Полный текст (112 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وكأنّ في كلّ غصنٍ صوتُ غنّاء، وفي كلّ عشٍّ بيتاً فيه ضوضاء وكأنّ الأغصان، مواصل غضبان، أو كأنّها وهي تميل وتعتدل، شاربٌ ثمل، أو أنّها تريد العناق ويمنعها الخجل وفي جوانب هذه الحرجة صخورٌ وشعاب، وأحجارٌ وهضاب يتفجّر منها ماءٌ عرانية ذو دفاع، في حفافية الآس والدلاع، وتجري بينهما خلجٌ كأنّها أراقمٌ جدّت في الهرب أو فرّت من طلب، وكأنّ كلّ خليجٍ حسام، والظّلّ صداه، أو أنّه جامٌ والأصيل طلاه، أو أنّ ذلك الظّلّ عذارٍ في خدّ أسيل أو طرّةٌ على جبين صقيل وكأنّ الحصباء، في الماء ثنايا عذاب، وفي رضاب.
стр. 37
في ظلام الليل
وأهيب ما تكون هذه الحرجة إذا غاب النّور، وأقبل الديجور، وأمسى الكون كأنّه لوحٌ ممسوح، أو راهبٌ في مسوح وتراءت هي كأنّها حسناءَ في ستر، أو صحيفةً بيضاءَ كسرت عليها زجاجةٌ من حبر وكأنّما صُبِغَ كلّ غصنٍ بسواد وكأنّ كلّ فرعٍ جناحُ غراب
منآد وكأنّ أشجارها لجٌّ متلاطم، وكأنّ في كلّ أيكةٍ قبةٌ تتهدّم وفي كلّ عودٍ حيّةٌ تترنّم وكأنّ تربها إثمد، وكأنّ حصباءها ينعٌ أو زبرجد وكأنّ المصابيح فيها اشتعلت لترى الظّلام، لا لتكشف الإعتام وكأنّ النّجوم فوق تلك الأغصان أسنّةٌ على مران، أو أنّ كلّ غصنٍ من ذاك السّمر والخطّ، حسناءُ والثّريّا في أذنها قرطٌ، وكأنّ المجرّة جدولٌ فيه الحوت والسّرطان،
стр. 38
يسقي من عليٍّ ذلك البستان.
في ضوء القمر
فإذا بزغ القمر، وألقى نوره بين الشّجر، ألفيتها كأنّها غادة كعاب، عليها نقاب، وكأنّ قطعاً من ماسٍ بين الأغراس وكأنّ البدر عينٌ، تسيل عليها بلجين وكأنّ في كل خوطٍ سراج وكأنّ كلّ زهرةٍ ثغرٌ باسمٌ وفي كلّ جدولٍ أسنّةٌ وصوارم.
في إشراق الصباح
فإذا ما انطفأ النّجمُ مع الصّباح، كأنّه مصباح، وبدا الفجرُ
стр. 39
تحت الغيهبِ، كأنّه ماءٌ تحت طحلب وتلاه الإشراق كالشجّة السمحاق، أو نارٌ في رماد، أو سيفٌ عليه دمٌ جساد ألفيت الحرجة كأنّ عليها خسروانية فوقها وشائعُ من ذهبٍ سائل، أو حلّةٍ موشيةٍ بها جادى جائل، وكأنّما على كلّ ورقةٍ دينار، وفي كلّ جدولٍ كأسٌ عقار، وكأنّ كلّ غرسٍ عبهر، وكلّ زهرةٍ شنفٌ أنضر.
حديقة النبات وما فيها من حيوان
وفي هذه الغابة (حديقة النبات) وهي رقمةٌ زهراء ووديفةٌ غلباء كأنّما نشر كتاب ديسقوريدس في بستانها، ونثرت
стр. 40
ربيعيات كشاجم بين أيكها وخيطانها. أو كأنّها رامة، أو خفان، أو أنّها سفينة نوح حملت كلّ حيوان ففيها (القسورة) أبو الأشبال يرسف في الأغلال كأنّه في الرّتاج يزيد بن المهلّب في سجن الحجّاج في هامة كهضبة من تهامة، وعينين، كنارين في غارين، ونابٌ كأنّه
стр. 41
سيف زهير بن جناب، وظفر كأنّه في أول شهر.
و (الغيلة) كأنّها بروجٌ مشيَّدة، أو قناطرَ مقرمدة، أو قطعٌ من اللّيلِ على الأرضِ، أو لججُ البحر يدفع بعضها بعض أو سحابٌ ثِقال، أو أنّ أخفافها رحى تُطْرَحُ وتُشال أو أنّها ليل والنّاب هلال، أو أنيابها رماحٌ طوال (والفهد) كأنّما عليه من حدقٍ نطاق، أو نثرٍ عليه
الشّجر الأوراق تريد الفتك ولا يريد (امكر وأنت في الحديد) و (الظباء) تمرح بين الآكام كظباء مكّة صيدها حرام كأنّ كلّ ظبيةٍ دمية، وكأنّ في محاجرها عيون ليلى وميّة و (حمار الوحش) أحقب مدمج،
стр. 42
كأنّه المحلج، ملمّع الأطراف، كأنّما بُسِطَ عليه طراف، به شام كأنّها خطوط الأقلام وإلى جانبه قود ثمان، كأمراسِ الكتّان يدور بها بين الأسوار، كأنّه أسوار وقد ذكر بطحاء عمان، والغوير والصّمّان، حيث كان يرعى الجزع والأرطاب، إلى أن تتصوّح الأعشاب فيسوقها في البيداء إلى عيون الماء، تنجد في الأوعاث وترمي أيديها بالعرار والجثجاث مستويات في
стр. 43
الصّفّ، كأصابع الكفّ تحيد عن أظلالها فرقاً، وتهوي في الصوّان زلفاً حتّى إذا بلغت المنهل وردته تمصع بالأذناب، من لوحٍ وذباب وقد اختبأ لها الصائد في غيل قصباء، وناموس في جوف شجراء، وفي يده سهام حجريّة، وكبداء نبعيّة فرمى فألقى أتاناً، وانصاع الباقون مثنى ووحداناً و (الكلاب) على أضراب فمنها الضاري. الّذي أعدّه الشّاعر للطاري ومنها الألوف، الدّاعي للمعروف، ومنها السلوقيّ الّذي كأنّه القوس إلّا أنّه السّهم، والعفريت إلّا أنّه الرّجم، إذا وقف فهو نون، أو ساب فهو منون و (الحيّات) كأنّها دروع مطويّات وكأنّ نفحها
стр. 44
غليان مِرْجَل. أو صريف نابي جمل وبينها الحارية، وآخر كأنّها جزوع نخلٍ خاوية و (النّاقة) ثمّة كأنّها عربيٌّ في سوق الأهواز أو كلامٍ استُعْمِلَ على المجاز قد أضناها الشوق إلى كلّ مروارة أقفر من أبرق العزاف، ومن بريّة خساف لا ماءٌ بها إلا مأجٌ زعاق، كأنّه خمرٌ براق يحدوها هناة، أَرْفَقَََ بالإبل من مالك
стр. 45
بن زيد مناة فتصل كلّ عشيّة بسحرة وتشكّل أخفافها كلّ مجهل بحمرة.
مجالُ وحوشٍ ومجلى أنيس ... فيا حُسْنُ لهوٍ ويا منظر
стр. 46
صلاح الدين الأيوبي
قد ظهر في الأمّة سميذع نقاب كأنّه قسور غاب، قلب حول، لو عاودته نجوم الأفق لعاد ذو الرمح منها وهو أعزل يعبس وهو راض كالسّحاب، ويضحك وهو غاضبٌ كالقرضاب عاجلُ العفوِ آجلُ الانتقام كأنّ الملوك صفٌ وهو الإمام طبيب بأدواء الأمم حذاق، يعالج تارةً بالسُّم وطوراً بالترياق واحدٌ لم يختلف في فضله اثنان، نطقت بمآثره ألسن الخرسان والخرصان فقرّت بظهوره القلوب، وإذا هو صلاح الدّين يوسف بن أيّوب.
أنتَ الأميرُ الّذي ولّته همته ... بغير عهدٍ من السّلطان معهود
стр. 47
أقبلت جموعٌ فرنجيّةٌ مهطعين، وأرسوا لحرب الصّليب على حطّين، فلقيهم بجحفلٍ جرار، وحمل عليهم حملة المهاجرين والأنصار حَمِسٌ يقابل منهم الأعداء، أمثال الجحّاف وأبي براء، كأنّهم في الصفوف حتوف، أو أسود أظافرها السّيوف، وكأنهم من حبّهم للقتال يَرَوْنَ النّقع ليلٌ وصال، تموج على صدورهم الفضفاضة السّلوقيّة، والزّعف الحطميّة، وكأنّ كلّ درع ردن هلهال، أو غدير تحرّك عليه شمال، وفي أيديهم السّيوف اليزنيّة
стр. 48
والسّهام الحجريّة وكأنّ كلّ سنان أرقم، وكل كنانةٍ جلدة شيهم.
وإذا تكافحٌ وجَلاد، وأبطالٌ في عصواد، وجسومٌ تحت الصّعيد ورؤوسٌ فوق الصّعاد وعثيرٌ في العنان، كادت تفرخ فيه العقبان، أصبحت الأرض به ستّاً والسّماء ثمان، وخيلٌ تنزع قبّاً، وتضبح وثباً، كأنّها في الجدد، طيرٌ تنجو من الشؤبوب ذي
стр. 49
البرد، وطعنٌ كلّ طعنةٍ نجلاء، لا ينفع فيها عصائب الخمر ولا ثمر الرّاء، وإذا العداة بين هاربٍ بدمائه، وباركٌ متجعجعٌ في دمائه، وإذا جموعهم كأنّها عرفجٌ علقت به نار، أو ليلٌ كشفه نهار، وإذا بالقدس قد فتح للمسلمين وكانت العاقبة للمتّقين.
стр. 50
على قبر نابليون
وقفتُ على قبر نابليون أمس. أحدِّثُ النّفس بما في ذلك الرّمس فإذا استكانةٌ بعد صولة، وقبرٌ في جوفه دولة وصولجان كرته الأرض. أمسى مخراق لاعب. وسرير كان فوقه البسط والقبض. أضحى ملتقى ناع وناعب. اللهم غفراً. هذا غلّاب القياصرة. وقهّار الجبابرة. دفع عنه سلطانه الأبطال والأقيال ولم يدفع عنه الآرض والنمال. وكانت الأرض تضيق عن نفسه. فأمسى تسعه حفرة من رمسه، فواهاً لهذا الموت الذي
стр. 51
يخبت الأسود. ويقتلع أنياب الحيّات السّود. ويفكّ النطاق عن الجوزاء ويساوي عمرو بن درماء بالدّرماء.
стр. 52
نابليون
نابليون وما أدراك ما هو. اسمٌ ملأ كلّ مكان. واستغنى عن التعريف بابن فلان. إذ لم يرث المجد عن أب وجدّ، ورجلٌ جاد به الدّهر وهو البخيل بالرّجال. كما تجود الصخرة بالماء الزلال، وسمح الزمان منه بما هو فوق قدره، كما يسمح الترب بتبره، ومَلِكٌ جاء أخيراً فتقدّم على الملوك الأُوَلْ. كالعنوان يُكْتَبُ أخيراً ويُقْرَأُ أولاً، طَلَبَ مُلْكُ الثّقَلَيْن. ورغب أن يكون الإسكندر
стр. 53
لا ديوجين. وآزره على ذلك عزمٌ بمحو الشّرّ بالشّر. كما يداوى شارب الخمر بالخمر.
وطبع فيه نفعٌ وضرر. كالغمامةِ فيها صاعقةٌ ومطر. أو البحر إن صدم أغرق. وإن طلب جوهره أغدق، وَجْدٌ لو صحب الأدبار لأربى على الإقبال. ولو حالف النّقص لشأى الكمال، فسار إلى غايته القصوى بسيرٍ لا يرى كسَيْرِ ذكاءٍ في السماء، لا يصادفه في طريقه دولةً إلّا قلبها. ولا رايةً إلّا نصبها ولا حصنَ ثغرٍ يحوم منه نسر السّماء. على وكرٍ. إلّا تدلّى عليه مع الظّلام.
стр. 54
كما تدلّت عقاب من شماريخ الأعلام ولا يمٌ طمْ. أو بحرٌ خضمْ إلّا خاضه بالقدم. وشرب ماءه بدم، ولا وقائع إلّا خاضها فترك بها أياماً كيوم رحرحان. أو يوم جبلة بين عبسٍ وذبيان.
حتّى أقام له مُلْكاً أين منه مُلْكُ قيصر وكسرى. هو كرة الأرض قامر بها الرّجل فكسبها في ساعة وخسرها في أخرى.
أسترليز وانتصاره على الروس والنمساويين
كأنّي أنظر إليه يوم أسترليز وقد خرج لقتاله القيصران، في يوم أرونان فصابت بِقَرٍّ وما يوم
стр. 55
حليمة بسِرّ فاصطفّ حياله الرّوس، كالسّطور في الطروس، وثبتوا في الأخاديد، كالجلاميد، وابذعروا في السّهول كالوعول، وأقبل النمساويّون في كتيبةٍ جأواء، وملمامةٍ شعلاء ينزل أُولاها وليس بنازل، ويرحل أُخراها وليس براحل، فقابلهم من جيش الفرنسيس، بالدهياء الدردبيس، دوسر بسط جناحيه على الشّعاب كما بسطت جناحها العقاب، فلا ترى ثمّة إلّا أعلاماً تخفق، وحديداً يبرق، وجنوداً في المآذي كأنّها صخور في ماء،
стр. 56
أو أفاعي عرماء، أو أسود والسّيوف أنياب، أو عقارب شائلات الأذناب، ثمّ صمّ
القتال، وزلزل الزلزال، واتّقد الوهج، وسطع الرهج، فكأنّما ترى جاناً من مارجٍ من نار، أو إعصاراً يدور فوق إعصار، كأنّما مدينةٌ في حريق، وسماءٌ تهطل برحيق، وكأنّما فكّت الشياطين، وانسابت الثّعابين وكأنّما في قلب الأرض وهل، وعلى خدّها من الدّماء خجل، وكأنّما في الجوّ من الدّخان والنّار، ليل وشرق، ومن الرّصاص والشفار، وبل وبروق، كأنّما كُسِرَتْ قبّة السّماء، فَهَوَتْ بما فيها من نورٍ وظلماء، وكأنّما
стр. 57
كلّ صفٍّ من الجنود يميل بحائطٍ من جهنّم. فيلقاه الآخر من الحديد بلجٍّ من يم. فما ينكفئ حتّى ينطفئ. وبين ذلك خيول تكدّس: وسلاح مضرّس. وجماجم تغلق، وأشلاء تفرّق. ومنا ومَنون. وطعنٌ كأنّه طاعون، وشهيق وزفير. وعير ونفير. وصرعى كأنّما غالتهم الكؤوس. ووادٍ يسيل على العلمين فقاقيعه الرؤوس، ومقلةٌ في مخلبِ طائر، وكبدٌ في رجل عاثر، وبنانٌ في نابِ وحشٍ كاسر.
كم رأسِ شخصٍ بكى من غير مقلته ... دماً ونحسبه بالقاعِ مبتسما
هذا ونابليون قد أشرف على المرقب، فوق نهد سهلب،
стр. 58
ثُبِّتَ في المعمعان كأنّه حنذيذة من كتفيّ ثهلان.
لا تهوله كثرة البهم، ولا جموع الأمم، كأنّ جنده قليلٌ من ضرم في كثير من فحم. يقلب عينه يمنةً وشامة، ويجبر أخبار زرقاء اليمامة، فتُطوى الجنود لأمره وتُنْشَر وتُقَدَّم وتُؤَخَََّر، كأنّه في هذا الهرج والمرج، أمام رقعة من الشطرنج إلى أن يبدو له النّصر من خلل القتام، كما تلوح الشّمس من تحت الغمام.
стр. 59
نابليون بعد زوال ملكه وهو معتقل
وكأنّي أنظر إليه بعد ذلك وقد جار عليه الزّمان الجّائر، ودارت عليه الدّوائر، وأمسى جيشه الّذي قهر الأرض وهو مقهور كآنية الزّجاج قابلت غيرها فالكلّ كاسرٌ مكسور، وانتهى به السّير، من خير إلى ضير، كما يسير الهلال بسيره بدراً ويمحق به تارةً أخرى وزال مُلْكَه الضّخم، فغاب مغيب الشّمس في أفق من دم، وأصبح ولا دولة، ولا بأسٌ ولا صولة، كصنم الجّاهلية في الملّة الإسلاميّة، كان بالأمس ربّاً فأصبح حجراً صلباً وإذا هو معتقل في جزيرةٍ قاصية، وصخرةٍ عارية، كأنّه قسور نُقِلَ من بيداء، أو غيلٍ قصباء إلى قيودٍ وأصفاد، وبيتٍ من صنعةِ الحدّاد، فهو فيه يدور ويحور تارةً يبسم ويعجب، من دهر يكسر
النّبع بالغرب، ويصيد الصّقر بالخرب، ومرةً يطرق ويتفكّر: ويفتح عينه فيرى كثيراً ويغلقها فيرى أكثر وحيناً يُحني الرأس من اليأس.
стр. 60
وآونة تبعثه الأوجال إلى الآمال. فيودّ لو قام شبلٌ من نسله أو رجلٌ من أهله. فاسترجع ملكه بعد الذّهاب. وحفظ من نور ذلك المجد بقدر ما يحفظ البدر نور الشّمس بعد الغياب، وهيهات أن يقوم الأفيل. بعبء الفيل. أو تتساوى الأشياء. إذا تساوت الأسماء. أين ذباب السّيف من ذباب الصّيف. وأين السنبلة الخضراء من سنبلة السّماء، وقد يقف بقامته القصيرة. على قنة من قنن تلك الجزيرة. بروح الفكر في أمواج البحر. وإذا بظلّه قد طال على لججه. وامتدّ بعيداً على ثبجه. فيرى قامته وهذا الخيال فرّق ما بين حالته وما كان فيه من الدولة والإجلال، فيبعد من نفسه الأمل. ويقرّب الأجل.
стр. 61
كان هذا جميعه يدور في فكري. ويتمثّل لنظري. وأنا واقفٌ إزاء قبره. أتأمّل في مبتداه وخبره. فيترك في قلبي عِبْرة. وفي جفني عَبْرة.
стр. 62
حسان الأستانة
وأبهى ما يكون هذا المكان وقت الأصيل، حتّى يفئ الظلّ الظّليل فترى فيه أسراب الغزلان، والرعابيب الحسان، يمشين مشي القطا الكدريّ في الدمث النديّ، فتارةً وقوفاً على شريعةِ ماء، وحيناً جلوساً تحت رفرف أيكةٍ خضراء، وآونةً يبدون للنظر وطوراً يختفين في الشجر، وكأنّ الثّوب طاوس وصليلُ الحليّ ناقوس، والوجوه أقمارٌ وشموس، وكأنّي بك وقد رأيت منهنّ ذات دلٍّ لعوبا، فينانةٍ خرعوبا، غرّاء فلجاء خدلجةً
стр. 63
لفاء، أملوداً خمصانة شموعاً خوطانة في وجهٍ كالوذيلة، وخدٍ كالجليلة، وقوس حاجب، كأنه قوس حاجب.
وشعرٌ كاللّيل، أو أذنابُ الخيل وثغرٌ أشنب، كأنّما ذُرَّ عليه الزرنب، وثنايا غر، ذات أشر، ومبتسم برد، وشفاه كأنّما ورق الورد - وعينين كسيفين في جفنين، أو سهمين في قوسين وقدٌّ كالرّمح، وفُرْقٌ كالصّبح، حسن للترك والجرج، لا يوجد عند الإفرنج، الّلهم إلّا صوراً في ألواح روفائيل، مَثّل بها
стр. 64
إسرافيل وميكائيل، أو صفاتٍ في أشعار دانتي ولامارتين صوراً بها الخلد والحور العين فلمّا لمحتها أشرتُ إليها بالكفِّ، فأومتْ لك بالطّرف، فحسبتها أقرب من مداركة، فإذا هي أمنع من عاتكة وتخيّلت أنّها منك على طرف الثمامة، وإذا بها طارت كالحمامة.
стр. 65
الحسان في الطريق
حسان الأستانة أثناء مرورهن في الطريق
حسانٌ غيدٌ كالأماليد، في وجوهٍ كالدّنانير، وأوساطٍ كأوساطِ الزّنابير، عليهن مطارف كألوان الحرباء، وأزهار الرّوض من حمراء وصفراء. خدٌّ تحت النّقاب، كالخمرِ في كأس الشّراب، ووجهٍ يخفيه ويبديه اللّثام، كالشّمس تحت الغمام.
стр. 66
كنز مدفون أو وفاة رجل كبير
أطلق الدمع وأطرق، فقد غربت الشمس في المشرق. فيا هزيمة العقل، وصولة الجهل، ويا وحشة الدور، وأنسة القبور، أسريرٌ ينقل ويسير، أم جبلٌ يتقلّع، ووسمي يتقشّع، وهذه أوصال، أم معال تنشر وتقبر.
أقبرٌ هذا أم جفنٌ فيه سيفٌ جرّار وتربٌ فيه تبرٌ ركاز، وقليب هريق فيه ذَنُوب من كرم، وجفر تهدم فيه بنيان من همم.
стр. 67
فإلى الله نشكو زمناً أطفأَ هذا السّراج، وكسرَ هذا التّاج، وأخبأَ هذا الشّهاب، وقفلَ هذا الباب، وغادرنا بعده في غيٍّ كرشد، ورشدٌ كغي، وحَيٌّ كميّت، وميّت كحَيّ.
صفة الحزن عليه
عينان، كأنّهما عينان نضاختان، طرفٌ خاشع، وشممٌ باخع ونَفَسٌ راجع، وإصبعٌ دامٍ، وعثيرٌ فوق هام، وحزنٌ ينقض الأضلاع، وهمٌّ يسلُّ النخاع، وفي كلّ قلبٍ صدع، وفي كلّ رأسٍ صداع.
صفة الفقيد
في سبيل الله منه واحد بألف، كالدّينار في الصّرف، كريم
стр. 68
المنبت والبيت، ما فيه لو ولا ليت، ماضٍ والسّيف ناب، كأنّه في الفضلاء سطر بسم الله في الكتاب.
جمّ الأصفاد والمنح، إذ استنجَدْتَهُ جاءك نصرُ الله والفتح إلى حكمة رسطاليس، أو الشّيخ الرئيس وخِطَبُ إياد، أو زياد، وفضلٌ كالمسك إن كتمتَه سطع، وكالقبس إن خفضته ارتفع، سجايا ومدح، إن عُدَّتْ نابت لأعدائه عن السبح.
стр. 69
غرور الدنيا
دنيا غرورة
دنيا تغرّ الجّاهل، ولا تسرّ العاقل، ودارٌ لا يدخلها الطفل إلّا وهو باكٍ، ولا يخرج منها الكهل إلّا وهو شاكٍ، قد عصفت بالشّرور سواقيها، ومَنْ أَذْنَبَ في جهنم وجب أن يُعَذَّبَ فيها، ليس بها لذةٌ إلّا ممزوجةً بألم، ولا دسمٌ إلّا مخلوطاً بسم، ولا ضاحكٌ إلّا وهو باكٍ كالغمامة، ولا شادٍ إلّا وهو نائحٌ كالحمامة.
لو يعلم النّاس علمي بالزّمان لما ... سُرّوا بشيءٍ ولا ربّوا ولا وَلَدوا
стр. 70
فلكٌ في هلك، سيّان بها من بالبقاع، ومن على الشّراع. وخطٌ في ماءٍ لا ينقسم، حتّى يلتئم، وأثرٌ في بيداء لا يرتسم، حتّى يرتطم.
وكيف أجيد في دار بناء ... وربّ الدّار يؤذنني بنقله
стр. 71
وقفة بين المقابر
انظر هذه المقابر بالحاجر، ففيها بلاغٌ ومعتبر لمن ادّكر، تريا كلّ جدثٍ كأنّه علمٌ بين السّاهرة والآخرة. خطٌ متضايقٌ فيه جميع الخلائق، كالقلب الصغير، وفيه العالم الكبير، وكأنّ سكّانها صرعى مدامة، أو نيامٌ في ليلةٍ صباحها يوم القيامة.
رفات ملك
وكم في تلك القبور من مَلِكٍ كان يصرف الأمر من مصر إلى عدن، أو يحتلّ غمدان ذي يزن، وكم بها من أميرٍ يملأ الدّست من جلالٍ ونور، وتحببي له دجلة والخابور.
стр. 72
رفات حسناء
وكم فيها من حسناء بضّة، كأنّها صليحة فضّة، أصابها الهزال كما يصيب الهلال، واعتلّ الجسم السّقيم كما يعتلّ النسيم، وإذا بها في القبر كأنّها مصباح راهب، في قبّةٍ مظلمةٍ أو كنزُ راغب، مهجورةٍ معتمة. وإذا بجسمٍ كان يخشى عليه الهزال، أصبح وهو بال. وخدٍ كان يصان عن قبلة، تعبث فيه الآرضة والنملة. وتغور كأنّها أقاح، أو حببٌ على راح، تُنْثَرُ في البوغاء، وتُخْلَطُ بالحصباء وعينين كأنّهما سنانان أزرقان في عامل،
стр. 73
أو سحر الملكين ببابل أضحيتا في الحجاج كما قال العجاج:
كأنّ عينيها من الغؤور ... لحدان في قَلْتَيْ صفا منقور
وإذا ثديان كأنّهما حِقّان من مرمر، أُثْبِتا بمسمارين من عنبر، باتا من الدّود كأنّهما أخدود، وإذا بمنزلها في الدّور أشعث مهجور، كأنّه محجورٌ بلا حدق، أو شجرٌ بلا ورق، وكأنّه مات بعد ساكنيه، وكأنّهم كانوا روحاً فيه، وكم ذابت في ذاك
стр. 74
الثّرى خدودٌ وجباه، وثغورٌ وشفاه، وسلبٌ من أنفٍ شمم ومن بنانٍ عنم، وكم خُرِّبَتْ فيه قصور، وهُتِكَتْ ستور وجُمِعَتْ أضداد، وفُرِّقَتْ أمهاتٌ وأولاد، سبحانك اللهم وسعدانك من حبسٍ إلى رمس، ومن عبثٍ إلى جدث، عملٌ ثمّ أمل.
عُذْتُ بما عاذَ به إبراهيم ... مستقبل القبلة وهو قائم
أني لك الهمّ عان راغم
стр. 75
العزلة
صفة العزلة عن الناس
كتابي إلى السّيد أيّده الله، وكلأه ورعاه، وأنا حِلٌّ بقرى السّواد، وريف البلاد، بعيدٌ عن المدينة، وما فيها من الشّينة والزّينة، في عزلةٍ عن النّاس، بين سقيٍ وغراس، سليمُ الجسم من السّقم، والنفسِ من الألم، والحميةِ من الأنام، كالحميةِ من الطعام، شفاء من كلّ داء، وخليق بمن ارتطم، في المزدحم، أن يصاب ببعض الأوصاب.
وصف الريف
يا ما أحيلى الوحدة والرّيف، وذلك المشتى والمصيف، والجوّ السجسج والظلّ الوريف.
следующие страницы →