← Адаб

Адаб · id 36077

اللؤلؤ في الأدب

محمد توفيق البكري

Полный текст (112 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الفنزج أي البالو صفة ليلة من ليالي الشتاء ليلةٌ أضحيانةٌ قمراءُ، من ليالي الشّتاءِ، وأفقِ سجسج، كأنّه روضُ البنفسجِ، وهواءٌ رقَّ وطاب، فكأنّه عتابٌ بين أحباب، وكأنّما استدار الزّمان، وكأنّ أزار نيسان وقد أخذت (فينا) زخرفها، ولبست رفرفها، فحيثما كنت فأجنحة الطواويس، وأرواح الفراديس، وأصوات النواقيس.

стр. 2

وصف القصر وثمّ قصر على النّهر كأنّه قصر غمدان، أو خورنق النعمان أو السّدير، أو القصر الكبير أو الزّاهر، أو دار ابن طاهر، أو الجعفريّ، أو الإيوان الكسرويّ. دور ومقاصير هذا القصر قد ارتفعت قبابَهُ في الأجواءِ، فكأنّ أبراجَهُ أبراج السّماءِ، وكأنّ كلّ ردهةٍ بطحاء، وكلّ روضةٍ صنعاء، بلاط وخندق، ودارات وديسق، وأبهاء وجوسق وكهرباء تضيء الأرجاء، كأنّها بدر، أو فجر.

стр. 3

وصلتُ إلى ذلك القصر ففُتِحَ الباب. وكُشِفَ الحجاب. فإذا جنةٌ وحرير. وملكٌ كبير. ودنيا في دار. وليل ونهار، ووجوه تشرق وحليٌّ يَبرق. وقبابٌ وشراعات. ومقاصيرٌ وسرادقات. وحنى كعطوف القسى. وصحون. في فسحة الظّنون. تقدَّر بالأفكار. لا بالأبصار وسقوفٍ من مرمر وأرضٍ من عرعر وكأنّ كلّ سقفٍ لوحٌ مصور. وكلّ أرضٍ روضٌ منوّر. وإذا نظرت إلى غرائب سقفه ... أبصرت روضاً في السّماء نضيرا وَضَعَتْ به صُنّاعُها أقلامَها ... فَأَرَتْكَ كلّ طريدةٍ تصويرا وأبواب. كأنّها في حُسْنِها أبوابٌ من كتاب. في مصراعين كعاشقين. فتلاقٍ وافتراق. فأبوابُها أثوابُها من نقوشِها ... فلا ظلمٌ إلاّ حين تُرْخى ستورها وإذا الحجراتُ قد فُرِشَتْ بأراضٍ. كأنّه قطع الرّياض بسطٌ أجادَ الرّسمُ صانِعُها ... وَزَها عليها النَّقشِ والشَّكل

стр. 4

فيكادُ يقطفُ من أزاهِرها ... ويكادُ يسقطُ فوقها النَّحل ورُصفت في جوانبها أرائِك وحجل وطوارق وكلل وشوار وإنماط. وزرابي. ورياط ومطارح من ديباج ونضائد من عاج. عليها قطوع من سمّور وسنجاب. وعروش من إستبرق وزرياب في ألوان الحيقطان. وأجنحة الفواخت والورشان. حتّى اتّكأْنَ على فرشٍ يُزَيِّنُها ... من جَيِّدِ الرقم أزواج تهاويل فيها الطّيور وفيها الأُسْدُ مُخدرة ... من كل شيءٍ ترى فيها تماثيل وقد رُكِّزتْ في الحيطان صفوف من مشاجب ورفوف عليها آنية عادية. وعساس صينية وصحاف وسكرجات. وأجفان وطرجهارات. وبين ذلك مرايا تتقابل فتجمع الآحاد. وتعدّد الأفراد. إنْ وقفَتْ أمامها الحسناء. رأيت بدر السّماء في عين

стр. 5

ماء حسنٌ لا نظير له في البريّة. إلّا صورته على الماويّة فإن انصرَفَتْ عنها تركتها كربع خلاء أو صحيفة بيضاء. أو قلب ذي ملالة لا يثبت فيه إلّا ما كان حياله. وقام في الأركان تماثيلَ وتصاويرَ وأنصابَ وقواريرَ ممّا صنع (أوفرباخ) و (مليسونيا) و (ولمباخ) فكأنّما الدّار زون. أو معرض فنون وقد وُضِعَ في الأبهاء موقدٌ للاصطلاءِ كأنّ الجمر فيها نظر محنّق أو نار المحلّق وكأنّ الرّماد عليه عثير وأحاط بالدّار نوافذ وطاق. تطلُّ على الآفاق وتنظر الرّوضَ. والحوضَ. والمدينةَ والزّينةَ. فمِنْ شُهبٍ تمتدُّ في الجوِّ مصعدا ... وتلوي على جنبيه مثل الأراقم

стр. 6

وتمطر فيه لؤلؤاً وزبرجدا ... شآبيبُ منها ساجمٌ بعد ساجمِ فطوراً ترى أنّ السّماء حديقة ... تَفَتَّحَ فيها النّور بين الكمائم وحيناً ترى أنّ الحديقةّ في الدُّجى ... سماء تهاوي بالنّجومِ الرَّواجم أمّا الأضواء والأنوار. فالشّمس في ضحوة النّهار. قد عُلِّقَتْ بالسّقوف. وتألّقت في الرُّفوف. وتلوَّنت كالأزهارِ وتشكَّلت كالأثمارِ وتدلَّت بينها الثُّريات كأنّها أشجارٌ مفتَّحة النوَّار وكأنّ أقياسها آذان جيادٍ أو عيون جرادٍ أو قطع أفلاذٍ أو صفائح فولاذٍ أو ذبالٍ على أسلِّ أو مرآةٍ في كفِّ الأشلِّ. فيا لكَ من ليلٍ كأنَّ نجومه ... بكل مغار الفتل شدَّت بيذبل

стр. 7

جمال النساء في باريس حسان هذا القصر وثمّ الخرد الحسان. كاللؤلؤ والعقيان. من كل عطبولٍ رفلة أو أسحلانةٍ ربلة. أو خليفٍ بهتانة. أو رهرهةٍ فينانة. أو لاعةٍ سيفانة. صدورٌ كالأغريض أو صدورُ البزاةِ البيض. وسواعدُ كأنّها شماريخَ من ماسٍ. أو مرمرٍ نحته فدياس وعيونُ كأنّ بين أهدابها رام من بني ثعل. أو أسدُ بين طرفاءٍ وأسلّ. أو أنّها

стр. 8

نرجسٌ عطشان. أو سيوفٌ تقتلُ وهي في الأجفان، وقد امتزجَ فيها الفتر بالحُور، فهي سكرى ولا مُدام. ووسنى ولا مَنام وفمٌ كأنّه أقحوانةٌ لم تتصوّح. ووردةٌ لم تتفتّح. يضحكُ عن جُمان. ويتنفّسُ عن ريحان. وينطقُ عن ألحان وخدودٌ كنارِ أخدود أو تفاح. أو ماءٍ وراح. أو الشّفق في الصّباح وردٌ يفتحه النظر. ويشعشعه الخفر. كأنّ حياءهُ الجُلَّنار. وبياضهُ ماءٌ واقفٌ جار. إذا مَشَيْتِ على الحصباءِ صيَّرَها ... شعاعُ خدَّيْكِ ياقوتاً ومرجانا

стр. 9

ما عليهن من الوشى والأكسية وقد اتشحْن بروداً من إبريسم وخز. وإستبرق وقز. كأنّها رقراق السّراب. أو برود الشّباب. كأنّ ألوانها أصيلٌ شفّ عنه غمام: أو أشعة الشّمس في أطواقِ الحَمام. حليهن وعليهنّ الحليّ من أربة وداح ويارج ووشاح. وقرمل وعضاد. ونقرس وزراد خاتم فارد. كأنّه عطارد. وسوار لمّاع. كأنّه الهلال في الذّراع. الموسيقى ثمّ صَدَحَتِ الموسيقات. وترنَّمت الكنارات. من دريج وصنج وزمخر وونج.

стр. 10

فكأنّما جاوب البلبل الهزار في الأسحار. وشدا مخارق وزنام، بالأنغام وكأنّما تلك الأصوات نسيمٌ عليل. والقوم أغصانٌ وكلُّ آلةٍ صور إسرافيل ينفخ الأرواح في الأبدانِ وإذا بالفتيانِ والغيدِ الحسانِ. والأسوارِ: وذات السّور. قد وثبوا للفنزج في المدرجِ.

стр. 11

المرقص أثناء الرقص وإذا فُلْكٌ يدور بالكواكب، من الكواعب، وإذا إعصارٌ أو حرفٌ جار، أو مهارى في خبب أو نجومٌ ذوات ذنب. فناهيك بسير النضناض على الرضراض أو مشي القطا الكدري في الدمث الندى ونفرة السرب للشرب. حركاتٍ كأنّها لخفَّتِها سكون. وسيرٍ كسير الشّمس لا تستبينه العيون.

стр. 12

وأمشاطٍ لا تكاد تمسّ الأرض كأنّها آس يجسُّ النبض. وكأنّما الخصور ماء. والصّدور هواء. والأعناق أطواق. والسّواعد مسائد. والألحان ميزان. من كلِّ مائسةِ الأعطاف يجذبها ... موارٌ دعصٌ من الكثبان ممطور ترعى الضرب بكفّيها وأرجلها ... وتحفظ الأصل من نقصٍ وتغيير وتغرب الرّقص من لحنٍ فتلحقه ... ما يلحقُ النَّحوَ من حذفٍ وتقدير

стр. 13

وفي يديها غضيض الطرفِ ذو هَيَفٍ ... صاحي اللواحظِ يثني عطف مخمور تظلّمت وجنتاه وهي ظالمةٌ ... وطرفه ساحرٌ في ذي مسحور البوفيه ولمّا انتصفَ اللّيل شطرين. وأمسى بين بين. رُفِعَتِ الرِّياط عن قاعة السّماط فإذا زخاري ورواء وزبرج وبهاء، وبنودٌ تخفق، وتهاويلُ تألق، وصحافٌ من جزع وجام من ينع، وغرب وأكواب، وصراحيّات وعلاب وقذمور وورسى، وخزفٌ صينيٌّ

стр. 14

وفي كلِّ ركنٍ روضةٌ معيشةٌ وبنانةٌ مخصبةٌ ونوردجةُ نوّار، ورعلة أرطاب وأزهار، فكأنّما القاعة جونة عطّار، أو أيكة غب قطار. وبين ذلك سماطُ المُعِزِّ في قاعة الذهب، وجفنة ابن جدعان في العرب وقطعٍ من نون أو لحمِ طيرٍ ممّا يشتهون، وطباهجة وخواذب، وصلائق وصناب والسّلج والرشراش والقتن والهشاش والفانيد والمسير، واللوزينج والمزعفر وأثمارٍ

стр. 15

جنيّةٍ من مشلوز وملاحية، وجوح صنوان، ومن كلِّ فاكهةٍ زوجان ورحيقٍ من قرقف وقنديل، ودازي وسلسبيل، في ريح العنبر الورد، ومزاج العطري والبند موائد لا يفنى ما عليها ولا ينفذ كأنَّه نعيم أهل الجنَّةِ، كلّما فني يتجدد.

стр. 16

الخمر الشراب وقواريره خمرٌ كأنّها الزبخ، أو المريخ، عين الشّمس في كأسٍ وياقوتٍ مذابٍ في أكوابِ شعلةٍ شعلاء، يوقدها الماء برقٌ في غمامة، ووردٌ في كمامة مني ومنون، وريقُ ليلى في فمِ المجنونِ كأنّها سراجٌ يوقَدُ في زجاجٍ، أو إكسيرٍ، أو دمعٍ طليقٍ على أسيرٍ، أو دينارٍ منقوشٍ، أو ورقِ المردقوشِ أو عمودٍ من صباح، بين السّقاةِ والأقداحِ وكأنّ حُبَبَها عِقْدٌ، أو دمعٌ على خدٍ،

стр. 17

أو لام والماء حسام منظام يُكَبِّرُ المحسوس، في النفوسِ، إن فرح وإن ترح، تبعث على الصّدق في النّطق فتعقد اللّسان للكتمان تحكُمُ في العقلِ حُكْمَ مَنْ جار، أو حكم الزّمان في الأحرار شربٌ يلذّه غير الظمآن ولا يُروى المرء منه وهو صديان، وسقى بنبت الورد في الخدود والرنح في القدود كأنّها في النّفس روحُ الرّجاء وراحةُ اليأس منطادٌ يخرج بالنّفوس، من هذا العالمِ المنكوسِ جمرٌ ولا شرر، ونفعٌ أقلُّ من ضرر.

стр. 18

انتهاء الليل وانصراف الناس ولمّا هم اللّيل، بطي الذّيل، وأشرف الظّلام، على الانصرام، هبَّ الأضيافُ للانصراف، فإذا كلّ إنسانٍ يتكلم بترجمان، وينظر إلى الأنام، بعينٍ إنسانها قد نام، نثبت في خلج، وتماسك في فلج وإذا زهرٌ منثور، ودخانٌ منشور، وقدحٌ مكسور، وجميلٌ مخمور، وليلٌ كالغداف، وندى ببلِّ الطراف، وقرٌّ لو رميتَ فيه كأس الرحيق، عاد عقداً من عقيق. وكواكب كأنّها أعينٌ حول، أو زهرٌ مطلول، أو عقدٌ منتثر أو جلدُ نمر، فما زال الجمع ينصرف، واللّيل ينكشف، حتّى بدا الصّباح في التّخوم، بين النّجوم، كأنّه غديرٌ منبجس، في روضةِ نرجس أو سيلٌ طمى على نوار أو ملاءة، جمعت لؤلؤ النثار فغاب في ذلك الضّياء، كواكب الأرض والسّماء.

стр. 19

الرحلة إلى القسطنطينية نهضتُ من القاهرة المُعَزِّيّة، قاصداً القسطنطينيّة، وهي بلدُ الإمامِ ومدينةُ السّلامِ، ودارُ خلافةِ الإسلامِ، فركبتُ سفينة عدوليّة إلى الثّغور الفرنجيّة فجرى بنا الفلك في خضمٍّ عجاج ملتطمِ الأمواج، أخضرِ الجلد، كأنّه إفرند بحرٍ عباب، لا يقطِّعْهُ الخليل بأوتادٍ وأسباب، تصطخبُ فيه النينان، وتضطرب الدعاميص والحيتان. سير السفينة في البحر وأخذتِ السّفينةُ تشقُّ اليمّ، شقّ الجلم، في ريحٍ رخاء، أو زعزعٍ

стр. 20

ونكباء، فهي تارة في طريقٍ معبّد، وميثٍ مطرّد، وطوراً فوق حزنٍ وقردد، وصرحٍ ممرَّد، فبينما هي تنساب، كالحباب، إذا هي تلحق بالرّباب، وتحلّق كالعُقاب، فتحسبها تارةً تحت القتام جبلاً تقشع عنه الغمام، وتخالها مرةً عائماً على شفا، قد غاب إلّا هامةً أو كتفاً. وصف البحر والبحر آونةٌ كالزّجاجِ الندي، أو السّيف الصدي، يلوح كالصّفيحةِ المدحوّة، أو المرآة المجلوّة. وحيناً يضرب زخاره، ويموج مواره، فكأنّما سيّرت الجبال، وكأنّما ترى قباباً فوق أفيال وكأنّ قبوراً في اليمِّ تُحْفَرْ وألويةً عليه تُنْشَرْ، وكأنّ العِدّ يمخض عن زبد. وكأنّ الدوي من جرجرة الآذي، زئير الأسد، وهزيم الرّعد.

стр. 21

الأصيل في الماء فإذا كان الأصيل وسرى النسيم العليل، رأيت البحر كأنّه مبرد، أو درع مسرد، أو أنّه ماوية، تنظر السماء فيها وجهها بكرةً وعشية، وكأنّما كُسِرَ فيه الحلي، أو مُزِجَ بالرَّحيقِ القرطبلي وكأنّما هو قلائد العقيان، أو زجاجة المصوّر يؤلِّفُ عليها الأصباغ والألوان حتّى إذا أخضل اللّيل، وأرخى الذّيل. وصف الهلال بدأ الهلال كأنّه خنجرٌ من ضياء يشقُّ الظلماء، أو قلادةٌ، أو سوارُ غادةٍ، أو سنانٌ لواه الضِّراب، أو اللّيل فيلٌ وهو ناب أو عرجونٌ قديم، أو نونٌ من خطِّ ابن العديم أو برثنُ

стр. 22

ضيغم، أو مخلبُ قشعم أو ماءٌ خرج من أنبوبٍ في روض، أو ثمدٌ في أسفلِ حوض، أو وشيٌ مرقوم، أو دملجٌ من فضةٍ مقصوم أو قلّامة ظفر، أو صنّارٌ في شبكٍ في بحر. أيا ضوَء الهلالِ لطفت جداً ... كأنّك في فمِ الدُّنيا ابتسام يحبب لي سَناك العشق حتّى ... يصاحبني وأصحبه الغرام الليل والنجوم ثمّ إذا غاب الهلال وتوارى في الحجال. ألفيت الكونَ من السّوادِ في لبوس حديد أو لباس حدّاد وكأنّما الماء سماء، وكأنّ السماء ماء، وكأنّ النّجوم درٌّ، يموج في بحرٍ، أو ثقوبٌ في قبةِ الدّيجورِ، يلوح منها النّور، أو سكاك دلاص، أو فلقٌ وصاص أو عيونٌ جراد، أو جمرٌ في رماد، أو الماء، صفائحُ فضّةٍ بيضاء، سُمِّرَتْ بمساميرٍ صغار، من نضارٍ فلا تفتأ السّفينة تكابد الويل، من البحر واللّيل، حتّى يلوح من الأفق الضّياء، كابتسام

стр. 23

الشّفةِ اللّمياء فإذا السّفينة كأنّها سرٌّ كتمه الظّلام، وكشفه الضرام. الغذاء وكان غذاؤنا قطعاً من نون، ولحمَ طيرٍ ممّا يشتهون، وفاكهةً وأباً، وماءً عذباً، وفانيذاً مروقاً، وجلّاباً مصفقاً. الشراب أمّا الشّرب من الركب، فيطوف عليهم سقاة كجمّاع الثريا، بأقداح الحميّا وفي كلِّ مكان، أرائك وإيوان، وأضواء تبهر، وشموع تزهر، وناي ومزمر، وحديث وسُمَّر، فكأنّما نحن في المدينة لا في السّفينة، وفي أندرين أو جدر، لا في ذات ألواح ودسر وبعد ثلاثة أيام وكسر، قضيناها في البحر، وصلنا إلى أوروبا، فإذا أرضٍ أريضة، وبلادٍ عريضة، وجنةٍ وحرير وملكٍ كبير

стр. 24

كبرت حول ديارهم لمّا بدت منها الشّموس وليس فيها المشرق ثمّ بعد برهة من الزّمن نهضنا للظعن ورحلنا إلى القسطنطينيّة. وابور البر أثناء السير فركبنا إليها وابور البرّ في ليلة عريّةٍ فسرى بنا وكأنّه ثعبان، له عينان تقدّان، ينساب في القيعان، ويلتوي على الرعان أو أنّه مُبْتَدَأ متعدّد الأخبار، أو كلم مجرورة بحرف جار، أو أنّه بيت ذو تقطيع، من البحر السّريع فتارةً وعلٌ على الجبال، وأخرى جدولٌ بين الأدغال، وآونةً ينطلق كالجراد، ومرّةً يثبُ كالجراد

стр. 25

وقد يدور في الصّعيد كالخذروف الوليد، إن ارتقى فدعوة المظلوم، أو انحط فروح الظّلوم. أسرى في الليالي من طيف الخيال، وأمضي في الذّهاب من العقاب،﴾ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ﴿كأنّه غراب البين، إن نعب ففرقة بين اثنين، لمّا زال يطوي المنازل طي السجل، بين ارتحال وحلّ، إلى أن وصلنا دار السّعادة، وألفينا بها عصا الوفادة.

стр. 26

جامع أيا صوفية في القسطنطينيّة اليوم محال، تُشَدُّ إليها الرّحال، وتُضْرَبُ بها الأمثال، فمن ذلك (أيا صوفية) وما أدراك ما هيه، مسجدٌ كأنّه هيكل، لجبلٍ قد طرح تربَهُ ورِضامَهُ، ورُكِّبَتْ أحجاره وعظامه قبّة جوفاء، كأنّها قبّة السّماء، فإنْ أوقدت رأيت بها الكواكب غير سائرةٍ، والأفلاك غير دائرةٍ، ودعائم كلّ دعامة كالحقِّ استقامة وأرض من مرمرٍ آلاق، وحجرٍ برّاق، يصف ما يحيط به من الأشياء، فكأنّه في وجه مرآة وضاء، وكأنّما تلتمع السّيوف في تلك السّقوف، ويكاد يرى القمر في ماء ذلك الحجر إلى محاريب وحنايا، وخبايا وزوايا، كأنّها ممّا صنع الجنُّ لسليمان بالصّفاح والصفوان.

стр. 27

فإنْ دخلته في العشاء الآخرة أبصرت الشّموع صنواناً وغير صنوان كأنّها رماح وفي كلِّ رمحٍ سِنان، وكأنّ أقباسها نضنضةُ الحيّات. أو إشارةُ السّبابةِ في التحيّات، ورأيت النّاس بين ركعٍ وسجدٍ، وأيقاظٍ وهجد، شِيَّبٌ ما زالوا يغسلون بالوضوء السّواد، حتّى مُحِيَ محو المِداد، وشبابٌ قيام للصّلاة كسطرٍ في كتاب، والكلُّ يجأرون بدعوة الإسلام، تحت أستار الظلام.

стр. 28

خليج البوسفور خليجٌ كأنّه سيفٌ مسلول، أو سجنجلٌ مصقولٌ وعلى شاطئيه قرى ودساكر، ورساتيقٌ ومقاصر، وقصورٌ بيضٌ على الخضراء، كالنّجومِ في السّماء، أو أشرعةُ فلكٍ في ماء، وكأنّ كلِّ شاطئ منهما قد انتهت المحاسن إليه، فلا يفضّل أحدهما على الآخر إلّا لكونهِ يطلُّ عليه، فإذا رأيت ثم رأيت حين دلوك الشّمس وقد شعشع نورها كلّ بناءٍ وغرس، وقد عكس في الماء، صورَ ما يحيطُ به من الأشياء، أبصرت في الماء قباباً من ذهب، وأهلةً من لهب، وكثباناً من زمرّد، وودياناً من زبرجد، وجبالاً وأيفاعاً. وحصوناً وقلاعاً، وسدراً ودلاعاً وسقوفاً من جوهر

стр. 29

وعمداً من مرمر، وصرحاً من قوارير، وتماثيل وتصاوير، ودوراً وحوراً، وناراً ونوراً، وحللاً تُطوى وتُنْشَرْ، وسيوفاً تُغْمَدُ وتُشْهَرْ، وأقماراً تصاغ وتُكْسَر فكأنّما تَقرأُ في البرِّ، قصيدةً من الشِّعر، وتنظرُ في البحر، فانوساً من سحر.

стр. 30

منتزه البندلر وكم على سيفِ الخليج، من روض وثيج ومرأى بهيج، ورساتيق ورعان، وخلج وغدران، فكأنّما هذا المكان، شِعْبُ بوّان، أو روضة من رياض الجنان ومن أبهر ما يجلي للنّظر من تلك المياه والخضر، منتزه (البندلر) وهو رياض في رياض وبساتين وحياض، ووهاد وأنجاد، ونجاف وأسناد وأطيار تصدح، وأمواه تنضح، وأعطار تنفح وكأنّما في كل ناحية لوح مصوّر، أو برد محبّر، أو طراز على خز، أو وشي على قز، أو فسيفساء مفروشة أو دنانير منقوشة.

стр. 31

وقد حفّ الشّجر الدوّاح بتلك البطاح، فمن شوعٍ ودرماء وخلافٍ وطحماء وريحانٍ نضر، وعيدانةٍ مرجحنة، من سدر وقد تلاحقت غصونها، وتعرّشت خيطانها وفنونها، وخضب بينها العرفج، وأزهر الياسمين والبنفسج فكأن تحت كلّ عرشٍ إيواناً، وفوق كلّ فرشٍ ديواناً، وفي كلّ تربٍ جونة عطار أو مسكٍ بين أفهار وقد علّقت الطّير بهذا الشّجر، كأنّها ثمر، فمن فواخت وقطامي وحباراً وقماري. وكأنّ كلّ ورقاءٍ على عود، حسناء في يدها عود، ترجع من كتاب الأغاني ضروب الخفيف الأوّل والثّقيل الثّاني، وتفوق

стр. 32

في الغناء أصوات معبد والميلاء، وألحان عنان والذلفاء وقد شُهِرَ (البندلر) بمائه، في عذوبته وصفائه، فلا يفتأ به ينحدر كما تكسر المرمر، ويلتوي على الأشجار، كالسّوار، وينبثق من غدر، وأفواه أسود ونمر ويذهب في الهواء كلسان السراج، ويعود كقبةٍ من زجاج، كأنّه في الصفاء دمع جرى، أو برق سرى، أو بلّور مذاب، أو نصل قرضاب، أو سبيكة فضّة أو معصمٌ بضّة، وكأن الحصباء تحت الماء، عقد منثور أو جوهر منشور وكثيراً ما يهطل المطر، على هذا الماء والشّجر، فإذا معركة شعواء، بين الخضراء والزرقاء فالوبل نبل، والقنا أشلّ والبروق ظبي وأسنّة. وفي كلّ غديرٍ جنّة.

стр. 33

غابة بولونيا وصف باريس يقبل المرء على باريس فإذا حدائق وقصور. وليلٍ كسوادِ العين كلّه نور وإذا البرجُ في طخيةِ اللّيل. وكأنّ سيراجه سهيل. برجٌ ماثلٌ كأنّه بابل. غير أنّ ذلك فرّق البشر وهذا جمعَ البدو والحضر. وإذا المدينةُ كأنّها في يوم الزّينة. وقد جاشت الطرق بالسّيارة. وزخرت البرازيق بالنظارة. فكأنّما

стр. 34

انفضح سيل العرم وكأنّما في كلّ سبيلٍ جيشٌ منهزم وكأنّ كلّ بهوٍ إيوان. وكأنّ كلّ شاهقةٍ رأسُ غمدان وكأنّما كلّ بستانٍ شِعْبُ بوّان وكلّ حائطٍ سدُّ ذي القرنين، وكلّ طريقٍ وادٍ بين الصدفين وكلّ قنطرةٍ قنطرةُ خرزاذ أو قنطرةُ البردان ببغداد وكلّ قصرٍ قصرُ المشتهي، وكل كنيسةٍ كنيسةُ الرّها وقد أقيم

стр. 35

على كلّ حنيّة، صنمٌ ليعوق في الجاهليّة، وفجرٌ في كلّ رحبةٍ عينٌ تجري على صخر، كعينِ الخنساءِ على صخر واجتمع في كلّ مرجٍ ذورٌ وصنج، وبدت في كلّ ناحيةٍ غرائبُ هندمند، وعجائبُ كوكبان والسّغد وفي هذه المدينة حرجةٌ من نزه الدنيا يقال لها (غابة بولونيا) وهي بطاحٌ في بطاح وروضةٌ فساح، وشجرٌ دوّاح، وعدٌّ جلواح وطرقٌ بين الأدغال كهدى في ضلال، وشموسٌ بين الأشجار كأنّها نثار، وكأنّ الأزهار في حيالها فرشٌ، والأنهار في خلالها صوارم في كفّ مرتعش، والنّهار في ظلالها، فجرٌ بين الضياء والغبش

стр. 36

وكأنّ في كلّ غصنٍ صوتُ غنّاء، وفي كلّ عشٍّ بيتاً فيه ضوضاء وكأنّ الأغصان، مواصل غضبان، أو كأنّها وهي تميل وتعتدل، شاربٌ ثمل، أو أنّها تريد العناق ويمنعها الخجل وفي جوانب هذه الحرجة صخورٌ وشعاب، وأحجارٌ وهضاب يتفجّر منها ماءٌ عرانية ذو دفاع، في حفافية الآس والدلاع، وتجري بينهما خلجٌ كأنّها أراقمٌ جدّت في الهرب أو فرّت من طلب، وكأنّ كلّ خليجٍ حسام، والظّلّ صداه، أو أنّه جامٌ والأصيل طلاه، أو أنّ ذلك الظّلّ عذارٍ في خدّ أسيل أو طرّةٌ على جبين صقيل وكأنّ الحصباء، في الماء ثنايا عذاب، وفي رضاب.

стр. 37

في ظلام الليل وأهيب ما تكون هذه الحرجة إذا غاب النّور، وأقبل الديجور، وأمسى الكون كأنّه لوحٌ ممسوح، أو راهبٌ في مسوح وتراءت هي كأنّها حسناءَ في ستر، أو صحيفةً بيضاءَ كسرت عليها زجاجةٌ من حبر وكأنّما صُبِغَ كلّ غصنٍ بسواد وكأنّ كلّ فرعٍ جناحُ غراب منآد وكأنّ أشجارها لجٌّ متلاطم، وكأنّ في كلّ أيكةٍ قبةٌ تتهدّم وفي كلّ عودٍ حيّةٌ تترنّم وكأنّ تربها إثمد، وكأنّ حصباءها ينعٌ أو زبرجد وكأنّ المصابيح فيها اشتعلت لترى الظّلام، لا لتكشف الإعتام وكأنّ النّجوم فوق تلك الأغصان أسنّةٌ على مران، أو أنّ كلّ غصنٍ من ذاك السّمر والخطّ، حسناءُ والثّريّا في أذنها قرطٌ، وكأنّ المجرّة جدولٌ فيه الحوت والسّرطان،

стр. 38

يسقي من عليٍّ ذلك البستان. في ضوء القمر فإذا بزغ القمر، وألقى نوره بين الشّجر، ألفيتها كأنّها غادة كعاب، عليها نقاب، وكأنّ قطعاً من ماسٍ بين الأغراس وكأنّ البدر عينٌ، تسيل عليها بلجين وكأنّ في كل خوطٍ سراج وكأنّ كلّ زهرةٍ ثغرٌ باسمٌ وفي كلّ جدولٍ أسنّةٌ وصوارم. في إشراق الصباح فإذا ما انطفأ النّجمُ مع الصّباح، كأنّه مصباح، وبدا الفجرُ

стр. 39

تحت الغيهبِ، كأنّه ماءٌ تحت طحلب وتلاه الإشراق كالشجّة السمحاق، أو نارٌ في رماد، أو سيفٌ عليه دمٌ جساد ألفيت الحرجة كأنّ عليها خسروانية فوقها وشائعُ من ذهبٍ سائل، أو حلّةٍ موشيةٍ بها جادى جائل، وكأنّما على كلّ ورقةٍ دينار، وفي كلّ جدولٍ كأسٌ عقار، وكأنّ كلّ غرسٍ عبهر، وكلّ زهرةٍ شنفٌ أنضر. حديقة النبات وما فيها من حيوان وفي هذه الغابة (حديقة النبات) وهي رقمةٌ زهراء ووديفةٌ غلباء كأنّما نشر كتاب ديسقوريدس في بستانها، ونثرت

стр. 40

ربيعيات كشاجم بين أيكها وخيطانها. أو كأنّها رامة، أو خفان، أو أنّها سفينة نوح حملت كلّ حيوان ففيها (القسورة) أبو الأشبال يرسف في الأغلال كأنّه في الرّتاج يزيد بن المهلّب في سجن الحجّاج في هامة كهضبة من تهامة، وعينين، كنارين في غارين، ونابٌ كأنّه
следующие страницы →