه الملاحدة إنه غائب منتظر. ومن ذلك اتفاقهم سنة ٤٨٢ على خروج ريح سوداء تكون في سائر الأقطار تهلك الناس إلا من اتخذ لنفسه مغارة في الجبال، بسبب أن الكواكب كانت اجتمعت في برج الميزان وهو برج هوائي، كما اجتمعت في برج الحوت زمن نوح ﵊ وهو برج مائي فحصل الطوفان فاتخذ الرعاع المغاير استدفاعاً لما انذرهم به، فلما جاء الوقت الموعود قل هبوب الرياح حتى أهم الناس ذلك لما هم عليه من الكرب وظهر كذبهم. ومن ذلك اتفاقهم في الدولة الصلاحية على أن الإسكندرية لا يموت فيها وال، فلما مات بها الملك المعظم شمس الدولة توران شاه ابن أيوب سنة ٤٧٤ ثم واليها فخر الدين قراجا بن عبد الله سنة ٤٨٩ ثم واليها سعد الدين ابن سودكين بن عبد الله سنة ٦٠٤ انخرمت هذه القاعدة. ومما اتفق عليه المنجمون أن الإنسان إذا أراد أن الله تعالى يستجيب دعاءه جعل الرأس في وسط السماء مع المشتري، أو بنظر منه مقبول والقمر متصل به، أو منصرف عنه متصل بصاحب الطالع، أو صاحب الطالع متصل بالمشتري ناظر إلى الرأس نظر مودة، فهناك لا يشكون أن الإجابة حاصلة. قالوا: وكانت ملوك اليونان يلزمون ذلك فيحمدون عقباه، والعاقل يعلم أن الله تعالى لا يتأثر بحركات النجوم ولا توجب النجوم عليه شيئاً.

стр. 29

وأما الكيمياء فلا بحث في إمكانها على يد ولي من قبيل الكرامات وخرق العادات، وفي في الوصول إلى تصحيح صبغها ظاهراً على وجه التلبيس والغش كما يفعله الفساق، إنما في تصيير النحاس ذهباً حقيقة على طريقة صناعية مطردة، فهذا مما لا اعتقد صحته. وقد صنف الشيخ تقي الدين بن تيمية رسالة في إنكارها، وكذلك ابن قيم الجوزية كما حكاه هو عن نفسه في كتابه المسمى (مفتاح دار السعادة). واضطراب كلام الفارابي في إمكانها فأثبتها مرة ونفاها أخرى والشيخ أبو علي بن سينا سلم إمكان أن يصبغ النحاس بصبغ الفضة والفضة بصبغ الذهب، وان يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص. قال: وأما أن يكون الفصل المنوع يسلب أو يكسى فلم يظهر لي إمكانه، إذ هذه الأمور المحسوسة يتشبه أن لا تكون الفصول التي بها تصير هذه الأجسام أنواعاً، بل هي أعراض ولوازمها وفصولها مجهولة، وإذا كان الشيء مجهولاً كيف يمكن قصد إيجاده أو إفنائه. وللفلاسفة في امتناعها مطلقاً حجج كثيرة: فمن أقواها أن الطبيعة إنما تعمل هذه الأجسام من عناصر مجهولة عندنا، ولتلك العناصر مقادير معينة مجهولة عندنا، ولكيفيات تلك العناصر مراتب معلومة أي في نفسها وهي مجهولة عندنا، ولتمام الفعل والانفعال زمان معين هو مجهول عندنا ومع الجهل بكل ذلك كيف يمكننا عمل هذه الأجسام. (ومنها) لو كان الذهب الصناعي مثلا للذهب الطبيعي لكان ما بالصناعة مثلا لما بالطبيعة لكن التالي باطل، أما أولاً فلاناً لم تجد شبها، وأما ثانياً لو جاز أن يوجد بالصناعة لما حصل بالطبيعة ولما ثبت امتناع التالي ثبت امتناع المقدم. (ومنها) أن لهذه الأجساد أماكن طبيعية وهي معادنها هي لها بمنزلة الأرحام للحيوان. فمن جوز تولدها من غير تلك المعادن كان كمن جوز تولد الحيوان من غير الأرحام. (ومنها) أن هذه الأجساد بفصولها النوعية، وتلك الفصول مجهولة لنا، فلا يمكننا إيجادها ولا إعدامها، وبتقدير أن تكون الفصول معلومة لنا لا يمكننا إزالتها وتحصبلها، لأنه لو جاز أن يجعل نوع نوعاً لجاز أن يجعل الفرس حماراً وبالعكس. (ومنها) أن الجوهر الصابغ إما أن يكون أصبر على النار من المصبوغ أو يكون المصبوغ اصبر أو متساويين، فإن كان الصابغ اصبر وجب أن يفنى المصبوغ قبل الصابغ، وان كان المصبوغ اصبر وجب أن يفنى الصابغ ويبقى المصبوغ

стр. 30

على حاله الأول عريا عن الصبغ، وان استويا فكلما استويا في المصابرة على النار كانا من نوع واحد، فليس احدهما بالصابغية وآخر بالمصبوغية أولى من العكس. (ومنها) تكوين الذهب الطبيعي إنما يحصل في سنين كثيرة بإنضاج وطبخ من حرارة الأرض على وجه مخصوص بمواد مخصوصة، ومراعاة الإنسان النار في عمل الذهب على هذا النظام مما لا يفي به علم البشر، ثم إذا كان تكوينه بالقدرة القديمة على الوجه الطبيعي إنما يحصل في سنين فكيف يتكون بالقدرة الحادة في مدة يسيرة. قال الطبيعيون: أن الزئبق إذا كمل نضجه في الأرض جذبه إليه كبريت المعدن فأجنه وأخفاه في جوفه لئلا يسيل سيلان الرطوبات، فإذا اختلطا واتحدا وذابت الحرارة انعقدا عند تلك ضروباً من المعادن التي يسمونها الفلزات، وهي السبعة الآحاد الذائبة الصابرة على النار المنطرقة، فإن كان الزئبق صافياً والكبريت نقياً واختلطت أجزاؤهما على النسبة وكانت حرارة المعدن معتدلة لم يعرض لها عارض من البرد واليبس ولا من الملوحات والحموضات انعقد من ذلك على طول الزمان الذهب الإبريز، وهذا لا يتكون إلا من الأحجار الرخوة والبراري الرملة، وبذلك يتضح عندك أن قوة الإنسان قاصرة عن إيجاد مثل ذلك مادة وكيفية. ويزيد ذلك وضوحاً أن المذكور في كتب الكيمياء إنما هو رموز، فلو كان لها حقيقة لصرحوا بها، فقد صرح العلماء بما هو أنفس من ذلك وأجل قدراً مما كان له حقيقة، ولا أقول كحل المشكلات. والجمع بين الأحاديث الصحيحة والنكات القرآنية الشريفة لئلا يكون تخليطاً في البحث، فإن البحث إنما هو في الأمور الدنيوية، بل ككتب ابن وحشية وغيره في الطلسمات الصحيحة والفلاحة النافعة وأنواع من السحر هي في بابها كفلق الصبح وفي نفاستها كالكيمياء أو فوقها، فلا يصح التعليل بأنهم إنما كتموها تمويها وزرفا وعجزاً عن تصوير مالا حقيقة له أو توهماً كاذباً وتخميناً طمعياً، والله أعلم. وأما المطالب فلا بحث في إمكان أن يجد الشخص دفيناً جاهلياً أو إسلامياً على الاتفاق والصدف، إنما البحث في أن تحت الأرض مساكن وعمارات مبنية

стр. 31

وفيها كنوز وأموال عظيمة وعليها موانع وطلسمات، ولتلك الموانع طرق تزول بها، وعلى تلك المطالب علامات وأمارات يتوصل بها إلى أمكنتها ويستدل عليها بها، فهذا من مخارق المحتالين وأماني المفلوكين ولا دليل لهم فيما يرجون كذبهم به من أن في القرون السالفة من كان يعتقد العود إلى الدنيا فيدخر ماله لذلك لما سنبينه. والدليل على أن المطالب لا حقيقة لها وإنما هي من المطامع الفارغة والمخارق والخديعة أن ادخار الأموال العظيمة على هذا الوجه المخصوص إما أن يكون لغرض أولا لغرض، والغرض إما دنيوي أو أخروي، والأقسام الثلاثة باطلة وما أدى إلى الباطل فهو باطل، فالقول بوجود المطالب باطل. بيانه: إنه لا جائز أن يكون ادخار المال في الأرض لا لغرض بأن يوضع تحت الأرض عبثاً لتأكله الأرض ويذهب سدى، فإن ذلك خلاف صريح العقل لأن الذهب والفضة هما قيم الأشياء وجوهر الثمينة وأسباب المطالب، ولا جائز أن يكون لغرض أخروي، لأن شريعة الإسلام ليس فيها ما يدل على مطلوبية الادخار والكنز ونيل الدرجات في الآخرة بسببه بل هي ناهية عنه وآمرة بصرفه في وجوه القربات والخيرات. وأصحاب الملل غيرها منهم من ينكر المعاد الجسماني على القطع، ومنهم من تردد فيه، وهؤلاء لا يجوز أن يدخروا المال لأمر أخروي، لما أن أخرويا من غير اعتقاد الآخرة محال، وذلك كعبدة النجوم والصابئة والنصارى على ما قاله الأصفهاني في شرح الطوالع في الكلام على المعاد الجسماني، وان كان فيه نظر. وأما من يقول بالأدوار والتناسح كعبدة الأوثان فالكلام في عدم ادخارهم كالكلام على القسم الثالث. وأما القسم الثالث - وهو أن يكون الادخار لأمر دنيوي يعود على المدخر لاعتقاد عوده إلى الدنيا - فهو أيضاً باطل، لأنه لو كان كذلك لبالغوا في إخفائه وسد طريق العلم به، لكنا قد فرضنا له علامات وأمارات يعرف بها، هذا خلف. وأما عدم إفضاء حرفة الشهادة إلى المقصود فذلك لأن الحرف والصنائع على قسمين: قسم يلزم من العلم به وإجادته الحصول على ثمرته وقسم لا يلزم بل لا بد من ضميمة أخرى ومنه حرفة الشهادة وسائر الحرف الهوائية الغير المعيشية، وينبغي أن يسمى معاشاً غير طبيعي، وهذه لا وثوق بإفضائها إلى المقصود. وبيانه فيما نحن بصدده

стр. 32

وهو الشهادة أن حقيقة حرفة الشهادة ملكة يقتدر بها على التعبير عن مقاصد المشهود له وعليه بلفظ صحيح متعارف مسترف لمقاصدهما بشروط شرعية وعلى إفراغ مقاصدهما في قالب شرعي إن كانت غير شرعية، وغايته تحويل عبارة المشهود له وعليه العامية إلى عبارة يرتضيها العلماء وتحويل تصويرهما الفاسد إلى صورة شرعية. ثم لا يلزم من تحصيل هذه الملكة وإجادتها الحصول على ثمرتها والرواج فيها، بخلاف القسم الأول من الحدادة ونحوها، فإن من علمها وأجادها حصل على ثمرتها. وحكم سائر الحرف الهوائية كالدلالة والنقابة في عدم إفضائها بالعارف بها إلى مقصودها حكم الشهادة، ولك أن تجعل ذلك حداً رسمياً للحرف الهوائية، فيقال في حدها: حرفة لا يلزم من العلم بها وإجادتها الحصول على ثمرتها. والحاصل أن الحرفة الشهادة موانع من حصول ثمرتها والمقصود منها، ولها مفاسد ونقائص عاجلة ومضار أخروية آجلة. فأما الموانع فأمور: (منها) أن حرفة الشهادة من قبيل الاحتراف بالعلم، والعلم كما سيجيء تحقيقه في الفصل الخامس أقبل شيء للخفاء والجحد والجهل بقدره من صاحبه، وأقبل شيء للإضافة إلى غير أهله بالحظ والجاه والتلبيس وسكوت معور عن معور، وإذا كان كذلك فقد بدور الرواج في الشهادة مع الهيئة والزي الظاهر واللباس الفاخر، ويخفى مكان الاتصاف بحرفة الشهادة على التفسير السابق، فيفوت الرواج بفوات الهيئة واللباس، وهناك ينشد: أرى ثياباً ولكن حشوها بقر ... بلا قرون وذا عيب على البقر (ومنها) أن مبنى حرفة الشهادة على العوام، وهم مربوطون بأوهامهم وواقفون مع مألوف عاداتهم ولا تمييز لهم بتفهم كتابة وكتابة والتقليد وظيفتهم وذاتي لهم، فلا يستعملون في وثائقهم ومكاتيبهم مجهولا لهم لتوهمهم فيه إفساد مكاتيبهم، ويلزم من عدم استعمال المجهول استمراره على خمولة ومجهوليته أبد الآبدين ودهر الداهرين. (ومنها) أن مبنى الرواج على الشهرة، والشهرة إما بقدمية أو بتشهير مقبول القول، فأما القدمية فليس المراد بها طول الإقامة في مكان بل كثرة الكتابة التي للشاهد في أيدي الناس المحركة لدواعيهم في استعماله التي يستلزم بعضها بعضاً، والدخيل خال عن ذلك. وقدمنا أن الشخص المجهول لا يستعمل، والمكث المجرد عن الكتابة لا يفيد شيئاً، حتى لو أقام الدخيل أبد الآبدين

стр. 33

في مكان لا يستكتب فيه لم يكن بينه في الجهالة والخفاء والإهمال والجحد فرق البتة. وأما تشهير مقبول القول فأعز من بيض الأنوق ومن تصحيح الإكسير، وما أحق هذا بقول القاضي الجرجاني: إذا لم يكن في الأرض حر بعينني ... ولم يك لي كسب فمن أين أرزق (ومنها) أن الحرفة هوائية صرفة، وصرفها عن الدخيل والأجنبي الذي لا زبون له بالمواطأة والحيلة والاعتذار والشعوذة والدك من إدخال الأشياء تحت الإمكان لاسيما وأهلها بطرق اللؤم أهدى من القطا، مع ما لهم من القسوة والقحة وغلظ الأكباد أحسن الله خلاصنا من أيديهم. وأما المفاسد والنقائض العاجلة فلأن الشهادة في هذا الزمان تستلزم النذالة والسفالة والدناءة وسقوط الهمة وموت النفس والشح والقحة وتؤدى إلى التباغض والتماقت والتقاطع والتدابر والتحاسد، يتقاسمون الفلس والفلسين ويتغاضبون على الحبة والحبتين ويتراضون بالدرهم والدرهمين ويسرقون ويختلسون. قال عمر بن الوردي من أرجوزة طويلة في ذلك: يغيب الأشغال من أبيه ... ويسرق الأجرة من أخيه ويحلفون بالطلاق والعتاق على ما كذبهم فيه أظهر من الشمس فضلاً عما يحتمل الكذب، ويعدون ذلك استرضاءً وعقلا، ويتهافتون بسرعة القيام للأشغال ويعدونه حذقاً وكيساً، ويوسعون الدخيل حرماناً وشعبذة ويعدونه دهاءً وكيساً، وقد قلت في تهافتهم ومبادرتهم القيام: بليت به جهولاً جاهلياً ... ثقيل الروح مذموماً بغيضاً ولم يك أكثر الإخوان علماً ... ولكن كان أسرعهم نهوضاً وأما المضار الأخروية فمن وجوه: (أولها) - حضور الأنكحة مع عدم الاستظهار في شروطها من انقضاء العدة والأولياء والكفاءة وغيرها. وعلى الجملة فالإقدام على عقد من غير معرفة حكمه حرام، ثم بتقدير وجود الشرائط فمعهم من أنفسهم المفسد الأعظم وهو فوات العدالة، لما أن كل واحد يعرف من نفسه مالا يعرف من غيره، والعدالة عند

стр. 34

الشافعية عبارة عن عدم مباشرة الكبائر والإصرار على الصغائر مع المروءة، وأين من يجمع هذه الثلاثة مع خطر النكاح وكثرة ما يترتب عليه من الأحكام من التوالد والتوارث وانتشار النسب إلى عدد كثير، وما يترتب على ذلك المنتشر من الأحكام ووجوب مالا يجب إلا بالنكاح وحل مالا يحل به، إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. (وثانيهما) - أن شركة الأبدان القائل فيها قائلان: قائل بعدم جوازها البتة كالشافعي، وقائل بجوازها كالحنبلي والحنفي، وليس لنا قائل بوجوبها. وان اثنين ينعقد بينهما شركة الأبدان بغير اختيارهما، ومبنى شركة الشهود غالباً على الإكراه، فقلما يقع بين الشهود شركة أبدان صحيحة بالتراضي، بل كل منهم لا يريد الآخر ولا الكتابة معه، ويمنعه من ذلك موانع هي آكراه أو في معنى الإكراه، ويكتب احدهما مائة سطر والآخر يكتب اسمه ويتقاسمان على السواء ولا شركة بينهما قائمة، فيصير الكسب كله حراماً، مسح أن أكل الحرام مما يظلم القلوب ويمنعها من دخول الحكمة فيها. (وثالثهما) إنه يجب على كل أحد علم ظاهر صناعته كما ذكره الشافعية في كتب الفقه أول كتاب الجهاد، فيجب على الصيرفي مثلا معرفة أن بيع درهم بدرهمين مثلاً حرام وغير ظاهر صنعته كباقي مسائل الربا التي لا يكثر دورها لا يجب عليه تعلمه، وإذا وقع له شيء منه سأل عنه العلماء. وقياسه أن كل شاهد يجب عليه أن يعلم شروط الرهن والبيع والكفالة والأقارير، لأن هذه الأشياء كثيرة الدور، وباقي مسائل هذه الأبواب يسأل عنها المفتي إذا وقع له، فحينئذ من ترك من الشهود معرفة هذه الأشياء كان عاصياً، ويتكرر عصيانه كل يوم ويترتب على ذلك ما لا يخفى وأيضاً كثيراً ما يكتب الشهود في الشهادة على من لا يعرفونه وقد عرفه شهوده وهو كذب، لأن المعرفة لا تحصل بالنظرة ولا بالمرة، ويتكرر هذا الكتاب بتكرر الشهادة على المجاهيل، ويترتب على ذلك ما لا يخفى. (ورابعها) - تضييع الحقوق بالجهل، فرب من يكتب شيئاً ويزيد فيه كلمة أو ينقص كلمة أو يصور صورة يترتب عليها مفاسد شرعية وهو بجهله لا يعلمها، ولا يصح الاعتذار عن ذلك بأن الكلمة الزائدة أو الناقصة هكذا تحملها، لأن بتسببه وتوريطه المشهود له، وعليه في ذلك بتقليدهما إياه ظنا منهما إنه أهل للتقليد. (وخامسها) - التدليس باسترعاء المشهود عليه بكلمات الفقهاء التي تقصر عن إدراك غوائلها

стр. 35

ودسائسها إفهام العوام من غير أن يعرف العوام ما وراء ذلك من الغور، مع القطع بأنه أو شرح له ما في ذلك من الفساد لما أقدم عليه. ولا يصح الاعتذار عن ذلك بأنه هكذا تحمل وهكذا استرعاه، لأن هذا مما لا ينفع عند العليم الخبير. (وسادسها) - أنهم يكتبون في كتب الأوقاف كلاماً طويلاً تلقوه عمن تقدمهم من غير أن يعرفوا معناه فضلاً عن الواقف المشهود عليه، بدليل أن العلماء فضلا عن المورقين ندور رؤوسهم في ثاني الحال في فهم المراد منه، والواقف لم يلتفظ به ولا بمعظمه، ولو قرئ عليه لم يفسد لاستحالة إرادة معنى شيء بدون فهمه. على أن الإنشاءات لا بد فيها من اللفظ من فهم المعنى، بدليل أن الأعجمي لو لقن الطلاق بلا فهم فأوقعه وأراد معناه عند العارف بمعناه لم يقع. وعلى الجملة فشهادتهم على الواقف بما نسب إليه فيه وهو لم يفهمه مشكلة جداً، بل وينشأ من عباراتهم الفاسدة الناشئة عن الجهل حرمان من لعل الواقف لم يرد حرمانه لو روجع فيه ودخول من لم يرد دخوله. وعلى الجملة ففي هذا الموضع نظر ظاهر فليتأمل. (وسابعها) - تصريح العلماء من الشافعية والحنفية بأنه لا يشهد على خطه ما لم يتذكر الواقعة، فأما القضايا التي يكون فيها مدخل أو يكون هو المورق وله في عبارته وكتابته ما يذكره بالقضية فلا كلام فيها. ولكن ثم من القضايا ما يستحيل التذكر فيه عادة، كالشهادة على الحكام في ظهور السجلات مع طول المدة وما في معنى ذلك، فليستفت الشاهد قلبه في ذلك فإنه من مزال الأقدام. (وثامنها) - الاكتفاء في الشهادة على الحكام في السجلات الطويلة والمحاضر وصور المجالس الطوال بقول الحاكم له (نعم) جواباً لقول الشاهد له (اشهد عليكم بما فيه) من غير أن يقرأه عليه بل ولا يعرف الشاهد ما فيه لا إجمالاً ولا تفصيلا، وقد قال فقهاء الشافعية في كتاب القاضي للقاضي إنه لو يقرأ على الشاهدين وقال الحاكم لهما أشهد كما علي إنه كتابي أو أن ما فيه خطي لم يكتف بذلك. (وتاسعها) - رفع الشهود نسب من لا يعرفون نسبه مع أن ذلك شهادة بنسبه ضمنا، كما قاله السبكي في جمع الجوامع في الكلام على أن مورد الصدق والكذب إنما هو النسبة التي تضمنها الخبر لا واحد من طرفيها، ولو سلم أن ذلك ليس شهادة بالنسب لا أصلا ولا ضمناً فقد قال الإمام كما نقله عنه في الروضة والرافعي إنه لو يعرف المشهود عليه إلا باسمه لم

стр. 36

يتعرض في الشهادة لاسم أبيه. هذا ما رأيت أن أذكره مما قوى عندي مما حضرني في هذا المقام من موانع حصول المقصود من حرفة الشهادة ومفاسدها، ووراء ذلك غور لا يمكن التصريح به، ورأيت أن الإمساك عنه أولى، وما أحق ذلك بقول القائل: في النفس أشياء لا أستطيع اذكرها ... لو قلتها قامت الدنيا على ساق والله المسئول في الخلاص منها واليه ... اضرع وعليه أتوكل الفصل الخامس في أن الفلاكة والإهمال ألصق بأهل العلم وألزم لهم من غيرهم وبيان السبب في ذلك وإنما كانت الفلاكة ألصق بهم غالباً من غيرهم لأمور: (منها) أن الإمارة عنهم بمعزل، والتجارة مبنية على السفسفة والمماحلة والآمال التي لا يقوم دليل على وقوعها، والفلاحة والصناعة يلزمهما المهانة والتلوث برذائل الحيل الدنيوية وأهل العلم لهم أنفة واستنكاف عن ذلك، فيقعدون عن الاكتساب متعللين بالأماني الكاذبة، فيقعون في الفاقة والإملاق. (ومنها) أنهم يحسنون ظنونهم في الناس على مقتضى ما يتوهمونه في أنفسهم من استحقاقها لذلك، ويبنون على ذلك رفيعاً ويحاولون منيعاً، والناس لاسيما أهل عصرنا لا يقيمون لعلومهم ومعارفهم وزناً فيبنون ظنونهم على شفا جرف هار، وتأتي الحوادث بنيانهم من القواعد فتجتثه ويعودون بآمال خاسرة وظنون كاذبة. (ومنها) أنهم لاعتيادهم القواعد الكلية والخوض في الأنظار الدقيقة يطردون معظم الأشياء كلياً حرماناً وحصولاً، ويقيسون الأشياء على أشباهها على طريق قياسهم الفقهي، ويلحقون بعض الوقائع ببعض على سبيل إلحاق النظير بالنظير والقياس التمثيلي. والقضايا وان تناسبت أو تساوت من وجه فقد تختلف من وجه آخر أو من وجوه أخر تخفى على غير المهرة في أحكام الدنيا ودقائقها، أو الخصوص في المادة لو لوجود مانع أو فوات شرط أو لكون تلك القاعدة المأخوذ منها حكم ذلك الفرع ليست كلية في نفسها بل أكثرية وذلك الفرع من غير قسيم

стр. 37

الأكثر، وهم عن ذلك كله غافلون والقواعد العلمية التي يعرفونها تقضى عليهم بتصحيح الأقيسة والوثوق بها، فيطردون معظم الأشياء كلياً حرماناً وحصولا تأليفاً وتنفيراً تقريباً وتبعيداً إهمالا ومراعاة، فيخبطون لذلك خبطاً عظيماً ويخطئون السياسة أصلا ورأسا. والكيس من العامة والهمج لا يعرف الكليات ولا الأقيسة والعمل بها، ولا إلحاق الأشياء بنظائرها ولا قياس العكس والحلف والملازمات، فبنظر في الجزئي الذي هو بصدده نظراً خاصاً غير مشوش بما يفسده ويتفقه فيه مانعاً وعائقاً، ويجسره على ذلك صحة الجزم وعدم التردد وما ينشأ من كثرة الاحتمالات من الفتور والتواني وضعف العزيمة، فتنجح مساعيهم ويصيبون في ظنونهم غالباً. (ومنها) أنهم لبعد غورهم وغوصهم يفرضون محتملات بعيدة ويجزمون بوقوعها وثوقاً منهم بظنونهم وافتتاناً بأنفسهم، وما من شيء إلا ويطرقه الاحتمال المثبط عن إمضائه واستقامته، فيتخلفون لذلك عن مظان الخير والتعرض لتنفيسات الدهر وغشيان أهل الجاه، فيقعون في الفلاكة والإهمال (ومنها) وهو مختص بأصحاب علوم الأوائل من الحكمة والفلسفة والطبيعة والمنطق والجدل والطب وكلام الأقدمين والتصوف الممزوج بالفلسفة والمتبحرين في التشكيكات والشبه، وعلى الجملة فمن تضلع في هذه العلوم وحدها ولم يكن له خدمة لما في الكتاب والسنة من الأحكام والمعارف ولا تضلع في الفقه ولا نظر نظراً تاماً في كلام العلماء الكبار المتشرعين فإنه يخرج بهاء الشريعة وجلالها ومهابتها وتعظيم ما فيها من فلبه، فيسترسل في اللذات محرمة كانت أو جائزة رذيلة خسيسة كانت أو غير منفرة، ويستثقل الإتيان بالمأمورات فيتركها طلباً للراحة والدعة، وأرزاق العلماء مبنية على التماس بركتهم والاستنجاح بأدعيتهم وترفيعهم عن رذيلة الاحتراف والاكتساب الجائزين، فمتى لم يرفعوا أنفسهم عن الرذائل المحرمة ولم يكن لدعائهم عمل صالح يرفعه ولا على شمائلهم شواهد البركة أنكف الناس عن إسعافهم بمرادهم وأخذوا في طعنهم وتنقيصهم وربما رموهم بالزندقة والإلحاد، فتستحكم الفلاكة فيهم والفلاكة كالبرص في الجسد تنتشر فيه وتسري وتتزايد ما لم تجد دواءً حاسماً مانعاً له من السريان. (ومنها) وهو مختص بأصحاب علوم الأوائل أيضاً أنهم يرون أن لا كمال إلا التحلي بالمعارف والإطلاع على النكات والحقائق والوقوف على الأسرار والدقائق،

стр. 38

وإن الكمالات الخارجية من المال والجاه خيالات باطلة لا كمال فيها، ويمكن أخذ ذلك والاستدلال عليه بقول عز الدين الحسن ابن محمد الاربلي الضرير الفيلسوف: كمل حقيقتك التي لم تكتمل ... والجسم دعه في الحضيض الأسفل أتكمل الفاني وتترك باقياً ... هملا وأنت بأمره لم تحفل الجسم للنفس النفيسة آلة ... ما لم تحصله بها لم يحصل يفنى وتبقى بعده في غبطة ... محمودة أو شقوة لا تنجلي أعطيت جسمك خادماً فخدمته ... ونسيت عهدك في الزمان الأول ملكت رقك مع كمالك ناقصاً ... أتملك المفضول رق الأفضل وبقول أبي الفتح البستي والغزالي ﵀ كثير اللهج به في كتبه: يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... وتطلب الربح مما فيه خسران عليك بالنفس فاستكمل سعادتها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان وبقول الفارابي محمد بن محمد بن طرخان الفارابي المتوفى سنة ٣٣٦: أخي خل حيز ذي باطل ... وكن للحقائق في حيز فما الدار دار مقام لنا ... وما المرء في الأرض بالمعجز ينافس هذا لهذا على ... أقل من الكلم الموجز وهل نحن إلا خطوط وقعن ... على نقطة وقسع مستوفز محيط السموات أولى بنا ... فماذا التنافس في المركز وإذا كان الكمال الخارجي متلاشياً في أنظارهم على ما تقرر فيهم محالة لا يعطون له بالا، وهو لعمره لا يتم مع الفكرة في تثميره فكيف مع إهماله وعدم الاعتناء به وإلقائه وراء الظهر. (ومنها) أن العلوم خرجت عن كونها حرفاً وصناعة من الصناعات بعد مصيرها من قبل، على ما سيجيء تحقيقه والاستدلال عليه في الفصل السادس بعد هذا الفصل، وإذا كان كذلك فكيف العمل على شريعة منسوخة والوصول بسلوك سبيل قد سد والاستضاءة بمصباح قد طفئ. (ومنها) أن رواج العلماء إنما هو لعلمهم كما أن رواج أرباب الحرف إنما هو لحرفهم، ولكن

стр. 39

العلم بطيء الحصول وليست كل الطباع تقبله، والجزء الغالب عليه الوهب من الله لا الكسب، فطائفة من العمر تنقضي في تحصيل متنه وطائفة من العمر ثانية تنقضي في تصوره وأخذه عن الشيوخ وطائفة ثالثة في تحقيقه. ثم بعد ذلك كله فصفة العلم ليست من الصفات المحسوسة الظاهرة كالحسن والقبح، ولا مما يدخله الكمية والمقدار المحسوس ليعرف التفاضل فيه بالذراع والشبر وقياس أحد المطلوبين على الآخر، ولا الدال على صفة العلم وهو البيان والنطق ظاهراً مكشوفاً لكل احد، كالشجاعة التي يعرف بها القوى من الضعيف بالافتراس والإلقاء على الأرض، وكالإجادة في المصنوعات المرئية المشاهدة، بل صفة العلم من الصفات النفسانية والكمالات الحاصلة بقوة النفس الناطقة والقوى الباطنة فهي قابلة للجحد والإنكار والمدافعة والتغطية عليها عند أهلها، وقابلة أيضاً لأن يدخل فيها غير أهلها بالتلبيس والتصنع والتمويه والجاه. ويعين على خفائها وجهل الناس بمكانها من صاحبها وقبولها للتصنع والتمويه أن للعلم مستدع لفاهمة وحافظة، وقل أن يجتمعا في شخص، وذلك لما أن القوة الحافظة من مقدم الدماغ والقوة الفاهمة مما يلي مؤخر الدماغ في وسطه، ويقدر كمال إحداهما بموادها تنقص الأخرى لتقابل المكانين وان شئت قلت: أن البطن المؤخر من الدماغ محل الاسترجاع والتذكر، والبطن المقدم محل التخيل، ويقدر كمال إحداهما بموادها تنقص الأخرى لتقابل المكانين. أو لأن الفهم يستدعي مزيد رطوبة في الدماغ والحفظ يستدعي مزيد يبوسة، والجمع بينهما محال كما قاله الإمام فخر الدين الرازي في كتابه المصنف في مناقب الشافعي ناقلاً له عن الحكماء. وإن من العلماء من له قلم وكتابة وليس له بيان ولا جدل، لأن مزاجه يتغير بالمماراة والمدافعة غضباً أو حياءً ويضيق قلبه انفعالا عن ذلك فيحصل الحبسة في لسانه بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه، أو لعدم دربته ومهارته بالبحث، أو لعيه وحبسته، أو لان في العلم والكتابة استعانة على تشييع القوة النفسانية وضبطها عن التشتت، وهذا مستمد مما ذكره الحكماء في كتبهم من أن

стр. 40

نفوس الكهان لما ضعف استعدادها تشبثت بأمور جزئية تكون مشيعة لها ومانعة من تشتتها، كالسجع ورؤية الماء وسنوح سانح. ومنهم من له بيان وجدل ولا قلم ولا كتابة له، إما لفصاحته مع عدم وقوفه على حقائق العلوم، وأما لفساد تراكيبه إهمالا واحترازاً وان كان واقفاً على حقائقها. والقلم يضبط العيوب ويكون شاهداً عليه بخلاف العبارة، لإمكان المكابرة والاعتذار فيها وإمكان تغييرها عند المضايقة، وأما لدربته ومهارته في البحث وحسن انتقاله فيه وتغطيته على جهله وقلة مبالته. وإن من العلماء من يزيد علمه على عقله فلا يحسن الغطاء على مجهولاته ولا الاعتذار عنها، مع أن مجهولات الإنسان أكثر من معلوماته بل لا نسبة لمعلوماته إلى مجهولاته. ومنهم من يزيد عقله على علمه فيضع الأشياء في حاق مواضعها ويضيف إليها رونقاً وبهاءً وتهويلا وتمويهاً. وان من العلماء من له صوت لإهماله والبكاء صغيراً لفقر أهله أو لتسليط البكاء عليه في المهد والمحارج رطبة فيفتح العياط لهواته وتتسع مجاري صوته وتتصلب أوداجه. ومنهم من لا صوت له لعدم ذلك، ومن لا صوت له مغلوب عاجز عن المباحثة، حتى أن بعض الناس علمه صوته وفخره نغمه، وما أحق هذا المقام بقول القائل: فقلت لمحمد لما التقينا ... تنكب لا يقطرك الزحام وإن من العلماء من له علم بلا جاه ولا وجاهة، فلا يمكنه المقاومة ويتلعثم لسانه ويتغير للإجلال، ويدافعه الوهم ويقول فلا يلتفت إليه أو يرد عليه رداً جاهياً تقبله العامة. ولله در القائل: إذا التقى الخيل في معسكرها ... فكيف حال البعوض في الوسط والقائل: حياة بلا مال حياة ذميمة ... وعلم بلا جاه كلام مضيع ومنهم من له جاه وحاله في ذلك ظاهر لا يحتاج إلى الكلام عليه. وإذا تقرر لك ذلك كله علمت أن العلم اقبل شيء للخفاء والجحد والتلبيس والتصنع، وكيف الرواج بحرفة مجحودة أو خفية أو يشارك فيها بالتلبيس والتمويه. (ومنها) أن ما في أيدي الناس إنما هو
следующие страницы →