← Тафсир

Тафсир · id 36076

الكلمات البينات في قوله تعالى: {وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات}

مرعي الكرمي

Полный текст (73 стр.). Показаны 36–73 · переход к 41.

стр. 36

والدليل على وجود الجنة الآن ما مر، وقوله تعالى: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وقوله تعالى: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾، وقوله ﷺ في حديث الترمذي وصححه -: لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل ﵇ إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعدت لأهلها فيها. قال: فجاء ونظر إليها. . . الحديث. وذكرُ أدلة كل من الفريقين في هذه المسألة مما يطول، وقد أطال العلامة ابن القيم الكلام على ذلك في أول كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح فراجعه. قال الزمخشري: والذي يقول إنها مخلوقة - يعني الجنة - يستدل بسكنى آدم وحواء الجنة، وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام، كالنبي والرسول والكتاب انتهى.

стр. 37

قلت: وعلى هذا التعليل فالصراط والميزان والحوض مخلوقة الآن لمجيئها على نهج الأسماء الغالبة فتأمل فإنه جيد، وهو حق إن شاء الله تعالى. وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾: فاللام في (الأنهار) للجنس، كما في قولك: لفلان بستان فيه الماء الجاري، أو عوض من المضاف إليه على رأي بعض الكوفيين، كما في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾. أو للعهد والإشهار إلى ما ذكر في قوله سبحانه: ﴿أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ﴾.

стр. 38

وفي الكشاف: ولولا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط حتى يجري فيها الماء، وإلا كان الأنس الأعظم فائتاً، والسرور الأوفر مفقوداً، وكانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها، لما جاء الله بذكر الجنات إلا مشفوعاً بذكر الأنهار الجارية من تحتها، مسوقين على قران واحد كالشيئين لابد لأحدهما من صاحبه، ولما قدمه على سائر نعوتها. والنهر - بفتح الهاء وسكونها -: المجرى الواسع، فوق الجدول، ودون البحر، كالنيل والفرات. والمراد بها ماؤها على الإضمار، أو على المجاز، كما في سال الميزاب، يقال: جرى الماء يجري جرياً وجرية وجرياناً، أي: سال.

стр. 39

وفي ابن عادل: وهل النهر هو مجرى الماء، أو الماء الجاري نفسه؟ الأول أظهر، لأنه مشتق من نهرت أي وسعت، ومنه النهار لاتساع ضوئه، وقوله ﵊: ما أنهر الدم معناه: ما وسع المذبح حتى يجري الدم كالنهر. فإن قيل بأن النهر اسم للماء الجاري، فنسبة الجري إليه حقيقة. وإن قيل للأخدود فنسبة الجري إليه مجاز انتهى. و (تحت): بمعنى سفل، والمراد تجري من تحت شجرها أو قصورها لا من تحت أرضها، وإنما نحتاج إلى هذا التقدير إذا قيل بأن الجنة هي الأرض ذات الشجر. وأما إذا قيل بأنها الشجر نفسه فلا حاجة إلى ذلك. وعلى كل تقدير فأنهار الجنة ليست تجري في أخدود، بل على وجه أرض الجنة منضبطة بالقدرة، لما روى أبو نعيم وابن مردويه والضياء عن انس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود

стр. 40

في الأرض؟ لا والله إنها لسائحة على وجه الأرض، حافتاها خيام اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر. قلت: يا رسول الله، ما الأذفر؟ قال: الذي لا خلط معه. وأخرجه ابن أبي الدنيا عن انس رضي الله تعالى عنه موقوفاً، قال المنذري: وهو أشبه بالصواب. وروى الترمذي وصححه والبيهقي عن معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد.

стр. 41

وروى ابن حبان والحاكم والبيهقي وابن أبي حاتم والطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنهار الجنة تتفجر من جبل مسك. لطيفة: روى الحارث بن أبي أسامة والبيهقي عن كعب رضي الله تعالى عنه قال: نهر النيل نهر العسل في الجنة، ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة، ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة، ونهر سيحان نهر الماء في الجنة. وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ﴾ قال كعب في تفسير هذه الآية: نهر دجلة نهر مائهم، ونهر الفرات نهر لبنهم، ونهر مصر نهر خمرهم، ونهر سيحان نهر عسلهم، وهذه الأنهار تخرج من نهر الكوثر. وفي كلام الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى: ليس المراد أنّ هذه الأنهار الموجودة في الأرض هي التي في الجنة، بل هذه أسماء أنهار

стр. 42

في الجنة يقال لها: النيل والفرات وسيحان ودجلة، كاسم السلسبيل والكوثر. وقد أطلت الكلام على ذكر أنهار الجنة وعيونها وما اعد الله تعالى لعباده المؤمنين فيها في كتابنا بهجة الناظرين وآيات المستدلين فراجعه تظفر بالمراد. وأما قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً﴾: فقال النحويون: كلما منصوبة على الظرفية باتفاق، وناصبها الفعل الذي هو جواب وهو هنا (قالوا) وجاءتها الظرفية من جهة (ما) فإنها محتملة لوجهين: أحدهما: أن تكون حرفاً مصدرياً، والجملة بعده صلة فلا محل لها، والأصل: كل وقت رزق.

стр. 43

والثاني: أن تكون اسماً نكرة بمعنى وقت، فلا تحتاج على هذا إلى تقدير وقت والجملة بعده في موضع خفض على الصفة، فتحتاج إلى تقدير عائد، أي كل وقت رزقوا فيه، ولهذا الوجه مبعد وهو ادعاء حذف عائد الصفة وجوباً، حيث لم يرد مصرحاً به في شيء من أمثلة هذا التركيب، ومن هنا ضعف قول أبي الحسن الأخفش في نحو: أعجبني ما قمت: إن ما اسم، والأصل: ما قمته، أي القيام الذي قمته. وقوله في يا أيها الرجل: إن أيّاً موصول، والمعنى: يا من هو الرجل، فإن هذين العائدين لم يلفظ بهما قط، ولو صح ما ذكر لجاز ذلك، لن الأصل أن العائد يكون مذكوراً لا محذوفاً، وهنا مباحث أخر ليس هذا محلها. وقال المنطقيون: كلما تقتضي عموم الأفعال، كما أن كل تقتضي عموم الذوات.

стр. 44

وقال الخطيون: كلما إذا كانت ظرفاً كتبت ما معها متصلة نحو: كلما جئتني أكرمتك وكما هنا، وإن كانت اسماً كتبت منفصلة نحو: كل ما عندي لك، وكل ما في الدنيا فانٍ. وكلما رزقوا لا يخلو إما أن يكون صفة ثانية لـ جنات، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة، لأنه لما قيل (أن لهم جنات) لم يخل قلب السامع أن يقع فيه: هل ثمار تلك الجنات تشبه أثمار الدنيا أم أجناس أخر؟ فقيل: إن ثمارها أشباه ثمار الدنيا، أي أجناسها أجناسها وإن تفاوتت إلى غاية لا يعلمها إلا الله تعالى. بل قال شيخ الإسلام وحافظ زمانه تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى: قد ثبت عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء،

стр. 45

وقد أخبر الله تعالى أنه لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. انتهى. و (من) الأولى والثانية للابتداء، واقعتان موقع الحال، كأنه قيل: كل وقت رزقوا مرزوقاً مبتدأ من الجنات، مبتدأ من ثمرة، فصاحب الحال الأولى: رزقاً، وصاحب الثانية: ضميره المستكن في الحال. فهو كما قال الزمخشري: بمنزلة قولك: رزقني فلان فيقال لك: من أين؟ فتقول: من بستانه، فيقال: من أي ثمرة رزقك من بستانه؟ فتقول: من الرمان. وتحريره: أن الرزق جعل مبتدأ من الجنات، والرزق من الجنات مبتدأ من ثمرة. وفي تفسير ابن عادل: (منها) متعلق برزقوا، وكذلك (من ثمرة) لأنها بدل من قوله (منها) بدل اشتمال، بإعادة العامل. وجوز الزمخشري أن يكون (من ثمرة) بياناً على منهاج قولك: رأيت منك أسداً.

стр. 46

قال ابن عادل: وفيه نظر لأن من شرط ذلك أن يحل محلها الموصول، وأن يكون ما قبلها محلى بأل الجنسية - يعني كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ - وأيضاً: فليس قبلها شيء يتبين بها، وكونها بياناً لما بعدها بعيد جداً، وهو غير المصطلح عليه. و (رزقاً) مفعول ثان لرُزقوا، وهو بمعنى مرزوق، وكونه مصدراً بعيد لقوله: (هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً) والمتشابه هو المرزوق. وثمرة جمعها: ثمر، وجمع ثمر: ثمار، وجمع ثمار: ثمر - بضم الميم وسكونها - وجمع ثمر: أثمار. وأثمار الجنة وأشجارها كثيرة لا يحيط بها إلا خالقها، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾: ما في الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل. وقال كثير من المفسرين في قوله سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾: أي بستانان من الياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، ترابهما الكافور

стр. 47

والعنبر، ودقاقهما المسك الأذفر، كل بستان مئة سنة، وفي وسط كل بستان دار من نور، جنة لخوف ربه، وجنة لترك شهوته. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: نخل الجنة ذهب أحمر، وعروقها زمرد أخضر، وثمرها كالقلال، أحلى من الشهد، وألين من الزبد، لا عجو لها. وروى البيهقي، بسند حسن عن سلمان رضي الله تعالى عنه أنه أخذ عوداً صغيراً ثم قال: لو طلبت في الجنة مثل هذا العود لم تبصره. قيل: فأين النخل والشجر؟ قال: أصولها اللؤلؤ والذهب، وأعلاه الثمر. وروى سعيد بن منصور والبيهقي عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ قال: إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياماً وقعوداً ومضطجعين، على أي حالة شاؤوا. ورويا أيضاً عن مجاهد قال: أرض الجنة من ورق، وترابها مسك، وأصول شجرها ذهب وورق، وأفنانها اللؤلؤ والزبرجد والورق،

стр. 48

والثمار بين ذلك فمن أكل قائماً لم تؤذه، ومن أكل مضطجعاً لم تؤذه، ومن أكل جالساً لم تؤذه ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾. وفي تفسير القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾: أي ظل الأشجار في الجنة قريب من الأبرار، فهي مُظِلة عليهم زيادة في نعيمهم، وإنْ كان لا شمس هناك ولا قمر، كما أن أمشاطهم الذهب والفضة، وإن كان لا وسخ ولا شعث ثم، ويقال: إنَّ ارتفاع الأشجار في الجنة مقدار مئة عام، فإن اشتهى ولي الله ثمرتها تدانت منه حتى يتناولها. وقال: ﴿وَذُلِّلَتْ﴾ أي سخرت لهم ﴿قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ أي تسخيراً، يتناولها القائم والقاعد والمضطجع، قال مجاهد: إن قام أحد ارتفعت له، وإن جلس تدلت عليه، وإن اضطجع دنت منه فأكل منها. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: إذا همّ أن يتناول من ثمراتها تدلت إليه حتى يتناول منها ما يريد. وتذليل القطوف هو تسهيل التناول. رزقنا الله ذلك بمنه وكرمه آمين.

стр. 49

وأما قوله تعالى: ﴿قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾: ففي الكشاف للزمخشري، كيف قيل: هذا الذي رزقنا من قبل، وكيف تكون ذات الحاضر عندهم في الجنة هي ذات الذي رزقوه في الدنيا؟ قلت: إن معناه هذا مثل الذي رزقناه من قبل وشبهه بدليل قوله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾، وهذا كقولك: أبو يوسف أبو حنيفة، لاستحكام الشبه كأنّ ذاته ذاته. و (قبلُ) مبني على الضم، لأنه حذف المضاف إليه ونوي ثبوت معناه. قال النحاس: واختلف النحويون في علة ضم قبل وبعد على بعضة عشر قولاً. وليس هذا محله. وقوله: (رزقنا من قبل) فيه ثلاثة أقوال للمفسرين: أحدها: أن المعنى: هذا الذي طمعنا من قبل - يعني في الجنة - فرزق الغداة كرزق العشي، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه والضحاك ومقاتل لن طعام الجنة متشابه الصور كما يحكى عن الحسن

стр. 50

رضي الله عنه أنّ احدهم يؤتى بالصحفة فيأكل منها، ثم يؤتى بأخرى فيراها مثل الأولى فيقول ذلك! فتقول الملائكة: كُل فاللون واحد، والطعم مختلف. الثاني: (هذا الذي رزقنا من قبل) يعني في الدنيا قال ابن مسعود وابن عباس أيضاً وقتادة ومجاهد وابن زيد أي قالوا: هذا الذي رزقناه من ثمرات الجنة مثل الذي كان رزقناه من ثمار الدنيا، أي في الصورة والاسم، وإلا فقد ثبت عن ابن عباس أنه قال: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء. كما تقدم. وإنما جعل ثمر الجنة كثمار الدنيا لتميل النفس إليه حين تراه، فإن الطباع مائلة إلى المألوف نافرة عن غير المعروف. وبيانه: أن الإنسان بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، وإذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه، وعافته نفسه، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد، وتقدم له معه إلف، ورأى فيه مزية ظاهرة، وفضيلة بينة، وتفاوتاً بينه وبين ما عهد بليغاً أفرط ابتهاجه واغتباطه،

стр. 51

وطال استعجابه واستعذابه، وتبين له كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار الغبطة به. ولو كان من جنس لم يعهده وإن كان فائقاً حَسِبَ أنَّ ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك فلا يتبين موقع النعمة حق التبين، بخلاف ما إذا رأوا شيئاً فائقاً من جنس ما رأوه سابقاً فيكون ذلك أبين للفضل وأظهر للمزية، وأجلب للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجئوا بذلك الشيء من غير عهد سابق. الثالث: إن ثمر الجنة إذا جُني خلفه مثله، فإذا رأوا ما خلف المجنى اشتبه عليهم المجني فقالوا هذا الذي رزقنا من قبل. قال يحيى بن أبي كثير وأبو عبيدة. قال أبو عبيدة: إن نخل الجنة نضيد ما بين أصله إلى فرعه، وثمرها كأمثال القلال كلما نزعت ثمرة عادت مكانها أخرى.

стр. 52

لطيفة: أخرج الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما من عبد يسبح الله تسبيحة، أو يحمده تحميدة، أو يكبره تكبيرة إلا غرس الله له بها شجرة في الجنة، أصلها من ذهب وأعلاها من جوهر مكللة بالدر والياقوت، ثمارها كثدي الأبكار، ألين من الزبد وأحلى من العسل، كلما جنى منها شيئاً عاد مكانه مثله. ثم تلا ﴿لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾. وأما قوله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً﴾: فالظاهر أنها جملة مستأنفة، وكلام الزمخشري يشعر بأنها معترضة. وقيل: هي عطف على قالوا. وأتوا - بالبناء للمجهول في قراءة العامة - بمعنى جيئوا به.

стр. 53

وقرأ هارون بن موسى: وأتوا - بفتح الهمزة - بالبناء للفاعل، أي الخدم والولدان أتوا بالرزق. و (متشابهاً): منصوب على الحال من الضمير في (به) العائد على الرزق، بمعنى: المرزوق. والمتشابهة من الشِبْه والشَبَه وهما كالمِثل والمَثَل، والتشبيه: التمثيل، والمشابهة: المماثلة، والأمور المتشابهة: المشكلات، والمتشابهة: المتماثل، وحقيقة المتشابهة: الذي فيه شبه من غيره، حتى يكاد لا يتميز منه. وفي قوله تعالى هنا (متشابهاً) أربعة أقوال للمفسرين: أحدها: انه متشابه أي متماثل في المنظر واللون، مختلف في الطعم، قاله ابن عباس وابن مسعود ومجاهد والربيع بن أنس وأبو العالية والضحاك والسدي ومقاتل.

стр. 54

الثاني: أنه متشابه أي متماثل في جودته، لا رديء فيه ولا فاسد ولا متغير، بل كله خيار، يشبه بعضه بعضاً، قاله الحسن وقتادة وابن جريج. الثالث: أن التشابه إنما هو في الأسماء فقط، دون الألوان والطعوم، قاله أبو زيد والأشجعي، فلا تشبه ثمار الجنة شيئاً من ثمار الدنيا في لون ولا طعم، وإنما تتفق أساميها لا غير، وفي ذلك ترغيبهم في وجود لذات لم يعهدوها ولم يقفوا على غايتها. الرابع: إنه يشبه ثمار الدنيا في الخلقة والاسم والطعم، غير أنه أحسن في المنظر والمطعم، قاله قتادة وابن زيد ويحيى بن سعيد ومحمد بن كعب ومجاهد أيضاً.

стр. 55

وفي ذلك ترغيبهم في طلب ما عرفوه في الدنيا بلونه وطعمه، وزيادة نشاط لهم حيث وجدوا ما اتفقت صورها وتفاوتت معانيها. فإن قيل: فما وجه الامتنان بتشابهه وكلما تنوعت المطاعم واختلفت ألوانها كان أحسن؟ والجواب ما مرّ من انه متشابه في المنظر مختلف في الطعم، وما كان كذلك كان أغرب عند الخلق وأحسن، فإنك لو رأيت تفاحة فيها طعم سائر الفواكه كان نهاية في العجب. وإن قلنا: إنه متشابه في الجودة جاز اختلافه في الألوان والطعوم. وإن قلنا: إنه يشبه صورة ثمار الدنيا مع اختلاف المعاني كان أظرف وأعجب، وكل هذه مطالب مؤثرة.

стр. 56

وأما قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾: فأزواج جمع زوج وهو لغة: البعل، ويطلق على الذكر والأنثى، كما يأتي، ويطلق أيضاً على الذكر والأنثى من كل حيوان قال تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، وعلى الشفع من كل شيء، قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، وعلى الصنف: قال تعالى: ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً﴾، واللون: قال تعالى: ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ أي لون حسن، والقرين: قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾. قال الفراء: أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل: زوج، ويجمعونها على أزواج - يعني - وهذه هي اللغة الفصيحة التي جاء بها القرآن. وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون: زوجة، ويجمعونها على زوجات، انشد أبو الجراح: يا صاحِ بَلِّغ ذوي الزوجاتِ كلَّهُمُ ... أَنْ ليس وصلٌ إذا انحلتْ عُرى الذنبِ

стр. 57

وزعم الأصمعي أن العرب لا تكاد تقول زوجة. وفي تهذيب الأسماء واللغات: أهل نجد يقولون: زوجة للمرأة، وأهل مكة والمدينة يتكلمون بذلك أيضاً. وثبت في صحيحي البخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال في صفة أهل الجنة: لكل واحد منهم زوجتان. هكذا هو في الصحيحين بالتاء، وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: هذه زوجتي فلانة - يعني: صفية - في حديثه الطويل الذي قال فيه: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. والمعنى هنا: ولهم في الجنات زوجات، وهن نساء الدنيا، وحور الجنة جميعاً، ليتم لهم بذلك الأنس والبسط والراحات، وتهنا لهم الجنة والأطعمة والأشربة والكرامات. وقوله سبحانه: (أزواج) - بصيغة الجمع - فيه إشارة إلى تعدد الأزواج في الجنة، وهو كذلك لما أخرج الشيخان البخاري ومسلم عن

стр. 58

أبي هريرة ﵁ أنهم تذاكروا: الرجال أكثر في الجنة أم النساء؟ فقال: ألم يقل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما في الجنة أحد إلا وله زوجتان، إنه ليرى مخ ساقها من وراء سبعين حلة، ما فيها عَزَبُ. وروى الترمذي وصححه والبزار عن أنس رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: يزوج العبد في الجنة بسبعين زوجة. فقيل: يا رسول الله: أيطيقها؟ قال يعطى قوة مئة.

стр. 59

وروى إمامنا أحمد والترمذي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن أدنى أهل الجنة منزلة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة، وينصب له قبة من لؤلؤ وياقوت وزبرجد كما بين الجابية وصنعاء. جعلنا الله من أهل الجنة. آمين. وأما قوله تعالى: ﴿مُّطَهَّرَةٌ﴾: فهذه هي قراءة الجمهور، وقرأ ابن مسعود وزيد بن علي: مطهرات لأنه نعت للنسوة، وهي جمع زوج، وهما لغتان فصيحتان، يقال: النساء فعلن، وهن فاعلات وفواعل والنساء فعلت، وهي فاعلة، فالجمع على اللفظ، والإفراد على تأويل الجماعة، أي جماعة أزواج مطهرة.

стр. 60

وقراء الجمهور أفصح، لأن الأكثر المسموع من العرب في نعت الجمع القليل: الألف والتاء، وفي نعت الجمع الكثير: الهاء وحدها، يقال: أحمر مستنفرات، وحمر مستنفرة، وبيوت خاوية. ولم يقل: طاهرة، لما قال الزجاج: إن مطهرة أبلغ من طاهرة، لأنه للتكثير. وفي الكشاف: فإن قلت: فهلا قيل: طاهرة؟ قلت: في (مطهرة) فخامة لصفتين ليست في طاهرة، وهي الإشعار بأن مطهراً طهرهن، وليس ذلك إلا الله المريد بعباده الصالحين أن يخولهم كل مزية فيما أعد لهم انتهى. والطهارة: النظافة والنزاهة، والفعل منها طَهَرَ - بالفتح - ونقل الضم. واسم الفاعل منها: طاهر. والطهارة: خلاف الدنس، والتطهير: التنزه عن الإثم والقبح. واختف في تطهير نساء الجنة:

стр. 61

فقيل: مطهرات الأبدان في الخلقة، هن من المسك والكافور والعنبر والزعفران لا من التراب والمني والعلقة. وقيل: مطهرات الأبدان في الحال، فليس تحت الجلود دم ولا قيح، ولا في البطون ما في بطون البشر. وقيل: مطهرات الأبدان عن الأمراض والأعراض من الورد والدرن والصداع وسائر الأوجاع. وقيل: مطهرات الأبدان عن الولادة. وقيل: مطهرات الأبدان عما يخرج منها من بول أو مني أو غائط أو حيض أو نفاس أو مخاط أو بلغم. وقيل: مطهرات الأفعال فلا يصاخبن ولا يجادلن ولا يعترضن ولا يُعرضن ولا يغلطن القول ولا يسئن الفعل ولا ينشزن. وقيل: مطهرات الأخلاق فلا يحسدن ولا يحقدن ولا يبغضن ولا يغرن. وقيل: مطهرات من استرابة القلوب بهن فلا يملن إلى غير أزواجهن، ولا يقع في قلوب الرجال ما ينفر طباعهم عنهن.

стр. 62

قلت: كل من هذه الأقوال صحيح في حقهن، فهن - رزقنا الله أزواجاً منهن - مطهرات من الغائط والبول والحيض والنفاس والدرن والمخاط والبزاق والمني والقيء والولد ودنس الطبع وسوء الخلق وكل قذر وكل دنس. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: (مطهرة) نقية من القذر والأذى. وفي الحديث في قوله : ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾: خيرات الأخلاق حسان الوجوه. ويروى: لسن بذربات ولا دفرات ولا فجرات ولا متطلعات، ولا متشرفات ولا متسلطات ولا مائلات ولا طوافات في الطرق، ولا يغرن ولا يؤذين.

стр. 63

وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لا مرحات ولا طماحات، ولا بخرات ولا دفرات حور عين ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾. قال الأوزاعي: خيرات لسن بذربات اللسان ولا يغرن ولا يؤذين. وفي حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها - من رواية الطبراني -: يقلن: ألا نحن الخالدات فلا نموت أبداً، ألا ونحن

стр. 64

الناعمات فلا نبأس أبداً، ألا ونحن المقيمات فلا نظعن أبداً، ألا ونحن الراضيات فلا نسخط أبداً، طوبى لمن كنا له وكان لنا. وروى الطبراني بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهنَّ بأحسن أصوات، ما سمعها أحد قط، إن مما يغنين: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام ينظرن بقرة أعيان وإن مما يغنين: نحن الخالدات فلا نمتنه، نحن الآمنات فلا نخفنه، نحن المقيمات فلا نظعنه. وروى إمامنا أحمد وابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ قال: تنظر إلى وجهها في خدرها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وأنه يكون عليها سبعون ثوباً ينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك.

стр. 65

وروى الطبراني والبيهقي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن المرأة من الحور العين ليرى مخ ساقها من وراء اللحم والعظم من تحت سبعين حلة، كما يرى الشراب الأحمر في الزجاجة البيضاء. وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: لو أن امرأة من نساء أهل الجنة بصقت في سبعة أبحر لكانت تلك الأبحر أحلى من العسل. وروى البزار والطبراني عن سعيد بن عامر بن حِذْيَم رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو أن امرأة من نساء أهل الجنة أشرفت لملأت الأرض ريح مسك، ولأذهبت ضوء الشمس والقمر. فثبت بذلك أنهن مطهرات وأي مطهرات.

стр. 66

لطيفة: اختلف المفسرون في تسميتهن بالحور العين: فقال مجاهد: سميت حوراً لأنه يحار فيها الطرف، باد مخ ساقها من وراء ثيابها، فينظر الناظر وجهه في كبد إحداهن كالمرآة من رقة الجد وصفاء اللون. وقال مكي: سمي نساء الجنة بالحور لبياضهن، ومنه قيل للدقيق: الحُوَّارى، ومنه الحواريون، لبياض ثيابهم. قال: والحور في العين هو شدة سواد الحدقة مع بياض ما حولها، والعين هن الكبيرات الأعين، يقال: امرأة عيناء ورجل أعين. تنبيه: قد ظهر مما قررناه من الأحاديث وغيرها أن الحور كالآدميات من لحم وعظم ومخ ساق وغير ذلك، وهذا أدعى للشهوة، وأقرب للذة، فإن الطباع مائلة إلى المعروف، نافرة عن غير المألوف، وقد سُئلت عن هذا فأفتيت بهذا، والله أعلم.

стр. 67

- وأما قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فاعلم أن مجاميع اللذات إما المسكن وإما المطعم والمشرب وإما المنكح، فوصف تعالى المسكن بقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ والمطعم بقوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً﴾ والمنكح بقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾. ثم هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال كان النعيم منغصاً، والعيش مكدراً فبين تعالى زوال هذا الخوف بقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ فدلت الآية على كمال النعيم والسرور، ومزيد النعمة والحبور،

стр. 68

لأن الخلود هنا هو البقاء الدائم الذي لا انقطاع له ولا غاية لمنتهاه.

стр. 69

وهل يطلق الخلود على ما لا نهاية له ولا انقطاع بطريق الحقيقة أو المجاز؟ قولان: قالت المعتزلة: الخلد هو الثبات اللازم والبقاء الدائم الذي لا ينقطع. واحتجوا على ذلة بالآية وغيرها. وقال ابن الخطيب: قال أصحابنا: الخلد هو الثبات الطويل سواء أدام أم لم يدم. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾، ولو كان التأبيد داخلاً في مفهوم الخلد لكان ذلك تكراراً. وقال بعضهم: حقيقة الخلود الدوام من وقت الابتداء. ولهذا لا يجوز أن يقال لله تعالى أنه خالد، لنه قديم أزلي لا ابتداء له، والبقاءُ الأبدي في الجنة لأهلها هو قول جميع أهل الإسلام، فقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على خلود أهل الجنة فيها أبداً، وعلى ذلك إجماع أهل السنة والجماعة. وأجمعوا على أن عذاب الكفار لا ينقطع كما أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع، يدل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة خلافاً للجهمية حيث ذهبوا إلى أن الجنة والنار تفنيان ويفنى أهلهما، وخلافاً لأبي الهذيل المعتزلي وموافقيه حيث قالوا: ينقطع عذاب الكفار، وله غاية ونهاية، واحتجوا على ذلك بالمنقول والمعقول:

стр. 70

فاحتجوا من القرآن بآيات: الأولى: قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ﴾، فدل هذا النص على انقطاع عذابهم، لأن مدة السموات والأرض متناهية، فلزم أن تكون مدة العقاب منقطعة. الثانية: قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ﴾ استثناء من مدة عذابهم، وذلك يدل على الزوال. الثالثة: قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَاباً﴾ فبين تعالى أن لبثهم في العذاب لا يكون إلا أحقاباً معدودة. وأما المعقول فوجهان: أحدهما: أن معصية الكافر متناهية ومقابلة الجرم المتناهي بعقاب ما لا نهاية له ظلم وهو على الله تعالى محال.

стр. 71

ثانيهما: أن العقاب ضرر خال من النفع فيكون قبيحاً، لأن ذلك النفع لا يرجع إلى الله تعالى لتعاليه عن النفع والضر، ولا إلى العبد لأنه ضرر محض، ولا إلى أهل الجنة لأنهم مشغولون بلذاتهم، فلا فائدة لهم في الالتذاذ بعقاب دائم في حق غيرهم، بل القلوب الرحيمة تتألم بذلك غاية التألم كما هو مشاهد. وقد بينت شبههم والرد عليهم في مؤلف لطيف وسميته توقيف الفريقين على خلود أهل الدارين. وأيضاً: فلأن أهل الجنة لو علموا بالزوال لكانوا في أشد عقوبة، وأهل النار لو علموا بالفناء لكانوا في أشد راحة، فيصير الثواب عقاباً، والعقاب ثواباً. والله أعلم.

стр. 72

خاتمة روى الشيخان البخاري ومسلم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، ويُقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت. فيؤمر به فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود ولا موت فيها، ويا أهل النار خلود ولا موت فيها. ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وأشار بيده إلى الدنيا. وفي لفظ للبخاري: وهم في غفلة، وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا وهم لا يؤمنون. قوله: فيشرئبون - بفتح أوله وسكون المعجمة وفتح الراء بعدها تحتية مهموزة ثم موحدة مشددة - أي يمدون أعناقهم ويرفعون رؤوسهم للنظر.

стр. 73

وروى الحاكم وصححه وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يؤتى بالموت في هيئة كبش أملح فيوقف على الصراط فيقال: يا أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين مخافة أن يخرجوا مما هم فيه فيقال: هل تعرفون هذا. فيقولون: نعم هذا الموت. فيقال: يا أهل النار، فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا مما هم فيه، فيقال: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت. فيؤمر به فيذبح على الصراط، ويقال للفريقين: خلود فيما تجدون لا موت فيها أبداً. والأحاديث في هذا كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية لمن تدبر وتأمل واستبصر، والله أسأل الوفاة على الإسلام والنظر إلى وجهه الكريم في دار السلام آمين.