Полный текст (73 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قال العبد الفقير إلى الله تعالى مرعي بن يوسف الحنبلي المقدسي:
حمداً لك اللهم بديع السموات، وشكراً لك على ما أوليت وواليت من المسرات والبشارات، ألست القائل في تنزيل كتابك المقدس: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ولا علم لنا إلا ما علمتنا، تعلم ما مضى وما هو آت، وصلاة وسلاماً على عبدك المرتضى ورسولك المجتبى ونبيك المصطفى خير البريات، وعلى آله وأصحابه أولي الفضائل والكرامات.
أما بعد: فهذه فوائد مشرقات، وفرائد متفرقات، بعد التفرق مجتمعات، في الكلام على قول رب السموات: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ بحسن عبارات، ورمز إشارات، يلذ بمعانيها مُعانيها، ويظفر بما فيها موافيها، جنحت في الكلام على ذلك لمجرد الظاهر، إذ لكل آية من المعاني ما تضيق به الدفاتر، فإن كلام الله كلام معجز أنيق،
стр. 2
وبحر عميق، لا نهاية لأسراره وعلومه، ولا غاية لمنطوقه ومفهومه، ولا إدراك لحقائق معانيه، ولا وصول لتركيب مبانيه، قال بعض العلماء: إن أحرف القرآن في اللوح المحفوظ، كل حرف كجبل ق، تحت كل حرف معان لا يحيط بها إلا الله تعالى. ولذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه: لو شئت لأوقرت سبعين بعيراً من تفسير فاتحة الكتاب.
стр. 3
وقال بعض العلماء: لكل آية ستون ألف فهم، وما بقي من فهمها أكثر.
وقال آخرون: القرآن يحوي سبعة وسبعين ألف علم، ومئتي علم، ثم يتضاعف ذلك أربعاً.
стр. 4
وفي الإحياء للغزالي: ومَنْ زعم أنه لا معنى للقرآن إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه، وهو مصيب في الإخبار عن نفسه، مخطئ في الحكم برد كافة الخلق إلى درجته، التي هي حده ومَحَطُّه، بل الأخبار والآثار تدل على أن في معاني القرآن متسعاً لأرباب الفهم. ففيه رموز وإشارات، ومعانٍ وعبارات، وتلويح ودلالات، يختص بدركها أهل الفهم من ذوي العنايات.
فنقول في الكلام على هذه الآية بحسب الظاهر، ونحن بالعجز والتقصير معترفون، ومن بحر كرم الله مغترفون: قال الله : ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
стр. 5
مقدمة
في مناسبة هذه الآية لما قبلها
اعلم - أيد الله سبحانه - أن الله سبحانه مدح المؤمنين من أول السورة إلى قوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ وذم الكافرين في آيتين، أولهما ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ عظِيمٌ﴾، ثم ذم المنافقين في ثلاثة عشرة آية، أولها: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ﴾ إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾ ثم لما مدح المؤمنين وذم الكافرين والمنافقين كأنه قيل: هذا المدح والذم لا يستقيمان إلا بتقديم الدلائل على إثبات التوحيد والنبوة والمعاد، فإن أصول الإسلام هي هذه الثلاثة، فلهذا السبب بّن هذه الأصول بالدلائل القاطعة، فبدأ أولاً بإثبات الصانع وتوحيده وبيّن ذلك بخمسة أنواع من الدلائل:
أولها: أنه استدل على التوحيد بأنفسهم، وإليه الإشارة بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾.
ثانيها: بأحوال آبائهم وأجداهم، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾.
стр. 6
ثالثها: بأحوال أهل الأرض، وإليه الإشارة بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً﴾
رابعها: بأحوال أهل السماء، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَالسَّمَاء بِنَاء﴾.
خامسها: بالأحوال الحادثة المتعلقة بالسماء والأرض، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾ فإن السماء كالأب، والأرض كالأم، تنزل قطة من صلب السماء إلى رحم الأرض، فيتولد منها أنواع النبات.
ولما ذكر تعالى هذه الدلائل الخمسة رتب المطلوب عليها فقال: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فهو مشتمل على إثبات الإله، وعلى إثبات كونه واحداً، لأن تلك حوادث، وكل حادث لابد له من محدث، وذلك دليل على وجود الصانع، ولأنها حدثت لا على وجه الخلل والفساد، وذلك دليل على وحدة الصانع ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾.
ثم هنا لطيفة أخرى مرعية في هذه الآية، وهي أنَّ الترتيب الحسن المفيد في هذه الآية: في التعليم من الأظهر فالأظهر، نازلاً إلى الأخفى فالأخفى في الدلائل، لأنه تعالى قال: ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فجعل استدلال كل عاقل بنفسه مقدماً على جميع الاستدلالات لأن إطلاع كل أحد على أحوال نفسه أتم من إطلاعه على أحوال غيره، فيجد بالضرورة
стр. 7
من نفسه أنه
تارة يكون مريضاً، وتارة صحيحاً، وتارة ملتذاً، وتارة متألماً، وتارة شاباً، وتارة شيخاً، والانتقالُ من بعض هذه الصفات إلى غيرها ليس باختياره، ولا باختيار أحد.
وأيضاً: كثيراً ما يجتهد في طلب شيء فلا يجد، وكثيراً ما يكون غافلاً عنه فيحصل، وعند ذلك يعلم كل أحد عند نقض العزائم وفسخ الهمم أنه لابد له من مدبر يكون تدبيره فوق تدبير البشر.
وربما اجتهد العاقل الذكي في الطلب فلا يجد، والغِرُّ الغبي يتيسر له ذلك المطلوب، فعند هذه الاعتبارات يلوح له صدق قول الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه:
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
ويظهر له أن هذه المطالب إنما تحصل وتتيسر بناءً على قسمة قسّام لا تمكن منازعته ومغالبته.
وبالجملة فلما كان اطلاع كل أحد على أحوال نفسه أشدَّ من اطلاعه على أحوال غيره لا جرم قدم هذا الدليل على سائر الدلائل.
стр. 8
ثم يتلوها مرتبة ثانية: وهي علم كلِّ أحد بأحوال آبائه وأجداده، وأهل بلده.
ثم مرتبة ثالثة: وعي معرفة الإنسان بأحوال الأرض التي هي مسكن الخلائق فإنها مختلفة الأجزاء كما قال تعالى: ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾.
ثم مرتبة رابعة: وهي العلم بأحوال الأفلاك، فإن بعضها يخالف البعض في العلو والسفل، والصغر والكبر، والبطو والسرعة، وغير ذلك.
ثم مرتبة خامسة: وهي الأحوال المنزلة من السماء إلى الأرض، وهي نزول القطر من صلب السماء، ووقوعه في رحم الأرض، ثم بعد ذلك يحدث في الأرض الواحدة أنواع من النبات بحيث يخالف كل واحد منها صاحبه في اللون والشكل والطعم والطبع والخاصية، وليس ذلك إلا بفعل قادر مختار، يفعل بالعلم والقدرة، لا بالعلية والطبيعية.
وإذا عرفت ذلك ظهر لك أن لله في ترتيب هذه الدلائل الخمسة، وتقديم بعضها على بعض حكمةً بالغة وأسراراً مرعية، فسبحان مَنْ لا نهاية لعلمه، ولا غاية لحكمته.
стр. 9
ثم إنَّ الله تعالى لما بيّن دلائل إثبات الصانع ووحدانيته، أردف هذه المسألة بمسألة إقامة
الدلالة على نبوة محمد ﷺ وهي قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾، وذلك لأن التحدي وقع بكل القرآن في قوله تعالى: ﴿لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾.
فلما عجزوا عن معارضة كل القرآن أتبعه بالتحدي بعشر سور من القرآن فقال: ﴿بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾.
فلما عجزوا عنه أتبعه بالتحدي بسورة واحدة فقال ها هنا: ﴿بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ﴾.
فلما عجزوا عنه أتبعه بالتحدي بآية فقال: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ﴾.
стр. 10
فلما عجزوا عنه - مع توفر الدواعي - ظهر كونه معجزاً باهراً، وبرهاناً قاهراً.
ثم إنه تعالى أتبع هذه المسألة بمسألة المعاد وهي قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ الآية. كأنه قيل: إنا قدمنا مدح المؤمنين وذم الكافرين والمنافقين، ولو لم يكن معاد يجد المحسن ثمرة إحسانه، ويجد المسيء عاقبة إساءته لم يكن ذلك لائقاً بحكمتي. فلذلك أتبع سبحانه ذكر التوحيد والنبوة بذكر المعاد، وبين
стр. 11
عقاب الكافرين وثواب المطيعين، ومن عادة الله تعالى أنه إذا ذكر الوعيد أن يعقبه بذكر الوعد، فلذلك قال بعده: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ الآية.
إذا تقرر هذا فنقول:
- أما قوله تعالى ﴿وَبَشِّرِ﴾: فالبشارة - بفتح الباء وضمها وكسرها -. وحكى فيها في تهذيب الأسماء واللغات الكسر والضم فقط، وبَشَر وبشّر - بالتخفيف والتشديد - وكذا في المضارع. وبمعنى البشارة والبشر والتبشير والإبشار، يقال: بشّرت فلاناً، أبشره تبشيراً وبشرته - بتخفيف الشين - أبشره بشراً، كقتلته أقلته قتلاً. لغتان. والبشير: المبشر، والبشير: الحسن الوجه، والبشر: الطلاقة، والاستبشار: الفرح والسرور، وتباشير الصبح: أوائله، والبشرة: ظاهر جلد الإنسان.
وأما البشارة فهي أول خبر سارٍّ يرد على الإنسان، وعبارة بعضهم: هي الخبر الصدق السار الذي ليس عند المخبر علمه، ولهذا قال الفقهاء: لو قال لعبيدة: أيكم يبشرني بقدوم فلان فهو حر،
стр. 12
فبشروه معاً: عتق الكل، وفرادى: عتق الأول لأنه هو الذي أفاد خبره
السرور. ولو قال مكان بشرني: أخبرني عتقوا جميعاً، لأنهم جميعاً أخبروه. كذا في الكشاف وابن عادل وغيرهما. والذي نص عليه فقهاؤنا إنما يعتق الأول فقط، كالبشارة.
وسميت بشارة لأنها تؤثر في بشرة الإنسان، ويظهر في بشرة الوجه أثرُ السرور، ومنه سُمي الآدميون بشراً لظهورهم، فإن كانت البشارة خيراً أثرت المسرة والانبساط، وإن كانت شراً أثرت الغم والانقباض. والأغلب في عرف الاستعمال أن تكون البشارة بالخير، والنذارة بالشر، وربما تستعمل البشارة في الشر، ومنه قوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ إلا أن يكون استعمالها في ذلك من باب التهكم بالمخاطب، وهو ظاهر كلام الزمخشري وغيره، فإنه قال: وأما ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ فمن العكس في الكلام الذي يقصد به الاستهزاء الزائد في غيط المستهزأ به وتألمه واعتمامه.
стр. 13
لكن قال ابن فارس وغيره: والبشارة تكون بالخير والشر، فإذا أطلقت كانت في الخير، وإن استعملت في الشر فبقيد، والمقيدة كقول الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
وقال ابن الخازن: البشارة: إيراد الخبر السارة، ثم كثر حتى وضع موضع الخبر سر، أو ساء.
وقال الواحدي: التبشير إيراد الخبر السار الذي يظهر أثره في بشرة المخبر، ثم كثر استعماله حتى صار بمنزلة الإخبار.
стр. 14
فاستعمل في نقيضه كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ وفي تهذيب الأسماء واللغات: قال قوم: أصل التبشير فيما يسر ويغم، لأنه يظهر في بشرة الوجه أثر الغم، كما يظهر أثر السرور.
(وبشِّر) فعل أمر معطوف على الجملة السابقة، من عطف قصة على أخرى فلا يطلب له مشاكل حتى يصح عطفه عليه.
وقُرئ وبُشِّر على صيغة الفعل مبنياً للمفعول، عطفاً على (أُعدت).
وأجاز الزمخشري وأبو البقاء أن يكون (وبَشر) عطفاً على (افتقوا) ليعطف أمر على أمر، ورده أبو حيان بأن (فاتقوا) جواب
стр. 15
الشرط، والمعطوف يكون جواباً أيضاً، لأن حكمه حكمه، ولا يصح هنا، لأن التبشير لا يترتب على قوله (فإن لم تفعلوا).
وأجاز الزمخشري وأبو السعود المفتي أن (وبُشر) - بالبناء للمجهول - معطوف على (أُعدت) كما تقدم. قيل: وهذا فاسد، لأن (أُعدت) صلة (التي)، والمعطوف على الصلة
صلة، اللهم إلا أن يقال: إن (أعدت) مستأنف، والظاهر أنه من تمام الصلة، أو أنه حال من الضمير في (وقودها)، وتعليق التبشير بالموصول للإشعار بأنه معلل بما في حيز الصلة من الإيمان والعمل الصالح لكن لا لذاتهما، فإنهما لا يكافئان النعم السابقة فضلاً عن أن يقتضيا ثوباً مؤبداً فيما يستقبل، بل بجعل الشارع ومقتضى وعده.
стр. 16
والخطاب في قوله (وبشر) للنبي ﷺ .
وقيل: لكل مَنْ يتأتى منه التبشير، وفيه رمز إلى أن الأمر - لعظمه وفخامة شأنه - حقيق بأن يتولى التبشير به في كلُّ من يقدر عليه.
وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِين آمَنُواْ﴾:
فالذين: اسم موصول، محله النصب على المفعولية، وجملة (آمنوا) صلة لا محل لها من الإعراب.
والإيمان لغة: مطلق التصديق. وشرعاً: على ما صرح به الأشعرية وأكثر الأئمة: هو تصديق القلب الجازم بما عُلم ضرورة مجيء الرسول به من عند الله تفصيلاً فيما علم تفصيلاً، كالتوحيد والنبوة والبعث والجزاء وأركان الإسلام الخمس، وإجمالاً فيما علم إجمالاً.
والمراد بتصديق القلب بذلك: إذعانه وقبوله له.
стр. 17
وإنما قلنا بذلك لئلا يرد علينا من صدق بقلبه ولم يذعن كإبليس، وأبي طالب، وذلك شبهة قوية لمن جعل الأعمال من الإيمان، كما اختاره الأكثر، كما يأتي، فإن الكفر - كما في البغوي -: أربعة أنواع: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر عناد، وكفر نفاق.
فكفر الإنكار: هو أن لا يعرف الله أصلاً، ويعترف به.
وكفر الجحود: هو أن يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه، ككفر إبليس ونحوه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾.
وكفر العناد: هو أن يعرف الله بقلبه، ويعترف بلسانه، ولا يدين به ككفر أبي طالب حيث يقول:
ولقد علمت بأنّ دينَ محمدٍ ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامةُ أو حذارُ مسبةٍ ... لوجدتَني سمحاً بذاك مبينا
وأما كفر النفاق: فهو أن يقر باللسان ولا يعتقد بالقلب.
وجميع هذه الأنواع سواء في أن مَنْ لقي الله بواحد منها لا يغفر له وأبو طالب - وإن كان عنده تصديق وإقرار - لكن ليس معه إذعان وقبول.
стр. 18
ولذلك قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: إنَّ مجرد تصديق القلب واللسان مع البغض والاستكبار لا يكون إيماناً باتفاق المسلمين حتى يقترن بالتصديق عمل، وأصل العمل عمل القلب، وهو الحب والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار انتهى.
وقد أفردنا مسألة الإيمان والإسلام وعمومها وخصوصهما، وهل الأعمال من الإيمان؟ وهل هو يزيد وينقص؟ وهل إيمان المقلد صحيح؟ بالتصنيف، وأطلنا الكلام على ذلك، فلا يليق
بهذه الرسالة اللطيفة.
стр. 19
وأما قوله تعالى ﴿وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾:
فهو معطوف على (آمنوا).
قال ابن الخطيب وغيره: هذه الآية تدل على أن الأعمال غير داخلة في الإيمان، لأنه تعالى ذكر الإيمان ثم عطف عليه العمل الصالح، فوجب التغاير، وإلا لزم التكرار، وهو خلاف الأصل انتهى.
يعني: ففي الآية رد على مَنْ جعل العمل من الإيمان، لأن العطف دليل على المغايرة، والذي ذهب إليه جمهور المحدثين والمعتزلة والخوارج أن الإيمان مجموع ثلاثة أمور: اعتقاد الحق، والإقرار به، والعمل بمقتضاه، فمن أخلَّ بالاعتقاد وحده فهو منافق، ومَنْ أخلَّ بالإقرار فهو كافر، ومَنْ أخلَّ بالعمل فهو فاسق إجماعاً، وكافر عند الخوارج، وخارج عن الإيمان غير داخل في الكفر عند المعتزلة، وأما المرجئة فقالوا: الإيمان اعتقاد ونطق فقط، والكرامية قالوا: هو نطق فقط.
وبالجملة: فالعبد إذا فعل فعلاً لا يدل على الكفر، كالفسق: فَمَنْ أطلق عليه الإيمان فبالنظر إلى إقراره، ومَنْ نفي عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله، ومَنْ أطلق عليه الكفر فبالنظر إلى أنه فَعَل فعل الكافر.
стр. 20
وقال المفتي في تفسير: وفي عطف العمل على الإيمان دلالة على تغايرهما، وإشعار بان مدار استحقاق مفهوم البشارة هو مجموع الأمرين، فإنَّ الإيمان أساس، والعمل الصالح كالبناء عليه، ولا اعتبار بأسٍ لا بناء به كذا قال المفتي في تفسيره. وهل ينفع الإيمان ويعتبر بلا عمل؟ على مذهبين:
فمنهم مَنْ قال: إن النطق بالشهادتين شطر من الإيمان وجزء منه داخل في مسماه، وإليه ذهب الإمام النووي ﵀، وحكى الاتفاق عليه، فقال في شرح مسلم: اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على أن المؤمن الذي يُحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار لا يكون إلا مَنْ اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً خالياً من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلاً، إلا إذا عجز عن النطق، لخللٍ في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية، أو لغير ذلك فإنه يكون حينئذ مؤمناً -
стр. 21
يعني بالاعتقاد من غير تلفظ بالشهادتين، وعليه فمدار استحقاق البشارة مجموع الأمرين، وصح كلام المفتي لكن يخرج منه مَنْ لم ينطق بالشهادتين لعذرٍ كما مرَّ.
قلت: ولعل ما حكاه الإمام النووي ﵀ محمول على الكافر الأصلي إذا آمن بقلبه فقط، وإلا فقد اتفقوا على الإسلام بالتبعية، وفي مسائل أخر بلا نطق بالشهادتين.
والذي ذهب إليه جمهور المحققين أنّ النطق بالشهادتين إنما هو شرط لإجراء الأحكام الدنيوية من الصلاة عليه، والتوارث والمناكحة وغيرها،
стр. 22
غير داخل في مسمى الإيمان، وعليه فمن صدق بقلبه ولم يقر بلسانه مع تمكنه من النطق بالشهادتين فهو مؤمن عند الله، ويؤيد ذلك الحديثُ الصحيح، وهو قوله ﷺ : مَنْ مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة. فاقتصر الشارع ﷺ على العلم دون العمل، فظهر بهذا أن الإيمان وحده بدون العمل، به اعتبار وأي اعتبار، وعليه فعطف العمل على الإيمان في الآيات لبيان الأشرف الكامل أو الغالب.
стр. 23
أو إنَّ المراد به المستحق للبشارة من غير سابقة عذابٍ بخلاف مَنْ لم يعمل فهو داخل في المشيئة وإنْ كان لا يخلد في النار، كما دل عليه الحديث الصحيح فتأمل.
فالمؤمن المطيع له الجنة بوعد من الله تعالى من غير تعذيب، والكافر له التعذيب المؤبد بوعيد الله تعالى، والمؤمن العاصي في مشيئة الله تعالى، إن شاء غفر له وأدخله الجنة بلا تعذيب، وإن شاء عذبه بذنبه ثم أدخله الجنة بفضله.
والمراد بالأعمال الصالحات ما يشتمل على كل عمل صالح، وحاصله: كل ما استقام من الأعمال بدليل العقل والنقل، ولا يكون مستقيماً إلا ما فيه الإخلاص والعلم والنية فعن عثمان رضي الله تعالى عنه أن المراد: أخلَصوا الأعمال. يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ والمرائي لا يكون عمله صالحاً لأنه لا يكون خالصاً، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾،
стр. 24
وقوله ﷺ في الصحيح: قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا منه بريء، وهو كله للذي أشرك.
قال ابن تيمية: وهذا هو التوحيد الذي هو أصل الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله، وله خلق الخلق، وهو حقه على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. ولهذا كان الإمام عمر بن الخطاب يقول: اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
стр. 25
وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾. قال: أخلصه وأصوبه. فقيل له: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون صواباً خالصاً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة.
وقال سعيد بن جبير والحسن البصري: لا يُقبل قول إلا بعمل، ولا يقبل قول وعمل إلا بنية، ولا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة، وهي الشريعة.
وفي حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: العلم إمام العمل، والعمل تابعه. وهذا ظاهر فإنَّ القصد والعمل إنْ لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى، وهذا مشاهد فإنَّ كثيراً من الناس مَنْ يتعبد بعبادات لم يأمر الله بها، بل قد نهى عنها.
وقيل في تفسير الآية ما رُوي عن علي كرم الله وجهه: إن المراد وأقاموا الصلوات المفروضات.
وقال معاذ بن جبل ﵁: العمل الصالح الذي يكون فيه أربعة أشياء: العلم والنية والصبر والإخلاص.
стр. 26
وقال سهل بن عبد الله: (وعملوا الصالحات) أي لزموا السنة، لأن عمل المبتدع لا يكون صالحاً البتة.
وقال بعضهم: أدوا الأمانات. وقيل: أدوا الفرائض، واجتنبوا المحارم.
وقيل: الأعمال الصالحات نوعان: أعمال بينك وبين العباد كأداء الأمانات، والوفاء بالعهود، وقضاء الحقوق، وصلة الأرحام.
وأعمال بينك وبين الله تعالى وهي نوعان: ظاهرة وباطنة، فالظاهرة: أداء الشرائع كالصلاة والزكاة والصوم والحج والطهارة. والباطنة: صفات القلب، كالتوكل والرضا بالقضاء، والصبر في البلاء، والشكر في الرخاء. والأمر في ذلك سهل.
стр. 27
وأما قوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾:
فالجار والمجرور خبر (أن) مقدم، والتحقيق أن الخبر متعلق الظرف، و (جنات): اسمها مؤخر، و (أن) وما في حيزها في محل جر عند الخليل والكسائي، ونصب عند سيبويه والفراء، لأن الأصل: وبشر الذين آمنوا بأن لهم، فحذف حرف الجر مع أنَّ، وهو حذف مطرد معها، ومع أن الناصبة، ويظهر أثر ذلك في التابع، كقول الشاعر:
وما زرتُ ليلى أن تكون حبيبة ... إليَّ ولا دَيْنٍ بها أنا طالبُهْ
стр. 28
فعطف دين بالجر على محل أن يُبين كونها مجرورة.
واللام من الحروف الجارة للظاهر والمضمر لكن تكسر مع الظاهر إلا في الاستغاثة، وتفتح مع الضمير، كما هنا، إلا مع ضمير ياء المتكلم نحو: لي.
واللام أكثر الحروف معاني:
فهي للملك، نحو: المال لزيد.
وللاختصاص، نحو: الجنة للمؤمنين.
وللاستحقاق، نحو: النار للكافرين.
وللتعليل، نحو: قمت لك.
وللتعجب: نحو: لله درك.
وللاستعلاء، نحو: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ﴾.
وللقسم، نحو: لله لا يؤخر الأجل.
وللوقت، نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾.
وللتاريخ، نحو: كتب لخمس خلون من رمضان.
стр. 29
وللعاقبة، نحو: لدوا للموت وابنوا للخراب.
وبمعنى في نحو: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
وبمعنى بعد نحو: صوموا لرؤيته أي بعد رؤيته.
وبمعنى إلى نحو: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾.
وبمعنى مع نحو:
فلمّا تفارقنا كأنّي ومالكاً ... لطولِ اجتماعٍ لم نبتْ ليلةً معا
стр. 30
وبمعنى من نحو:
وإنّ قرينَ السوء لستَ بواجدٍ ... له راحةً - ما عشتَ - حتى تفارقَهْ
وزائدة، نحو: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾.
وللجزاء، نحو: لو جئتني لأكرمتك.
وللأمر، نحو: لتضرب.
وللتأكيد، نحو: إنه لقائم.
وللابتداء، نحو: لزيد قائم.
وللتعريف، نحو: الرجل عن الأخفش، وأحد قولي سيبويه.
وللجنس.
وللعهد.
و (جنات) جمع جنة، وسميت الجنة لاستتار أرضها بأشجارها، أو لأنها تستر وتظل من يكون فيها بما فيها من الشجر، ومنه سمي الجن جناً لاستتارهم، والجنين من ذلك، والدرع جنة، وجن الليل إذا ستر، والجنون يستر العقل.
стр. 31
وعن بعضهم: إن الجنة كل بستان فيه نخل. وقال الفراء: الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه الكرم.
وقال الزجاج: كل نبت كثف وكثر وستر بعضُه بعضهاً فهو جنة.
وقيل: الجنة البستان فيه النخيل والشجر المتكاتف، وسُميت دار الثواب جنة لما فيها من الجنان.
وفي قوله سبحانه: (جنات) - بصيغة الجمع - إشهار بتعددها، وهو كذلك فإنّ الجنة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنات كثيرة مرتبة على حسب استحقاقات العاملين، لكل طبقة منهم جنة من تلك الجنان،
стр. 32
لكن اختلفوا في مقدار عدتها: فقال القرطبي: قيل: الجنان سبع: دار الجلال ودار السلام ودار الخلد وجنة عدن وجنة المأوى وجنة نعيم وجنة الفردوس. وزاد بعضهم: عليين، ففي حديث البراء بن عازب يرفعه: أن عليين تحت العرش.
وفي بعض التفاسير: هي ثمان قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هي دار الجلال ودار القرار ودار السلام وجنة عدن - وهي قصبة الجنة ومشرفة على الجنان كلها -
وجنة المأوى وجنة الخلد وجنة الفردوس وجنة نعيم.
стр. 33
وقيل: الجنان أربع فقط، واختاره الحليمي لما روى إمامنا أحمد والطيالسي والبيهقي عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : جنات الفردوس أربع: جنتان من ذهب، حلتهما وآنيتهما وما فيهما. وجنتان من فضة، حليتهما وآنيتهما وما فيهما الحديث. وهذه الأربع توصف بالمأوى والخلد والعدن والسلام.
قال ابن زيد: هي أربع: جنتان للمقربين السابقين، فيهما من كل فاكهة زوجان، وجنتان لأصحاب اليمين والتابعين.
стр. 34
لطيفة: روى ابن أبي الدنيا عن انس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: خلق الله جنة عدن بيده، بناها لبنة من درة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زمردة خضراء، مِلاطها المسك، وحشيشها الزعفران، وحصباؤها اللؤلؤ، وترابها العنبر، ثم قال لها: انطقي. فقالت: قد أفلح المؤمنون. فقال: وعزتي وجلالي لا يجاورني فيه بخيل.
تنبيه: قال ابن عادل: هذه الآيات صريحة في أنّ الجنة والنار مخلوقتان، لأنه تعالى قال في صفة النار ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وقال في صفة الجنة، في آية أخرى ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقال ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ وهذا إخبار عن وقوع هذا الملك وحصوله، وحصول الملك في الحال يقتضي حصول المحلول - كذا قال - في الحال، فدل على أنَّ الجنة والنار مخلوقتان انتهى.
стр. 35
وإلى القول بأنهما مخلوقتان ذهب جمهور الأمة، وذهب طائفة من المعتزلة والخوارج إلى أنهما لم تُخلقا بعد، وبه قال منذر بن سعيد البلوطي، واحتجوا بقول امرأة فرعون ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ﴾، وبما جاء في الأحاديث الصحيحة: من عمل كذا غرس له في الجنة كذا. قالوا: لو كانت الجنة مخلوقة لم يكن للدعاء في استئناف الغرس والبناء فائدة.
وأجيب: بأنه لا مانع من أن يحدث الله في الجنة أشياء ينعم بها على عباده شيئاً بعد شيء، وحالاً بعد حال، فيحدث فيها ما شاء من البنيان والغرس، كما أن الأرض مخلوقة ثم يحدث الله تعالى فيها ما يشاء من بنيان وغيره.
стр. 36
والدليل على وجود الجنة الآن ما مر، وقوله تعالى: ﴿يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾
وقوله تعالى: ﴿عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾، وقوله ﷺ في حديث الترمذي وصححه -: لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل ﵇ إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعدت لأهلها فيها. قال: فجاء ونظر إليها. . . الحديث.
وذكرُ أدلة كل من الفريقين في هذه المسألة مما يطول، وقد أطال العلامة ابن القيم الكلام على ذلك في أول كتابه حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح فراجعه.
قال الزمخشري: والذي يقول إنها مخلوقة - يعني الجنة - يستدل بسكنى آدم وحواء الجنة، وبمجيئها في القرآن على نهج الأسماء الغالبة اللاحقة بالأعلام، كالنبي والرسول والكتاب انتهى.
стр. 37
قلت: وعلى هذا التعليل فالصراط والميزان والحوض مخلوقة الآن لمجيئها على نهج الأسماء الغالبة فتأمل فإنه جيد، وهو حق إن شاء الله تعالى.
وأما قوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾:
فاللام في (الأنهار) للجنس، كما في قولك: لفلان بستان فيه الماء الجاري، أو عوض من المضاف إليه على رأي بعض الكوفيين، كما في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً﴾.
أو للعهد والإشهار إلى ما ذكر في قوله سبحانه: ﴿أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ﴾.
стр. 38
وفي الكشاف: ولولا أن الماء الجاري من النعمة العظمى واللذة الكبرى، وأن الجنان والرياض وإن كانت آنق شيء وأحسنه لا تروق النواظر ولا تبهج الأنفس ولا تجلب الأريحية والنشاط حتى يجري فيها الماء، وإلا كان الأنس الأعظم فائتاً، والسرور الأوفر مفقوداً، وكانت كتماثيل لا أرواح فيها، وصور لا حياة لها، لما جاء الله بذكر الجنات إلا مشفوعاً بذكر الأنهار الجارية من تحتها، مسوقين على قران واحد كالشيئين لابد لأحدهما من صاحبه، ولما قدمه على سائر نعوتها.
والنهر - بفتح الهاء وسكونها -: المجرى الواسع، فوق الجدول، ودون البحر، كالنيل والفرات. والمراد بها ماؤها على الإضمار، أو على المجاز، كما في سال الميزاب، يقال: جرى الماء يجري جرياً وجرية وجرياناً، أي: سال.
стр. 39
وفي ابن عادل: وهل النهر هو مجرى الماء، أو الماء الجاري نفسه؟ الأول أظهر، لأنه مشتق من نهرت أي وسعت، ومنه النهار لاتساع ضوئه، وقوله ﵊: ما أنهر الدم معناه: ما وسع المذبح حتى يجري الدم كالنهر.
فإن قيل بأن النهر اسم للماء الجاري، فنسبة الجري إليه حقيقة. وإن قيل للأخدود فنسبة الجري إليه مجاز انتهى.
و (تحت): بمعنى سفل، والمراد تجري من تحت شجرها أو قصورها لا من تحت أرضها، وإنما نحتاج إلى هذا التقدير إذا قيل بأن الجنة هي الأرض ذات الشجر. وأما إذا قيل بأنها الشجر نفسه فلا حاجة إلى ذلك.
وعلى كل تقدير فأنهار الجنة ليست تجري في أخدود، بل على وجه أرض الجنة منضبطة بالقدرة، لما روى أبو نعيم وابن مردويه والضياء عن انس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود
стр. 40
في الأرض؟ لا والله إنها لسائحة على وجه الأرض، حافتاها خيام اللؤلؤ، وطينها المسك الأذفر. قلت: يا رسول الله، ما الأذفر؟ قال: الذي لا خلط معه.
وأخرجه ابن أبي الدنيا عن انس رضي الله تعالى عنه موقوفاً، قال المنذري: وهو أشبه بالصواب. وروى الترمذي وصححه والبيهقي عن معاوية بن حيدة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد.
следующие страницы →