Полный текст (175 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
لأنهم كانوا يخافون مخالفة رأي بعض الغُفَّل السالفين أو بعض المنافقين المقرَّبين المعاصرين، فيُكفَّرون فيُقتَلون. وهذه مسألة إعجاز القرآن، وهي أهم مسألة في الدِّين لم يقدروا أن يوفوها حقّها من البحث، واقتصروا على ما قاله فيها بعض السّلف قولاً مجملاً من أنَّها قصور الطاقة عن الإتيان بمثله في فصاحته وبلاغته، وأنّه أخبر عن أنّ الرّوم بعد غلبهم سيغلبون. مع أنه لو فُتح للعلماء ميدان التدقيق وحرية الرأي والتأليف، كما أُطلق عنان التخريف لأهل التأويل والحُكم، لأظهروا في ألوف من آيات القرآن ألوف آيات الإعجاز، ولرأوا فيه كلّ يوم آية تتجدد مع الزمان والحدثان تبرهن إعجازه بصدق قوله: ﴿ولا رَطبٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مبين﴾ ولجعلوا الأمة تؤمن بإعجازه عن برهان وعيان لا مجرد تسليم وإذعان.
ومثال ذلك: أنَّ العلم كشف في هذه القرون الأخيرة حقائق وطبائع كثيرة تُعزى لكاشفيها ومخترعيها من علماء أوربا وأمريكا؛ والمدقق في القرآن يجد أكثرها ورد به التّصريح أو التلميح في القرآن منذ ثلاثة عشر قرناً؛ وما بقيت مستورة تحت غشاء من الخفاء إلا لتكون عند ظهورها معجزة للقرآن شاهدة بأنّه كلام ربٍّ لا يعلم الغيب سواه؛ ومن ذلك أنّهم قد كشفوا أنّ مادة الكون هي الأثير، وقد وصف القرآن بدء التكوين فقال: ﴿ثمَّ استوى إلى السماء وهي دخان﴾ وكشفوا أنّ الكائنات في حركة دائمة دائبة والقرآن يقول: ﴿وآيةٌ لهم الأرض الميتةُ أحييناها﴾ إلى أن يقول: ﴿وكلٌّ في فلكٍ يسبحون﴾.
стр. 37
وحققوا أنَّ الأرض منفتقةً في النظام الشمسي، والقرآن يقول: ﴿أنَّ السّموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما﴾.
وحققوا أنَّ القمر منشقٌّ من الأرض، والقرآن يقول: ﴿أفلا يرون أنّا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها﴾. ويقول: ﴿اقتربتِ السّاعة وانشقَّ القمر﴾.
وحققوا أنَّ طبقات الأرض سبع، والقرآن يقول: ﴿الله الذي خلق سبع سمواتٍ ومن الأرض مثلهن﴾
وحققوا أنّه لولا الجبال لاقتضى الثّقل النوعي أن تميد الأرض؛ أي ترتجّ في دورتها، والقرآن يقول: ﴿وألقى في الأرض رواسيَ أن تميد بكم﴾.
وكشفوا أنَّ سر التركيب الكيماوي- بل والمعنوي- هو تخالف نسبة المقادير وضبطها، والقرآن يقول: ﴿وكلُّ شيءٍ عنده بمقدار﴾.
وكشفوا أنَّ للجمادات حياة قائمة بماء التبلور والقرآن يقول: ﴿وجعلنا من الماء كلَّ شيءٍ حي﴾.
وحققوا أنّ العالم العضوي، ومنه الإنسان، ترقّى من الجماد، والقرآن يقول: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالةٍ من طين﴾.
وكشفوا ناموس اللقاح العام في النبات، والقرآن يقول: ﴿خلق الأزواج كلّها مما تنبت الأرض﴾ ويقول: ﴿فأخرجنا به أزواجاً من نباتٍ شتّى﴾، ويقول: ﴿اهتزّت وربَت من كلِّ زوجٍ بهيج﴾. ويقول: ﴿ومن كلِّ الثمرات جعل فيها زوجين اثنين﴾.
стр. 38
وكشفوا طريقة إمساك الظِّل؛ أي التصوير الشمسي، والقرآن يقول: ﴿ألم تَرَ إلى ربِّك كيف مدَّ الظِّلَّ ولو شاء لجعله ساكناً ثمَّ جعلنا الشّمسَ عليه دليلاً﴾.
وكشفوا تسيير السّفن والمركبات بالبخار والكهرباء والقرآن يقول، بعد ذكره الدواب والجواري بالريح: ﴿وخلقنا لهم من مثله ما يركبون﴾.
وكشفوا وجود الميكروب، وتأثيره وغيره من الأمراض، والقرآن يقول: ﴿وأرسل عليهم طيراً أبابيل﴾؛ أي متتابعة متجمعة ﴿ترميهم بحجارةٍ من سجّيل﴾؛ أي من طين المستنقعات اليابس. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة المحققة لبعض مكتشفات علم الهيئة والنواميس الطبيعية. وبالقياس على ما تقدَّم ذكره؛ يقتضي أنَّ كثيراً من آياته سينكشف سرُّها في المستقبل في وقتها المرهون، تجديداً لإعجازه عمّا في الغيب مادام الزمان وما كرَّ الجديدان؛ فلا بُدَّ أن يأتي يوم يكشف العلم فيه أنَّ الجمادات أيضاً تنمو باللقاح كما تشير إلى ذلك آية ﴿ومن كلِّ شيءٍ خلقنا زوجين﴾.
стр. 39
الاستبداد والعلم
ما أشبه المستبدَّ في نسبته إلى رعيته بالوصيّ الخائن القوي، يتصرّف في أموال الأيتام وأنفسهم كما يهوى ما داموا ضعافاً قاصرين؛ فكما أنّه ليس من صالح الوصيّ أن يبلغ الأيتام رشدهم، كذلك ليس من غرض المستبدّ أن تتنوّر الرعية بالعلم.
لا يخفى على المستبدّ، مهما كان غبياً، أنْ لا استعباد ولا اعتساف إلا مادامت الرّعية حمقاء تخبط في ظلامة جهل وتيه عماء، فلو كان المستبدُّ طيراً لكان خفّاشاً يصطاد هوام العوام في ظلام الجهل، ولو كان وحشاً لكان ابن آوى يتلقّف دواجن الحواضر في غشاء الليل، ولكنّه هو الإنسان يصيد عالِمَه جاهلُهُ.
العلم قبسةٌ من نور الله، وقد خلق الله النّور كشّافاً مبصراً، يولّد في النفوس حرارةً وفي الرؤوس شهامةً، العلم نور والظلم ظلام، ومن طبيعة النّور تبديد الظّلام، والمتأمل في حالة كلِّ رئيس ومرؤوس يرى كلَّ سلطة الرئاسة تقوى وتضعف بنسبة نقصان علم المرؤوس وزيادته.
المستبدُّ لا يخشى علوم اللغة، تلك العلوم التي بعضها يقوّم اللسان وأكثرها
стр. 40
هزلٌ وهذيان يضيع به الزمان، نعم؛ لا يخاف علم اللغة إذا لم يكن وراء اللسان حكمة حماس تعقد الألوية، أو سحر بيان يحلُّ عقد الجيوش؛ لأنه يعرف أنّ الزمان ضنينٌ بأن تلد الأمهات كثيراً من أمثال: الكميت وحسان أو مونتيسكيو وشيللر.
وكذلك لا يخاف المستبدُّ من العلوم الدينية المتعلِّقة بالمعاد، المختصة ما بين الإنسان وربه، لاعتقاده أنّها لا ترفع غباوةً ولا تزيل غشاوة، إنما يتلهّى بها المتهوِّسون للعلم، حتى إذا ضاع فيها عمرهم، وامتلأتها أدمغتهم، وأخذ منهم الغرور، فصاروا لا يرون علماً غير علمهم، فحينئذٍ يأمن المستبدُّ منهم كما يُؤمن شرُّ السّكران إذا خمر. على أنّه إذا نبغ منهم البعض ونالوا حرمة بين العوام لا يعدم المستبدّ وسيلة لاستخدامها في تأييد أمره ومجاراة هواه في مقابلة أنّه يضحك عليهم بشيء من التعظيم، ويسدُّ أفواههم بلقيماتٍ من مائدة الاستبداد؛ وكذلك لا يخاف من العلوم الصناعية محضاً؛ لأنّ أهلها يكونون مسالمين صغار النّفوس، صغار الهمم، يشتريها المستبدُّ بقليل من المال والإعزاز، ولا يخاف من الماديين، لأنّ أكثرهم مبتلون بإيثار النّفس، ولا من الرياضيين؛ لأنّ غالبهم قصار النظر.
ترتعد فرائص المستبدُّ من علوم الحياة مثل الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تُكبر النفوس، وتوسّع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف
стр. 41
الطلب، وكيف النّوال، وكيف الحفظ. وأخوف ما يخاف المستبدّ من أصحاب هذه العلوم، المندفعين منهم لتعليم النّاس الخطابة أو الكتابة وهم المعبَّر عنهم في القرآن بالصالحين والمصلحين في نحو قوله تعالى: ﴿أنّ الأرض يرثها عباديَ الصالحون﴾ وفي قوله: ﴿وما كان ربُّك ليهلك القرى بظلمٍ وأهلها مصلحون﴾، وإنْ كان علماء الاستبداد يفسِّرون مادة الصلاح والإصلاح بكثرة التعبُّد كما حوّلوا معنى مادة الفساد والإفساد: من تخريب نظام الله إلى التشويش على المستبدين.
والخلاصة: أنَّ المستبدّ يخاف من هؤلاء العاملين الراشدين المرشدين، لا من العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسهم محفوظاتٌ كثيرة كأنّها مكتبات مقفلة!
كما يبغض المستبدُّ العلمَ ونتائجه؛ يبغضه أيضاً لذاته، لأن للعلم سلطاناً أقوى من كلِّ سلطان، فلا بدَّ للمستبدِّ من أن يستحقر نفسه كلما وقعت عينه على من هو أرقى منه علماً. ولذلك لا يحبُّ المستبدُّ أن يرى وجه عالمٍ عاقل يفوق عليه فكراً، فإذا اضطر لمثل الطبيب والمهندس يختار الغبي المتصاغر المتملِّق. وعلى هذه القاعدة بنى ابن خلدون قوله: (فاز المتملقون)، وهذه طبيعة كلِّ المتكبرين، بل في غالب الناس، وعليها مبنى ثنائهم على كلِّ من يكون مسكيناً خاملاً لا يُرجى لخيرٍ ولا لشرٍّ.
وينتج مما تقدَّم أنَّ بين الاستبداد والعلم حرباً دائمةً وطراداً مستمراً: يسعى العلماء في تنوير العقول، ويجتهد المستبدُّ في إطفاء نورها، والطرفان يتجاذبان العوام. ومن هم العوام؟ هم أولئك الذين إذا جهلوا خافوا، وإذا خافوا استسلموا،
стр. 42
كما أنَّهم هم الذين متى علموا قالوا، ومتى قالوا فعلوا.
العوام هم قوة المستبدُّ وقُوْتُهُ. بهم عليهم يصول ويطول؛ يأسرهم فيتهللون لشوكته؛ ويغصب أموالهم فيحمدونه على إبقائه حياتهم؛ ويهينهم فيثنون على رفعته؛ ويغري بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته؛ وإذا أسرف في أموالهم يقولون كريماً؛ وإذا قتل منهم لم يمثِّل يعتبرونه رحيماً؛ ويسوقهم إلى خطر الموت، فيطيعونه حذر التوبيخ؛ وإن نقم عليه منهم بعض الأباة قاتلهم كأنهم بُغاة.
والحاصل أنَّ العوام يذبحون أنفسهم بأيديهم بسبب الخوف الناشئ عن الجهل والغباوة، فإذا ارتفع الجهل وتنوَّر العقل زال الخوف، وأصبح الناس لا ينقادون طبعاً لغير منافعهم، كما قيل: العاقل لا يخدم غير نفسه، وعند ذلك لا بدَّ للمستبدِّ من الاعتزال أو الاعتدال. وكم أجبرت الأمم بترقّيها المستبدَّ اللئيم على الترقّي معها والانقلاب -رغم طبعه- إلى وكيلٍ أمين يهاب الحساب، ورئيسٍ عادل يخشى الانتقام، وأبٍ حليمٍ يتلذذ بالتحابب. وحينئذٍ تنال الأمة حياةً رضيّة هنية، حياة رخاء ونماء، حياة عزّ وسعادة، ويكون حظّ الرئيس من ذلك رأس الحظوظ، بعد أن كان في دور الاستبداد أشقى العباد؛ لأنه على الدوام ملحوظاً بالبغضاء، محاطاً بالأخطار، غير أمين على رياسته، بل وعلى حياته طرفة عين؛ ولأنه لا يرى قطّ أمامه من يسترشده فيما يجهل؛ لأنَّ الواقف بين يديه مهما كان عاقلاً متيناً، لا بدَّ أن يهابه، فيضطرب باله، فيتشوش فكره، ويختلّ رأيه، فلا يهتدي على الصواب، وإن اهتدى فلا يجسر على التصريح
стр. 43
به قبل استطلاع رأي المستبدّ، فإن رآه متصلِّباً فيما يراه فلا يسعه إلا تأييده راشداً كان أو غيّاً، وكلُّ مستشار غيره يدَّعي أنَّه غير هيّاب فهو كذَّاب؛ والقول الحقُّ: إنَّ الصدق لا يدخل قصور الملوك؛ بناءً عليه؛ لا يستفيد المستبدُّ قطُّ من رأي غيره، بل يعيش في ضلال وترددٍ وعذابٍ وخوف، وكفى بذلك انتقاماً منه على استعباده النّاس وقد خلقهم ربهم أحراراً.
إنَّ خوف المستبدّ من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأنَّ خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقُّه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهل؛ وخوفه عن عجزٍ حقيقي فيه، وخوفهم عن توهّم التخاذل فقط؛ وخوفه على فقد حياته وسلطانه، وخوفهم على لقيمات من النّبات وعلى وطنٍ يألفون غيره في أيام؛ وخوفه على كلِّ شيء تحت سماء ملكه، وخوفهم على حياةٍ تعيسة فقط.
كلما زاد المستبدُّ ظلماً واعتسافاً زاد خوفه من رعيّته وحتّى من حاشيته، وحتى ومن هواجسه وخيالاته. وأكثر ما تُختم حياة المستبدِّ بالجنون التّام. قلت: (التام) لأنّ المستبدَّ لا يخلو من الحمق قطّ، لنفوره من البحث عن الحقائق، وإذا صادف وجود مستبدٍّ غير أحمق فيسارعه الموت قهراً إذا لم يسارعه الجنون أو العته؛ وقلتُ: إنه يخاف من حاشيته؛ لأنَّ أكثر ما يبطش بالمستبدين حواشيهم؛ لأنَّ هؤلاء أشقى خلق الله حياةً، يرتكبون كلَّ جريمةٍ وفظيعة لحساب المستبدِّ الذي يجعلهم يمسون ويصبحون مخبولين مصروعين، يُجهدون الفكر في استطلاع ما يريد منهم فعله بدون أن يطلب أو يصرِّح. فكم ينقم عليهم ويهينهم لمجرَّد أنهم لا يعلمون الغيب، ومن ذا الذي يعلم الغيب، الأنبياء والأولياء؟ وما
стр. 44
هؤلاء إلا أشقياء؛ أستغفرك اللهم! لا يعلم غيبك نبيٌّ ولا وليٌّ، ولا يدّعي ذلك إلاّ دجّال، ولا يظنُّ صدقه إلاّ مغفَّل، فإنَّك اللهم قلت وقولك الحقّ: ﴿فلا يظهر على غيبه أحداً﴾ وأفضل أنبيائك يقول: «لو علمتُ الخير لاستكثرت منه».
من قواعد المؤرِّخين المدققين: إنَّ أحدهم إذا أراد الموازنة بين مستبدَّين كنيرون وتيمور مثلاً، يكتفي أن يوازن درجة ما كانا عليه من التحذُّر والتحفُّظ. وإذا أراد المفاضلة بين عادلين كأنو شروان وعمر الفاروق، يوازن بين مرتبتي أمنهما في قوميهما.
لما كانت أكثر الديانات مؤسسة على مبدأي الخير والشر كالنور والظلام، والشمس وزحل، والعقل والشيطان، رأت بعض الأمم الغابرة أنَّ أضرَّ شيء على الإنسان هو الجهل، وأضرّ آثار الجهل هو الخوف، فعملت هيكلاً مخصصاً للخوف يُعبد اتقاءً لشرِّه.
قال أحد المحررين السياسيين: إني أرى قصر المستبدِّ في كلِّ زمان هو هيكل الخوف عينه: فالملك الجبار هو المعبود، وأعوانه هم الكهنة، ومكتبته هي المذبح المقدَّس، والأقلام هي السكاكين، وعبارات التعظيم هي الصلوات، والناس هم الأسرى الذين يُقدَّمون قرابين الخوف، وهو أهم النواميس الطبيعية في الإنسان، والإنسان يقرب من الكمال في نسبة ابتعاده عن الخوف، ولا وسيلة لتخفيف الخوف أو نفيه غير العلم بحقيقة المخيف منه، وهكذا إذا زاد علم أفراد الرعية بأنّ المستبدَّ امرؤٌ عاجز مثلهم، زال خوفهم منه وتقاضوه حقوقهم.
стр. 45
ويقول أهل النظر: إنَّ خير ما يستبدل به على درجة استبداد الحكومات؛ هو تغاليها في شنآن الملوك، وفخامة القصور، وعظمة الحفلات، ومراسيم التشريفات، وعلائم الأبَّهة، ونحو ذلك من التمويهات التي يسترهب بها الملوك رعاياهم عوضاً عن العقل والمفاداة، وهذه التمويهات يلجأ إليها المستبدُّ كما يلجأ قليل العزِّ للتكبُّر، وقليل العلم للتصوُّف، وقليل الصِّدق لليمين، وقليل المال لزينة اللباس.
ويقولون: إنَّه كذلك يُستدلُّ على عراقة الأمة في الاستعباد أو الحرية باستنطاق لغتها؛ هل هي قليلة ألفاظ التعظيم كالعربية مثلاً؟ أم هي غنية في عبارات الخضوع كالفارسية، وكتلك اللغة التي ليس فيها بين المتخاطبين أنا وأنت، بل سيدي وعبدكم؟!
والخلاصة أنَّ الاستبداد والعلم ضدان متغالبان؛ فكلُّ إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور العلم، وحصر الرعية في حالك الجهل. والعلماء الحكماء الذين ينبتون أحياناً في مضايق صخور الاستبداد يسعون جهدهم في تنوير أفكار النّاس، والغالب أنَّ رجال الاستبداد يُطاردون رجال العلم وينكلون بهم، فالسعيد منهم من يتمكّن من مهاجرة دياره، وهذا سبب أنَّ كلَّ الأنبياء العظام - عليهم الصلاة والسلام وأكثر العلماء الأعلام والأدباء والنبلاء- تقلَّبوا في البلاد وماتوا غرباء.
إنَّ الإسلامية أولَّ دين حضَّ على العلم، وكفى شاهداً أنَّ أول كلمة أُنزلت من القرآن هي الأمر بالقراءة أمراً مكرراً، وأوَّل مِنَّةٍ أجلَّها الله وامتنَّ بها على الإنسان هي أنَّه علَّمه بالقلم. علَّمه به ما لم يعلم. وقد فهم السَّلف الأول من
стр. 46
مغزى هذا الأمر وهذا الامتنان وجوب تعلُّم القراءة والكتابة على كلِّ مسلم، وبذلك عمَّت القراءة والكتابة في المسلمين أو كادت تعمُّ، وبذلك صار العلم في الأمة حراً مباحاً للكلِّ لا يختصُّ به رجال الدّين أو الأشراف كما كان في الأمم السابقة، وبذلك انتشر العلم في سائر الأمم أخذاً على المسلمين! ولكنْ؛ قاتل الله الاستبداد الذي استهان بالعلم حتى جعله كالسلعة يُعطى ويُمنح للأميين، ولا يجرؤ أحد على الاعتراض، أجل؛ قاتل الله الاستبداد الذي رجع بالأمة إلى الأمية، فالتقى آخرها بأولِّها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال المدققون: إنَّ أخوف ما يخافه المستبدون الغربيون من العلم أن يعرف الناس حقيقة أنَّ الحرية أفضل من الحياة، وأن يعرفوا النفس وعزَّها، والشّرف وعظمته، والحقوق وكيف تُحفظ، والظلم وكيف يُرفع، والإنسانية وما هي وظائفها، والرّحمة وما هي لذّاتها.
أما المستبدون الشرقيون فأفئدتهم هواء ترتجف من صولة العلم، كأنّ العلم نار وأجسامهم من بارود. المستبدون يخافون من العلم حتى من علم الناس معنى كلمة (لا إله إلا الله)، ولماذا كانت أفضل الذكر، ولماذا بُني عليها الإسلام. بُني الإسلام، بل وكافة الأديان على (لا إله إلا الله)، ومعنى ذلك أنّه لا يُعبد حقاً سوى الصانع الأعظم، ومعنى العبادة الخضوع ومنها لفظة العبد، فيكون معنى لا إله إلا الله: "لا يستحق الخضوع شيءٌ غير الله". وما أفضل تكرار هذا المعنى على الذاكرة آناء الليل وأطراف النهار تحذُّراً من الوقوع في ورطة شيء من الخضوع لغير الله وحده. فهل -والحالة هذه- يناسب غرض المستبدين أن يعلم
стр. 47
عبيدهم أنْ لا سيادة ولا عبودية في الإسلام ولا ولاية فيه ولا خضوع، إنما المؤمنون بعضهم أولياء بعض؟ كلا؛ لا يلائم ذلك غرضهم، وربما عدّوا كلمة (لا إله إلا الله) شتماً لهم! ولهذا؛ كان المستبدون -ولا زالوا- من أنصار الشِّرك وأعداء العلم.
إنَّ العلم لا يناسب صغار المستبدين أيضاً كخَدَمَة الأديان المتكبِّرين وكالآباء الجُهَلاء، والأزواج الحمقى، وكرؤساء كلِّ الجمعيات الضعيفة. والحاصل: أنَّه ما انتشر نور العلم في أمةٍ قطّ إلا وتكسَّرت فيها قيود الأسر، وساء مصير المستبدّين من رؤساء سياسة أو رؤساء دين.
стр. 48
الاستبداد والمجد
من الحِكَم البالغة للمتأخرين قولهم: "الاستبداد أصلٌ لكلِّ داء"، ومبنى ذلك أنَّ الباحث المدقق في أحوال البشر وطبائع الاجتماع كشف أنَّ للاستبداد أثراً سيئاً في كلِّ واد، وقد سبق أنَّ الاستبداد يضغط على العقل فيفسده، وإني الآن أبحث في أنَّه كيف يُغالب الاستبداد المجد فيفسده، ويقيم مقامه التمجُّد.
المجد: هو إحراز المرء مقام حبٍّ واحترام في القلوب، وهو مطلب طبيعي شريف لكلِّ إنسان، لا يترفَّع عنه نبيٌّ أو زاهد، ولا ينحطُّ عنه دنيٌّ أو خامل. للمجد لذَّةٌ روحية تقارب لذَّة العبادة عند الفانين في الله تعالى، وتعادل لذَّة العلم عند الحكماء، وتربو على لذَّة امتلاك الأرض مع قمرها عند الأمراء، وتزيد على لذَّة مفاجأة الإثراء عند الفقراء. ولذا؛ يزاحم المجد في النفوس منزلة الحياة.
وقد أشكَلَ على بعض الباحثين أيّ الحرصين أقوى؟ حرص الحياة أم حرص المجد؟ والحقيقة التي عوَّل عليها المتأخِّرون وميَّزوا بها تخليط ابن خلدون هي التفضيل؛ وذلك أنَّ المجد مفضَّل على الحياة عند الملوك والقُوَّاد وظيفةً،
стр. 49
وعند النُّجباء والأحرار حميّةً، وحبُّ الحياة ممتاز على المجد عند الأُسراء والأذِّلاء طبيعةً، وعند الجبناء والنساء ضرورةً. وعلى هذه القاعدة يكون أئمة آل البيت ﵈ معذورين في إلقاء أنفسهم في تلك المهالك؛ لأنَّهم لمّا كانوا نجباء أحراراً، فحميّتهم جعلتهم يفضِّلون الموت كراماً على حياة ذلٍّ مثل حياة ابن خلدون الذي خطّأ أمجاد البشر في إقدامهم على الخطر إذا هدَّد مجدهم، ذاهلاً على أنَّ بعض أنواع الحيوان، ومنها البلبل، وُجِدت فيها طبيعة اختيار الانتحار أحياناً تخلُّصاً من قيود الذُّلِّ، وأنَّ أكثر سباع الطير والوحوش إذا أُسِرَت كبيرة تأبى الغذاء حتى تموت، وأنَّ الحُرَّة تموت ولا تأكل بعِرضِها، والماجدة تموت ولا تأكل بثدييها!
المجد لا يُنال إلا بنوعٍ من البذل في سبيل الجماعة، وبتعبير الشرقيين في سبيل الله أو سبيل الدّين، وبتعبير الغربيين في سبيل المدنية أو سبيل الإنسانية. والمولى تعالى -المستحقُّ التّعظيم لذاته- ما طالب عبيده بتمجيده إلا وقرن الطلب بذكر نعمائه عليهم.
وهذا البذل إما بذل مال للنفع العام ويسمى مجد الكرم؛ وهو أضعف المجد، أو بذل العلم النّافع المفيد للجماعة؛ ويسمّى مجد الفضيلة، أو بذل النّفس بالتعرُّض للمشاقّ والأخطار في سبيل نصرة الحقِّ وحفظ النِّظام؛ ويُسمى مجد النّبالة، وهذا أعلى المجد؛ وهو المراد عند الإطلاق، وهو المجد الذي تتوق إليه النفوس الكبيرة، وتحنُّ إليه أعناق النبلاء. وكم له من عشاق تلذُّ لهم في حبه المصاعب والمخاطرات، وأكثرهم يكون من مواليد بيوت نادرة حمتها الصُّدف
стр. 50
من عيون الظالمين المذلّين، أو يكون من نجباء بيوت ما انقطعت فيها سلسلة المجاهدين وما انقطعت عجائزها عن بكائهم. ومن أمثلة المجد قولهم: خلق الله للمجد رجالاً يستعذبون الموت في سبيله، ولا سبيل إليه إلا بعظيم الهمّة والإقدام والثّبات، تلك الخصال الثّلاث التي بها تقدَّر قيم الرجال.
وهذا نيرون الظالم سأل أغربين الشاعر وهو تحت النَّطع: من أشقى الناس؟ فأجابه معرِّضاً به: من إذا ذكر الناس الاستبداد كان مثالاً له في الخيال. وكان ترايان العادل إذا قلَّد سيفاً لقائد يقول له: "هذا سيف الأمة أرجو أن لا أتعدّى القانون فيكون له نصيبٌ في عنقي". وخرج قيس من مجلس الوليد مغضباً يقول: "أتريد أن تكون جباراً؟ والله؛ إنَّ نعال الصعاليك لأطول من سيفك!. وقيل لأحد الأباة: "ما فائدة سعيك غير جلب الشقاء على نفسك؟ ". فقال: "ما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص الظالمين! ". وقال آخر: "عليَّ أن أفي بوظيفتي وما عليَّ ضمان القضاء". وقيل لأحد النبلاء: "لماذا لا تبني لك داراً؟ " فقال: "ما أصنع فيها وأنا المقيم على ظهر الجواد أو في السجن أو في القبر"، وهذه ذات النطاقين (أسماء بنت أبي بكر ﵂ وهي امرأة عجوز تودِّع ابنها بقولها: "إن كنت على الحقّ فاذهب وقاتل الحجاج حتى تموت". وهذا مكماهون رئيس جمهورية فرنسا استبدَّ في أمر فدخل عليه صديقه غامبتا وهو يقول: "الأمر للأمة لا إليك، فاعتدل، أو اعتزل، وإلا فأنت المخذول المهان الميت!!
والحاصل أنَّ المجد هو المجدُ محبَّبٌ للنفوس، لا تفتأ تسعى وراءه وترقى مراقيه، وهو ميسَّرٌ في عهد العدل لكلِّ إنسان على حسب استعداده وهمَّته، وينحصر تحصيله في زمن الاستبداد بمقاومة الظّلم على حسب الإمكان.
стр. 51
يقابل المجد، من حيث مبتناه، التمجُّد. وما هو التمجّد؟ وماذا يكون التمجّد؟ التمجُّد لفظٌ هائل المعنى، ولهذا أراني أتعثَّر بالكلام وأتلعثم في الخطاب، ولا سيما من حيث أخشى مساس إحساس بعض المطالعين. إن لم يكن من جهة أنفسهم فمن جهة أجدادهم الأولين، فأناشدهم الوجدان والحقّ المهان، أن يتجرَّدوا دقيقتين من النّفس وهواها، ثمَّ هم مثلي ومثل سائر الجانين على الإنسانية لا يعدمون تأويلاً. وإنني أعلِّل النّفس بقبولهم تهويني هذا، فأنطلق وأقول:
التمجّد خاص بالإدارات المستبدَّة، وهو القربى من المستبدِّ بالفعل كالأعوان والعمال، أو بالقوة كالملقَّبين بنحو دوق وبارون، والمخاطبين بنحو ربِّ العزة وربّ الصولة، أو الموسومين بالنياشين، أو المطوَّقين بالحمائل، وبتعريفٍ آخر، التمجُّد هو أن ينال المرء جذوة نار من جهنم كبرياء المستبدِّ ليحرق بها شرف المساواة في الإنسانية.
وبوصفٍ أجلى: هو أن يتقلّد الرّجل سيفاً من قِبَل الجبارين يبرهن به على أنَّه جلاد في دولة الاستبداد، أو يعلِّق على صدره وساماً مشعراً بما وراءه من الوجدان المستبيح للعدوان، أو يتزين بسيور مزركشة تنبئ بأنّه صار مخنَّثاً أقرب إلى النساء منه إلى الرجال، وبعبارة أوضح وأخصر، هو أن يصير الإنسان مستبداً صغيراً في كنف المستبدِّ الأعظم.
قلتُ: إنَّ التمجُّد خاصٌّ بالإدارات الاستبدادية، وذلك لأنَّ الحكومة الحرة التي تمثِّل عواطف الأمة تأبى كلَّ الإباء إخلال التساوي بين الأفراد إلا لفضلٍ حقيقي، فلا ترفع قدر أحد منها إلا رفعاً صورياً أثناء قيامه في
стр. 52
خدمتها؛ أي الخدمة العمومية، وذلك تشويقاً له على التفاني في الخدمة، كما أنَّها لا تميّز أحداً منها بوسام أو تشرِّفه بلقبٍ إلا ما كان علمياً أو ذكرى لخدمة مهمة وفَّقه الله إليها. وبمثل هذا يرفع اللهُ الناس بعضهم فوق بعضٍ درجات في القلوب لا في الحقوق.
وهذا لقب اللوردية مثلاً عند الإنكليز هو من بقايا عهد الاستبداد، ومع ذلك لا يناله عندهم غالباً إلا من يخدم أمَّته خدمة عظيمة، ويكون من حيث أخلاقه وثروته أهلاً لأن يخدمها خدمات مهمة غيرها، ومن المقرر أن لا اعتبار للورد في نظر الأمة إلا إذا كان مؤسساً أو وارثاً، أو كانت الأمة تقرأ في جبهته سطراً محرراً بقلم الوطنية وبمداد الشهامة ممضيٍّ بدمه يقسم فيه بشرفه أنه ضمين بثروته وحياته ناموس الأمة؛ أي قانونها الأساسي، حفيظ على روحها؛ أي حريتها.
التمجُّد لا يكاد يوجد له أثر في الأمم القديمة إلا في دعوى الألوهية وما معناها من نفع الناس بالأنفاس، أو في دعوى النّجابة بالنسب التي يهول بها الأصلاء نسل الملوك والأمراء، وإنما نشأ التمجّد بالألقاب والشّارات في القرون الوسطى، وراج سوقه في القرون الأخيرة، ثمَّ قامت فتاة الحرية تتغنّى بالمساواة وتغسل أدرانه على حسب قوتها وطاقتها، ولم تبلغ غايتها إلى الآن في غير أمريكا.
المتمجِّدون يريدون أن يخدعوا العامة، وما يخدعون غير نسائهم اللاتي يتفحفحن بين عجائز الحي بأنهم كبار العقول؛ كبار النفوس؛ أحرار في شؤونهم
стр. 53
لا يُزاح لهم نقاب، ولا تُصفع منهم رقاب، فيحوجهم هذا المظهر الكاذب لتحمُّل الإساءات والإهانات التي تقع عليهم من قِبَل المستبدّ، بل تحوجهم للحرص على كتمها، بل على إظهار عكسها، بل على مقاومة من يدّعي خلافها، بل على تغليط أفكار النّاس في حقِّ المستبدِّ وإبعادهم عن اعتقاد أنَّ من شأنه الظلم.
وهكذا يكون المتمجّدين أعداء للعدل أنصاراً للجور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة، وهذا ما يقصده المستبدُّ من إيجادهم والإكثار منهم ليتمكَّن بواسطتهم من أن يغرِّر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها، فيسوقها مثلاً لحرب اقتضاها محض التجبُّر والعدوان على الجيران، فيوهمها أنَّه يريد نصرة الدين، أو يُسرف بالملايين من أموال الأمة في ملذاته وتأييد استبداده باسم حفظ شرف الأمة وأبهة المملكة، أو يستخدم الأمة في التنكيل بأعداء ظلمه باسم أنهم أعداء لها، أو يتصرَّف في حقوق المملكة والأمة كما يشاؤه هواه باسم أنَّ ذلك من مقتضى الحكمة والسياسة.
والخلاصة: أنَّ المستبد يتّخذ المتمجّدين سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حبّ الوطن، أو توسيع المملكة، أو تحصيل منافع عامة، أو مسؤولية الدولة، أو الدفاع عن الاستقلال، والحقيقة أنَّ كلّ هذه الدواعي الفخيمة العنوان في الأسماع والأذهان ما هي إلا تخييل وإيهام يقصد بها رجال الحكومة تهييج الأمة وتضليلها، حتى إنَّه لا يُستثنى منها الدّفاع عن الاستقلال؛ لأنّه ما الفرق على أمةٍ مأسورة لزيد أن يأسرها عمرو؟ وما مثلها إلا الدّابة التي
стр. 54
لا يرحمها راكب مطمئن، مالكاً كان أو غاصباً.
المستبدُّ لا يستغني عن أن يستمجد بعض أفراد من ضعاف القلوب الذين هم كبقر الجنة لا ينطحون ولا يرمحون، يتّخذهم كأنموذج البائع الغشاش، على أنّه لا يستعملهم في شيء من مهامه، فيكونون لديه كمصحف في خمّارة أو سبحة في يد زنديق، وربما لا يستخدم أحياناً بعضهم في بعض الشؤون تغليطاً لأذهان العامة في أنَّه لا يعتمد استخدام الأراذل والأسافل فقط، ولهذا يُقال: دولة الاستبداد دولة بُلهٍ وأوغاد.
المستبدُّ يجرِّب أحياناً في المناصب والمراتب بعض العقلاء الأذكياء أيضاً اغتراراً منه بأنّه يقوى على تليين طينتهم وتشكيلهم بالشّكل الذي يريد، فيكونوا له أعواناً خبثاء ينفعونه بدهائهم، ثمَّ هو بعد التجربة إذا خاب ويئس من إفسادهم يتبادر إبعادهم أو ينكّل بهم. ولهذا لا يستقرّ عنه المستبدّ إلا الجاهل العاجز الذي يعبده من دون الله، أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب الله.
وهنا أنبِّه فكر المطالعين إلى أنَّ هذه الفئة من العقلاء الأمناء بالجملة، الذين يذوقون عسيلة مجد الحكومة وينشطون لخدمة ونيل مجد النّبالة، ثمَّ يضرب على يدهم لمجرَّد أنَّ بين أضلعهم قبسة من الإيمان وفي أعينهم بارقة من الإنسانية، هي الفئة التي تتكهرب بعداوة الاستبداد وينادي أفرادها بالإصلاح. وهذا الانقلاب قد أعيا المستبدين؛ لأنهم لا يستغنون عن التجربة ولا يأمنون هذه المغبّة. ومن هنا نشأ اعتمادهم غالباً على العريقين في خدمة الاستبداد، الوارثين من آبائهم وأجدادهم الأخلاق
стр. 55
المرضية للمستبدّين، ومن هنا ابتدأت في الأمم نغمة التمجّد بالأصالة والأنساب، والمستبدّون المحنّكون يطيلون أمد التجربة بالمناصب الصغيرة فيستعملون قاعدة الترقّي مع التراخي، ويسمّون ذلك برعاية قاعدة القدم، ثمّ يختمون التجريب بإعطاء المتمرّن خدمة يكون فيها رئيساً مطلقاً ولو في قرية، فإن أظهر مهارة في الاستبداد، وذلك ما يسمونه حكمة الحكومة فبها نعمت، وإلا قالوا عنه: هذا حيوان، يا ضيعة الأمل فيه.
إنَّ للأصالة مشاكلة قوية للمجد والتمجّد فلا بدَّ أن نبحث فيها قليلاً، ثمَّ نعود لموضوع المستبدّ وأعوانه المتمجّدين فأقول:
الأصالة صفة قد يكون لها بعض المزايا من حيث الأميال التي يرثها الأبناء من الآباء، ومن حيث التربية التي تكون مستحكمة في البيت ولو رياءً، ومن حيث إنَّ الأصالة تكون مقرونة غالباً بشيء من الثروة المعينة على مظاهر الشّهامة والرحمة، ومن حيث تقويتها العلاقة بالأمة والوطن خوف مذلّة الاغتراب، ومن حيث إنَّ أهلها يكونون منظورين دائماً فيتحاشون المعائب والنقائص بعض التحاشي.
وبيوت الأصالة تنقسم إلى ثلاثة أنواع: بيوت علم وفضيلة، وبيوت مال وكرم، وبيوت ظلم وإمارة. وهذا الأخير هو القسم الأكثر عدداً والأهمّ موقعاً، وهم -كما سبقت الإشارة إليه- مطمح نظر المستبدّ في الاستعانة وموضع
стр. 56
ثقته، وهم الجند الذي تجتمع تحت لوائه بسهولة، وربما يكفيه أنْ يضحك في وجههم ضحكة. فلننظر ما هو نصيب أهل هذا القسم من تلك المزايا الموروثة:
هل يرث الابن عن جده المؤسس لمجده أميالَه في العدالة ولم توجد؟ أم يدبُّ ويشبُّ على غير التّرف المصغِّر للعقول، المميت للهمم؟ أم يتربّى على غير الوقار المضحك للباطل، السّائد فيما بين العائلة في بيتهم؟ أم يستخدم الثروة في غير الملاذ الجسمية الدنيئة البهيمية وتلك الأبّهة الطاووسية الباطلة؟ أم يتمثَّل بغير أقران السوء المتملقين المنافقين؟ أم لا يستحقر قومه لجهلهم قدر النُّطفة الملعونة التي خُلق منها جنابه؟ أم لا يبغض العلماء الذين لا يقدِّرونه قدره حسبما هو قائم في مخيلة خيلائه؟ أم يرى لجنابه مقرّاً يليق به غير مقعد التحكُّم ومستراح التآمر؟ أم يستحي من النّاس؟ ومن هم النّاس؟ وما النّاس عند حضرته غير أشباح عندها أرواح خُلقت لخدمته!
وهذه حالة الأكثرين من الأصلاء، على أننا لا نبخس حقَّ من نال منهم حظاً من العلم وأوتي الحكمة وأراد الله به خيراً فأصابه بنصيب من القهر انخفض به شاموخ أنفه، فإنَّ هؤلاء - وقليل ما هم- ينجبون نجابة عظيمة، فيصدق عليهم أنَّهم قد ورثوه قوّة القلب يستعملونها في الخير لا في الشّر، واستفادوا من أنفة الكبرياء كالجسارة على العظماء، وهكذا تتحول فيهم ميزة الشرِّ على فائض خير وحَسَبٍ شامخ من نحو الحنين إلى الوطن وأهله، والأنين لمصابه، والإقدام على العظائم في سبيل القوم، وأمثال هؤلاء النوابغ النُجَباء إذا كثروا في أمة يوشك أن يترقّى منهم آحاد إلى درجة الخوارق فيقودوا أممهم
стр. 57
إلى درجة النجاح والفلاح، ولا غرو فإنَّ اجتماع نفوذ النسب وقوة الحسب يفعلان ولا عجب شَبَهَ فعل المستبدِّ العادل الذي ينشده الشرقيون، وخصوصاً المسلمون؛ وإن كان العقل لا يجوز أن يتَّصف بالاستبداد مع العدل غير الله وحده، ألا قاتل الله الهمّة السّاقطة التي قد تتسفّل بالإنسان إلى عدم إتعاب الفكر فيما يطلب هل هو ممكن أم هو محال؟!
الأصلاء، باعتبار أكثريتهم، هم جرثومة البلاء في كلِّ قبيلة ومن كلِّ قبيل. لأنَّ بني آدم داموا إخواناً متساوين إلى أنْ ميَّزت الصُّدفة بعض أفرادهم بكثرة النّسل، فنشأت منها القوات العصبية، ونشأ من تنازعها تميُّز أفراد على أفراد، وحِفْظُ هذه الميزة أوجد الأصلاء. فالأصلاء في عشيرة أو أمة إذا كانوا متقاربي القوات استبدوا على باقي الناس وأسسوا حكومة أشراف، ومتى وُجد بيت من الأصلاء يتميز كثيراً في القوة على باقي البيوت يستبدُّ وحده ويؤسس الحكومة الفردية المقيدة إذا لباقي البيوت بقية بأس، أو المطلقة إذا لم يبقَ أمامه من يتَّقيه.
بناءً عليه، إذا لم يوجد في أمّة أصلاء بالكلية، أو وجد، ولكن؛ كان لسواد الناس صوتٌ غالب، أقامت تلك لنفسها حكومة انتخابية لا وراثة فيها ابتداءً؛ ولكن، لا يتوالى بعض متولين إلا ويصير أنسالهم أصلاء يتناظرون، كلُّ فريق منهم يسعى لاجتذاب طرف من الأمة استعداداً للمغالبة وإعادة التاريخ الأول.
стр. 58
ومن أكبر مضارّ الأصلاء أنهم ينهمكون أثناء المغالبة على إظهار الأبَّهة والعظمة، سترهبون أعين الناس ويسحرون عقولهم ويتكبّرون عليهم. ثمَّ إذا غلب غالبهم واستبدَّ بالأمر لا يتركها الباقون لألفتهم لذتها ولمضاهاة المستبدِّ في نظر الناس. والمستبدُّ نفسه لا يحملهم على تركها، بل يدرُّ عليهم المال ويعينهم عليها، ويعطيهم الألقاب والرُّتب وشيئاً من النّفوذ والتسلُّط على الناس ليتلهّوا بذلك عن مقاومة استبداده، ولأجل أن يألفوها مديداً، فتفسد أخلاقهم، فينفر منهم الناس، ولا يبقى لهم ملجأ غير بابه، فيصيرون أعواناً له بعد أن كانوا أضداداً.
ويستعمل المستبدُّ أيضاً مع الأصلاء سياسة الشدّ والرّخاء، والمنع والإعطاء، والالتفات والإغضاء كي لا يبطروا، وسياسة إلقاء الفساد وإثارة الشحناء فيما بينهم كي لا يتفقوا عليه، وتارة يعاقب عقاباً شديداً باسم العدالة إرضاءً للعوام، وأخرى يقرنهم بأفراد كانوا يقبِّلون أذيالهم استكباراً فيجعلهم سادة عليهم يفركون آذانهم استحقاراً، يقصد بذلك كسر شوكتهم أمام إمام الناس وعصر أنوفهم أمام عظمتهم. والحاصل أنَّ المستبدّ يذلل الأصلاء بكلِّ وسيلة حتى يجعلهم مترامين بين رجليه كي يتَّخذهم لجاماً لتذليل الرعية، ويستعمل عين هذه السياسة مع العلماء ورؤساء الأديان الذين متى شمَّ من أحدهم رائحة الغرور بعقله أو علمه ينكل به أو يستبدله بالأحمق الجاهل إيقاظاً له ولأمثاله من كلِّ ظانٍّ من أن إدارة الظلم محتاجة إلى شيء من العقل أو الاقتدار فوق مشيئة المستبدِّ. وبهذه السياسة ونحوها يخلو الجوّ فيعصف
стр. 59
وينسف ويتصرَّف في الرعية كريشٍ يقلبه الصرصر في جوٍّ محرق.
المستبدُّ في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنساناً فصار إلهاً. ثم يُرجع النظر فيرى نفسه في نفس الأمر أعجز من كلِّ عاجز وأنَّه ما نال ما نال إلا بواسطة من حوله من العوان، فيرفع نظره إليهم فيسمع لسان حالهم يقول له: ما العرش؟ وما التاج؟ وما الصولجان؟ ما هذه إلا أوهام في أوهام. هل يجعلك هذا الريش في رأسك طاووساً وأنت غراب؟ أم تظن الأحجار البراقة في تاجك نجوماً ورأسك سماء؟ أم تتوهم أنَّ زينة صدرك ومنكبيك أخرجتك عن كونك قطعة طينٍ من هذه الأرض؟ والله ما مكَّنك في هذا المقام وسلَّطك على رقاب الأنام إلا شعوذتنا وسحرنا وامتهاننا لديننا ووجداننا وخيانتنا لوطننا وإخواننا، فانظر أيها الصغير المكبَّر الحقير الموقّر كيف تعيش معنا!
ثمَّ يلتفت إلى جماهير الرّعية المتفرجين، منهم الطائشين المهللين المسبِّحين بحمده، ومنهم المسحورين المبهوتين كأنهم أموات من حين، ولكن؛ يتجلّى في فكره أنَّ خلال الساكتين بعض أفراد عقلاء أمجاد يخاطبونه بالعيون؛ بأنَّ لنا معاشر الأمَّة شؤوناً عمومية وكَّلناك في قضائها على ما نريد ونبغي، لا على ما تريد فتبغي. فإنْ وفَّيت حقَّ الوكالة حُقَّ لك الاحترام، وإن مرت مكَرْنا وحاقت بك العاقبة، ألا إنَّ مكر الله عظيم.
وعندئذٍ يرجع المستبدُّ إلى نفسه قائلاً: الأعوان الأعوان، الحَمَلَة السَّدنة أسلمهم القياد وأردفهم بجيشٍ من الأوغاد أحارب بهم هؤلاء العبيد العقلاء،
стр. 60
وبغير هذا الحزم لا يدوم لي مُلْكٌ كيفما أكون، بل أبقى أسيراً للعدل معرِّضاً للمناقشة منغِّصاً في نعيم الملك، ومن العار أن يرضى بذلك من يمكنه أن يكون سلطاناً جباراً متفرِّداً قهّاراً.
الحكومة المستبدّة تكون طبعاً مستبدّة في كل فروعها من المستبدّ الأعظم إلى الشرطي، إلى الفرّاش، إلى كنائس الشوارع، ولا يكون كلُّ صنفٍ إلا من أسفل أهل طبقته أخلاقاً، لأن الأسافل لا يهمهم طبعاً الكرامة وحسن السمعة، إنما غاية مسعاهم أن يبرهنوا لمخدوهم بأنهم على شاكلته، وأنصار لدولته، وشرهون لأكل السقطات من أيٍّ كان ولو بشراً أم خنازير، آبائهم أم أعدائهم، وبهذا يأمنهم المستبدُّ ويأمنونه فيشاركهم ويشاركونه. وهذه الفئة المستخدمة يكثر عددها ويقلُّ حسب شدة الاستبداد وخفّته، فكلما كان المستبدُّ حريصاً على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجّدين العاملين له المحافظين عليه، واحتاج إلى مزيد الدقّة في اتِّخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدينٍ أو ذمّة، واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة؛ وهي أن يكون أسفلهم طباعاً وخصالاً أعلاهم وظيفةً وقرباً، ولهذا، لا بدَّ أن يكون الوزير الأعظم للمستبدّ هو اللئيم الأعظم في الأمة، ثم من دونه لؤماً، وهكذا تكون مراتب الوزراء والأعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في التشريفات والقربى منه. وربما يغترُّ المطالع كما اغترَّ كثير من المؤرِّخين البسطاء بأن بعض وزراء المستبدّ يتأوهون من المستبدّ ويتشكّون من أعماله ويجهرون بملامه، ويظهرون لو أنّه ساعدهم
стр. 61
الإمكان لعملوا وفعلوا وافتدوا الأمة بأموالهم، بل وحياتهم، فكيف - والحالة هذه- يكون هؤلاء لؤماء؟ بل كيف ذلك وقد وُجِد منهم الذين خاطروا بأنفسهم والذين أقدموا فعلاً على مقاومة الاستبداد فنالوا المراد أو بعضه أو هلكوا دونه؟
فجواب ذلك أنّ المستبدَّ لا يخرج قطّ عن أنّه خائنٌ خائفٌ محتاجٌ لعصابة تعينه وتحميه، فهو ووزراؤه كزمرة لصوص: رئيس وأعوان. فهل يجوِّز العقل أن يُنتخب رفاق من غير أهل الوفاق، وهو هو الذي لا يستوزر إلا بعد تجربة واختبار عمراً طويلاً؟!
هل يمكن أن يكون الوزير متخلِّقاً بالخير حقيقة، وبالشَّرِّ ظاهراً فيخدع المستبدّ بأعماله، ولا يخاف من أنَّه كما نصبه وأعزَّه بكلمة يعزله ويذلّه؟!
بناءً عليه، فالمستبدّ وهو من لا يجهل أنَّ الناس أعداؤه لظلمه، لا يأمن على بابه إلا من يثق به أنَّه أظلم منه للناس، وأبعد منه على أعدائه، وأما تلوُّم بعض الوزراء على لوم المستبدّ فهو إن لم يكن خداعاً للأمة فهو حنقٌ على المستبدّ؛ لأنه بخس ذلك المتلوّم حقه، فقدَّم عليه من هو دونه في خدمته بتضحية دينه ووجدانه. وكذلك لا يكون الوزير أميناً من صولة المستبدّ في صحبته ما لم يسبق بينهما وفاق واتِّفاق على خيرة الشيطان؛ لأن الوزير محسودٌ بالطبع، يتوقّع له المزاحمون كلَّ شرّ، ويبغضه الناس ولو تبعاً لظالمهم، وهو هدفٌ في كلِّ ساعةٍ للشكايات والوشايات. كيف يكون عند الوزير شيءٌ من التقّوى أو الحياء أو العدل أو الحكمة أو المروءة أو الشّفقة على الأمة، وهو العالم بأنَّ
стр. 62
الأمة تبغضه وتمقته وتتوقّع له كلَّ سوء، وتشمت بمصائبه، فلا ترضى عنه ما لم يتّفق معها على المستبدّ، وما هو بفاعلٍ ذلك أبداً إلا إذا يئس من إقباله عنده، وإن يئس وفعل فلا يقصد نفع الأمة قطّ، إنما يريد فتح بابٍ لمستجدٍّ جديد عساه يستوزره فيؤازره على وزره.
والنتيجة أنَّ وزير المستبدّ هو وزير المستبدّ، لا وزير الأمّة كما في الحكومات الدستورية. كذلك القائد يحمل سيف المستبدّ ليغمده في الرقاب بأمر المستبدّ لا بأمر الأمة، بل هو يستعيذ أن تكون الأمة صاحبة أمر، لما يعلم من نفسه أنَّ الأمّة لا تقلِّد القيادة لمثله.
بناءً عليه؛ لا يغترُّ العقلاء بما يتشدَّق به الوزراء والقوّاد من الإنكار على الاستبداد والتفلسف بالإصلاح وإن تلهَّفوا وإن تأففوا، ولا ينخدعون لمظاهر غيرتهم وإن ناحوا وإن بكوا، ولا يثقون بهم ولا بوجدانهم مهما صلّوا وسبّحوا، لأنَّ ذلك كلّه ينافي سيرهم وسيرتهم، ولا دليل على أنّهم أصبحوا يخالفون ما شبّوا وشابوا عليه، هم أقرب أن لا يقصدوا بتلك المظاهر غير إقلاق المستبدِّ وتهديد سلطته ليشاركهم في استدرار دماء الرّعية؛ أي أموالها. نعم، كيف يجوز تصديق الوزير والعامل الكبير الذي قد ألف عمراً كبيراً لذّة البذخ وعزّة الجبروت في أنَّه يرضى بالدخول تحت حكم الأمّة، ويخاطر بعرض سيفه عليها فتحلّه أو تكسره تحت أرجلها. أليس هو عضواً ظاهر الفساد في جسم تلك الأمة التي قتل الاستبداد فيها كلَّ الأميال الشريفة العالية فأبعدها عن الأنس والإنسانية، حتّى صار الفلاح التعيس منها يؤخذ للجندية وهو يبكي، فلا يكاد
стр. 63
يلبس كمَّ السترة العسكرية إلا ويتلبَّس بشرِّ الأخلاق، فيتنمّر على أمه وأبيه، ويتمرّد على أهل قريته وذويه، ويكظُّ أسنانه عطشاً للدماء لا يميّز بين أخٍ وعدو؟! إنَّ أكابر رجال عهد الاستبداد لا أخلاق لهم ولا ذمّة، فكلُّ ما يتظاهرون به أحياناً من التذمّر والتألّم يقصدون به غشَّ الأمة المسكينة التي يطمعهم في انخداعها وانقيادها لهم علمهم بأنَّ الاستبداد القائم بهم والمستعمر بهمَّتهم قد أعمى أبصارها وبصائرها، وخدَّر أعصابها، فجعلها كالمصاب ببحران العمى، فهي لا ترى غير هول وظلام وشدة وآلام، فتئنُّ من البلاء ولا تدري ما هو تداويه، ولا من أين جاءها لتصدَّه، فتواسيها فئة من أولئك المتعاظمين باسم الدين يقولون: يا بؤساء؛ هذا قضاءٌ من السماء لا مردَّ له، فالواجب تلقّيه بالصبر والرضاء والالتجاء إلى الدعاء، فاربطوا ألسنتكم عن اللغو والفضول، واربطوا قلوبكم بأهل السكينة والخمول، وإياكم والتدبير فإن الله غيور، وليكن وِرْدُكم: اللهم انصر سلطاننا، وآمنّا في أوطاننا، واكشف عنا البلاء، أنت حسبنا ونعم الوكيل. ويغرر الأمة آخرون من المتكبرين بأنهم الأطباء الرحماء المهتمون بمداواة المرض، إنَّما هم يترقَّبون سنوح الفرص، وكلا الفريقين -والله- إما أدنياء جبناء، أو هم خائنون مخادعون، يريدون التثبيط والتلبيد والامتنان على الظالمين.
من دلائل أن أولئك الأكابر مغرِّرون مخادعون يظهرون ما لا يُبطنون، أنَّهم لا يستصنعون إلا الأسافل الأراذل من الناس، ولا يميلون لغير المتملقين المنافقين من أهل الدين، كما هو شأن صاحبهم المستبدّ الأكبر، ومنها أنَّه قد يوجد فيهم من لا يتنزَّل لقليل الرشوة أو السرقة، ولكنْ؛ ليس فيهم العفيف عن
стр. 64
الكثير، وكفى بما يتمتعون من الثروات الطائلة التي لا منبت لها غير المستبيح الفاخر بمشاركة المستبدَّ في امتصاصه دم الأمة، وذلك بأخذهم العطايا الكبيرة، والرواتب الباهظة، التي تعادل أضعاف ما تسمح به الإدارة العادلة لأمثالهم؛ لأنها إدارة راشدة لا تدفع أجوراً زائدة. ومنها أنهم لا يصرفون شيئاً ولو سراً من هذا السحت الكثير في سبيل مقاومة الاستبداد الذي يزعمون أنهم أعداؤه، إنما يصرف بعضهم منه شيئاً في الصدقات الطفيفة وبناء المعابد سمعةً ورياءً، وكأنهم يريدون أن يسرقوا أيضاً قلوب الناس بعد سلب أموالهم أو أنهم يرشون الله، ألا ساء ما يتوهمون. ومنها أنَّ أكثرهم مسرفون مبذِّرون، فلا تكفي أحدهم الرواتب المعتدلة التي يمكن أن ينالها أجرة خدمة لا ثمن ذمة. ومنها أنه قد يكون أحدهم شحيحاً مقتِّراً في نفقاته؛ بحيث يخلُّ في شرف مقامه، فلا يصرف نصف أو ربع راتبه مع أنَّه يقبضه زائداً على أجر مثله لأجل حفظ شرف المقام، العائد لشرف الأمة، وبهذا الشُّحّ يكون خائناً ومهيناً. والحاصل أنَّ الأكابر حريصون على أن يبقى الاستبداد مطلقاً لتبقى أيديهم مطلقة في الأموال.
هذا ولا ينكر التاريخ أن الزمان أوجد نادراً بعض وزراء وازروا الاستبداد عمراً طويلاً، ثمَّ ندموا على ما فرَّطوا فتابوا وأنابوا، ورجعوا نصف الأمة واستعدوا بأموالهم وأنفسهم لإنقاذها من داء الاستبداد. ولهذا؛ لا يجوز
стр. 65
اليأس من وجود بعض أفراد من الوزراء والقواد عريقين في الشهامة، فيظهر فيهم سرّ الوراثة ولو بعد بطون أو بعد الأربعين وربما السبعين من أعمارهم ظهوراً بيّناً تلألأ في محيا صاحبه ثريا صدق النجابة. ولا ينبغي لأمةٍ أن تتكل على أن يظهر فيها أمثال هؤلاء، لأنَّ وجودهم من الصُّدف التي لا تُبنى عليها آمال ولا أحلام.
والنتيجة أنَّ المستبد فردٌ عاجز لا حول له ولا وقوة إلا بالمتمجدين، والأمة؛ أي أمة كانت، ليس لها من يحكُّ جلدها غير ظفرها، ولا يقودها إلا العقلاء بالتنوير والإهداء والثبات، حتى إذا ما اكفهرَّت سماء عقول بينها قيَّض الله لها من جمعهم الكبير أفراداً كبار النفوس قادة أبرار يشترون لها السعادة بشقائهم والحياة بموتهم؛ حيث يكون الله جعل في ذلك لذتهم، ولمثل تلك الشهادة الشريفة خلقهم، كما خلق رجال عهد الاستبداد فسّاقاً فُجّاراً مهالكهم الشهوات والمثالب. فسبحان الذي يختار من يشاء لما يشاء، وهو الخلاّق العظيم.
стр. 66
الاستبداد والمال
الاستبداد لو كان رجلاً وأراد أن يحتسب وينتسب لقال: "أنا الشرُّ، وأبي الظلم، وأمّي الإساءة، وأخي الغدر، وأختي المسْكَنة، وعمي الضُّرّ، وخالي الذُّلّ، وابني الفقر، وبنتي البطالة، وعشيرتي الجهالة، ووطني الخراب، أما ديني وشرفي فالمال المال المال".
المال يصحُّ في وصفه أن يُقال: القوة مال، والوقت مال، والعقل مال، والعلم مال، والدِّين مال، والثّبات مال، والجاه مال، والجمال مال، والترتيب مال، والاقتصاد مال، والشُّهرة مال، والحاصل كلُّ ما يُنتَفَع به في الحياة هو مال.
وكلُّ ذلك يُباع ويُشترى؛ أي يستبدل بعضه ببعض، وموازين المعادلة هي: الحاجة والعزّة والوقت والتعب، ومحافظة اليد والفضة والذهب والذمة، وسوقه المجتمعات، وشيخ السوق السلطان ... فانظر في سوق يتحكّم فيه مستبدٌّ؛ يأمر زيداً بالبيع، وينهى عمرواً عن الشراء، ويغصب بكراً ماله، ويحابي خالداً من مال الناس.
المال تعتوره الأحكام، فمنه الحلال ومنه الحرام وهما بيِّنان، ولَنِعْمَ الحاكم
стр. 67
فيها الوجدان، فالحلال الطيب ما كان عوض أعيان، أو أجرة أعمال، أو بدل وقت، أو مقابل ضمان. والمال الخبيث الحرام هو ثمن الشّرف، ثمَّ المغصوب، ثمَّ المسروق، ثمَّ المأخوذ إلجاءً ثمَّ المحتال فيه.
إنَّ النظام الطبيعي في كلِّ الحيوانات حتى في السّمك والهوام، إلا أنثى العنكبوت، إنَّ النوع الواحد منها لا يأكل بعضه بعضاً، والإنسان يأكل الإنسان. ومن غريزة سائر الحيوان أن يلتمس الرّزق من الله؛ أي من مورده الطبيعي، وهذا الإنسان الظّالم نفسه حريصٌ على اختطافه من يد أخيه، بل من فيه، بل كم أكل الإنسان الإنسان!
الاستبداد والإنسان:
عاش الإنسان دهراً طويلاً يتلذذ بلحم الإنسان ويتلمَّظ بدمائه، إلى أن تمكَّن الحكماء في الصّين، ثمَّ الهند من إبطال أكل اللحم كليّاً، سدَّاً للباب، كما هو دأبهم إلى الآن. ثمَّ جاءت الشرائع الدينية الأولى في غربي آسيا بتخصيص ما يؤكل من الإنسان بأسير الحرب، ثمَّ بالقربان يُنذَر للمعبود، ويُذبَح على يد الكهان. ثمَّ أُبطِل أكلُ لحم القربان، وجُعِل طعمة للنيران، وهكذا تدرَّج الإنسان إلى نسيان لذَّة لحم إخوانه، وما كان لينسى عبادة إهراق الدِّماء لولا إبراهيم شيخ الأنبياء استبدل قربان البشر بالحيوان، واتَّبعه موسى عليهما
стр. 68
السلام، وبه جاء الإسلام. وهكذا بطل هذا العدوان بهذا الشكل إلا في أواسط أفريقيا عند (النامنام).
الاستبداد المشؤوم لم يرضَ أن يقتل الإنسان الإنسان ذبحاً ليأكل لحمه أكلاً كما كان يفعل الهمج الأولون، بل تفنَّن في الظلم، فالمستبدّون يأسرون جماعتهم، ويذبحونهم فصداً بمبضع الظلم، ويمتصون دماء حياتهم بغصب أموالهم، ويقصرون أعمارهم باستخدامهم سخرة في أعمالهم، أو بغصب ثمرات أتعابهم. وهكذا لا فرق بين الأولين والآخرين في نهب الأعمار وإزهاق الأرواح إلا في الشكل.
إنَّ بحث الاستبداد والمال بحثٌ قويُّ العلاقة بالظُّلم القائم في فطرة الإنسان، ولهذا؛ رأيت أن لا بأس في الاستطراد لمقدِّمات تتعلَّق نتائجها بالاستبداد السياسي، فمن ذلك:
إنَّ البشر المقدَّر مجموعهم بألف وخمسمائة مليون نصفهم كَلٌّ على النّصف الآخر، ويشكِّل أكثرية هذا النصف الكَلّ نساء المدن. ومن النّساء؟ النّساء هنَّ النّوع الذي عرف مقامه في الطبيعة بأنَّه هو الحافظ لبقاء الجنس، وأنَّه يكفي للألف منه ملقح واحد، وإنَّ باقي الذكور حظهم أن يُساقوا للمخاطر والمشاقّ، أو هم يستحقّون ما يستحقُّه ذكر النحل، وبهذا النظر اقتسمت النساء مع الذكور أعمال الحياة قسمةً ضيزى، وتحكَّمْن بسنِّ قانونٍ عام؛ به جعلن
стр. 69
نصيبهنَّ هيِّن الأشغال بدعوى الضّعف، وجعلن نوعهنَّ مطلوباً عزيزاً بإيهام العفّة، وجعلن الشجاعة والكرم سيئتين فيهنَّ محمدتين في الرجال، وجعلن نوعهنَّ يُهين ولا يُهان، ويظلم أو يُظلَم فيُعان؛ وعلى هذا القانون يربِّين البنات والبنين، ويتلاعبن بعقول الرِّجال كما يشأن حتى أنهن جعلن الذكور يتوهمون أنَّهن أجمل منهم صورةً. والحاصل أنَّه قد أصاب من سمَّاهنَّ بالنصف المضرِّ! ومن المشاهد أنَّ ضرر النساء بالرجال يترقّى مع الحضارة والمدنية على نسبة التَّرقي المضاعف. فالبدوية تشارك الرجل مناصفةً في الأعمال والثمرات، فتعيش كما يعيش، والحضرية تسلب الرّجل لأجل معيشتها وزينتها اثنين من ثلاث. وتُعينه في أعمال البيت. والمدنية تسلب ثلاثة من أربعة، وتودُّ أن لا تخرج من الفراش، وهكذا تترقَّى بنات العواصم في أسر الرِّجال. وما أصدق بالمدنية الحاضرة في أوروبا؛ أن تسمّى المدنية النسائية، لأنَّ الرِّجال فيها صاروا أنعاماً للنِّساء.
ثمَّ إنَّ الرِّجال تقاسموا مشاقَّ الحياة قسمةً ظالمةً أيضاً، فإنَّ أهل السياسة والأديان ومن يلتحق بهم - وعددهم لا يبلغ الخمسة في المائة - يتمتعون بنصف ما يتجمَّد في دم البشر أو زيادة، يُنفقون ذلك في الرَّفه والإسراف، مثال ذلك: أنَّهم يزيِّنون الشوارع بملايين من المصابيح لمرورهم فيها أحياناً متراوحين بين الملاهي والمواخير ولا يفكِّرون في ملايين من الفقراء يعيشون في بيوتهم في ظلام.
ثمَّ أهل الصنائع النفيسة والكمالية، والتجار الشَّرهون المحتكرون
стр. 70
وأمثال هذه الطبقة -ويقدَّرون كذلك بخمسة في المائة- يعيش أحدهم بمثل ما يعيش به العشرات أو المئات أو الألوف من الصُّنّاع والزُّرّاع. وجرثومة هذه القسمة المتفاوتة المتباعدة الظّالمة هي الاستبداد لا غيره. وهناك أصناف من النّاس لا يعملون إلا قليلاً، إنما يعيشون بالحيلة كالسماسرة والمشعوذين باسم الأدب أو الدين، وهؤلاء يُقدَّرون بخمسة عشر في المائة، أو يزيدون على أولئك.
نعم؛ لا يقتضي أن يتساوى العالم الذي صرف زهوة حياته في تحصيل العلم النافع أو الصنعة المفيدة بذاك الجاهل النائم في ظلِّ الحائط، ولا ذاك التاجر المجتهد المخاطر بالكسول الخامل، ولكن العدالة تقتضي غير ذلك التفاوت، بل تقتضي الإنسانية أن يأخذ الراقي بيد السّافل، فيقرِّبه من منزلته، ويقاربه من منزلته، ويُقاربه في معيشته، ويعينه على الاستقلال في حياته.
لا! لا! لا يطلب الفقير معاونة الغني، إنما يرجوه أن لا يظلمه، ولا يلتمس منه الرّحمة، إنما يلتمس العدالة، لا يؤمِّل منه الإنصاف، إنما يسأله أن لا يُميته في ميدان مزاحمة الحياة.
بَسَطَ المولى -جلّت حكمته- سلطان الإنسان على الأكوان، فطغى، وبغى، ونسي ربَّه وعبد المال والجمال، وجعلهما منيته ومبتغاه، كأنَّه خُلق خادماً لبطنه وعضوه فقط، لا شأن له غير الغذاء والتّحاك. وبالنظر إلى أنَّ المال هو الوسيلة الموصلة للجمال كاد ينحصر أكبر همٍّ للإنسان في جمع المال، ولهذا يُكنَّى عنه بمعبود الأمم وبسرِّ الوجود، وروى كريسكوا المؤرِّخ الروسي: إنَّ كاترينا شكت كسل رعيّتها، فأرشدها شيطانُها إلى حمل النِّساء على الخلاعة،
стр. 71
ففعلت وأحدثت كسوة المراقص، فهبَّ الشبّان للعمل وكسب المال لصرفه على ربّات الجمال، وفي ظرف خمس سنين؛ تضاعف دخل خزينتها، فاتَّسع لها مجال الإسراف. وهكذا المستبدّون لا تهمهم الأخلاق، إنَّما يهمهم المال.
المال عند الاقتصاديين: ما ينتفع به الإنسان، وعند الحقوقيين: ما يجري فيه المنع والبذل؛ وعند السياسيين: ما تُستعاض به القوة؛ وعند الأخلاقيين: ما تُحفظ به الحياة الشريفة. المال يستمدُّ من الفيض الذي أودعه الله تعالى في الطبيعة ونواميسها، ولا يملك؛ أي لا يتخصص بإنسان، إلا بعمل فيه أو في مقابله.
والمقصود من المال هو أحد اثنين لا ثالث لهما وهما: تحصيل لذّة أو دفع ألم، وفيهما تنحصر كلُّ مقاصد الإنسان، وعليهما مبنى أحكام الشرائع كلها، والحاكم المعتدل في طيّب المال وخبيثه؛ هو الوجدان الذي خلقه الله صبغةً للنّفس، وعبَّر عنه القرآن بإلهامها فجورها وتقواها، فالوجدان خيَّر بين المال الحلال والمال الحرام.
ثمَّ إنَّ أعمال البشر في تحصيل المال ترجع إلى ثلاثة أصول: ١ - استحضاره المواد الأصلية. ٢ - تهيئته المواد للانتفاع. ٣ - توزيعها على الناس. وهي الأصول التي تسمّى بالزراعة والصناعة والتجارة، وكلُّ وسيلة خارجة عن هذه الأصول وفروعها الأولية، فهي وسائل ظالمة لا خير فيها.
التموُّل؛ أي ادِّخار المال، طبيعة في بعض أنواع الحيوانات الدنيئة
стр. 72
كالنمل والنحل، ولا أثر له في الحيوانات المرتقية غير الإنسان. الإنسان تطبَّع على التموُّل لدواعي الحاجة المحقَّقة أو الموهومة، ولا تحقُّق للحاجة إلا عند سكان الأراضي الضيّقة الثمرات على أهلها، أو الأراضي المعرَّضة للقحط في بعض السنين، ويلتحق بالحاجة المحقَّقة حاجة العاجزين جسماً عن الارتزاق في البلاد المبتلاة بجور الطبيعة أو جور الاستبداد، وربما يلتحق بها أيضاً الصرف على المضطرين وعلى المصارف العمومية في البلاد التي ينقصها الانتظام العام.
والمراد بالانتظام العام، معيشة الاشتراك العمومي التي أسسها الإنجيل بتخصيصه عشر الأموال للمساكين، ولكن؛ لم يكد يخرج ذلك من القوة إلى الفعل، ثمَّ أحدث الإسلام سُنَّة الاشتراك على أتمِّ نظام، ولكن؛ لم تدم أيضاً أكثر من قرنٍ واحد كان فيه المسلمون لا يجدون من يدفعون لهم الصدقات والكفّارات، وذلك أنَّ الإسلامية - كما سبق بيانه- أسست حكومة أرستقراطية المبنى، ديمقراطية الإدارة، فوضعت للبشر قانوناً مؤسساً على قاعدة: إنَّ المال هو قيمة الأعمال، ولا يجتمع في يد الأغنياء إلا بأنواع من الغَلَبة والخداع.
فالعدالة المطلقة تقتضي أن يؤخذ قسمٌ من مال ويُردّ على الفقراء؛ بحيث يحصل التعديل ولا يموت النشاط للعمل. وهذه القاعدة يتمنّى ما هو من نوعها أغلب العالم المتمدن الإفرنجي، وتسعى وراءها الآن جمعيات منهم منتظمة مكوَّنة من ملايين كثيرة. وهذه الجمعيات تقصد حصول التساوي أو
стр. 73
التقارب في الحقوق المعاشية بين البشر، وتسعى ضدَّ الاستبداد المالي، فتطلب أنْ تكون الأراضي والأملاك الثابتة وآلات المعامل الصناعية الكبيرة مشتركة الشيوع بين عامة الأمة، وأنَّ الأعمال والثمرات تكون موزعة بوجوهٍ متقاربة بين الجميع، وأنَّ الحكومة تضع قوانين لكافة الشؤون حتى الجزئيات، وتقوم بتنفيذها.
وهذه الأصول مع بعض التعديل قررتها الإسلامية ديناً، وذلك أنها قررت:
أولاً- أنواع العشور والزكاة وتقسيمها على أنواع المصارف العامة وأنواع المحتاجين حتى المدينين. ولا يخفى على المدققين أنَّ جزءاً من أربعين من رؤوس الأموال يقارب نصف الأرباح المعتدلة باعتبار أنها خمسة بالمائة سنوياً، وبهذا النظر يكون الأغنياء مضاربين للجماعة مناصفةً. وهكذا يلحق فقراء الأمة بأغنيائها، ويمنع تراكم الثروات المفرطة المولِّدة للاستبداد، والمضرَّة بأخلاق الأفراد.
ثانياً- قررت أحكامٌ محكمة تمنع محذور التواكل في الارتزاق، وتُلزِم كلَّ فرد من الأمة متى اشتدَّ ساعده، أو ملك قوت يومه، أو النَّصّاب على الأكثر؛ أن يسعى لرزقه بنفسه، أو يموت الفرد جوعاً؛ إذا لم تكن حكومته مستبدّة تضرب على يده وسعيه ونشاطه بمدافع استبدادها، وقد قيل: يبدأ الانقياد للعمل عند نهاية الخوف من الحكومة ونهاية الاتِّكال على الغير.
стр. 74
ثالثاً- قررت الإسلامية ترك الأراضي الزراعية ملكاً لعامة الأمة، يستنبتها ويستمتع بخيراتها العاملون فيها بأنفسهم فقط، وليس عليهم غير العشر أو الخراج الذي لا يجوز أن يتجاوز الخمس لبيت المال.
رابعاً- جاءت الإسلامية بقواعد شرعية كليّة تصلح للإحاطة بأحكام كافة الشؤون حتى الجزئية الشخصية، وأناطت تنفيذها بالحكومة، كما تطلبه أغلب جمعيات الاشتراكيين. على أنَّ هذا النظام الذي جاء به الإسلام، صعب الإجراء جداً، لأنَّه منوط بسيطرة الكلّ ورضاء النفوس، ولأنَّ القانون الكثير الفروع يتعذَّر حفظه بسيطاً، ويكون معرَّضاً للتأويل حسب الأغراض، وللاختلاف في تطبيقه حسب الأهواء، كما وقع فعلاً في المسلمين، فلم يمكنهم إجراء شريعتهم ببساطة وأمان إلا عهداً قليلاً، ثمَّ تشعَّبت معهم الأمور بطبيعة اتِّساع الملك واختلاف طبائع الأمم، وفَقَدَ الرجال الذين يمكنهم أن يسوقوا مئات ملايين من أجناس الناس: الأبيض والأصفر، والحضري والبدوي، بعصا واحدة قروناً عديدة.
ولا غَرْوَ إذا كانت المعيشة الاشتراكية من أبدع ما يتصوَّره العقل، ولكن؛ مع الأسف لم يبلغ البشر بعد الترقّي ما يكفي لتوسيعهم نظام التعاون والتضامن في المعيشة العائلية إلى إدارة الأمم الكبيرة. وكم جرَّبت الأمم ذلك فلم تنجح فيها إلا الأمم الصغيرة مدة قليلة. والسبب كما تقدَّم هو مجرّد صعوبة التحليل والتركيب بين الصوالح والمصالح الكثيرة المختلفة. والمتأمِّل
стр. 75
في عدم انتظام حالة العائلات الكبيرة، يقنع حالاً بأنَّ التكافل والتضامن غير ميسورين في الأمم الكبيرة؛ ولهذا يكون خير حلٍّ مقدور للمسألة الاجتماعية هو ما يأتي:
١ - يكون الإنسان حرّاً مستقلاًّ في شؤونه، كأنه خُلِق وحده.
٢ - تكون العائلة مستقلة، كأنها أمة وحدها.
٣ - تكون القرية أو المدينة مستقلة كأنها قارّة واحدة لا علاقة لها بغيرها.
٤ - تكون القبائل في الشعب أو الأقاليم في المملكة كأنها أفلاك؛ كلٌّ منها مستقلٌّ في ذاته، لا يربطها بمركز نظامها الاجتماعي؛ وهو الجنس أو الدين أو الملك غير محض التجاذب المانع من الوقوع في نظام آخر لا يلائم طبائع حياتها.
ثمَّ إنَّ التموُّل لأجل الحاجات السالفة الذِّكر وبقدرها فقط محمودة بثلاثة شروط، وإلاّ كان التموّل من أقبح الخصال:
الشرط الأول: أن يكون المال بوجه مشروع حلال؛ أي بإحرازه من بذل الطبيعة، أو بالمعاوضة، أي في مقابل عمل، أو في مقابل ضمان على ما تقوم بتفصيله الشرائع المدنية.
следующие страницы →