← Адаб

Адаб · id 36075

الفلاكة والمفلوكون

الدلجي، أحمد بن علي

Полный текст (145 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يتعرض في الشهادة لاسم أبيه. هذا ما رأيت أن أذكره مما قوى عندي مما حضرني في هذا المقام من موانع حصول المقصود من حرفة الشهادة ومفاسدها، ووراء ذلك غور لا يمكن التصريح به، ورأيت أن الإمساك عنه أولى، وما أحق ذلك بقول القائل: في النفس أشياء لا أستطيع اذكرها ... لو قلتها قامت الدنيا على ساق والله المسئول في الخلاص منها واليه ... اضرع وعليه أتوكل الفصل الخامس في أن الفلاكة والإهمال ألصق بأهل العلم وألزم لهم من غيرهم وبيان السبب في ذلك وإنما كانت الفلاكة ألصق بهم غالباً من غيرهم لأمور: (منها) أن الإمارة عنهم بمعزل، والتجارة مبنية على السفسفة والمماحلة والآمال التي لا يقوم دليل على وقوعها، والفلاحة والصناعة يلزمهما المهانة والتلوث برذائل الحيل الدنيوية وأهل العلم لهم أنفة واستنكاف عن ذلك، فيقعدون عن الاكتساب متعللين بالأماني الكاذبة، فيقعون في الفاقة والإملاق. (ومنها) أنهم يحسنون ظنونهم في الناس على مقتضى ما يتوهمونه في أنفسهم من استحقاقها لذلك، ويبنون على ذلك رفيعاً ويحاولون منيعاً، والناس لاسيما أهل عصرنا لا يقيمون لعلومهم ومعارفهم وزناً فيبنون ظنونهم على شفا جرف هار، وتأتي الحوادث بنيانهم من القواعد فتجتثه ويعودون بآمال خاسرة وظنون كاذبة. (ومنها) أنهم لاعتيادهم القواعد الكلية والخوض في الأنظار الدقيقة يطردون معظم الأشياء كلياً حرماناً وحصولاً، ويقيسون الأشياء على أشباهها على طريق قياسهم الفقهي، ويلحقون بعض الوقائع ببعض على سبيل إلحاق النظير بالنظير والقياس التمثيلي. والقضايا وان تناسبت أو تساوت من وجه فقد تختلف من وجه آخر أو من وجوه أخر تخفى على غير المهرة في أحكام الدنيا ودقائقها، أو الخصوص في المادة لو لوجود مانع أو فوات شرط أو لكون تلك القاعدة المأخوذ منها حكم ذلك الفرع ليست كلية في نفسها بل أكثرية وذلك الفرع من غير قسيم

стр. 37

الأكثر، وهم عن ذلك كله غافلون والقواعد العلمية التي يعرفونها تقضى عليهم بتصحيح الأقيسة والوثوق بها، فيطردون معظم الأشياء كلياً حرماناً وحصولا تأليفاً وتنفيراً تقريباً وتبعيداً إهمالا ومراعاة، فيخبطون لذلك خبطاً عظيماً ويخطئون السياسة أصلا ورأسا. والكيس من العامة والهمج لا يعرف الكليات ولا الأقيسة والعمل بها، ولا إلحاق الأشياء بنظائرها ولا قياس العكس والحلف والملازمات، فبنظر في الجزئي الذي هو بصدده نظراً خاصاً غير مشوش بما يفسده ويتفقه فيه مانعاً وعائقاً، ويجسره على ذلك صحة الجزم وعدم التردد وما ينشأ من كثرة الاحتمالات من الفتور والتواني وضعف العزيمة، فتنجح مساعيهم ويصيبون في ظنونهم غالباً. (ومنها) أنهم لبعد غورهم وغوصهم يفرضون محتملات بعيدة ويجزمون بوقوعها وثوقاً منهم بظنونهم وافتتاناً بأنفسهم، وما من شيء إلا ويطرقه الاحتمال المثبط عن إمضائه واستقامته، فيتخلفون لذلك عن مظان الخير والتعرض لتنفيسات الدهر وغشيان أهل الجاه، فيقعون في الفلاكة والإهمال (ومنها) وهو مختص بأصحاب علوم الأوائل من الحكمة والفلسفة والطبيعة والمنطق والجدل والطب وكلام الأقدمين والتصوف الممزوج بالفلسفة والمتبحرين في التشكيكات والشبه، وعلى الجملة فمن تضلع في هذه العلوم وحدها ولم يكن له خدمة لما في الكتاب والسنة من الأحكام والمعارف ولا تضلع في الفقه ولا نظر نظراً تاماً في كلام العلماء الكبار المتشرعين فإنه يخرج بهاء الشريعة وجلالها ومهابتها وتعظيم ما فيها من فلبه، فيسترسل في اللذات محرمة كانت أو جائزة رذيلة خسيسة كانت أو غير منفرة، ويستثقل الإتيان بالمأمورات فيتركها طلباً للراحة والدعة، وأرزاق العلماء مبنية على التماس بركتهم والاستنجاح بأدعيتهم وترفيعهم عن رذيلة الاحتراف والاكتساب الجائزين، فمتى لم يرفعوا أنفسهم عن الرذائل المحرمة ولم يكن لدعائهم عمل صالح يرفعه ولا على شمائلهم شواهد البركة أنكف الناس عن إسعافهم بمرادهم وأخذوا في طعنهم وتنقيصهم وربما رموهم بالزندقة والإلحاد، فتستحكم الفلاكة فيهم والفلاكة كالبرص في الجسد تنتشر فيه وتسري وتتزايد ما لم تجد دواءً حاسماً مانعاً له من السريان. (ومنها) وهو مختص بأصحاب علوم الأوائل أيضاً أنهم يرون أن لا كمال إلا التحلي بالمعارف والإطلاع على النكات والحقائق والوقوف على الأسرار والدقائق،

стр. 38

وإن الكمالات الخارجية من المال والجاه خيالات باطلة لا كمال فيها، ويمكن أخذ ذلك والاستدلال عليه بقول عز الدين الحسن ابن محمد الاربلي الضرير الفيلسوف: كمل حقيقتك التي لم تكتمل ... والجسم دعه في الحضيض الأسفل أتكمل الفاني وتترك باقياً ... هملا وأنت بأمره لم تحفل الجسم للنفس النفيسة آلة ... ما لم تحصله بها لم يحصل يفنى وتبقى بعده في غبطة ... محمودة أو شقوة لا تنجلي أعطيت جسمك خادماً فخدمته ... ونسيت عهدك في الزمان الأول ملكت رقك مع كمالك ناقصاً ... أتملك المفضول رق الأفضل وبقول أبي الفتح البستي والغزالي ﵀ كثير اللهج به في كتبه: يا خادم الجسم كم تسعى لخدمته ... وتطلب الربح مما فيه خسران عليك بالنفس فاستكمل سعادتها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان وبقول الفارابي محمد بن محمد بن طرخان الفارابي المتوفى سنة ٣٣٦: أخي خل حيز ذي باطل ... وكن للحقائق في حيز فما الدار دار مقام لنا ... وما المرء في الأرض بالمعجز ينافس هذا لهذا على ... أقل من الكلم الموجز وهل نحن إلا خطوط وقعن ... على نقطة وقسع مستوفز محيط السموات أولى بنا ... فماذا التنافس في المركز وإذا كان الكمال الخارجي متلاشياً في أنظارهم على ما تقرر فيهم محالة لا يعطون له بالا، وهو لعمره لا يتم مع الفكرة في تثميره فكيف مع إهماله وعدم الاعتناء به وإلقائه وراء الظهر. (ومنها) أن العلوم خرجت عن كونها حرفاً وصناعة من الصناعات بعد مصيرها من قبل، على ما سيجيء تحقيقه والاستدلال عليه في الفصل السادس بعد هذا الفصل، وإذا كان كذلك فكيف العمل على شريعة منسوخة والوصول بسلوك سبيل قد سد والاستضاءة بمصباح قد طفئ. (ومنها) أن رواج العلماء إنما هو لعلمهم كما أن رواج أرباب الحرف إنما هو لحرفهم، ولكن

стр. 39

العلم بطيء الحصول وليست كل الطباع تقبله، والجزء الغالب عليه الوهب من الله لا الكسب، فطائفة من العمر تنقضي في تحصيل متنه وطائفة من العمر ثانية تنقضي في تصوره وأخذه عن الشيوخ وطائفة ثالثة في تحقيقه. ثم بعد ذلك كله فصفة العلم ليست من الصفات المحسوسة الظاهرة كالحسن والقبح، ولا مما يدخله الكمية والمقدار المحسوس ليعرف التفاضل فيه بالذراع والشبر وقياس أحد المطلوبين على الآخر، ولا الدال على صفة العلم وهو البيان والنطق ظاهراً مكشوفاً لكل احد، كالشجاعة التي يعرف بها القوى من الضعيف بالافتراس والإلقاء على الأرض، وكالإجادة في المصنوعات المرئية المشاهدة، بل صفة العلم من الصفات النفسانية والكمالات الحاصلة بقوة النفس الناطقة والقوى الباطنة فهي قابلة للجحد والإنكار والمدافعة والتغطية عليها عند أهلها، وقابلة أيضاً لأن يدخل فيها غير أهلها بالتلبيس والتصنع والتمويه والجاه. ويعين على خفائها وجهل الناس بمكانها من صاحبها وقبولها للتصنع والتمويه أن للعلم مستدع لفاهمة وحافظة، وقل أن يجتمعا في شخص، وذلك لما أن القوة الحافظة من مقدم الدماغ والقوة الفاهمة مما يلي مؤخر الدماغ في وسطه، ويقدر كمال إحداهما بموادها تنقص الأخرى لتقابل المكانين وان شئت قلت: أن البطن المؤخر من الدماغ محل الاسترجاع والتذكر، والبطن المقدم محل التخيل، ويقدر كمال إحداهما بموادها تنقص الأخرى لتقابل المكانين. أو لأن الفهم يستدعي مزيد رطوبة في الدماغ والحفظ يستدعي مزيد يبوسة، والجمع بينهما محال كما قاله الإمام فخر الدين الرازي في كتابه المصنف في مناقب الشافعي ناقلاً له عن الحكماء. وإن من العلماء من له قلم وكتابة وليس له بيان ولا جدل، لأن مزاجه يتغير بالمماراة والمدافعة غضباً أو حياءً ويضيق قلبه انفعالا عن ذلك فيحصل الحبسة في لسانه بانقباض الروح إلى باطن القلب عند ضيقه، أو لعدم دربته ومهارته بالبحث، أو لعيه وحبسته، أو لان في العلم والكتابة استعانة على تشييع القوة النفسانية وضبطها عن التشتت، وهذا مستمد مما ذكره الحكماء في كتبهم من أن

стр. 40

نفوس الكهان لما ضعف استعدادها تشبثت بأمور جزئية تكون مشيعة لها ومانعة من تشتتها، كالسجع ورؤية الماء وسنوح سانح. ومنهم من له بيان وجدل ولا قلم ولا كتابة له، إما لفصاحته مع عدم وقوفه على حقائق العلوم، وأما لفساد تراكيبه إهمالا واحترازاً وان كان واقفاً على حقائقها. والقلم يضبط العيوب ويكون شاهداً عليه بخلاف العبارة، لإمكان المكابرة والاعتذار فيها وإمكان تغييرها عند المضايقة، وأما لدربته ومهارته في البحث وحسن انتقاله فيه وتغطيته على جهله وقلة مبالته. وإن من العلماء من يزيد علمه على عقله فلا يحسن الغطاء على مجهولاته ولا الاعتذار عنها، مع أن مجهولات الإنسان أكثر من معلوماته بل لا نسبة لمعلوماته إلى مجهولاته. ومنهم من يزيد عقله على علمه فيضع الأشياء في حاق مواضعها ويضيف إليها رونقاً وبهاءً وتهويلا وتمويهاً. وان من العلماء من له صوت لإهماله والبكاء صغيراً لفقر أهله أو لتسليط البكاء عليه في المهد والمحارج رطبة فيفتح العياط لهواته وتتسع مجاري صوته وتتصلب أوداجه. ومنهم من لا صوت له لعدم ذلك، ومن لا صوت له مغلوب عاجز عن المباحثة، حتى أن بعض الناس علمه صوته وفخره نغمه، وما أحق هذا المقام بقول القائل: فقلت لمحمد لما التقينا ... تنكب لا يقطرك الزحام وإن من العلماء من له علم بلا جاه ولا وجاهة، فلا يمكنه المقاومة ويتلعثم لسانه ويتغير للإجلال، ويدافعه الوهم ويقول فلا يلتفت إليه أو يرد عليه رداً جاهياً تقبله العامة. ولله در القائل: إذا التقى الخيل في معسكرها ... فكيف حال البعوض في الوسط والقائل: حياة بلا مال حياة ذميمة ... وعلم بلا جاه كلام مضيع ومنهم من له جاه وحاله في ذلك ظاهر لا يحتاج إلى الكلام عليه. وإذا تقرر لك ذلك كله علمت أن العلم اقبل شيء للخفاء والجحد والتلبيس والتصنع، وكيف الرواج بحرفة مجحودة أو خفية أو يشارك فيها بالتلبيس والتمويه. (ومنها) أن ما في أيدي الناس إنما هو

стр. 41

ثمرة أموالهم وتكسباتهم بأعمالهم، حتى لو فرضنا خصاً خالياً من المال والتكسب لم يكن إلا حاذاً مكدياً، وعلى قدر احتياج الناس إلى نوع ذلك المال ونوع ذلك التكسب يكون نفاقه بينهم، وبقدر نفاقه تعظم ثروة صاحبه وغناه، فلذلك لا تعظم ثروة أصحاب منصب القضاء والفتوى والتدريس غالباً وذلك لعدم احتياج جمهور الناس إلى ما بأيديهم احتياجاً لازماً لا مندوحة عنه، لما أن الأمور المفتقرة إلى القضاء تنفصل بغير قضاء تارة لرجوع المبطل عن عناده لوازع دين أو عار أو خوف مترقب أو نحوها، وتنفصل بالسياسة وبوجوه الناس تارة أخرى، ولما أن العلوم مباينة لطبائع البعض ومهجورة عند البعض ومستثقلة على البعض. الفصل السادس في مصير العلوم كمالات نفسانية وطاعة من الطاعات ليس إلا بعد كونها صناعة من جملة الصناعات وحرفة من الحرف هذه الدعوة مركبة من ثلاثة أمور: (الأمر الأول) أن العلوم كانت حرفة من الحرف وصناعة من الصنائع. (الأمر الثاني) أن العلوم الآن خرجت عن كونها صناعة وزال منها معنى الاحتراف والصنعة. (الأمر الثالث) كونها كمالات وطاعات. وبيان ذلك يفتقر إلى مقدمتين: (المقدمة الأولى) أن هذه الريعة ناسخة لجميع الرائع وأحكامها باقية بقاء الدهر. ثم أن الأحكام كلها متلقاة من الله تعالى ولا مدخل للعقل في إيجاب ولا تحريم ولا غيرهما، ولذلك قيل في حد الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير، فقيل (خطاب الله) لأن السنة والإجماع والقياس ترجع إليه بالآخرة. والكتاب والسنة والحكم الرعي مفتقر إلى العلوم بأسرها. وبيانه إنه بالنظر إلى المفرد الذي يستدل به وصحته في حالة إفراده يفتقر إلى علم الصرف، وأن النظر في صحة التركيب يفتقر إلى علم النحو، وفي تطبيق اللفظ على مدلوله يفتقر إلى علم اللغة، وفي إظهاره وإضماره والتفاته وتقديمه وتأخيره ونحوها مما يرجع إلى مطابقة اللفظ لمقتضى الحال إلى علم المعاني، وفي حقيقته ومجازه وكنايته واستعارته ونحوها مما يرجع إلى إيراد

стр. 42

العلمين إلى علم البديع، وبالنظر في خاصه وعامه ومطلقه ومقيده ومجمله ونحو ذلك إلى المعنى الواحد في طرق مختلفة في وضوح الدلالة إلى علم البيان، وبالنظر إلى توابع هذين طائفة من علم أصول الفقه، وفي مواقع القرآن إلى أسباب النزول، وفي استيضاح معانيه إلى علم التفسير، وفي نزوله على حروف متعددة إلى علم القراءات، وفي الاستدلال به وترتيب الأدلة إلى علم المنطق والجدل وآداب البحث، وفي الأحكام المستفادة منه وبواسطته إلى الفقه، وفي استنباط الفقه إلى أصول الفقه، وان النظر في السنة يستلزم علم رواية السنة وحفظها وعلم الحديث والناسخ والمنسوخ وأسماء الرواة وكناهم وألقابهم ومشتبه أنسابهم وجرحهم وتعديلهم ووفاتهم والأخبار والقصص. وإن النظر في الشارع يفتقر إلى علم الكلام. ثم أن العلوم بعضها مربوط ببعض ومتعلق به إما على سبيل الاستلزام أو على سبيل الاستمداد، وهذه العلوم المذكورة تستلزم جملة من علوم الحكماء والأوائل ولو بواسطة أو وسائط، كاستلزام الفقه بواسطة الفرائض والإقرارات المجهولة علم الحساب وهو الارتماطيقي وعلم الجبر والمقابلة، وبواسطة اختلاف أحكام الوصية وما في معناها بالمرض المخوف وغيره وإباحة التيمم بالمرض ونحوه إلى علم الطب، وكاستلزام علم الكلام للطبيعة والرياضة والمنطق، وكاستلزام تعيين معرفة القبلة على كل واحد في رأي الرافعي أو على مريد السفر في رأي النووي وهو من الفقه معرفة طائفة من الهيئة، وكذلك معرفة دخول الوقت، واستلزام الاستشهاد بالشعر في النحو والتفسير علم العروض، وعلى هذا القياس قس تجد العلوم مرتبطة بعضها ببعض بالاستلزام أو الاستمداد. (المقدمة الثانية) أن الحفاظ للقرآن بكماله في عصره ﷺ معاذ بن جبل وأبو زيد سعيد بن عمر الأنصاري وأبو الدرداء عويمر وزيد بن ثابت، وفي قول وعثمان بن عفان وتميم الداري وعبادة بن الصامت وأبو أيوب الأنصاري. وأصحاب الإفتاء في عصره ﷺ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن حوف وأبي بن كعب وعبد الله ابن مسعود ومعاذ بن جبل وعمار بن ياسر وحذيفة وزيد بن ثابت وسلمان وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري. ثم انتهت أصول العلم إلى عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله ابن عباس، فأخذ عن ابن مسعود ستة علقمة

стр. 43

والأسود وعبيدة والحرث ابن قيس ومسروق وعمرو بن شرحبيل، وأخذ عن زيد بن ثابت أحد عشر رجلا ممن كان يتبع رأيه ويقتدى بقوله قبيصة بن ذؤيب وخارجة ابن زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعروة بن الزبير وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث والقاسم بن محمد وسالم ابن عبد الله وسعيد بن المسيب وأبان بن عثمان وسليمان بن يسار، وأخذ عن ابن عباس ستة سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وعكرمة ومجاهد وجابر بن زيد وطاووس - هكذا رواه أبو بكر الخطيب بإسناده عن علي المديني، وروى الحاكم أبو عبد الله عن ابن العباس الأصم عن العباس الدوري قال: انتهى علم الصحابة إلى ستة عمر وعلي وابن مسعود وأبي ابن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت - انتهى. وانتهت أصول الرواية إلى ستة أبي هريرة وأنس وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر وأبي سعيد الخدري وعائشة، وانتهت أصول الأخبار والقصص إلى ستة عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ووهب بن منبه وطاووس اليماني ومحمد بن اسحق ومحمد بن عمر الواقدي، وانتهت صناعة التفسير إلى ستة عبد الله بن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحاك والسدى هكذا ذكر هذا كله جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي في كتابه المسمى تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير. ثم صار الأمر من بعده ﷺ إلى أبي بكر الصديق واسمه عبد الله بن عثمان، بويع له في اليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ في سقيفة بني ساعدة، ثم بويع له البيعة العامة يوم الثلاثاء من غد ذلك اليوم من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وتوفي لثمان بقين من جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة، فكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا عشر ليال. ثم استخلف عمر بن الخطاب يوم وفاة أبي بكر بنصه عليه، ثم قتل لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت ولايته عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام. ثم استخلف عثمان بن عفان أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين، وقتل يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة وأحد عشر شهراً وأياماً. ثم استخلف علي بن أبي طالب، وقتل في رمضان سنة أربعين في يوم الجمعة، وكانت خلافته

стр. 44

أربع سنين وتسعة أشهر وأياماً. ثم بايع الناس الحسن بن علي يوم موته، فوليها سبعة أشهر وأحد عشر يوماً ويقال أربعة أشهر، ثم كره سفك الدماء فتخلى عن الأمر لمعاوية وانخلع وبايعه في جمادي الأولى سنة إحدى وأربعين، فانتقل الأمر إلى بني أمية وخلص لهم ثنتين وثمانين سنة ألف شهر، وعدتهم أربعة عشر رجلا أولهم معاوية وخلافته سبع عشرة سنة وثلاثة أشهر وآخرهم مروان بن محمد ابن مروان بن الحكم ومدة ولايته نحو من ثمان سنين. وبعد معاوية يزيد بن معاوية، وكانت ولايته ثلاث سنين وشهرين ثم بويع لابنه معاوية بن يزيد، فمكث أربعين ليلة ثم مات، وقيل خلع نفسه لصعوبة الأمر عليه. ثم بويع لعبد الله بن الزبير بمكة لسبع خلون من رجب سنة أربع وستين، ثم قام مروان بن الحكم بالشام بعد بيعة ابن الزبير بأشهر فبايعه جماعة من أهل الشام، وذلك في المنتصف من ذي القعدة سنة أربع وستين ثم مات في رمضان سنة ٦٥ فكانت ولايته تسعة أشهر وثمانية وعشرين يوماً. فقام مقامه عبد الملك ابنه وجهز العساكر مع الحجاج بن يوسف لقتال ابن الزبير، وقتل ابن الزبير في المسجد الحرام بمكة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من جمادي الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وكانت ولايته تسعة أعوام وشهرين ونصفاً. ثم ولي الوليد بن عبد الملك وتوفي سنة ٩٦ فكانت ولايته تسع سنين وخمسة أشهر، ثم استخلف أخوه سليمان بن عبد الملك وتوفي سنة ٩٩ فكانت خلافته ثلاث سنين إلا أربعة أشهر، ثم استخلف عمر بن العزيز وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وخمسة أيام، ثم استخلف يزيد بن عبد الملك وكانت خلافته أربع سنين وشهراً، ثم استخلف أخاه هشام بن عبد الملك وكانت ولايته تسعة عشر عاماً وسبعة أشهر وعشرة أيام، ثم استخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك وكانت خلافته سنة وشهرين، ثم استخلف يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكانت خلافته أربع سنين وشهراً، ثم استخلف أخاه هشام بن عبد الملك وكانت ولايته تسعة عشر عاماً وسبعة أشهر وعشرة أيام، ثم استخلف الوليد بن يزيد بن عبد الملك وكانت خلافته سنة وشهرين، ثم استخلف يزيد بن الوليد بن عبد الملك، ثم بويع أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الملك، ثم مروان بن محمد بن مروان بن الحكم وقتل سنة ١٣٢ هجرية. ثم انتقل الأمر إلى بني العباس بن عبد المطلب عم النبي ﷺ ، فتولى أبو العباس السفاح واسمه عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس في ربيع الأول وقيل لآخر سنة ١٣٢ وتوفي في ذي الحجة سنة ١٣٦، فكانت خلافته أربع سنين وعشرة

стр. 45

أشهر. ثم تولى بعده أخوه المنصور أبو جعفر عبد الله بن محمد، وكان اكبر سناً منه وحج فتوفي لسبع خلون من ذي الحجة سنة ١٥٨، فكانت ولايته اثنين وعشرين سنة إلا شهراً. ثم ولي المهدي بن محمد بن عبد الله بمكة وتوفي لثمان بقين من المحرم سنة ١٦٩، وكانت خلافته عشر سنين وتسعة وأربعين يوماً. ثم ولى ابنه الهادي موسى بن محمد، وكانت خلافته أربعة عشر شهراً وإحدى وعشرين يوماً. ثم ولى بعده أخوه الرشيد أبو جعفر هارون بن محمد، فكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً وستة عشر يوماً. ثم ولى بعده ابنه الأمين أبو عبد الله محمد بن هارون وقتل في المحرم سنة ١٩٨، وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وأربعة وعشرين يوماً. ثم ولى أخوه المأمون عبد الله بن هارون في المحرم ومات ببلاد الروم لثمان خلون من رجب سنة ٢١٨، فكانت خلافته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوماً. ثم تتابع العباسيون واحداً واحدا إلى أن ختموا بالمستعصم أبي أحمد عبد الله بن المنتصر بالله أبي جعفر منصور، وكانت عدة خلفاء بني العباس سبعة وثلاثين خليفة وجملة أيامهم خمسمائة سنة وأربع وعشرون سنة، ولم تكن أيدي بني العباس حاكمة على جمع البلاد كما كانت بنو أمية قاهرة لجميع البلاد والأقطار والأمصار، فقد خرج عن بني العباس بلاد المغرب. وإنما ذكرت هذه المقدمة بطولها لتعرف ترتيب الدول، فإن تغير الأحوال إنما هو بتغيير الملوك وتتجدد العوائد بحسب أحوال الملوك وسيتضح لك ذلك بإذن الله تعالى. إذا تقرر ذلك فاعلم أن العلوم الإسلامية لم تكن مدونة ولكن اقتضتها الشريعة اقتضاء واستلزمتها لزوماً وأفاضتها إفاضة كما تقرر في المقدمة الأولى وتلقت الصحابة أصولها من حضرته ﷺ ومشاهدتهم الوحي وتفقههم بأسباب النزول وما أفاضته عليهم أنوار النبوة، ثم ثابروا على الحق وتساءلوا وتناظروا واجتهدوا وتراجعوا عند اختلافهم إلى من عنده مزيد علم بالمختلف فيه، وتواصوا وتعاونوا على إمضاء الشريعة وتشييعها وإلزام الناس بها وإكرام حملتها وملوك الناس علماؤهم والعلماء الكبار قليلون كما مر في المقدمة الثانية، على ما هو العادة في الأمور المبتدئة كيف تكون في مبدئها وأولها قليلة، وما ظنك بالشيء المحتاج إليه مع قلته. ويلزم من ذلك كله وفور الداعية في تحصيل العلم ومزيد الاعتناء به

стр. 46

والرغبة فيه، ولذلك كانت الفضائل والكمالات والعلوم تأخذ في الازدياد والنمو لتفاق أصحابها ولبقاء أنوار النبوة غضة طرية بين الناس، وكلما ازدادت الشريعة تمهيداً ونشراً ازدادت الصحابة وحاشاهم من تعلق هممهم بالدنيا سيادة ويسراً، فلقد كثر المال في خلافة عثمان بن عفان كثرة بالغة لم يكثر قبلها في خلافة من تقدمه حتى جاء نصيب الفارس في غزوة افريقية ثلاثة آلاف دينار أو عشرين ألف دينار، فأطلقها كلها عثمان ﵁ في يوم واحد لآل الحكم ويقال لآل مروان. ثم صارت الخلافة من الخلفاء الأربعة والحسن ﵃ إلى الأمويين فالعباسيين على ما تقدم في المقدمة الثانية، وهم ما بين صحابي وتابعي ومدل بنسبته إلى النبي ﷺ والشريعة التي العلوم خدمتها شريعة قريبهم وصاحبهم وسيادتهم وفخرهم، واستيلاؤهم على الممالك به ﷺ وبشريعته المستلزمة للعلوم على ما مر في المقدمة الأولى فكيف لا تأخذ العلوم في الانتشار والملوك والأمراء والأعيان والقضاة والوزراء هم أهل العلم والفضل والعقل أو الممدحين الكمل، وشهرتهم وذكر أسمائهم في غالب خطب كتب الأقدمين تغمى عن عدهم بالأسماء، فقل أن يخلو كتاب من كتب العلماء الأقدمين خصوصاً في العلوم العقلية والأدبية إلا ويذكر فيه أن الباعث على تدوينه وزير أو قاض أو أمير أو من في معناهم، ويلزم من ذلك قوة داعية التعلم وتوفر الإرادة له، لما أن المجانسة واتحاد المقاصد والتعاون على مقصد واحد واستمداد العلماء بعضهم من بعض وزيادة العلم ورسوخه بالبحث فيه والمذاكرة له كل ذلك مقتض للألفة والمحبة والاختلاط والعناية، وألفة الملوك والأعيان ومحبتهم والاختلاط بهم يقتضي تأليفهم ومن يحبونه إلى مقاصده ومآربه، ولذلك بنيت المدارس بألوف الدنانير لجنس العلماء أو لواحد منهم بالقصد الأول ولجنسهم بالقصد الثاني واتسع الحال بالعلماء أنفسهم حتى بنواهم لبني نوعهم مدارس كثيرة وكتب التاريخ طافحة بهذا. ولذلك أيضاً بذلت الألوف في الإرشاد إلى تصحيح كلمة أو مساعدة على مقصد علمي، كحكاية النضر بن شميل مع المأمون وإنه أمر له بخمسين ألف درهم يقبضها من الفضل بن سهل على أن أرشده إلى أن السداد الذي بمعنى البلغة وسد الثلمة بكسر السين لا بفتحها، وان الفضل زاده من عند نفسه لذلك ثلاثين ألف درهم فتم له ثمانون

стр. 47

ألف درهم. وكحكاية أبي عثمان المازني وإحضار الواثق إياه من البصرة ليسأله عن نصب رجل أو رفعه في قول العرجي: أظلوم أن مصابكم رجلا ... أهدى السلام تحية ظلم وأمره على توجيهه إياه بألف دينار. وكحكاية أحمد بن دعلج أبو محمد السجزي الفقيه المعدل المحدث الرئيس صاحب الأموال الجزيلة التي أنفق أكثرها في العلم وأهله المتوفى عن ثلاثمائة ألف دينار سنة ٣٥١، حيث بعث بمسنده إلى ابن عقدة لينظر فيه وجعل في الأجزاء بين كل ورقتين ديناراً. وكحكاية عبد الله بن طاهر حيث رتب للقاسم بن سلام أبي عبيد في كل شهر عشرة ألف درهم لما وضع كتابه في غريب الحديث وقال له: أن عقلاً يعين صاحبه على عمل هذا الكتاب حقيق أن لا يحوج لطلب المعاش. وكحكاية علي بن محمد بن الفرات من إنه كان ينفق على خمسة آلاف من العلماء والعباد ويجرى عليهم نفقات كل شهر، وكغير ذلك من أخبار المدح والكلمات العلمية مما يغني تواتره المعنوي عن الإطالة به. ولذلك أيضاً كان التقريب والتبعيد والضعة والشرف على حسب الاستعداد والاستحقاق، وذلك كله يستلزم كون العلوم والكمالات صنعة من الصنائع وحرفة من الحرف، لما لن الناس كانوا يرون احتياجهم إلى العلماء فوق احتياجهم إلى الحاكة والباعة والصناع وباقي الحرف أضعافاً مضاعفة. وكان العلماء يسترزقون بعلومهم ومعارفهم ويتخذونها ذرائع ووسائل إلى مقاصدهم فوق استرزاق الحاكة والخاطة أضعافاً مضاعفة، فلذلك اتسع نطاق العلم ودونت الدواوين وصنفت الكتب وهذبت ورتبت وبسطت واختصرت واستبحر العلم استبحاراً وذخرت أمواجه وأخذ إلى أبعد مسافة من أقطار الأرض شرقاً وغرباً، حتى أن علوم الشريعة كلها من التفسير والنحو والأصول والمعاني والحديث أكثر أصحابها العجم على بعد قطرهم، مع أن صاحب الشريعة عربي وكتابه عربي والمتلقون عنه وهم الصحابة عرب. ولذلك سبب اذكره استطراداً، وهو أن الشريعة لما استلزمت العلم على ما مر وكان العلماء هم الملوك والأعيان وكان نفاق العلماء والاحتياج إليهم فوق نفاق الخياط والحداد والحائك والاحتياج إليه

стр. 48

واسترزاق العلماء بعلمهم فوق استرزاق هؤلاء بحرفتهم صار العلم حرفة من الحرف على ما تقدم، وقاعدة الحرف أن موجوديتها وكثرتها ومهارة أهلها يدور مع التمدن والحضارة، فكلما ازداد القطر تمدناً وحضارة ازدادت الحرف إحكاماً ومهارة، فلذلك لا تجد في القرى من المصنوعات ما يوجد في المدن ولا في صغير المدن ما يوجد في كبيرها، لما أن رواج الحرف ونفاقها هو سر موجوديتها وإحكامها، لأن الناس لا يضعون سلعهم حيث لا تقبل أو لا تنفق، وكبر المدينة وكثرة أهلها يستلزم النفاق لاحتياج الناس واختلاف أغراضهم وهممهم احتياجاً على البدل والتناوب إلى المصنوعات، واستلزام ذلك الحكم البدلية والنوبة عدم الشعور والخلو واقتضائه للنفاق، لأن توزيع المجموع على المجموع مع الكثرة على البدل والنوبة مستلزم لذلك لا محالة. ومملكة فارس والعجم كانت أكثر تمدناً وحضارة، فلذلك انتشرت العلوم فيها وأحكمت إحكاماً بليغاً إلى حد لا يوجد في غيرها لكثرة ناسها وعظم مملكتها. هذا كله في تبيين أن العلوم كانت صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف. (وأما الأمر الثاني) وهو أن العلوم الآن خرجت عن كونها صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف فذلك أن الحرف والدول لها شباب وهرم ولها عمر طبيعي كأعمار الحيوانات والأمور المعنوية تتراجع وتتناقص عند التناهي كالأمور الحسية، وكنا قد قدمنا أن العلوم اقتضتها الشريعة اقتضاءاً وإن الصدر الأول تشايعوا على إظهار الشريعة ولوازمها وتوابعها فراج العلم والعلماء لذلك، ولا شك أن الدول بعد الخلفاء الأربعة وان كانت فوق عصرنا هذا في الانتظام والسداد أضعافاً مضاعفة لكنها دون عصره ﷺ ، ويدل لذلك قوله ﷺ : (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) وقوله ﷺ في رواية علي بن الجعد عن حماد عن سعيد بن جمهان عن أنس عن النبي ﷺ : ﴿الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون ملكا﴾. وخرج البيهقي في دلائل النبوة عن أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل ﵄ عن النبي ﷺ قال: ﴿إن الله بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة وكانتا ملكا عضوضاً

стр. 49

وكانتا عتواً وجبرية وفساداً في الأمة يستحلون الفروج والخمور والحرير وينصرون على ذلك ويرزقون أبداً حتى يلقوا الله ﴾ وخرجه أبو بكر بن أبي عاصم في كتاب السنة بنحوه مختصراً. ولسر هذه الأحاديث تجدد في الدول بعده ﷺ ما لم يكن في عصره ﷺ واستعجم الملك، وتجددت فيه أحوال فارس والعجم من الملابس الفاخرة والمساكن الأنيقة والحجاب ومضاعفة الحجاب ومن الوزراء والجاويشية والجوندارية وأصناف أمراء ووظائف وأسماء لم تكن في عصره ﷺ ، وحدث تخطي الحدود والتعاويز وتشنيع القتل وإيقاعه بغير موجب شرعي، وزالت أحوال البداوة من خوف المذمة وشدة الحياء والكرم والتبذل في المأكل والملبس والمركب ومن اتخاذ التواضع خلقاً، وحدثت الحوادث وكثرت الخوارج والمتغلبون على العباسيين الذين يدلون بنسبهم إليه ﷺ ، ونزلت سيادتهم بشريعته المستلزمة للعلوم كما تقدم، فخرجت حصة من مملكة الشرق من أيدي العباسيين في دولة بني بويه على يد يحكم وغيره، ثم زالت أيديهم عن العراق كله، وخرج الحكم عنهم فيه أصلا سنة وشهوراً في أيام ارسلان البساسيري في حدود الخمسين والأربعمائة، ثم عاد إلى أن أخرجه عنهم مطلقاً واستأصلهم هلاكو بن طولى خان بني جنكيز خان. وكان الصدر الأول يدبرون أفعالهم على محض الشريعة، ثم جاء من بعدهم فأدخلوا فيها بالاستدلال والتمحل جملة من السياسة، ثم فعلوا أموراً سياسية وهونوها على الناس بالاعتذار، ثم اتسع نطاق السياسة وأدار الملوك أحوالهم على عقولهم واحدث جنكيز. خان الياساق الذي وضعه وجعل الناس يتحاكمون إليه ويطلع إلى جبل ويزعم إنه يوحى إليه به، وأكثره مخالف لشرائع الله وكتبه وإنما هو شيء اقترحه من عند نفسه بعد الستمائة وأوحاه إليه شيطانه، وكان يكتب ابساقه في مجلدين بخط غليظ ويحمل على بعير ويبالغ في تعظيمه، وكثرت الحوادث السياسية والأمور العقلية المخالفة للشريعة واستغناء الحكام بعقولهم مما يقتضي علي بسط العلم ويقضي إلى عدم الاحتياج إليه، فإن النفوس حكوية من شأنها المحاكاة في الشر، ومهما صدر شيء وزال بقي منه أثر في النفوس، وزواله الظاهر لا يستلزم زواله من النفوس وزوال الاستدلال به وروايته على سبيل الاستحلاء والاستحسان. وهذا كله

стр. 50

يستلزم طي بساط العلم وعدم الحاجة إليه، ولما أن العلوم من لوازم الشريعة وتوابعها كما قررناه واعدنا غير مرة، وإذا ضعف العمل بالملزوم وتسوهل فيه فأولى أن يضعف العمل باللازم ويتساهل فيه، ولذلك لم يبق من العلم سوى رسومه ومعاهده كالمدارس القديمة وسوى ما يوجبه ناموس الإسلام من الاعتراف بحقه ظاهراً. فقد اتضح عندك خروج العلوم عن كونها مظنة الاستحقاق ومطية الاسترزاق، وكيف لا وقد صارت الوظائف الدينية تباع كما يباع الفرس والحمار، وهو الذي يسمونه نزولاً وإعراضاً ويوصى بها كما يوصى بالفرس والدار، وهو الذي يسمونه نزولاً أيضاً وتورث كما تورث الأموال يأخذها الصغار والأطفال. وأنت إذا رجعت علمت أن كثرة الحوادث الخارجة عن الشريعة تحدث في النفوس محاكاة وأثراً واستدلالاً، وان الناس على دين ملكيهم وهم بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، وان الملوك أسواق يحمل إليها ما ينفق فيها، وان الصنائع تدور مع النفاق وجوداً وعدماً، وان وثوق المحترف من الباعة والحاكة والخاطة بإفضاء حرفهم إلى ثمرتها أكثر من وثوق العلماء بإفضاء علمهم إلى ثمرته الدنيوية، وأن إهمال الصنعة والاستغناء عنها بغيرها يوجب اضمحلالها زوالها، وما نسب لذلك مما تجده وتشاهده من إهمال المنطق والحكمة بالشام واستعماله بالروم والعجم تحققت أن العلوم خرجت عن كونها صناعة من الصنائع وحرفة من الحرف. اللهم إلا أن يحييها الله تعالى وينشرها ويبثها في أيام الملك المؤيد وينشرها، فهو الذي عمر المدارس بمصر والشام بمعروفه وبره وبآرائه الموفقة وساطع أمره وقهره وإحياء معالم العلم شرعه وشعره، أبقى الله دولته بقاء الفرقدين وملكه ما بين المشرقين. (وأما الأمر الثالث) وهو كون العلوم كمالات وطاعات فهو الإنسان إنما ينفصل عن الحيوان بالنطق، وليس المراد به الصوت المنضغط في المجرى على مقاطع الحروف وإلا لكان الأخرس غير إنسان، ولا الكلمات المنتظمة وإلا لكانت الببغاء والغراب إنساناً، وإنما المراد به النفس الناطقة وهي التي لها الفكر والروية ومحبة العلم والمعرفة، وهي التي تملك الطبائع القياسية وغير القياسية وتكون فلسفية وحكمية وتبحث عن العلوم النظرية، ولها الاستدلال بظواهر الأمور على بواطنها ومعرفة ترتيب الموجودات في الوجود، وهذه القوة كمالها وحياتها بالعلم والبيان، فتميز الإنسان بما هو إنسان بالعلم والبيان وإلا فغير الإنسان

стр. 51

من الدواب والسباع أكثر أكلاً منه وأقوى بطشاً وأكثر جماعاً وأولاداً وأطول عمراً، وإنما يتميز عن الدواب والحيوان بعلمه وبيانه فإذا عدم العلم بقي معه القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب وهي الحيوانية المحضة فلا يبقى فيه فضل عليهم بل قد يبقى شراً منهم كما قال الله تعالى: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ فهؤلاء هم الجهال ﴿ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم﴾ وقال تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء﴾ سواء كان المعنى مثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع من الدواب، إن مثل الذين كفروا حين ينادون كمثل دواب الذي ينعق، فهؤلاء لم يحصل لهم حقيقة الإنسانية التي يتميز بها صاحبها عن سائر الحيوان. وأيضاً فالجهل من أعظم الأدواء والأمراض، وقد سماه الله مرضاً في قوله تعالى في حق المنافقين: ﴿في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً﴾ وقوله: ﴿وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون﴾ وفي قوله: ﴿ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض﴾ فإن المراد بمرض القلب فيها مرض الجهل والشبهة، وكذلك أمراض القلب جميعاً من الشهوة وغيرها كالرياء والعجب والحسد والفخر كلها ناشئة عن الجهل، فإنها مركبة من الشهوة والشبهة، فإن الكبر مثلاً مركب من تخيل عظمته وفضله وإرادة تعظيم الخلق له ومحملتهم إياه، ودواء هذه الأمراض كلها العلم، ولذلك أكثر الغزالي ﵀ في المهلكات من ذكر دواء العلم في كل مرض من أمراض القلوب، ولهذا سمى الله تعالى كتابه شفاء لما في الصدور ولذلك أيضاً ترى داء الجهل متلفاً للأموال غالباً، فرب شخص يتحيل عليه بحلية شرعية يجعلها طريقاً إلى اخذ ماله، ولولا جهله بالشريعة لما تمت عليه. وأيضاً ما روي عن ابن عمر يرفعه (أفضل العبادة الفقه) وقال عمر ﵁ (موت ألف عابد أهون من نوت عالم بصير بحلاله وحرامه) وما رواه الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه عن ابن عمر يرفعه (مجلس فقه خير من عبادة ستين سنة) وما رواه أيضا من حديث عبد الرحمن بن عوف يرفعه (يسير الفقه خير من كثير العبادة) قال ابن قيم الجوزية في مفتاح دار السعادة: وفي رفعها نظر. وما رواه أيضاً من حديث انس يرفعه (فقيه عند الله أفضل من ألف عابد) وهو في الترمذي من حديث روح بن جناح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً. قال ابن القيم:

стр. 52

وفي ثبوتهما مرفوعين نظر. والظاهر أن هذا من كلام الصحابة فمن دونهم، وما رواه المخلص عن ابن صاعد حدثنا القاسم بن الفضل بن مريع حدثنا حجاج بن نصير حدثنا هلال بن عبد الرحمن الجعفي عن عطاء بن أبي ميمونة عن أبي هريرة وأبي ذر قالا: (باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من أل ركعة تطوعاً وباب من العلم تعلمه عمل به أو لم يعمل أحب إلينا من مائة ركعة تطوعاً) وما رواه الخطيب أيضاً عن أبي الدرداء إنه قال: (مذاكرة العلم سلعة خير من قيام ليلة). وما رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ﴿من سلك طريقا يبتغي فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة تضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم يستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً إنما ورثوا العلم، فمن أخذ منه أخذ بحظ وافر﴾. أما وضع الملائكة أجنحتها فتواضعاً وتوفيراً وإكراماً لما تحمله من ميراث النبوة، لأنه طالب لما فيه حياة العالم ونجاته ففيه شبه من الملائكة وبينه وبينهم مناسبة، لأن الملائكة يحرصون على منافع البشر يعينونهم على أعدائهم الشياطين ويستغفرون لمسيئهم. قال الطبراني: سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى الساجي قال: كنا نمشي في بعض الأزقة إلى باب بعض المحدثين بالبصرة فأسرعنا المشي وكان معنا رجل تاجر منهم في دينه فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها كالمستهزئ، فما زال من موضعه حتى حفيت رجلاه وسقط. وأما استغفار من في السموات ومن في الأرض له فإنه لما كان ساعياً في نجاة العباد جوزى من جنس عمله وجعل ما في السموات والأرض ساعياً في نجاته. وقيل سبب هذا الاستغفار أن العالم يعلم الخلق مراعاة هذه الحيوانات ويعرفهم كيفية تناولها واستخدامها وذبحها فاستحق أن يستغفر له البهائم. وقوله: (فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب) مطابق لحال القمر والكواكب، فإن القمر يضيء الآفاق ويمتد نوره في أقطار العالم، وأما الكواكب فنوره لا يجاوز نفسه وما قرب عنه، وهذا حال العابد. ووجه اختيار القمر على الشمس وان كان الشمس أكثر

стр. 53

نوراً وإضاءة أن القمر لما كان نوره مستفاداً من الشمس كان تشبيه العالم الذي نوره مستفاد من شمس الرسالة بالقمر أولى من تشبيهه بالشمس. وأيضاً فنور القمر يتفاوت الليالي نقصاناً وتماماً، والشمس نورها في كل الأيام على السواء، والعلماء يتفاوتون في العلم تفاوتاً كثيراً، فتشبيههم بالقمر أنسب لحالهم. وأما تشبيه العلماء بالنجوم في قوله ﷺ (أصحابي كالنجوم) فمن وجه آخر وله حكمة أخرى، فإن النجوم يقتدى بها في ظلمات البر والبحر وتكون رجوماً للشياطين، والعلماء كذلك يقتدى بهم في ظلمات الجهل والكفر وترجم بهم الشياطين الذين يوحون إلى أوليائهم زخرف القول غروراً. الفصل السابع في السبب في غلبة الفلاكة والإهمال والإملاق على نوع الإنسان وبيان ذلك اعلم أن المفلوكية والإهمال والإملاق غالب على جنس البشر، والسبب في أن غالب البشر يرمقون العيش ترميقا ويدافعون إخفاق المساعي مدافعة ويتسكعون في طرق الإملاق أو فوقه بقليل تسكعاً أن السيادة والمجد والثروة والغنى وأشباهها إما مكتسبة وأما موروثة، فأما المكتسبة فما سوى الإمارة من المعاش الطبيعي أما تجارة أو فلاحة أو صناعة، فالتجارة مفتقرة إلى مادة متسعة ورأس مال كبير يدار في وجوه الأرباح والتثمير ويوزع على أنواع المتاجر لينجبر كساد بعضها بنفاق الآخر وليستعان بالنافق على ادخار الكاسد ارتقاباً لحوالة الأسواق واستداراراً للنفاق ولكيلا يباع الكاسد في حال كساده وذهاب ربحه وفساده، وأيدي الناس خالية عن الأموال المقنعة القابلة لمثل ذلك غالباً. وأيضاً فهي محتاجة إلى بصيرة تامة ودراية وافية وتجربة كاملة ليؤمن بها غش الباعة وخلابتهم وترويج السماسرة كواسدهم، ومفتقرة أيضاً إلى فراسة صادقة وحدس صحيح ليضع كل سلعة في حاق موضعها زبوناً وسوماً وترخيصاً واغلاءاً وحلولا وتأجيلا وادخارا وتعجيلا، ونفوس الناس غالباً ظلمانية لخلوها عن العلوم العقلية والأعمال الرياضية، فهي بعيدة عن البصيرة. وأيضاً فالأيدي الغاصبة الخاطفة مستولية

стр. 54

على التجار لمقهوريتهم مع الدولة وحامية الملك وخاصته المخادعين بالاستدانة والأرباح الكاذبة والمواعيد الباطلة والرهون الغير المملوكة والالتجاء إلى الاعسارات والحيل الشرعية والاستعانة بشهود الزور ووكلاء السوء، وربما ذلك على التاجر الماهر فعاقه وأقعده عن أمثاله حتى على رأس ماله. وأما الفلاحة فعوارضها السماوية أكثر من أن تعد من البرد والهواء المفرطين وانقطاع المطر وكثرته في غير وقته ونزول كبار الحصى والبرد وثقيل الثلج وشدة الحر ومجيء الجراد المنتشر، وكذلك العوارض الأرضية من سوء النبت وسباخة الأرض وخبث طينها ووضع الأشياء متأخرة عن أوانها وعدم استكمالها بحرثها وشروطها ونبات الأشياء المضرة خلال الأشياء المطلوبة، ومن الجرذ والفار واليربوع، ومن رخص البقول والخضراوات وما في معناها مما لا يقل الادخار مع غلاء بذورها، ومن عدم نصيحة الملعونين فيها وخبائتهم واختلاسهم وتفويت الأعمال الكمالية المصلحية وتسليط الظلمة عليهم واستعبادهم وتوسيع شروط مقاسمتهم وفرض الفرائض والتفنن في وجوه الجبايات وأنواع الظلامات وإلجائهم إلى بيع زراعاتهم في حال كسادها وعدم رواجها مع ما يختص به أهل البدو من رداءة العيش وخشونته والبعد عن أحوال الحضارة من الرفاهية والترف وموجودية المطالب والتحلي بالعلوم، ثم مع ذلك كله ما هم عليه من دخول المهانة في قلوبهم وظهورها في أحوالهم وعلى شمائلهم، وناهيك قوله ﷺ : ﴿ما دخلت السكة دار قوم إلا دخلها الذل﴾. وأما الصناعات فلقلة الماهر الحاذق فيها. وعلى الجملة فالصنائع شاغلة لأصحابها عن الدعة والراحة والرفاهية ويطرقها الكساد كثيراً ونفاقها لا جدوى له ولا يحظى صاحبه بطائل، وأصحاب الصنائع باذلون رقهم وعبوديتهم بأقل قليل للفقير والغني والمسلم والذمي، فهم بمراحل عن الشهامة وعلو الهمة والأنفة. ثم جهات المعاش الثلاثة مفتقرة إلى التعاون والتناصح، وقد انقطعا من كافة البشر أو عامتهم لاتساع موجبات التباغض والتماقت لكثرة مقتضيات التحاسد ولحيلولة كل واحد الآخر عن مراده الناشئة من الكبر والعجب والعداوة وخوف الازدحام على مطلوب واحد، ولفوات بعض المقاصد بكثرة الشركاء وحب المباهاة والإنفراد بالمجد وخبث النفس وفساد

стр. 55

جوهرها ونقص إنسانيتها. وأيضاً يقال على وجوه المعاش الثلاث إنه كلما تجدد للإنسان دخل جدد له صرفاً، إما للمباهاة والترفع على أمثاله أو إفراطاً في الشهوات وانهماكاً في اللذات، أو خوفاً من سوء القالة والأحدوثة بتنقيص ما يقتضيه حاله، أو بإكراه مبغض لتلك النعمة عليه، أو لان الحالات المتجددة في دخله يلزمها تجدد أمور في صرفه فلا يزل الشخص مفلوكاً مهملاً غير قادر على المكارم. وأيضاً فوجوه المجد والسيادة الكسيبة لا تصير دفعة وإنما تكون بالتدريج والترقي ومكابدة تنميتها ومعالجة زوال موانعها مع كثرة الصادين عنها والعوارض العائقة لها أمر عسير بطيء السير، فيقضي الإنسان شطر عمره أو معظمه في فلاكة وإديار. هذا حكم المعاش الطبيعي، وأما غير الطبيعي كالاسترزاق بالكيمياء والتنجيم والدلالة وقلم الشهادة لغير المعروف وسائر الأرزاق الهوائية الخطفية الصدفية فهي ارسخ قدماً في الفلاكة والإدبار، لأنها بمنزلة اللقطة والعثور على دفائن الأرض، لعدم انتظامها ووفاء محصولها لخمولها، فأصحابه - لاسيما غير المشهور منهم - أئمة الفلاكة وهبولاها وينابيعها ومأواها، أعاذنا الله من ذلك ومن الاختلاط بأهله آمين. وأما الإمارة فلا ينكر أن مبادئها مشتملة على نصيب وافر من الفلاكة والإدبار، وبيانه: أن الإمرة لا تتم إلا بالمعصية والتغلب والشوكة، وفي قمع المعاند والجاحد وتأليف القلوب المتفرقة وتمهيد المسالك والقيام بحقوق لا تحصى وكثرة معاناة شدائد ومكابدة مكائد ومشاق وتعريض النفس للهلاك وكبراء الجند مستعبدون مع ملكيهم مشغولون به عن أنفسهم مقدمون لمراده على مرادهم، ولو سلم أن السلطنة خالية من الفلاكة فهي من القسم النادر والدعوى أن الفلاكة غالبة على نوع الإنسان لا أنها لازمة لكل أنواع الإنسان هذا كله من المكتسب، أما الموروث فيطرقه أنواع من الفلاكة: (منها) امتداد أبدي الولاة والحكام إليه. (ومنها) مذلة اليتيم وخضوعه وفقده نصيحة أبيه (ومنها) سهولة صرف ماله عليه لعدم تحمله مشاق جمعه وتجشمه نصب الحبائل في تحصيله، فيسرع فيه بالسرف والتبذير والسفه لعدم حنكته وبصره بعواقب الأمور، ويعود يتكفف الناس. (ومنها) عجزه لعدم مهارته ودربته عن الوفاء بمقاصد ماله والقيام بشروط تنميته وتثميره، فيذوب قليلاً قليلا إلى أن يضمحل ويتلاشى ولا يحصل

стр. 56

منه إلا على الملامة والتعيير والندم. (ومنها) إنكار المنكرين كونه في رتبة مورثه ومستحقاً لما كان يعاون به مورثه ويساعد عليه، فلا يؤمنون على دعائه ولا يساعفونه على قصده ولا يسيرون معه سيرة مورثه، فيقع من ذلك في العناء العظيم والداء العقيم. وبهذا التقرير يعلم أن الفلاكة غالبة على نوع الإنسان وارثاً كان أو كاسباً، والله أعلم. الفصل الثامن في أن الفلاكة المالية تستلزم الفلاكة الحالية هذا الذي قدمناه في الفصل قبله لما كان لا ينهض دليلا إلا على غلبة الفلاكة المالية على نوع الإنسان احتجنا أن نذكر في هذا الفصل أن ذلك مستلزم للفلاكة الحالية، وأعني بالفلاكة الحالية تعذر المقاصد وانعدامها بحيث تصير الفلاكة حالا ووصفاً ذاتياً للشخص في أفعاله وأقواله دفعاً وتحصيلا حكما وتعليلا. والدليل على ذلك أن تقول: هذا مفلوك مالاً وكل مفلوك مالا فهو مفلوك حالا ينتج هذا مفلوك حالا، وكلية الكبرى بديهي أو حسي والصغرى مسلمة بالفرض أو محسوسة. أو تقول دارت الفلاكة الحالية مع الفلاكة المالية وجوداً وعدماً والدوران آية كون المدار علة في الدائر والمعلول لا يفارق علته فهو إما مقارن أو متعقب على اختلاف المذهبين. وهذا وان كان بديعاً وهو الاستدلال بالدوران على العلية وبالعلية على مقارنة المعلول إياها فليس بعيداً من القواعد، أو يستدل بالدوران على الملازمة. وبالجملة فالدعوى تكاد تكون بديهية، والحس والاستقراء يصدق ذلك. ويوضح ذلك أن المال عبارة عن ملك الأعيان والمنافع، والجاه عبارة عن ملك القلوب واستسخار أصحابها في الأغراض والأعمال لما فيها لذي الجاه من اعتقاد الكمال والالتفات إليه، والمفلوك لا جاه له ومال، وكل من لا جاه له ولا مال فهو مسلوب القدرة، لما أن الجاه والمال من أعظم أسباب القدرة أو هما أسباب القدرة، ومن لا قدرة له فهو عاجز عن الوصول إلى مطلوباته، لما أن مقدوراً بلا قدرة محال، ولذلك لا يحصل مقصود المفلوك نادراً إلا بقدرة غيره من ذوي المال والجاه. ولذلك أيضاً لو فرض شخص لا مال له ولا حرفة لم يكن إلا شحاذاً مكدياً، لأن ما في أيدي الناس إنما هو ثمرة أموالهم ومنافعهم. وأيضاً من لا قدرة له لا يتعلق الرجاء والخوف به، ومشايعة الناس الشخص ومساعدتهم

стр. 57

إياه على مراده دفعاً وتحصيلا وتسليمهم له حكما وتعليلا لا بد لها من داعية وغرض ليترجح أحد الجائزين من الفعل والترك على الآخر بمرجح، وأعظم الأغراض والدواعي تعلق الرجاء والخوف بالشخص. لما أن الإنسان يقدر هجوم الحاجات وطروق الآفات وسوء الظن بالعواقب كامن في النفوس، لاسيما في البلد الذي لا يكمل عدله ولا يتراحم أهله، ولذلك لا تمل استزادة من الدنيا. قال ﷺ : (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى لهما ثالثاً) وقال ﷺ : ﴿منهومان لا يشبعان منهوم العلم ومنهوم المال﴾. وذلك لأن هذه المخاوف لا موقف لها ولا لها قدرة مخصوص، فمن تعلق رجاؤه أو خوفه بشخص كانت مساعدته له لأمر يتعلق بنفسه بالآخرة وكان دافعاً لألم خوفه وساعياً في تحقيق رجائه، والشخص أنصح ما يكون لنفسه لأن نصحه لها طبيعي، فلذلك تساعف الناس الأغنياء بمراداتهم وتتزلف الخلق إليهم بمطالبهم، ويسعفونهم بمنافعهم تسليفاً وادخاراً لخوف مترقب أو رجاء متوهم وان لم ينالوا من مالهم ذرة ولا من جاههم مثقال خردلة، وإذن كانت المفاليك عن الرجاء والخوف بمعزل. وأيضاً فالدنيا محل الازدحام والتوارد على محل واحد بخلاف الآخرة ولذلك لا حسد في الآخرة لاتساعها ووفائها بالكل بلا ازدحام، فما من مفصد يرومه المفلوك إلا وله فيه مزاحم ومدافع يمانعه عنه، وتقديمه على غيره ترجيح للمرجوح على الراجح وهو خلاف صريح العقل، ويلزم من ذلك تعذر المقاصد على المفاليك وإخفاق مساعيهم فيها. وأيضاً فالأغنياء وذوو الجاه يتقارضون المقاصد تقارضاً ويقترضونها اقتراضاً، والتقارض يستدعي القدرة على الوفاء بالنوبة بحكم المقارضة لأنه أمر على التعاقب والنوبة والقرض لا يوضع عند المعسرين، والمفاليك ليسوا من أهل المقارضة ولا الاقتراض، على أن استلزام الفلاكة المالية للفلاكة الحالية كفلق الصبح عند المنصفين، ولعل حده مكابرة والقاعة أن المكابرة لا يطلب لها دليل. والله أعلم.

стр. 58

الفصل التاسع في أن التملق والخضوع وبسط أعذار الناس والمبالغة في الاعتذار إليهم وإظهار حبهم ومناصحتهم من أحسن أحوال المفلوكين وأليق الصفات بهم وأفضاها إلى مقاصدهم وبيان الدليل على ذلك. اعلم أن الناس لا يبذلون منافعهم وأموالهم سدى بغير غرض ولا علة لأن المتعالي عن وجوب تعليل أفعاله بالأغراض والمصالح إنما هو الله تعالى وان خالفت المعتزلة في ذلك، فلا بد للاحسان أعم من أن يكون نفعاً أو مالا قولا أو فعلا من غرض وحظ هو عند الباذل أوفى بما بذله وتحصيله عنده أحب إليه من ذلك المبذول، فكما أن الشخص لا يلقى ماله في البحر إذ لا غرض له فيه كذلك لا يضع ماله في يد إنسان ولا غرض له فيه وذلك الغرض إما آجل وهو جزيل الثواب في الآخرة قال ﷺ : ﴿أيما امرئ اشتهى شهوة ر شهرته وآثر على نفسه غفر الله له﴾، وأما عاجل في الدنيا وهو إما ترقب المكافأة بإحسان مثله نوعاً أو جنساً، أو المنة والترفع، أو الثناء والصيت والاشتهار بالسخاء والكرم، أو جذب القلوب إلى طاعته ومحبته واستسخارهم. أو إزالة مذمة البخل وخبثه والنقرة الحاصلة للبخلاء واستقباحهم عنه، أو إزاحة حب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة عن قلبه، أو إزاحة رقة الجنسية ورحمة النوعية عن قلبه ودفع الألم الحاصل له من الرقة بسبب سوء حال من يحسن إليه، أو دفع ألم خوف حاضر أو مترقب. والاستقراء يدل على الحصر. ثم أن بعض هذه الأغراض أقوى من بعض وبعضها أدوم وأشد بياناً من بعض، فالإحسان بالوارد الأخروي قليل الثبوت والاستمرار إلا من وفقه الله تعالى. وأيضا فأعمال الخير تتقارض وينوب بعضها عن بعض، والأعمال البنية أسهل على النفوس في تحصيل مطلوب الآخرة من الأعمال المالية، وبتقدير ثبوتها فإنما يثبت جنسها، وأما انحصارها في مفلوك بعينه فأقل ثبوتا بل لو قيل بعدم ثبوتها في مفلوك بعينه البتة لم يكن بعيداً، فلا يفيد المفلوك التعويل عليها. وأما حب المنة والترفع فليس شاملا لعامة الخلق ولا لمعظمهم، لأن النفوس المستشرقة للمكارم والمعالي تأباه وتنفر عنه، وإنما

стр. 59

ذلك غالباً ممن يصدر عنه الإحسان تكرماً وتطبعاً وتكلفاً لا طبعاً، فهو من فساد جوهر الإنسانية. وقولنا (لا يكون غالباً) لأن الكلام فيمن يصدر منه الإحسان لا في مطلق الإنسان، فلا يجمل بالمفلوك جعله رأس ماله، لأنه حينئذ يكون قد رضي بأقل الناس عدداً وأفسدهم جوهراً. وأما حب الثناء والصيت والاشتهار بالسخاء والكرم فلذلك يقتضي وضع المكارم في الناس على البدل والنوبة وتعميم العطاء للنظير والأعلى والأدنى، ويكتفي من الواحد بالشخص بالمرة والمرتين والثلاثة، لأن الغرض إقامة الحجة وبسط المعذرة، فلا يحسن أيضاً بمفلوك التعلق بمحسن هذا عرضه، لأنه ماذا عسى أن يحصل من المرة والمرتين، ولأن العطاء العام قد لا يصادفه، لأن الاستدلال بالأعم على الأخص ممتنع. وأما جذب القلوب إلى الطاعة والمحبة والإستخسار فهو أيضاً مما لا يوصل مفلوكاً إلى غاية ولا إلى مطلب يؤبه له، وقصاراه أن يوصله إلى مبادئ الخير، لان الغرض إقامة الحجة عليه واستعباده، وذلك يحصل بأدنى مرتبة يمكن استبعاد مثله بها. وأما إزالة مذمة البخل ووضره ونفرته فلا يختص بإضافة الإحسان على المفاليك، بل قد يحصل بتنعيم النفس وإظهار بزتها وزينتها وبالبسط على العيال وضيافة النظير أو المساوي في المنزلة. وأما إزاحة رقة الجنسية فتستدعي حالا غير مرضية تستنزل بها الرحمة زيادة على الفلاكة، إذ الفلاكة الدائمة تعتاد وتؤلف فيضعف كونها طريقاً للرحمة، وتلك الحال الزائدة تربو على الإحسان مرارها أضعافاً مضاعفة. ثم إن رقة الجنسية من أمور الآخرة، وفيه من البحث ما تقدم، ولذلك كانت إزالة حب الدنيا عن القلب من أمور الآخرة، وفيه من البحث ما تقدم. وإذن تقرر أن الناس لا يبذلون منافعهم وأموالهم بغير غرض، بل لا بد لهم من غرض إما عاجل أو آجل، والمفلوك تمنعه الفلاكة عن المكافأة على الإحسان بإحسان مثله، وتمنعه أيضاً من الإحافة، والأمور التي مرجعها الآخرة لا تبقى ويكتفي ببعض أعمال الخير البدنية عنها وغيرها لا يخص مفلوكا بعينه ولا يوصله إلى غاية يؤبه لها. ثم أن ما سوى رقة الجنسية أمور راجعة إلى الباذل وحده، فلا بد في المفلوك من تحريك بواعث الناس بأمر يرجع نفعه إليهم ويكون وصفاً للمفلوك نفسه ويدخل تحت قدرته دائماً، لتبقى داعية الإنسان متحركة دائما لا تسكن

стр. 60

لقدرة على تحريكها كل وقت، فبخضوعه وتملقه تظهر سيادتهم وعزهم ويؤمن كبر المفلوك عليهم وتيهه وصلفه بإسعافهم بمراده، وببسط أعذارهم يأمنون حقده فيعاودون الإحسان إليه وإن سلقوه إساءة وأذى، لأن الإساءة طبيعية للبشر للقوة الغضبية، ولما أن في القلب ميلا للأخلاق السبعية، ولأن في النفوس محاكاة في الشر، ولأن دخول الشر تحت القدرة أكثر من دخول الخير كالصداقة والعداوة والبناء والهدم، والمفلوك مظنة للإساءة إليه لوجود المقتضى وانتفاء المانع، فلا بد أن تعمل الطبيعة فيه عملها، ولا دواء لهذا الداء إلا بسط الإعذار. قال أبو الحوائر الواسطي: دع الناس طراً واصرف الود عنهم ... إذا كنت في أخلاقهم لا تسامح فشيئان معدومان في الأرض درهم ... حلال وخلّ في الحقيقة ناصح وقال بشار بن برد: إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه وبالمبالغة في الاعتذار إليهم يتجاوز عن تقصيره وقصوره وعجزه اللوازم للفلاكة، لان للأغنياء شوافع من غناهم عن ذنوبهم قد تغنيهم عن الاعتذار بخلاف المفاليك، وبإظهار حبهم ومناصحتهم يجدون فيه روحاً ونفعاً راجعاً إليهم، فيكون إسعافهم له بمراده من لوازم سيادتهم راجع بالآخرة إليهم. ولكون هذه الأمور أكثر إفضاءاً بالمفاليك إلى مقاصدهم تجد الأسافل ترتفع على الأعالي كثيراً، لأن نفوس الأدنياء لا تأنف من الخضوع والتملق بخلاف الأعالي، وقلما تخلو دولة من ذلك. والسبب فيه أن الدولة إذا انقرضت وجاءت دولة أخرى فأصحاب الدولة الأولى يكونون في نهاية سعادتهم، ففيهم شمم وأنفة ومطالبة لصاحب الدولة الجديدة بحقوق لم يعطوه عليها ثمناً بل هي مما أوجبها خدمتهم في الدولة الأولى، والوقت سيف والحكم للوقت، ولصاحب الدولة الجديدة نصحاء ومتملقون وان سفلت بهم المرتبة، وسياسة الملك تقتضي تقديم من في تقديمه نظامه وأبهته، لأجرم ترتفع الأسافل على الأعالي كثيراً. اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك، يا خالق الأسباب والمسببات والدواعي والبواعث والعزمات لا تجعل الدنيا اكبر همنا ولا مبلغ علمنا، وأشهدنا عظيم رحمتك حتى لا نرجو أحداً سواك، وتجل علينا ببالغ قدرتك حتى

стр. 61

لا نخاف أحداً غيرك. اللهم انك تعلم أن الخضوع لغيرك والتملق لسواك فوق صيري وقاطع لظهري لا يبلغه وسعي ويضيق عنه ذرعي، فاغنني بك عما سواك يا رب العالمين. آمين آمين. الفصل العاشر في تراجم العلماء الذين تقلصت عنهم دنياهم ولم يحظوا منها بطائل وأقدم قبل الشروع في ذلك مقدمة: قال القاضي في أخريات الشفاء ما ملخصه: أن من استشهد بأحوال الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في الدنيا على طريق ضرب المثل والحجة لنفسه أو على التشبه بهم عند هضمة نالته أو غضاضة لحقته ليس على طريق التأسى والتحقيق بل على مقصد الترفيع لنفسه أو الهزل أو إعلاء في وصف، كقول القائل (أن كذبت فقد كذب الأنبياء) أو (صبرت فقد صبر أولو العزم) وكقول قائل: فرّ من الخلد فاستجار بنا ... فصبر الله قلب رضوان فحقه أن درئ عنه القتل الأدب والسجن وقوة تعزيره بحسب شنعه مقاله ومألوف عادته وقرينة كلامه أو خلاف ذلك، لأن كلامه وإن لم يتضمن سباً ولا غضاً فما وقر النبوة ولا أعطاها حقها. وقال أيضا في إيراده حكاية ما ملخصه: أن حكاية الأقوال السديدة تدور بين الوجوب والاستحباب والمنع، فقد اجمع السلف والخلف من أئمة الهدى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم ومجالسهم ليبينونها للناس وينقضوا شبهها عليهم، وحكى الله مقالات المفترين في كتابه على وجه الإنكار والوعيد عليها، وحكى الله مقالات المفترين في كتابه على وجه الإنكار والوعيد عليها، وكذلك الحكاية على وجه الشهادة والتعريف بقائله والإنكار والإعلام بقوله والتنفير عنه والتجريح له، فهذا دائر بين الوجوب والندب. وأما حكاية سبه ﷺ والإزراء بمنصه على وجه الحكايات والأسمار ومضاحك المجان ونوادر السخفاء فكل ذلك ممنوع وبعضه أشد في المنبع، فما كان عن غير قصد أو غير عادة يكن من البشاعة حيث هو ولم يظهر استحسانه زجر ونهى عن العود إليه وان قوم ببعض الأدب

стр. 62

فهو مستوجب له، وان اتهم إنه اختلقه أو كانت تلك عادة له أو أظهر استحسانه لذلك أو كان مولعاً بالتحفظ لمثله قتل. ثم قال: وقد اسقطوا من أحاديث المغازي والسير ما هذا سبيله، وتركوا روايته إلا أشياء يسيرة ذكروها غير مستبشعة ليروا نقمة الله من قائلها وأخذه المفتري عليه بذنبه - انتهى ملخصا. فخرج من كلامه إن ذكر الأحوال المدخولة حكاية كان أو استشهاداً والإنكار والتعريف والرد وتبيين ما لله في ذلك الفعل من الحكمة في الحكاية. وإنما قدمت هذه المقدمة لأنا سنذكر تراجم العلماء الذين زوى الله عنهم الدنيا في مساق الفلاكة، فقد يقول من شم طرفاً من الفقه: إن ذكر العلماء في سياق الفلاكة غض من قدر العلم وتهاون بحرمته. والجواب عن هذا التوهم: أما أولا فما قاله القاضي على ما قررناه في كلامه، على أن ما قاله القاضي عياض ﵀ من التفصيل إنما هو في الله تعالى وملائكته وأنبيائه. وأما ثانياً فلا نسلم مجيء مثل هذا التفصيل في الحكاية عن العلماء ولو سلم فلا نسلم مجيئه في التراجم، لأن أوصاف الكمال وأوصاف غير الكمال كل واحد منهما يشعر وصفه ونسبته إلى الشخص بانتقال لآخر عنه ورفعه، فلو اقتصر في التراجم على احدهما لكان تلبيساً وتدليساً وإغراءاً وحملا على الجهل، وهذا إن لم يعين أو يرجح ذكر الترجمة بطرفيها فلا أقل من أن يقتضي عدم المنع من ذكرها بطرفيها. وقد يقال: لا حاجة بنا إلى هذا البحث، لأن لفظ الفلاكة والمفلوك مجتنب في هذا الفصل إلا نادراً، وإنما نذكر فيه تراجم العلماء ناقلين لها من المصنفات المعتمدة من غير إطلاق لفلاكة أو مفلوك على احد، والعهدة في المنقول على المؤرخين، والعذر في أتباعهم في نقله إنه لم يزل العلماء والمؤرخون يذكرون ذلك إملاءً وتصنيفاً شائعاً ذائعاً من غير نكير، فكان إجماعاً من السلف على جوازه. وقد تقدم كلام القاضي في جواز الحكاية على جهة التعريف أو التنفير، وتقدم أيضا ما قلناه على سبيل البحث من أن في ذكره أمناً من التدليس والتجهيل. وأما الاعتذار عن إيراد الفلاكة والمفلوك على الندور فهو أنا نقول: الفلاكة وإن أشعرت بتنقيص إلا أنا نذكرها في هذا الفصل معراة عن معنى التنقيص، والكلمات كثيراً ما تكون حاملة لمعنيين فتعرى من أحدهما مجازاً، وهذا في الكشاف في مواضع: (فمنه) ما ذكر في سورة الأعراف أن واو

стр. 63

الحال هي واو العطف استعيرت لمجرد الوصل. وعلى الجملة فاستعمال الكل في الجزء مجاز شائع. أو نقول: المراد بالفلاكة المذكورة في هذا الفصل وقوع ما الأولى خلافه. واللغة اصطلاحية على قول، والألفاظ التي يدور عليها معنى في تصنيف كالخبن والطي في العروض اصطلاحية اتفاقاً، فقد سقط بهذا التقرير اعتراض من يدلع لسانه كالكلب مجادلا بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. اللهم عياذاً بك ممن قصر في العلم والدين باعه وطال في الجهل وأذى عبادك ذراعه، فقد اتخذ بطر الحق وغمص الناس سلما إلى ما يحبه ويرضاه ولا يعرف من المعروف ولا ينكر من المنكر إلا ما يشتهيه ويأباه، ولياذاً بك ممن جعل الملامة بضاعته والعذل نصيحته، يجعل عداوته وأذاه حذاراً وإشفاقاً وتنفيره وتخذيله إسعافاً، متى برز على الجهال بأصغريه ظن إنه قد زاحم العلماء بركبتيه. إذا تقرر ذلك فاعلم أن الفلاكة على ضربين: (أحدهما) فلاكة مالية، ونعني بها كون الشخص غير محفوظ في أمور الدنيا المالية على ما قررناه في الفصل الأول، أو وقوع ما الأولى خلافه في الأمور المالية على ما قررناه في هذا الفصل. (والثاني) فلاكة معنوية، ونعني بها الأوصاف المخالفة لمحاسن الطبيعة أو لمحاسن الشريعة من الأفعال المحرمة أو الأفعال المكروهة والأخلاق القبيحة المذمومة. وإذا عرفت انقسام الفلاكة إلى هذين القسمين مالية ومعنوية اتضح لك مناسبة التراجم في هذا الفصل لمقصود الفصل، وهذا حين الشروع وإنا ننقل فيها ألفاظ المترجمين بحروفها من غير تصرف فيها لتكون العهدة عليهم في ذلك. والله المستعان. القاضي عبد الوهاب ابن علي بن نصر المالكي، كان بقية الناس، ولسان أصحاب القياس ونبت به بغداد على عادة البلاد بذوي فضلها وعلى حكم الأيام في مخبأ فعلها، فخرج وخلع أهلها وودع ماءها وظلها، فلما فصل عنها شيعه من أكابرها وأصحاب محابرها جملة موفورة وطائفة كثيرة، فقال لهم: لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين في كل غداة ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية وفي ذلك يقول: سلام على بغداد في كل موطن ... وحتى لها مني سلام مضاعف

стр. 64

فو الله ما فارقتها على قلى لها ... واني بشطي جانبيها لعارف ولكنها ضاقت علي بأسرها ... ولم تكن الأرزاق فيها تساعف وكانت كخل كنت أهوى دنوه ... وأخلاقه تنأى به وتخالف ثم توجه إلى مصر فحمل لواءها وملأ أرضها وسماءها وتناهت إليه الغرائب وانثالت عليه الرغائب، فمات في أول ما وصلها من أكلة اشتهاها فأكلها. زعموا إنه قال وهو يتقلب ونفسه تتصعد: لا الله إلا الله لما عشنا متنا. توفي سنة ٤٢٢. ابن مالك أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الطائي الأندلسي الجياني الملقب جمال الدين، صاحب التصانيف المبسوطة والمختصرة والنظم والنثر، شيخ النحاة في عصره والإمام في اللغة، كان كثير الأشغال والاشتغال، حتى إنه حفظ في اليوم الذي مات فيه خمسة شواهد. قال شارح التنبيه الشيخ أبو جعفر رفيق الأعمى نزيل حلب في ترجمته أول الشرح: خرج من الدنيا ولم يتعلق بأعراضها ولا قرطس سهمه في أغراضها. قلت: لقد أحسن الشيخ أبو جعفر ﵀ العبارة عن الفلاكة، فإن قوله (خرج من الدنيا) إلى آخره هو والفلاكة عبارتان عن معنى واحد. توفي ﵀ سنة ٦٧٢. النضر بن شميل الشاعر التميمي الماذني النحوي البصري، عالم بفنون من العلم، صاحب غريب الحديث والشعر، وهو من أصحاب الخليل. خرج النضر يريد خراسان لما ضاقت عليه البصرة بالمعيشة، فشيعه من أهل البصرة نحو ثلاثة آلاف رجل ما فيهم إلا محدث أو لغوي أو عروضي أو إخباري، فقال: يا أهل البصرة يعز علي فراقكم ولو وجدت كيلجة باقلى ما فارقتكم، فلم يكن فيهم أحد يتكلف ذلك. ودخل على المأمون في ثوب مرقوع فقال له: يا نضر ما هذا التقشف؟ فقال: ضيح ضعيف وحر شديد فأتبرد بهذه الحلقان. قال: لا ولكنك قشف. ثم تجاذبا الأحاديث إلى أن أدى بهما الحديث إلى السداد بمهنى البلغة وسد الثلمة، فأورده المأمون بفتح السين فرده النضر عليه وبين له أن المفتوح إنما هو

стр. 65

القصد لا البلغة، فأمر له عند انصرافه بخمسين ألف درهم يقبضها من الفضل بن سهل، فصرفها له ثمانين ألف درهم عند وقوفه على سبب الصرف. وتوفي بمرو سنة ٢٠٤. الاخفش الصغير هو علي بن سليمان النحوي، كان إماماً في اللغة والأدب، وهو غير الأخفش الكبير لأنه أبو الخطاب عبد الحميد، والأخفش الأوسط لأنه سعيد بن مسعدة أبو سعيد. كان الأخفش الصغير يلازم المقام عند أبي علي بن مقلة وأبو علي يراعيه ويبره، فشكا إليه في بعض الأيام ما هو فيه من شدة الفاقة وزيادة الإضافة، وسأله أن يعلم الوزير أبا الحسن علي بن عيسى ويسأله له إقرار رزق من جملة من يرتزق من أمثاله، ففعل فانتهره الوزير انتهاراً شديداً، وكان ذلك في مجلس حافل فشق على ابن مقلة ذلك، ثم وقف الأخفش على صورة الحال فاغتم لها وانتهت به الحال إلى أن أكل السلجم النيئ، فقيل إنه قبض على فؤاده فمات منه فجأة سنة ٣١٥. التلعفري محمد بن يوسف بن مسعود الأديب البارع شهاب الدين أبو عبد الله التلعفري الشاعر المشهور، اشتهر ذكره وشاع شعره، وكان خليعاً معاشراً وامتحن بالقمار وكلما أعطاه الملك الأشرف شيئاً يقامر به فطرده إلى حلب فمدح بها صاحبها العزيز فأحسن إليه وقرر له رسوماً، فسلك معه مسلك الأشرف فنادى في حلب أن من قامر مع الشهاب قطعنا يده، فامتنع الناس من اللعب معه فضاقت عليه الأرض وترك الخدمة وجاء إلى دمشق ولم يزل يستجدي بها ويقامر حتى بقي في أتون من الفقر، ثم نادم في الآخر صاحب حماه وبها مات خمس وسبعين وستمائة. الترمذي محمد بن أحمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الشافعي، لم يكن للشافعية في وقته أرأس منه ولا أورع، وكان من التقلل على حال عظيم، أخبر إنه تقوت في سبعة عشر يوماً

стр. 66

بخمس حبات أو قال ثلاث حبات، قيل له كيف عملت؟ قال: لم يكن عندي غيرها فاشتريت بها لفتاً، فكنت آكل منه كل يوم واحدة. توفي سنة خمس وتسعين ومائتين وقد اختلط في آخر عمره. يحيى بن علي ابن محمد بن الحسن بن بسطام أبو زكريا الخطيب التبريزي الشيباني إمام اللغة والنحو، تخرج عليه خلق كثير، شرح الحماسة والمتنبي والمعلقات وغير ذلك، وكانت حصلت له نسخة من التهذيب في اللغة للأزهري في عدة مجلدات لطاف وأراد تحقيق ما فيها وأخذها عن عالم باللغة، فدل على أبي العلاء المعري فجعل الكتاب في مخلاة وحملها على كتفه من تبريز إلى المعرة ولم يكن له ما يستأجر به مركوباً، فنفذ العرق من ظهره إليها فأثر فيها الليل وهي ببعض الوقوف ببغداد، وإذا رآها من لا يعرف صورة الحال فيها ظن أنها غريقة وليس بها سوى عرق الخطيب. ومن شعره: فمن يسأم من الأسفار يوماً ... فاني قد سئمت من المقام أقمنا بالعراق على رجال ... لئام ينتمون إلى لئام توفي فجأة في جمادي الآخرة سنة اثنتين وخمسمائة. الابيوردي أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن الابيوردي، اشتغل في الفقه علي أبي حامد وبرع فيه. قال الخطيب في تاريخه: كان شاعراً فصيحاً حسن الاعتقاد متجملا في فاقه، يقال: إنه مكث سنتين لا يقدر على جبة يلبسها في الشتاء ويقول لأصحابه: بي علة تمنعني لبس المحشو. توفي في جمادي الآخرة سنة خمس وعشرين وأربعمائة. قلت: ما أحسن قوله (بي علة تمنعني ليس المحشو) فإنه من الإبهام والتورية، والعلة هي علة الفلاكة شفانا الله منها. الشنتريني عبد الله بن صارة أو سارة الشاعر المشهور، كان شاعراً ناثراً ناظماً ماهراً إلا إنه كان

стр. 67

قليل الحظ، ومن الحرمان لم يسعه مكان ولا اشتمل على سلطان، كان يبيع المحقرات وبعد جهد ارتقى إلى كتابة بعض الولاة، فلما كان من خلع الملوك ما كان أتى إلى اشبيلية أسود حالاً من الليل وأكثر انفراداً من سهيل، وتبلغ من الوراقة فانتحلها في كساد سوقها وخلو طريقها، وفيها يقول: أما الوراقة فهي أنكر حرفة ... أوراقها وثمارها الحرمان شبهت صاحبها بحالة إبرة ... تكسو العراة وجسمها عريان توفي سنة ٥١٧. العز حسين بن محمد الشاعر الضرير الاربلي، تلميذ أفضل الدين الخلنجي، كان الشاعر المذكور بصيراً بالعربية رأساً في العقليات كلها إلا إنه كان فيلسوفاً رافضياً تاركاً للصلاة رث الهيئة زرى الشكل قبيح المنظر، يصدر منه ما يشعر بفساد العقيدة والانحلال، وابتلى مع العمى بطلوعات وقروح، وكان قذراً لا يتوقى النجاسات، يهين الأكابر إذا حضر مجلسهم ولا يعتني بهم، ومع ذلك كان له هيبة وحرمة. توفي سنة ٦٦٠. السهروردي يحيى أو محمد أو عمر بن حبش الملقب شهاب الدين السهروردي أبو الفتوح المعروف بالشهاب المقتول، كان أوحد زمانه في الفلسفة والحكمة مفرط الذكاء حسن العبارة، وله تصانيف منها: الهياكل، والتلويحات، والرقم القدسي في تفسير القرآن على رأى الأوائل، واللمحات في المنطق. ورد إلى حلب واجتمع بالملك الظاهر غازي فأعجبه كلامه فمال إليه، فكتب أهل حلب إلى السلطان صلاح الدين أدرك ولدك وإلا تلف، فكتب السلطان إلى الظاهر بإبعاده عنه، ثم كتب إليه بقتله. كان دنيء الهمة زري الخلقة دنس الثياب وسخ البدن لا يغسل له ثوباً ولا جسماً ولا بداً من زهومة ولا يقص ظفراً ولا شعراً، وكان القمل يتناثر على وجهه ويسعى على ثيابه. توفي سنة ست وثمانين وخمسمائة.

стр. 68

الحافظ عبد الغني ابن عبد الواحد أبو محمد المقدسي، أنزله الشيخ عبد القادر هو ورفيقه الشيخ موفق الدين بمدرسته وما كان يمكن أحداً من النزول فيها لما تفرس فيهما من الخير والصلاح، كان إمام وقته في الحديث رواية ودراية، وصنف الكتب الحسان منها نهاية المراد في كلام خير العباد نحواً من مائتي جزء. ومحنه كثيرة: (منها) إنه لما دخل أصفهان وقف على كتاب أبي نعيم الحافظ في معرفة الصحابة، فأخذ عليه في مائة وتسعين موضعاً، فطلبوه من الخجندي ليقتلوه فاختفى وخرج من أصفهان في أزار. (ومنها) إنه لما عاد إلى أصفهان دخل الموصل فقرأ كتاب الجرح والتعديل للعقيلي وذكر فيه أبا حنيفة وجرحه، فثار عليه أصحاب أبي حنيفة وحبسوه، ولولا البرهان بن البرقي الواعظ خلصه لقتلوه. (ومنها) لما قدم دمشق من الموصل كان يقرأ الحديث بعد صلاة الجمعة بحلقة الحنابلة ويجتمع الناس إليه وحصل له قبول، فكان سريع الدمعة، فحمده الدماشقة ودخلوا عليه بطريق الناصح الحنبلي فحسنوا له أن يعظ بعد الصلاة تحت النسر، فشوش على الحافظ فصار الحافظ يقعد بعد العصر، فذكر عقيدته على الكرسي فاتفق محيي الدين بن زكي الدين والخطيب الدولعي وجماعة من الدماشقة وصعدوا إلى القلعة وواليها صارم الدين برغش فقالوا: هذا قد أضل الناس ويقول بالتشبيه، فعقدوا له مجلساً وأحضروه وناظرهم فأخذوا عليه مواضع وارتفعت الأصوات، فقال صارم الدين: كل هؤلاء على ضلالة وأنت على الحق؟ قال: نعم. فأمر الأسارى فنزلوا إلى جامع دمشق فكسروا منبر الحافظ وما كان في حلقة الحنابلة من الدرابزينات ومنعوهم من الصلاة ففاتتهم صلاة الظهر، ثم سافر الحافظ إلى مصر ونزل عند الطحانين وصار يقرأ الحديث، وكان الملك العزيز في الصيد فأفتى فقهاء مصر بإباحة دمه وبعثوا بالفتوى إلى العزيز، فقال: إذا رجعنا أخرجناه، فاتفق إنه وقع عن فرسه واشتغل بنفسه ومات، وجاء الأفضل إلى مصر ولما دخل العادل مصر ومعه وزيره ابن شكر نقل إليه ما نقل إلى العزيز، فعرف بزهده وفضله فأكرمه عند الدخول إليه وأقام الحافظ في مسجد المصنع يذكر الحديث، فكتب أهل مصر إلى ابن شكر يقولون: قد أفسد عقائد الناس ويذكر التجسيم على رؤوس

стр. 69

الأشهاد، فكتب إلى والي مصر بنفيه إلى المغرب، فحدث الشيخ تاج الدين الكندي أن الوزير طلبه ليكتب بنفيه وكان الحافظ قد توفي، فقال للكاتب: اكتب بنفيه إلى المغرب ولم يكن علم بموته: فقلت: ما تحتاجون تنفونه هو قد نفاكم. فقال ابن شكر: وكيف؟ قلت: الساعة أخبرني شخص بموته. فوجم ابن شكر ساعة كأنه ندم. وكانت وفاته في الثالث والعشرين من ربيع الأول سنة ستمائة. محمد بن عبد الرزاق ابن رزق بن أبي بكر العدل العالم شمس الدين بن محمد المحدث الرسعني الحنبلي، كان من أعيان الشهود تحت الساعات، ومن شعره: ولو أن إنساناً يبلغ لوعتي ... ووجدي وأشجاني إلى ذلك الرشا لأسكنته عيني ولم أرضها له ... ولولا لهيب القلب أسكنته الحشا سافر إلى مصر في شهادة ثم عاد على حمار فسرق حماره وما عليه في الطريق، فرجع إلى القاهرة شاكياً فلم يحصل له مقصود، فخرج متوجهاً إلى دمشق فأتى ليسقى فرسه بالشريعة فغرق ولم يظهر له خبر. توفي سنة ٦٨٩. الخليل ابن أحمد بن عمرو الفراهيدي الأزدي، كان إماماً في علم النحو، وهو الذي استنبط العروض وعنه أخذ سيبويه وغيره. كان متقللاً من الدنيا صبوراً على العيش الخشن الضيق، وكان يقول لا يجاوز همي ما وراء بابي، كان له راتب علي سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وكان والي فارس والأهواز، فكتب إليه يستدعيه فكتب الخليل جوابه: أبلغ سليمان أني عنه في سعة ... وفي غنى غير أني لست ذا مال سخا بنفسي أني لا أرى أحداً ... يموت هزلاً ولا يبقى على حال الرزق عن قدر لا الضعف ينقصه ... ولا يزيدك فيه حول نحتال والفقر في النفس لا في المال نعرفه ... ومثل ذاك الغنى في النفس لا المال

стр. 70

فقطع عنه سليمان الراتب، فأنشد بيتين في ذلك فأعاد راتبه. قال تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خص من أخصاص البصرة لا يقدر على فلسين وأصحابه يكتسبون بعلمه الأموال، كان إذا قدم عليه سيبويه يقول: مرحباً بزائر لا يمل. توفي سنة ١٧٠. أبو الطيب الطبري طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر أبو الطيب الطبري شيخ الشافعية، أخذ عن أبي حامد الإسفرايني وأبي الحسن الماسرجسي، وصنف في الأصول والجدل وغير ذلك. كان له ولأخيه عمامة وقميص إذا لبسهما هذا جلس الآخر في البيت، وقد قال في ذلك القاضي أبو الطيب: قوم إذا غسلوا ثياب جمالهم ... لبسوا البيوت إلى فراغ الغاسل بلغ مائة وستين سنة صحيح العقل والفهم والأعضاء يفتي ويقضي ويشتغل توفي سنة ٤٥٠. أبو عثمان ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ، أخذ عنه مالك بن أنس ﵁. قال بكر بن عبد الله الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة الرأي فكنا نستزيده في حديث ربيعة فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة ها هو نائم في ذلك الطاق. فأتينا ربيعة فأنبهناه وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم. قلنا: أنت الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم. فقلنا: كيف حظي مالك بك وأنت لم تحظ بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالاً من دولة خير من حمل علم. توفي سنة ١٣٦. المازني أبو عثمان بكر بن محمد بن عثمان المازني البصري، كان إمام عصره في النحو والأدب، وكان في غاية الورع، ومما رواه المبرد أن بعض أهل الذمة قصده ليقرأ عليه كتاب سيبويه وبذل له مائة دينار في تدريسه، فامتنع أبو عثمان من ذلك، فقال له المبرد: أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة اضاقتك؟ فقال: إن هذا الكتاب يشتمل على ثلاثمائة وكذا كذا آية من كتاب الله ولست أرى أن أمكن ذمياً منها غيرة على كتاب الله

стр. 71

تعالى، فاتفق أن غنت جارية بحضور الواثق بقول العرجي: أظلوم إن مصابكم رجلا واختلف من بالحضرة في رفع رجل ونصبه، فأشخصه الواثق لإعراب البيت، فلما أعربه أمر له بألف دينار. توفي سنة ٦٤٩. وموضع الاستشهاد قول المبرد (أترد هذه المنفعة مع فاقتك وشدة اضاقتك). ولا يقال كان زاهداً بدليل قول المترجمين له (انه كان شديد الورع) لأن الورع لا يستلزم الزهد بدليل قبوله الإلف الموهوب له، لأن الفاقة الدائمة يلزمها حوائج مجتمعة ومصارف مؤخرة لا تفي بها الألف ولا ما فوقها، والدنانير إنما هي دنانير بغداد وهي دراهم في الحقيقة. السيرافي أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان السيرافي النحوي، شرح كتاب سيبويه وصنف عدة تصانيف، كان نزهاً عفيفاً حسن الأخلاق، وكان معتزلياً ولم يظهر منه شيء، وكان لا يأكل إلا من كسب يده ينسخ ويأكل. توفي سنة ٣٦٨. نجم الدين ابن أخي قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان، كان فقيهاً فاضلا وولى القضاء ببعض البلاد الشامية، وكان مهوساً بالحكمة ويقول عن نفسه: أنا حكيم الزمان، فانقطع رزقه بهذا السبب ومقت ونسبوه إلى انحلال العقيدة، فسافر إلى الديار المصرية وقعد مع الشهود حتى مات سنة ٧٦٢. الأنماطي إسماعيل بن عبد الله بن عبد المحسن الحافظ البارع تقي الدين أبو الطاهر ابن الأنماطي المصري الشافعي، كان إماماً ثقة حافظاً مبرزاً فصيحاً واسع الرواية ناظماً ناثراً بعيد الشبيه معدوم النظير إلا إنه كان كثير الدعابة مع الرد. مات سنة ٦١٩. بدر الدين بن مالك هو محمد بن محمد بن عبد الله بن مالك، كان نحوياً عارفاً بعلم البيان

стр. 72

والعروض والأصول والمنطق ذكياً إلا إنه ينسب إلى لعب ومعاشرة من لا تليق معاشرته. توفي سنة ٦٨٦. العفيف التلمساني سليمان بن علي بن عبد الله الأديب البارع، كان حسن العشرة كريم الأخلاق ذا وجاهة وخدم في عدة جهات من المكس، كان يتهم بالخمر والفسق والقيادة كما قاله في الجزء السابع من دول الإسلام مختصر تاريخ الإسلام لعلي بن خلف بن كامل الغزي الشافعي. قال الشيخ قطب الدين: رأيت جماعة ينسبونه إلى رقة الدين والميل إلى مذهب النصيرية، وحكى تلميذه البرهان بن الفاشوشة قال: رأيت ابنه في مكان بين ركبدارية وذا يكبس رجليه وذا يبوسه، فتألمت لذلك وانقبضت ودخلت إلى الشيخ وأنا كذلك فقال: مالك؟ فأخبرته بالحال الذي وجدت عليه ابنه محمداً، فقال: أفرأيته في تلك الحالة منقبضاً حزيناً. فقلت: سبحان الله كيف يكون ذلك بل كان أسر ما يكون، فهون الشيخ علي وقال: لا تحزن أنت إذا كان هو مسروراً، فعرفت قدر الشيخ وسعيه. قال الذهبي: هذا هو الشيخ الذي لا يستحي الله من عذابه. توفي سنة ٦٩٠. الحريري علي بن أبي الحسن بن منصور أبو الحسن وأبو محمد مقدم الطائفة الحريرية صاحب الزاوية، كان له مكاشفات وكرامات، وكان عنده من القيام بواجب الشريعة - كما قاله الشيخ شهاب الدين أبو شامة - ما لم يقم به أحد من المتشرعين ظاهراً وباطناً، ومن إقامة شرائع الحقيقة ما لم يكن عنه أحد في عصره من المحافظة على محبة الله وذكره والدعاء إليه والمعرفة به، وأكثر الناس يغلطون في أمره الظاهر وفي أمره الباطن. صحب الشيخ أبا علي المغربل خادم الشيخ رسلان، كان يلبس الطويل والقصير والمدور والمفرح والأبيض والأسود والعمامة والمئزر والقلنسوة وثوب المرأة والمطرز والملون، ولما حبس سأله أصحابه أن يسأل ويتشفع فلم يفعل، فلما أقام في الحبس أربع سنين زاد سؤالهم فأمرهم أن يكتبوا قصة فيها: من الخلق الضعيف إلى الرأي الشريف ممن هو

стр. 73

ذنب كله إلى من هو عفو كله، سبب هذه المكاتبة الضعف عن المعاتبة (اصغر خدم الفقراء علي الحريري) فقير ولكن من صلاح ومن تقى ... وشيح ولكن في الفسوق إمام فسعوا في القصة وأرادوا أن أتصل إلى السلطان، فما قرأ أحد من الدولة القصة إلا ورمى بها، فبلغه ذلك فاحتد وقال: ما قلت لكم ألم أنهكم عن السعي. وأقام بالحبس ست سنين وسبعة أشهر، كان يعاشر الأحداث ويصحبهم ويقيمون عنده، ولم يكن عنده مراقبة ولا مبالاة بل يدخل مع الصبيان الأحداث ويعتمد معهم ما يسمونه تخريباً، وكان له قبول عظيم لاسيما عند الأحداث، فإنه كان إذا وقع نظره على أحد من الأحداث مال إليه بحيث لا ينتفع به. توفي سنة ٦٤٥. القطب الشيرازي قطب الدين محمود بن مسعود بن مصلح الشيرازي، كان إمام عصره في المعقولات وفي غاية الذكاء، وله التلاميذ الكثيرة والتصانيف المشهورة منها شرح المختصر لابن الحاجب، كان كريما متطوحاً إلا إنه كان متهاوناً بالدين محباً للخمر ويجلس في حلق المساخر كما قاله الأسنوي في طبقاته، ومع ذلك كان معظما عند ملوك التتار فمن دونهم، وهو تلميذ النصير الطوسي. توفي سنة ٧١٠. ابن دريد محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزدي اللغوي البصري إمام عصره في اللغة والأدب والشعر الفائق، كان يشرب الخمر إلى أن جاوز تسعين سنة. قال ابن شاهين: كما ندخل على ابن دريد فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة والشراب مصفى موضوعاً. توفي سنة ٣٢١. يحيى بن اكتم ابن محمد التميمي المروزي أحد أعلام الدنيا، روى عنه الإمام أحمد ابن حنبل وغيره،

стр. 74

وغلب على المأمون حتى لم يتقدمه أحد عنده من الناس جميعاً، وكانت كتب يحيى في الفقه أجل كتب وتركها الناس لطولها، وكان له كتب في الأصول أيضا، وكان من أدهى الناس واخبرهم بالأمور كان إذا رأى فقيهاً سأله عن الحديث أو محدثاً سأله عن النحو أو نحوياً سأله عن الكلام فيخجله ويقطعه. كان ابن زيدان الكاتب يكتب بين يدي يحيى ابن اكتم وكان غلاماً متناهي الجمال، فقرص القاضي خده فخجل الغلام واستحيا وطرح القلم من يده، فقال له: خذ القلم واكتب فأملاه: أبا قمراً خمشته فتغضبا ... وأصبح لي من تيهه متجنبا إذا كنت للتخميش والعض كارهاً ... فكن أبداً يا سيدي متنقبا ولا تظهر الأصداغ للناس فتنة ... وتجعل منها فوق خديك عقربا فتقتل مسكيناً وتفتن ناسكاً ... وتترك قاضي المسلمين معذباً ولما تواتر النقل عن يحيى إلى المأمون في هذا المعنى أراد امتحانه، فأغرى به مملوكاً في غاية الجمال وذهب إلى الخلاء ثم تجسس عليه فسمعه يقول له: لولا انتم لكنا مؤمنين، فدخل المأمون وهو ينشد بيتي ابن حكيمة راشد بن إسحاق الكاتب: وكنا نرجي أن نرى العدل ظاهراً ... فأعقبنا بعد الرجاء قنوط متى تصلح الدنيا ويصلح أهلها ... وقاضي قضاة المسلمين يلوط ذكر ذلك كله ابن خلكان في تاريخه، وذكرى الحصري في كتابه الذي سماه زهر الآداب وتحامل عليه في هذا المعنى بما لا يليق ذكره وذكر ولوع الشعراء به، ومما أنشده فيه قول الشاعر: ياليت يحيى لم تلده اكتمه ... ولا وطت ارض العراق قدمه ألوط قاضي في الأنام نعلمه ... أي دواة لم يلقها قدمه وأي حجر لم يلجه أرقمه توفي سنة ٢٤٢. محمد بن علي ابن يوسف بن هود الشيخ الزاهد الكبير بدر الدين أبو علي بن هود

стр. 75

المرسي، أحد الأجلاء في التصوف، ترك الحشمة وتغرب وصحب ابن سبعين واشتغل بالفلسفة والطب وترهات الاتحادية وزهديات التصوف وخلط هذا بهذا. كان ذاهبية وسكون وتلامذة، على رأسه قبعة وعلى جسده دلق، وكان غارقاً في الفكرة قليل الصلاة والذكر متواصل الأحزان، حمل مرة إلى والى البلد وهو سكران أخذوه من حارة لليهود، وكان له مشاركات في علوم شتى. توفي سنة ٦٩٩ بدمشق. القاضي الرفيع عبد العزيز بن عبد الواحد بن إسماعيل قاضي قضاة دمشق رفيع الدين أبو حامد الشافعي، كان فقيهاً فاضلا متكلما مناظراً متفلسفاً رديء العقيدة مغتراً، ثم ولى قضاء دمشق في أيام صاحبها الملك الصالح إسماعيل ووزيره أمين الدولة السامري، فاتفق هو وأمين الدولة في الباطن على المسلمين، فكانت عنده شهود زور ومدعون زوراً تدعي وتشهد على شخص بألف دينار فيأمره بالصلح. قال أبو المفر ابن الجوزي: حدثني جماعة من الأعيان إنه كان فاسد العقيدة دهرياً مستهزئاً بأمور الشريعة، يجيء إلى صلاة الجمعة سكران، وان داره كانت مثل الحانة، ثم أوقعت الدنيا بينه وبين الوزير فغدره السامري وسعى به عند السلطان فاعتقل ببعلبك واستأصل ماله، ثم نقل إلى جبل لبنان وخنق هناك أو دفع من شاهق فوقع فمات سنة ٦٤٣. البدر التستري بدر الدين محمد بن أسعد التستري، إمام وقته في الأصلين والمنطق والحكمة، وضع تعاليق البيضاوي والطوالع والمطالع متضمنة لنكت غريبة وان كانت عباراتها قلقة ركيكة، وشرح كتب ابن سيناء، كان مداوما على لعب الشطرنج رافضيا كثير الترك للصلاة. قال الأسنوي: ولهذا لم يكن عليه أنوار أهل العلم ولا حسن هيئهم مع ثروته الزائدة وحسن شكله توفي بهمذان في نيف وثلاثين وسبعمائة. أبو عبيدة اللغوي النحوي معمر بن المثنى، لم يكن في الأرض خارجي ولا إجماعي اعلم بجميع
следующие страницы →