معاوية: «وأنا»، فلما انقضى التأذين قال: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ على هذا المجلس حين أذن المؤذن يقول ما سمعتم مني من مقالتي.
وأخرج أحمد عن علقمة بن أبي وقاص قال: إني لعند معاوية ﵁ إذ أذن المؤذن فقال معاوية كما قال مؤذنه حتى إذا قال: حي على الصلاة قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله»، فلما قال: حي على الفلاح، قال: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، وقال بعد ذلك ما قال المؤذن، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك.
وأخرج البخاري ومسلم ومالك في الموطأ وأبو داود والترمذي والنسائي عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أنه سمع معاوية عام حج على المنبر وتناول قصة من شعر وكانت في يد حرسي فقال: يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت النبي ﷺ ينهى عن مثل هذه يقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذوها».
وأخرج الشيخان والنسائي عن سعيد بن المسيب قال: قدم
стр. 37
معاوية المدينة فخطبنا وأخرج كبة من شعر فقال: ما كنت أرى أن أحدا يفعله إلا اليهود، إن رسول الله ﷺ بلغه فسماه «الزور».
وأخرج النسائي عن سعيد المقبري قال: رأيت معاوية ﵁ على المنبر وفي يده كبة من كبب النساء من شعر فقال: ما بال المسلمات يضعن مثل هذا، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أيما امرأة زادت في رأسها شعرا ليس منه فإنه زور تزيد فيه».
وأخرج الطبراني عنه مرفوعا: «ان الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه».
وأخرج أبو داود عن معاوية ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن الغلوطات.
وأخرج أبو داود أن معاوية ﵁ توضأ للناس كما رأى رسول الله ﷺ يتوضأ فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر ثم مسح من
стр. 38
مقدمه إلى مؤخره إلى مقدمه.
وأخرج أبو داود عن معاوية ﵁ مرفوعا: «لا تبادروني بركوع ولا سجود إني مهما أسبقكم به إذا ركعت تدركوني به إذا رفعت إني قد بدنت».
وأخرج أبو نعيم عن معاوية مرفوعا أن رجلا كان يعمل السيآت وقتل سبعة وتسعين نفسا كلها يقتل ظلما بغير حق فخرج فأتى ديرانيا فقال يا راهب إن رجلا قتل سبعة وتسعين نفسا كلها يقتل ظلما بغير حق فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله ثم أتى آخر فقال له مثل ما قال لصاحبه فقال: ليست له التوبة، فقتله أيضا، ثم أتى راهبا آخر فقال له مثل ما قال لصاحبه فقال له ليست لك توبة، فقتله أيضا فأتى راهبا آخر فقال له: إن الآخر لم يدع من الشر شيئا إلا عمله قد قتل مائة نفس كلها يقتل ظلما بغير حق فهل له من توبة؟ قال له: والله لئن قلت لك إن الله لا يتوب على من تاب إليه لقد كذبت، ههنا دير فيه قوم متعبدون فأته فاعبد الله معهم، فخرج تائبا حتى إذا كان ببعض الطريق بعث الله إليه ملكا قبض نفسه فحضرته ملائكة العذاب وملائكة الرحمة فاختصموا فيه فبعث إليهم ملكا فقال لهم إلى أي القريتين كان أقرب فهو منهما فقاسوا ما بينهما فوجدوه أقرب إلى قرية التوابين بقيس أنملة فغفر
стр. 39
له.
وقال الشيخ الأكبر في الفتوحات المكية روينا من طريق أبي داود عن عبد الله بن علاء عن مغيرة بن قرة قال: قام معاوية في الناس يوما في المسجد على باب حرض فقال: يا أيها الناس إنا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا وأنا متقدم بالصوم فمن أحب أن يفعل فليفعل، فمال إليه مالك بن هبيرة فقال: يا معاوية أشيء سمعته من رسول الله ﷺ أم شيء من رأيك؟ فقال: سمعت من رسول الله ﷺ : «صوموا الشهر وسرره».
وأخرج البخاري عن حميد بن عبد الرحمن: سمعت معاوية خطيبا يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي ولن تزال هذه الأمة قائمة لا يضرهم من خالفهم حتى
стр. 40
يأتي أمر الله»
وأخرج مسلم عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس فيبارك له فيه ومن أعطيته عن مسألة وشره كان كالذي يأكل ولا يشبع»
وأخرج مسلم عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تلحفوا في المسألة فوالله لا يسألني أحد منكم فيخرج له مسألته في شيء وأنا له كاره فيهما فيبارك له في ما أعطيته»
وأخرج أبو داود والنسائي عن معاوية أن رسول الله ﷺ «نهى عن ركوب النمور وعن لبس الذهب إلا مقطعا»؛ وفي رواية لهما عنه مرفوعا: "لا تركبوا الخز ولا النمور"
وأخرج النسائي أن معاوية قال وعنده جمع من أصحاب النبي ﷺ فقال: أتعلمون أن النبي ﷺ «نهى عن لبس الذهب إلا مقطعا»؟ قالوا: اللهم نعم.
وأخرج أبو داود عن معاوية قال: يا أصحاب النبي ﷺ هل تعلمون
стр. 41
أن النبي ﷺ نهى عن كذا وعن «ركوب جلود النمار»؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: أما هذه فلا، قال: أما إنها معهن ولكنكم نسيتم.
وأخرج مسلم عن طلحة بن يحيى عن عمه قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة فقال معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «المؤذنون أطول الناس اعناقا يوم القيامة»
وأخرج مسلم عن أبي سعيد قال: خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟ قالوا: والله ما أجلسنا غيره، قال: إني لم أستحلفكم تهمة لكم وما كان أحد بمترلتي من رسول الله ﷺ أقل عنه حديثا مني، وإن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه فقال: «ما أجلسكم ههنا» قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام ومن به علينا، قال: «آلله ما أجلسكم إلا ذلك؟» قال: «أما أني لم أستحلفكم تهمة لكم ولكني أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم الملائكة».
وقال المحدث القاضي عياض في الشفاء: يروى
стр. 42
أن معاوية كان يكتب بين يديه ﷺ فقال له: "ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ومد الرحمن وجود الرحيم"
التاسعة: كان حريصا على اتباع السنة. روى البغوي في شرح السنة عن أبي مجلز أن معاوية خرج وعبد الله بن عامر وعبد الله بن الزبير جالسان فقام ابن عامر وقعد ابن الزبير فقال معاوية: إن رسول الله ﷺ قال: «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» وأخرج هذا الحديث عنه الترمذي وأبو داود وأحمد.
وأخرج أبو داود والترمذي عن عمرو بن مرة أنه قال لمعاوية ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله دون حاجته وخلته وفقره» فجعل معاوية رجلا على حوائج الناس.
وأخرج البخاري عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة أن معاوية ﵁ كتب إلى المغيرة: اكتب إلي بحديث سمعت من رسول الله ﷺ ، فكتب إليه المغيرة: إني سمعته يقول عند الفراغ من الصلاة: «لا اله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» ثلاث مرات، قال: «وكان ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال ومنع
стр. 43
وهات وعقوق الأمهات ووأد البنات».
وأخرج الترمذي أن معاوية كتب إلى عائشة ﵂ أن اكتبي إلي كتابا توصيني به ولا تكثري فكتبت: سلام عليك أما بعد فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من التمس رضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس ومن التمس رضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس» والسلام.
وأخرج الترمذي وأبو داود عن سليم بن عامر قال: كان بين معاوية ﵁ وبين الروم عهد وكان يسير نحو بلادهم حتى إذا انقضى العهد أغار عليهم فجاء رجل على فرس أو برذون وهو يقول: الله أكبر الله أكبر وفاء لا غدر، فنظروا فإذا هو عمرو بن عبسة، فسأله معاوية عن ذلك فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يحلن عهده ولا يشدنه حتى يمضي أمره أو ينبذ إليهم على سواء» قال: فرجع معاوية بالناس.
ومن شدة حبه النبي ﷺ ما ذكره القاضي عياض في الشفاء أن عابس بن ربيعة لما دخل على معاوية من باب الدار قام من سريره وتلقاه
стр. 44
وقبل بين عينيه وأقطعه المرغاب لشبهه صورة رسول الله ﷺ .
العاشرة: كان يأمر الناس باتباع الحديث وينهاهم عن مخالفته. قال الإمام ابن حجر العسقلاني: كان إذا أتى المدينة وأُسمع من فقهائها شيئا يخالف السنة قال لأهل المدينة: أين علماؤكم، سمعت رسول الله ﷺ يقول كذا، ورأيته يفعل كذا.
وأخرج البخاري عنه قال: إنكم لتصلون صلاة لقد صحبنا النبي ﷺ فما رأيناه يصليها ولقد نهى عنها. يعني الركعتين بعد العصر.
وأخرج مسلم عن عمرو بن عطاء قال: إن نافع بن جبير أرسله إلى السائب يسأله عن شيء رآه من معاوية في الصلاة فقال: نعم صليت معه الجمعة في المقصورة فلما سلم قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل إلي فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج.
وأخرج مسلم عن معاوية ﵁: إياكم والأحاديث إلا حديثا كان في عهد عمر، فإن عمر كان يخيف الناس في الله .
قال الشارح: النهي عن الإكثار من الأحاديث بغير تثبت لما شاع في زمنه من التحدث عن أهل الكتاب وما وجد في كتبهم حين فتحت بلدانهم
стр. 45
وأمرهم بالرجوع في الأحاديث إلى ما كان في زمن عمر وضبطه الأمر وشدته فيه وخوف الناس سطوته ومنعه الناس من مسارعتهم إلى الأحاديث وطلبه الشهادة على ذلك حتى استقرت الأحاديث واشتهرت السنن. اهـ.
وأخرج البخاري عن محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش أن عبد الله بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان فغضب فقام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فإنه بلغني أن رجالا منكم يحدثون بأحاديث ليست في كتاب الله ولا تؤثر عن رسول الله وأولئك جهالكم فاياكم والأماني التي تضل أهلها فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين»
الحادية عشرة: تبعه كثير من الصحابة الكرام كعمرو بن العاص وابنه عبد الله الزاهد ومعاوية بن خديج وغيرهم ﵃.
الثانية عشرة: أن عمر بن الخطاب ﵁ استخلفه على الشام مع أنه كان شديد التحري في صلاح الأمراء وفسادهم واقره عثمان فلم يترله.
стр. 46
الثالثة عشرة: أن الفقهاء يعتمدون على اجتهاده ويذكرون مذهبه كسائر الصحابة، كقولهم: ذهب معاذ بن جبل ومعاوية وسعيد بن المسيب إلى أن المسلم يرث الكافر، وقولهم عن معاوية ﵁ كان المعراج رؤيا صالحة كما روي عن عائشة ﵂، وقولهم روي استلام الركنين اليمانيين عن الحسن والحسين ﵄ وصح عن معاوية.
الرابعة عشرة: تسليم الحسن بن علي الخلافة إليه مع أن معه أكثر من أربعين ألفا بايعوه على الموت. فلو لم يكن أهلا لها لما سلمها السبط الطيب إليه ولحاربه كما حاربه أبوه، ﵃ وعن أولادهم وسيأتي تفصيله.
الخامسة عشرة: أنه كان يتأدب إلى الحسن ويخدمه ويروي فضائل أهل البيت. فهذا يدل على إيثاره الحق مع المنازعة والمخاصمة التي سبقت بقدر الحق سبحانه.
وأخرج أحمد عن معاوية قال: كان رسول الله ﷺ يمص لسان الحسن وشفتيه، وإنه لن يعذب الله لسانا أو شفة مصها رسول الله ﷺ .
стр. 47
وذكر القاري الهروي في شرح المشكاة عن عبد الله بن بريدة أن الحسن ﵁ دخل على معاوية فقال: لأجيزنك بجائزة لم أجز بها أحدا قبلك ولا أجيز بها أحدا بعدك، فأجازه بأربع مائة ألف فقبلها.
وأخرج أحمد أن رجلا سأل معاوية عن مسألة فقال: اسأل عنها عليا فهو أعلم، فقال: يا أمير المؤمنين جوابك فيها أحب إلي من جواب علي، قال: بئسما قلت، لقد كرهت رجلا كان رسول الله ﷺ يعزه بالعلم عزا، ولقد قال له: «أنت مني بمترلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، وكان عمر ﵁ إذا أشكل عليه شيء أخذ منه. وأخرجه آخرون بنحوه وزاد بعضهم: قم لا أقام الله رجليك، ومحا اسمه من الديوان، ولقد كان عمر يسأله ويأخذ عنه ولقد شهدته إذا اشكل عليه قال: ههنا علي ﵁؟
روى الإمام المستغفري بإسناده إلى عقبة بن عامر قال: كنت أمشي مع معاوية فقال: والله ما على الأرض رجل أحب إلي من علي بن أبي طالب قبل الذي كان بيني وبينه وإني لأعلم أنه يملك من ولده من هو خير أهل الأرض في زمانه وإن له اسما في السماء يعرفه به أهل السماء وإن له علامة يكون في زمانه الخصب ويميت الباطل ويحيي
стр. 48
الحق وهو زمان الصالحين يرفعون رؤسهم وينظرونه.
وأخرج الحاكم وابن البخاري عن هشام بن محمد عن أبيه قال: كان عطاء الحسن بن علي من معاوية مائة ألف في كل سنة فحبسها عنه في أحد السنين فاضاق إضاقة شديدة قال فدعوت بدواة لأكتب إلى معاوية ﵁ لاذكره نفسي ثم أمسكت فرأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: كيف أنت يا حسن؟ قلت: بخير يا أبت، وشكوت إليه تأخر المال عني، قال: أدعوت بدواة لتكتب إلى مخلوق مثلك لتذكره ذلك؟ قلت: نعم يا رسول الله فكيف أصنع؟ قال: قل اللهم اقذف في قلبي رجاءك واقطع رجائي عمن سواك حتى لا أرجو أحدا غيرك، اللهم وما ضعفت عنه قوتي وقصر عنه عملي ولم تنته إليه رغبتي ولم تبلغه مسألتي ولم يجر على لساني مما أعطيت أحدا من الأولين والآخرين من اليقين فخصني به يا رب العالمين، قال فوالله ما ألححت به أسبوعا حتى أتى معاوية بألف ألف وخمسمائة ألف فقلت الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره ولا يخيب من دعاه، فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال: يا حسن كيف أنت؟ قلت: بخير يا رسول الله، وحدثته بحديثي فقال: يا بني هكذا من رجاء الخالق ولم يرج المخلوقين.
وذكر محمد بن محمود الآملي في نفائس الفنون أنه ذكر علي ﵁ عند معاوية فقال: كان علي والله كالليث إذا دعا وكالبدر إذا بدا وكالمطر إذا ندا فقال له بعض من حضر: أنت أفضل أم
стр. 49
علي؟ فقال: خطوط من علي خير من آل أبي سفيان، فقيل: لم حاربته؟ قال: الملك عقيم، ثم قال: من أنشأ شعرا في مدح علي كما يليق به أعطيته بكل بيت ألف دينار، فأنشأ من حضر ومعاوية يقول: علي أفضل منه، فأنشأ عمرو بن العاص أبياتا حتى بلغ قوله: بيت
هو النبأ العظيم وفلك نوح ... وباب الله وانقطع الخطاب
فاستحسنه معاوية واعطاه سبعة آلاف دينار. انتهى.
وفي الصواعق قال معاوية لضرار بن حمزة: صف لي عليا، فقال: اعفني، فقال: أقسمت عليك، فقال: كان علي والله بعيد المدى شديد القوى يقول فصلا ويحكم عدلا ينفجر العلم من جوانبه وينطق الحكمة على لسانه يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته وكان غزير الدمعة طويل الفكرة يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن وكان فينا كأحدنا يجيبنا إذا سألناه ويأتينا إذا دعوناه ونحن والله مع تقريبه إيانا وقربه منا لا نكاد نكلمه هيبة له يعظم أهل الدين ويقرب المساكين لا يطمع القوى في باطله ولا ييئس الضعيف من عدله واشتهر لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وغارت نجومه قابضا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ويقول: يا دنيا غري غيري إلى التشوق
стр. 50
هيهات هيهات وقد باينتك ثلاثا لا رجعت فيها فعمرك قصير وخطرك كثير آه آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق. فبكى معاوية وقال: رحم الله أبا حسن كان والله كذلك.
السادسة عشرة: أن رجلا جاء عند الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز فقال: أمير المؤمنين يزيد، فضربه بالسوط ووقع آخر في معاوية ﵁ فضربه بالسوط.
السابعة عشرة: أن ابن عساكر روى بسند ضعيف عن ابن عباس ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ وعنده أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية إذا أقبل علي فقال النبي ﷺ لمعاوية: أتحب عليا؟ قال: نعم، قال: إنها ستكون بينكم هنيهة، قال معاوية فما بعد ذلك يا رسول الله قال عفو الله ورضوانه، قال: رضينا بقضاء الله فعند ذلك نزلت: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾
الثامنة عشرة: قوله ﷺ في الحسن بن علي: «لعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» رواه البخاري وسيأتي تفصيله.
التاسعة عشرة: قوله ﷺ : "أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية يقال له يزيد" رواه الروياني في مسنده من حديث أبي الدرداء. أخرج أبو علي بسند ضعيف عن أبي عبيدة مرفوعا: "لا يزال أمر
стр. 51
أمتي قائما بالقسط حتى يكون أول من يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد" فيدل على أن معاوية ﵁ لم يخالف السنة. وعن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: "تعوذوا بالله من رأس السبعين وإمارة الصبيان" رواه أحمد. أراد تأريخ الهجرة أو الوفاة وإمارة يزيد وأولاد الحكم الأموي. واشتهر في العامة أن النبي ﷺ رأى يزيد يحمله معاوية فقال: أهل الجنة يحمل أهل النار. وليس بصحيح فإن يزيد ولد في خلافة عثمان ﵁ كما ذكره ابن الاثير في الجامع.
المكملة العشرون: قصة موته: قال مؤلف المشكاة: مات في رجب بدمشق وله ثمان وسبعون سنة وكان اصابه لقوة في آخر عمره وكان يقول في آخر عمره: يا ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى ولم أر من هذا الأمر شيئا وكان عنده إزار رسول الله ﷺ ورداءه وقميصه وشيء من شعره وأظفاره فقال: كفنوني في قميصه وأدرجوني في ردائه وازروني بإزاره واحشوا منخري ومواضع السجود مني وشدقي بشعره
стр. 52
وظفره وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين.
الحادية والعشرون: قول إمام الأئمة مالك: من شتم أحدا من أصحاب النبي ﷺ أبا بكر أو عمر أو عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال كانوا على ضلال أو كفر قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نُكل نكالا. كذا من الصواعق.
فصل في ذكر الصلح وهو أحد المعجزات
عن أبي بكرة الثقفي قال: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى ويقول: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»
وعنه كان رسول الله ﷺ يصلي بنا وكان الحسن يجيء وهو صغير فكان كلما سجد رسول الله ﷺ وثب على رقبته وظهره فيرفع النبي ﷺ رأسه رقيقا حتى يضعه فقالوا: يا رسول الله رأيناك تصنع بهذا الغلام شيئا ما رأيناك تصنعه بأحد قال: «إنه ريحانتي من الدنيا إن ابني هذا سيد
стр. 53
وعسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين» أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرج أحمد قريبا منه.
وفي جامع الأصول عن الحسن البصري قال: استقبل والله الحسن بن علي معاوية بكتائب مثل الجبال فقال عمرو بن العاص لمعاوية: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها فقال له معاوية وكان والله خير الرجلين أي عمرو أرأيت إن قتل هؤلاء هؤلاء وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور المسلمين من لي بنسائهم من لي بضيعتهم؟ فبعث رجلين من قريش عبد الرحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر فأتيا الحسن فدخلا عليه طلبا إليه الصلح فقال لهما الحسن بن علي: إنا بنو عبد المطلب قد أصبنا من هذا المال وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها، فصالح.
ونقل القاري الهروي في شرح المشكاة عن الذخائر: قال أبو عمرو: ولما قتل علي ﵁ بايع الحسن أكثر من أربعين ألفا كلهم بايع أباه قبله على الموت وكانوا أطوع للحسن وهم أرغب فيه منهم في أبيه فبقي سبعة اشهر خليفة بالعراق وما وراء النهر من خراسان ثم سار إلى معاوية وسار معاوية إليه فلما تراء الجمعان بموضع من أرض السواد علم أن لا يغلب أحد الفئتين حتى تذهب أكثر
стр. 54
الأخرى فكتب إلى معاوية ﵁ أن يسلم الأمر إليه على أن لا يطلب أحدا من أهل المدينة والحجاز والعراق بشيء مما كان في أيام أبيه فأجابه إلا أنه قال [عشرة أنفس فلا أؤمنهم] (١) فراجعه الحسن فيهم فكتب إني قد آليت أني متى ظفرت بقيس بن سعد أن اقطع لسانه ويده فراجعه الحسن إني لا أبايعك فبعث إليه معاوية ورقا أبيض وقال: اكتب ما شئت فأنا التزمت، فاصطلحا واشترط الحسن أن يكون الأمر له من بعده فالتزم كله معاوية ﵁.
وفي فصل الخطاب للعارف المحقق محمد بن محمد الحافظي البخاري المعروف بخواجه محمد بارسا، هو من أشد الناس حبا لأهل البيت: قال إبراهيم النخعي: لما سلم الحسن ﵁ الأمر إلى معاوية سميت سنة الجماعة، وقال للحسن ﵁ رجل من أهل الشيعة: يا مذل المؤمنين، فقال: بل أنا معز المؤمنين، سمعت أبي عليا كرم الله وجهه يقول: لا تكرهوا إمارة معاوية فإنه سيلي هذا الأمر بعدي وإن فقدتموه رأيتم الرؤس تندر عن حواصلها كأنها الحنظل. انتهى.
وعن معاوية مرفوعا: «يا معاوية إن وليت أمرا فاتق الله واعدل» قال: فما زلت أظن أني مبتلى بعمل لقول النبي ﷺ حتى ابتليت. رواه أحمد والبيهقي.
стр. 55
نكتة: إذا نظرت في قوله ﷺ فئتين عظيمتين من المسلمين، وجدت أن كلا من الفئتين معظمة مكرمة ويدل عليه
فصل في الاجوبة عن مطاعنه
اعلم أنا لا ندعي العصمة فيه ولا في غيره من الصحابة الكرام ﵃ بل هي من خواص الملائكة والأنبياء كما حقق في علم الكلام، ومع هذا فكثير ما صدر عن الأنبياء بالسهو أو بالطبيعة البشرية يسمى زلة وتسميته بترك الأفضل أفضل. وإن صدر عن أحد من الصحابة ما لا يليق فلا يبعد عن الإمكان، ولما تشاجر وأوقع بينهم التساب والتحارب وأمور يتوحش للتأمل فيها. إلا أن مذهبنا أهل السنة والجماعة هو بذل الجهد في تأويلها وإذا لم يمكن التأويل
стр. 56
وجب رد الرواية ووجب السكوت وترك الطعن، للقطع بأن الحق سبحانه وعدهم المغفرة والحسنى. وفي الحديث: "إن النار لا تمسهم" وقد عظم الوعيد على من وقع فيهم. فحُسن الظن والتأدب لجميعهم واجب على كل مسلم. فهذا مذهب السلف الصالح وأهل الحديث والأصول. ونسأل الله الثبات عليه.
وقد وقع أكثر الناس في مطاعن معاوية ﵁ ولعل الحكمة فيه أنه صدر عنه شيء فأراد الله سبحانه أن يجلب له الاعمال الصالحة ما دامت الدنيا ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
فأحد المطاعن فيه هو أن بعض المحدثين ومنهم المجد الشيرازي في سفر السعادة قالوا: لم يصح في فضائله حديث. وكذا عنوان البخاري حديث ابن أبي مليكة بقوله: "ذكر معاوية" لا بالمناقب والفضل كما فعل في غيره.
والجواب أنه مر حديثان أحدهما من مسند أحمد والآخر من سنن الترمذي. فإن أريد بعدم الصحة عدم الثبوت فهو مردود لما مر بين المحدثين، فلا ضير فإن فسحتها ضيقة، وعامة الأحكام والفضائل إنما تثبت بالأحاديث الحسان لعزة الصحاح. ولا ينحط ما في المسند والسنن عن درجة الحسن. وقد تقرر في فن الحديث جواز العمل بالحديث
стр. 57
الضعيف في الفضائل، فضلا عن الحسن. وقد رأيت في بعض الكتب المعتبرة من كلام الإمام مجد الدين بن الاثير صاحب ميزان الجامع: حديث مسند أحمد في فضيلة معاوية صحيح، إلا أني لا أستحضر الكتاب في الوقت. ولم ينصف الشيخ عبد الحق الدهلوي في شرح سفر السعادة فإنه أقر كلام المصنف ولم يتعقبه كتعقبه على سائر تعصباته. وأما الجواب عما فعله البخاري فإنه تفنن في الكلام فإنه فعل كذا في أسامة بن زيد وعبد الله بن سلام وجبير بن مطعم بن عبد الله، فذكر لهم فضائل جليلة معنونة بالذكر.
الثاني: أخرج مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف باب فخطاني خطوة وقال: «اذهب ادع لي معاوية» قال: فجئت وقلت هو يأكل، ثم
стр. 58
قال لي: «اذهب» فجئت فقلت هو يأكل، فقال: «لا أشبع الله بطنه».
والجواب أنها كلمة جرت على عادة العرب، نحو قاتله الله ما أكرمه ويل أمه وأبيه ما أجودهما، لا يراد معناه. ولو سلم فيجعلها الله له سبحانه رحمة وقربة كما صح في الحديث. وقد أورد مسلم في كتابه الصحيح بابا فقال: باب من لعنه النبي ﷺ أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهل ذلك كان له زكاة وأجرا ورحمة، وأورد فيه الحديث المذكور. وأخرج فيه عن عائشة مرفوعا: «أوَما علمت ما شارطت عليه ربي قلتُ اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعل له زكاة ورحمة» وأخرج أيضا عن أبي هريرة مرفوعا: «اللهم إني أتخذ عندك عهدا لن تخلفنيه فإنما أنا بشر فاي المسلمين آذيته شتمته لعنته أو جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها اليك يوم القيامة» وفي رواية بزيادة: «اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر» وأخرج أيضا عن أنس مرفوعا: «اني اشترطت على ربي فقلت
стр. 59
إنما أنا بشر ارضى كما يرضى البشر واغضب كما يغضب البشر فأي أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورا وزكاة وقربة تقربه بها منك إلى يوم القيامة» انتهى. وقد فعل الله سبحانه بمعاوية هكذا فجعل يملك الأرض وهذا غاية الشبع.
الثالث: أخرج الترمذي عن يوسف بن سعيد قال: قام رجل إلى الحسن بن علي بعد ما بايع معاوية وقال: سودت وجوه المؤمنين، أو يا مسود وجوه المؤمنين، قال: لا تؤنبني رحمك الله فإن النبي ﷺ أري بني أمية على منبره فساءه ذلك فترلت: إنا أعطيناك الكوثر يا محمد يعني نهرا في الجنة ونزلت: إنا أنزلناه في ليلة القدر
стр. 60
إلى قوله خير من ألف شهر يملكها بعدك بنو أمية يا محمد، قال القاسم بن الفضل: فعددنا فإذا هي ألف شهر لا تزيد ولا تنقص. انتهى.
قال الإمام ابن الأثير في الجامع: هي ثلاث وثمانون سنة وأربعة أشهر، وبيعة الحسن لمعاوية ﵄ على رأس ثلاثين سنة من وفاة النبي ﷺ وانقضاء دولتهم على يد أبي مسلم الخراساني، فذلك اثنان وتسعون سنة يسقط منها خلافة ابن الزبير ثمان سنين وثمانية أشهر فبقي ألف شهر.
وعن عمران بن حصين قال: مات النبي ﷺ ويكره ثلاثة أحياء ثقيفا وبني حنيفة وبني أمية. أخرجه الترمذي.
والجواب ليس المقصود ذم بني أمية مطلقا فإن منهم عثمان بن عفان والخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز وكلاهما إمام الهدى بإجماع أهل السنة، وإنما ساءه ما صدر عن يزيد بن معاوية وعبيد الله بن زياد وبني مروان بن الحكم من مخالفة السنة وإيذاء الصحابة والعترة المطهرة. ومقصود الحسن ﵁ أن هذا الأمر صائر إلى بني
стр. 61
أمية وإن ما عند الله خير لأهل بيت النبوة.
الرابع: أخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: جاء معاوية بن أبي سفيان سعدا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟ قال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله ﷺ فلن اسبه، فذكر قوله: «أنت مني بمترلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي» وقوله يوم خيبر: «لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» وإنه لما نزلت آية المباهلة دعا عليا وفاطمة وحسنا وحسينا فقال: «اللهم هؤلاء أهلي» انتهى ملخصا. ولا شك أن الأمر بسب علي خطيئة فاحشة.
والجواب: ذكر في شرح صحيح مسلم يجب تأويله إما بأن المراد بالسب إظهار خطأ اجتهاده وصواب اجتهادنا، وإما بأنه سمع قوما يسبونه فأراد كفهم عن سبه بإظهار فضله على لسان سعد، وإما بأنه ليس فيه الأمر بل سؤال من السبب المانع عنه وتكنيه ﵁ بأبي تراب ليس طعنا فإنه كان يجب أن يكنى به.
الخامس: ظهور البدع في عهده وعنه. ففي شرح الوقاية رد
стр. 62
اليمين على المدعي بدعة وأول من قضى به معاوية ﵁. وقال السيوطي إنه أول من اتخذ الخصيان خدما وأول من استخلف ابنه.
والجواب أنه مجتهد بشهادة ابن عباس ﵁. والله سبحانه أعلم بالصواب والخطأ. وأوصى لابنه إحسانا بأهل البيت فلم يوف؛ ولو كان الحسن بن علي حيا سلم الأمر إليه كما كان معهودا.
السادس أنه أمر بسم الحسن بن علي ﵄.
والجواب أنه بهتان عظيم وخرافات المؤرخين مما لا يعتمد عليها.
السابع فذكره التفتازاني في شرح التلخيص أن معاوية ﵁ كان مريضا فدخل عليه الحسن بن علي يعوده فجلس فأنشد الحسن ﵁: بيت
وتجلدي للشأمتين أُريهم ... إني لريب الدهر لا أتضعضع
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
والجواب أن الرواية غير صحيحة. ولو سلمت فليس فيها تصريح بإرادته الحسن.
الثامن أنه استبشر لوفاة الحسن. وذكر ابن خلكان في تاريخه أن ابن عباس ﵁ دخل عليه يومئذ فقال: حدث في أهل
стр. 63
بيتك أمر عظيم، قال: لا أدري إلا أني أراك مستبشرا.
الجواب أن المؤرخين حطبة الليل. ولو سلم فلعل استبشاره لأمر آخر.
التاسع قول النبي ﷺ لعمار: «تقتلك الفئة الباغية» رواه مسلم.
والجواب أن أهل السنة أجمعوا على أن من خرج على علي كرم الله وجهه خارج على الإمام الحق، إلا أن هذا البغي الاجتهادي معفو عنه. وذكر القاري في شرح المشكاة أنه روى أن معاوية كان يؤول الحديث نحن الفئة الطالبة لدم عثمان ﵁.
العاشر قول علي ﵁ في الصفين ما رضى أحد أخير أن تعدلوا وصية وإلا .. واللعين وإلا .. زعم القاضي الميبذي
стр. 64
في شرح ديوانه أن الأبتر معاوية وأيده بالحديث المذكور في سبب نزول سورة الكوثر وإلا ..
والجواب أن نسبة الديوان إليه تعتضد بإسناد الشيعة مشهورة بالوضع والتحريف ولو سلم ولا نسلم أنه أراد ما ذكره الشارح فلا حجة فيه على جواز سبهما لغيره. ومثل القاضي الشارح بأنه يجوز للخليفة أن يشتم للتعزير من لا يجوز شتمه لغيره. وبالجملة إذا وقع بينهم الطعن بالسنان فالطعن باللسان أسهل منه إلا أنه لا يجوز لغيرهم، والاخوان يتسابون ولا يجوز للاجنبي سب بعضهم. وظهر به جواب كثير من المطاعن منها قول الزمخشري عفا الله عنه في الكشاف وإن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت قال: بيت
ألا بلغ معاوية بن حرب ... أمير الظالمين بنا كلامي
على أنه ممن لا يعرف الثابت من الموضوع، وأورد من الحديث في تفسيره ما لا شك في بطلانه؛ والاعتزال والرفض من واد واحد.
ومنها ما أخرج مسلم في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة وهو كلام طويل وملخصه أنه سمع عبد الله بن عمرو بن
стр. 65
العاص يحدث في ظل الكعبة مرفوعا .. (١) فقال له: هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ونقتل أنفسنا، فسكت ساعة ثم قال: أطعه في طاعة الله واعصه في معصيته. ومقصود السائل تخطئته في اجتهاده في حرب علي كرم الله وجهه وإنفاق الاموال عليه.
الحادي عشر: ذكره غير واحد من أن أهل الشام سألوا المحدث الجليل أبا عبد الرحمن أحمد النسائي أن يحدثهم حديثا في فضل معاوية فقال: لا أعلم إلا «لا أشبع الله بطنه». وفي رواية: أما يرضى معاوية بأن يكون رأسا برأس ويطلب الفضل، فضربوه حتى اعتل ومات.
والجواب أنهم سألوه أن يفضلوه على علي كرم الله وجهه
стр. 66
فغضب من سوء أدبهم وقد أحسن إلا أنه جاوز الحد فتكلم بما يوهم طعنا على الصحابي، والبشر قد يخطئ. ويمكن أن يقال إنه أراد مدحه لما مر من أن مثل هذه الكلمة زكاة وأجر ورحمة إلا أنهم لم يفهموا، أو أنكروا عدم تفضيل معاوية على علي ﵄ فضربوه جهلا منهم.
الثاني عشر أنه كثر في الأحاديث الصحيحة والحسان الوعيد الشديد على من أبغض عليا ﵁ أو حاربه.
والجواب أنه حاربه من هو مقطوع بالجنة كعائشة وطلحة والزبير رضوان الله عليهم أجمعين، فوجب حمل أحاديث الوعيد على غير الصحابة كالحرورية أو تخصيصها بمن هو متعصب غير مجتهد.
الثالث عشر: حديث ثلاثين سنة، فعن سفينة مولى النبي ﷺ مرفوعا: "الخلافة ثلاثون سنة ثم تكون ملكا" ثم يقول سفينة: أمسك، خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشرة وعثمان اثنتي عشرة وعلي ستة. أخرجه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي. وفي رواية لأحمد والترمذي وأبي يعلى وابن حبان: «الخلافة بعدي في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك».
стр. 67
وأخرج البخاري في التاريخ والحاكم عن أبي هريرة: الخلافة بالمدينة والملك بالشام.
والجواب: ليس المراد نفي الخلافة بعد ثلاثين مطلقا لصحة حديث اثني عشر خليفة بل الخلافة الكاملة بلا شائبة مخالفة السنة المستمرة بلا تخلل انقطاع. ونحن نعترف بأن معاوية ﵁ وإن كان عالما ورعا عدلا دون الخلفاء الأربعة في العلم والورع والعدل كما ترى من التفاوت بين الأولياء بل الملائكة والأنبياء فامارته وإن كانت صحيحة بإجماع الصحابة وتسليم الحسن ﵁ إلا أنها ليست على منهاج خلافة من قبله فإنه توسع في المباحات وتحرز عنها الخلفاء الأربعة وحسنات الأبرار سيئات المقربين. ولعل توسعه فيها لقصور همم سائر أبناء الزمان، وإن لم يوجد فيه ذلك كما علمت. وأما رجحان الخلفاء الأربعة في العبادات والمعاملات فظاهر مما لا سترة فيه
فصل في ذكر عمرو بن العاص ﵁
يكنى أبا عبد الله وابا محمد وكان وزيرا لمعاوية رضي الله
стр. 68
عنه.
أخرج الترمذي وقال غريب ليس إسناده بالقوى عن عتبة بن عمرو بن العاص مرفوعا: «أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص».
أي أسلم قريش يوم الفتح هيبة وآمن عمرو رغبة قبل الفتح بسنة أو سنتين. قال ابن الملك: وقع الإسلام في قلبه في الحبشة حين اعترف النجاشي بنبوته فاقبل إلى رسول الله ﷺ مؤمنا من غير أن يدعوه أحد إليه فجاء المدينة فآمن. وقال الذهبي: قدم مهاجرا هو وخالد وعثمان بن طلحة في صفر سنة ثمان، روى عنه ابنه عبد الله ومولاه أبو قيس وقيس بن أبي حازم وأبو عثمان النهدي وقبيصة بن ذويب وأبو مرة مولى عقيل وعبد الرحمن بن شماسة وعروة بن الزبير وآخرون، وأمره النبي ﷺ على ذات السلاسل. وعن إبراهيم النخعي قال: عقد النبي ﷺ لواء لعمرو وعلي وأبي بكر وعمر ﵃ وغيرهم. وهذا إزالة لوحشته وإيناس له لأنه كان شديد العداوة للمسلمين.
وفي تاريخ الذهبي: قال حماد بن سلمة بإسناده: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «ابنا العاص مؤمنان عمرو وهشام» وروى عبد الجبار بن الورد عن ابن أبي مليكة عن طلحة قال: سمعت رسول
стр. 69
الله ﷺ يقول: "نعم أهل البيت أبو عبد الله وأم عبد الله"
وأخرج مسلم في صحيحه عن أبي شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياق الموت فبكى طويلا وحول وجهه إلى الجدار فجعل ابنه يقول: يا أبتاه أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إني كنت على أطباق ثلاث، لقد رأيتني وما أحد أشد بغضا لرسول الله ﷺ مني ولا أحب إلي من أن اكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مت على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي ﷺ فقلت: ابسط يمينك فأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدي فقال: «ما لك يا عمرو» قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط ماذا؟» قلت: أن يغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله»، وما كان أحد أحب إلي من رسول الله ﷺ ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم وليت أشياء ما أدري ما حالي فيها، فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا نار فإذا دفنتموني فسنوا علي التراب سنا ثم أقيموا حول قبري قدر ما ينحر الجزور ويقسم لحمه حتى أستأنس بكم
стр. 70
وأنظر ماذا أراجع رسل ربي.
وأخرج ابن عساكر من طريق ابن وهب عن حرملة بن عمران عن سالم عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن صفوان بن أمية» فترلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ فتاب عليهم فأسلموا فحسن إسلامهم. رواه الترمذي وحسنه.
وفي جامع الأصول: فقئت عين أبي سفيان يوم الطائف فلم يزل أعور إلى يوم اليرموك، فأصاب عينه الأخرى فعميت، ومات سنة أربع وثلاثين وقيل ست وقيل إحدى وثلاثين بالمدينة وصلى عليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ودفن بالبقيع.
وذكر الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ أنه لما تزوج النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان لانت عريكته واسترخت شكيمته.
стр. 71
وأخرج مسلم عن ابن عباس ﵄ قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي ﷺ : ثلاث أعطنيهن، قال: «نعم» قال: عندي أحسن العرب واجمله أم حبيبة أزوجكها قال: «نعم» قال: معاوية تجعله كاتبا بين يديك، قال: «نعم» قال: وتأمرني أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: «نعم»
وفي شرح مسلم أنه مشكل فإن أبا سفيان أسلم سنة ثمان وتزوجها النبي ﷺ قبله سنة ست عند الجمهور، فقيل الحديث وهم من بعض الرواة ويقال موضوع؛ وهو مردود لأن رواته ثقات. وزعم ابن زميل لولا أنه طلب ذلك من النبي ﷺ ما أعطاه ذلك لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا قال نعم.
فصل في نبذ من ذكر امرأة أبي سفيان أم معاوية
قال مؤلف المشكاة: أسلمت يوم الفتح بعد إسلام زوجها
стр. 72
فأقرهما رسول الله ﷺ على نكاحهما وكان لها فصاحة وعقل، فلما بايع النبي ﷺ النساء قال لهن: "لا تشركن بالله شيئا" قالت: ما رضيت بالشرك في الجاهلية فكيف في الإسلام، فقال: "ولا تسرقن" فقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، قال: "خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف" فقال: "ولا تزنين" قالت: أوَتزني الحرة، فقال: "ولا تقتلن أولادكن" قالت: فهل تركت لنا ولدا إلا قتلته يوم بدر ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا، فتبسم رسول الله ﷺ . ماتت في خلافة عمر ﵁ يوم مات أبو قحافة ﵁ روت عنها عائشة ﵂.
أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول الله ما كان على ظهر الأرض من أهل خبأ أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خبأ أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك، قال: «وأيضا والذي نفسي بيده»، قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل مسيك فهل علي حرج أن أطعم من الذي له عياله؟ قال: «بالمعروف»
وللحديث
стр. 73
طرق كثيرة، وفي قوله: «وأيضا والذي نفسي بيده»، تصديق لها وإخبار بزيادة حبها بعد ذلك. ومن فهم العكس فقد وهم.
فصل في ذكر مروان بن الحكم الأموي
أسلم أبوه يوم الفتح وكان يفشي سر النبي ﷺ فنفاه إلى الطائف ومروان معه. وقال القسطلاني في شرح البخاري: مروان ولد في حياة رسول الله ﷺ ، لم يسمع منه وإنه خرج طفلا مع أبيه الحكم إلى الطائف وكان معه حتى استخلف عثمان فرده إلى المدينة. انتهى ملخصا.
وأقول أمره مختلط عندي ومطاعنه في التواريخ أكثر من محاسنه، والعلم عند الله.
فمن مطاعنه الفتنة التي بدت على ذي النورين ﵁ ومنعه أن يدفن الحسن بن علي مع النبي ﷺ ، وقول النبي ﷺ حين أتى به للتحنيك: "هو الوزغ بن الوزغ
стр. 74
الملعون بن الملعون" رواه الحاكم في صحيحه. (١) ويروى أنه قاتل طلحة يوم الجمل.
ومن محاسنه رواية الحديث. قال صاحب المشكاة: روى عن نفر من الصحابة، منهم عثمان وعلي، وروى عنه عروة بن الزبير وعلي بن الحسين.
قال العسقلاني في مقدمة فتح الباري: يقال له رؤية، وإن ثبتت فلا يعرج على من تكلم فيه لأجل الولاية، (٢) فقد قال عروة بن الزبير: كان لا يتهم في الحديث. وقد روى عنه سهل بن سعد الساعدي الصحابي اعتمادا على صدقه، وإنما نقموا أنه قتل طلحة ثم شهر السيف في طلب الخلافة حتى جرى ما جرى، فأما قتل طلحة فكان بالتأويل. انتهى.
وأخرج البخاري عن محمد بن بشار عن شعبة عن الحكم عن علي بن الحسين عن مروان قال: شهدت عثمان وعليا وعثمان ينهى عن المتعة وأن يجمع بينهما، فلما رأى علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة، قال: ما كنت لأدع سنة النبي ﷺ لقول أحد.
стр. 75
وبالجملة فالسكوت عن مطاعنه أولى. وقال بعض شراح البخاري: حديث الحاكم قربة له وزكاة ورحمة. والله أعلم. وقال ابن القيم ﵀: أحاديث ذم مروان موضوعة. (١)
قال المؤلف: ما قد ذكرنا فيه كفاية لأهل الإنصاف وإلى الله المشتكى أن يتمرد المبتدع من الاعتساف. وهذا وقت صلاة الجمعة الثالث من شهر الصيام، سنة اثنين وثلاثين ومائتين وألف من هجرة خير الأنام، عليه وعلى آله وصحبه أفضل التحية والسلام. وأسأل الله سبحانه خاتمة الخير وهو ولي الجود والإنعام.