Полный текст (175 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ففعلت وأحدثت كسوة المراقص، فهبَّ الشبّان للعمل وكسب المال لصرفه على ربّات الجمال، وفي ظرف خمس سنين؛ تضاعف دخل خزينتها، فاتَّسع لها مجال الإسراف. وهكذا المستبدّون لا تهمهم الأخلاق، إنَّما يهمهم المال.
المال عند الاقتصاديين: ما ينتفع به الإنسان، وعند الحقوقيين: ما يجري فيه المنع والبذل؛ وعند السياسيين: ما تُستعاض به القوة؛ وعند الأخلاقيين: ما تُحفظ به الحياة الشريفة. المال يستمدُّ من الفيض الذي أودعه الله تعالى في الطبيعة ونواميسها، ولا يملك؛ أي لا يتخصص بإنسان، إلا بعمل فيه أو في مقابله.
والمقصود من المال هو أحد اثنين لا ثالث لهما وهما: تحصيل لذّة أو دفع ألم، وفيهما تنحصر كلُّ مقاصد الإنسان، وعليهما مبنى أحكام الشرائع كلها، والحاكم المعتدل في طيّب المال وخبيثه؛ هو الوجدان الذي خلقه الله صبغةً للنّفس، وعبَّر عنه القرآن بإلهامها فجورها وتقواها، فالوجدان خيَّر بين المال الحلال والمال الحرام.
ثمَّ إنَّ أعمال البشر في تحصيل المال ترجع إلى ثلاثة أصول: ١ - استحضاره المواد الأصلية. ٢ - تهيئته المواد للانتفاع. ٣ - توزيعها على الناس. وهي الأصول التي تسمّى بالزراعة والصناعة والتجارة، وكلُّ وسيلة خارجة عن هذه الأصول وفروعها الأولية، فهي وسائل ظالمة لا خير فيها.
التموُّل؛ أي ادِّخار المال، طبيعة في بعض أنواع الحيوانات الدنيئة
стр. 72
كالنمل والنحل، ولا أثر له في الحيوانات المرتقية غير الإنسان. الإنسان تطبَّع على التموُّل لدواعي الحاجة المحقَّقة أو الموهومة، ولا تحقُّق للحاجة إلا عند سكان الأراضي الضيّقة الثمرات على أهلها، أو الأراضي المعرَّضة للقحط في بعض السنين، ويلتحق بالحاجة المحقَّقة حاجة العاجزين جسماً عن الارتزاق في البلاد المبتلاة بجور الطبيعة أو جور الاستبداد، وربما يلتحق بها أيضاً الصرف على المضطرين وعلى المصارف العمومية في البلاد التي ينقصها الانتظام العام.
والمراد بالانتظام العام، معيشة الاشتراك العمومي التي أسسها الإنجيل بتخصيصه عشر الأموال للمساكين، ولكن؛ لم يكد يخرج ذلك من القوة إلى الفعل، ثمَّ أحدث الإسلام سُنَّة الاشتراك على أتمِّ نظام، ولكن؛ لم تدم أيضاً أكثر من قرنٍ واحد كان فيه المسلمون لا يجدون من يدفعون لهم الصدقات والكفّارات، وذلك أنَّ الإسلامية - كما سبق بيانه- أسست حكومة أرستقراطية المبنى، ديمقراطية الإدارة، فوضعت للبشر قانوناً مؤسساً على قاعدة: إنَّ المال هو قيمة الأعمال، ولا يجتمع في يد الأغنياء إلا بأنواع من الغَلَبة والخداع.
فالعدالة المطلقة تقتضي أن يؤخذ قسمٌ من مال ويُردّ على الفقراء؛ بحيث يحصل التعديل ولا يموت النشاط للعمل. وهذه القاعدة يتمنّى ما هو من نوعها أغلب العالم المتمدن الإفرنجي، وتسعى وراءها الآن جمعيات منهم منتظمة مكوَّنة من ملايين كثيرة. وهذه الجمعيات تقصد حصول التساوي أو
стр. 73
التقارب في الحقوق المعاشية بين البشر، وتسعى ضدَّ الاستبداد المالي، فتطلب أنْ تكون الأراضي والأملاك الثابتة وآلات المعامل الصناعية الكبيرة مشتركة الشيوع بين عامة الأمة، وأنَّ الأعمال والثمرات تكون موزعة بوجوهٍ متقاربة بين الجميع، وأنَّ الحكومة تضع قوانين لكافة الشؤون حتى الجزئيات، وتقوم بتنفيذها.
وهذه الأصول مع بعض التعديل قررتها الإسلامية ديناً، وذلك أنها قررت:
أولاً- أنواع العشور والزكاة وتقسيمها على أنواع المصارف العامة وأنواع المحتاجين حتى المدينين. ولا يخفى على المدققين أنَّ جزءاً من أربعين من رؤوس الأموال يقارب نصف الأرباح المعتدلة باعتبار أنها خمسة بالمائة سنوياً، وبهذا النظر يكون الأغنياء مضاربين للجماعة مناصفةً. وهكذا يلحق فقراء الأمة بأغنيائها، ويمنع تراكم الثروات المفرطة المولِّدة للاستبداد، والمضرَّة بأخلاق الأفراد.
ثانياً- قررت أحكامٌ محكمة تمنع محذور التواكل في الارتزاق، وتُلزِم كلَّ فرد من الأمة متى اشتدَّ ساعده، أو ملك قوت يومه، أو النَّصّاب على الأكثر؛ أن يسعى لرزقه بنفسه، أو يموت الفرد جوعاً؛ إذا لم تكن حكومته مستبدّة تضرب على يده وسعيه ونشاطه بمدافع استبدادها، وقد قيل: يبدأ الانقياد للعمل عند نهاية الخوف من الحكومة ونهاية الاتِّكال على الغير.
стр. 74
ثالثاً- قررت الإسلامية ترك الأراضي الزراعية ملكاً لعامة الأمة، يستنبتها ويستمتع بخيراتها العاملون فيها بأنفسهم فقط، وليس عليهم غير العشر أو الخراج الذي لا يجوز أن يتجاوز الخمس لبيت المال.
رابعاً- جاءت الإسلامية بقواعد شرعية كليّة تصلح للإحاطة بأحكام كافة الشؤون حتى الجزئية الشخصية، وأناطت تنفيذها بالحكومة، كما تطلبه أغلب جمعيات الاشتراكيين. على أنَّ هذا النظام الذي جاء به الإسلام، صعب الإجراء جداً، لأنَّه منوط بسيطرة الكلّ ورضاء النفوس، ولأنَّ القانون الكثير الفروع يتعذَّر حفظه بسيطاً، ويكون معرَّضاً للتأويل حسب الأغراض، وللاختلاف في تطبيقه حسب الأهواء، كما وقع فعلاً في المسلمين، فلم يمكنهم إجراء شريعتهم ببساطة وأمان إلا عهداً قليلاً، ثمَّ تشعَّبت معهم الأمور بطبيعة اتِّساع الملك واختلاف طبائع الأمم، وفَقَدَ الرجال الذين يمكنهم أن يسوقوا مئات ملايين من أجناس الناس: الأبيض والأصفر، والحضري والبدوي، بعصا واحدة قروناً عديدة.
ولا غَرْوَ إذا كانت المعيشة الاشتراكية من أبدع ما يتصوَّره العقل، ولكن؛ مع الأسف لم يبلغ البشر بعد الترقّي ما يكفي لتوسيعهم نظام التعاون والتضامن في المعيشة العائلية إلى إدارة الأمم الكبيرة. وكم جرَّبت الأمم ذلك فلم تنجح فيها إلا الأمم الصغيرة مدة قليلة. والسبب كما تقدَّم هو مجرّد صعوبة التحليل والتركيب بين الصوالح والمصالح الكثيرة المختلفة. والمتأمِّل
стр. 75
في عدم انتظام حالة العائلات الكبيرة، يقنع حالاً بأنَّ التكافل والتضامن غير ميسورين في الأمم الكبيرة؛ ولهذا يكون خير حلٍّ مقدور للمسألة الاجتماعية هو ما يأتي:
١ - يكون الإنسان حرّاً مستقلاًّ في شؤونه، كأنه خُلِق وحده.
٢ - تكون العائلة مستقلة، كأنها أمة وحدها.
٣ - تكون القرية أو المدينة مستقلة كأنها قارّة واحدة لا علاقة لها بغيرها.
٤ - تكون القبائل في الشعب أو الأقاليم في المملكة كأنها أفلاك؛ كلٌّ منها مستقلٌّ في ذاته، لا يربطها بمركز نظامها الاجتماعي؛ وهو الجنس أو الدين أو الملك غير محض التجاذب المانع من الوقوع في نظام آخر لا يلائم طبائع حياتها.
ثمَّ إنَّ التموُّل لأجل الحاجات السالفة الذِّكر وبقدرها فقط محمودة بثلاثة شروط، وإلاّ كان التموّل من أقبح الخصال:
الشرط الأول: أن يكون المال بوجه مشروع حلال؛ أي بإحرازه من بذل الطبيعة، أو بالمعاوضة، أي في مقابل عمل، أو في مقابل ضمان على ما تقوم بتفصيله الشرائع المدنية.
стр. 76
والشرط الثاني: أن لا يكون في التموّل تضييق على حاجيات الغير كاحتكار الضروريات، أو مزاحمة الصنّاع والعمال الضعفاء، أو التغلُّب على المباحات؛ مثل امتلاك الأراضي التي جعلها خالقها ممرحاً لكافة مخلوقاته، وهي أمهم ترضعهم لبن جهازاتها، وتغذّيهم بثمراتها، وتأويهم في حضن أجزائها، فجاء المستبدّون الظالمون الأولون ووضعوا أصولاً لحمايتها من أبنائها وحالوا بينهما. فهذه إيرلندة -مثلاً- قد حماها ألف مستبدّ مالي من الإنكليز، ليتمتعوا بثلثي أو ثلاثة أرباع ثمرات أتعاب عشرة ملايين من البشر الذين خُلِقوا من تربة إيرلندة. وهذه مصر وغيرها تقرب من ذلك حالاً وستفوقها مالاً، وكم من البشر في أوربا المتمدنة، وخصوصاً في لندرة وباريس، لا يجد أحدهم أرضاً ينام عليها متمدداً، بل ينامون في الطبقة السفلى من البيوت؛ حيث لا ينام البقر، وهم قاعدون صفوفاً يعتمدون بصدورهم على حبالٍ من مسد منصوبة أفقية يتلوون عليها يمنةً ويسرة.
وحكومة الصين المختلّة النظام في نظر المتمدنين، لا تجيز قوانينها أن يمتلك الشّخص الواحد أكثر من مقدار معين من الأرض لا يتجاوز العشرين كيلومتراً مربعاً؛ أي نحو خمسة أفدن مصرية أو ثلاثة عشر دونماً عثمانياً. وروسيا المستبدّة القاسية في عُرف أكثر الأوربيين وضعت -أخيراً- لولايتها البولونية الغربية قانوناً أشبه بقانون الصين، وزادت عليه أنَّها منعت سماع دعوى دينٍ مسجّل على فلاح، ولا تأذن لفلاحٍ أن يستدين أكثر من نحو خمسمائة فرنك. وحكومات الشّرق إذا لم تستدرك الأمر فتضع قانوناً من
стр. 77
قبيل قانون روسيا، تصبح الأراضي الزراعية بعد خمسين عاماً أو قرن على الأكثر كإيرلندة الإنكليزية المسكينة، التي وجدت لها في مدى ثلاثة قرون شخصاً واحداً حاول أن يرحمها فلم يُفلح؛ وأعني به غلادستون، على أنَّ الشرق ربما لا يجد في ثلاثين قرناً من يلتمس له الرَّحمة.
والشرط الثالث لجواز التمّول، هو: ألا يتجاوز المال قدر الحاجة بكثير، لأن إفراط الثروة مهلكة للأخلاق الحميدة في الإنسان، وهذا معنى الآية: ﴿كلا إنَّ الإنسان ليطغى*أن رآه استغنى﴾، والشرائع السماوية كلُّها، وكذلك الحكمة الأخلاقية والعمرانية حرَّمت الربا؛ صيانةً لأخلاق المرابين من الفساد، لأنَّ الربا: هو كسب بدون مقابل مادي؛ ففيه معنى الغصب، وبدون عمل؛ لأنَّ المرابي يكسب وهو نائم؛ ففيه الأُلفة على البطالة، ومن دون تعرُّض لخسائر طبيعية كالتجارة والزراعة والأملاك؛ ففيه النماء المطلق المؤدي لانحصار الثروات. ومن القواعد الاقتصادية المتَّفق عليها أنْ ليس من كسب لا عار ولا احتكار فيه أربح من الربا مهما كان معتدلاً، وأنَّ بالربا تربو الثروات فيختلُّ التساوي أو التقارب بين النّاس.
وقد نظر المالّيون وبعض الاقتصاديين من أنصار الاستبداد في أمر الرِّبا، فقالوا: إنَّ المعتدل منه نافع، بل لا بدَّ منه. أولاً: لأجل قيام المعاملات الكبيرة، وثانياً: لأجل أنَّ النقود الموجودة لا تكفي للتداول، فكيف إذا أمسك المكتنزون قسماً منها أيضاً؟! وثالثاً: لأجل أنَّ كثيرين من المتمولين لا يعرفون طرائق الاسترباح أو لا يقدرون عليها، كما أنَّ كثيراً من العارفين بها لا يجدون رؤوس أموال ولا شركاء عنان. فهذا النظر
стр. 78
صحيح من وجه إنماء ثروات بعض الأفراد. أما السياسيون الاشتراكيو المبادئ والأخلاقيون، فينظرون إلى أنَّ ضرر الثروات الأفرادية في جمهور الأمم أكبر من نفعها. لأنها تمكِّن الاستبداد الداخلي، فتجعل الناس صنفين: عبيداً وأسياداً، وتقوّي الاستبداد الخارجي، فتسهِّل للأمم التي تغنى بغناء أفرادها التعدّي على حرية استقلال الأمم الضعيفة. وهذه مقاصد فاسدة في نظر الحكمة والعدالة؛ ولذلك يقتضي تحريم الرِّبا تحريماً مغلَّظاً.
حِرْص التموُّل، وهو الطمع القبيح، يخفُّ كثيراً عند أهالي الحكومات العادلة المنتظمة ما لم يكن فساد الأخلاق منغلباً على الأهالي، كأكثر الأمم المتمدِّنة في عهدنا؛ لأنَّ فساد الأخلاق يزيد في الميل إلى التموُّل في نسبة الحاجة الإسرافية، ولكنَّ تحصيل الثروة الطائلة في عهد الحكومة العادلة عسيرٌ جداً، وقد لا يتأتى إلا من طريق المراباة مع الأمم المنحطّة، أو التجارة الكبيرة التي فيها نوع احتكار، أو الاستعمار في البلاد البعيدة مع المخاطرات، على أنَّ هذه الصعوبة تكون مقرونة بلذّة عظيمة من نوع لذّة من يأكل ما طبخ، أو يسكن ما بنى.
وحِرْص التموّل القبيح يشتدُّ في رؤوس الناس في عهد الحكومات المستبدِّة؛ حيث يسهل فيها تحصيل الثروة بالسرقة من بيت المال، وبالتعدّي على الحقوق العامة، وبغصب ما في أيدي الضعفاء، ورأس مال ذلك هو أنْ يترك
стр. 79
الإنسان الدِّين والوجدان والحياء جانباً وينحطَّ في أخلاقه إلى ملائمة المستبدّ الأعظم، أو أحد أعوانه وعماله، ويكفيه وسيلةً أن يتّصل بباب أحدهم ويتقرَّب من أعتابه، ويظهر له أنَّه في الأخلاق من أمثاله وعلى شاكلته، ويبرهن له ذلك بأشياء من التملُّق وشهادة الزور، وخدمة الشهوات، والتجسس، والدلالة على السّلب ونحو ذلك. ثمَّ قد يطلع هذا المنتسب على بعض الخفايا والأسرار التي يخاف رجال الاستبداد من ظهورها خوفاً حقيقياً أو وهمياً، فيكسب المنتسب رسوخ القدم ويصير هو باباً لغيره، وهكذا يحصل على الثروة الطائلة إذا ساعدته الظروف على الثّبات طويلاً. وهذا أعظم أبواب الثروة في الشرق والغرب، ويليه الاتِّجار بالدّين، ثمَّ الملاهي، ثمَّ الربا الفاحش، وهي بئس المكاسب وبئس ما تؤثِّر في إفساد أخلاق الأمم.
وقد ذكر المدققون أنَّ ثروة بعض الأفراد في الحكومات العادلة أضرّ كثيراً منها في الحكومات المستبدَّة؛ لأنَّ الأغنياء في الأولى يصرفون قوّتهم المالية في إفساد أخلاق الناس وإخلال المساواة وإيجاد الاستبداد، أمّا الأغنياء في الحكومات المستبدّة فيصرفون ثروتهم في الأبَّهة والتعاظم إرهاباً للناس، وتعويضاً للسّفالة المنصبّة عليهم بالتغالي الباطل، ويسرفون الأموال في الفسق والفجور.
بناءً عليه؛ ثروة هؤلاء يتعجّلها الزوال؛ حيث يغصبها الأقوى منهم من الأضعف، وقد يسلبها المستبدُّ الأعظم في لحظةٍ وبكلمة. وتزول أيضاً - والحمد لله- قبل أن يتعلّم أصحابها أو ورثتهم كيف تُحفظ الثروات، وكيف تنمو،
стр. 80
وكيف يستعبدون بها الناس استعباداً أصولياً مستحكماً، كما هو الحال في أوربا المتمدنة المهدَّدة بشروط الفوضويين بسبب اليأس من مقاومة الاستبداد المالي فيها.
ومن طبائع الاستبداد أنَّه لا يظهر فيه أثرُ فقر الأمة ظهوراً بياناً إلا فجأةً قُرَيب قضاء الاستبداد نحبه. وأسباب ذلك أنَّ الناس يقتصدون في النسل، وتكثر وفياتهم، ويكثر تغرّبهم، ويبيعون أملاكهم من الأجانب، فتتقلّص الثروة، وتكثر النقود بين الأيدي. وبئست من ثروة ونقود تشبه نشوة المذبوح.
ولنرجع إلى بحث طبيعة الاستبداد في مطلق المال فأقول: إنَّ الاستبداد يجعل المال في أيدي الناس عرضةً لسلب المستبدّ وأعوانه وعمّاله غصباً، أو بحجةٍ باطلة، وعرضةً أيضاً لسلب المعتدين من اللصوص والمحتالين الراتعين في ظلِّ أمان الإدارة الاستبدادية. وحيث المال لا يُحصَل إلا بالمشقّة، فلا تختار النفوس الإقدام على المتاعب مع عدم المنِّ على الانتفاع بالثمرة.
حِفْظُ المال في عهد الإدارة المستبدّة أصعب من كسبه؛ لأنَّ ظهور أثره على صاحبه مجلبة لأنواع البلاء عليه، ولذلك يُضطر الناس زمن الاستبداد لإخفاء نعمة الله والتّظاهر بالفقر والفاقة، ولهذا ورد في أمثال الأُسراء أنَّ حفظ درهم من الذهب يحتاج إلى قنطار من العقل، وأنَّ العاقل من يخفي ذهبه وذهابه ومذهبه، وأنَّ أسعد الناس الصعلوك الذي لا يعرف الحكّام
стр. 81
ولا يعرفونه.
ومن طبائع الاستبداد، أنَّ الأغنياء أعداؤه فكراً وأوتاده عملاً، فهم ربائط المستبدِّ، يذلُّهم فيئنّون، ويستدرّهم فيحنّون، ولهذا يرسخ الذلُّ في الأمم التي يكثر أغنياؤها. أما الفقراء فيخافهم المستبدُّ خوف النعجة من الذئاب، ويتحبب إليهم ببعض الأعمال التي ظاهرها الرأفة، يقصد بذلك أن يغصب أيضاً قلوبهم التي لا يملكون غيرها. والفقراء كذلك يخافونه خوف دناءةٍ ونذالة، خوف البغاث من العقاب، فهم لا يجسرون على الافتكار فضلاً عن الإنكار، كأنهم يتوهَّمون أنَّ داخل رؤوسهم جواسيس عليهم. وقد يبلغ فساد الأخلاق في الفقراء أن يسرّهم فعلاً رضاء المستبدِّ عنهم بأيِّ وجهٍ كان رضاؤه.
وقد خالف الأخلاقيون المتأخِّرون أسلافهم في قولهم، ليس الفقراء بعيب، فقالوا: الفقر أبو المعائب؛ لأنه مفتقرٌ للغير، والغناء استغناءٌ عن النّاس، ثمَّ قالوا: الفقر يذهب بعزّة النفس، ويفضي إلى خلع الحياء، وقالوا: إنَّ لحسن اللباس والأمتعة والتنعّم في المعيشة تأثيراً مهماً على نفوس البشر، خلافاً لمن يقول: ليس المرء بطيلسانه، وحديث (اخشوشنوا، فإن النعم لا تدوم) هو لأنّه يحمل على التعوّد جسماً على المشاقّ في الحروب والأسفار وعند الحاجة. فقالوا: إنَّ رغد العيش ونعيمه لمن أعظم الحاجات، به تعلو الهمم، ولأجله تُقتَحم العظائم.
يُقال في مدح المال: إنَّ ما يحلُّ المشكلات الزمان والمال. القوة
стр. 82
كانت للعصبية، ثمَّ صارت للعلم، ثمَّ صارت للمال. العلم والمال يُطيلان عمر الإنسان؛ حيث يجعلان شيخوخته كشبابه. لا يُصان الشّرف إلا بالدمّ، ولا يتأتى العزُّ إلا بالمال. وقد مضى مجد الرجال وجاء مجد المال. وورد في الأثر: إنَّ اليد العليا خيرٌ من اليد السفلى. وأنَّ الغني الشاكر أفضل من الفقير الصابر. ولم يكن قديماً أهمية للثروة العمومية، أما الآن وقد صارت المحاربات محض مغالبة وعلم ومال، فأصبح للثروة العمومية أهمية عظمى لأجل حفظ الاستقلال، على أنَّ الأمم المأسورة لا نصيب لها من الثروة العمومية، بل منزلتها في المجتمع الإنساني كأنعام تتناقلها الأيدي، ولا تعارض هذه القاعدة ثروة اليهود؛ لأنها ثروة غير مزاحمين عليها، لأنها فيما يقوله أعداؤه فيها: ثروة رأسمالها الناموس، ومصرفها الملاهي والمقامرة والربا والغشّ والمضاربات، ولا يخلو هذا القول من التحامل عليهم حسداً ممن يقدمون إقدامهم ولا ينالون منالهم.
هذا وللمال الكثير آفات على الحياة الشريفة ترتعد منها فرائص أهل الفضيلة والكمال، الذين يفضلون الكفاف من الرِّزق مع حفظ الحرية والشرف على امتلاك دواعي الترف والسّرف، وينظرون إلى المال الزائد عن الحاجة الكمالية أنّه بلاء في بلاء في بلاء؛ أي أنّه بلاءٌ من حيث الافتكار بإنمائه، وأما المكتفي فيعيش مطمئناً مستريحاً أميناً بعض الأمن على دينه وشرفه وأخلاقه.
стр. 83
قرر الأخلاقيون أنَّ الإنسان لا يكون حراً تماماً ما لم تكن له صنعة مستقلٌّ فيها؛ أي غير مرؤوس لأحد، لأن حريته الشخصية تكون تابعة لارتباطه بالرؤساء. وعليه تكون أقبح الوظائف هي وظائف الحكومة. وقالوا: إنَّ للصنعة تأثيراً في الأخلاق والأميال، وهي من أصدق ما يُستَدلُّ به على أحوال الأفراد والأقوام. فالموظفون في الحكومة مثلاً يفقدون الشفقة والعواطف العالية تبعاً لصنعتهم التي من مقتضاها عدم الشعور بتبعة أعمالهم، وقال الحكماء: إنَّ العاجز يجمع المال بالتقتير، والكريم يجمعه بالكسب، وقالوا: إنَّ أقل كسب يرضى به العاقل ما يكفي معاشه باقتصاد، وقالوا: خير المال ما يكفي صاحبه ذلّ القلة وطغيان الكثرة. وهذا معنى الحديث (فاز المخففون) وحديث (اسألوا الله الكفاف من الرزق). ويُقال: الغنى غنى القلب، والغني من قلَّت حاجته، والغني من استغنى عن الناس. وقال بعض الحكماء: كلُّ إنسانٍ فقير بالطبع ينقصه مثل ما يملك، فمن يملك عشرة يرى نفسه محتاجاً لعشرة أخرى، ومن يملك ألفاً يرى نفسه محتاجاً لألفٍ أخرى. وهذا معنى الحديث: (لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب أحبَّ أن يكون له واديان).
ولا يقصد الأخلاقيون من التزهيد في المال التثبيط عن كسبه، إنما يقصدون أن لا يتجاوز كسبه بالطرائق الطبيعية الشريفة. أما السياسيون فلا يهمهم إلا أن تستغني الرعية بأي وسيلة كانت، والغربيون منهم يُعينون الأمة على الكسب ليشاركوها، والشرقيون لا يفتكرون في غير سلب الموجود، وهذه من جملة الفروق بين الاستبدادين الغربي والشرقي، التي منها أنَّ الاستبداد
стр. 84
الغربي يكون أحكم وأرسخ وأشدّ وطأةً، ولكنْ؛ مع اللّين، والشرقي يكون مقلقلاً سريع الزوال، ولكنّه يكون مزعجاً. ومنها أنَّ الاستبداد الغربي إذا زال تبدّل بحكومة عادلة تُقيم ما ساعدت الظروف أن تقيم، أما الشرقي فيزول ويخلفه استبداد شرٌّ منه؛ لأنَّ من دأب الشرقيين أن لا يفتكروا في مستقبل قريب، كأنَّ أكبر همهم منصرف إلى ما بعد الموت فقط، أو أنهم مبتلون بقصر النظر.
وخلاصة القول: إنَّ الاستبداد داءٌ أشدُّ وطأةً من الوباء، أكثر هولاً من الحريق، أعظم تخريباً من السّيل، أذلُّ للنفوس من السؤال. داءٌ إذا نزل بقومٍ سمعت أرواحهم هاتف السماء ينادي القضاء القضاء، والأرض تناجي ربّها بكشف البلاء. الاستبداد عهدٌ؛ أشقى الناس فيه العقلاء والأغنياء، وأسعدهم بمحياه الجهلاء والفقراء، بل أسعدهم أولئك الذين يتعجّلون الموت فيحسدهم الأحياء.
стр. 85
الاستبداد والأخلاق
الاستبداد يتصرَّف في أكثر الأميال الطبيعية والأخلاق الحسنة، فيُضعفها، أو يُفسدها، أو يمحوها، فيجعل الإنسان يكفر بنِعَم مولاه؛ لأنه لم يملكها حقّ الملك ليحمده عليها حقّ الحمد، ويجعله حاقداً على قومه؛ لأنهم عونٌ لبلاء الاستبداد عليه، وفاقداً حبّ وطنه؛ لأنَّه غير آمن على الاستقرار فيه، ويودُّ لو انتقل منه، وضعيف الحبِّ لعائلته؛ لأنه يعلم منهم أنَّهم مثله لا يملكون التكافؤ، وقد يُضطرّون لإضرار صديقهم، بل وقتله وهم باكون. أسيرُ الاستبداد لا يملك شيئاً ليحرص على حفظه؛ لأنَّه لا يملك مالاً غير معرَّض للسّلب ولا شرفاً غير معرَّض للإهانة. ولا يملك الجاهل منه آمالاً مستقبلة ليتبعها ويشقى كما يشقى العاقل في سبيلها.
وهذه الحال تجعل الأسير لا يذوق في الكون لذةً نعيم، غير بعض الملذّات البهيمية. بناءً عليه؛ يكون شديد الحرص على حياته الحيوانية وإنْ كانت
стр. 86
تعيسة، وكيف لا يحرص عليها وهو لا يعرف غيرها؟! أين هو من الحياة الأدبية؟! أين هو من الحياة الاجتماعية؟! أمَّا الأحرار فتكون منزلة حياتهم الحيوانية عندهم بعد مراتب عديدة، ولا يعرف ذلك إلا من كان منهم، أو كشف عن بصيرته.
ومثال الأسراء في حرصهم على حياتهم الشيوخ، فإنَّهم عندما تمسي حياتهم كلُّها أسقاماً وآلاماً ويقربون من أبواب القبور، يحرصون على حياتهم أكثر من الشباب في مقتبل العمر، في مقتبل الملاذ، في مقتبل الآمال.
الاستبداد يسلب الرّاحة الفكرية، فيضني الأجسام فوق ضناها بالشقاء، فتمرض العقول، ويختلُّ الشعور على درجات متفاوتة في الناس. والعوام الذين هم قليلو المادة في الأصل قد يصل مرضهم العقلي إلى درجة قريبة من عدم التمييز بين الخير والشر، في كلِّ ما ليس من ضروريات حياتهم الحيوانية. ويصل تسفُّل إدراكهم إلى أنَّ مجرّد آثار الأبَّهة والعظمة التي يرونها على المستبدّ وأعوانه تبهر أبصارهم، ومجرّد سماع ألفاظ التفخيم في وصفه وحكايات قوته وصولته يزيغ أفكارهم، فيرون ويفكرون أنَّ الدواء في الداء، فينصاعون بين يدي الاستبداد انصياع الغنم بين أيدي الذئاب؛ حيث هي تجري على قدميها جاهدةً إلى مقرِّ حتفها.
ولهذا كان الاستبداد يستولي على تلك العقول الضعيفة فضلاً عن الأجسام فيفسدها كما يريد، ويتغلّب على تلك الأذهان الضئيلة، فيشوش فيها الحقائق، بل البديهيات كما يهوى، فيكون مَثَلُهم في انقيادهم الأعمى للاستبداد
стр. 87
ومقاومتهم للرشد والإرشاد، مثل تلك الهوام التي تترامى على النار، وكم هي تغالب من يريد حجزها على الهلاك. ولا غرابة في تأثير ضعف الأجسام على الضعف في العقول، فإنَّ في المرضى وخفّة عقولهم، وذوي العاهات ونقص إدراكهم، شاهداً بيّناً كافياً يُقاس عليه نقص عقول الأُسراء البؤساء بالنسبة إلى الأحرار السعداء، كما يظهر الحال أيضاً بأقلّ فرق بين الفئتين، من الفرق البيّن في قوة الأجسام وغزارة الدّم واستحكام الصحة وجمال الهيئات.
ربما يستريب المطالع اللبيب الذي لم يُتعب فكره في درس طبيعة الاستبداد، من أنَّ الاستبداد المشؤوم كيف يقوم على قلب الحقائق، مع أنَّه إذا دقّق النظر يتجلى له أنَّ الاستبداد يقلب الحقائق في الأذهان. يرى أنَّه كم مكّن بعض القياصرة والملوك الأولين من التلاعب بالأديان تأييداً لاستبدادهم فاتَّبعهم الناس. ويرى أنَّ الناس وضعوا الحكومات لأجل خدمتهم، والاستبداد قلب الموضوع، فجعل الرعية خادمة للرعاة، فقبلوا وقنعوا. ويرى أنَّ الاستبداد ما ساقهم إليه من اعتقاد أنَّ طالب الحقِّ فاجرٌ، وتارك حقّه مطيع، والمشتكي المتظلِّم مفسد، والنّبيه المدقق ملحد، والخامل المسكين صالح أمين. وقد اتَّبع الناس الاستبداد في تسميته النصح فضولاً، والغيرة عداوة، والشّهامة عتوّاً، والحمية حماقة، والرحمة مرضاً، كما جاروه على اعتبار أنَّ النِّفاق سياسة، والتحيُّل كياسة، والدناءة لطف، والنذالة دماثة.
стр. 88
ولا غرابة في تحكُّم الاستبداد على الحقائق في أفكار البسطاء، إنما الغريب إغفاله كثيراً من العقلاء، ومنهم جمهور المؤرِّخين الذين يُسمّون الفاتحين الغالبين بالرِّجال العظام، وينظرون إليهم نظر الإجلال والاحترام لمجرّد أنَّهم كانوا أكثر في قتل الإنسان، وأسرفوا في تخريب العمران. ومن هذا القبيل في الغرابة إعلاء المؤرِّخين قدر من جاروا المستبدين، وحازوا القبول والوجاهة عند الظالمين. وكذلك افتخار الأخلاق بأسلافهم المجرمين الذين كانوا من هؤلاء الأعوان الأشرار.
وقد يظنُّ بعض الناس أنَّ للاستبداد حسناتٍ مفقودة في الإدارة الحرّة، فيقولون مثلاً: الاستبداد يليّن الطباع ويلطِّفها، والحقُّ أنَّ ذلك يحصل فيه عن فقد الشهامة لا عن فقد الشراسة. ويقولون: الاستبداد يُعلِّم الصغير الجاهل حسن الطاعة والانقياد للكبير الخبر، والحقُّ أنَّ هذا فيه عن خوف وجبانة لا عن اختيارٍ وإذعان. ويقولون: هو يربّي النفوس على الاعتدال والوقوف عند الحدود، والحقُّ أنْ ليس هناك غير انكماشٍ وتقهقر. ويقولون: الاستبداد يقلل الفسق والفجور، والحقُّ أنَّه عن فقر وعجر، لا عن عفّةٍ أو دين. ويقولون: هو يقلل التعديات والجرائم، والحقُّ أنَّه يمنع ظهورها ويخفيها، فيقلُّ تعديدها لا عدادها.
الأخلاق أثمار بذرها الوراثة، وتربتها التربية، وسُقياها العلم، والقائمون
стр. 89
عليها هم رجال الحكومة، بناءً عليه؛ تفعل السياسة في أخلاق البشر ما تفعله العناية في إنماء الشجر.
نعم: الأقوام كالآجام، إن تُرِكت مهملة تزاحمت أشجارها وأفلاذها، وسقُم أكثرها، وتغلَّب قويّها على ضعيفها فأهلكه، وهذا مثل القبائل المتوحِّشة. وإن صادفت بستانياً يهمه بقاؤها وزهوها فدبّرها حسبما تطلبه طباعها، قويت وأينعت وحسُنت ثمارها، وهذا مثل الحكومة العادلة. وإذا بُليت ببستانيٍّ جدير بأن يسمّى حطّاباً لا يعنيه إلا عاجل الاكتساب، أفسدها وخرّبها، وهذا مثل الحكومة المستبدّة. ومتى كان الحطّاب غريباً لم يُخلق من تراب تلك الديار وليس له فيها فخار ولا يلحقه منها عار، إنّما همّه الحصول على الفائدة العاجلة ولو باقتلاع الأصول، فهناك الطّامة وهناك البوار. فبناءً على هذا المثال، يكون فِعلُ الاستبداد في أخلاق الأمم فِعل ذلك الحطّاب الذي لا يُرجى منه غير الإفساد.
لا تكون الأخلاق أخلاقاً ما لم تكن ملكة مُطردة على قانون فطري تقتضيه أولاً وظيفة الإنسان نحو نفسه؛ وثانياً وظيفته نحو عائلته؛ وثالثاً وظيفته نحو قومه؛ ورابعاً وظيفته نحو الإنسانية؛ وهذا القانون هو ما يسمّى عند الناس بالناموس.
ومن أين لأسير الاستبداد أن يكون صاحب ناموس، وهو كالحيوان المملوك العنان، يُقاد حيث يُراد، ويعيش كالريش، يهبُّ، حيث يهبُّ الريح، لا نظام ولا إرادة؟ وما هي الإرادة؟ هي أمُّ الأخلاق، هي ما قيل فيها تعظيماً لشأنها:
стр. 90
لو جازت عبادة غير الله لاختار العقلاء عبادة الإرادة! هي تلك الصفة التي تفصل الحيوان عن النّبات في تعريفه بأنّه متحرك بالإرادة. فالأسير، إذن، دون الحيوان لأنّه يتحرّك بإرادة غيره لا بإرادة نفسه. ولهذا قال الفقهاء: لا نيّة للرقيق في كثير من أحواله، إنما هو تابع لنيّة مولاه. وقد يُعذر الأسير على فساد أخلاقه؛ لأنَّ فاقد الخيار غير مؤاخذ عقلاً وشرعاً.
أسير الاستبداد لا نظام في حياته، فلا نظام في أخلاقه، قد يصبح غنياً فيضحي شجاعاً كريماً، وقد يمسي فقيراً فيبيت جباناً خسيساً، وهكذا كلُّ شؤونه تشبه الفوضى لا ترتيب فيها، فهو يتبعها بلا وجهة. أليس الأسير قد يُرهق، ويسيء كثيراً فيُعفى، وقليلاً فيُشنق، ويجوع يوماً فيضوى، ويخصب يوماً فيتخم، يريد أشياء فيُمنَع، ويأبى شيئاً فيُرغم؟! وهكذا يعيش كما تقتضيه الصُّدف أن يعيش، ومن كانت هذه حاله كيف يكون له أخلاق، وإنْ وجد ابتداء يتعذر استمراره عليه؟! ولهذا لا تجوّز الحكمة الحُكمَ على الأسراء بخيرٍ أو شرّ.
أقلُّ ما يؤثّره الاستبداد في أخلاق الناس، أنَّه يرغم حتى الأخيار منهم على إلفة الرّياء والنفاق ولبئس السيّئتان، وإنه يعين الأشرار على إجراء غيّ نفوسهم آمنين من كلِّ تبعة ولو أدبية، فلا اعتراض ولا انتقاد ولا افتضاح، لأنَّ أكثر أعمال الأشرار تبقى مستورة، يلقي عليها الاستبداد رداء خوف الناس من تبعة الشهادة على ذي شرّ وعقبى ذكر الفاجر بما فيه. ولهذا،
стр. 91
شاعت بين الأسراء قواعد كثيرة باطلة كقولهم: إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، وقولهم: البلاء موكولٌ بالمنطق. وقد تغالى وعّاظهم في سدِّ أفواههم حتى جعلوا لهم أمثال هذه الأقوال من الحِكَم النبوية، وكم هجوا لهم الهجو والغيبة بلا قيد، فهم يقرؤون: ﴿لا يحبُّ اللهُ الجهر بالسّوء من القول﴾ ويغفلون بقية الآية، وهي: ﴿إلاّ من ظُلِم﴾.
أقوى ضابط للأخلاق النهي عن المنكر بالنصيحة والتوبيخ؛ أي بحرص الأفراد على حراسة نظام الاجتماع، وهذه الوظيفة غير مقدور عليها في عهد الاستبداد لغير ذوي المنعة وقليل ما هم، وقليلاً ما يفعلون، وقليلاً ما يفيد نهيهم؛ لأنه لا يمكنهم توجيهه لغير المستضعفين الذين لا يملكون ضرراً ولا نفعاً، بل ولا يملكون من أنفسهم شيئاً، ولأنَّه ينحصر موضوع نهيهم فيما لا تخفى قباحته على أحدٍ من الرّذائل النفسية الشخصية فقط، ومع ذلك فالجسور لا يرى بُدّاً من الاستثناء المخلِّ للقواعد العامة كقوله: السّرقة قبيحة إلا إذا كانت استرداداً منها، والكذب حرام إلا للمظلوم. والموظَّفون في عهد الاستبداد للوعظ والإرشاد يكونون -مطلقاً- ولا أقول غالباً، من المنافقين الذين نالوا الوظيفة بالتملّق، وما أبعد هؤلاء عن التأثير، لأنَّ النصح الذي لا إخلاص فيه هو بذر عقيم لا ينبت، وإنْ نبت كان رياءً كأصله، ثمَّ إنَّ النُّصح لا يفيد شيئاً إذا لم يصادف أذناً تتطلّب سماعه؛ لأنَّ النصيحة وإن كانت عن إخلاص فهي لا تتجاوز حُكْمَ البذر الحيّ: إنْ أُلقي في أرضٍ صالحة نبت، وإن أُلقي في أرضٍ قاحلة مات.
стр. 92
أمّا النهي عن المنكرات في الإدارة الحرة، فيمكن لكلِّ غيورٍ على نظام قومه أن يقوم به بأمانٍ وإخلاص، وأن يوجِّه سهام قوارصه على الضعفاء والأقوياء سواء، فلا يخصُّ بها الفقير المجروح الفؤاد، بل تستهدف أيضاً ذوي الشّوكة والعناد. وأنْ يخوض في كلِّ وادٍ حتى في مواضيع تخفيف الظُّلم ومؤاخذة الحُكّام، وهذا هو النصح الإنكاري الذي يُعدي ويُجدي، والذي أطلق عليه النّبي ﵇ اسم (الدّين) تعظيماً لشأنه، فقال: "الدين النصيحة".
لمّا كان ضبطُ أخلاق الطبقات العليا من النّاس أهم الأمور، أطلقت الأمم الحرّة حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات مستثنيةً القذف فقط، ورأت أن تحمل مضرَّة الفوضى في ذلك خير التحديد؛ لأنَّه لا مانع للحكّام أنْ يجعلوا الشّعرة من التقييد سلسلة من حديد، ويخنقون بها عدوّتهم الطبيعة، أي الحريّة. وقد حمى القرآن قاعدة الإطلاق بقوله الكريم: ﴿ولا يُضارُّ كاتبٌ ولا شهيد﴾.
الخصال تنقسم إلى ثلاثة أنواع:
الأول: الخصال الحسنة الطبيعية، كالصدق والأمانة والهمّة والمدافعة والرحمة، والقبيحة الطبيعية كالرياء والاعتداء والجبانة والقسوة، وهذا القسم تضافرت عليه كلُّ الطبائع والشرائع.
стр. 93
والنوع الثاني: الخصال الكمالية التي جاءت بها الشرائع الإلهامية، كتحسين الإيثار والعفو وتقبيح الزنّى والطمع؛ وهذا القسم يوجد فيه ما لا تدرك كلُّ العقول حكمته أو حكمة تعميمه، فيمثّله المنتسبون للدّين احتراماً أو خوفاً.
والنوع الثالث: الخصال الاعتيادية، وهي ما يكتسبه الإنسان بالوراثة أو بالتربية أو بالإلفة، فيستحسن أو يستقبح على حسب أمياله ما لم يُضطرّ إلى التحوّل عنها.
ثمَّ إنَّ التدقيق يفيد أنَّ الأقسام تشتبك وتشترك ويؤثر بعضها في بعض، فيصير مجموعها تحت تأثير الإلفة المديدة، بحيث كلُّ خصلة منها ترسخ أو تتزلزل، حسبما يصادفها من استمرار الإلفة أو انقطاعها، فالقاتل -مثلاً- لا يستنكر شنيعته في المرّة الثانية كما استقبحها في نفسه في الأولى، وهكذا يخفُّ الجرم في وهمه، حتى يصل إلى درجة التلذذ بالقتل، كأنّه حقٌّ طبيعي له، كما هي حالة الجبّارين وغالب السياسيين، الذين لا ترتجُّ في أفئدتهم عاطفة رحمة عند قتلهم أفراداً أو أمماً لغاياتهم السياسية، إهراقاً بالسيف أو إزهاقاً بالقلم، ولا فرق بين القتل بقطع الأوداج وبين الإماتة بإيراث الشقاء غير التسريع والإبطاء.
أسير الاستبداد العريق فيه يرث شرَّ الخصال، ويتربّى على أشرِّها، ولا بدَّ أن يصحبه بعضها مدى العمر. بناءً عليه؛ ما أبعده عن خصال الكمال! ويكفيه مفسدةً لكلِّ الخصال الطبيعية والشرعية والاعتيادية تلبسه بالرّياء اضطراراً حتى لا يألفه ويصير مَلَكةً فيه، فيفقد بسبب ثقته نفسه بنفسه،
стр. 94
لأنَّه لا يجد خُلُقاً مستقرّاً فيه، فلا يمكنه، مثلاً، أن يجزم بأمانته، أو يضمن ثباته على أمرٍ من الأمور، فيعيش سيئ الظنّ في حقِّ ذاته متردداً في أعماله، لوّاماً نفسه على إهماله شؤونه، شاعراً بفتور همَّته ونقص مروءته، ويبقى طول عمره جاهلاً مورد هذا الخلل، فيتَّهم الخالق، والخالقُ -جلَّ شأنه- لم يُنقصه شيئاً. ويتَّهم تارةً دينه، وتارةً تربيته، وتارةً زمانه، وتارةً قومه، والحقيقة بعيدة عن كلِّ ذلك، وما الحقيقة غير أنّه خُلق حرّاً فأُسر.
أجمع الأخلاقيون على أنَّ المتلبِّس بشائبةٍ من أصول القبائح الخلقية لا يمكنه أن يقطع بسلامة غيره منها، وهذا معنى: "إذا ساءت فِعال المرء ساءت ظنونه". فالمرائي -مثلاً- ليس من شأنه أن يظنَّ البراءة في غيره من شائبة الرياء، إلاّ إذا بَعُدَ تشابه النشأة بينهما بُعداً كبيراً، كأن يكون بينهما مغايرة في الجنس أو الدّين أو تفاوت مهمٌّ في المنزلة كصعلوك وأمير كبير. ومثال ذلك الشرقيّ الخائن، يأمن الإفرنجي في معاملته، ويثق بوزنه وحسبانه، ولا يأمن ويثق بابن جلدته. وكذلك الإفرنجي الخائن قد يأمن الشرقي، ولا يأمن مطلقاً ابن جنسه. وهذا الحكم صادق على عكس القضية أيضاً؛ أي أنَّ الأمين يظنُّ الناس أمناء خصوصاً أشباهه في النشأة، وهذا معنى "الكريم يُخدَع"، وكم يذهل الأمين في نفسه عن اتِّباع حكمة الحزم في إساءة الظنِّ في مواقعه اللازمة.
إذا علمنا أنَّ من طبيعة الاستبداد ألفة الناس بعض الأخلاق الرديئة، وأنَّ منها ما يُضعف الثّقة بالنفس، علمنا سبب قلة أهل العمل وأهل العزائم في
стр. 95
السّراء، وعلمنا أيضاً حكمة فقد الأُسراء ثقتهم بعضهم ببعض. فينتج من ذلك أنَّ الأُسراء محرومون -طبعاً- من ثمرة الاشتراك في أعمال الحياة، يعيشون مساكين بائسين متواكلين متخاذلين متقاعسين متفاشلين، والعاقل الحكيم لا يلومهم، بل يشفق عليهم، ويلتمس لهم مخرجاً. ويتبع أثر أحكم الحكماء القائل: ربِّ ارحم قومي، فإنهم لا يعلمون"، "اللهم اهدِ قومي، فإنهم لا يعلمون".
وهنا أستوقف المطالع وأستلفته إلى التأمّل في ما هي ثمرة الاشتراك التي يحرمها الأسراء، فأذكره بأنَّ الاشتراك هو أعظم سرٍّ في الكائنات، به قيام كلِّ شيء ما عدا الله وحده. به قيام الأجرام السماوية؛ به قيام كلِّ حياة؛ به قيام المواليد؛ به قيام الأجناس والأنواع؛ به قيام الأمم والقبائل؛ به قيام العائلات؛ به تعاون الأعضاء. نعم، الاشتراك فيه سرُّ تضاعف القوة بنسبة ناموس التربيع؛ فيه سرُّ الاستمرار على الأعمال التي لا تفي بها أعمار الأفراد. نعم؛ الاشتراك هو السرُّ كلُّ السرّ في نجاح الأمم المتمدنة. به أكملوا ناموس حياتهم القومية، به ضبطوا نظام حكوماتهم، به قاموا بعظائم الأمور، به نالوا كل ما يغبطهم عليه أُسراء الاستبداد الذين منهم العارفون بقدر الاشتراك ويتشوَّقون إليه، ولكن؛ كلٌّ منهم يُبطن لغبن شركائه باتِّكاله عليهم عملاً، واستبداده عليهم رأياً، حتى صار من أمثالهم قولهم: "ما من متَّفقين إلا واحدهما مغلوبٌ للآخر".
ورُبَّ قائلٍ يقول إنَّ سرَّ الاشتراك ليس بالأمر الخفيّ، وقد طالما كتب
стр. 96
اليابانيين والبوير، فما السبب؟ فأجيبه بأنَّ الكُتَّاب كتبوا وأكثروا وأحسنوا فيما فصّلوا وصوّروا، ولكنْ؛ قاتل الله الاستبداد وشؤمه، جعل الكتّاب يحصرون أقوالهم في الدعوة إلى الاشتراك، وما بمعناه من التعاون والاتحاد والتحابب والاتِّفاق، ومنعهم من التعرُّض لذكر أسباب التفرّق والانحلال كليّاً، أو اضطرهم إلى الاقتصار على بيان الأسباب الأخيرة فقط. فمن قائلٍ مثلاً: الشرق مريضٌ وسببه الجهل، ومن قائلٍ: الجهل بلاء وسببه قلّة المدارس، ومن قائلٍ: قلّة المدارس عارٌ وسببه عدم التعاون على إنشائها من قبل الأفراد أو من قبل ذوي الشأن.
وهذا أعمق ما يخطُّه قلم الكاتب الشرقي كأنّه وصل إلى السبب المانع الطبيعي أو الاختياري. والحقيقة، أنَّ هناك سلسلة أسباب أخرى حلقتها الأولى الاستبداد.
وكاتب آخر يقول: الشرق مريض وسببه فقد التمسّك بالدين، ثمَّ يقف، مع أنَّه لو تتبَّع الأسباب لبلغ إلى الحكم بأنَّ التهاون في الدين أولاً وآخراً ناشئ من الاستبداد. وآخر يقول: إنَّ السبب فساد الأخلاق، وغيره يرى أنّه فقد التربية، وسواء ظنَّ أنَّه الكسل، والحقيقة أنَّ المرجع الأول في الكلّ هو الاستبداد، الذي يمنع حتى أولئك الباحثين عن التصريح باسمه المهيب.
وقد اتَّفق الحكماء الذين أكرمهم الله تعالى بوظيفة الأخذ بيد الأمم في
стр. 97
بحثهم عن المهلكات والمنجيات، على أنَّ فساد الأخلاق يُخرج الأمم عن أن تكون قابلة للخطاب، وأنَّ معاناة إصلاح الأخلاق من أصعب الأمور وأحوجها إلى الحكمة البالغة والعزم القوي، وذكروا أنَّ فساد الأخلاق يعمُّ المستبدَّ وأعوانه وعماله، ثمَّ يدخل بالعدوى إلى كلّ البيوت، ولا سيما بيوت الطبقات العليا التي تتمثَّل بها السفلى. وهكذا يغشو الفساد، وتمسي الأمة يبكيها المحبُّ ويشمت بها العدو، وتبيت وداؤها عياء يتعاصى على الدواء.
وقد سلك الأنبياء ﵈، في إنقاذ الأمم من فساد الأخلاق، مسلك الابتداء أولاً بفكِّ العقول من تعظيم غير الله والإذعان لسواه. وذلك بتقوية حسن الإيمان المفطور عليه وجدان كلُّ إنسان، ثمَّ جهدوا في تنوير العقول بمبادئ الحكمة، وتعريف الإنسان كيف يملك إرادته؛ أي حريته في أفكاره، واختياره في أعماله، وبذلك هدموا حصون الاستبداد وسدّوا منابع الفساد.
ثمَّ بعد إطلاق زمام العقول، صاروا ينظرون إلى الإنسان بأنَّه مكلَّف بقانون الإنسانية، ومطالب بحسن الأخلاق، فيعلمونه ذلك بأساليب التعليم المقنع وبثّ التربية التهذيبية.
والحكماء السياسيون الأقدمون اتَّبعوا الأنبياء ﵈ في سلوك هذا الطريق وهذا الترتيب؛ أي بالابتداء من نقطة دينية فطرية تؤدي إلى تحرير الضمائر، ثمَّ باتِّباع طريق التربية والتهذيب بدون فتورٍ ولا انقطاع.
أما المتأخرون من قادة العقول في الغرب، فمنهم فئة سلكوا طريقة
стр. 98
الخروج بأممهم من حظيرة الدين وآدابه النفسية، إلى فضاء الإطلاق وتربية الطبيعة، زاعمين أنَّ الفطرة في الإنسان أهدى سبيلاً، وحاجته إلى النظام تغنيه عن إعانة الدين، التي هي كالمخدرات سموم تعطِّل الحسَّ بالهموم، ثمّ تذهب بالحياة، فيكون ضررها أكبر من نفعها.
وقد ساعدهم على سلوك هذا المسلك، أنَّهم وجدوا أممهم قد فشا فيها نور العلم، ذلك العلم الذي كان منحصراً في خدمة الدين عند المصريين والآشوريين، ومحتَكَراً في أبناء الأشراف عند الغرناطيين والرومان، ومخصصاً في أعداد من الشّبان المنتخبين عند الهنديين واليونان، حتى جاء العرب بعد الإسلام، وأطلقوا حرية العلم، وأباحوا تناوله لكلِّ متعلم، فانتقل إلى أوربا حراً على رغم رجال الدين، فتنوَّرت به عقول الأمم على درجات، وفي نسبتها ترقَّت الأمم في النعيم، وانتشرت وتخالطت، وصار المتأخِّر منها يغبط المتقدِّم ويتنغَّص من حالته، ويتطلَّب اللحاق، ويبحث عن وسائله. فنشأ من ذلك حركة قوية في الأفكار، وحركة معرفة الخير والغيرة على نواله، حركة معرفة الشرّ والأنَفَة من الصبر عليه، حركة السير إلى الأمام رغم كلِّ معارض. اغتنم زعماء الحرية في الغرب قوة هذه الحركة وأضافوا إليها قوات أدبية شتّى، كاستبدالهم ثقالة وقار الدين بزهوة عروس الحرية، حتى إنَّهم لم يبالوا بتمثيل الحرية بحسناء خليعة تختلب النفوس. وكاستبدالهم رابطة الاشتراك في الطاعة للمستبدين برابطة الاشتراك في الشؤون العمومية، ذلك الاشتراك الذي يتولّد منه حبُّ الوطن. وهكذا جعلوا قوة حركة الأفكار تياراً
стр. 99
سلّطوه على رؤوس الرؤوس من أهل السياسة والدين. ثمَّ إنَّ هؤلاء الزعماء استباحوا القساوة أيضاً، فأخذوا من مهجورات دينهم قاعدة (الغاية تبرر الواسطة)، كجواز السرقة إذا كانت الغاية من صرف المال في سبيل الخير، وقاعدة (تثقيل الذمة يبيح الفعل القبيح) كشهادة الزور على ذمّة الكاهن التي يتحمَّل عنها خطيئتها، ودفعوا الناس بهما إلى ارتكاب الجرائم الفظيعة التي تقشعرُّ منها الإنسانية، التي لا يستبيحها الحكيم الشرقي لما بين أبناء الغرب وأبناء الشرق من التباين في الغرائز والأخلاق.
الغربي: ماديُّ الحياة، قويُّ النفس، شديد المعاملة، حريصٌ على الانتقام، كأنَّه لم يبقَ عنده شيء من المبادئ العالية والعواطف الشريفة التي نقلتها له مسيحية الشرق. فالجرماني مثلاً: جاف الطبع، يرى أنَّ العضو الضعيف من البشر يستحق الموت، ويرى كلَّ فضيلة في القوة، وكلَّ القوة في المال، فهو يحبُّ العلم، ولكن، لأجل المال؛ ويحبُّ المجد، ولكن لأجل المال. وهذا اللاتيني مطبوع على العجب والطيش، يرى العقل في الإطلاق، والحياة في خلع الحياء، والشّرف في التّرف، والكياسة في الكسب، والعزّ في الغلبة، واللذَّة في المائدة والفراش.
أما أهل الشرق فهم أدبيون، ويغلب عليهم ضعف القلب وسلطان الحبِّ، والإصغاء للوجدان، والميل للرّحمة ولو في غير موقعها، واللُّطف ولو مع الخصم. ويرون العزَّ في الفتوة والمروءة، والغنى في القناعة والفضيلة، والراحة في الأنس والسّكينة، واللذة في الكرم والتحبب، وهم يغضبون، ولكن؛ للدين فقط، ويغارون، ولكن؛
стр. 100
على العِرْض فقط.
ليس من شأن الشرقي أن يسير مع الغربي في طريقٍ واحدة، فلا تطاوعه طباعه على استباحة ما يستحسنه الغربي، وإن تكلَّف تقليده في أمر فلا يُحسن التقليد، وإن أحسنه فلا يثبت، وإن ثبت فلا يعرف استثماره، حتى لو سقطت الثمرة في كفِّه تمنّى لو قفزت على فمه! .. فالشرقي مثلاً يهتمُّ في شأن ظالمه إلى أن يزول عنه ظلمه، ثمَّ لا يفكر فيمن يخلفه ولا يراقبه، فيقع في الظلم ثانيةً، فيعيد الكرّة ويعود الظلم إلى ما لا نهاية. وكأولئك الباطنة في الإسلام: فتكوا بمئات أمراء على غير طائل، كأنَّهم لم يسمعوا بالحكمة النبوية: "لا يُلدَغ المرء من جُحرٍ مرتين"، ولا بالحكمة القرآنية" ﴿إنَّ الله يحبُّ المتَّقين﴾. أما الغربي إذا أخذ على يد ظالمه فلا يفلته حتى يشلَّها، بل حتى يقطعها ويكوي مقطعها.
وهكذا بين الشرقيين والغربيين فروقٍ كثيرة، قد يفضل في الإفراديات الشرقي على الغربي، وفي الاجتماعيات يفضل الغربي على الشرقي مطلقاً. مثال ذلك: الغربيون يستحلفون أميرهم على الصداقة في خدمته لهم والتزام القانون. والسلطان الشرقي يستحلف الرعية على الانقياد والطاعة! الغربيون يَمنّون على ملوكهم بما يرتزقون من فضلاتهم، والأمراء الشرقيون يتكرَّمون على من شاؤوا بإجراء أموالهم عليهم صدقات! الغربي يعتبر نفسه مالكاً لجزءٍ مشاع من وطنه، والشرقيّ يعتبر نفسه وأولاده وما في يديه ملكاً لأميره! الغربي له على أميره حقوق، وليس عليه حقوق؛ والشرقي عليه لأميره حقوق
стр. 101
وليس له حقوق! الغربيون يضعون قانوناً لأميرهم يسري عليه، والشرقيون يسيرون على قانون مشيئة أمرائهم! الغربيون قضاؤهم وقدرهم من الله؛ والشرقيون قضاؤهم وقدرهم ما يصدر من بين شفتي المستعبدين! الشرقي سريع التصديق، والغربي ينفي ولا يثبت حتى يرى ويلمس. الشرقي أكثر ما يغار على الفروج كأنَّ شرفه كلّه مستودَعٌ فيها، والغربي أكثر ما يغار على حريته واستقلاله! الشرقي حريصٌ على الدين والرياء فيه، والغربي حريصٌ على القوة والعزّ والمزيد فيهما! والخلاصة: أنَّ الشرقي ابن الماضي والخيال، والغربي ابن المستقبل والجد! ...
الحكماء المتأخرون الغربيون ساعدتهم ظروف الزمان والمكان، وخصوصية الأحوال، لاختصار الطريق فسلكوه، واستباحوا ما استباحوا، حتى إنَّهم استباحوا في التمهيد السياسي تشجيع أعوان المستبدَّ على تشديد وطأة الظلم والاعتساف بقصد تعميم الحقد عليه، وبمثل هذه التدابير القاسية نالوا المراد أو بعضه، من تحرير الأفكار وتهذيب الأخلاق وجعل الإنسان إنساناً.
وقد سبق هؤلاء الغُلاة فئة اتَّبعت أثر النبيين، ولم تحفل بطول الطريق وتعبه، فنجحت ورسخت، وأعني بتلك الفئة أولئك الحكماء الذين لم يأتوا بدينٍ جديد، ولا تمسّكوا بمعاداة كلِّ دين، كمؤسسي جمهورية الفرنسيس، بل رتقوا فُتوق الدّهر في دينهم بما نقَّحوا، وهذَّبوا، وسهَّلوا، وقرَّبوا، حتى
стр. 102
جدَّدوه، وجعلوه صالحاً لتجديد خليق أخلاق الأمة.
وما أحوج الشرقيين أجمعين من بوذيين ومسلمين ومسيحيين وإسرائيليين وغيرهم، إلى حكماء لا يبالون بغوغاء العلماء المرائين الأغبياء، والرؤساء القساة الجهلاء. فيجددون النّظر في الدّين، نظر من لا يحفل بغير الحقِّ الصريح، نظر من لا يضيع النتائج بتشويش المقدمات، نظر من يقصد إظهار الحقيقة لا إظهار الفصاحة، نظر من يريد وجه ربِّه لا استمالة الناس إليه، وبذلك يعيدون النواقص المعطَّلة في الدين، ويهذِّبونه من الزوائد الباطلة مما يطرأ عادةً على كلِّ دينٍ يتقادم عهده، فيحتاج إلى مجددين يرجعون به إلى أصله المبين البريء من حيث تمليك الإرادة ورفع البلادة من كل ما يشين، المخفِّف شقاء الاستبداد والاستعباد، المبصِّر بطرائق التعليم والتعلّم الصحيحين، المهيّئ قيام التربية الحسنة واستقرار الأخلاق المنتظمة مما به يصير الإنسان إنساناً، وبه لا بالكفر يعيش الناس إخواناً.
والشرقيون ما داموا على حاضر حالهم بعيدين عن المجد والعزم، مرتاحين للهو والهزل تسكيناً لآلام إسارة النفس، وإخلاداً إلى الخمول والتسفُّل، طلباً لراحة الفكر المضغوط عليه من كلِّ جانب، يتألمون من تذكيرهم بالحقائق، ومطالبتهم بالوظائف، ينتظرون زوال العناد بالتواكل، أو مجرد التمنّي والدعاء. أو يتربصون صدفة مثل التي نالتها بعض الأمم، فليتوقّعوا إذن أن يفقدوا الدين كلياً، فيمسوا -وما مساؤهم ببعيد- دهريين، لا يدرون أي الحياتين أشقى، فلينظروا ما حاق بالآشوريين والفينيقيين وغيرهم من الأمم المنقرضة المندمجة
стр. 103
في غيرها خدماً وخَوَلاً.
والأمر الغريب، أنَّ كلَّ الأمم المنحطّة من جميع الأديان تحصر بلية انحطاطها السياسي في تهاونها بأمور دينها، ولا ترجو تحسين حالتها الاجتماعية إلا بالتمسُّك بعروة الدين تمسكاً مكيناً، ويريدون بالدين العبادة، ولنِعم الاعتقاد لو كان يفيد شيئاً، لكنه لا يفيد أبداً؛ لأنه قولٌ لا يمكن أن يكون وراءه فعل، وذلك أنَّ الدين بذرٌ جيد لا شبهة فيه، فإذا صدقت مغرساً طيباً نبت ونما، وإن صادف أرضاً قاحلة مات وفات، أو أرضاً مغراقاً هاف الاستبداد بصرها وبصيرتها، وأفسد أخلاقها ودينها، حتى صارت لا تعرف للدين معنى غير العبادة والنسك اللذين زيادتهما عن حدِّهما المشروع أضرُّ على الأمة من نقصهما كما هو مشاهد في المتنسكين.
نعم! الدين يفيد الترقّي الاجتماعي إذا صادف أخلاقاً فطرية لم تفسد، فينهض بها كما نهضت الإسلامية بالعرب، تلك النهضة التي نتطلبها منذ ألف عام عبثاً.
وقد علَّمنا هذا الدهر الطويل -مع الأسف- أنَّ أكثر الناس لا يحفلون بالدين إلا إذا وافق أغراضهم، أو لهواً ورياءً، وعلمنا أنَّ الناس عبيد منافعهم وعبيد الزمان، وأنَّ العقل لا يفيد العزم عندهم، إنما العزم عندهم يتولّد من الضرورة أو يحصل بالسائق المجبر. ولا يستحي الناس من أن يُلزموا أنفسهم باليمين أو النذر. بناءً عليه؛ ما أجدر بالأمم المنحطّة أن تلتمس دواءها من طريق
стр. 104
إحياء العلم وإحياء الهمة مع الاستعانة بالدين والاستفادة منه بمثل: ﴿إنَّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾، لا أن يتَّكِلوا على أنَّ الصلاة تمنع الناس عنهما بطبعها.
стр. 105
الاستبداد والتربية
خلق اللهُ في الإنسان استعداداً للصلاح واستعداداً للفساد، فأبواه يصلحانه، وأبواه يفسدانه؛ أي إنَّ التربية تربو باستعداده جسماً ونفساً وعقلاً، إنْ خيراً فخير، وإنْ شراً فشرّ. وقد سبق أنَّ الاستبداد المشؤوم يؤثِّر على الأجسام فيورثها الأسقام، ويسطو على النفوس، فيفسد الأخلاق، ويضغط على العقول فيمنع نماءها بالعلم. بناءً عليه؛ تكون التربية والاستبداد عاملين متعاكسين في النتائج، فكلُّ ما تبنيه التربية مع ضعفها يهدمه الاستبداد بقوته، وهل يتمُّ بناءٌ وراءه هاد؟
الإنسان لا حدَّ لغايتيه رقيّاً وانحطاطاً. وهذا الإنسان الذي حارت العقول فيه، الذي تحمَّل أمانة تربية النَّفس، وقد أبتها العوالم، فأتمَّ خالقه استعداده، ثمَّ أوكله لخيرته، فهو إن يشأ الكمال يبلغ فيه إلى ما فوق مرتبة الملائكة، وإن شاء تلبَّس بالرَّذائل حتى أحطّ من الشياطين، على أنَّ الإنسان أقرب للشرِّ منه للخير. وكفى أنَّ الله ما ذكر الإنسان في القرآن، إلا وقرن اسمه بوصفٍ قبيح كظلوم وغرور وكفّار
стр. 106
وجبّار وجهول وأثيم. ما ذكر الله تعالى الإنسان في القرآن إلا وهجاه، فقال: ﴿قُتِل الإنسانُ ما أكفره﴾؛ ﴿إنَّ الإنسان لكفورٌ﴾؛ ﴿إنَّ الإنسان لفي خُسٍ﴾؛ ﴿إنَّ الإنسان ليطغى﴾؛ ﴿وكان الإنسان عَجولاً﴾؛ ﴿خُلِق الإنسان من عَجَلٍ﴾. ما وُجِد من مخلوقات الله من نازع الله في عظمته، والمستبدّون من الإنسان ينازعونه فيها، والمتناهون في الرّذالة قد يقبحون عبثاً لغير حاجة في النَّفس حتى وقد يتعمدون الإساءة لأنفسهم.
الإنسان في نشأته كالغصن الرَّطب، فهو مستقيمٌ لدِنٌ بطبعه، ولكنّها أهواء التربية تميل به إلى يمين الخير أو شمال الشرّ، فإذا شبَّ يبس وبقي على أمياله ما دام حياً، بل تبقى روحه إلى أبد الآبدين في نعيم السرور بإيفائه حقَّ وظيفة الحياة أو في جحيم الندم على تفريطه. وربما كان لا غرابة في تشبيه الإنسان بعد الموت بالمرء الفرح الفخور إذا نام ولذَّت له الأحلام، أو بالمجرم الجاني إذا نام فغشيته قوارص الوجدان بهواجس كلُّها ملام وآلام.
التربية ملكةٌ تحصل بالتعليم والتمرين والقدوة والاقتباس، فأهمُّ أصولها وجود المرابين، وأهمُّ فروعها وجود الدين. وجعلت الدين فرعاً لا أصلاً؛ لأنَّ الدين علمٌ لا يفيد العمل إذا لم يكن مقروناً بالتمرين. وهذا هو سبب اختلاف الأخلاف من علماء الدين عند الإسلام عن أمثالهم من البراهمة والنصارى، وهو سبب إقبال المسلمين في القرن الخامس، وفيما بعده، على قبول أصول الطرائق التي كانت لبّاً محضاً لما كانت تعليماً وتمريناً؛ أي تربية للمريدين، ثمَّ خالطها القشر، ثمَّ صارت قشراً محضاً، ثمَّ صار أكثرها
стр. 107
لهواً أو كفراً.
ملكة التربية بعد حصولها إنْ كانت شراً تضافرت مع النّفس ووليها الشيطان الخنّاس فرسخت، وإن كانت خيراً تبقى مقلقلة كالسفينة في بحر الأهواء، لا يرسو بها إلا فرعها الديني في السرِّ والعلانية، أو الوازع السياسي عند يقين العقاب.
والاستبداد ريحٌ صرصر فيه إعصار يجهل الإنسان كلّ ساعة شأنه، وهو مُفسِدٌ للدين في أهمِّ قسميه؛ أي الأخلاق، أما العبادات منه فلا يمسّها لأنها تلائمه أكثر. ولهذا تبقى الأديان في الأمم المأسورة عبارة عن عبادات مجرّدة صارت عادات، فلا تفيد في تطهير النفوس شيئاً، ولا تنهى عن فحشاء ولا منكر لفقد الإخلاص فيها تبعاً لفقده في النفوس، التي ألفت أن تتلجأ وتتلوّى بين يدي سطوة الاستبداد في زوايا الكذب والرّياء والخداع والنفاق، ولهذا لا يُستغرب في الأسير الأليف تلك الحال؛ أي الرّياء، أن يستعمله أيضاً مع ربِّه، ومع أبيه وأمِّه ومع قومه وجنسه، حتى ومع نفسه.
التربية تربية الجسم وحده إلى سنتين، هي وظيفة الأم أو الحاضنة، ثمَّ تُضاف إليها تربية النفس إلى السابعة، وهي وظيفة الأبوين والعائلة معاً، ثمّ تُضاف إليها تربية العقل إلى البلوغ، وهي وظيفة المعلِّمين والمدارس، ثمَّ تأتي تربية القدوة بالأقربين والخلطاء إلى الزواج، وهي وظيفة الصُّدفة، ثمَّ تأتي تربية المقارنة، وهي وظيفة الزوجين إلى الموت أو الفراق.
ولا بدَّ أن تصحب التربية من بعد البلوغ، تربية الظروف المحيطة،
стр. 108
وتربية الهيئة الاجتماعية، وتربية القانون أو سير السياسي، وتربية الإنسان نفسه.
الحكومات المنتظمة هي التي تتولّى ملاحظة تسهيل تربية الأمة من حين تكون في ظهور الآباء، وذلك بأن تسنّ قوانين النكاح، ثم تعتني بوجود القابلات والملقّحين والأطباء، ثمَّ تفتح بيوت الأيتام اللقطاء، ثم تعدُّ المكاتب والمدارس للتعليم من الابتدائي الجبري إلى أعلى المراتب، ثمَّ تسهِّل الاجتماعات، وتمهِّد المسارح، وتحمي المنتديات، وتجمع المكتبات والآثار، وتقيم النُّصب المذكرات، وتضع القوانين المحافظة على الآداب والحقوق، وتسهر على حفظ العادات القومية، وإنماء الإحساسات المللية، وتقوّي الآمال، وتيسِّر الأعمال، وتؤمِّن العاجزين فعلاً عن الكسب من الموت جوعاً، وتدفع سليمي الأجسام إلى الكسب ولو في أقصى الأرض، وتحمي الفضل وتقدِّر الفضيلة. وهكذا تلاحظ كلَّ شؤون المرء؛ ولكن، من بعيد، كي لا تخلّ بحريته واستقلاله الشخصي، فلا تقرب منه إلا إذا جنى جرماً لتعاقبه، أو مات لتواريه.
وهكذا، الأمة تحرص على أن يعيش ابنها راضياً بنصيبه من حياته لا يفتكر قطّ كيف تكون بعده حالة صبية ضعاف يتركهم وراءه، بل يموت مطمئناً راضياً مرضياً آخر دعائه: فلتحي الأمة، فلتحي الهمة.
أما المعيشة الفوضى في الإدارات المستبدّة فهي غنية عن التربية؛ لأنها
стр. 109
محضُّ نماء يشبه الأشجار الطبيعية في الغابات والحراش، يسطو عليها الحرق والغرق. وتحطِّمها العواصف والأيدي القواصف، ويتصرَّف في فسائلها وفروعها الفأس الأعمى، فتعيش ما شاءت رحمة الحطّابين أن تعيش، والخيار للصُّدفة تعوج أو تستقيم، تثمر أو تعقم.
يعيش الإنسان في ظلِّ العدالة والحرية نشيطاً على العمل بياض نهاره، وعلى الفكر سواد ليله، إن طعم تلذَّذ، وإن تلهّى تروَّح وتريّض؛ لأنّه هكذا رأى أبويه وأقرباءه، وهكذا يرى قومه الذين يعيش بينهم. يراهم رجالاً ونساءً، أغنياء وفقراء، ملوكاً وصعاليك، كلُّهم دائبين على الأعمال، يفتخر منهم كاسب الدينار بكدِّه وجدّه، على مالك المليار إرثاً عن أبيه وجدِّه. نعم؛ يعيش العامل ناعم البال يسرُّه النجاح ولا تقبضه الخيبة، إنّما ينتقل من عملٍ إلى غيره، ومن فكرٍ إلى آخر، فيكون متلذذاً بآماله إنْ لم يسارعه السّعد في أعماله، وكيفما كان يبلغ العذر عن نفسه والناس بمجرد إيفائه وظيفة الحياة؛ أي العمل. ويكون فرحاً فخوراً نجح أو لم ينجح، لأنَّه بريء من عار العجز والبطالة.
أما أسير الاستبداد، فيعيش خاملاً خامداً ضائع القصد، حائراً لا يدري كيف يميت ساعاته وأوقاته ويدرج أيامه وأعوامه، كأنَّه حريصٌ على بلوغ أجله ليستتر تحت التراب. ويخطئ، والله من يظنُّ أنَّ أكثر الأسراء لا سيما منهم الفقراء لا يشعرون بآلام الأسر. مستدلاً بأنهم لو كانوا يشعرون لبادروا إلى إزالته، والحقيقة في ذلك أنهم يشعرون بأكثر الآلام ولكنهم
стр. 110
لا يدركون ما هو سببها، ومن أين جاءتهم؟ فيرى أحدهم نفسه منقبضاً عن العمل، لأنه غير أمين على اختصاصه بالثمرة. وربما ظنَّ السّلب حقاً طبيعياً للأقوياء فيتمنّى أنْ لو كان منهم. ثمَّ يعمل تارةً، ولكن؛ بدون نشاط ولا إتقان، فيفشل ضرورةً، ولا يدري أيضاً ما السبب، فيغضب على ما يسمّيه سعداً أو حظاً أو طالعاً أو قدراً. والمسكين من أين له أن يعرف أنَّ النشاط والإتقان لا يتأتيان إلا مع لذة انتظار نجاح العمل، تلك اللذة التي قدَّر الحكماء أنَّها اللذة الكبرى، لاستمرار زمانها من حين العزم إلى تمام العمل، والأسير لا اطمئنان فيه على الاستمرار، ولا تشجيع له على الصبر والجلد.
الأسير المعذَّب المنتسب إلى دين يسلّي نفسه بالسعادة الأخروية، فيعدها بجنان ذات أفنان ونعيم مقيم أعدَّه له الرحمن، ويبعد عن فكره أنَّ الدنيا عنوان الآخرة، وأنَّ ربما كان خاسراً الصفقتين، بل ذلك هو الكائن غالباً. ولبسطاء الإسلام مسليات أظنُّها خاصّة بهم يعطفون مصائبهم عليها، وهي نحو قولهم: الدنيا سجن المؤمن، المؤمن مصاب، إذا أحبَّ الله عبداً ابتلاه، هذا شأن آخر الزمان، حسب المرء لقيماتٍ يقمن صلبه. ويتناسون حديث: "إنَّ الله يكره العبد البطّال"، والحديث المفيد معنى "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم غرسةً فليغرسها"، ويتغافلون عن النص القاطع المؤجّل قيام الساعة إلى ما بعد استكمال الأرض زخرفتها وزينتها. وأين ذلك بعد؟
وكلُّ هذه المسميات المثبطات تهون عند ذلك السمّ القاتل، الذي يحوّل الأذهان عن التماس معرفة سبب الشقاء، فيرفع المسؤولية عن المستبدّين،
следующие страницы →