← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36085

طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد

الكواكبي

Полный текст (175 стр.). Показаны 141–175 · переход к 146.

стр. 141

"رعاك الله يا شرق، ماذا أصابك فأخلَّ نظامك، والدهر ذاك الدهر ما غيَّر وضعك، وبدَّل شرعه فيك؟ ألم تزل مناطقك هي المعتدلة، وبَنوك هم الفائقون فطرةً وعدداً؟ أليس نظام الله فيك على عهده الأول، ورابطة الأديان في بنيك مُحكمة قويمة، مؤسسة على عبادة الصانع الوازع؟ أليست معرفة المنعم حقيقة راهنة أشرقت فيك شمسها، أيَّدت بها عزّ النفس، وأحكمت بها حبَّ الوطن وحبَّ الجنس؟ ". "رعاك الله يا شرق، ماذا عراك وسكَّن منك الحراك؟ ألم تزل أرضك واسعة خصبة، ومعادنك وافية غنية، وحيوانك رابياً متناسلاً، وعمرانك قائماً متواصلاً، وبَنوك على ما ربَّيتهم أقرب للخير من الشَّر؟ أليس عندهم الحلم المسمّى عند غيرهم ضعفاً في القلب، وعندهم الحياء المسمّى بالجبانة، وعندهم الكرم المسمّى بالإتلاف، وعندهم القناعة المسمّاة بالعجز، وعندهم العفّة المسمّاة بالبلاهة، وعندهم المجاملة المسمّاة بالذلّ؟ نعم؛ ما هم بالسالمين من الظلم، ولكن؛ فيما بينهم، ولا من الخدع، ولكن؛ لا يفتخرون به، ولا من الإضرار، ولكن؛ مع الخوف من الله". "رعاك الله يا شرق، لا نرى من غير الدّهر فيك ما يستوجب هذا الشّقاء لبنيك، ويستلزم ذلَّهم لبني أخيك. فلماذا قد أصبحت إذا انقطع عنك مدد أخيك بمصنوعاته، يبقى أبناؤك عُراة حفاة في ظلام، بل يمنّيهم فقدُ الحديد بالرجوع إلى العصر النّحاسي، بل الحجري الموصوف بعصر التعفين؟ ".

стр. 142

"رعاك الله يا شرق، بل راعى الله أخاك الغرب، العائل بنفسه والعائل فيك، وقاتل الله الاستبداد، بل لعن الله الاستبداد، المانع من التّرقّي في الحياة، المنحطّ بالأمم إلى أسفل الدركات. ألا بُعداً للظالمين". "رعاك الله يا غرب، وحيّاك وبيّاك، قد عرفت لأخيك سابق فضله عليك، فوفيت، وكفيت، وأحسنت الوصاية وهديت، وقد اشتدَّ ساعد بعض أولاد أخيك، فهلا ينتدب بعض شيوخ أحرارك لإعانة أنجاب أخيك على هدم ذاك السّور، سور الشؤم والشرور، ليخرجوا إلى أرض الحياة، أرض الأنبياء الهداة، فيشكرون فضلك والدهر مكافأة؟ ". "يا غربُ، لا يحفظ لك الدِّين غير الشرق إنْ دامت حياته بحريته، وفقدُ الدّين يهدِّدك بالخراب القريب. فماذا أعددت للفوضيين إذا صاروا جيشاً جراراً؟ وماذا أعددت لديارك الحبلى بالثورة الاجتماعية؟ هل تُعِدُّ المواد المتفرقعة، وقد جاوزتْ أنواعها الألف؟ أن تُعِدُّ الغازات الخانقة وقد سهل استحضارها على الصبيان؟ ". "يا قوم: وأريد بكم شباب اليوم؛ رجال الغد، شباب الفكر؛ رجال الجد، أُعيذكم من الخزي والخذلان بتفرقة الأديان، وأُعيذكم من الجهل، جهل أنَّ الدينونة لله، وهو سبحانه وليُّ السرائر والضمائر ﴿ولو شاء ربُّك لجعل الناس أمّةً واحدة﴾. "أناشدكم يا ناشئة الأوطان، أن تعذروا هؤلاء الواهنة الخائرة قواهم إلا في ألسنتهم، المعطَّل عملهم إلا في التثبيط، الذين اجتمع فيهم داء الاستبداد

стр. 143

والتواكل فجعلاهما آلة تُدار ولا تدير. وأسألكم عفوهم من العتاب والملام، لأنَّهم مرضى مبتلون، مثقلون بالقيود، ملجمون بالحديد، يقضون حياة خير ما فيها أنَّهم آباؤكم! ". "قد علمتم يا نُجَباء من طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد جُمَلاً كافية للتدبُّر، فاعتبروا بنا واسألوا الله العافية: نحن ألِفنا الأدب مع الكبير ولو داس رقابنا. ألِفنا الثبات ثبات الأوتاد تحت المطارق، ألِفنا الانقياد ولو إلى المهالك. ألِفنا أن نعتبر التَّصاغر أدباً والتذلُّل لطفاً، والتملُّق فصاحةً، واللكنة رزانة، وترك الحقوق سماحةً، وقبول الإهانة تواضعاً، والرِّضا بالظُّلم طاعة، ودعوى الاستحقاق غروراً، والبحث عن العموميات فضولاً، ومدَّ النَّظر إلى الغد أملاً طويلاً، والإقدام تهوُّراً، والحمية حماقة، والشّهامة شراسة، وحريَّة القول وقاحة، وحريّة الفكر كُفراً، وحبَّ الوطن جنوناً. أما أنتم، حماكم الله من السوء، فنرجو لكم أن تنشؤوا على غير ذلك، أن تنشؤوا على التمسُّك بأصول الدين، دون أوهام المتفننين، فتعرفوا قدر نفوسكم في هذه الحياة فتكرموها، وتعرفوا قدر أرواحكم وأنَّها خالدة تُثاب وتُجزى، وتتَّبعوا سُنن النبيين فلا تخافون غير الصانع الوازع العظيم. ونرجو لكم أن تبنوا قصور فخاركم على معالي الهمم ومكارم الشيَّم، ولا على عظام نخرة. وأن تعلموا أنَّكم خُلِقتم أحراراً لتموتوا كراماً، فاجهدوا على أن تحيوا ذلكما اليومين حياةً رضيّة، يتسنّى فيها لكلٍّ منكم أن يكون سلطاناً

стр. 144

مستقلاً في شؤونه لا يحكمه غير الحقّ، ومديناً وفيّاً لقومه لا يضنُّ عليهم بعينٍ أو عون، وولداً بارّاً لوطنه، لا يبخل عليه بجزءٍ من فكره ووقته وماله، ومحبَّاً للإنسانية ويعمل على أنَّ خير الناس أنفعهم للناس، يعلم أنَّ الحياة هي العمل ووباء العمل القنوط، والسعادة هي الأمل، ووباء الأمل التردد، ويفقه أنَّ القضاء والقدر هما عند الله ما يعلمه ويمضيه، وهما عند الناس السعي والعمل، ويوقن أنَّ كلَّ أثرٍ على ظهر الأرض هو من عمل إخوانه البشر، وكلَّ عملٍ عظيم قد ابتدأ به فردٌ، ثمَّ تعاوَرَهُ غيره إلى أنْ كمل، فلا يتخيل الإنسان في نفسه عجزاً، ولا يتوقَّع إلا خيراً، وخير الخير للإنسان أن يعيش حُرّاً مقداماً، أو يموت". "وكأنّي بسائلكم يسألني تاريخ التغالب بين الشرق والغرب، فأجيب: بأنَّا كنّا أرقى من الغرب علماً، فنظاماً، فقوَّة، فكنَّا له أسياداً! ثمَّ جاء حينٌ من الدَّهر لحق بنا الغرب، فصارت مزاحمة الحياة بيننا سِجالاً: إنْ فُقْناه شجاعةً فاقنا عدداً، وإنْ فُقناه ثروةً فاقنا باجتماع كلمته. ثمَّ جاء الزّمن الأخير ترقّى فيه الغرب علماً، فنظاماً، فقوّةً. وانضمَّ إلى ذلك أولاً: قوة اجتماعه شعوباً كبيرةً. ثانياً: قوَّة البارود؛ حيث أبطل الشجاعة وجعل العبرة للعدد. ثالثاً: قوَّة كشفه أسرار الكيمياء والميكانيك. رابعاً: قوَّة الفحم الذي أهدته له الطبيعة. خامساً: قوَّة النشاط بكسره قيود الاستبداد. سادساً: قوَّة الأمن على عقد الشركات المالية الكبيرة. فاجتمعت هذه القوّات فيه وليس عند الشَّرق ما يقابلها غير الافتخار بالأسلاف، وذلك حجَّة

стр. 145

عليه، والغرور بالدّين خلافاً للدّين، فالمسلمون يقابلون تلك القوات بما يُقال عند اليأس وهو: ﴿حسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل﴾، ويخالفون أمر القرآن لهم بأن يُعِدّوا ما استطاعوا من قوَّة، لا ما استطاعوا من صلاةٍ وصوم. وكأني بسائلكم يقول: هل بعد اجتماع هذه القوات في الغرب واستيلائه على أكثر الشَّرق من سبيل لنجاة البقية؟ فأجيب قاطعاً غير متردِّد: إنَّ الأمر مقدور ولعلَّه ميسور. ورأس الحكمة فيه كسر قيود الاستبداد. وأنْ يكتب الناشئون على جباههم عشر كلمات، وهي: ١ - ديني ما أُظهر وما أُخفي. ٢ - أكون؛ حيثُ يكون الحقُّ ولا أبالي. ٣ - أنا حرٌّ وسأموت حرّاً. ٤ - أنا مستقلٌّ لا أتِّكل على غير نفسي وعقلي. ٥ - أنا إنسان الجدّ والاستقبال، لا إنسان الماضي والحكايات. ٦ - نفسي ومنفعتي قبل كلِّ شيء. ٧ - الحياة كلُّها تعبٌ لذيذ. ٨ - الوقت غالٍ عزيز. ٩ - الشَّرف في العلم فقط. ١٠ - أخاف الله لا سواه. "وأنت أيها الوطن المحبوب: أنت العزيز على النفوس، المقدَّس في

стр. 146

القلوب، إليك تحنُّ الأشباح وعليك تئنُّ الأرواح ... أيها الوطن الباكي ضعافه: عليك تبكي العيون، وفيك يحلو المنون. إلى متى يعبث خلالك اللئام الطّغام؟ يظلمون بنيك ويذلُّون ذويك. يطاردون أنجالك الأحباب ويمسكون على المساكين الطُّرق والأبواب، يُخرجون العمران ويُقفرون الدّيار؟. أيها الوطن العزيز: هل ضاعت رحابك عن أولادك؟ أم ضاقت أحضانك عن أفلاذك؟ ... كلا؛ إنَّما فقدت الأُباة، فقدت الحُماة، فقدت الأحرار. أيها الوطن الملتهب فؤاده: أما رويت من سُقيا الدموع والدِّماء؟ ولكنْ؛ دموع بناتك الثاكلات ودماء أبنائك الأبرياء، لا دموع النادمين ولا دماء الظالمين. ألا فاشرب هنيئاً ولا تأسف على البُلْهِ الخاملين، ولا تحزن، فما هم كرائماً وكراماً، لسْنَ هنَّ كرائماً باكيات محمسات، وليسوا هم كراماً أعزَّة شهداء، إنَّما هم -غفر الله لهم- من علمت، قلَّ فيهم الحرُّ الغيور، قلَّ فيهم من يقول أنا لا أخاف الظالمين. أيها الوطن الحنون: كَوَّنَ الله عناصر أجسامنا منك، وجعل الأمهات حواضن، ورزقنا الغذاء منك، وجعل المرضعات مجهزات، نعم؛ خلقنا الله منك فحقَّ لك أن تحبَّ أجزاءك وأن تحنَّ على أفلاذك. كما يحقّ لكفي شرع الطبيعة أنْ لا تحبَّ الأجنبي الذي يأبى طبعه حبَّك، الذي يؤذيك ولا يواليك، ويزاحم بنيك عليك ويشاركهم فيك، وينقل إلى أرضه ما في جوفك من نفيس العناصر وكنوز المعادن، فيفقرك ليغني وطنه، ولا لوم عليه، بل بارك الله فيه! ".

стр. 147

"يا قومُ: جعلكم الله خيرة اليوم وعدَّة الغد، هذا خطابي إليكم فيما هو الترقّي وما هو الانحطاط، فإن وعيتم ولو شذرات، فيا بشراي والسلام عليكم، وإلا فيما ضياع الأنفس، وعلى الرَّفاه السلام". الاستبداد الذي يبلغ في الانحطاط بالأمَّة إلى غاية أن تموت، ويموت هو معها، كثير الشواهد في قديم الزمان وحديثه، أما بلوغ الترقّي بالأمم إلى المرتبة القصوى السّامية التي تليق بالإنسانية، فهذا لم يسمح الزمان حتَّى الآن بأمَّةٍ تصلح مثالاً له، لأنَّه إلى الآن لم توجد أمَّة حكمت نفسها برأيها العام حُكماً لا يشوبه نوعً من الاستبداد ولو باسم الوقار والاحترام، أو بنوعٍ من الإغفال ولو ببذر الشِّقاق الديني أو الجنسي بين الناس. فكأنَّ الحكمة الإلهية لم تزل ترى البشر غير متأهِّلين لنوال سعادة الأخوة العمومية بالتحابب بين الأفراد، والقناعة بالمساواة الحقوقية بين الطبقات. نعم؛ وُجد للترقّي القريب من الكمال بعض أمثال قليلة في القرون الغابرة، كالجمهورية الثانية للرومان، وكعهد الخلفاء الراشدين، وكالأزمنة المتقطِّعة في عهد الملوك المنظّمين لا الفاتحين مثل أنوشروان وعبد الملك الأموي ونور الدين الشَّهيد وبطرس الكبير. وكبعض الجمهوريات الصغيرة والممالك الموفَّقة لأحكام التقييد الموجودة في هذا الزَّمان. وإنّي أقتصر على وصف منتهى الترقّي الذي وصلت إليه تلك الأمم وصفاً إجمالياً، واترك للمطالع

стр. 148

أن يوازنها ويقيس عليها درجات سائر الأمم. وربما يستريب في ذلك المطالع المولود في أرض الاستبداد، الذي لم يدرس أحوال الأمم في الوجود، ولا عتب عليه فإنَّه كالمولود أعمى لا يُدرك للمناظر البهية معنى. قد بلغ الترقّي في الاستقلال الشخصي في ظلال الحكومات العادلة، لأنْ يعيش الإنسان المعيشة التي تشبه في بعض الوجوه ما وعدته الأديان لأهل السعادة في الجنان. حتى إنَّ كلًّ فردٍ يعيش كأنه خالدٌ بقومه ووطنه، وكأنه أمينٌ على كلِّ مطلب، فلا هو يكلِّف الحكومة شططاً ولا هي تهمله استحقاراً: ١ - أمينٌ على السلامة في جسمه وحياته بحراسة الحكومة التي لا تغفل عن محافظته بكلِّ قوتها في حضره وسفره بدون أن يشعر بثقل قيامها عليه، فهي تحيط به إحاطة الهواء، لا إحاطة السور يلطمه كيفما التفت أو سار. ٢ - أمينٌ على الملذَّات الجسمية والفكرية باعتناء الحكومة في الشؤون العامة، المتعلِّقة بالترويضات الجسمية والنظرية والعقلية حتى يرى أنَّ الطرقات المسهلة، والتزيينات البلدية، والمتنزهات، والمنتديات، والمدارس، والمجامع، ونحو ذلك، قد وُجِدت كلُّها لأجل ملذّاته، ويعتبر مشاركة الناس له فيها لأجل إحسانه، فهو بهذا النظر والاعتبار لا ينقص عن أغنى الناس سعادةً.

стр. 149

٣ - أمينٌ على الحرية، كأنَّه خُلِق وحده على سطح هذه الأرض، فلا يعارضه معارض فيما يخصُّ شخصه من دينٍ وفكرٍ وعملٍ وأمل. ٤ - أمينٌ على النفوذ، كأنَّه سلطانٌ عزيز، فلا ممانع له ولا معاكس في تنفيذ مقاصده النافعة في الأمة التي هو منها. ٥ - أمينٌ على المزيّة، كأنَّه في أمَّةٍ يساوي جميع أفرادها منزلةً وشرفاً وقوةً، فلا يفضل هو على أحد ولا يفضل أحدٌ عليه، إلا بمزيّة سلطان الفضيلة فقط. ٦ - أمينٌ على العدل، كأنَّه القابض على ميزان الحقوق، فلا يخاف تطفيفاً، وهو المثمّن فلا يحذر بخساً، وهو المطمئن على أنَّه إذا استحقَّ أن يكون ملكاً صار ملكاً، وإذا جنة جنايةً نال جزاءه لا محالة. ٧ - أمينٌ على المال والملك، كأنَّ ما أحرزه بوجهه المشروع قليلاً كان أو كثيراً، قد خلقه الله لأجله فلا يخاف عليه، كما أنَّه تقلع عينه إنْ نظر إلى مال غيره. ٨ - أمينٌ على الشف بضمان القانون، بنصرة الأمة، ببذل الدم، فلا يرى تحقيراً إلا لدى وجدانه، ولا يعرف طمعاً لمرارة الذُلِّ والهوان. أما الأسير -ولا أُحزن المطالع بوصف حالته- فأكتفي بالقول: إنَّه لا يملك ولا نفسه، وغير أمينٍ حتى على عظامه في رمسه، إذا وقع نظره على المستبدِّ أو أحد من جماعته على كثرتهم يتعوَّذ بالله، وإذا مرَّ من قرب إحدى دوائر

стр. 150

حكومته أسرع وهو يكرر قوله: «حمايتك يا ربّ، إنَّ هذا الدار، بئس الدار، هي كالمجزرة كلُّ من فيها إما ذابح أو مذبوح. إنَّ هذه الدار كالكنيف لا يدخله إلا المضطر». وقد يبلغ الترقّي في الاستقلال الشخصي مع التركيب بالعائلة والعشيرة، أن يعيش الإنسان معتبراً نفسه من وجه غنياً عن العالمين، ومن وجه عضواً حقيقياً من جسمٍ حيٍّ هو العائلة، ثمَّ الأمَّة، ثمَّ البشر. ويُنظر إلى انقسام البشر إلى أمم، ثم إلى عائلات، ثم إلى أفراد، وهو من قبيل انقسام الممالك إلى مدنٍ، وهي إلى بيوت، وهي إلى مرافق، وكما أنَّه لا بدَّ لكلِّ مرفقٍ من وظيفةٍ معينة يصلح لها وإلا كان بناؤه عبثاً يستحقُّ الهدم، كذلك أفراد الإنسان لا بدَّ أن يعدَّ كلٌّ منهم نفسه لوظيفة في قيام حياة عائلته أولاً، ثمَّ حياة قومه ثانياً. ولهذا يكون العضو الذي لا يصلح لوظيفة، أو لا يقوم بما يصلح له، حقيراً مهاناً. وكلُّ من يريد أن يعيش كَلاًّ على غيره، لا عن عجزٍ طبيعيٍّ، يستحقُّ الموت لا الشفقة، لأنهَّ كالدَّرن في الجسم أو كالزائد من الظُّفر يستحقان الإخراج والقطع، ولهذا المعنى حرَّمت الشرائع السماوية الملاهي

стр. 151

التي ليس فيها ترويض، والسُّكر المعطِّل عن العمل عقلاً وجسماً، والمقامرة والرِّبا لأنهما ليسا من نوع العمل والتبادل فيه. وقد فضَّل الله الكنَّاس على الحجَّام وصانع الخبز على ناظم الشِّعر؛ لأنَّ صنعتهما أنفع للجمهور. وقد يبلغ ترقّي التركيب في الأمم درجة أنْ يصير كلُّ فردٍ من الأمَّة مالكاً لنفسه تماماً، ومملوكاً لقومه تماماً. فالأمَّة التي يكون كلُّ فردٍ منها مستعداً لافتدائها بروحه وبماله، تصير تلك الأمَّة بحجَّة هذا الاستعداد في الأفراد، غنية عن أرواحهم وأموالهم. الترقّي في القوة بالعلم والمال يتميَّز على باقي أنواع الترقّيات السالفة البيان تميُّز الرأس على باقي أعضاء الجسم، فكما أنَّ الرأس بإحرازه مركزية العقل، ومركزية أكثر الحواس، تميّز على باقي الأعضاء واستخدمها في حاجاته، فكذلك الحكومات المنتظم يترقّى أفرادها ومجموعها في العلم والثروة، فيكون لهم سلطانٌ طبيعي على الأفراد أو الأمم التي انحطَّ بها الاستبداد المشؤوم إلى حضيض الجهل والفقر. بقي علينا بحث الترقّي في الكمالات بالخصال والأثرة، وبحث الترقّي الذي يتعلق بالروح؛ أي بما وراء هذه الحياة، ويرقى إليه الإنسان على سُلَّم الرَّحمة والحسنات، فهذه أبحاث طويلة الذيل، ومنابعها حكميات الكتب السماوية ومدوِّنات الأخلاق، وتراجم مشاهير الأمم. وأكتفي بالقول في هذا النوع: إنَّه يبلغ بالإنسان مرتبة أن لا يرى

стр. 152

لحياته أهمية إلا بعد درجات، فيهُّمه أملاً: حياة أمِّه، ثمَّ امتلاك حريته، ثمَّ أمنه على شرفه، ثمَّ محافظته على عائلته، ثمَّ وقايته حياته، ثمَّ ماله، ثمَّ، وثمَّ ... وقد تشمل إحساساته عالم الإنسانية كلِّه، كأنَّ قومه البشر لا قبيلته، ووطنه الأرض لا بلده، ومسكنه؛ حيث يجد راحته، لا يتقيَّد بجدران بيت مخصوص يستتر فيه ويفتخر به كما هو شأن الأُسراء. وقد يترفَّع الإنسان عن الإمارة لما فيها من معنى الكبر، وعن التِّجارة لما فيها من التمويه والتبذُّل، فيرى الشرف في المحراث، ثمَّ المطرقة، ثمَّ القلم، ويرى اللذَّة في التجديد والاختراع، لا في المحافظة على العتيق، كأنَّ له وظيفة في ترقّي مجموع البشر. وخلاصة القول: إنَّ الأمم التي يُسعدها جدُّها لتبديد استبدادها، تنال من الشَّرف الحسّي والمعنوي ما لا يخطر على فكر أُسراء الاستبداد. فهذه بلجيكا أبطلت التكاليف الأميرية برمَّتها، مكتفيةً في نفقاتها بنماء فوائد بنك الحكومة. وهذه سويسرا يصادفها كثيراً أن لا يوجد في سجونها محبوسٌ واحد. وهذه أمريكا أثرت حتى كادت تخرج الفضة من مقام النقد إلى مقام المتاع. وهذه اليابان أصبحت تستنزف قناطير الذهب من أوربا وأمريكا ثمن امتيازات اختراعاتها وطبع تراجم مؤلَّفاتها. وقد تنال تلك الأمم حظّاً من الملذَّات الحقيقية، التي لا تخطر على فكر الأُسراء، كلذَّة العلم وتعليمه، ولذَّة المجد والحماية، ولذَّة الإثراء والبذل، ولذَّة إحراز الاحترام في القلوب، ولذَّة نفوذ الرأي الصائب، ولذَّة الحبِّ

стр. 153

الطاهر، إلى غير هذه الملذَّات الروحية. وأمَّا الأسراء والجهلاء فملذَّاتهم مقصورة على مشاركة الوحوش الضارية في المطاعم والمشارب واستفراغ الشهور، كأنَّ أجسامهم ظروف تُملأ وتُفرغ، أو هي دمامل تولد الصديد وتدفعه. وأنفع ما بلغه الترقّي في البشر؛ هو إحكامهم أصول الحكومات المنتظمة ببنائهم سدّاً متيناً في وجه الاستبداد، والاستبداد جرثومة كلِّ فساد، وبجعلهم ألاّ قوة ولا نفوذ فوق قوة الشَّرع، والشَّرع هو حبل الله المتين. وبجعلهم قوَّة التشريع في يد الأمَّة، والأمَّة لا تجتمع على ضلال. وبجعلهم المحاكم تحاكم السُّلطان والصُّعلوك على السَّواء، فتحاكي في عدالتها الكبرى الإلهية. وبجعلهم العمال لا سبيل لهم على تعدّي حدود وظائفهم، كأنهم ملائكة لا يعصون أمراً، وبجعلهم الأمَّة يقظة ساهرة على مراقبة سير حكومتها، لا تغفل طرفة عين، كما أنَّ الله لا يغفل عمَّا يفعل الظالمون. هذا مبلغ الترقّي الذي وصلت إليه الأمم منذ عُرِف التاريخ، على أنَّه لم يقم دليل إلى الآن على ترقّي البشر في السعادة الحيوية عمّا كانوا عليه في العصور الخالية حتى الحجرية، حتّى منذ كانوا عراةً يسرحون أسراباً، والآثار المشهودة لا تدلُّ على أكثر من ترقّي العلم والعمران؛ وهما آلتان كما يصلحان للإسعاد، يصلحان للإشقاء، وترقِّيها هو من سُنَّة الكون التي أرادها الله تعالى لهذه الأرض وبنيها، ووصف لنا ما سيبلغ إليه ترقّي زينتها واقتدار أهلها بقوله عزَّ شأنه: ﴿حتى إذا أخذت الأرض زُخرفها وازَّينت وظنَّ أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تَغْنَ

стр. 154

بالأمس﴾. وهذا يدلُّ على أنَّ الدنيا وبنيها لم يزالا في مقتبل الترقّي، ولا يعارض هذا أنَّ ما مضى من عمرها هو أكثر مما بقي حسبما أخبرت به الكتب السماوية، لأنَّ العمر شيء، والترقّي شيءٌ آخر.

стр. 155

الاستبداد والتخلُّص منه ليس لنا مدرسة أعظم من التاريخ الطبيعي، ولا برهان أقوى من الاستقراء، من تتبَّعهما يرى أنَّ الإنسان عاش دهراً طويلاً في حالة طبيعية تسمَّى "دور الافتراس"، فكان يتجوَّل حول المياه أسراباً تجمعه حاجة الحضانة صغيراً، وقصد الاستئناس كبيراً، ويعتمد في رزقه على النبات الطبيعي وافتراس ضعاف الحيوان في البرِّ والبحر، وتسوسه الإرادة فقط، ويقوده من بنيته أقوى إلى حيثُ يكثر الرزق. ثم ترقَّى الكثير من الإنسان إلى الحالة البدوية التي تسمّى "دور الاقتناء": فكان عشائر وقبائل، يعتمد في رزقه على ادِّخار الفرائس إلى حين الحاجة، فصارت تجمعه حاجة التحفُّظ على المال العام والأنعام، وحماية المستودعات والمراعي والمياه من المزاحمين، ثمَّ انتقل -ولا يُقال ترقّى- قسم كبير من الإنسان إلى المعيشة الحضرية: فسكن القرى يستنبت الأرض الخصبة في معاشه، فأخصب، ولكن؛ في الشقاء، ولعلَّه استحقَّ ذلك بفعله؛ لأنَّه تعدَّى قانون الخالق، فإنَّه خلقه حرّاً جوَّالاً، يسير في الأرض، ينظر آلاء الله، فسكنَ، وسكن إلى الجهل والذُّلّ، وخلق الله الأرض مباحةً، فاستأثر بها،

стр. 156

فسلَّط الله عليه من يغصبها منه ويأسره. وهذا القسم يعيش بلا جامعة، تحكمه أهواء أهل المدن وقانونه: أن يكون ظالماً أو مظلوماً. ثمَّ ترقّى قسم من الإنسان إلى التصرُّف إمّا في المادة وهم الصُّناع، وإمَّا في النظريات وهم أهل المعارف والعلوم. وهؤلاء المتصرِّفون هم سكان المدن الذين هم إنْ سجنوا أجسامهم بين الجدران، لكنهم أطلقوا عقولهم في الأكوان، وهم قد توسَّعوا في الرِّزق كما توسَّعوا في الحاجات، ولكنَّ أكثرهم لم يهتدوا حتى الآن للطريق المثلى في سياسة الجمعيات الكبرى. وهذا هو سبب تنوُّع أشكال الحكومات وعدم استقرار أمَّةٍ على شكل مُرضٍ عام. إنَّما كلُّ الأمم في تقلُّباتٍ سياسية على سبيل التجريب، وبحسب تغلُّب أحزاب الاجتهاد أو رجال الاستبداد. وتقرير شكل الحكومة هو أعظم وأقدم مشكلة في البشر، وهو المعترك الأكبر لأفكار الباحثين، والميدان الذي قلَّ في البشر من لا يجول فيه على فيل من الفكر، أو على جملٍ من الجهل، أو على فرسٍ من الفراسة، أو على حمارٍ من الحُمْق، حتى جاء الزمن الأخير فجال فيه إنسان الغرب جولة المغوار الممتطي في التدقيق مراكب البخار. فقرر بعض قواعد أساسية في هذا الباب تضافر عليها العقل والتجريب، وحصحص فيها الحقّ اليقين، فصارت تُعَدُّ من المقررات الاجتماعية عند الأمم المترقية، ولا يعارض ذلك كون الأمم لم تزل أيضاً منقسمة إلى أحزاب سياسية يختلفون شيعاً؛ لأنَّ اختلافهم هو في وجوه تطبيق تلك القواعد وفروعها على أحوالهم الخصوصية.

стр. 157

وهذه القواعد التي قد صارت قضايا بديهية في الغرب، لم تزل مجهولة أو غريبة، أو منفوراً منها في الشرق؛ لأنَّها عند الأكثرين منهم لم تطرق سمعهم، وعند البعض لم تنل التفاتهم وتدقيقهم، وعند آخرين لم تحز قبولاً؛ لأنَّهم ذوو غرض، أو مسروقة قلوبهم، أو في قلوبهم مرض. وإنّي أطرح لتدقيق المطالعين رؤوس مسائل بعض المباحث التي تتعلَّق بها الحياة السياسية. وقبل ذلك أذكِّرهم بأنَّه قد سبق في تعريف الاستبداد بأنَّه: "هو الحكومة التي لا يوجد بينها وبين الأمَّة رابطة معينة معلومة مصونة بقانون نافذ الحكم". كما أستلفت نظرهم إلى أنَّه لا يوثق بوعد من يتولى السُّلطة أياً كان، ولا بعهده ويمينه على مراعاة الدين، والتقوى، والحق، والشرف، والعدالة، ومقتضيات المصلحة العامة، وأمثال ذلك من القضايا الكلية المبهمة التي تدور على لسان كلِّ برٍّ وفاجر. وما هي في الحقيقة إلا كلامٌ مبهم فارغ؛ لأنَّ المجرم لا يعدم تأويلاً؛ ولأنَّ من طبيعة القوة الاعتساف؛ ولأنَّ القوة لا تُقابل إلا بالقوة. ثمَّ فلنرجع للمباحث التي أريد طرحها لتدقيق المطالعين، وهي: ١ - مبحث ما هي الأمَّة؛ أي الشَّعب: هل هي ركامُ مخلوقاتٍ نامية، أو جمعية، عبيدٌ لمالكٍ متغلِّب، وظيفتهم الطاعة والانقياد ولو كُرهاً؟ أم هي جمعٌ بينهم روابط دين أو جنس أو لغة، ووطن، وحقوق مشتركة، وجامعة سياسية اختيارية، لكلِّ فردٍ حقُّ إشهار رأيه فيها توفيقاً للقاعدة الإسلامية التي هي أسمى وأبلغ قاعدة سياسية، وهي: "كلُّكم

стр. 158

راعٍ، وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيِّته". ٢ - مبحث ما هي الحكومة: هل هي سلطة امتلاك فرد لجمع، يتصرَّف في رقابهم، ويتمتَّع بأعمالهم ويفعل بإرادته ما يشاء؟ أم هي وكالة تُقام بإرادة الأمَّة لأجل إدارة شؤونها المشتركة العمومية؟. ٣ - مبحث ما هي الحقوق العمومية: هل هي آحاد الملوك، ولكنها تُضاف للأمم مجازاً؟ أم بالعكس، هي حقوق جموع الأمم، وتُضاف للملوك مجازاً، ولهم عليها ولاية الأمانة والنّظارة على مثل الأراضي والمعادن، والأنهر والسواحل، والقلاع والمعابد، والأساطيل والمعدات، وولاية الحدود، والحراسة على مثل الأمن العام، والعدل والنظام، وحفظ وصيانة الدين والآداب، والقوانين والمعاهدات والاتِّجار، إلى غير ذلك مما يحقُّ لكلِّ فردٍ من الأمَّة أن يتمتع به وأنْ يطمئن عليه؟ ٤ - مبحث التساوي في الحقوق: هل للحكومة التصّرف في الحقوق العامة المادية والأدبية كما تشاء بذلاً وحرماناً؟ أم تكون الحقوق محفوظة للجميع على التساوي والشيوع، وتكون المغانم والمغارم العمومية موزَّعة على الفصائل والبلدان والصنوف والأديان بنسبةٍ عادلة، ويكون الأفراد متساوين في حقِّ الاستنصاف؟

стр. 159

٥ - مبحث الحقوق الشخصية: هل الحكومة تملك السيطرة على الأعمال والأفكار؟ أم أفراد الأمة أحرار في الفكر مطلقاً، وفي الفعل ما لم يخالف القانون الاجتماعي؛ لأنَّهم أدرى بمنافعهم الشخصية، والحكومة لا تتداخل إلا في الشؤون العمومية؟ ٦ - مبحث نوعية الحكومة: هل الأصلح هي الملكية المطلقة من كلِّ زمام؟ أم الملكية المقيَّدة؟ وما هي القيود؟ أم الرئاسة الانتخابية الدائمة مع الحياة، أو المؤقَّتة إلى أجل؟ وهل تُنال الحاكمية بالوراثة، أو العهد، أو الغلبة؟ وهل يكون ذلك كما تشاء الصُّدفة، أم مع وجود شرائط الكفاءة، وما هي تلك الشرائط؟ وكيف يصير تحقيق وجودها؟ وكيف يراقب استمرارها؟ وكيف تستمرُّ المراقبة عليها؟. ٧ - مبحث ما هي وظائف الحكومة: هل هي إدارة شؤون الأمة حسب الرأي والاجتهاد؟ أم تكون مقيَّدة بقانون موافق لرغائب الأمة وإنْ خالف الأصلح؟ وإذا اختلفت الحكومة مع الأمَّة في اعتبار الصالح والمضرّ، فهل على الحكومة أن تعتزل الوظيفة؟ ٨ - مبحث حقوق الحاكمية: هل للحكومة أن تخصِّص بنفسها لنفسها ما تشاء من مراتب العظمة، ورواتب المال، وتحابي من تريد بما تشاء من حقوق الأمة وأموالها؟ أم

стр. 160

يكون التَّصرف في ذلك كلِّه إعطاءً وتحديداً ومنعاً منوطاً بالأمة؟ ٩ - مبحث طاعة الأمة للحكومة: هل الإرادة للأمَّة، وعلى الحكومة العمل؟ أم للإرادة للحكومة وعلى الأمَّة الطاعة؟ وهل للحكومة تكليف الأمَّة طاعةً عمياء بلا فهم ولا اقتناع؟ أم عليها الاعتناء بوسائل التفهيم والإذعان لتتأتَّى الطاعة بإخلاص وأمانة؟ ١٠ - مبحث توزيع التكليفات: هل يكون وضع الضرائب مفوَّضاً لرأي الحكومة؟ أم الأمَّة تقرِّر النفقات اللازمة وتعيِّن موارد المال، وتُرتِّب طرائق جبايته وحفظه؟. ١١ - مبحث إعداد المَنَعة: هل يكون إعداد القوة بالتجنيد والتسليح استعداداً للدفاع مفوضاً لإرادة الحكومة إهمالاً، أو إقلالاً، أو إكثاراً، أو استعمالاً على قهر الأمَّة؟ أم يلزم أن يكون ذلك برأي الأمَّة وتحت أمرها؛ بحيث تكون القوة منفِّذة رغبة الأمة لا رغبة الحكومة؟ ١٢ - مبحث المراقبة على الحكومة: هل تكون الحكومة لا تُسأل عما تفعل؟ أم يكون للأمة حقُّ السيطرة عليها؛ لأنَّ الشأن شأنها، فلها أن تُنبت عنها وكلاء لهم حقُّ الاطِّلاع على كلِّ شيء، وتوجيه المسؤولية على أيٍّ كان، ويكون أهم وظائف النواب حفظ الحقوق الأساسية المقررة للأمة على الحكومة؟

стр. 161

١٣ - مبحث حفظ الأمن العام: هل يكون الشخص مكلَّفاً بحراسة نفسه ومتعلَّقاته؟ أم تكون الحكومة مكلَّفة بحراسته مقيماً ومسافراً حتى من بعض طوارئ الطبيعة بالحيلولة لا بالمجازاة والتعويض؟ ١٤ - مبحث حفظ السُّلطة في القانون: هل يكون للحكومة إيقاع عمل إكراهي على الأفراد برأيها؛ أي بدون الوسائط القانونية؟ أم تكون السُّلطة منحصرة في القانون، إلا في ظروف مخصوصة ومؤقَّتة؟ ١٥ - مبحث تأمين العدالة القضائية: هل يكون العدل ما تراه الحكومة؟ أم ما يراه القضاة المصون وجدانهم من كلِّ مؤثِّر غير الشرع والحق، ومن كلِّ ضغطٍ حتى ضغط الرأي العام؟ ١٦ - مبحث حفظ الدين والآداب: هل يكون للحكومة -ولو القضائية- سلطة وسيطرة على العقائد والضمائر؟ أم تقتصر وظيفتها في حفظ الجامعات الكبرى كالدين، والجنسية، واللغة، والعادات، والآداب العمومية على استعمال الحكمة ما أغنت الزواجر، ولا تتداخل الحكومة في أمر الدين ما لم تُنتَهَك حرمته؟ وهل السياسة الإسلامية سياسة دينية؟ أم كان ذلك في مبدأ ظهور الإسلام، كالإدارة العرفية

стр. 162

عقب الفتح؟ ١٧ - مبحث تعيين الأعمال بالقوانين: هل يكون في الحكومة -من الحاكم إلى البوليس- من يُطلَق له عنان التَّصرف برأيه وخبرته؟ أم يلزم تعيين الوظائف، كليّاتها وجزئياتها، بقوانين صريحة واضحة، لا تسوغ مخالفتها ولو لمصلحة مهمة، إلا في حالات الخطر الكبير؟ ١٨ - مبحث كيف توضع القوانين: هل يكون وضعها منوطاً برأي الحاكم الأكبر، أو رأي جماعة ينتخبهم لذلك؟ أم يضع القوانين جمعٌ منتخبٌ من قبل الكافّة ليكونوا عارفين حتماً بحاجات قومهم وما يُلائم طبائعهم ومواقعهم وصوالحهم، ويكون حكمه عاماً أو مختلفاً على حسب تخالف العناصر والطبائع وتغير الموجبات والأزمان؟ ١٩ - مبحث ما هو القانون وقوَّته: هل القانون هو أحكام يحتجُّ بها القوي على الضعيف؟ أم هو أحكام منتزعة من روابط الناس بعضهم ببعض، وملاحظٌ فيها طبائع أكثرية الأفراد، ومن نصوص خالية من الإبهام والتعقيد وحكمها شامل كلّ الطبقات، ولها سلطان نافذ قاهر مصون من مؤثِّرات الأغراض، والشفاعة، والشفقة، وبذلك يكون القانون هو القانون الطبيعي للأمَّة فيكون محترماً عند الكافّة، مضمون الحماية من قِبَل أفراد الأمة؟

стр. 163

٢٠ - مبحث توزيع الأعمال والوظائف: هل يكون الحظُّ في ذلك مخصوصاً بأقارب الحاكم وعشيرته ومقرَّبيه؟ أم توزَّع كتوزيع الحقوق العامَّة على كافَّة القبائل والفصائل، ولو مناوبة مع ملاحظات الأهمية والعدد؛ بحيث يكون رجال الحكومة أنموذجاً من الأمَّة، أو هم الأمَّة مصغَّرة، وعلى الحكومة إيجاد الكفاءة والأعداد ولو بالتعليم الإجباري؟ ٢١ - مبحث التفريق بين السُّلطات السياسية والدينية والتعليم: هل يُجمع بين سلطتين أو ثلاث في شخصٍ واحد؟ أم تُخصَّص كلُّ وظيفة من السياسة والدين والتعليم بمن يقوم بإتقان، ولا إتقان إلا بالاختصاص، وفي الاختصاص، كما جاء في الحكمة القرآنية: ﴿ما جعل اللهُ لرجلٍ قلبين في جوفه﴾، ولذلك لا يجوز الجمع منعاً لاستفحال السلطة. ٢٢ - مبحث الترقّي في العلوم والمعارف: هل يُترَك للحكومة صلاحية الضَّغط على العقول كي يقوى نفوذ الأمَّة عليها؟ أم تُحمل على توسيع المعارف بجعل التعليم الابتدائي عمومياً بالتشويق والإجبار، وبجعل الكمالي سهلاً للمتناول، وجعل التعليم والتعلُّم حرّاً مطلقاً؟ ٢٣ - مبحث التوسُّع في الزراعة والصنائع والتجارة: هل يُترك ذلك للنشاط المفقود في الأمَّة؟ أم تلزم الحكومة بالاجتهاد

стр. 164

في تسهيل مضاهاة الأمم السَّائرة، ولا سيما المزاحمة والمجاورة، كيلا تهلك الأمَّة بالحاجة لغيرها أو تضعف بالفقر؟ ٢٤ - مبحث السَّعي في العمران: هل يُترك ذلك لإهمال الحكومة المميت لعزَّة نفس السُّكان، أو لانهماكها فيه إسرافاً وتبذيراً؟ أم تحمل على اتِّباع الاعتدال المتناسب مع الثورة العمومية؟ ٢٥ - مبحث السَّعي في رفع الاستبداد: هل يُنتظر ذلك من الحكومة ذاتها؟ أم نوال الحرية ورفع الاستبداد رفعاً لا يترك مجالاً لعودته، من وظيفة عقَلاء الأمة وسراتها؟ هذه خمسة وعشرون مبحثاً، كلٌّ منها يحتاج إلى تدقيقٍ عميق، وتفصيلٍ طويل، وتطبيق على كلِّ الأحوال والمقتضيات الخصوصية. وقد ذكرتُ هذه المباحث تذكرةً للكُتَّاب ذوي الألباب وتنشيطاً للنُّجباء على الخوض فيها بترتيب، اتِّباعاً لحكمة إتيان البيوت من أبوابها. وإني أقتصر على بعض الكلام فيما يتعلق بالمبحث الأخير منها فقط؛ أعني مبحث السَّعي في رفع الاستبداد، فأقول: ١ - الأمَّة التي لا يشعر كلُّها أو أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة. ٢ - الاستبداد لا يقاوَم بالشِّدة إنما يُقاوم باللين والتدرُّج.

стр. 165

٣ - يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ما يُستَبدَل به الاستبداد. هذه قواعد رفع الاستبداد، وهي قواعد تُبعد آمال الأسراء، وتسرُّ المستبدّين؛ لأنَّ ظاهرها يؤمنِّهم على استبدادهم. ولهذا أذكِّر المستبدّين بما أنذرهم الفياري المشهور؛ حيثُ قال: "لا يفرحنَّ المستبدُّ بعظيم قوَّته ومزيد احتياطه، فكم جبّارٍ عنيدٍ جُنِّد له مظلومٌ صغير"، وإني أقول: كم من جبّار قهّار أخذه الله أخذ عزيزٍ منتقم. مبنى قاعدة كون الأمَّة التي لا يشعر أكثرها بآلام الاستبداد لا تستحقُّ الحريّة هو: إنَّ الأمَّة إذا ضُرِبَت عليها الذِّلَّة والمسكنة، وتوالت على ذلك القرون والبطون، تصير تلك الأمَّة سافلة الطِّباع حسبما سبق تفصيله في الأبحاث السَّالفة، حتى إنَّها تصير كالبهائم، أو دون البهائم، لا تسأل عن الحرية، ولا تلتمس العدالة، ولا تعرف للاستقلال قيمة، أو للنظام مزية، ولا ترى لها في الحياة وظيفة غير التابعية للغالب عليها، أحسنَ أو أساء على حدٍّ سواء، وقد تنقم على المستبدِّ نادراً، ولكنْ، طلباً للانتقام من شخصه لا طلباً للخلاص من الاستبداد، فلا تستفيد شيئاً، إنما تستبدل مرضاً بمرض؛ كمغصٍ بصداع. وقد تقاوم المستبدَّ بسَوق مستبدٍّ آخر تتوسَّم فيه أنَّه أقوى شوكةً من المستبدِّ الأول، فإذا نجحت لا يغسل هذا السائق يديه إلا بماء الاستبداد، فلا تستفيد أيضاً شيئاً، إنما تستبدل مرضاً مزمناً بمرض حديث، وربما تُنال الحرية

стр. 166

عفواً، فكذلك لا تستفيد منها شيئاً؛ لأنَّها لا تعرف طعمها، فلا تهتمُّ بحفظها، فلا تلبث الحرية أن تنقلب إلى فوضى، وهي إلى استبدادٍ مشوَّش أشدُّ وطأةً كالمريض إذا انتكس. ولهذا؛ قرَّر الحكماء أنَّ الحرية التي تنفع الأمَّة هي التي تحصل عليها بعد الاستعداد لقبولها، وأمَّا التي تحصل على أثر ثورةٍ حمقاء فقلّما تفيد شيئاً؛ لأنَّ الثورة -غالباً- تكتفي بقطع شجرة الاستبداد ولا تقتلع جذورها، فلا تلبث أن تنبت وتنمو وتعود أقوى مما كانت أولاً. فإذا وُجِد في الأمَّة الميتة من تدفعه شهامته للأخذ بيدها والنهوض بها فعليه أولاً: أن يبثَّ فيها الحياة وهي العلم؛ أي علمها بأنَّ حالتها سيئة، وإنَّما بالإمكان تبديلها بخيرٍ منها، فإذا هي علمت بطبعه من الآحاد إلى العشرات، إلى إلى ... ، حتى يشمل أكثر الأمَّة، وينتهي بالتحمُّس ويبلغ بلسان حالها إلى منزلة قول الحكيم المعرّي: إذا لم تقُم بالعدل فينا حكومةٌ ... فنحن على تغييرها قُدَراء وهكذا ينقذف فِكرُ الأمَّة في وادٍ ظاهر الحكمة يسير كالسيل، لا يرجع حتى يبلغ منتهاه. ثمَّ إنَّ الأمم الميتة لا يندر فيها ذو الشَّهامة، إنما الأسف أنْ يندر فيها من يهتدي في أوَّل نشأته إلى الطريق الذي به يحصل على المكانة التي تمكِّنه في مستقبله من نفوذ رأيه في قومه. وإنِّي أنبِّه فكر الناشئة العزيزة أنَّ من يرى

стр. 167

منهم في نفسه استعداداً للمجد الحقيقي فليحرص على الوصايا الآتية البيان: ١ - أن يجهد في ترقية معارفه مطلقاً لا سيما في العلوم النّافعة الاجتماعية كالحقوق والسياسة والاقتصاد والفلسفة العقلية، وتاريخ قومه الجغرافي والطبيعي والسياسي، والإدارة الحربية، فيكتسب من أصول وفروع هذه الفنون ما يمكنه إحرازه بالتلقِّي، وإن تعذَّر فبالمطالعة مع التدقيق. ٢ - أن يتقن أحد العلوم التي تكسبه في قومه موقعاً محترماً وعلمياً مخصوصاً؛ كعلم الدين والحقوق أو الإنشاء أو الطبّ. ٣ - أن يحافظ على آداب وعادات قومه غاية المحافظة ولو أنَّ فيها بعض أشياء سخيفة. ٤ - أن يقلل اختلاطه مع الناس حتى رفقائه في المدرسة، وذلك حفظاً للوقار وتحفُّظاً من الارتباط القوي مع أحد كيلا يسقط تبعاً لسقوط صاحبٍ له. ٥ - أن يتجنَّب كليّاً مصاحبة الممقوت عند الناس لا سيما الحكّام ولو كان ذلك المقت بغير حقّ. ٦ - أن يجتهد ما أمكنه في كتم مزيّته العلمية على الذين هم دونه في ذلك العلم لأجل أن يأمن غوائل حسدهم، إنما عليه أن يظهر مزيّته لبعض من هم فوقه بدرجاتٍ كثيرة.

стр. 168

٧ - أن يتخيَّر له بعض من ينتمي إليه من الطبقة العليا، بشرط: أنْ لا يُكثر التردد عليه، ولا يشاركه شؤونه، ولا يظهر له الحاجة، ويتكتَّم في نسبته إليه. ٨ - أن يحرص على الإقلال من بيان آرائه وإلا يؤخذ عليه تبعة رأي يراه أو خبرٍ يرويه. ٩ - أن يحرص على أن يُعرف بحسن الأخلاق، لا سيما الصّدق والأمانة والثبات على المبادئ. ١٠ - أن يُظهر الشفقة على الضعفاء والغيرة على الدين والعلاقة بالوطن. ١١ - أن يتباعد ما أمكنه من مقاربة المستبدّ وأعوانه إلا بمقدار ما يأمن به فظائع شرِّهم إذا كان معرَّضاً لذلك. فمن يبلغ سنَّ الثلاثين فما فوق حائزاً على الصفات المذكورة، يكون قد أعدَّ نفسه على أكمل وجه لإحراز ثقة قومه عندما يريد في برهة قليلة، وبهذه الثِّقة يفعل ما لا تقوى عليه الجيوش والكنوز. وما ينقصه من هذه الصِّفات يُنقص من مكانته، ولكنْ؛ قد يستغني بمزيد كمال بعضها عن فقدان بعضها الآخر أو نقصه. كما أنَّ الصِّفات الأخلاقية قد تكفي في بعض الظروف عن الصفات العلمية كلّها ولا عكس، وإذا كان المتصدّي للإرشاد السياسي فاقد الثِّقة فقداناً أصلياً أو طارئاً، يمكنه أن يستعمل غيره ممن تنقصه الجسارة والهمّة والصفات العلمية.

стр. 169

والخلاصة: أنَّ الراغب في نهضة قومه، عليه أن يهيئ نفسه ويزن استعداده، ثمَّ يعزم متوكِّلاً على الله في خلق النَّجاح. ومبنى قاعدة أنَّ الاستبداد لا يُقاوم بالشدة، إنما يُقاوم بالحكمة والتدريج هو: أنَّ الوسيلة الوحيدة الفعّالة لقطع دابر الاستبداد هي ترقّي الأمَّة في الإدراك والإحساس، وهذا لا يتأتى إلا بالتعليم والتحميس. ثمَّ إنَّ اقتناع الفكر العام وإذعانه إلى غير مألوفه، لا يتأتّى إلا في زمنٍ طويل، لأنَّ العوام مهما ترقّوا في الإدراك لا يسمحون باستبدال القشعريرة بالعافية إلا بعد التّروي المديد، وربما كانوا معذورين في عدم الوثوق والمسارعة؛ لأنَّهم ألِفوا أن لا يتوقعوا من الرؤوساء والدُّعاة إلا الغشّ والخداع غالباً. ولهذا كثيراً ما يحبُّ الأُسراء المستبدَّ الأعظم إذا كان يقهر معهم بالسوية الرؤساء والأشراف، وكثيراً ما ينتقم الأُسراء من الأعوان فقط ولا يمسّون المستبدَّ بسوء؛ لأنَّهم يرون ظالمهم مباشرةً هم الأعوان دون المستبدِّ، وكم أحرقوا من عاصمة لأجل محضّ التشفّي بإضرار أولئك الأعوان. ثمَّ إنَّ الاستبداد محفوفٌ بأنواعٍ القوات التي فيها قوّة الإرهاب بالعظمة وقوّة الجُند، لا سيما إذا كان الجند غريب الجنس، وقوة المال، وقوة الإلفة على القسوة، وقوّة رجال الدين، وقوّة أهل الثروات، وقوّة الأنصار من الأجانب، فهذه القوات تجعل الاستبداد كالسيف لا يُقابَل بعصا الفكر العام

стр. 170

الذي هو في أوَّل نشأته يكون أشبه بغوغاء، ومن طبع الفكر العام أنَّه إذا فار في سنة يغور في سنة، وإذا فار في يوم يغور في يوم. بناءً عليه؛ يلزم لمقاومة تلك القوات الهائلة مقابلتها بما يفعله الثبات والعناد المصحوبان بالحزم والإقدام. الاستبداد لا ينبغي أن يُقاوَم بالعنف، كي لا تكون فتنة تحصد الناس حصداً. نعم؛ الاستبداد قد يبلغ من الشدَّة درجة تنفجر عندها الفتنة انفجاراً طبيعياً، فإذا كان في الأمَّة عقلاء يتباعدون عنها ابتداءً، حتى إذا سكنت ثورتها نوعاً وقضت وظيفتها في حصد المنافقين، حينئذٍ يستعملون الحكمة في توجيه الأفكار نحو تأسيس العدالة، وخير ما تؤسَّس يكون بإقامة حكومة لا عهد لرجالها بالاستبداد، ولا علاقة لهم بالفتنة. العوام لا يثور غضبهم على المستبدِّ غالباً إلا عقب أحوال مخصوصة مهيِّجة فورية، منها: ١ - عقب مشهد دموي مؤلم يوقعه المستبدُّ على المظلوم يريد الانتقام لناموسه. ٢ - عقب حرب يخرج منها المستبدُّ مغلوباً، ولا يتمكَّن من إلصاق عار التغلُّب بخيانة القوّاد. ٣ - عقب تظاهر المستبدِّ بإهانة الدّين إهانةً مصحوبةً باستهزاء يستلزم حدَّة العوام. ٤ - عقب تضييق شديد عام مقاضاةً لمالٍ كثير لا يتيسَّر إعطاؤه حتّى على

стр. 171

أواسط الناس. ٥ - في حالة مجاعة أو مصيبة عامّة لا يرى الناس فيها مواساةً ظاهرة من المستبدّ. ٦ - عقب عمل للمستبدِّ يستفزُّ الغضب الفوري، كتعرُّضه لناموس العرض، أو حرمة الجنائز في الشرق، وتحقيره القانون أو الشرف الموروث في الغرب. ٧ - عقب حادث تضييق يوجب تظاهر قسم كبير من النساء في الاستجارة والاستنصار. ٨ - عقب ظهور موالاة شديدة من المستبدِّ لمن تعتبره الأمَّة عدوّاً لشرفها. إلى غير ذلك من الأمور المماثلة لهذه الأحوال التي عندها يموج الناس في الشوارع والساحات، وتملأ أصواتهم الفضاء، وترتفع فتبلغ عنان السماء، ينادون: الحقّ الحقّ، الانتصار للحقّ، الموت أو بلوغ الحقّ. المستبدُّ مهما كان غبياً لا تخفى عليه تلك المزالق، ومهما كان عتياً لا يغفل عن اتِّقائها، كما أنَّ هذه الأمور يعرفها أعوانه ووزراؤه. فإذا وُجِد منهم بعض يريدون له التهلكة يهوِّرونه على الوقوع في إحداها، ويُلصقونها به خلافاً لعادتهم في إبعادها عنه بالتمويه على الناس. إنَّ رئيس وزراء المستبدِّ أو رئيس قُوَّاده، أو رئيس الدِّين عنده، هم أقدر الناس على الإيقاع به، وهو يداريهم تحذُّراً من ذلك، وإذا أراد إسقاط

стр. 172

أحدهم فلا يوقعه إلا بغتة. لمثيري الخواطر على الاستبداد طرائق شتّى يسلكونها بالسّرّ، والبطء، يستقرّون تحت ستار الدين، فيستنبتون غابة الثورة من بذرة أو بذورات يسقونها بدموعهم في الخلوات. وكم يلهون المستبدَّ بسوقه إلى الاشتغال بالفسوق والشَّهوات، وكم يغرونه برضاء الأمَّة عنه، ويجسِّرونه على مزيد التشديد، وكم يحملونه على إساءة التدبير، ويكتمونه الرُّشد، وكم يشوِّشون فكره بإرباكه مع جيرانه وأقرانه. يفعلون ذلك وأمثاله لأجل غاية واحدة، هي إبعاده عن الانتباه إلى سدِّ الطريق التي فيها يسلكون، أمَّا أعوانه، فلا وسيلة لإغفالهم عن إيقاظه غير تحريك أطماعهم المالية مع تركهم ينهبون ما شاؤوا أن ينهبوا. ومبنى قاعدة أنَّه يجب قبل مقاومة الاستبداد، تهيئة ماذا يُستبدل به الاستبداد هو: إنَّ معرفة الغاية شرطٌ طبيعي للإقدام على كلِّ عمل، كما أنَّ معرفة الغاية لا تفيد شيئاً إذا جهل الطريق الموصل إليها، والمعرفة الإجمالية في هذا الباب لا تكفي مطلقاً، بل لا بدَّ من تعيين المطلب والخطة تعييناً واضحاً موافقاً لرأيِّ الكلِّ، أو الأكثرية التي هي فوق الثلاثة أرباع عدداً أو قوة بأس وإلا فلا يتمّ الأمر، حيث إذا كانت الغاية مبهمة نوعاً، يكون الإقدام ناقصاً نوعاً، وإذا كانت مجهولة بالكليّة عند قسم من الناس أو مخالفة لرأيهم،

стр. 173

فهؤلاء ينضمّون إلى المستبدِّ، فتكون فتنةً شعواء، وإذا كانوا يبلغون مقدار الثلث فقط، تكون حينئذٍ الغلبة في جانب المستبدِّ. ثمَّ إذا كانت الغاية مبهمة ولم يكن السير في سبيلٍ معروف، ويوشك أن يقع الخلاف في أثناء الطريق، فيفسد العمل أيضاً وينقلب إلى انتقام وفتن. ولذلك يجب تعيين الغاية بصراحة وإخلاص وإشهارها بين الكافّة، والسعي في إقناعهم واستحصال رضائهم بها ما أمكن ذلك، بل الأَولى حمل العوام على النداء بها وطلبها من عند أنفسهم. وهذا سبب عدم نجاح الإمام علي ومن وليه من أئمة آل البيت ﵃، ولعلَّ ذلك كان منهم لا عن غفلة، بل مقتضى ذلك الزمان من صعوبة المواصلات وفقدان البوستات المنتظمة والنشريات المطبوعة إذ ذاك. والمراد أنَّ من الضروري تقرير شكل الحكومة التي يراد ويمكن أنْ يُستبدل بها الاستبداد، وليس هذا بالأمر الهيّن الذي تكفيه فكرة ساعات، أو فطنة آحاد، وليس هو بأسهل من ترتيب المقاومة والمغالبة. وهذا الاستعداد الفكري النظري لا يجوز أنْ يكون مقصوراً على الخواص، بل لا بدَّ من تعميمه وعلى حساب الإمكان ليكون بعيداً عن الغايات ومعضوداً بقبول الرأي العام. وخلاصة البحث أنَّه يلزم أولاً تنبيه حسّ الأمَّة بآلام الاستبداد، ثمَّ يلزم حملها على البحث في القواعد الأساسية للسياسة المناسبة لها؛ بحيث يشغل

стр. 174

ذلك أفكار كلِّ طبقاتها، والأولى أن يبقى ذلك تحت مخض العقول سنين، بل عشرات السنين حتى ينضج تماماً، وحتى يحصل ظهور التلهّف الحقيقي على نوال الحرية في الطبقات العليا، والتمنّي في الطبقات السفلى، والحذر كل الحذر من أن يشعر المستبد بالخطر، فيأخذ بالتحذُّر الشديد، والتنكيل بالمجاهدين، فيكثر الضجيج، فيزيغ المستبدُّ ويتكالب، فحينئذٍ إما أن تغتنم الفرصة دولة أخرى فتستولي على البلاد، وتجدِّد الأسر على العباد بقليلٍ من التعب، فتدخل الأمَّة في دورٍ آخر من الرقِّ المنحوس، وهذا نصيب أكثر الأمم الشرقية في القرون الأخيرة، وإمَّا أن يساعد الحظّ على عدم وجود طامع أجنبي، وتكون الأمَّة قد تأهَّلت للقيام بأن تحكم نفسها بنفسها، وفي هذه الحال يمكن لعقلاء الأمَّة أن يكلِّفوا المستبدَّ ذاته لترك أصول الاستبداد، واتِّباع القانون الأساسي الذي تطلبه الأمة. والمستبدُّ الخائر القوى لا يسعه عند ذلك إلا الإجابة طوعاً، وهذا أفضل ما يصادَف. وإن أصرَّ المستبدُّ على القوّة، قضوا بالزوال على دولته، وأصبح كلٌّ منهم راعياً، وكلٌّ منهم مسؤولاً عن رعيته، وأضحوا آمنين، لا يطمع فيهم طامع، ولا يُغلبون عن قلّة، كما هو شأن كلِّ الأمم التي تحيا حياةً كاملة حقيقية، بناءً عليه؛ فليبصَّر العقلاء، وليتَّقِ الله المغرون، وليعلم أنَّ الأمر صعب، ولكن تصوُّر الصعوبة لا يستلزم القنوط، بل يثير همم الرجل الأشمّ. ونتيجة البحث، أنَّ الله -جلَّت حكمته- قد جعل الأمم مسؤولة عن أعمال

стр. 175

من تُحكِّمه عليها. وهذا حقٌّ. فإذا لم تحسن أمّة سياسة نفسها أذلَّها الله لأمَّة أخرى تحكمها، كما تفعل الشرائع بإقامة القيّم على القاصر أو السفيه، وهذه حكمة. ومتى بلغت أمَّةٌ رشدها، وعرفت للحرية قدرها، استرجعت عزَّها، وهذا عدلٌ. وهكذا لا يظلم ربُّك أحداً، إنما هو الإنسان يظلم نفسه، كما لا يذلُّ الله قط أمة عن قلّة، إنما هو الجهل يسبِّب كلَّ علَّة. وإني أختم كتابي هذا بخاتمة بشرى، وذلك أنَّ بواسق العلم وما بلغ إليه، تدلُّ على أنَّ يوم الله قريب. ذلك اليوم الذي يقلُّ فيه التفاوت في العلم وما يفيده من القوّة، وعندئذٍ تتكافأ القوات بين البشر، فتنحلُّ السلطة، ويرتفع التغالب، فيسود بين الناس العدل والتوادد، فيعيشون بشراً لا شعوباً، وشركات لا دولاً، وحينئذٍ يعلمون ما معنى الحياة الطيبة: هل هي حياة الجسم وحصر الهمّة في خدمته؟ أم حياة الروح وغذاؤها الفضيلة؟ ويومئذٍ يتسنّى للإنسان أن يعيش كأنَّه عالم مستقلٌّ خالد، كأنَّه نجمٌ مختصٌّ في شأنه، مشتركٌ في النظام، كأنَّه ملكٌ، وظيفته تنفيذ أوامر الرحمن الملهمة للوجدان. تمَّ الكتاب بعونه تعالى