← Сияса и кади

Сияса и кади · id 36085

طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد

الكواكبي

Полный текст (175 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وجبّار وجهول وأثيم. ما ذكر الله تعالى الإنسان في القرآن إلا وهجاه، فقال: ﴿قُتِل الإنسانُ ما أكفره﴾؛ ﴿إنَّ الإنسان لكفورٌ﴾؛ ﴿إنَّ الإنسان لفي خُسٍ﴾؛ ﴿إنَّ الإنسان ليطغى﴾؛ ﴿وكان الإنسان عَجولاً﴾؛ ﴿خُلِق الإنسان من عَجَلٍ﴾. ما وُجِد من مخلوقات الله من نازع الله في عظمته، والمستبدّون من الإنسان ينازعونه فيها، والمتناهون في الرّذالة قد يقبحون عبثاً لغير حاجة في النَّفس حتى وقد يتعمدون الإساءة لأنفسهم. الإنسان في نشأته كالغصن الرَّطب، فهو مستقيمٌ لدِنٌ بطبعه، ولكنّها أهواء التربية تميل به إلى يمين الخير أو شمال الشرّ، فإذا شبَّ يبس وبقي على أمياله ما دام حياً، بل تبقى روحه إلى أبد الآبدين في نعيم السرور بإيفائه حقَّ وظيفة الحياة أو في جحيم الندم على تفريطه. وربما كان لا غرابة في تشبيه الإنسان بعد الموت بالمرء الفرح الفخور إذا نام ولذَّت له الأحلام، أو بالمجرم الجاني إذا نام فغشيته قوارص الوجدان بهواجس كلُّها ملام وآلام. التربية ملكةٌ تحصل بالتعليم والتمرين والقدوة والاقتباس، فأهمُّ أصولها وجود المرابين، وأهمُّ فروعها وجود الدين. وجعلت الدين فرعاً لا أصلاً؛ لأنَّ الدين علمٌ لا يفيد العمل إذا لم يكن مقروناً بالتمرين. وهذا هو سبب اختلاف الأخلاف من علماء الدين عند الإسلام عن أمثالهم من البراهمة والنصارى، وهو سبب إقبال المسلمين في القرن الخامس، وفيما بعده، على قبول أصول الطرائق التي كانت لبّاً محضاً لما كانت تعليماً وتمريناً؛ أي تربية للمريدين، ثمَّ خالطها القشر، ثمَّ صارت قشراً محضاً، ثمَّ صار أكثرها

стр. 107

لهواً أو كفراً. ملكة التربية بعد حصولها إنْ كانت شراً تضافرت مع النّفس ووليها الشيطان الخنّاس فرسخت، وإن كانت خيراً تبقى مقلقلة كالسفينة في بحر الأهواء، لا يرسو بها إلا فرعها الديني في السرِّ والعلانية، أو الوازع السياسي عند يقين العقاب. والاستبداد ريحٌ صرصر فيه إعصار يجهل الإنسان كلّ ساعة شأنه، وهو مُفسِدٌ للدين في أهمِّ قسميه؛ أي الأخلاق، أما العبادات منه فلا يمسّها لأنها تلائمه أكثر. ولهذا تبقى الأديان في الأمم المأسورة عبارة عن عبادات مجرّدة صارت عادات، فلا تفيد في تطهير النفوس شيئاً، ولا تنهى عن فحشاء ولا منكر لفقد الإخلاص فيها تبعاً لفقده في النفوس، التي ألفت أن تتلجأ وتتلوّى بين يدي سطوة الاستبداد في زوايا الكذب والرّياء والخداع والنفاق، ولهذا لا يُستغرب في الأسير الأليف تلك الحال؛ أي الرّياء، أن يستعمله أيضاً مع ربِّه، ومع أبيه وأمِّه ومع قومه وجنسه، حتى ومع نفسه. التربية تربية الجسم وحده إلى سنتين، هي وظيفة الأم أو الحاضنة، ثمَّ تُضاف إليها تربية النفس إلى السابعة، وهي وظيفة الأبوين والعائلة معاً، ثمّ تُضاف إليها تربية العقل إلى البلوغ، وهي وظيفة المعلِّمين والمدارس، ثمَّ تأتي تربية القدوة بالأقربين والخلطاء إلى الزواج، وهي وظيفة الصُّدفة، ثمَّ تأتي تربية المقارنة، وهي وظيفة الزوجين إلى الموت أو الفراق. ولا بدَّ أن تصحب التربية من بعد البلوغ، تربية الظروف المحيطة،

стр. 108

وتربية الهيئة الاجتماعية، وتربية القانون أو سير السياسي، وتربية الإنسان نفسه. الحكومات المنتظمة هي التي تتولّى ملاحظة تسهيل تربية الأمة من حين تكون في ظهور الآباء، وذلك بأن تسنّ قوانين النكاح، ثم تعتني بوجود القابلات والملقّحين والأطباء، ثمَّ تفتح بيوت الأيتام اللقطاء، ثم تعدُّ المكاتب والمدارس للتعليم من الابتدائي الجبري إلى أعلى المراتب، ثمَّ تسهِّل الاجتماعات، وتمهِّد المسارح، وتحمي المنتديات، وتجمع المكتبات والآثار، وتقيم النُّصب المذكرات، وتضع القوانين المحافظة على الآداب والحقوق، وتسهر على حفظ العادات القومية، وإنماء الإحساسات المللية، وتقوّي الآمال، وتيسِّر الأعمال، وتؤمِّن العاجزين فعلاً عن الكسب من الموت جوعاً، وتدفع سليمي الأجسام إلى الكسب ولو في أقصى الأرض، وتحمي الفضل وتقدِّر الفضيلة. وهكذا تلاحظ كلَّ شؤون المرء؛ ولكن، من بعيد، كي لا تخلّ بحريته واستقلاله الشخصي، فلا تقرب منه إلا إذا جنى جرماً لتعاقبه، أو مات لتواريه. وهكذا، الأمة تحرص على أن يعيش ابنها راضياً بنصيبه من حياته لا يفتكر قطّ كيف تكون بعده حالة صبية ضعاف يتركهم وراءه، بل يموت مطمئناً راضياً مرضياً آخر دعائه: فلتحي الأمة، فلتحي الهمة. أما المعيشة الفوضى في الإدارات المستبدّة فهي غنية عن التربية؛ لأنها

стр. 109

محضُّ نماء يشبه الأشجار الطبيعية في الغابات والحراش، يسطو عليها الحرق والغرق. وتحطِّمها العواصف والأيدي القواصف، ويتصرَّف في فسائلها وفروعها الفأس الأعمى، فتعيش ما شاءت رحمة الحطّابين أن تعيش، والخيار للصُّدفة تعوج أو تستقيم، تثمر أو تعقم. يعيش الإنسان في ظلِّ العدالة والحرية نشيطاً على العمل بياض نهاره، وعلى الفكر سواد ليله، إن طعم تلذَّذ، وإن تلهّى تروَّح وتريّض؛ لأنّه هكذا رأى أبويه وأقرباءه، وهكذا يرى قومه الذين يعيش بينهم. يراهم رجالاً ونساءً، أغنياء وفقراء، ملوكاً وصعاليك، كلُّهم دائبين على الأعمال، يفتخر منهم كاسب الدينار بكدِّه وجدّه، على مالك المليار إرثاً عن أبيه وجدِّه. نعم؛ يعيش العامل ناعم البال يسرُّه النجاح ولا تقبضه الخيبة، إنّما ينتقل من عملٍ إلى غيره، ومن فكرٍ إلى آخر، فيكون متلذذاً بآماله إنْ لم يسارعه السّعد في أعماله، وكيفما كان يبلغ العذر عن نفسه والناس بمجرد إيفائه وظيفة الحياة؛ أي العمل. ويكون فرحاً فخوراً نجح أو لم ينجح، لأنَّه بريء من عار العجز والبطالة. أما أسير الاستبداد، فيعيش خاملاً خامداً ضائع القصد، حائراً لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته ويدرج أيامه وأعوامه، كأنَّه حريصٌ على بلوغ أجله ليستتر تحت التراب. ويخطئ، والله من يظنُّ أنَّ أكثر الأسراء لا سيما منهم الفقراء لا يشعرون بآلام الأسر. مستدلاً بأنهم لو كانوا يشعرون لبادروا إلى إزالته، والحقيقة في ذلك أنهم يشعرون بأكثر الآلام ولكنهم

стр. 110

لا يدركون ما هو سببها، ومن أين جاءتهم؟ فيرى أحدهم نفسه منقبضاً عن العمل، لأنه غير أمين على اختصاصه بالثمرة. وربما ظنَّ السّلب حقاً طبيعياً للأقوياء فيتمنّى أنْ لو كان منهم. ثمَّ يعمل تارةً، ولكن؛ بدون نشاط ولا إتقان، فيفشل ضرورةً، ولا يدري أيضاً ما السبب، فيغضب على ما يسمّيه سعداً أو حظاً أو طالعاً أو قدراً. والمسكين من أين له أن يعرف أنَّ النشاط والإتقان لا يتأتيان إلا مع لذة انتظار نجاح العمل، تلك اللذة التي قدَّر الحكماء أنَّها اللذة الكبرى، لاستمرار زمانها من حين العزم إلى تمام العمل، والأسير لا اطمئنان فيه على الاستمرار، ولا تشجيع له على الصبر والجلد. الأسير المعذَّب المنتسب إلى دين يسلّي نفسه بالسعادة الأخروية، فيعدها بجنان ذات أفنان ونعيم مقيم أعدَّه له الرحمن، ويبعد عن فكره أنَّ الدنيا عنوان الآخرة، وأنَّ ربما كان خاسراً الصفقتين، بل ذلك هو الكائن غالباً. ولبسطاء الإسلام مسليات أظنُّها خاصّة بهم يعطفون مصائبهم عليها، وهي نحو قولهم: الدنيا سجن المؤمن، المؤمن مصاب، إذا أحبَّ الله عبداً ابتلاه، هذا شأن آخر الزمان، حسب المرء لقيماتٍ يقمن صلبه. ويتناسون حديث: "إنَّ الله يكره العبد البطّال"، والحديث المفيد معنى "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم غرسةً فليغرسها"، ويتغافلون عن النص القاطع المؤجّل قيام الساعة إلى ما بعد استكمال الأرض زخرفتها وزينتها. وأين ذلك بعد؟ وكلُّ هذه المسميات المثبطات تهون عند ذلك السمّ القاتل، الذي يحوّل الأذهان عن التماس معرفة سبب الشقاء، فيرفع المسؤولية عن المستبدّين،

стр. 111

ويلقيها على عاتق القضاء والقدر، بل على عاتق الأُسراء المساكين أنفسهم. وأعني بهذا السمّ، فهم العوام، وبله الخواص، لما ورد في التوراة من نحو: "اخضعوا للسلطان ولا سلطة إلا من الله"، و"الحاكم لا يتقلّد السيف جزافاً، إنه مقام للانتقام من أهل الشر"، وقد صاغ وعّاظ المسلمين ومحدِّثوهم من ذلك قولهم: "السلطان ظلُّ الله في الأرض"، و"الظالم سيف الله ينتقم به، ثمَّ ينتقم منه"، و"الملوك ملهمون". هذا وكلُّ ما ورد في هذا المعنى إنْ صحَّ فهو مقيّد بالعدالة أو محتمل للتأويل بما يعقل، وبما ينطبق على حكم الآية الكريمة التي فيها فصل الخطاب، وهي: ﴿ألا لعنة الله على الظالمين﴾، وآية ﴿فلا عدوان إلا على الظالمين﴾. التربية علمٌ وعمل. وليس من شأن الأمم المملوكة شؤونها، أنْ يوجد فيها من يعلم التربية ولا من يعلمها. حتى إنَّ الباحث لا يرى عند الأسراء علماً في التربية مدفوناً في الكتب فضلاً عن الأذهان. أمّا العمل، فكيف يُتصوَّر وجوده بلا سبق عزم، وهو بلا سبق يقين، وهو بلا سبق علم. وقد ورد في الأثر "النيّة سابقة العمل". وورد في الحديث: "إنّما الأعمال بالنيّات". بناءً عليه؛ ما أبعد الناس المغصوبة إرادتهم، المغلولة أيديهم، عن توجيه الفكر إلى مقصد مفيد كالتربية، أو توجيه الجسم إلى عملٍ نافع كتمرين الوجه على

стр. 112

الحياء والقلب على الشفقة. نعم؛ ما أبعد الأسراء عن الاستعداد لقبول التربية، وهي قصر النظر على المحاسن والعِبَر، وقصر السمع على الفوائد والحِكَم، وتعويد اللسان على قول الخير، وتعويد اليد على الإتقان، وتكبير النفس عن السفاسف، وتكبير الوجدان عن نصرة الباطل، ورعاية الترتيب في الشؤون، ورعاية التوفير في الوقت والمال. والاندفاع بالكلّية لحفظ الشرف، لحفظ الحقوق، ولحماية الدين، لحماية الناموس، ولحبِّ الوطن، لحبِّ العائلة، ولإعانة العلم، لإعانة الضعيف، ولاحتقار الظالمين، لاحتقار الحياة. على غير ذلك مما لا ينبت إلا في أرض العدل، تحت سماء الحرية، في رياض التربيتين العائلية والقومية. الاستبداد يُضطرُّ النّاس إلى استباحة الكذب والتحيُّل والخداع والنِّفاق والتذلل. وإلى مراغمة الحسِّ وإماتة النفس ونبذ الجدّ وترك العمل، إلى آخره. وينتج من ذلك أنَّ الاستبداد المشؤوم هو يتولى بطبعه تربية الناس على هذه الخصال الملعونة. بناءً عليه، يرى الآباء أنَّ تعبهم في تربية الأبناء التربية الأولى على غير ذلك لا بدَّ أنْ يذهب عبثاً تحت أرجل تربية الاستبداد، كما ذهبت قبلها تربية آبائهم لهم، أو تربية غيرهم لأبنائهم سدىً. ثمَّ إنَّ عبيد السلطان التي لا حدود لها هم غير مالكين أنفسهم، ولا هم آمنون على أنَّهم يربّون أولادهم لهم. بل هم يربّون أنعاماً للمستبدّين، وأعواناً لهم عليهم. وفي الحقيقة، إنَّ الأولاد في عهد الاستبداد، هم سلاسل من حديد

стр. 113

يرتبط بها الآباء على أوتاد الظلم والهوان والخوف التضييق. فالتوالد من حيث هو زمن الاستبداد حمق، والاعتناء بالتربية حمقٌ مضاعف! وقد قال الشاعر: إنْ دام هذا ولم تحدث له غِيَرٌ لم يُبكِ ميتٌ ولم يُفرح بمولودِ وغالب الأُسراء لا يدفعهم للزواج قصد التوالد، إنما يدفعهم إليه الجهل المظلم، وأنَّهم حتى الأغنياء منهم محرومون من كلِّ الملذّات الحقيقية: كلذّة العلم وتعليمه، ولذّة المجد والحماية، ولذّة الإيثار والبذل، ولذّة إحراز مقام في القلوب، ولذّة نفوذ الرأي الصائب، ولذّة كِبَر النفس عند السفاسف، إلى غير ذلك من الملذّات الروحية. أما ملذّات هؤلاء التعساء فهي مقصورة على لذتين اثنتين؛ الأولى منها لذة الأكل، وهي جعلهم بطونهم مقابر للحيوانات إن تيسَّرت، وإلا فمزابل للنباتات، أو بجعلهم أجسامهم في الوجود كما قيل: أنابيب بين المطبخ و (الكنيف)، أو جعلها معامل لتجهيز الأخبثين. واللذّة الثانية هي الرّعشة باستفراغ الشهوة، كأن أجسامهم خلقت دمامل جرب على أديم الأرض، يطيب لها الحكّ ووظيفتها توليد الصديد ودفعه. وهذا الشره البهيمي في البِعال هو ما يعمي الأسراء ويرميهم بالزواج والتوالد. العِرض -زمن الاستبداد- كسائر الحقوق غير مصون، بل هو معرَّض لهتك الفُسّاق من المستبدين والأشرار من أعوانهم، فإنهم، كما أخبر القرآن عن الفراعنة، يأسرون الأولاد ويستحيون النساء، خصوصاً في الحواضر الصغيرة

стр. 114

والقرى المستضعف أهلها. ومن الأمور المشاهدة أنَّ الأمم التي تقع تحت أسر أمةٍ تغايرها في السيماء، لا يمضي عليها أجيال إلا وتغشو فيها سيماء الآسرين: كسواد العيون في الإسبانيول، وبياض البشرة في الأفريقيين. وعدم الاطمئنان على العِرض يُضعف الحبّ الذي لا يتمُّ إلا بالاختصاص، ويُضعف لصقة الأولاد بأزواج أمهاتهم، فتضعف الغَيرة على تحمّل مشاق التربية، تلك الغيرة التي لأجلها شرَّع الله النكاح، وحرَّم السِّفاح. للسّعة والفقر أيضاً دخلٌ كبير في تسهيل التربية، وأين الأسراء من السّعة؟! كما أنَّ لانتظام المعيشة ولو مع الفقر علاقة قوية في التربية، ومعيشة الأُسراء أغنياء كانوا أو معدمين، كلُّها خللٌ في خلل، وضيقٌ في ضيق، وذلك يجعل الأسير هيّن النفس، وهذا أول دركات الانحطاط، يرى ذاته لا يستحقُّ المزيد في النعيم مطعماً ومشرباً وملبساً ومسكناً، وهذا ثاني الدركات ويرى استعداده قاصراً عن الترقّي في العلم، وهذا ثالثها، ويرى حياته على بساطتها لا تقوى إلا بمعاونة غيره له، وهذا رابعها، وهلمَّ جرّا!. بناءً عليه؛ ما أبعد الأُسراء عن النشاط للتربية، ثمَّ لماذا يتحمَّلون مشاقَّ التربية، وهم إنْ نوَّروا أولادهم بالعلم جنوا عليهم بتقوية إحساسهم، فيزيدونهم شقاءً، ويزيدونهم بلاءً، ولهذا لا غرو أن يختار الأسراء الذين فيهم بقية من الإدراك، ترك أولادهم هملاً تجرفهم البلاهة إلى حيث تشاء. وإذا افتكرنا كيف ينشأ الأسير في البيت الفقير، وكيف يتربَّى، نجد أنَّه يُلقَّح به، وفي الغالب أبواه متناكدان متشاكسان، ثمَّ إذا تحرَّك جنيناً

стр. 115

حرَّك شراسة أمِّه فتشتمه، أو زاد آلام حياتها فتضربه، فإذا ما ضيَّقت عليه بطنها لإلفتها الانحناء خمولاً والتصرر صغاراً، والتقلُّص لضيق فراش الفقر، ومتى ولدته ضغطت عليه بالقماط اقتصاداً وجهلاً، فإذا تألَّم وبكى سدَّت فمه بثديها، أو قطعت نفسه خضّاً أو بدوار السرير، أو سقته مخدراً عجزاً عن نفقة الطبيب، فإذا ما فُطِم، يأتيه الغذاء الفاسد يضيق معدته، ويفسد مزاجه، فإذا كان قوي البنية طويل العمر وترعرع، يُمنع من رياضة اللعب لضيق البيت، فإذا سأل واستفهم ماذا وما هذا ليتعلّم، يُزجَر ويلكم لضيق خُلُق أبويه، وإن جالسهما ليألف المعاشرة، وينتفي عنه التوجّس يبعدانه كي لا يقف على أسرارهما، فيسترقها منه الجيران الخلطاء، فتنمى أعوان الظالمين وما أكثرهم، فإذا قويت رجلاه يُدفع به إلى خارج الباب، إلى مدرسة الإلفة على القذارة، وتعلّم صيغ الشتائم والسباب، فإنْ عاش ونشأ وُضع في مكتب أو عند ذي صنعة، فيكون أكبر القصد ربطه عن السّراح والمراح. فإذا بلغ الشباب، ربطه أولياؤه على وتد الزواج كي لا يفرّ من مشاكلتهم في شقاء الحياة، ليجني هو على نسله كما جنى عليه أبواه، ثمَّ هو يتولى التضييق على نفسه بأطواق الجهل وقيود الخوف، ويتولى المستبدّون التضييق على عقله ولسانه وعمله وأمله. وهكذا يعيش الأسير في حين يكون نسمة في ضيق وضغط، يهرول ما بين عتبة همٍّ ووادي غمٍّ، يودِّع سقماً ويستقبل سقماً إلى أن يفوز بنعمة الموت مضيعاً دنياه مع آخرته، فيموت غير آسف ولا مأسوف عليه.

стр. 116

وما أظلم من يؤاخذ الأسراء على عدم اعتنائهم بلوازم الحياة. فالنظافة مثلاً: لماذا يهتم بها الأسير؟ هل لأجل صحَّته وهو في مرضٍ مستمرّ؟ أم لأجل لذَّته وهو المتألم كيفما تقلَّب جسمه أو نظره؟ أم لأجل ذوق من يجالس أو يؤاكل، وهو من عفَّت نفسه صحبة الحياة؟ ولا يظننَّ المطالع أنَّ حالة أغنياء الأسراء هي أقلُّ شراً من هذا؛ كلا، بل هم أشقى وأقلّ عافيةً، وأقصر عمراً من هذا، إذا نقصتهم بعض المنغِّصات، تزيد فيهم مشاق التظاهر بالراحة والرفاه والعزّة والمنعة، تظاهراً إن صحَّ قليله فكثيره الكاذب حملٌ ثقيل على عواتقهم كالسكران يتصاحى فيُبتلى بالصداع، أو كالعاهرة البائسة تتضاحك لترضي الزاني. حياة الأسير تشبه حياة النائم المزعوج بالأحلام، فهي حياة لا روح فيها، حياة وظيفتها تمثيل مندرسات الجسم فقط، ولا علاقة لها بحفظ المزايا البشرية، وبناءً على هذا؛ كان فاقد الحرية لا أنانية له لأنه ميتٌ بالنسبة لنفسه، حيٌّ بالنسبة لغيره؛ كأنَّه لا شيء في ذاته، إنَّما هو شيء بالإضافة. ومن كان وجوده في الوجود بهذه الصورة وهي الفناء في المستبدين، حقَّ له أن لا يشعر بوظيفة شخصية فضلاً عن وظيفة اجتماعية. ولولا أنْ ليس في الكون شيء غير تابع لنظام حتى الجماد، حتى فلتات الطبيعة والصُّدف التي هي مسببات لأسباب نادرة، لحكمنا بأنَّ معيشة الأسراء هي محض فوضى، لا شبه فوضى. على أنَّ التدقيق العميق، يفيدنا بأنَّ للأسراء، قوانين غريبة في مقاومة

стр. 117

الفناء يصعب ضبطها وتعريفها، إنما الأسير يرضعها مع لبن أمه، ويتربَى عليها، وقد يبدع فيها بسائق الحاجة، ويكون منهم الحاذق فيها علماً، الماهر في تطبيقها عملاً، هو الموفَّق في ميدان حرب الحياة مع الذل، كالهنود واليهود. والعاجز عنها، إمّا جاهل هذا القانون أو العاجز فطرةً عن اتِّباعه كالعرب مثلاً، فلا يخرج عن كونه كرة يلعب بها صبيان الاستبداد، تارةً يضربون بها الأرض أو الحيطان، وأما إذا كان عجزه كما يقال عن عرق هاشمي، أي عن شيءٍ من كرامة نفس أو قوة إحساس أو جسارة جنان، فيكون كالحجارة تتكسَّر ولا تلين. قوانين حياة الأسير هي مقتضيات الشؤون المحيطة به، التي تضطره لأن يطبق إحساساته عليها، ويدبِّر نفسه على موجبها، وذلك نحو مقابلة التجبُّر عليه بالتذلل والتّصاغر، وتعديل الشدة عليه بالتلاين والمطاوعة، وإعطاء المطلوب منه بعد قليلٍ من التمنُّع، ولو أنَّ المطلوب هو ابنه لمجزرة الجندية أو ابنته لفراش شيخٍ شرير، والمطالبة في الحقوق بصفة استعطاف كأنَّه طالب صدقة، وكسب المعاش مع شكاية الحاجة، وحِفظ المال بإخفائه عن الأعين، والتعامي عن زلاّت المستبدين، والتصامم عن سماع ما يُهان به، والتظاهر بفقد الحسّ أو تعطيله بالمخدرات القوية كالأفيون والحشيش، وتعطيل العقل بالتّباله وستر العلم بالتجاهل، والارتداء بالتدين والرياء، وتعويد اللسان على الزّلاقة في عبائر التصاغر والتملّق، وعزو كلّ خير إلى فضل المستبدين حتى إذا كان

стр. 118

الخير طبيعياً نحو مطر السماء، فعزوه إلى يُمن الحكام أو دعاء الكهنة. ويسند كلَّ شرٍّ ولو من نوع التسلُّط على الأعراض، على الاستحقاق من جانب الله. إلى غير ذلك من أحكام ذلك القانون، الذي رؤوس مسائله فقط تملّ القارئ فضلاً عن تفصيلاتها. إنَّ أخوف ما يخافه الأسير هو أن يظهر عليه أثر نعمة الله في الجسم أو المال، فتصيبه عين الجواسيس (وهذا أصل عقيدة إصابة العين)! أو أن يظهر له شأن في علمٍ أو جاهٍ أو نعمةٍ مهمة، فيسعى به حاسدوه إلى المستبدِّ (وهذا أصل شر الحسد الذي يُتعوَّذ منه)! وقد يتحيّل الأسير على حفظ ماله الذي لا يمكنه إخفاؤه كالزوجة الجميلة، أو الدابة الثمينة، أو الدار الكبيرة، فيحميها بإسناد الشؤم، (وهذا أصل التشاؤم بالأقدام والنواصي والأعتاب). ومن غريب الأحوال أنَّ الأُسراء يبغضون المستبدَّ، ولا يقوون على استعمالهم معه البأس الطبيعي الموجود في الإنسان إذا غضب، فيصرفون بأسهم في وجهة أخرى ظلماً: فيُعادون من بينهم فئةً مستضعفةً، أو الغرباء، أو يظلمون نساءهم ونحو ذلك. ومَثَلُهم في ذلك مثل الكلاب الأهلية، إذا أريد منها الحراسة والشراسة، فأصحابها يربطونها نهاراً ويطلقونها ليلاً فتصير شرسة عقورة، وبهذا التعليل تعلَّل جسارة الأسراء أحياناً في محارباتهم، لا أنها جسارة عن شجاعة. وأحياناً تكون جسارة الأسراء عن التناهي في الجبانة أمام المستبدِّ الذي يسوقهم إلى الموت، فيطيعونه انذعاراً كما تطيع الغنمة الذئب

стр. 119

فتهرول بين يديه إلى حيث يأكلها. وقد اتَّضح مما تقدَّم أنَّ التربية غير مقصودة، ولا مقدورة في ظلال الاستبداد إلا ما قد يكون بالتخويف من القوة القاهرة، وهذا النوع يستلزم انخلاع القلوب لا تزكية النفوس. وقد أجمع علماء الاجتماع والأخلاق والتربية على أنَّ الإقناع خير من الترغيب فضلاً عن الترهيب، وإنَّ التعليم مع الحرية بين المعلِّم والمتعلِّم أفضل من التعليم مع الوقار، وأنَّ التعليم عن رغبة في التكمُّل أرسخ من العلم الحاصل طمعاً في المكافأة، أو غيرة من الأقران. وعلى هذه القاعدة بنوا قولهم: إنَّ المدارس تقلل الجنايات لا السجون، وقولهم: إنَّ القصاص والمعاقبة قلَّما يفيدان في زجر النفس كما قال الحكيم العربي: لا ترجع الأنفس عن غيّها ... ما لم يكن منها لها زاجرُ ومن يتأمل جيداً في قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب﴾ ملاحظاً أنَّ معنى القصاص لغةً: هو التساوي مطلقاً، لا مقصوراً على المعاقبة بالمثل في الجنايات فقط، ويدقق النظر في القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية، ويتَّبع مسالك الرُّسل العظام -عليهم الصلاة والسلام- يرى أنَّ الاعتناء في طريق الهداية فيها منصرفٌ إلى الإقناع، ثمَّ إلى الأطماع عاجلاً أو آجلاً، ثمَّ إلى الترهيب الآجل غالباً ومع ترك أبواب تُدلي إلى النجاة.

стр. 120

ثمَّ إنَّ التربية التي هي ضالّة الأمم، وفقدها هي المصيبة العظيمة، التي هي المسألة الاجتماعية؛ حيث الإنسان يكون إنساناً بتربيته، وكما يكون الآباء يكون الأبناء، وكما تكون الأفراد تكون الأمّة، والتربية المطلوبة هي التربية المرتَّبة على إعداد العقل للتمييز، ثمَّ على حسن التفهيم والإقناع، ثمَّ على تقوية الهمّة والعزيمة، ثمَّ على التمرين والتعويد، ثمَّ على حسن القدوة والمثال، ثمَّ على المواظبة والإتقان، ثمَّ على التوسّط والاعتدال، وأنْ تكون تربية العقل مصحوبةً بتربية الجسم، لأنهما متصاحبان صحة واعتلالاً، فإنه يقتضي تعويد الجسم على النظافة وعلى تحمّل المشاقّ، والمهارة في الحركات، والتوقيت في النوم والغذاء والعبادة، والترتيب في العمل وفي الرياضة والراحة. وأن تكون تلكما التربيتين مصحوبتين أيضاً بتربية النفس على معرفة خالقها ومراقبته والخوف منه. فإذا كان لا مطمع في التربية العامّة على هذه الأصول بمانع طبيعة الاستبداد، فلا يكون لعقلاء المبتلين به إلا أن يسعوا أولاً وراء إزالة المانع الضاغط على هذه العقول، ثمَّ بعد ذلك يعتنوا بالتربية؛ حيث يمكنهم حينئذٍ أن ينالوها على توالي البطون، والله الموفق.

стр. 121

الاستبداد والترقِّي الحركة سُنَّةٌ دائبةٌ في الخليقة بين شخوصٍ وهبوط. فالترقّي هو الحركة الحيوية؛ أي حركة الشخوص، ويقابله الهبوط وهو الحركة إلى الموت أو الانحلال أو الاستحالة أو الانقلاب. وهذه السُّنّة كما هي عاملة في المادة وأعراضها، عاملة أيضاً في الكيفيات ومركَّباتها، والقول الشّارح لذلك آية: ﴿يُخرِج الحيَّ من الميّت ويُخرج الميّت من الحيّ﴾، وحديث: "ما تمَّ أمرٌ إلا وبدا نقصه"، وقولهم: "التاريخ يعيد نفسه". وحكمهم بأنَّ الحياة والموت حقّان طبيعيان. وهذه الحركة الجسمية والنفسية والعقلية لا تقتضي السير إلى النهاية شخوصاً أو هبوطاً؛ بل هي أشبه بميزان الحرارة، كلُّ ساعة في شأن، والعبرة في الحكم للوجهة الغالبة، فإذا رأينا آثار حركة الترقّي هي الغالبة على أفرادها، حكمنا لها بالحياة، ومتى رأينا عكس ذلك قضينا عليها بالموت. الأمّة هي مجموعة أفراد يجمعها نسب أو وطن أو لغة أو دين، كما أنَّ البناء مجموع أنقاض، فحسبما تكون الأنقاض جنساً وجمالاً وقوّةً يكون

стр. 122

البناء، فإذا ترقَّت أو انحطَّت الأمة ترقَّت هيئتها الاجتماعية، حتى إنَّ حالة الفرد الواحد من الأمّة تؤثِّر في مجموع تلك الأمة. كما إذا لو اختلَّت حجرة من حصن يختلُّ مجموعه وإنْ كان لا يشعر بذلك، كما لو وقفت بعوضة على طرف سفينة عظيمة أثقلتها وأمالتها وإنْ لم يُدرَك ذلك بالمشاعر. وبعض السياسيين بنى على هذه القاعدة: أنَّه يكفي الأمة رقيّاً أن يجتهد كلُّ فرد منها في ترقية نفسه بدون أن يفتكر في ترقّي مجموع الأمة. الترقّي الحيوي الذي يجتهد فيه الإنسان بفطرته وهمّته هو أولاً: الترقّي في الجسم صحّةً وتلذُّذاً، ثانياً: الترقّي في القوّة بالعلم والمال، ثالثاً: الترقّي في النفس بالخصال والمفاخر، رابعاً: الترقّي بالعائلة استئناساً وتعاوناً، خامساً: الترقّي بالعشيرة تناصراً عند الطوارئ، سادساً: الترقّي بالإنسانية، وهذا منتهى الترقّي. وهناك نوعٌ آخر من الترقّي ويتعلق بالروح وبالكمال، وهو أنَّ الإنسان يحمل نفساً ملهمة بأنَّ لها وراء حياتها هذه حياةً أخرى يترقّى بها على سلّم العدل والرحمة والحسنات. فأهل الأديان -ما عدا أهل التوراة- يؤمنون بالبعث أو التناسخ، فيأتون بالعدل والرحمة رجاء المكافأة أو خوف المجازاة، وهم من قبيل الطبيعيين يعتبرون أنفسهم مدينين للإنسانية بحفظها تاريخ الحياة الطبيعية، فيلتزمون بخدمتها اهتماماً بحياتهم التاريخية بحُسن الذّكر أو قبحه. وهذه الترقّيات، على أنواعها الستّة، لا يزال الإنسان يسعى وراءها ما لم يعترضه مانع غالب يسلب إرادته، وهذا المانع إمَّا هو القدر المحتوم، المسمّى

стр. 123

عند البعض بالعجز الطبيعي، أو هو الاستبداد المشؤوم. على أنَّ القدر يصدم سير الترقّي لمحةً، ثمَّ يطلقه فيكرُّ راقياً. وأما الاستبداد فإنَّه يقلب السير من الترقّي إلى الانحطاط، ومن التقدم إلى التأخر، من النماء إلى الفناء، ويلازم الأمة ملازمة الغريم الشحيح، ويفعل فيها دهراً طويلاً أفعاله التي تقدَّم وصف بعضها في الأبحاث السابقة، أفعاله التي تبلغ بالأمة حطّة العجماوات فلا يهمها غير حفظ حياتها الحيوانية فقط، بل قد تبيح حياتها هذه الدنيئة أيضاً الاستبداد إباحةً ظاهرة أو خفيّة. ولا عار على الإنسان أنْ يختار الموت على الذل، وهذه سباع الطير والوحوش إذا أُسِرَت كبيرة قد تأبى الغذاء حتى الموت. وقد يبلغ فعل الاستبداد بالأمة أن يحوِّل ميلها الطبيعي من طلب الترقّي إلى التسفُّل، بحيث لو دُفِعَت إلى الرِّفعة لأبت وتألَّمت كما يتألَّم الأجهر من النور، وإذا أُلزِمَت بالحرية تشقى، وربما تفنى كالبهائم الأهلية إذا أُطلِق سراحها. عندئذٍ يصير الاستبداد كالعلق يطيب له المقام على امتصاص دم الأمة، فلا ينفكُّ عنها حتى تموت ويموت هو بموتها. وتوصف حركة الترقّي والانحطاط في الشؤون الحيوية للإنسان؛ أنها من نوع الحركة الدودية، التي تحصل بالاندفاع والانقباض، وذلك أنَّ الإنسان يولد وهو أعجز حراكاً وإدراكاً من كلِّ حيوان، ثمَّ يأخذ في السير، تدفعه الرغائب النفسية والعقلية وتقبضه الموانع الطبيعية والمزاحمة. وهذا سرُّ أن الإنسان ينتابه الخير والشر. وهو سرُّ ما ورد في القرآن الكريم من

стр. 124

ابتلاء الله الناس بالخير والشر، وهو معنى ما ورد في الأثر بأنَّ الخير مربوط بذيل الشر، والشر مربوطٌ بذيل الخير، وهو المراد من أقوال الحكماء نحو: على قدر النّعمة تكون النقمة، على قدر الهمم تأتي العزائم، بين السعادة والشقاء حربٌ سِجال، العاقل من يستفيد من مصيبته، والكيِّس من يستفيد من مصيبته ومصيبة غيره، والحكيم من يبتهج بالمصائب ليقطف منها الفوائد، ما كان في الحياة لذّة لو لم يتخللها آلام. فإذا تقرر هذا فليعلم أيضاً أنَّ سبيل الإنسان هو الرقي، ما دام جناحا الاندفاع والانقباض فيه متوازيين كتوازن الإيجابية والسلبية في الكهربائية، وسبيله القهقرى إن غلبته الطبيعة أو المزاحمة. ثمَّ إنَّ الاندفاع إذا غلب فيه العقل النفس، كانت الوجهة إلى الحكمة، وإنْ غلبت النفس العقل، كانت الوجهة إلى الزيغ. أما الانقباض؛ فالمعتدل منه هو السائق للعمل، والقوي منه مُهلِكٌ للحركة، والاستبداد المشؤوم الذي نبحث فيه هو قابض ضاغط مسكن، والمبتلون به هم المساكين. نعم: أسراء الاستبداد أحقُّ بوصف المساكين من عجزة الفقراء. ولو ملك الفقهاء حرية النظر لخرجوا من الاختلاف في تعريف المساكين الذين جعل لهم الله نصيباً من الزكاة فقالوا: هم عبيد الاستبداد، ولجعلوا كفَّارات فكِّ الرقاب تشمل هذا الرقّ الأكبر. أُسراء الاستبداد حتى الأغنياء منهم كلُّهم مساكين لا حراك فيهم، يعيشون منحطّين في الإدراك، منحطِّين في الإحساس، منحطّين في الأخلاق.

стр. 125

وما أظلم توجيه اللوم عليهم بغير لسان الرأفة والإرشاد، وقد أبدع من شبَّه حالتهم بدود تحت صخرة، فما أليق باللائمين أن يكونوا مشفقين يسعون في رفع الصخرة ولو حتّاً بالأظافر ذرَّةً بعد ذرّة. وقد أجمع الحكماء على أنَّ أهم ما يجب عمله على الآخذين بيد الأمَّة، الذين فيهم نسمة مروءة وشرار حمية، الذين يعرفون ما هي وظيفتهم بإزاء الإنسانية، الملتمسين لإخوانهم العافية، أن يسعوا في رفع الضغط عن العقول لينطلق سبيلها في النموِّ فتمزِّق غيوم الأوهام التي تمطر المخاوف، شأن الطبيب في اعتنائه أولاً بقوة جسم المريض، وأن يكون الإرشاد متناسباً مع الغفلة خفَّةً وقوة: كالساهي ينبِّهه الصوت الخفيف، والنّائم يحتاج إلى صوتٍ لأقوى، والغافل يلزمه صياحٌ وزجر. فالأشخاص من هذا النوع الأخير، يقتضي لإيقاظهم الآن بعد أن ناموا أجيالاً طويلة أن يسقيهم النطاسي البارع مرّاً من الزواجر والقوارس علَّهم يفيقون، وإلا فهم لا يفيقون، حتى يأتي القضاء من السماء: فتبرق السيوف، وترعد المدافع وتمطر البنادق، فحينئذٍ يصحون، ولكن؛ صحوة الموت!. بعض الاجتماعيين في الغرب يرون أنَّ الدِّين يؤثِّر على الترقّي الإفرادي، ثمَّ الاجتماعي تأثيراً معطِّلاً كفعل الأفيون في الحسِّ، أو حاجباً كالغيم يغشى نور الشمس. وهناك بعض الغلاة يقولون: الدين والعقل ضدّان متزاحمان في الرؤوس، وإنَّ أول نقطة من الترقّي تبتدئ عند آخر نقطة من الدين. وإنَّ أصدق ما يُستدَّلُّ به على مرتبة الرُّقي والانحطاط في الأفراد أو في الأمم

стр. 126

الغابرة والحاضرة، هو مقياس الارتباط بالدين قوةً وضعفاً. هذه الآراء كلُّها صحيحة لا مجال للردِّ عليها، ولكن؛ بالنظر إلى الأديان الخرافية أساساً أو التي لم تقف عند حدِّ الحكمة، كالدين المبني على تكليف العقل بتصوُّر أنَّ الواحد ثلاثة والثلاثة واحد. لأنَّ مجرَّد الإذعان لما يعقل برهان على فساد بعض مراكز العقل، ولهذا أصبح العالم المتمدن يعدُّ الانتساب إلى هذه العقيدة من العار؛ لأنه شعار الحُمق. أما الأديان المبنية على العقل المحضّ كالإسلام الموصوف بدين الفطرة، ولا أعني بالإسلام ما يدين به أكثر المسلمين الآن، إنَّما أريد بالإسلام: دين القرآن؛ أي الدين الذي يقوى على فهمه من القرآن كلُّ إنسانٍ غير مقيَّد الفكر بتفصُّح زيد أو تحكُّم عمرو. فلا شك أنَّ الدِّين إذا كان مبنياً على العقل، يكون أفضل صارف للفكر عن الوقوع في مصائد المخرِّفين، وأنفع وازع بضبط النَّفس من الشطط، وأقوى مؤثِّر لتهذيب الأخلاق، وأكبر معين على تحمُّل مشاقّ الحياة، وأعظم منشِّط على الأعمال المهمَّة الخطرة. وأجلَّ مثبِّت على المبادئ الشريفة، وفي النتيجة يكون أصحَّ مقياس يُستدلُّ به على الأحوال النفسية في الأمم والأفراد رقيّاً وانحطاطاً. هذا القرآن الكريم إذا أخذناه وقرأناه بالتّروي في معاني ألفاظه العربية وأسلوب تركيبه القرشي، مع تفهُّم أسباب نزول آياته وما أشارت إليه، ومع التبصُّر في مقاصده الدقيقة وتشريعه السامي، ومع أخذ بعض

стр. 127

التوضيحات من السُّنَّة العملية النبوية أو الإجماع إن وجدا، وقلَّما يوجدان، فحينئذٍ لا نرى فيه من أولِّه إلى آخره غير حِكَمٍ يتلقّاها العقل بالإجلال والإعظام، إلى درجة انقياد العقل طوعاً أو كرهاً للإيمان إجمالاً بأنَّ تلك الحِكَم حِكَمٌ عزيزة إلهية، وأنَّ الذي أنزلها الله على قلبه هو افضل من أرسله الله مرشداً لعباده. وتوضيح ذلك: أنَّ الناظر في القرآن حقّ النظر يرى أنَّه لا يكلِّف الإنسان قطّ بالإذعان لشيء فوق العقل، بل يحذِّره وينهاه من الإيمان اتِّباعاً لرأي الغير أو تقليداً للآباء. ويراه طافحاً بالتنبيه إلى أعمال الإنسان فكره ونظره في هذه الكائنات وعظيم انتظامها، ثمَّ الاستدلال بذلك إلى أنَّ لهذه الكائنات صانعاً أبدعها من العدم، ثمَّ الانتقال إلى معرفة الصِّفات التي يستلزم العقل أن يكون هذا الصانع متَّصِفاً بها، أو منزَّهاً عنها، ثمَّ يرى القرآن يعلِّم الإنسان بعض أعمال وأحكام وأوامر ونواهي كلّها لا تبلع المائة عدداً، وكلُّها بسيطة معقولة، إلا قليلاً من الأمور التعبُّدية التي شُرِّعت لتكون شعاراً يعرف به المسلم أخاه، أو يستطلع من خلال قيامه بها أو تهاونه فيها أخلاقه، فيستدلُّ مثلاً بالتّكاسل عن الصلاة على فَقدِ النشاط، وبترك الصوم على عدم الصبر، وبالسُّكر على غلبة النفس والعقل ونحو ذلك. وكفى بالإسلامية رقيّاً في التشريع، رقيّها بالبشر إلى منزلة حصرها أسارة الإنسان في جهة شريفة واحدة وهي (الله)، وعتقها عقل البشر عن توهُّم وجود قوة ما، في غير الله، من شأنها أن تأتي للإنسان بخيرٍ ما، أو تدفع عنه

стр. 128

شرّاً ما. فالإسلامية تجعل الإنسان لا يرجو ولا يهاب من رسولٍ أو نبيّ، أو ملكٍ أو فلك، أو وليٍّ أو جنّي، أو ساحرٍ أو كاهن، أو شيطانٍ أو سلطان. وأعظم بهذا التعليم الذي يرمي الإنسان عن عاتقه جبالاً من الخوف والأوهام والخيالات، جبالاً اعتقلها منذ كان يسرح مع الغيلان، أو ورثها من أبيه آدم الذي طغاه شيطان النفس. أو ليس العتيق من الأوهام يصبح صحيح العقل، قوي الإرادة، ثابت العزيمة، قائده الحكمة، سائقه الوجدان، فيعيش حراً، فرحاً صبوراً فخوراً. لا يبالي حتى بالموت لعلمه بالسعادة التي يستقبلها، التي يمثِّلها له القرآن بالجنان، فيها الرّوح والريحان، والحور والغلمان، فيها كل مل تشتهي الأنفس وتقرُّ به العينان؟! وأظنُّ أن هؤلاء المنكرين فائدة الدين، ما أنكروا ذلك إلا من عدم اطِّلاعهم على دينٍ صحيح مع يأسهم من إصلاح ما لديهم، عجزاً عن مقاومة أنصار الفساد. وإذا نظرنا في أنَّ هؤلاء أنفسهم هم في آنٍ واحد يشددون النَّكير على الدِّين من جهة، قائلين: إنَّ ضرره أكبر من نفعه، ويهيجون من جهةٍ أخرى مؤثِّرات أدبية وهمية محضاً يرون أنه لا بدَّ منه في بناء الأمم، وذلك مثل حبِّ الوطن وخيانته، وحبِّ الإنسانية والإساءة إليها والسُّمعة الحسنة وعكسها، والذِّكر التاريخي بالخير أو الشَّر ونحو ذلك مما هو لا شيء في ذاته، ولا شيء أيضاً بالنسبة إلى تأثير طاعة الله والخوف منه، لأنَّ (الله) حقيقة لا ريب فيها، بل ولا خلاف إلا في الأسماء بين (الله) وبين (مادة) أو (طبيعة). ولولا أنَّ الماديين والطبيعيين يأبون الاسترسال في البحث في

стр. 129

صفات ما يسمونه مادة أو طبيعة، لالتقوا -ولا شك- مع الإسلام في نقطة واحدة، فارتفع الخلاف العلمي وأسلم الكلُّ لله. وعلى ذكر اللوم الإرشادي لاح لي أنْ أصوِّر الرقي والانحطاط في النَّفس، وكيف ينبغي للإنسان العاقل أن يعاني إيقاظ قومه، وكيف يرشدهم إلى أنهم خُلِقوا لغير ما هم عليه من الصَّبر على الذُّلِّ والسَّفالة، فيذكِّرهم، ويحرِّك قلوبهم، ويناجيهم، وينذرهم بنحو الخطابات الآتية: "يا قومُ: ينازعني والله الشعور، هل موقفي هذا في جمع حيٍّ فأحيّيه بالسلام؟ أم أنا أخاطب أهل القبور فأحييهم بالرحمة؟ يا هؤلاء، لستم بأحياء عاملين، ولا أموات مستريحين، بل أنتم بين بين: في برزخٍ يسمّى التنبُّت، ويصرح تشبيهه بالنّوم! يا ربّاه: إني أرى أشباح أناس يشبهون ذوي الحياة، وهم في الحقيقة موتى لا يشعرون، بل هم موتى؛ لأنهم لا يشعرون". "يا قوم: هداكم الله، إلى متى هذا الشقاء المديد والنّاس في نعيمٍ مقيم، وعزٍّ كريم، أفلا تنظرون؟ وما هذا التأخُّر، وقد سبقتكم الأقوام ألوف مراحل، حتى صار ما بعد ورائكم أماماً! أفلا تتبعون؟ وما هذا الانخفاض والناس في أوج الرّفعة، أفلا تغارون؟ أناشدكم الله؛ هل طابت لكم طول غيبة الصواب عنكم؟ أم أنتم كأهل ذلك الكهف ناموا ألف عام ثمَّ قاموا، وإذا بالدنيا غير الدنيا، والناس غير الناس، فأخذتهم الدهشة والتزموا السكون؟ ".

стр. 130

"يا قوم: وقاكم الله من الشر، أنتم بعيدون عن مفاخر الإبداع وشرف القدوة، مُبتلون بداء التقليد والتبعية في كلِّ فكرٍ وعمل، وبداء الحرص على كلِّ عتيق كأنَّكم خُلِقتم للماضي لا للحاضر: تشكون حاضركم وتسخطون عليه، ومن لي أن تدركوا أنَّ حاضركم نتيجة ماضيكم، ومع ذلك أراكم تقلِّدون أجدادكم في الوساوس والخرافات والأمور السافلات فقط، ولا تقلِّدونهم في محامدهم! أين الدين؟ أين التربية؟ أين الإحساس؟ أين الغيرة؟ أين الجسارة؟ أين الثبات؟ أين الرابطة؟ أين المنعة؟ أين الشهامة؟ أين النخوة؟ أين الفضيلة؟ أين المواساة؟ هل تسمعون؟ أم أنتم صُمٌّ لاهون؟ " يا قومُ: عافاكم الله، إلى متى هذا النوم؟ وإلى متى هذا التقلُّب على فراش البأس ووسادة اليأس؟ أنتم مفتَّحةٌ عيونكم ولكنكم نيام، لكم أبصار ولكنكم لا تنظرون، وهكذا لا تعمى الأبصار، ولكنْ؛ تعمى القلوب التي في الصّدور! لكم سمعٌ ولسانٌ ولكنكم صُمٌّ بُكمٌ، ولكم شبيه الحسِّ ولكنكم لا تشعرون به ما هي اللذائذ حقاً وما هي الآلام، ولكم رؤوسٌ كبيرة ولكنها مشغولة بمزعجات الأوهام والأحلام، ولكم نفوسٌ حقُّها أن تكون عزيزة، ولكنْ؛ أنتم لا تعرفون لها قدراً ومقاماً". "يا قومُ: قاتل الله الغباوة، فإنها تملأ القلوب رعباً من لا شيء، وخوفاً من كلِّ شيء، وتفعم الرؤوس تشويشاً وسخافة. أليست هي الغباوة جعلتكم كأنكم قد مسَّكم الشيطان، فتخافون من ظلِّكم وترهبون من قوتكم، وتجيّشون منكم عليكم جيوشاً ليقتل بعضكم بعضاً؟ تترامون على الموت خوف الموت،

стр. 131

وتحسبون -طول العمر- فكركم في الدِّماغ ونطقكم في اللسان وإحساسكم في الوجدان خوفاً من أن يسجنكم الظالمون، وما يسجنون غير أرجلكم أياماً، فما بالكم يا أحلاس النساء مع الذلّ تخافون أن تصيروا جُلاَّس الرجال في السجون؟ " "يا قوم: أُعيذكم بالله من فساد الرأي، وضياع الحزم، وفقد الثقة بالنفس، وترك الإرادة للغير، فهل ترون أثراً للرُّشد في أن يوكِّل الإنسان عنه وكيلاً ويُطلق له التصرُّف في ماله وأهله، والتحكُّم في حياته وشرفه والتأثير على دينه وفكره، مع تسليف هذا الوكيل العفو عن كلِّ عبثٍ وخيانة وإسرافٍ وإتلاف؟ أم ترون أنَّ هذا النوع من الجنة به أن يظلم الإنسان نفسه؟ هل خلق الله لكم عقولاً لتفهموا به كلَّ شيء؟ أم لتهملوه كأنَّه لا شيء؟ ﴿إنَّ اللهَ لا يَظلم النّاس شيئاً ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون﴾. "يا قوم: شفاكم الله، قد ينفع اليوم الإنذار واللوم، وأما غداً إذا حلَّ القضاء، فلا يبقى لكم غير النّدب والبكاء. فإلى متى هذا التخادع والتخاذل؟ وإلى متى هذا الإهمال؟ هل طاب لكم النوم على الوسادة اللينة، وسادة الخمول؟ أم طاب لكم السكون وتودُّون لو تسكنون القبور؟ أم عاهدتم أنفسكم أن تصلوا غفلة الحياة بالممات، فلا تفيقوا من السُّبات قبل صباح يوم النشور، يوم تعلو السيوف رقابكم وتصمي المدافع آذانكم فتمسون الأذلاّء حقاً، وحقَّ لكم أن تذلوا؟ ". "يا قومُ: رحمكم الله، ما هذا الحرص على حياةٍ تعيسةٍ دنيئة لا تملكونها

стр. 132

ساعة! ما هذا الحرص على الراحة الموهومة وحياتكم كلُّها تعبٌ ونصَب! هل لكم في هذا الصَّبر فخرٌ أو لكم عليه أجر؟ كلاّ؛ واللهِ ساء ما تتوهمون، ليس لكم إلا القهر في الحياة، وقبيح الذِّكر بعد الممات؛ لأنَّكم ما أفدتم الوجود شيئاً. بل أتلفتم ما ورثتم عن السّلف وصرتم بئس الواسطة للخَلَف. ألستم يا ناس مديونين للأسلاف بكلِّ ما أنتم فيه من الترقّي عن إنسان الغابات؟ فإذا لم تكونوا أهلاً للمزيد فكونوا أخلاً للحِفْظ، وهذه العجماوات تنقل رقيها لنسلها بأمانة". "يا قومُ: حماكم الله، قد جاءكم المستمتعون من كلِّ حدبٍ ينسلون، فإن وجدوكم أيقاظاً عاملوكم كما يتعامل الجيران ويتجامل الأقران، وإن وجدوكم رقوداً لا تشعرون سلبوا أموالكم، وزاحموكم على أرضكم، وتحيَّلوا تذليلكم، وأوثقوا ربطكم، واتَّخذوكم أنعاماً، وعندئذٍ لو أردتم حراكاً لا تقوون، بل تجدون القيود مشدودةً والأبواب مسدودة لا نجاة ولا مخرج". "يا قومُ: هوَّن الله مصابكم، تشكون من الجهل ولا تنفقون على التعليم نصف ما تصرفون على التدخين، تشكون من الحكَّام، وهم اليوم منكم، فلا تسعون في إصلاحهم، تشكون فقد الرابطة، ولكم روابط من وجوهٍ لا تفكِّرون في إحكامها. تشكون الفقر ولا سبب له غير الكسل. هل ترجون الصَّلاح وأنتم يُخادع بعضكم بعضاً ولا تخدعون إلا أنفسكم؟. ترضون بأدنى المعيشة عجزاً تُسمّونه قناعة، وتهملون شؤونكم تهاوناً تُسمّونه توكُّلاً!

стр. 133

تموِّهون على جهلكم الأسباب بقضاء الله وتدفعون عار المسببات بعطفها على القدر، ألا والله ما هذا شأن البشر! ". "يا قومُ: سامحكم الله، لا تظلموا الأقدار، وخافوا غيرة المنعم الجبّار. ألم يخلقكم أكفاءً أحراراً طلقاء لا يثقلكم غير النّور والنسيم، فأبيتم إلا أن تحملوا على عواتقكم ظلم الضعفاء وقهر الأقوياء؟! لو شاء كبيركم أن يُحمِّل صغيركم كرة الأرض لحنى له ظهره، ولو شاء أن يركبه لطأطأ له رأسه. ماذا استفدتم من هذا الخضوع والخشوع لغير الله؟ وماذا ترجون من تقبيل الأذيال والأعتاب وخفض الصوت ونكس الرأس؟ أليس منشأ هذا الصّغار كلِّه هو ضعف ثقتكم بأنفسكم، كأنِّكم عاجزون عن تحصيل ما تقوم به الحياة، وحسب الحياة لُقيماتٍ من نباتٍ يقمن ضلع ابن آدم، وقد بذلها الخلاّق لأضعف الحيوان، وهذه الوحوش تجد فرائسها أينما حلَّت، وهذه الهوام لا تفقد قوتها؟ فما بال الرَّجل منكم يضع نفسه مقام الطفل الذي لا ينال حاجته إلا بالتذلُّل والبكاء، أو موضع الشيخ الفاني الذي لا ينال حاجته إلا بالتملُّق والدُّعاء؟ ". "يا قوم: رفع الله عنكم المكروه، ما هذا التفاوت بين أفرادكم وقد خلقكم ربكم أكفاء في البنية، أكفاء في القوة، أكِّفاء في الطبيعة، أكفَّاء في الحاجات، لا يفضل بعضكم بعضاً إلا بالفضيلة، لا ربوبية بينكم ولا عبودية؟ والله؛ ليس بين صغيركم وكبيركم غير برزخٍ من الوهم. ولو درى الصغير بوهمه، العاجز بوهمه، ما في النفس الكبير المتآله من الخوف منه لزال الإشكال وقضي

стр. 134

الأمر الذي فيه تشقون! يا أعزاء الخلقة، جهلاء المقام، كان الناس في دور الهمجية، فكان دُهاتهم بينهم آلهة وأنبياء، ثمَّ ترقّى النّاس، فهبط هؤلاء لمقام الجبابرة والأولياء، ثمَّ زاد الرّقي فانحطَّ أولئك إلى مرتبة الحُكَّام والحكماء، حتى صار النّاس ناساً فزال العماء، وانكشف الغطاء، وبان أنَّ الكلَّ أكفاء. فأناشدكم الله في أي الأدوار أنتم؟ ألا تفكِّرون؟ ". "يا قومُ: جعلكم الله من المهتدين، كان أجدادكم لا ينحنون إلا ركوعاً لله، وأنتم تسجدون لتقبيل أرجل المنعِمين ولو بلقمةٍ مغموسةٍ بدم الإخوان، وأجدادكم ينامون في قبورهم مستوين أعزاء، وأنتم أحياء معوَّجة رقابكم أذلاّء! البهائم تودُّ لو تنتصب قاماتها وأنتم من كثرة الخضوع كادت تصير أيديكم قوائم. النبات يطلب العلو وأنتم تطلبون الانخفاض. لفَظَتكم الأرض لتكونوا على ظهرها وأنتم حريصون على أن تنغرسوا في جوفها، فإنْ كانت بطن الأرض بغيتكم، فاصبروا قليلاً لتناموا فيها طويلاً". "يا قومُ: ألهمكم الله الرّشد، متى تستقيم قاماتكم وترتفع من الأرض إلى السماء أنظاركم، وتميل إلى التعالي نفوسكم، فيشعر أحدكم بوجوده في الوجود، فيعرف معنى الأنانية ليستقلّ بذاته لذاته، ويملك إرادته واختياره ويثق بنفسه وربّه، لا يتكِّل على أحد من خلق الله اتِّكال الناقص في الخلق على الكامل فيه، أو اتِّكال الغاصب على مال الغافل أو الكلِّ على سعي العامل، بل يرى أحدكم نفسه إنساناً كريماً يعتمد على المبادلة والتعاوض فيسلف، ثمَّ يستوفي، ويستوفي على أن يفي، بل ينظر في نفسه أنَّه هو الأمّة وحده،

стр. 135

وما أجدر بأحدكم أن يعمل لدنياه بنفسه لنفسه، فلا يتَّكل على غيره، كما يعمل الإنسان ليعبد الله بشخصه لا ينيب عنه غيره؟ فإذا فعلتم ذلك أظهر الله بينكم ثمرة التضامن بلا اشتراط، والتقاضي بلا محاشرة، فتصيرون بنعمة الله إخواناً". "يا قوم: أبعد الله عنكم المصائب وبصَّركم بالعواقب. إن كانت المظالم غلَّت أيديكم، وضيَّقت أنفسكم، حتى صغرت نفوسكم، وهانت عليكم هذه الحياة وأصبحت لا تساوي عندكم الجهد والجدّ وأمسيتم لا تبالون أتعيشون أم تموتون، فهلاّ أخبرتموني لماذا تحكِّمون فيكم الظالمين حتى في الموت؟ أليس لكم من الخيار أن تموتوا كما تشاؤون، لا كما يشاء الظالمون؟ هل سلب الاستبداد إرادتكم حتى في الموت؟ كلا والله: إن أنا أحببت الموت أموت كما أحب، لئيماً أو كريماً، حتفاً أو شهيداً، فإن كان الموت ولا بدَّ، فلماذا الجبانة؟ وإن أردت الموت، فليكن اليوم قبل الغد، ولكن بيدي لا بيد عمرو. أليس: وطعم الموت في أمرٍ صغير كطعم الموت في أمرٍ عظيمِ "يا قومُ: أناشدكم الله، ألا أقول حقاً إذا قلتُ إنَّكم لا تحبُّون الموت، بل تنفرون منه، ولكنكم تجهلون الطريق فتهربون من الموت إلى الموت، ولو اهتديتم إلى السبيل لعلمتم أنَّ الهرب من الموت موتٌ، وطلب الموت حياة، ولعرفتم أنَّ الخوف من التعب تعبٌ، والإقدام على التعب راحةٌ، ولفطنتم إلى أنَّ الحرية هي شجرة الخلد، وسُقياها قطرات من الدم الأحمر المسفوح،

стр. 136

والأسارة هي شجرة الزقّوم، وسقياها أنهر من الدم الأبيض؛ أي الدموع، ولو كبرت نفوسكم لتفاخرتم بتزيين صدوركم بورد الجروح لا بوسامات الظالمين؟! ". "يا قومُ: وأعني منكم المساكين، .. أيها المسلمون: إني نشأت وشبت وأنا أفكِّر في شأننا الاجتماعي، عسى أهتدي لتشخيص دائنا، فكنتُ أتقصّى السبب بعد السبب، حتى إذا وقعتُ على ما أظنُّه عاماً، أقول: لعلَّ هذا هو جرثومة الدّاء، فأتعمَّق فيه تمحيصاً وأحلِّله تحليلاً، فينكشف التحقيق عن أنَّ ما قام في الفكر هو سبب من جملة الأسباب، أو هو سبب فرعي لا أصلي، فأخيب وأعود إلى البحث والتنقيب. وطالما أمسيتُ وأصبحتُ أجهد الفكر في الاستقصاء، وكثيراً ما سعيتُ وسافرتُ لأستطلع آراء ذوي الآراء، عسى أهتدي إلى ما يشفي صدري من آلام بحث أتعبني به ربِّي. وآخر ما استقرَّت عليه سفينة فكري هو: إنَّ جرثومة دائنا هي خروج ديننا عن كونه دين الفطرة والحكمة، دين النظام والنشاط، دين القرآن الصريح البيان، إلى صيغة أنَّا جعلناه دين الخيال والخبال، دين الخلل والتشويش، دين البِدَع والتشديد، دين الإجهاد. وقد دبَّ فينا هذا المرض منذ ألف عام، فتمكَّن فينا وأثَّر في كلِّ شؤوننا، حتى بلغ فينا استحكام الخلل في الفكر والعمل أننا لا نرى في الخالق -جلَّ

стр. 137

شأنه- نظاماً فيما اتَّصف، نظاماً فيما قضى، نظاماً فيما أمر، ولا نطالب أنفسنا فضلاً عن آمرنا أو مأمورنا بنظامٍ وترتيبٍ واطِّراد ومثابرة. وهكذا أصبحنا واعتقادنا مشوَّش، وفكرنا مشوَّش، وسياستنا مشوَّشة، ومعيشتنا مشوَّشة. فأين منا والحالة هذه؛ الحياة الفكرية، الحياة العملية، الحياة العائلية، الحياة الاجتماعية، الحياة السياسية؟! ". "يا قومُ: قد ضيَّع دينكم ودنياكم ساستكم الأولون وعلماؤكم المنافقون، وإنّي أرشدكم إلى عملٍ إفرادي لا حرج فيه علماً ولا عملاً: أليس بين جنبي كلِّ فردٍ منكم وجدان يميز الخير من الشرّ، والمعروف من المنكر ولو تمييزاً إجمالياً؟ أما بلغكم قول معلِّم الخير نبيكم الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم: "لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر أو ليسلِّطنَّ الله عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم"، وقوله: "من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده، وإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"؟! "وأنتم تعلمون إجماع أئمة مذاهبكم كلِّها على أنَّ أنكر المنكرات بعد الكفر هو الظُّلم الذي فشا فيكم، ثمَّ قتل النَّفس، ثمَّ، وثمَّ، ... وقد أوضح العلماء أنَّ تغيير المنكر بالقلب هو بغض المتلبِّس فيه بغضاً في الله. بناءً عليه؛ فمن يعامل الظالم أو الفاسق غير مضطر، أو يجامله ولو بالسلام، يكون قد خسر أضعف الإيمان والعياذ بالله". "ولا أظنكم تجهلون أنَّ كلمة الشهادة، والصوم والصلاة، والحج والزكاة،

стр. 138

كلّها لا تغني شيئاً مع فقد الإيمان، إنما يكون القيام حينئذٍ بهذه الشّعائر، قياماً بعاداتٍ وتقليدات وهوسات تضيع بها الأموال والأوقات". "بناءً عليه؛ فالدين يكلِّفكم إن كنتم مسلمين، والحكمة تُلزِمكم إن كنتم عاقلين: أن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر جهدكم، ولا أقلّ في هذا الباب من إبطانكم البغضاء للظالمين والفاسقين، وأظنّكم إذا تأمَّلتم قليلاً ترون هذا الدواء السهل المقدور لكلِّ إنسانٍ منكم، يكفي لإنقاذكم مما تشكون. والقيام بهذا الواجب متعيّن على كلِّ فرد منكم بنفسه، ولو أهمله كافّة المسلمين. ولو أنَّ أجدادكم الأولين قاموا به لما وصلتم إلى ما أنتم عليه من الهوان. فهذا دينكم، والدّين ما يدين به الفرد لا ما يدين به الجمع، والدين يقينٌ وعمل، لا علمٌ وحِفظٌ في الأذهان. أليس من قواعد دينكم فرض الكفاية وهو أن يعمل المسلم ما عليه غير منتظرٍ غيره؟! ". "فأناشدكم الله يا مسلمين: أن لا يغرَّكم دين لا تعملون به وإن كان خير دين، ولا تغرنَّكم أنفسكم بأنَّكم أمّة خير أو خير أمّة، وأنتم المتواكلون المقتصرون على شعار: لا حول ولا قوّة إلا بالله العلي العظيم. ونِعْمَ الشِّعار شعار المؤمنين، ولكن؛ أين هم؟ إني لا أرى أمامي أمَّةً تعرف حقاً معنى لا إله إلا الله، بل أرى أمَّةً خبلتها عبادة الظالمين! ". "يا قومُ: وأعني بكم الناطقين بالضاد من غير المسلمين، أدعوكم إلى تناسي

стр. 139

الإساءات والأحقاد، وما جناه الآباء والأجداد، فقد كفى ما فُعل ذلك على أيدي المثيرين، وأجلُّكم من أن لا تهتدوا لوسائل الاتِّحاد وأنتم المهتدون السابقون. فهذه أمم أوستريا وأمريكا قد هداها العلم لطرائق شتّى وأصول راسخة للاتِّحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري. فما بالنا نحن لا نفتكر في أن نتبع إحدى تلك الطرائق أو شبهها. فيقول عقلاؤنا لمثيري الشَّحناء من الأعاجم والأجانب: دعونا يا هؤلاء نحن ندبِّر شأننا، نتفاهم بالفصحاء، ونتراحم بالإخاء، ونتواسى في الضرّاء، ونتساوى في السَّراء. دعونا ندبِّر حياتنا الدنيا، ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط. دعونا نجتمع على كلماتٍ سواء، ألا وهي: فلتحي الأمة، فليحي الوطن، فلنحي طلقاء أعزّاء". "أدعوكم وأخصُّ منكم النُّجباء للتبصُّر والتبصير فيما آل إليه المصير، أليس مطلق العربي أخفّ استحقاراً لأخيه الغربي؟ هذا الغربي قد أصبح مادّياً لا دين له غير الكسب، فما تظاهرُه مع بعضنا بالإخاء الديني إلا مخادعةً وكَذِباً. هؤلاء الفرنسيس يطاردون أهل الدين، ويعملون على أنَّهم يتناسونه، بناءً عليه؛ لا تكون دعواهم الدِّين في الشَّرق، إلا كما يغرِّد الصّياد وراء الأشباك! لو كان للدين تأثير عند الغربي لما كانت البغضاء بين اللاتين والسكسون، بل بين الطليان والفرنسيس، ولما كانت بين الألمان والفرنسيين الغربيين. الغربي أرقى من الشرقي علماً وثروة ومنعة، فله على الشرقيين إذا واطنهم

стр. 140

السيادة الطبيعية. أما الشرقيون فيما بينهم، فمتقاربون لا يتغابنون. الغربي يعرف كيف يسوس، وكيف يتمتَّع، وكيف يأسر، وكيف يستأثر. فمتى رأى فيكم استعداداً واندفاعاً لمجاراته أو سبقه، ضغط على عقولكم لتبقوا وراءه شوطاً كبيراً كما يفعل الروس مع البولونيين، واليهود والتتار، وكذلك شأن كلِّ المستعمرين. الغربي مهما مكث في الشرق لا يخرج عن أنَّه تاجر مستمتع، فيأخذ فسائل الشرق ليغرسها في بلده التي لا يفتأ يفتخر برياضها ويحنُّ إلى أرباضها. قد مضى على الهولانديين في الهند وجزائرها، وعلى الروس في قاوزان، مثل ما أقمنا في الأندلس، ولكنْ؛ ما خدموا العلم والعمران بعشر ما خدمناها، ودخل الفرنساويون الجزائر منذ سبعين عاماً، ولم يسمحوا بعد لأهلها بجريدةٍ واحدة تُقرَأ. نرى الإنكليزي في بلادنا يُفضِّل قديد بلاده، وسمك بحاره، على طريِّ لحمنا وسمكنا. فهلا والحالة هذه تبصرون يا أولي الألباب؟ ". "وأنت أيها الشرق الفخيم رعاك الله. ماذا دهاك؟ ماذا أقعدك عن مسراك؟ أليست أرضك تلك الأرض ذات الجنان والأقنان، ومنبت العلم والعرفان، وسماؤك تلك السماء مصدر الأنوار، ومهبط الحكمة والأديان، وهواؤك ذاك النسيم العدل، لا العواصف والضباب. وماؤك ذاك العذب الغدق، لا الكدر ولا الأجاج؟ ".

стр. 141

"رعاك الله يا شرق، ماذا أصابك فأخلَّ نظامك، والدهر ذاك الدهر ما غيَّر وضعك، وبدَّل شرعه فيك؟ ألم تزل مناطقك هي المعتدلة، وبَنوك هم الفائقون فطرةً وعدداً؟ أليس نظام الله فيك على عهده الأول، ورابطة الأديان في بنيك مُحكمة قويمة، مؤسسة على عبادة الصانع الوازع؟ أليست معرفة المنعم حقيقة راهنة أشرقت فيك شمسها، أيَّدت بها عزّ النفس، وأحكمت بها حبَّ الوطن وحبَّ الجنس؟ ". "رعاك الله يا شرق، ماذا عراك وسكَّن منك الحراك؟ ألم تزل أرضك واسعة خصبة، ومعادنك وافية غنية، وحيوانك رابياً متناسلاً، وعمرانك قائماً متواصلاً، وبَنوك على ما ربَّيتهم أقرب للخير من الشَّر؟ أليس عندهم الحلم المسمّى عند غيرهم ضعفاً في القلب، وعندهم الحياء المسمّى بالجبانة، وعندهم الكرم المسمّى بالإتلاف، وعندهم القناعة المسمّاة بالعجز، وعندهم العفّة المسمّاة بالبلاهة، وعندهم المجاملة المسمّاة بالذلّ؟ نعم؛ ما هم بالسالمين من الظلم، ولكن؛ فيما بينهم، ولا من الخدع، ولكن؛ لا يفتخرون به، ولا من الإضرار، ولكن؛ مع الخوف من الله". "رعاك الله يا شرق، لا نرى من غير الدّهر فيك ما يستوجب هذا الشّقاء لبنيك، ويستلزم ذلَّهم لبني أخيك. فلماذا قد أصبحت إذا انقطع عنك مدد أخيك بمصنوعاته، يبقى أبناؤك عُراة حفاة في ظلام، بل يمنّيهم فقدُ الحديد بالرجوع إلى العصر النّحاسي، بل الحجري الموصوف بعصر التعفين؟ ".

стр. 142

"رعاك الله يا شرق، بل راعى الله أخاك الغرب، العائل بنفسه والعائل فيك، وقاتل الله الاستبداد، بل لعن الله الاستبداد، المانع من التّرقّي في الحياة، المنحطّ بالأمم إلى أسفل الدركات. ألا بُعداً للظالمين". "رعاك الله يا غرب، وحيّاك وبيّاك، قد عرفت لأخيك سابق فضله عليك، فوفيت، وكفيت، وأحسنت الوصاية وهديت، وقد اشتدَّ ساعد بعض أولاد أخيك، فهلا ينتدب بعض شيوخ أحرارك لإعانة أنجاب أخيك على هدم ذاك السّور، سور الشؤم والشرور، ليخرجوا إلى أرض الحياة، أرض الأنبياء الهداة، فيشكرون فضلك والدهر مكافأة؟ ". "يا غربُ، لا يحفظ لك الدِّين غير الشرق إنْ دامت حياته بحريته، وفقدُ الدّين يهدِّدك بالخراب القريب. فماذا أعددت للفوضيين إذا صاروا جيشاً جراراً؟ وماذا أعددت لديارك الحبلى بالثورة الاجتماعية؟ هل تُعِدُّ المواد المتفرقعة، وقد جاوزتْ أنواعها الألف؟ أن تُعِدُّ الغازات الخانقة وقد سهل استحضارها على الصبيان؟ ". "يا قوم: وأريد بكم شباب اليوم؛ رجال الغد، شباب الفكر؛ رجال الجد، أُعيذكم من الخزي والخذلان بتفرقة الأديان، وأُعيذكم من الجهل، جهل أنَّ الدينونة لله، وهو سبحانه وليُّ السرائر والضمائر ﴿ولو شاء ربُّك لجعل الناس أمّةً واحدة﴾. "أناشدكم يا ناشئة الأوطان، أن تعذروا هؤلاء الواهنة الخائرة قواهم إلا في ألسنتهم، المعطَّل عملهم إلا في التثبيط، الذين اجتمع فيهم داء الاستبداد

стр. 143

والتواكل فجعلاهما آلة تُدار ولا تدير. وأسألكم عفوهم من العتاب والملام، لأنَّهم مرضى مبتلون، مثقلون بالقيود، ملجمون بالحديد، يقضون حياة خير ما فيها أنَّهم آباؤكم! ". "قد علمتم يا نُجَباء من طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد جُمَلاً كافية للتدبُّر، فاعتبروا بنا واسألوا الله العافية: نحن ألِفنا الأدب مع الكبير ولو داس رقابنا. ألِفنا الثبات ثبات الأوتاد تحت المطارق، ألِفنا الانقياد ولو إلى المهالك. ألِفنا أن نعتبر التَّصاغر أدباً والتذلُّل لطفاً، والتملُّق فصاحةً، واللكنة رزانة، وترك الحقوق سماحةً، وقبول الإهانة تواضعاً، والرِّضا بالظُّلم طاعة، ودعوى الاستحقاق غروراً، والبحث عن العموميات فضولاً، ومدَّ النَّظر إلى الغد أملاً طويلاً، والإقدام تهوُّراً، والحمية حماقة، والشّهامة شراسة، وحريَّة القول وقاحة، وحريّة الفكر كُفراً، وحبَّ الوطن جنوناً. أما أنتم، حماكم الله من السوء، فنرجو لكم أن تنشؤوا على غير ذلك، أن تنشؤوا على التمسُّك بأصول الدين، دون أوهام المتفننين، فتعرفوا قدر نفوسكم في هذه الحياة فتكرموها، وتعرفوا قدر أرواحكم وأنَّها خالدة تُثاب وتُجزى، وتتَّبعوا سُنن النبيين فلا تخافون غير الصانع الوازع العظيم. ونرجو لكم أن تبنوا قصور فخاركم على معالي الهمم ومكارم الشيَّم، ولا على عظام نخرة. وأن تعلموا أنَّكم خُلِقتم أحراراً لتموتوا كراماً، فاجهدوا على أن تحيوا ذلكما اليومين حياةً رضيّة، يتسنّى فيها لكلٍّ منكم أن يكون سلطاناً

стр. 144

مستقلاً في شؤونه لا يحكمه غير الحقّ، ومديناً وفيّاً لقومه لا يضنُّ عليهم بعينٍ أو عون، وولداً بارّاً لوطنه، لا يبخل عليه بجزءٍ من فكره ووقته وماله، ومحبَّاً للإنسانية ويعمل على أنَّ خير الناس أنفعهم للناس، يعلم أنَّ الحياة هي العمل ووباء العمل القنوط، والسعادة هي الأمل، ووباء الأمل التردد، ويفقه أنَّ القضاء والقدر هما عند الله ما يعلمه ويمضيه، وهما عند الناس السعي والعمل، ويوقن أنَّ كلَّ أثرٍ على ظهر الأرض هو من عمل إخوانه البشر، وكلَّ عملٍ عظيم قد ابتدأ به فردٌ، ثمَّ تعاوَرَهُ غيره إلى أنْ كمل، فلا يتخيل الإنسان في نفسه عجزاً، ولا يتوقَّع إلا خيراً، وخير الخير للإنسان أن يعيش حُرّاً مقداماً، أو يموت". "وكأنّي بسائلكم يسألني تاريخ التغالب بين الشرق والغرب، فأجيب: بأنَّا كنّا أرقى من الغرب علماً، فنظاماً، فقوَّة، فكنَّا له أسياداً! ثمَّ جاء حينٌ من الدَّهر لحق بنا الغرب، فصارت مزاحمة الحياة بيننا سِجالاً: إنْ فُقْناه شجاعةً فاقنا عدداً، وإنْ فُقناه ثروةً فاقنا باجتماع كلمته. ثمَّ جاء الزّمن الأخير ترقّى فيه الغرب علماً، فنظاماً، فقوّةً. وانضمَّ إلى ذلك أولاً: قوة اجتماعه شعوباً كبيرةً. ثانياً: قوَّة البارود؛ حيث أبطل الشجاعة وجعل العبرة للعدد. ثالثاً: قوَّة كشفه أسرار الكيمياء والميكانيك. رابعاً: قوَّة الفحم الذي أهدته له الطبيعة. خامساً: قوَّة النشاط بكسره قيود الاستبداد. سادساً: قوَّة الأمن على عقد الشركات المالية الكبيرة. فاجتمعت هذه القوّات فيه وليس عند الشَّرق ما يقابلها غير الافتخار بالأسلاف، وذلك حجَّة

стр. 145

عليه، والغرور بالدّين خلافاً للدّين، فالمسلمون يقابلون تلك القوات بما يُقال عند اليأس وهو: ﴿حسْبُنا الله ونِعْمَ الوكيل﴾، ويخالفون أمر القرآن لهم بأن يُعِدّوا ما استطاعوا من قوَّة، لا ما استطاعوا من صلاةٍ وصوم. وكأني بسائلكم يقول: هل بعد اجتماع هذه القوات في الغرب واستيلائه على أكثر الشَّرق من سبيل لنجاة البقية؟ فأجيب قاطعاً غير متردِّد: إنَّ الأمر مقدور ولعلَّه ميسور. ورأس الحكمة فيه كسر قيود الاستبداد. وأنْ يكتب الناشئون على جباههم عشر كلمات، وهي: ١ - ديني ما أُظهر وما أُخفي. ٢ - أكون؛ حيثُ يكون الحقُّ ولا أبالي. ٣ - أنا حرٌّ وسأموت حرّاً. ٤ - أنا مستقلٌّ لا أتِّكل على غير نفسي وعقلي. ٥ - أنا إنسان الجدّ والاستقبال، لا إنسان الماضي والحكايات. ٦ - نفسي ومنفعتي قبل كلِّ شيء. ٧ - الحياة كلُّها تعبٌ لذيذ. ٨ - الوقت غالٍ عزيز. ٩ - الشَّرف في العلم فقط. ١٠ - أخاف الله لا سواه. "وأنت أيها الوطن المحبوب: أنت العزيز على النفوس، المقدَّس في
следующие страницы →