Полный текст (112 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وقفة بين المقابر
انظر هذه المقابر بالحاجر، ففيها بلاغٌ ومعتبر لمن ادّكر، تريا كلّ جدثٍ كأنّه علمٌ بين السّاهرة والآخرة. خطٌ متضايقٌ فيه جميع الخلائق، كالقلب الصغير، وفيه العالم الكبير، وكأنّ سكّانها صرعى مدامة، أو نيامٌ في ليلةٍ صباحها يوم القيامة.
رفات ملك
وكم في تلك القبور من مَلِكٍ كان يصرف الأمر من مصر إلى عدن، أو يحتلّ غمدان ذي يزن، وكم بها من أميرٍ يملأ الدّست من جلالٍ ونور، وتحببي له دجلة والخابور.
стр. 72
رفات حسناء
وكم فيها من حسناء بضّة، كأنّها صليحة فضّة، أصابها الهزال كما يصيب الهلال، واعتلّ الجسم السّقيم كما يعتلّ النسيم، وإذا بها في القبر كأنّها مصباح راهب، في قبّةٍ مظلمةٍ أو كنزُ راغب، مهجورةٍ معتمة. وإذا بجسمٍ كان يخشى عليه الهزال، أصبح وهو بال. وخدٍ كان يصان عن قبلة، تعبث فيه الآرضة والنملة. وتغور كأنّها أقاح، أو حببٌ على راح، تُنْثَرُ في البوغاء، وتُخْلَطُ بالحصباء وعينين كأنّهما سنانان أزرقان في عامل،
стр. 73
أو سحر الملكين ببابل أضحيتا في الحجاج كما قال العجاج:
كأنّ عينيها من الغؤور ... لحدان في قَلْتَيْ صفا منقور
وإذا ثديان كأنّهما حِقّان من مرمر، أُثْبِتا بمسمارين من عنبر، باتا من الدّود كأنّهما أخدود، وإذا بمنزلها في الدّور أشعث مهجور، كأنّه محجورٌ بلا حدق، أو شجرٌ بلا ورق، وكأنّه مات بعد ساكنيه، وكأنّهم كانوا روحاً فيه، وكم ذابت في ذاك
стр. 74
الثّرى خدودٌ وجباه، وثغورٌ وشفاه، وسلبٌ من أنفٍ شمم ومن بنانٍ عنم، وكم خُرِّبَتْ فيه قصور، وهُتِكَتْ ستور وجُمِعَتْ أضداد، وفُرِّقَتْ أمهاتٌ وأولاد، سبحانك اللهم وسعدانك من حبسٍ إلى رمس، ومن عبثٍ إلى جدث، عملٌ ثمّ أمل.
عُذْتُ بما عاذَ به إبراهيم ... مستقبل القبلة وهو قائم
أني لك الهمّ عان راغم
стр. 75
العزلة
صفة العزلة عن الناس
كتابي إلى السّيد أيّده الله، وكلأه ورعاه، وأنا حِلٌّ بقرى السّواد، وريف البلاد، بعيدٌ عن المدينة، وما فيها من الشّينة والزّينة، في عزلةٍ عن النّاس، بين سقيٍ وغراس، سليمُ الجسم من السّقم، والنفسِ من الألم، والحميةِ من الأنام، كالحميةِ من الطعام، شفاء من كلّ داء، وخليق بمن ارتطم، في المزدحم، أن يصاب ببعض الأوصاب.
وصف الريف
يا ما أحيلى الوحدة والرّيف، وذلك المشتى والمصيف، والجوّ السجسج والظلّ الوريف.
стр. 76
وصف الفجر
فجرٌ يلوح في الأفق، كالنّور في الأعين الزرق، وضياءٌ ينبثق في الفضاء كما ينبثق الماء، وشمسٌ تبدو للإشراق في الآفاق، كبودقةٍ فيها ذهب، أو قنبلة ترمى باللهب، فيرتفع جرس كلّ حيوان كممنون في الأوثان. فللإنسان تسبيحٌ وتكبير، وللإبل حنين وهدير، وللحمام هديل، وللخيل صهيل، وللبقر خوار، وللمعز يعار، وللغراب نعيب، وللأرنب ضغيب، وللذئب ضغاء وللغنم ثغاء.
стр. 77
وصف قرية وأهلها
وبين ذلك بيوتٌ من قرميد، وسقوفٌ من جريد، وأقنٌ من حجر، وبجدٌ من وبر، وقطارٌ من آبال تسير بالغدو والآصال في أعناقها الأجراس، وفي رجالها الأمراس، يحدوها سواق حطم، كأنّه الزّلم.
وراعي غنم بين الغرقد والسلم، يدفعه مدخل اللّيل، إلى مجرى السّيل، يشرب بالعلب، وينفخ في القصب. وفي كلّ محلةٍ برٌّ يُقْنى، وحريملةٌ تُجْنى، وقصبٌ يُكْسَر، وسليطٌ يُعْصَر، وزبدٌ يُمْخَضْ، وصريحٌ يُمْحَضْ. وأناسي، من أربتي، وفروي، هريت ثوبه، نقي جيبه، كريمٌ في أطمار، كالخمر في خزفٍ وقار.
стр. 78
وصف الصيف
فإذا أقبل الحرور ألفيت كلّ أرضٍ كشِعر أبي نوّاس، وكلّ نهى كقطعةٍ من ماس، وعلى كلّ علمٍ، برد منمنم، وفي كلّ غيطٍ، وشيٍ وديط، إلى أزاهر كأنّها دنانيرُ جدد، أو ولّاهم بدد، أو فصوص من يواقيت، أو أوائل النّار في أطراف كبريت، وعندليبٌ وكركي، وحمامٌ وقمري، وبطٌ، على الشط، وإوزٌ في النز.
حتى إذا استحكمت من الصذيف الوقدات، واستحرّت الوغرات، إذا الحجران قد اصفرّت، والعيون قد نشت، واستُنّ السفا والذرق، على القبق، وغدت الحقول، وهي عصفٌ مأكول والبطاح صعيداً تذوره الرّياح ولاح السّراب على الشعاب،
стр. 79
كالرّياط البيض، والملاء الرّخيص، وجنّ الذباب، وصمّ الغراب، وسكن العصفور مع الضبّ في حجر، وسال لعاب الشّمس كمذاب الصّفر ودوّى النحل في المحل، ووثب الجراد، في الوهاد، وانساب النضناض، على الرضراض، وخرج الذرّ من الجفر وطاب المقيل، في الظّل الظّليل، ففي كلّ دوحةٍ أستارٌ وحجب، وتحت كلّ سدرةٍ قيّةٌ وطنب وسرى النّسيم في الظّهيرة بين الأشجار، كأنّه نسيم بين الأسحار.
فصل الشتاء
فإن أظلّ الشّتاء كنت في جوٍ كأدكن الخزِّ، وأرضٍ كأخضرِ القزِّ، ولقحةٍ تدرُّ، وكلبٍ يهرُّ، ونكباءُ صرصر وخبزٍ سميذ،
стр. 80
وحملٍ حنيذ، ولباءٍ وماذي، وكامخٍ طري، وحالومٍ وصير، وخيرٍ كثير وليلٍ مطلول، كأنّه ليل صول، وموقدٍ ودخان، وسمّارٍ وضيفان.
وفي الجوّ غيمٌ قد تعلّق بين الأفقين، وتدلّى قاب قوسين، كأنّه فروٌ مزرور، أو كافورٌ منثور تمجّ لواقحه الماء مجّ الدلاء، وترتعج فيه ألسنة اللهب، كسلاسل الذّهب والطّير سواكن بلا حراك، كأنّها من الغيث في شباك.
النفس بين الرياض
سرّاءٌ في جميع الأنحاء، وراحةٌ في كلّ ساحة، فكأنّما نفس الإنسان في كلّ مكان، عين ماء، تصف ما يقابلها من الأشياء، فإن كانت حذاء رياض، وفضاء وغياض، ألفيت فيها روضاً وزهراً، وسماءً وفجراً، وإن كانت بين الحيطان القتماء، وبيوت المدن الدكناء، ألفيتها معتمةً، كدراء مظلمةً.
стр. 81
كتب العلماء والحكماء
وصحبي في هذه العزلة نفرٌ من صياب الأقوام، ولباب الأنام، فمنهم أبو تمّام، والحارث بن همام، وعروة بن الورد، وطرفة بن العبد، وكثيراً ما ينشدنا أحمد بن سليمان، باقعة معرّة النعمان:
ذريني وكتبي والرياض ووحدتي ... أظلّ كوحشٍ بإحدى الأمالس
يسوف أزهار الرّبيع تعلّة ... ويأمن في البيداء شرّ المجالس
ويقول أيضاً:
غنّيت عن زائرٍ ملم ... فليشغل الخبر زائريّا
стр. 82
وربما أسمعنا ثعلب عن قطرب:
تمرّ علينا الأرض من أن ترى بها ... أنيساً ويحلو لي لنا البلد القفر
أو ارتجل ابن المعتز وارتجز:
قليل هموم النفس إلاّ للذّة ... ينعم نفساً آذنت بالتنقّل
ولست تراه سائلاً عن خليفةٍ ... ولا قائلاً من يعزلون ومن يلي
ولا صائحاً كالعير في يوم لذّة ... بناظرٍ في تفضيل عثمان أو علي
ولكنّه فيما عناه وسَرّه ... وعن غير ما يعنيه فهو بمعزل
стр. 83
وإن شئنا حدثنا أفلاطون، ونادمنا ابن زيدون، وعالجنا بقراط، ووعظنا سقراط:
ولي دونكم أهلون سيّدٌ عملّسٌ ... وأرقطَ ذهلولٍ وعرفاء وجبأل
هم الأهل لا مستودع السّر ذائعٌ ... لديهم ولا الجاني بما جر يخذل
أيامنا في ظلالهم أبداً ... فصل ربيعٍ ودهرنا عرس
الوحشة من الاجتماع
يدعوني السّيد دام علاه، وكبّت عداه، أن أهجر الدساكر وأسكن الحواضر وأترك تلك التلاع والأيفاع، وأقبل على
стр. 84
الاجتماع فقد كان ذلك قبل اليوم ألا من يشتري سهراً بنوم كيف بعد التجارب الرجوع، إن المعافى غير مخدوع، دع النفس وشأنها أعمرت أرضاً لم تلس حوذانها.
إذا تركت العزلة، فمن أقصد بالنفلة.
والقوم شر فلا يسررك إن بسطوا ... لك الوجوه ولا يحزنك إن عبسوا
أأفعل ذلك، وأقطع تلك المسالك، رغبة في حوار، حاكم ديوان أو جوار، صحبانٌ وخلّان، أم لمنافسة أبناء السّامة، أم ملابسة هذه العامّة.
стр. 85
وصف الحكام
أمّا الحاكم فأكثر ما لقيت امرؤ إن أونس تكبّر وإن أوحش تكدّر وإن قصد تخلّف، وإن ترك تكلّف، إمعٌّ، لا يضرّ ولا ينفع، قبةٌ جوفاء تردّد ما يُلقى فيها من النّغم، إن لا فلا أو نعم فنعم، ألقابٌ وأكاليل، على شخصٍ في مسرح التمثيل، فإن طرحت تلك الألقاب، ونزعت هاتيك الثّياب، ألفيت تحتها العجب العجاب.
لا عدّة ولا عدد. وملك أقامه الله بلا رجال كما رفع السّماء بغير عمد. مَنٌّ ولا منة. كالمهدر في العنّة وأعوانٌ وخدّام. وحجّاب كحجّاب أبي تمام.
стр. 86
إلى تيهٍ وخيلاء. وعنجهيةٍ وكبرياء. كأنّه جاء برأي خاقان. أو أدلّ دولة بني مروان، أو أنّ الإيوان داره. والهرمين آثاره. وعصام بن شهبر حاجبه وعمرو بن بحر كاتبه والحجّاج غلامه. والحماسة كلامه، رويدك ربّما علت الجيف.
وانحطّ الدّرّ في الصدف. وارتفع في الميزان جانب النقصان.
على أنّ الإنسان، إذا لم يكن فيه غير جثمان فكلّما علا يصغر لمن ينظر وربّما حسن الأفن. تعظيم الوثن.
стр. 87
عبوسٌ إذا حيّيته بتحيةٍ ... فيا لك من كبرٍ ومن منطق نزر
الأصحاب والخلان
وأمّا الأخلّاء، والصَحب والسجرّاء، فحسبك من رجلٍ عون في كلّ أمر تردّه، ونصيرٍ في كلّ مطلب لم تقصده، فإن عرض لك بعض الحاج، فالعلويّ يسترفد الحجّاج، ماءٌ يتلوّن بلون الإناء، - ونيلوفر - يدور مع الشّمس في الإصباح والإمساء.
стр. 88
إن جددت فإليك، أو شقيت فعليك، مدحٌ مع المادح، وقدحٌ مع القادح أجسامٌ متدانية، وقلوبٌ متنائية، وإن كان خبر سوءٍ، فحمّاد الرّاوية حدِّث عن البحر ولا حرج، مئذنةٌ في ظاهرٍ
مستقيمٍ وباطنٍ معوَّج.
له لطفُ قولٍ دونه كلّ رقية ... ولكنّه في فعله حيّة تسعى
أبناء الأغنياء
وأمّا أبناء السّامة فإن أحدهم غادةٌ ينقصها الحجاب ينظر ف
стр. 89
ي المرآة ولا ينظر في كتاب: إنّما هو لباس، على غيرِ ناس، كما تضع الباعةُ مبهرم الثّياب، على الأخشاب، رمادٌ تخلّف عن نار وحوض شُرِبَ أوّله ولم يبق منه غير أكدار، آباءٌ وأحساب، وحالٌ كشجر الشّلجم أحسن ما فيه ما كان تحت التراب ترى الفتيان كالنّخل وما يدريك ما الدّخل إلى رطانةٍ بالعجمة بين الأعراب أبرد من استعمال النّحو في الحساب لو كان ذا حيلة لتحوّل ميسرٌ يلعب. ومالٌ يُسْلَب. وخدنٌ
стр. 90
يُخدع. وكلبٌ يُتبع. وعطرٌ يَنفح، وفرسٌ يضبح، دنيا موجودة ونفسٌ مفقودة، وعقلٌ أسير، وهوى أمير اليوم خمر وغداً أمر فبيّناه غنيٌّ يتملّك. إذ هو فقير يتصعلك قوتٌ كيلا يموت. ومن إيوان كسرى إلى البيت العنكبوت.
стр. 91
الحرص أو تثمير المال للذرية والآل
أيّها الرّجل، وكلكم ذلك الرّجل، إنّ المال وسيلة لا غاية، فإن أصبت منه الكفاية، فقد بلغت النّهاية، ليس لك من عيشك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فأبليت، ولو أفرغ ذَنُوبٌ في كوب ما أخذ إلّا ملأه، ولا وسع إلّا كفاه.
عجبت للمالك القنطار من ذهب ... يبغي الزّيادة والقيراط كافيه
وكثرة المال ساقت للفتى أشراً ... كالذّيل عثر عند المشي ضافيه
فلم هذا الطماح والطّمع، والاستكلاب والجشع.
стр. 92
أنت للمال إذا جمعته ... وإذا أنفقته فالمال لك
أتظن أن الدرهم حبيسٌ في مستقر، إن خرج فرّ، أم صديقٌ منك وإليك، إن لم تحرص عليه لا يحرص عليك، أو أنّ بيت المال بيت قريض، إن نقص منه حرفٌ أدركه التقويض، أو أنّ شيئاً عليه آيةٌ من القرآن، أو صورةٌ لسلطان، حريٌّ أن يكون تعويذةً من لجين، تُدّخر لدفع العين أم أردت أن تعيش كدودة القزّ، أو تكون كطلسم على كنز.
стр. 93
حتّى إذا قضيت، ومضيت ألقى بنوك ما ثمرت، في تلك الهاوية، وما أدرك ماهية نارُ حامية، وأطعم بناتك شحمة مالك لغير آلك.
وأكثر النّسل يشقى الولدان به ... فليته كان عن آبائه دفعا
وكم سليلٍ رجاه للجمال أبٌ ... فكان خزياً بأعلى هضبةٍ رفعا
العامة من الناس
وأمّا العامّة أيّدك الله فهم عظمٌ على وضم، وصيدٌ في غير حرم، سيّدٌ مأسور، والأخشيد في يد كافور، ويتيمٌ غنيّ، في يدِ وصيّ،
стр. 94
فبينما ترى قصوراً وثراء، وحبوراً وسرّاء، وعربات تتري، يعدو أمامها السّليك، والشنفرى ويقودها داحس والغبراء، على بساط الغبراء.
وخراج قرية أو قريتين، يذهب في لهوِ ليلةٍ أو ليلتين، تجد أرملةً صناعاً، وأيتاماً جياعاً، وشيخاً يعمل وهو في أرذل العمر، يقعده العجز وينهضه الفقر، أو عذراء كادت تبيع عرضها للاحتياج أو مريضاً عاجزاً عن العلاج.
وبينما ترى وذاحاً في جيدها عقدٌ كأنه فرود حضار. وفي أخمصها نعلٌ من نضار، تُرَى بائسةً في عنقها عقدٌ من دموع، وفي بيتها فقرٌ وجوع، حالٌ تُطْرِفُ العيون وتُثيرُ الشّجون.
стр. 95
رحماك إن عزلة بين كرمٍ وأعناب. ودواةٍ وكتاب. لهي الجماعة والأنس للنفس. وإن اجتماعاً بكبيرٍ يُبغض ويُزار. أو رئيسٍ لا يجد نفسه في اللّيل ولا تجده في النهار. أو عدوٍ ليس من صداقته بدٌّ. أو حقودٍ أظهر منه الود. أو حسودٍ ملق. كالذبالة يضحك ويحترق. أو جاهلٍ متعاقل. أو متفصحٍ وهو باقل. أو صغيرٍ به كبر. أو خدين فيه غدر، لهو وأيم الله الوحشة والوحدة والسلولية والغدة.
جزى الله عني مؤنسي بصدوده ... جميلاً ففي الإيحاش ما هو إيناس
стр. 96
مصر
أديار ميٍّ تنظر ... فدموع عينك تمطر
أو أبرق العلمين أم ... سفح اللوا تتذكّر
أم تام قلبك جؤذرٌ ... أحوى المدامع أحور
أم هبّ في مصرٍ صبا ... أم طار برقٌ أشقر
أم قد ذكرت بطاحها ... وهي البساط الأخضر
والنيل في لباتها ... عقد يلوح مجوهر
والجو صحوٌ مشرق ... وكأنّما هو ممطر
والظّلّ من خلل الشمو ... س مدرهم ومدثّر
فكأنّه جلدٌ من ال ... نمر المرقّش ينشر
وغصونها لدنٌ تميد ... بما تقلّ وتثمر
فكأنّهنّ ولائدٌ ... في حليها تتكسّر
هي نسج وشي نيلها ... فيه الطّراز الأحمر
هي مثل لوحٍ صوراً ال ... فردوس فيه مصوّر
يا جنةً يجني الجنى ... فيها ويجري الكوثر
стр. 97
أنا شاعرٌ في وصفها ... ولكنّها هي أشعر
أنّى بمصرَ ودونها ... بحرٌ يعجّ ويذخر
يا ساخر الفلك المسخّر ... في خضارةٍ يمخر
أقرّ التحيّة جيرةً ... حيث الكثيب الأعفر
الهرمين والمقياس والروضة
فالنيل فالهرمان من ... غريبه فالأزهر
فالروضة الغناء وال ... مقياس فيها يشبر
قصر عابدين
فالقصر قصر الملك وال ... أوهام عنه تقصر
فيه المقاصير التي ... ألواحهنّ المرمر
حيطانها الذّهب الصقي ... ل وأرضهنّ العرعر
قد صوّر التاريخ في ... أرجائهنّ مصوّر
فترى الوقائع منظرٌ ... فكأنّما هي مخبر
والجند تخطر في الحدي ... د فدارعون وحسّر
стр. 98
والخيل بين عجاجها ... تخفى وحيناً تظهر
وتظنّ إحياء بها ... فتمسّ كيما تخبر
الجزيرة
ثمّ الجزيرة تستبي ... ك بها أوانس نفّر
عجلاتها فلك بأش ... باه النّجوم يدوّر
من كلّ خركاةٍ بحس ... ناء تضيء وتقمر
فكأنّها المشكاة وال ... مصباح فيها يزهر
الجيزة والمتحف
فالجيزة الخضراء يع ... بق رندها والعبهر
فيها النّعامة والحبا ... ري والمها والقسور
كسفين نوحٍ أظهرت ... ما كان فيها يضمر
وترى الغصون على الأ ... رائك تلتوي فتشجر
стр. 99
وجداولٌ كسبائك ... بسنا الأصيل تعصفر
ماءٌ كبلّورٍ يذو ... ب وأدمعٍ تتقطّر
يروي القطا الكدري م ... نه وينتحيه الجؤذر
في حافّيته الورد والن ... سرين والنيلوفر
وعليه من نسج الصبا ... درعٌ هناك ومغفر
فالقصر وهو لمن مضى ... من أهل مصر مقبر
نشرت به أمواتهم ... فكأنّما هو محشر
رمسيس أين مطارف الدّ ... يباج أين الجوهر
أين السّرير وأين تا ... ج المُلك أين العسكر
نم في رقادٍ ليس في ... أحلامه ما يُذْعِر
ملعب الحياة
فالموت نومٌ أكبر ... والنوم موتٌ أصغر
دنيا تشابه ملعباً ... واللّيل ستر يستر
والفصل يضحك والثريّ ... االشّمس فيه تنور
جندٌ هناك وسوقةٌ ... ومتوّجٌ ومسخّر
стр. 100
فإذا طُرِحَتْ ثيابهم ... ساوى الأعزُّ الأحقر
الأزهر
فالأزهر الزاهي يدوّ ... ي بالعلوم ويجأر
كدويّ نحلٍ وهو يجم ... ع شهده أو يذخر
حديقة الأزبكية
فالأزبكيّة حيث تط ... وى بالعشي وتنشر
وتبيت نسجٌ في الدّجى ... ورقاؤها والمزهر
والبركة الفيحاء في ... فضفاضها تتمرمر
وصف المياه
ماءٌ كعين الدّيك ين ... ظم بالنّجوم وينثر
وترى ضياء البدر في ... هـ كمثل عينٍ تفجر
وإذا تلوح الشّمس في ... لألائه أو تسفر
ألفيته المرآةُ والحس ... ناءُ فيها تنظر
стр. 101
قلعة الجبل
فالقلعة العلياء تج ... لي للعيان وتبصر
بمآذنٍ كالحقّ لا ... جنفٌ ولا متأطّر
مجد مصر القديم
قطرٌ تمصر في الورى ... والأرض برٌّ أقفر
وطن الغريب وداره ... وقبيله والمعشر
ملكٌ محيط الأرض يص ... غر عن مداه ويكبر
في كلّ صرحٍ مخبر ... وبكلّ سفحٍ منظر
ولكلّ لبنةَ غرفةٍ ... فيها حديثاً يذكر
فرعون والأنهار تج ... ري واللوى والمنبر
ذهبوا فأمسوا مثل ر ... ؤيا في المنام وتعبر
هَرَمان فيه شاهدي ... ن شهادةً لا تُنْكَر
وهياكل دثرت وذك ... ر حديثها لا يدثر
والمجد مثل الخمر يكر ... م ما توالي الأعصر
كانت سلاطين الورى ... فيه تشيد وتعمر
والغَرب في أعماله ... والقبلتان وتدمر
стр. 102
والخيل خيل الله تر ... كب والصوائف تنصر
وفرنجةٌ ومليكها ... تُغزى بمصر وتُؤسَر
هذي مناقب مصر تر ... وى في الأنام وتسطر
ولسوف يرجع ما مضى ... ويعود ذاك المفخر
وكذا الزمان يدور وال ... قدر المغيب محور
والبدر إن وافى السرا ... ر فبعد ذلك يبدر
والعود ييبس برهةً ... فإذاه عودٌ أخضر
стр. 103
ذات القوافي
سقى دور ميّة بالأجرع ... مسفٌ من الدّجن لم يقلع
ولو ترك الشّوق دمعاً بجفني ... سقيت المنازل من أدمعي
شجيٌّ يحنّ لألافه ... ويصبو إلى دهره الغابر
فهل عائدٌ لي زمانٌ مضى ... بنعف الغوير إلى الحاجر
أرى بين أحناء صدري ناراً ... تؤجّجها الرّيح إذا ما هفت
وبين جفوني سحباً ثقالاً ... إذا ما تألّق برقٌ همت
الهوى وأعماله
وساورني الحبّ حتّى ثوى ... كأيمٍ على مهجتي ملتوي
وما الحبّ إلاّ كروضٍ غدا ... بغير المدامع لا يرتوي
стр. 104
وقد هجرت مقلتاي الكرى ... كأنّ بهدبي رؤوس الإبر
ولو كان ما بي بهذا الغمام ... لأمطر بالجمر أو بالشرر
فجسمي أصبح كالشّمع يفنيه ... سكبُ الدّموع ووقد الحرق
فلا ألبس الثّوب إلاّ وجسمي ... من تحت ثوبٍ كثوبٍ خُلِق
نحلت فلو زرتها ما خشيت ... رقيباً يراني فيمن يرى
ولو زرت ميّة في يقظة ... لظنّت بأنّي خيالٌ سرى
يمرّ ولم أدرِ شهرٌ فشهرٍ ... كأنّي في فلكٍ لم يدر
وأرتاح إمّا تمنّيتها ... ويا ربّ أمنية كالظّفر
أسيرٌ ولا أرتضي بالعتاق ... ومضنىً وأجزع أن أبرأ
стр. 105
وإن سلّمت خلتها ودّعت ... وأحسب مقتربي منتأى
إذا كنت وحدي أكون وإيّاك ... أو خالياً فاشتغالي بك
وأطلب المجد والمكرمات ... لتحسن لي شيمةٌ عندك
ليحنو قلبك رفقاً عليَّ ... فالصّخر بالماء قد ينبجس
وصوني الوداد وفيه الذماء ... فلن يورق العود إمّا يبس
لميّة خدٌ به وردةٌ ... تفتّحه نظرةٌ أو خجل
وقد قضيف إذا ما تثنّى ... يخال به رنحٌ أو ثمل
ووجهٌ إذا ما نظرت إليه ... نظرت لوجهك في مائه
وجفنٌ ترنقه فترةٌ ... كمستيقظٍ بعد إغفائه
كأنّي في مدحها ساجعٌ ... ودمعي في عنقي طوقه
стр. 106
تشوق فؤادي فأثني عليها ... كعودٍ يضوعه حرقه
الشيب والغزل
زمانٌ إذا ما تذكّرته ... تخيّلته حلماً في الكرى
وعهد الشّباب كرؤيا إذا ... أمضت أدركتها نفوس الورى
стр. 107
أبي
سقت رحمةُ الله الضّريح وما ضما ... وروت به هاماً وروت به عظما
يعز على العلياء أن يسكن النّدى ... تراباً وأن تلقي به الحسب الضخما
وأن تسكت الأجداث محراب ساجدٍ ... وكان به التّسبيح يفعمه فعما
كأنّك كنزٌ قد دفنّاه في الثّرى ... كأنّك غُنْم قد أحيل لنا غرما
كأنّك شمسٌ والجفون غمائمٌ ... حَجَبَتْ أضواؤك انسجمت سجما
ألا في جوار الله مولىً عهدته ... يجير على الأيام أن وهصت ظلما
стр. 108
له كنفٌ ينمو لآل محمدٍ ... تؤمّ الملوك الصيد أبوابه أمّا
وكفّان كانا كالفرات ودجلة ... يريشان من خصا بجودٍ ومن عما
وعلمٌ هو اليمّ الّذي قد تنوّرت ... أو أذية الورّاد فاستصغروا اليمّا
وبطشٌ لمن عاداه تحسب أنّه ... شهابٌ هوى في أثر عفريةٍ رجما
وصدرٌ هو الدهناء في الأزم فسحةً ... وليلة سرّ عند أسراره كتما
وقولٌ عريقٌ في الفصاحة لو غدت ... تساجله عربٌ إذا أصبحوا عجما
وعدلٌ هو العدل الّذي قد قضى به ... أبو حفص الفاروق في طيبةٍ حكما
стр. 109
فهذا أبي من بيت تيم بن مرّة ... إلى نضدٍ من هاشم يفرع النجما
وما ذاك في مديحه شعرٌ وإنّما ... خلائقه درّ أوجدت له نظما
وصف فلك
أخوض عباباً فوق فلكٍ تظنّها ... على سروات اليمّ قصراً مشيداً
تهادي به مثل العقارب وتارةً ... ترقى من صرحاً ممرّدا
وترزم حيناً فيه حتّى كأنّها ... تجوز على العلات حزناً وقرددا
المضحك المبكي
حمق الألى يحكمون النّاس يبكيني ... وسوء فعلهم في النّاس يبكيني
стр. 110
ما الذئب قد عاث بين الضأن أفتك من ... هذه الولاة بهاتيك المساكين
الشيب
أشعرةٌ بيضاء أم ... أوّل خيطِ الكفن
أم تلك سهمٌ مرسل ... لا يتقى بالجنن
والزرعُ إنْ هاج ... فقد حان الحصاد وأنّي
ففي سبيل الله ما عا ... نيته في زمني
كيف نصبر
أشفاهٌ تلوح أم ورد الورق ... وعينان أم هما سهمان
دربونا على التجافي وإلاّ ... فاحجبوا بيننا وبين الحسان
صغائر الأمور
وفي وسعة المرء نيل العلا ... وقد يمنع المرء ما يمنع
صغيرٌ من الأمر يلهيه عن ... بلوغ العظائم أو يقطع
следующие страницы →